موسوعة القرآن العظيم - ج ٢

دكتور عبد المنعم الحفني

موسوعة القرآن العظيم - ج ٢

المؤلف:

دكتور عبد المنعم الحفني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة مدبولي
الطبعة: ١
ISBN: 977-208-422-2
الصفحات: ١٢٤٤
الجزء ١ الجزء ٢

١
٢

٣
٤

الباب التاسع

فى أسباب نزول آيات القرآن

الآيات فى القرآن بعضها ليس له سبب خاص مرتبط به فى نزوله ، وبعضها له أسبابه. والمراجع فى أسباب النزول كثيرة أفردها مشايخ أجلاء بعلم خاص ، سمّوه «علم أسباب النزول» ، ومن هؤلاء البخارى ، والمدينى ، والواحدى ، والجعبرى ، وابن حجر ، والسيوطى ، وكثيرون غيرهم.

وكان النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم توجّه إليه الكثير من الأسئلة ، كما كانت تقع أحداث تتصل بالدعوة وسيرها ، وأحوال المسلمين والتشريع لهم ، وكانت تشكل وقتها أسبابا للنزول ، وعن ذلك تتنزل الآيات فى أعقابها ، أو تتأخر لفترة من الفترات. ومن أسباب النزول قد يحيط المسلم بالحكمة من الآية ، وما بها من أحكام ، فيزداد اقتناعه ، ويتلاشى شكه ، ويترسّخ إيمانه. وتلقى الأسباب أضواء على الآية ، فيزداد الفهم لما تتضمنه. والمثل على ذلك أن عروة بن الزبير لما قرأ الآية : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) (١٥٨) (البقرة) ، تحصّلت له القناعة أنه لا جناح على من لا يطوّف بهما ، فصحّحت له خالته أم المؤمنين عائشة فهمه : أنه لا جناح على من يطّوف بهما ـ وهما اللذان كان يطوّف بهما الكفار فى الجاهلية ، فهذا هو الذى لا جناح فيه ، وأمّا الطواف بهما فهو فرض فى الإسلام ، وروت له عمّا كان فى الجاهلية وعمّا فعله الإسلام ، وتحرّج المسلمين أن يطّوفوا بهما فكان نزول الآية لتزيل هذا الحرج ، وتفرض هذا الطواف ، ولو لا أن عائشة روت له عن الأسباب ما كان قد فهم ، ولسلك فى الحج على مقدار فهمه هذا المنقوص.

ثم إن الإحاطة بأسباب الأحكام ـ كحكم الظهار ، لا يجعلها قاصرة على أصحاب الحكم وحدهم ، وهما هنا خولة وزوجها أوس بن الصامت. وأحيانا لا يخرج حكم الآية عن سبب النزول ، وفى معرفة شخوص الواقعة أو الحكم رفع للظلم عن آخرين قد يتهمون عن غير حق ، وفعلت ذلك عائشة لما اتّهم مروان أخاها عبد الرحمن ، أنه الذى نزلت فيه الآية : (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (١٧) (الأحقاف) ، فردّت عليه وقالت : والله ما هو به! ولو شئت أن أسميه لسمّيته! وعائشة ثقة ، وأسباب النزول لا ينبغى أن تؤخذ إلا عن ثقة شاهد التنزيل ، ووقف على الأسباب. ويكون التعبير

٥

عن أسباب النزول إما صريحا فيقال : وسبب نزول الآية ، أو نزلت هذه الآية فى كذا ، أو يكون تعبيرا بالفاء ، كقول جابر : كانت اليهود تقول من آتى امرأة من دبرها جاء الولد أحول ، فأنزل الله (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) (البقرة ٢٢٣). وإذا كانت هناك أكثر من رواية فى أسباب النزول ، فإما أن رواية منها هى الصحيحة ، أو أنها المرجّحة ، أو أن الروايات تستوى فى الصحة ، أو أنها مردودة ، وقد يتكرر السبب لأكثر من آية ، فتتعدد الآيات للسبب الواحد. وقد يكون سبب الآية خاصا وإنما ألفاظها عامة ، ومن أسلوب الحكيم أن يسأل عن الشيء فيأتى جواب الآية عن شىء آخر هو الأهم والأولى بالرعاية ، ولا تعارض بين آيتين إحداهما تسأل عن شىء عام ، والأخرى عن شىء خاص ، فيبدو أنهما متناقضتان ولا تناقض. وغرضنا من هذا الباب أن يلم المسلم بأسباب النزول ، ليعرف أن الدين مرتبط بواقع الحياة ، وبمجريات الأمور مع الناس ، فإذا كانت الآية أو السورة عن قصة فإنه يعلم أن القصة ـ وهى من باب الأدب ـ ليست لذات القصة ، وإنما للفوائد المرجوّة منها ، والدروس المستفادة ، ولتسلية المؤمنين حتى يزدادوا إيمانا ، فالنهايات متشابهة وإن اختلفت الوقائع والأحداث ، وعبر الأمس هى نفسها عبر اليوم ، أو يعلم أنه مثلما كان الناس فى القديم يعانون ولهم مشاكلهم ، وكانوا يسألون فيها ليعرفوا الجواب ويعملوا بمقتضاه ، فكذلك ينبغى أن يكون الشأن اليوم ، والعلم بالأسباب يورث العلم بالمسببات.

* * *

١٠١٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الفاتحة

قيل : نزلت سورة الفاتحة أو سورة الحمد بينما جبريل عند النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وجاء ملك يبشّر بها وبخواتيم سورة البقرة ، وتلاها جبريل. وهى أم القرآن ، ولا صلاة لمن لم يقرأ بها فى كل ركعة.

* * *

١٠١٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة البقرة

١ ـ فى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (٤) : قيل : المراد مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ، وفيه نزلت هذه الآية ، وأما الآية الأخرى : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (٣) (البقرة) فقد نزلت فى مؤمنى العرب. وقيل الآيتان جميعا فى المؤمنين.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (٨) : قيل : المراد بالناس المنافقون ، وفى المنافقين نزلت فى سورة البقرة ثلاث عشرة آية.

٦

٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٦) : قيل : نزلت فى رؤساء اليهود ، ومنهم : حيىّ بن أخطب ، وكعب بن الأشرف ونظرائهما. وقيل : نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب ، والأول أصح.

٤ ـ وفى قوله : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ) (١٣) : قيل : نزلت فى المنافقين من أهل يثرب ، والسفهاء يعنون بهم أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : نزلت فى شأن اليهود ، وفيمن آمن منهم ، كعبد الله بن سلام وأصحابه ، وهؤلاء عندهم هم الجهّال والخرقاء والسفهاء كما فى الآية.

٥ ـ وفى قوله : (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) (١٤) : قيل : نزلت فى عبد الله بن أبىّ وأصحابه ، فكانوا يلتقون بالمؤمنين كأبى بكر ، فيقول عبد الله بن أبى : مرحبا بالصدّيق ، ويقول فى عمر : مرحبا بسيد بنى عدىّ ، وفى علىّ : مرحبا بابن عم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وختنه ، سيد بنى هاشم ، خلا رسول الله ، فإذا افترقوا عن المؤمنين قال لأصحابه : أرأيتم كيف فعلت؟ فافعلوا كما فعلت ، فلما أخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما يضمره عبد الله بن أبىّ وأصحابه ، نزلت الآية.

٦ ـ وفى قوله : (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) (١٩) : قيل : هذه الآية نزلت فى أحوال المنافقين ، تشبيها لها بما فى الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٢٣) : قيل : نزلت الآية فى المشركين ، فإنهم لما سمعوا القرآن قالوا : ما يشبه هذا كلام الله ، وإنا لفى شك منه ، وفى الآية التى قبلها الدلالة على وحدانية الله وقدرته ، وفى هذه الآية الدلالة على نبوّة نبيّه ، ولهذا نزلت.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) (٢٦) : قيل : لما ضرب الله مثل الذى استوقد نارا ، ومثل الصيب من السماء للمنافقين ، قالوا : إن الله أعلى وأجل أن يضرب هذه الأمثال ، فنزلت الآية. وقيل : ضرب الله مثلا بالذباب : (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً) (٧٣) (الحج) ، وبالعنكبوت : (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً) (٤١) (العنكبوت) ، فقالوا : إن الله أجلّ من أن يضرب المثل بهذه الحشرات ، فنزلت الآية. وقالت اليهود : ما يشبه هذا كلام الله ، فأنزل الله الآية.

٧

٩ ـ وفى قوله تعالى : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٤٤) : قيل : نزلت فى يهود المدينة كانوا يقولون للعرب من جيرانهم عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : اثبتوا على الذى أنتم عليه وما يأمركم به محمد ، فإن أمره حق ، ولا يفعلون هم ذلك. وكان أحبارهم يحضّون على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصى ، ويحضّون على الصدقة ويبخلون ، فنزلت الآية فيهم ، تطالبهم بحقائق المعانى. والآية عامة فى كل الناس.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٦٢) : قيل : إن سلمان سأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أهل دين كان معهم ، وذكر لهم من صلاتهم وعبادتهم ، فنزلت الآية. وقيل : لما قصّ سلمان قصة أصحابه ، قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هم فى النار» ، قال سلمان : فأظلمت الدنيا فى وجهى ، فنزلت الآية فكأنما كشف عنى جبل. وقيل : نزلت هذه الآية فى أصحاب سلمان خصيصا.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) (٦٥) : قيل : نزلت فى أصحاب السبت ، نهاهم ربّهم أن يعملوا فى يوم السبت ، فاحتال أهل قرية على البحر أن يصيدوا يوم السبت ، فعاقبهم الله لعدوانهم على السبت واستحلوا الصيد فيه ، فمسخوا قردة ، أى سقطوا أدبيا عند الله ، ولم تعد لهم منزلة ، وصاروا مقلّدين لا فاعلين ، يعنى ألغيت عقولهم ، فكانوا نكالا لمن يعمل بعدهم مثل ذلك الذنب.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) (٦٧) : قيل : نزلت فى قوم موسى لمّا وجدوا قتيلا بين أظهرهم ، واشتبه أمر قاتله عليهم ، ووقع بينهم خلاف ، فأمرهم بذبح بقرة ، فسألوه أن يبيّن ما هى ، ثم إنهم ضربوا الميت ببعض عظم البقرة ، فأحياه الله ، وأخبر عن قاتله ثم مات. والقصة دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ، وعلى الأخذ بالقسامة ، بقسم المقتول أن دمه عند فلان ، وباللّوث وهى الإمارة تغلب على الظن بصدق مدعى القتل ، كشهادة الواحد على رؤية القتل.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥) : قيل : نزلت فى اليهود ، والخطاب لأصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان للأنصار حرص على إسلام اليهود ، بسبب ما بينهما من تحالف وجوار.

٨

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٧٦) : قيل : نزلت فى اليهود ، قالوا لبعضهم البعض لا تحدّثوا المسلمين بما نتفق عليه فيما بيننا حتى لا يتخذوه حجة عليكم. وقيل : إن عليا تسلل إلى يهود قريظة يوم خيبر ، فسمعهم يسبّون الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويعرضون له وأنهم نقضوا العهد. فعاد يسأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا يذهب إليهم ، وأصر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الذهاب ، فلمّا واجههم قال لهم : «أنقضتم العهد أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته» ، فقالوا له : ما كنت جاهلا يا محمد ، فلا تجهل علينا! من حدّثك بهذا؟ ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا (خبر نقضهم العهد). وقيل : نزلت فى جماعة من اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا يقولون آمنا أن صاحبكم رسول الله ، ولكنه مبعوث إليكم خاصة. وقيل : نزلت فى ناس من اليهود نافقوا وكان يأتون المؤمنين من العرب بما تحدثوا به ، فقالوا لبعضهم البعض : أتحدثونهم بما وعدكم الله من العذاب ، ليقولوا : نحن أحب وأكرم إلى الله منكم.

١٥ ـ وفى قوله : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (٧٨) : قيل : هؤلاء هم اليهود الأميون الذين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة ، والآية دليل على أن من اليهود من لم يكن يعرف ما الكتاب وكانوا يجهلون دينهم.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (٧٩) : قيل : نزلت فى أحبار اليهود المتقدمين ، وضعوا كتابا من عندهم قالوا إنه التوراة ، وصنّفوه أبوابا وأسفارا ، وقالوا إن التوراة أو الكتاب بخلاف لوحي الشهادة ، وحرّفوا فى الشريعة ، وحللوا وحرّموا ، ومن ذلك أنهم أحلوا قتل غير اليهود ، والاستيلاء على أموالهم وأراضيهم ، وقالوا لن يضرنا ذنب فنحن أحباء الله وأبناؤه ووعدنا هذه الأرض فمن كان عليها فلا حق له فيها ، وقالوا لن يعذبنا الله ، وإن عذبنا فأربعين يوما مقدار أيام العجل ، ولذلك نزلت الآية فى هؤلاء.

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٨٥) : قيل : نزلت فى بنى قينقاع وقريظة والنضير من اليهود ، وكان بنو قينقاع أعداء قريظة ، والأوس حلفاء بنى قينقاع ،

٩

والخزرج حلفاء بنى قريظة ؛ والنضير والأوس والخزرج إخوان ، وقريظة والنضير إخوان ؛ ثم افترقوا ، واقتتلوا ، ووقعوا أسارى ، فكانوا يفدون أساراهم ، فعيّرهم الله بذلك.

١٨ ـ قوله تعالى : (وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ) (٨٩) : قيل : القرآن مصدّق لما معهم ، وكانوا من قبل يعيّرون الذين كفروا ويتكبّرون بما عندهم من الكتاب ، فلما نزل القرآن يعادل ما عندهم كفروا به ، فنزلت الآية تفضح عنصريتهم وتبيّن أن إيمانهم ليس لله ، فلأن القرآن يصدّق على التوراة فكان الأحرى بهم أن يؤمنوا بالقرآن طالما هم يؤمنون بالتوراة ، وطالما أن عندهم ما يدلهم على كونه منزّلا من عند الله.

١٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٩١) : قيل : نزلت تنفى عن اليهود إيمانهم المدّعى بالله ، فلو كانوا مؤمنين فلم قتلوا النبيين ، كزكريا ويحيى ـ وكما قيل ـ وعيسى ابن مريم؟

٢٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) (٩٢) : قيل : نزلت بسبب اتخاذهم العجل ، صنعوه من ذهب ، وصنعه لهم السامرى ، فلما غاب موسى على الجبل ، وكان قد وعدهم أنه يغيب شهرا ، فزاد الشهر عشرة أيام ، صنعوا العجل ليحتفلوا ويصخبوا ، وفى ذلك نزلت الآية.

٢١ ـ وفى قوله : (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٩٤) : قيل : نزلت فى اليهود ، قالوا إن لنا الجنة من دون الناس ، فنزلت الآية تؤكد أنهم كاذبون ، فلو كانت لهم الجنة لتمنوا الموت حالا ، ولكنهم يخشونه لما يعلمون أنهم ارتكبوه من مظالم.

٢٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) (٩٦) : قيل : نزلت فى اليهود وتنبّه إلى صفة فيهم هى حبّهم للدنيا ، يتمنون لو يعيش الواحد منهم ألف سنة ، فلو كانوا سيدخلون الجنة لما تمنوا أن يعمّروا ، ومهما تمنّوا أن يطول بهم العمر فهم حتما إلى العذاب فى نهاية الأمر.

٢٣ ـ فى قوله تعالى : (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ) (٩٨) : قيل : سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ليس من نبىّ من

١٠

الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربّه بالرسالة وبالوحى ، فمن صاحبك حتى نتابعك؟ قال : جبريل ، قالوا : ذاك الذى ينزل بالحرب وبالقتال! ذاك عدوّنا! لو قلت ميكائيل الذى ينزل بالقطر وبالرحمة ، لتابعناك ، فأنزل الله الآية. أخرجه الترمذى.

٢٤ ـ وفى قوله تعالى : (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ) (٩٨) : قيل : خصّ الله جبريل وميكائيل لأن اليهود ذكروا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوحى إليه جبريل ، وهو عدو اليهود ، لأنه ينزل بالغلظة والشدة والحرب والهلاك ، فلو كان يوحى إليه ميكائيل لكان أفضل ، فميكائيل هو ملاك اليهود ، لأنه ينزل بالقطر والرحمة (والقطر هو المطر) ، وهو عن يمين الربّ ، بينما جبريل عن يساره ، فنزلت الآية بسببهما.

٢٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ) (٩٩) : قيل : هذا جواب لليهودى ابن صوريا ، قال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا محمد ، ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزلت عليك من آية بينة فنتبعك بها؟ فأنزل الله هذه الآية.

٢٦ ـ وفى قوله : (أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (١٠٠) :

قيل : نزلت فى نقضهم للعهود التى كانت بينهم وبين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كفعل قريظة والنضير ، كقوله : (الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ) (٥٦).

٢٧ ـ وفى قوله : (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (١٠٢) : قيل : لمّا نزل القرآن يذكّر بالمرسلين ، قال بعض أحبار اليهود : ألا تعجبون لمحمد؟! يزعم أن ابن داود كان نبيا! والله ما كان إلا ساحرا! فنزلت هذه الآية تنفى عن سليمان السحر ، والسحر سواء لمن يمارسه أو يتعلمه كفر ، واليهود كفروا لتعلمهم السحر ، والشياطين والملكان كفروا لممارستهم السحر فى بابل ، والسحر أصله التمويه بالحيل.

٢٨ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٠٤) : قيل : كان اليهود يخاطبون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقولون (راعِنا) (النساء ٤٦) ، وقلدهم المسلمون عليها ، وفى المخاطبة بها جفاء ، ونهاهم سعد بن معاذ لمّا رآهم يقلدون اليهود فيها ، فنزلت الآية تنهى عن ذلك وتأمر المسلمين أن يتخيّروا لمخاطبة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أحسن الألفاظ وأرق المعانى.

١١

٢٩ ـ وفى قوله تعالى : (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٠٦) : قيل : سبب نزول الآية أن القرآن لما نزل به الأمر بتوجيه القبلة إلى الكعبة ، طعن اليهود فى الإسلام ، وقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بالشىء ثم ينهاهم عنه ، فما من أحد وضع هذا القرآن إلا هو ، ولهذا ناقض بعضه بعضا ، فأنزل الله (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (١٠١) (النحل) وأنزل (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) (١٠٦). وفى قوله (نُنْسِها) قيل : كان ربما ينزل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الوحى بالليل ، فينساه بالنهار ، فأنزل الله الآية ، وهذا غير معقول ، لأنه لو كان هذا صحيحا لكان غير مؤتمن على الرسالة ، وقوله «إذا» فيه إثبات أنه ما تبدّلت آية بآية ، ولا نسخت آية بآية.

٣٠ ـ وفى قوله تعالى : (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) (١٠٨) : قيل : سؤال اليهود لموسى أن يريهم الله جهرة ، والآية نزلت فى سؤال العرب أن يأتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالله والملائكة ، أو أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، أو ينزّل عليهم كتابا من السماء يقرءونه ، أو يفجّر لهم أنهارا فيتّبعونه ويصدّقونه ، فنزلت الآية.

٣١ ـ وفى قوله : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٠٩) : قيل : نزلت الآية فى حيىّ بن أخطب ، وأبى ياسر بن أخطب ، وكانا من أشد اليهود حسدا للعرب إذ خصّهم الله برسول ، وكانا جاهدين فى ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا ، فأنزل الله فيهما : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ...) الآية.

٣٢ ـ وفى قوله : (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٠٩) : قيل : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل وقعة بدر ، مرّ بمجلس فيه عبد الله بن أبىّ بن سلول قبل أن يسلم ، ونزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن ، وقال ابن سلول : أيها المرء (يقصد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم) إن كان ما تقول صحيحا فلا تؤذنا به فى مجالسنا ، فارجع إلى رحلك ، فمن جاءك منا فاقصص عليه ، وركب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصار إلى سعد بن عبادة فشكا له ، فقال سعد : بأبى أنت وأمى! اعف عنه واصفح ، فو الذى أنزل عليك الكتاب بالحق ، لقد جاء الله بالحق الذى أنزل عليك ، فنزلت الآية. فلما كانت بدر وانتصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقفل عائدا ومعه أسارى من صناديد قريش ، قال عبد الله بن أبى بن سلول ومن معه عن المشركين : هذا أمر قد توجّه ... يعنى استقر وبانت نتائجه ، فبايعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأسلموا.

١٢

٣٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (١١٣) : قيل : قدم أهل نجران على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكانوا من النصارى ، فأتتهم أحبار اليهود ، فتنازعوا عند النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالت كل فرقة منهم للأخرى : لستم على شىء ، فنزلت الآية.

٣٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١١٤) : قيل : نزلت فى الكفار تنهى أن يدخلوا المسجد الحرام ، وكان النداء الذى أصدره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى ذلك : «ألا لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان».

وقبل ذلك منع المشركون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمين أن يصلّوا فى الكعبة ، وصدّوهم عنها يوم الحديبية فنزلت الآية.

٣٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) (١١٥) : قيل : نزلت فيمن صلّى إلى غير القبلة فى ليلة مظلمة. وكانوا مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى سفر فى ليلة مظلمة ، فلم يدروا أين القبلة ، فصلى كل رجل منهم على حاله ، فلما أصبحوا ذكروا ذلك للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية. وقيل : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلى تطوعا على راحلته أينما توجهت به فأنزلت الآية. وقيل : لمّا عاب اليهود على المسلمين تركهم لبيت المقدس قبلة لهم ، قالوا ما ولّاهم عن قبلتهم؟ فنزلت الآية.

٣٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (١١٨) : قيل : الذى قال ذلك هو رافع بن خزيمة.

٣٧ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ) (١١٩) : قيل : نزلت فى قول أحدهم : «لو أنزل الله بأسه على اليهود لآمنوا».

٣٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (١٢٥) : قيل : نزلت فى قول عمر للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لو صليت خلف المقام؟ فنزلت الآية ..

٣٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (١٣٠) : قيل : من سفه نفسه هم اليهود والنصارى ؛ وقيل : إن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه : سلمة ومهاجرا ، إلى الإسلام ، فأسلم سلمة ، وأبى مهاجر ، فنزلت الآية فى مهاجر.

١٣

٤٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٣٥) : قيل : قال ابن صوريا اليهودى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه ، فاتّبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله فيهم الآية.

٤١ ـ وفى قوله تعالى : (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٤٢) : قيل : المراد بالسفهاء يهود المدينة ، قالوا للكفار : قد اشتاق محمد إلى مولده ، وعن قريب يرجع إلى دينكم. وقالوا : قد التبس عليه أمره وتحيّر. وقالوا : ما ولّاهم عن قبلتهم ، واستهزءوا بالمسلمين.

٤٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١٤٣) : قيل : نزلت فيمن مات وهو يصلى إلى بيت المقدس ، فلمّا وجه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الناس إلى الكعبة ، قالوا : يا رسول الله ، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله الآية.

٤٣ ـ وفى قوله تعالى : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (١٤٤) : قيل : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا صلى نحو بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر به ، وكان يحب أن يصلى إلى الكعبة ، فأنزل الله الآية. وقيل : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر ، وكان لا يوجه وجهه نحو الكعبة ، فأنزل الله الآية.

٤٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) (١٥٤) : قيل : نزلت لمّا قتل تميم بن الحمام ببدر ، وقيل هو عمير بن الحمام.

٤٥ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) (١٥٨) : قيل : قالت الأنصار إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر به بين الصفا والمروة فأنزل الله الآية. وقيل : إن الناس سألوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كنا نطوف فى الجاهلية بين الصفا والمروة ، والله تعالى انزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا ، فهل علينا حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله الآية. وقال أبو بكر : هما تطوع : (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) (١٥٨). وقيل كان على الصفا صنم يسمى إسافا ، وعلى المروة صنم يسمى نائلة ، فكانوا يتمسحون بهما إذا طافوا ، فامتنع المسلمون من الطواف بينهما من أجل ذلك ، فانزلت الآية.

١٤

٤٦ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (١٥٩) : قيل : هم أحبار اليهود ورهبان النصارى كتموا بعثة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكتم اليهود أمر الرجم ، وقيل : المراد كل من كتم الحق ، فالآية نزلت فى كل من كتم علما يعلمه.

٤٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) (١٦٣) : قيل : قال أهل مكة من الكفار للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنسب لنا ربّك؟ فنزلت : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) (١) (الإخلاص) ، وقال يهود المدينة للمسلمين : انسبوا لنا ربّكم ، فنزلت الآية.

٤٨ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (١٦٤) : قيل : لما نزلت (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ...) (البقرة) قال بعضهم : كيف يسع الناس إله واحد؟! فنزلت : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ...) ، وقيل : لما نزلت : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) ، قالوا : هل من دليل على ذلك ، فأنزل الله تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ..) ، فكأنهم طلبوا آية ، فبيّن لهم دليل التوحيد ، وأن هذا العالم والبناء العجيب لا بدّ له من بان وصانع.

٤٩ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (١٦٨) : قيل : نزلت فى ثقيف وخزاعة وبنى مدلج فيما حرّموه على أنفسهم من الأنعام.

٥٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (١٧٠) : قيل : دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته ، فقال رافع بن حريملة ، ومالك بن عوف : بل نتّبع ما وجدنا عليه آباءنا ، فهم كانوا أعلم وخيرا منا ، ونزلت الآية فى ذلك.

٥١ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٧٤) : قيل : نزلت فى رؤساء اليهود وعلمائهم وكانوا يكتمون ما عندهم من الكتاب نظير منافع الدنيا وما كانوا يأخذونه من الرشاد ، والآية تتناول من المسلمين مما يكتم الحق بسبب دنيا يصيبها.

٥٢ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ

١٥

آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (١٧٧) : قيل : الآية نزلت لتحسم الخلاف بين اليهود والمسلمين حول القبلة ، فالبرّ ليس التولية إلى مشرق أو مغرب ، وإنما البر هذه الوجوه الثمانية للخير. وقيل إن اليهود والنصارى كانوا يختلفون حول القبلة ، أهي إلى الشرق أم إلى الغرب فنزلت الآية. وقيل إن رجلا سأل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن البر فأنزل الله الآية.

٥٣ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٧٨) : قيل : نزلت هذه الآية فى قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا فقالوا : نقتل بعبدنا فلان بن فلان ، وبأمتنا فلانة بنت فلان ، فنزلت الآية تنهى عن البغى فى القصاص ، وتفنن الحرّ بالحر ، والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى ، ولا خلاف فى أن القصاص فى القتل لا يقيمه إلا أولوا الأمر ولم يعد هناك الآن عبيد ولا إماء.

٥٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٤) : قيل : نزلت فى قيس بن السائب وكان يفطر ويطعم كل يوم مسكينا.

٥٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (١٨٦) : قيل : سأل اليهود : كيف يسمع ربّنا وبيننا وبين السماء خمسمائة عام ، وغلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت الآية ، وسببها أن قوما قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أقريب ربّنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت. وقيل نزلت : (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر ٦٠) ، فقالوا : فى أى ساعة ندعوه؟ فنزلت الآية كلها.

٥٦ ـ وفى قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) (١٨٧) : قيل : لمّا نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء فى رمضان كله ، فكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله الآية. والرفث : كناية عن الجماع ؛ وتختانون أنفسكم : من الخيانة ، يعنى يفعلون المحظور من الأكل والجماع فى ليالى الصوم خيانة لأنفسهم ؛

١٦

وباشروهن : يعنى جامعوهن ، وقيل : إنهم كانوا إذا اعتكفوا فخرج الرجل لحاجته فلقى امرأته جامعها إن شاء ، فنزلت الآية.

٥٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (١٨٧) : قيل : كان أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسى. وكان قيس بن صرمة الأنصارى صائما ، وكان يعمل فى النخيل بالنهار ، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعام؟ قالت : لا ، ولكن انطلق فأطلب لك ، وكان يومه يعمل ، فغلبته عيناه ونام حتى الصباح ، فذهب للعمل ، ولمّا انتصف النهار غشى عليه ، فذكر ذلك للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزلت الآية.

٥٨ ـ وفى قوله تعالى : (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (١٨٧) : قيل : كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم فى رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله (مِنَ الْفَجْرِ) ، فعلموا أنه إنما يعنى بذلك بياض النهار ، ولمّا سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الخيط الأبيض والخيط الأسود قال : «هو سواد الليل وبياض النهار» ، وسمى الفجر خيطا لأن ما يبدو من البياض يرى ممتدا كالخيط.

٥٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) (١٨٧) : قيل : كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد ، جامع إن شاء ، فنزلت الآية ، فبيّنت أن الجماع يفسد الاعتكاف.

٦٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٨) : قيل : نزلت فى عبدان بن أشوع الحضرمى ، ادّعى مالا على امرئ القيس الكندى ، واختصما إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأنكر امرؤ القيس وأراد أن يحلف ، فنزلت هذه الآية ، فكفّ عن اليمين ، وحكّم عبدان فى أرضه ولم يخاصمه. والآية تنهى عن رشاء الحكام فى الحقوق بغير الحق. وحكام اليوم عين الرشاء لا مظنة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

٦١ ـ وفى قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ) (١٨٩) : قيل : هذا مما سأل عنه اليهود واعترضوا به على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال معاذ بن جبل : يا رسول الله ، إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة ، فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم

١٧

يزيد ويستوى ويستدير ، ثم يتنقص حتى يعود كما كان؟ فأنزل الله هذه الآية. وقيل : إن سبب نزولها قوم من المسلمين سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الهلال وما سبب محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس ، فنزلت الآية.

٦٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (١٨٩) : قيل : الآية تتصل بما قبلها عن مواقيت الحج والسؤال عن الأهلة ، وتجمع بين كل ذلك ونزلت فيه جميعا. وكان الأنصار إذا حجوا وعادوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم بل من سقف البيت ، بأن يتسنّموا ظهور بيتهم بسلم أو غيره ، وكذلك إذا أهلوا بالحج أو العمرة فإنهم إذا خرجوا من البيت وأرادوا أن يعودوا فى شأن من الشئون فإنهم لا يدخلون من الباب وإنما من سقف الدار. وكانوا يرون هذا من النسك والبر ، فردّت الآية عليهم وبيّنت أن البرّ هو امتثال أوامر الله. وقيل : الناس جميعا وليس الأنصار وحدهم ، كانوا فى الجاهلية وفى أول الإسلام يفعلون ذلك ، فإذا كانت بيوتهم فى الحضر من البناء فإنهم يصعدون إلى السقف من ظهر البيت بسلم ، وإذا كانت بيوتهم من الشّعر ـ يعنى أنهم أهل خيام ـ يدخلون من خلف الخيمة ، إلا من كان من الحمس. ولمّا أهل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالعمرة زمن الحديبية دخل حجرته ودخل خلفه أنصارىّ من بنى سلمة وخرق عادة قومه ، فسأله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لم دخلت وأنت قد أحرمت» ، فقال : دخلت أنت فدخلت بدخولك. فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنى أحمس» أى من قوم لا يدينون بذلك ، فقال له الرجل : دينى هو دينك ، فنزلت الآية. والحمس هم المتشددون فى الدين ، والحماسة الشدّة ، وهى هنا إتيان البيوت من أبوابها.

٦٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (١٩٠) : قيل : هذه أول آية نزلت فى الأمر بالقتال ، وكان القتال محظورا قبل الهجرة ، والأمر بالقتال نزل فيمن يقاتلون المسلمين ونهى عن العدوان ، وسبب الآية أن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة ، نزل بالحديبية فصدّه المشركون عن البيت ، وأقام بالحديبية شهرا ، فصالحوه على أن يرجع من عامه ، على أن تخلى له مكة فى العام المقبل ثلاثة أيام ، وصالحوه على أن لا يكون بينهم قتال عشر سنين ، ورجع إلى المدينة ، فلما كان من قابل ، تجهّز لعمرة القضاء ، وخاف المسلمون غدر الكفار ، وكرهوا القتال فى الحرم وفى الشهر الحرام ، فنزلت الآية تحلّ القتال إن قاتلهم الكفّار ، فكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقاتل من قاتله ، ويكف عمن كفّ عنه.

٦٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى

١٨

يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ) (١٩١) : قيل : نزلت الآية فى شأن عمرو بن الحضرمى حين قتله واقد بن عبد الله التميمى فى آخر يوم من رجب الشهر الحرام الممنوع فيه ذلك.

٦٥ ـ وفى قوله تعالى : (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (١٩٤) : قيل : نزلت هذه الآية فى عمرة القضاء عام الحديبية ، وذلك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية فى ذى القعدة سنة ست ، فصدّه المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف ، ووعده الله سبحانه أن سيدخله ، فدخله سنة سبع ، وقضى نسكه ، فنزلت هذه الآية. وقيل : إن المشركين قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنهيت يا محمد عن القتال فى الشهر الحرام؟ قال : نعم ، فأرادوا قتاله ، فنزلت الآية. والمعنى : إن استحلوا ذلك فقاتلهم ، فأباح الله بالآية مدافعتهم. والقول الأول هو الأشهر وعليه الأكثر.

٦٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١٩٥) : قال أبو أيوب الأنصارى : أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار ، لمّا نصر الله نبيه وأظهر دينه ، فقلنا : هلموا نقيم فى أموالنا ونصلحها. فأنزل الله عزوجل الآية. والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم فى أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. وفى رواية أخرى قال : أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لمّا أعز الله الإسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله قد أعزّ الإسلام وكثر ناصروه ، فلو أقمنا فى أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها؟ فأنزل الله على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم يرد عليه ما قلنا : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ، فكانت التهلكة هى الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو.

٦٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (١٩٦) : قيل : الآية نزلت فى أدائهما والإتيان بهما ، وتمامهما بعد الشروع فيهما ، فمن أحرم بنسك وجب عليه المضى فيه ولا يفسخه. وإتمامها هو أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، وأن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك ، وألا يستحلّ فيهما ما لا ينبغى للمحرم. والآية دليل على وجوب العمرة.

٦٨ ـ وفى قوله تعالى : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (١٩٦) : قيل : إن كعب بن عجرة رآه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقمل يتساقط على وجهه من رأسه ، فأمره أن يحلق وهو محرم بالحديبية وقد حصر المسلمون ، وأن يصوم

١٩

ثلاثة أيام ، أو يطعم ستة مساكين ، أو يهدى شاة ، ونزلت هذه الآية. والإجماع على أن المحرم ممنوع من حلق شعره إلا فى حالة العلة.

٦٩ ـ وفى قوله تعالى : (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (١٩٦) : قيل : الآية فى المحصرين ، يحصرون حتى يفوتهم الحج ، ثم يصلون إلى البيت الحرام فيحلّون بعمرة ، ثم يقضون الحج من قابل ، فهؤلاء قد تمتعوا بما بين العمرة إلى حج القضاء.

٧٠ ـ وفى قوله تعالى : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ) (١٩٧) : قيل : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون ، ويقولون نحن متوكلون ، فأنزل الله الآية.

٧١ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (١٩٨) : قيل : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا فى الجاهلية ، فتأثموا أن يتّجروا فى موسم الحج ، فسألوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك ، فنزلت الآية عن التجارة فى مواسم الحج. وفى ذلك قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم للذى سأله عن التجارة فى الحج : «إن لك حجا».

٧٢ ـ وفى قوله تعالى : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٩٩) : قيل : الخطاب للحمس وهم المتحمّسون فى دينهم ، وكانوا لا يقفون مع الناس بعرفات بل بالمزدلفة وهى من الحرم ، ويقولون : نحن قطين الله ـ يعنى سكان البيت من قطن يقطن أى يسكن ، وقطين جمع قاطن ، فقيل لهم أفيضوا مع الجملة.

٧٣ ـ وفى قوله تعالى : (فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) (٢٠٠) : قيل : كان أهل الجاهلية يقفون فى موسم الحج يفاخرون بآبائهم فأنزل الله الآية. وقيل : كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة ، وذكروا آباءهم وفعالهم فى الجاهلية فنزلت الآية. وقيل : كانوا إذا جاء الموقف دعوا : اللهم اجعله عام غيث ، وعام خصب ، وعام ولاء ، ولا يذكرون من أمر الآخرة شيئا ، فأنزل فيهم : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ) (٢٠١) (البقرة).

٧٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي

٢٠

قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ) (٢٠٤) : قيل : نزلت فى الأخنس بن شريق ، أو أبى شريق ، والأخنس لقب لقّب به ، لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من حلفائه من بنى زهرة عن قتال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان رجلا حلو القول والمنظر ، وجاء إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأظهر الإسلام ، ثم هرب بعد ذلك ، فمر بزرع للمسلمين وبحمر ، فأحرق الزرع ، وعقر الحمر ، وفيه نزلت هذه الآية ، وكذلك الآية : (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) (١٠) (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) (١١) (القلم) ، والآية : (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (١) (الهمزة) ، وقيل : هذا غير صحيح ، فما ثبت قط أن الأخنس أسلم. وقيل : الآية نزلت فى قوم من المنافقين تكلموا فى الذين قتلوا فى غزوة الرجيع : عاصم بن ثابت وخبيب ، وغيرهما ، وقالوا : ويح هؤلاء ، لا هم قعدوا فى بيوتهم ، ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم ، فنزلت هذه الآية فى صفات المنافقين. وقيل : الآية نزلت فى كل مبطن كفرا أو نفاقا أو كذبا أو إضرارا ، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك ، فهى عامة.

٧٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) (٢٠٧) : قيل : نزلت فى صهيب بن سنان بن مالك ، فإنه أقبل مهاجرا إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاتبعه نفر من قريش ، فنزل عن راحلته ، وانتبل ما فى كنانته ، وأخذ قوس ، ولكنهم لم يتركوه إلا أن دلّهم على ماله فى مكة ، فلما قدم على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم نزلت الآية ، وقال له : «ربح البيع أبا يحيى» ، وتلا عليه الآية. وقيل : إن المشركين أخذوا صهيبا فعذّبوه ، فسألهم أن يتركوه وهو شيخ كبير ولا يضرهم إن كان منهم أو من غيرهم ، وأعطاهم ماله بشرط أن يذروه وابنه ويعطوه راحلة ونفقة ، فخرج إلى المدينة ، وتلقاه أبو بكر وعمر ورجال ، فقال له أبو بكر : «ربح بيعك أبا يحيى. أنزل الله فيك آية» ، وقرأها عليه. وقيل : الآية نزلت فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقتل ، وقيل : نزلت فى شهداء غزوة الرجيع. وقيل : هم المهاجرون والأنصار. وقيل : الآية عامة ، وهذا هو الأصح.

٧٦ ـ وفى قوله تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ) (٢١٤) : قيل : نزلت هذه الآية فى غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة ، والحر والبرد ، وسوء العيش وأنواع الشدائد. وقيل : نزلت فى حرب أحد ، ونظير هذه الآية فى سورة آل عمران : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (١٤٢). وقيل : نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين

٢١

تركوا ديارهم وأموالهم بأيدى المشركين ، وآثروا رضا الله ورسوله ، وأظهر اليهود لهم العداوة ، وأسر قوم من الأغنياء النفاق ، فأنزل الله تعالى الآية تطييبا لقلوبهم.

٧٧ ـ وفى قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (٢١٥) : قيل : نزلت الآية فى عمرو بن الجموح الأنصارى ، وكان شيخا كبيرا ، فقال : يا رسول الله ، إنّ مالى كثير ، فبما ذا أتصدّق؟ وعلى من أنفق؟ فنزلت.

٧٨ ـ وفى قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٢١٦) : قيل : نزلت فى أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة ، فكان القتال مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فرض عين عليهم ، فلما استقر الشرع صار على الكفاية ؛ والذى استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فرض كفاية ، إلا أن يتهدد العدو كل بلاد الإسلام فيصبح الجهاد حينئذ فرض عين.

٧٩ ـ وفى قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢١٧) : قيل : بعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رهطا جعل عليه عبد الله بن جحش ، فلقوا ابن الحضرمى وكان مشركا فقتلوه ، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب ، فقال المشركون : قتلتم فى الشهر الحرام؟ فأنزل الله الآية. وقيل : سبب نزولها أن رجلين من بنى كلاب لقيا عمرو بن أمية الضمرى فى أول يوم من رجب ، فقتلهما لأنهما مشركان ، فقالت قريش : قتلهما فى الشهر الحرام ، فنزلت الآية.

٨٠ ـ وفى قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (٢١٩) : قيل : الآية نزلت فى المؤمنين ، لأنهم السائلون المهتمون بالسؤال عن ذلك لصلة ذلك بصحة دينهم. والخمر تخمّر العقل وتستره وتغطيه فسميت بذلك. وفى الميسر كانوا يقامرون بأموالهم وزوجاتهم ومنافع الخمر ربح التجارة ، ومنافع الميسر كسب المال بغير كدّ ولا تعب ، وإثمهما أكبر من النفع ، والإثم الكبير بعد التحريم ، والمنافع قبل التحريم.

٨١ ـ وفى قوله : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ

٢٢

تَتَفَكَّرُونَ) (٢١٩) : قيل : الآية نزلت فى المؤمنين لأنهم السائلون ، والسؤال الأول عن النفقة «إلى من تصرف» : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (٢١٥). وهذا السؤال الجديد فى الآية عن «قدر الإنفاق» ، والجواب : أنفقوا العفو ـ أى تصدّقوا بما زاد عن حاجة العيال ، كما قيل : صدقة عن ظهر غنى ، وفى الحديث : «خير الصدقة ما أنفقت عن غنى» ، أو «خير الصدقة ما أنفقت عن ظهر غنى». والآية فى نفقات التطوع.

٨٢ ـ وفى قوله تعالى : (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢٢٠) : قيل : لما نزلت : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (١٠) (النساء) ، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه ، وشرابه من شرابه ، فجعل يفصل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد ، فاشتد ذلك عليهم ، فذكروا ذلك للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزلت : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ...) الآية ، فخلطوا طعامهم بطعامهم ، وشرابهم بشرابهم. وقيل : كان السائل عبد الله بن رواحة. وقيل : كان العرب يتشاءمون بملامسة أموال اليتامى فى مؤاكلتهم ، فنزلت الآية.

٨٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (٢٢١) : قيل : نزلت هذه الآية فى أبى مرشد الغنوى ، وقيل فى مرثد بن أبى مرثد ، واسمه كناز بن حصين الغنوى ، بعثه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سرّا إلى مكة يخرج رجلا من أصحابه ، وكان له بمكة امرأة يحبها فى الجاهلية يقال لها «عناق» ، فجاءته فقال لها : إن الإسلام حرّم ما كان فى الجاهلية ، قالت : فتزوجنى. قال : حتى استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فأتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنهاه عن التزوج بها لأنه مسلم وهى مشركة ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت الآية فى عبد الله بن رواحة ، وكان له أمة سوداء ، فغضب عليها فلطمها ، ففزع ، فأتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره ، وقال : لأعتقنّها ولأتزوجنها ، ففعل ، فطعن عليه الناس ، وقالوا : تزوج أمة! فأنزل الله الآية لهذا السبب. وقيل : إن عبد الله بن رواحة ، أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره ، قال له : إنها تصوم وتصلى وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنها مؤمنة» ، فقال ابن رواحة : لأعتقنّها ولأتزوجنها ـ وتزوجها فعلا ، فطعن الناس عليه أن ينكح أمة ، وكانوا يرون أن ينكحوا المشركات رغبة فى أحسابهن ، فنزلت الآية.

٢٣

٨٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (٢٢٢) : قيل : كان السائل ثابت بن الدحداح ، وقيل : أسيد بن خضير وعبّاد بن بشير ، وهو قول الأكثرين. وسبب السؤال أن العرب فى المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بنى إسرائيل فى تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها ، فنزلت هذه الآية. وقيل : كان اليهود يتجنبون النساء فى الحيض ، فنزلت الآية.

٨٥ ـ وفى قوله تعالى : (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (٢٢٣) : قيل : كان الرجال يأتين النساء فى الدبر فنهوا عن ذلك ؛ وقيل : كان المهاجرون يشرحون النساء ، أى يأتونهن مستلقيات على أقفيتهن ، فحدث أن تزوج مهاجر من أنصارية ، وكان الأنصار يقلدون أهل الكتاب ويأتون النساء على حرف ـ أى على الجنب ، فرفضت الأنصارية أن تؤتى مستلقية على القفا ، فبلغ ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية. وقيل : إن رجلا جاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : هلكت يا رسول الله! حوّلت رحلى الليلة! فلم يرد عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حتى نزلت الآية ، فقال له : «أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة». وقيل : كان القرشيون يحبون النساء (أى يأتونهن باركات) ، فلما دخلوا المدينة ونكحوا نساء الأنصار ، أرادوا منهن ما كانوا يريدونه من نسائهم ، فكره نساء الأنصار ذلك وأعظمنه ، وكن يؤتين على جنوبهن ، فأنزل الله الآية تبيح كل الهيئات طالما الوطء فى موضع الحرث ، سواء شاءوا من خلف أو قدّام ، أو كانت المرأة باركة ، أو مستلقية ، أو مضطجعة. ولفظ الحرث يعطى أن الإباحة لا تقع إلا فى الفرج ، لأن الفرج موضع وضع المنى كما توضع البذرة فى الأرض بعد حرثها.

٨٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٢٤) : قيل : نزلت بسبب الصدّيق إذ حلف ألا ينفق على مسطح حين تكلم عن عائشة فى حديث الإفك. وقيل : نزلت فى الصدّيق أيضا حين حلف ألا يأكل مع الأضياف. وقيل : نزلت فى عبد الله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ختنه على أخته.

٨٧ ـ وفى قوله تعالى : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٢٦) (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٢٧) : قيل : كانوا فى الجاهلية يؤلون السنة والسنتين ، فنزلت الآية توقّت لهم أربعة أشهر لئلا يؤذون المرأة عند المساءة. وآلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا سألته نساؤه النفقة ما ليس عنده.

٢٤

٨٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢٢٨) : قيل : إن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية طلّقت على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يكن للمطلقة عدّة ، فأنزل الله العدّة للطلاق.

٨٩ ـ وفى قوله تعالى : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ...) (٢٢٩) : قيل : لم يكن للطلاق فى الجاهلية عدد ، وللرجل أن يطلق ما يشاء ، فإذا كادت تحلّ من طلاقه راجعها ما شاء ، فقال رجل لامرأته على عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا آويك ولا أدعك تحلّين. قالت : كيف ، قال : أطلقك فإذا دنا مضىّ عدّتك راجعتك ، فشكت المرأة إلى عائشة ، فذكرت ذلك للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية.

٩٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ ...) (٢٢٨) : قيل : نزلت الآية فى النساء ، كان من عاداتهن فى الجاهلية أن يكتمن الحمل إذا طلقن ، ليلحقن الولد بالزوج الجديد ، ففي ذلك نزلت الآية. وقيل : نزلت فى رجل من أشجع ، أتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله ، إنى طلقت امرأتى وهى حبلى ، ولست آمن أن تتزوج فيصير ولدى لغيرى ، فأنزل الله الآية وردّت امرأة الأشجعى عليه.

٩١ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٢٢٩) : قيل : كان الرجل فى الجاهلية يأكل من امرأته نحلته (عطيته) التى نحلها ولا يرى أن عليه جناحا ، فأنزل الله : (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ...) (٢٢٩) ، وقيل : نزلت فى ثابت بن قيس وامرأته حبيبة ، وكانت قد اشتكته إل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : أتردّين عليه حديقته؟ قالت : نعم ، فنزلت : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٢٢٩).

٩٢ ـ وفى قوله تعالى : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٢٣٠) : قيل : نزلت الآية فى عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك ، كانت عند رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها ، فطلّقها طلاقا بائنا ، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظى ، فطلقها ، فأتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : إنه طلقنى قبل أن يمسنى ، أفأرجع إلى الأول؟ قال

٢٥

صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا حتى يمسّ ، ونزلت فيها : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ...) فيجامعها ، فإن طلقها بعد ما جامعها ، فلا جناح عليهما أن يتراجعا.

٩٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٢٣١) : قيل : كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدّتها ، ثم يطلقها ويفعل ذلك ليضارها ويعضلها فأنزل الله هذه الآية. وقيل : نزلت فى رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار ، طلق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة ، راجعها ، ثم طلقها ، مضارة ، فأنزل الله : (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) ، (وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً).

٩٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٢٣٢) : قيل : نزلت الآية فى معقل بن يسار ، وكانت أخته تحت أبى البداح ، فطلّقها وتركها حتى انقضت عدّتها ، ثم ندم ، فخطبها فرضيت ، وأبى أخوها أن يزوّجها ، فنزلت الآية ، فدعا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم معقلا وقال له : إن كنت مؤمنا فلا تمنع أختك عن أبى البداح ، فقال : آمنت بالله ، وزوّجها منه. وقيل : نزلت الآية فى جابر بن عبد الله الأنصارى ، وكانت له ابنة عم ، فطلقها زوجها ، فانقضت عدّتها ، ثم رجع يريد رجعتها ، فقال له جابر : طلقت ابنة عمّنا ثم تريد أن تنكحها الثانية! وكانت المرأة تريد زوجها قد راضته ، فنزلت الآية.

٩٥ ـ وفى قوله تعالى : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) (٢٣٨) : قيل : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلّى الظهر بالهاجرة ، وكانت أثقل الصلاة على أصحابه ، فنزلت الآية. وقيل : هى العصر ، أو العشاء ، أو الصبح ، والصحيح عن علىّ أنها العصر. وقيل : كانوا يتكلمون على محمد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الصلاة ـ يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه فى الصلاة ، حتى نزلت (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) فأمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام.

٩٦ ـ وفى قوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٢٤٥) : قيل : الآية تأنيس للناس وتقريب للمعانى بما يفهمونه ، وشبّه عطاء المؤمن فى الدنيا بما يرجو به ثوابه فى الآخرة بالقرض ، كما شبّه بذل

٢٦

النفوس والأموال فى مقابل الجنة بالبيع والشراء ، والمراد بالآية الحثّ على الصدقة ، وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين ، والتوسعة عليهم ، وفى سبيل الله ونصرة الدين.

٩٧ ـ وفى قوله تعالى : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٥٦) : قيل : عن ابن عباس : نزلت هذه فى الأنصار ، كانت تكون المرأة مقلاتا ، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده ، فلما أجليت بنو النضير ، كان فيهم كثير من أبناء الأنصار ، فقالوا : لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى هذه الآية. والمقلات : التى لا يعيش لها ولد. وفى رواية قال آباء هؤلاء من الأنصار : إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه ، وأما إذا جاء الله بالإسلام أفنكرههم عليه؟ فنزلت : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) ، فمن شاء التحق بهم أى باليهود ، ومن شاء دخل الإسلام. وقيل : كان سبب كونهم فى بنى النضير الاسترضاع. وفى رواية : نزلت هذه الآية فى رجل من الأنصار يقال له أبو حصين ، كان له ابنان ، فقدم تجار نصارى من الشام إلى المدينة يحملون الزيت ، فلما أرادوا الخروج أتاهم ابنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية ، فتنصّرا ومضيا معهم إلى الشام ، فأتى أبو هما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مشتكيا أمرهما ، ورغب فى أن يبعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من يردّهما ، فنزلت : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) ، فوجد أبو الحصين فى نفسه على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين لم يبعث فى طلبهما ، فأنزل الله : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٦٥) (النساء).

٩٨ ـ وفى قوله تعالى : (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢٥٧) : قيل : نزلت فى قوم آمنوا بعيسى ، فلما جاء محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم كفروا به ، فذلك اخراجهم من النور إلى الظلمات. ولفظ الآية مستغن عن التخصيص ، ومترتب فى كل أمة كافرة آمن بعضها ، وهم الذين وليّهم الله ، وكفر بعضهم فهؤلاء أولياؤهم الطاغوت.

٩٩ ـ وفى قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) (٢٦١) : قيل : نزلت هذه الآية فى شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، وذلك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك ، جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف فقال : يا رسول الله ، كانت لى ثمانية آلاف ، فأمسكت لنفسى ولعيالى أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أقرضتها لربّى. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : بارك الله فيما أمسكت وفيما

٢٧

أعطيت. وقال عثمان : يا رسول الله ، علىّ جهاز من لا جهاز له. فنزلت هذه الآية فيهما. وقيل نزلت فى نفقة التطوع قبل آية الزكاة ، ولا صحة لنسخها بآية الزكاة ، لأن الإنفاق فى سبيل الله بخلاف الزكاة ، فالإنفاق فى كل وقت ، وسبله كثيرة وأعظمها الجهاد.

١٠٠ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٢٦٢) : قيل : نزلت فى عثمان بن عفان ، فقد جاء بألف دينار فى جيش العسرة فصبّها فى حجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان يدخل يده فيها ويقلبها ويقول : «ما ضرّ ابن عفان ، عمل بعد اليوم. اللهم لا تنسى هذا اليوم لعثمان» أخرجه أحمد. ودعا له قال : «يا ربّ عثمان ، إنى رضيت عن عثمان فارض عنه» ، فما زال يدعو حتى طلع الفجر ، فنزلت الآية.

١٠١ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (٢٧٢) : قيل : نزلت هذه الآية فى المسلمين ، وكانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمة ، فلما كثر فقراء المسلمين ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم» ، فنزلت الآية تبيح الصدقة على من ليس من دين الإسلام. وروى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أتى له بصدقات ، فجاءه يهودى فقال : أعطنى ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ليس لك من صدقة المسلمين شىء» ، فذهب اليهودى غير بعيد ، فنزلت : (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) فدعاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأعطاه. وقيل : إن أسماء بنت أبى بكر أرادت أن تصل جدّها أبا قحافة ثم امتنعت لكونه كافرا فنزلت الآية فى ذلك.

١٠٢ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٢٧٤) : قيل : نزلت فى علىّ ، كانت معه أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرا ، وبدرهم علانية. والحديث ضعيف. وواضح أنه من موضوعات الشيعة ، وقيل : الآية نزلت فى عبد الرحمن ابن عوف وعثمان بن عفان ، فى نفقتهما فى جيش العسرة.

١٠٣ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٢٧٨) : قيل : نزلت فى بنى عمرو بن عوف من ثقيف ، وفى بنى المغيرة ، وكانوا بنو المغيرة يقترضون من ثقيف بالربا ، فنزلت الآية.

١٠٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ

٢٨

كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢٨٠) : قيل : إن ثقيفا لمّا طلبوا أموالهم التى لهم على بنى المغيرة ، شكى بنو المغيرة العسرة ، وطلبوا الأجل ، إلى وقت ثمارهم ، فنزلت الآية.

١٠٥ ـ وفى قوله تعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (٢٨٥) : قيل : لما نزلت (لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٢٨٤) (البقرة) اشتد ذاك على الصحابة ، فشكوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال لهم : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : (سَمِعْنا وَعَصَيْنا) (البقرة ٩٣) ، بل قولوا : (سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) ، فلما اقرأها القوم وذللت بها ألسنتهم ، أنزل الله فى أثرها : (آمَنَ الرَّسُولُ ...) ، ثم إنه أنزل : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ..) (٢٨٦) (البقرة).

١٠٦ ـ وفى قوله تعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (٢٨٥) : قيل : هذه الآية نزلت فى قصة المعراج ، وكل القرآن نزل به جبريل إلا هذه الآية ، فإن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الذى سمعها ليلة المعراج. فإنه لمّا صعد مع جبريل حيث شاء الله له أن يكون ، أشار إليه جبريل أن سلّم على ربّك ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «التحيات لله والصلوات الطيبات» ، فقال الله : «السلام عليك أيها النبىّ ورحمة الله وبركاته» ، فأراد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يكون لأمته حظ فى السلام فقال : «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» ، فقال جبريل وأهل السماء : «أشهد ألا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». فقال الله تعالى : «آمن الرسول» ، على معنى صدّق الرسول «بما أنزل إليه من ربّه» ، فأراد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن تشاركه أمته فقال : «والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله». وقيل : نزلت حين شقّ على أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما توعدهم الله تعالى به ، من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم ، فشكوا ذلك إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «فلعلكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو اسرائيل»؟ قالوا : بل سمعنا وأطعنا. فأنزل الله تعالى ثناء عليهم قال : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (٢٨٥) ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وحقّ لهم أن يؤمنوا».

١٠٧ ـ وفى قوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ

٢٩

رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٢٨٦) : قيل : إن المسلمين لمّا نزلت : (لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٢٨٤) (البقرة) دخل قلوبهم منها شىء ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «قولوا سمعنا وأطعنا وسلّمنا» ، فألقى الله الإيمان فى قلوبهم وأنزل : (وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) ، فقالوا : قد فعلنا ، فنزلت : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٢٨٦) ، فقالوا : قد فعلنا.

* * *

١٠١٥ ـ فى أسباب نزول آيات سورة آل عمران

١ ـ فى قوله تعالى : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ) (١٢) : قيل : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا أصاب من أهل بدر ما أصاب ، ورجع إلى المدينة ، فجمع اليهود فى سوق بنى قينقاع ، وقال لهم : «يا معشر اليهود ، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا» ، فقالوا : يا محمد ، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال! إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنّا نحن الناس ، وأنك لم تلق مثلنا ، فأنزل الله فى ذلك قوله : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ) (١٢) حتى قوله : (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ) (١٣) ، وقيل : إن اليهود لما فرحوا بما أصاب المسلمين يوم أحد ، نزلت الآية.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) (١٥) : قيل : لما نزلت الآية : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (١٤) (آل عمران) : قال عمر بن الخطاب : الآن يا ربّ حين زيّنتها لنا! فنزلت : (قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ...).

٣ ـ وفى قوله تعالى : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا

٣٠

إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١٨) : قيل : نزلت لما قدم حبران من الشام ، وسألا الرسول عن أعظم شهادة فى القرآن ، فنزلت الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٢١) : قيل : كان ناس من بنى إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله فقتلوهم ، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين ، فدعوهم إلى الإسلام فقتلوهم ، وفى هؤلاء وهؤلاء نزلت الآية. وقيل : الآية نزلت فى اليهود ، فقد كانت الأنبياء تجىء إلى بنى إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم ، فيقوم قوم ممن اتبعوهم فيأمرون بالقسط فيقتلون ، وهكذا.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (٢٣) : قيل : هذه الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دخل بيت المدراس (المدرسة) على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله ، فقال له نعيم بن عمرو ، والحارث بن زيد : على أى دين أنت يا محمد؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنى على ملّة إبراهيم» ، فقالا : فإن إبراهيم كان يهوديا؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فهلموا إلى التوراة فهى بيننا وبينكم» ، فأبيا عليه ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هلموا إلى التوراة ففيها صفتى» ، فأبوا.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) (٢٨) : قيل : إن هذه الآية فى عبادة بن الصامت الأنصارى ، وكان بدريا تقيا ، وله حلف من اليهود ، فلمّا خرج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الأحزاب ، قال عبادة : يا نبىّ الله ، إن معى خمسمائة رجل من اليهود ، وقد رأيت أن يخرجوا معى ، فأستظهر بهم على العدو ، فأنزل الله الآية. وقيل : الآية نزلت فى عمّار بن ياسر حين تكلم ببعض ما أراد منه المشركون.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣١) : قيل : إن أقواما من اليهود قالوا : إنا لنحب ربّنا ، فأنزل الله عزوجل الآية. وقيل : إن المسلمين قالوا : والله يا رسول الله إنا لنحب ربّنا ، فأنزل الله عزوجل الآية.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٥٩) : قيل : نزلت هذه الآية بسبب وفد نجران حين أنكروا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم

٣١

قوله : إن عيسى عبد الله وكلمته ، فقالوا : أرنا عبدا خلق من غير أب؟ فقال لهم : «آدم ليس له أب ولا أم» ونزلت الآية.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) (٦١) : قيل : الآية نزلت فى نصارى نجران لمّا أصروا على أقوالهم أن عيسى ابن الله ، فدعاهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يباهلوه ، أى يجتمعوا ويدعوا أن لعنة الله على الكاذبين ، فرفضوا ، وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا الجزية ، فصالحهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ذلك بدلا من الإسلام.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (٦٤) : قيل : نزلت الآية فى يهود المدينة ، دعاهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى كلمة سواء ، أى الكلمة الفصل التى هى الحق ولا حق بعدها : ألا يعبدوا إلا الله ، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله ، لأنهم جعلوا أحبارهم فى الطاعة كالأرباب ، وقبلوا تقديراتهم التى قدروها دون مستندات بيّنة ، وأفتوا فى الدين بغير علم ، وقالوا إن الله يطيع الأحبار ولا تطيع الأحبار الله.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٦٥) : قيل : الآية نزلت بسبب دعوى كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينه ، فأكذبهم الله تعالى بأن اليهودية والنصرانية إنما كانتا بعده.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (٦٨) : قيل : إن رؤساء اليهود قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا محمد ، لقد علمت أنّا أولى الناس بدين إبراهيم منك ومن غيرك ، فإنه كان يهوديا ، وما بك إلا الحسد ، فأنزل الله هذه الآية.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) (٦٩) : قيل : نزلت الآية فى معاذ بن جبل وجماعته ، حين دعاهم اليهود من بنى النضير وقريظة وبنى قينقاع إلى دينهم ، وهذه الآية نظير قوله تعالى : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٠٩) (البقرة).

٣٢

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٧٢) : قيل : نزلت فى كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وغيرهما ، قالوا للسفلة من قومهم : آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ـ يعنى أوله ، وسمّاه وجها لأنه أحسنه ، وفعلوا ذلك ليشكّكوا المسلمين. والطائفة هى الجماعة ، وهؤلاء كطائفة كان بتعبير العصر «الطابور الخامس» ، غرضهم تخريب الجبهة الداخلية للمسلمين.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥) : قيل : الذى تأمنه من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام ، والذى لا تأمنه بدينار مثل كعب بن الأشرف ، ففي أهل الكتاب : الخائن والأمين ، والخيانة فيهم أكثر ، والكلام فى الآية على الغالب ، وقولهم (لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) مبدأ أخلاقى عندهم فى التلمود ، فالأمانة فيهم بين اليهودى واليهودى ، بينما خيانة غير اليهودى وسرقته حلال ، وهو ما يعرف بازدواجية الأخلاق ونلاحظه حاليا فى السياسة الأمريكية التى تحكمها الأخلاق اليهودية ، فضرب اليهود للمسلمين حلال ، وضرب المسلمين لليهود حرام!

وقيل : إن اليهود فى عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم استدانوا فيما بينهم أموالا ، فلمّا أسلم أصحابها ، قال المدينيون للدائنين ليس علينا شىء لأنكم تركتم دينكم فسقط عنا دينكم.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٧٦) : قيل : نزلت كردّ على الأخلاق اليهودية التى تستحلّ أموال غير اليهود ، وتضع أخلاق المسلمين كمقابل لأخلاق اليهود. ولمّا قال رجل لابن عباس : إنا نصيب فى العمد من أموال أهل الذمّة الدجاجة والشاة ونقول : ليس علينا فى ذلك بأس ، فقال له : هذا كما قال أهل الكتاب (لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) (آل عمران ٧٥).

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٧٧) : قيل : الآية نزلت فى الأشعث بن قيس ، قال : كان بينى وبين رجل من اليهود أرض ، فجحدنى ، فشكوته إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحضرنا أمامه فقال لى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هل لك بيّنة؟» قلت : لا. قال لليهودى : «احلف» ، قلت : «إن يحلف يذهب بمالى ، فأنزل

٣٣

الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ...). وقيل : إن إعرابيا جاء إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسأل عن الكبائر؟ قال : «الإشراك بالله ، ثم عقوق الوالدين ، ثم اليمين الغموس» ، فسئل : وما اليمين الغموس؟ قال : «التى تقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب» ، وقال : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب له الله النار وحرّم عليه الجنة» ، فنزلت الآية ، واليمين الغموس : هى اليمين الكاذبة التى يتعمّدها صاحبها.

١٨ ـ وفى قوله تعالى : (ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (٧٩) : قيل : نزلت هذه الآية فى نصارى نجران ، وكذلك قيل إن سورة آل عمران كلها إلى قوله (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) (آل عمران ١٢١) كان سبب نزولها نصارى نجران ، ومزج معهم اليهود ، لأنهم فعلوا من الجحد والعناد ما فعل هؤلاء النصارى. ونجران : مدينة واقعة بين الحجاز واليمن ، وكان يسكنها فى الجاهلية عدد من النصارى المونوفيسيّون ـ أى يقولون بطبيعة واحدة للمسيح ، وهؤلاء صالحهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ودخلوا فى الإسلام ، إلا من هاجر منهم فى القرن السابع إلى نجران العراق بالقرب من الكوفة ، وبينها وبين واسط. وفى نصارى نجران نزلت أيضا سورة البروج ، وفيها : (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ) (٥) (البروج) ، وكان ذو نواس ملك حمير اليهودى قد أكرههم على اعتناق اليهودية ، فأبوا ، فقتلهم مع الحارث مليكهم سنة ٥٢٣ م ، بأن حفر لهم حفرة أوقد فيها النار وألقى بهم فيها ، فاشتهروا باسم شهداء نجران.

١٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (٨٠) : قيل : قالت اليهود للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أتريد أن نتخذك يا محمد ربّا؟ فقال تعالى : (ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (٧٩) (آل عمران) إلى قوله : (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً) (٨٠).

٢٠ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٨٣) : قيل : إن كعب بن الأشرف وأصحابه اختصموا مع النصارى إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالوا : أيّنا أحق بدين إبراهيم؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كلا الفريقين برىء من دينه؟» فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك ، فنزل : (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ...)

٣٤

٢١ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٨٥) : قيل : نزلت هذه الآية فى الحارث بن سويد أخى الجلاس بن سويد ، وكان من الأنصار ، وارتد عن الإسلام هو واثنا عشر معه ولحقوا بمكة كفارا ، فنزلت فيهم الآية.

٢٢ ـ وفى قوله تعالى : (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) (٨٨) : قيل : نزلت هذه الآيات فى اليهود لأنهم كانوا يبشرون بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويستفتحون على الذين كفروا ، فلما بعث عاندوا وكفروا. وقال ابن عباس : إن رجلا من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ، ثم ندم ، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هل له من توبة؟ فنزلت : (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٨٦) إلّا أن الرجل أصرّ على التوبة ورجع تائبا ، فقبل منه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ونزلت الآية : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٨٩) وفى رواية : أن رجلا من الأنصار ارتد فلحق بالمشركين ، فأنزل الله تعالى : (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ...) ، إلى قوله (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٨٩) ، فبعث بها قومه إليه ، فلما قرئت عليه قال : والله ما كذبنى قومى على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا أكذبت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والله أصدق الثلاثة ، فرجع تائبا ، فقبل منه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٢٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) (٩٠) : قيل : نزلت فى اليهود ، كفروا بعيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقرآن. قيل : نزلت الآية فى اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد إيمانهم بنعته وصفاته ، ثم ازدادوا كفرا بإقامتهم على كفرهم. وقيل : هذه الآية نزلت فى المنافقين من أهل مكة ، قالوا نتربص بمحمد ريب المنون ، فإن بدا لنا الرجعة رجعنا إلى قومنا ، فأنزل الله الآية ، وتعنى أنه لن يقبل توبتهم طالما هم مقيمون على الكفر ، يعلنون الإسلام ظاهرا ، ويبطنون الكفر ، فكان تسمية توبتهم توبة غير مقبولة ، لأنه لم يصحّ منهم العزم على التوبة ، ولا تقبل التوبة إلا إذا صحّ العزم.

٢٤ ـ وفى قوله تعالى : (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٩٣) : قيل : إن اليهود سألوا

٣٥

النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أخبرنا ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال : «كان إسرائيل يسكن البدو فاشتكى عرق النّسا ، فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرّمها» ، أى حرّمها لأنها تهيّج عليه عرق النسا ، فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها من اللحم ، فهذا التحريم كان خاصا بيعقوب الذى هو إسرائيل ، ولم يتنزل فى التوراة ، لأن التوراة لم تكن قد نزلت بعد ، فالتحريم ليس من الله.

٢٥ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ) (٩٦) : قيل : تفاخر المسلمون واليهود ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ، لأنه مهاجر الأنبياء وفى الأرض المقدسة ، وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله هذه الآية.

٢٦ ـ وفى قوله تعالى : (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) (٩٧) : قيل : لما نزلت الآية : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٨٥) (آل عمران) ، قالت اليهود : فنحن مسلمون؟ فقال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله فرض على المسلمين حجّ البيت» ، فقالوا : لم يكتب علينا ، وأبوا أن يحجوا ، فأنزل الله : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) (٩٧).

٢٧ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ) (١٠٠) : قيل : نزلت فى يهودى أراد تجديد الفتنة بين الأوس والخزرج بعد انقطاعها بوجود النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين ظهرانيهم ، فجلس هذا اليهودى بينهم ، وأنشدهم شعرا ، قاله كلّ منهما عند ما كانا يتنازعان ويتقاتلان قبل الإسلام ، فعلت أصواتهم وتنابذوا وكادوا يجددون الحروب بينهما ، ورفعوا أسلحتهم ووقفوا للقتال ، فنزلت الآية ، فجاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وخطبهم ، فلما فرغ تصالحوا وتعانقوا وبكوا. قيل : والذى أجج هذه الفتنة وأحياها شاس بن قيس اليهودى ، دسّ على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان بينهم من حروب ، فلما خطب فيهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عرفوا أنها نزغة شيطان وكيد يهودى.

٢٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٠١) : قيل : كان بين الأوس والخزرج قتال وشر فى الجاهلية ، فذكروا ما كان بينهم ، فثار بعضهم على بعض بالسيوف ، فذهب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إليهم ، فنزلت هذه الآية.

٣٦

٢٩ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٠٢) : قيل : لما نزلت هذه الآية : شقّ على المسلمين ، فقالوا يا رسول الله ، من يقوى على ذلك؟ فنزلت الآية : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن ١٦) بيانا لهذه الآية.

٣٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (١٠٣) : قيل : نزلت لمّا تفرق اليهود والنصارى فى دينهم ؛ وقيل تفرقت اليهود على إحدى وسبعين ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، بحسب شيوخهم الذين حضروا مع موسى على الجبل ، فكان لكل واحد منهم رأيه ، فنزلت الآية تحذيرا للمسلمين أن يحذو حذو اليهود ، وهناك الحديث الضعيف فى افتراق المسلمين إلى ثلاث وسبعين فرقة ؛ وقيل أصول الفرق الإسلامية سبعة : السنّة ، والخوارج ، والقدرية ، والجهمية ، والمرجئة ، والرافضة ، والجبرية ، وكل منها انقسمت فرقا أخرى ، وإنما هذا فى القديم فى عهد الضعف والانحلال ، والآن لا توجد إلا فرقتان : السنة والشيعة ، وهناك محاولات للتوحيد بينهما.

٣١ ـ وفى قوله تعالى : (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) (١٠٣) : قيل : نزلت فى الأوس والخزرج ، والآية تعمّ.

٣٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١٠٥) : قيل : هم اليهود والنصارى.

٣٣ ـ وفى قوله تعالى : (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (١٠٧) : قيل : الذين تبيض وجوههم المؤمنون ، والذين تسوّد وجوههم ، قيل نزلت فى اليهود خاصة ، كانوا يؤمنون بنبىّ يبعث ، فلما بعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كفروا به. وقيل : الذين تسوّد وجوههم المنافقون.

٣٤ ـ وفى قوله تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ) (١١٠) : قيل : نزلت الآية فى الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرا والحديبية. وقيل : هم أمة محمد نزلت فيهم هذه الآية طالما يؤمنون بالله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

٣٧

٣٥ ـ وفى قوله تعالى : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) (١١٢) : قيل : هم اليهود نزلت الآية فيهم.

٣٦ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) (١١٣) : قيل : أخّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلاة العشاء ليلة ثم خرج إلى المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة ، فقال : «إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى فى هذه الساعة غيركم» ، فأنزلت هذه الآية. وقيل : لمّا أسلم عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ، وأسد بن عبيد ، ومن أسلم من يهود ، قالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا شرارنا ، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا الى غيره ، فأنزل الله الآية.

٣٧ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (١١٨) : قيل : كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف فى الجاهلية ، فأنزل الله فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوّف الفتنة عليهم.

٣٨ ـ وفى قوله تعالى : (ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (١١٩) : قيل الآية نزلت فى اليهود ، صافاهم المسلمون وجنحوا معهم للسلم ، ولكن بغض اليهود لهم مستمر ومفضوح ، ومن أقوال الحاخام عوفى الإسرائيلى فى يوليو سنة ٢٠٠١ : «هؤلاء المسلمون إنهم شىء فظيع ، ويتكاثرون كالفئران» وهو نفس كلام اليهود فى المسلمين منذ ألف وخمسمائة سنة ، نزلت هذه الآية وأمثالها تكشف بواطنهم ، يقولون لبعضهم البعض من عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ألا ترون هؤلاء ظهروا وكثروا!

٣٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١٢١) : قيل : هذا كان فى غزوة أحد ، وفيها نزلت هذه الآية ، والآية المكمّلة : (إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١٢٢).

٤٠ ـ وفى قوله تعالى : (إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١٢٢) : قيل : الطائفتان : بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، وبنو النبيت ، والنبيت هو عمرو بن مالك من بنى الأوس ، وكان الأوس والخزرج جناحى

٣٨

العسكر يوم أحد ، وقد همّا أن يرجعوا مع عبد الله بن أبى بن سلول ، وكان ذلك حديث نفس منهم خطر ببالهم ، ولكنهم ازدادوا بصيرة وعصمهم الله ، وذمّ بعضهم بعضا ، ونهضوا مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى أطل على المشركين ، فنزلت الآية.

٤١ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١٢٣) : قيل : كان المسلمون قليلين ، وقيل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا ، وكان عدوهم ما بين التسعمائة إلى الألف ، ووصفوا بأنهم أذلة لأن قلة عددهم تقتضى عند التأمل ذلّتهم وأنهم يغلبون.

٤٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) (١٢٥) : قيل : كثرة عدد الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين ، والملائكة لا تقاتل وإنما يكونون عددا أو مددا ، والفائدة : أن يقوى عزم المؤمنين إذ يتأكدون أن الحقّ معهم وأن الله يساعدهم. وقيل أمدّهم الله بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم خمسة آلاف لمّا صبروا واتقوا الله. وقيل : إن كرز بن جابر المحاربى كان يزمع أن يمدّ الكافرين ، فشقّ ذلك على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى المسلمين ، فنزلت الآية ، فبلغت كرزا ، فنكص عن إمداد الكفّار بالمدد. والآية نزلت لتؤكد أن نزول الملائكة لا يحتاج الربّ إليه ، وإنما يحتاج إليه المخلوق ليعلق قلبه بالله وليثق به ، فهو الناصر بسبب وبغير سبب.

٤٣ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ) (١٢٨) : قيل : نزلت الآية لمّا دعا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على المشركين لمّا كسروا رباعيته يوم أحد ، وشجّوا رأسه ، فسال دمه حتى قال : «كيف يفلح قوم شجّوا رأس نبيّهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى». فلما نزلت الآية علم أن منهم من سيسلم ، وقد حدث وأسلم : خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعكرمة بن أبى جهل وغيرهم.

٤٤ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (١٣٠) : قيل : كانوا يبيعون البيع إلى أجل ، فإذا حلّ الأجل وأخّروا السداد زادوا فى الثمن أضعافا ، فنزلت الآية. وقيل : كانت ثقيف تداين بنى النضير فى الجاهلية ، فإذا جاء الأجل قالوا : أتقضون أم تربون؟ يعنى تؤخّرون السداد بالربا ، فنزلت الآية.

٤٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١٣٩) : قيل : لمّا انهزم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم أحد ، أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين : يريد أن

٣٩

يعلو عليهم الجبل ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم لا يعلنّ علينا! اللهم لا قوة لنا إلا بك! اللهم ليس يعبدك بهذا البلد غير هؤلاء النفر» ذكره الطبرى ، فأنزل الله هذه الآية ، وكان نفر من المسلمين الرماة ، قد صعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم ، فذلك قول الله تعالى : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) ، يعنى الغالبين.

٤٦ ـ وفى قوله تعالى : (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (١٤٠) : قيل : نزلت الآية فى هزيمة أحد ، والقرح الذى مسّ المشركين كان فى بدر ، فمرة انتصار ومرة هزيمة ، والأيام دول ، والهزيمة لها فوائد مثلما لها مضار ، وبسببها يعرف المؤمن من المنافق فيتمايزان ، وقد يستشهد من المؤمنين من يستشهد ، فيكونون شهداء على الناس بأعمالهم.

٤٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (١٤٣) : قيل : كان كثير ممن لم يحضروا بدرا يتمنون يوما يكون فيه قتال ، فلما كان يوم أحد انهزموا ، وكان منهم من تجلّد حتى قتل ، ومنهم أنيس بن النضر عمّ أنس بن مالك ، فإنه قال لمّا انكشف المسلمون : اللهم إنى أبرأ اليك مما جاء به هؤلاء ، وباشر القتال ، ونزلت الآية عتابا لمن انهزم.

٤٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) (١٤٤) : قيل : نزلت بسبب انهزام المسلمين يوم أحد ، وسريان الإشاعة بأن محمدا قد قتل ، حتى بكى المسلمون ، ففريق لم ير بأسا أن يصالح المشركين فهم إخوانهم رغم كل شىء ، وفريق رأى أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إن كان قد أصيب فذلك أدعى أن يواصلوا ما مضى عليه ، فأنزل الله الآية ، يبيّن أن الرسل ليسوا بباقين فى أقوامهم إلى الأبد ؛ ويجب التمسّك بما أتوا به ، وإن فقد الرسول بموت أو قتل. وفى الآية أنه تعالى قد أكرم نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بذكر اسمه «محمد» ، والعرب تقول : رجل محمود ومحمد ، إذا كثرت خصاله المحمودة. والآية من تتمة عتاب المسلمين لمّا انهزموا. ولمّا توفى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من بعد ، ولم يصدق الناس وقالوا : لم يمت وإنما هو بعض ما كان يأخذه عند الوحى ، ونادى عمر بن الخطاب : والله ما مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا يموت حتى تقطع أيدى وأرجل ناس من المنافقين كفروا! فقام أبو بكر ، وصعد المنبر وقال : «من كان يعبد الله فإن الله حىّ لا يموت ، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ثم قرأ الآية : (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ

٤٠

الرُّسُلُ ...) ، قال عمر : فلكأنى لم أقرأها إلا يومئذ! ـ وعن أنس أنه سمع أبا بكر يقول : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) (١٨٥) (آل عمران) ، ويقول : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (٣٠) (الزمر). قال وخرج الناس يتلونهما فى سكك المدينة كأنهما لم يتنزلا قط إلا ذلك اليوم.

٤٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (١٤٦) : قيل : لمّا انهزم المسلمون فى أحد سمع من يهتف : قتل محمد! فولّى من ولّى ، فأنزل الله الآية يثنى على من ثبت حول النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : صاح صوت شيطانى يوم أحد : قتل محمد ، فانهزم جماعة من المسلمين. قال كعب بن مالك : فكنت أول من عرف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. رأيت عينيه من تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتى : هذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأنزل الله الآية.

٥٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (١٤٧) : قيل : قال ذلك الذين ثبتوا حول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أحد بعد أن ولّى من ولّى من المسلمين ، فأنزل الله تعالى الآية بما قالوا.

٥١ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (١٥٢) : قيل : نزلت هذه الآية بعد أحد وهزيمة المسلمين لمّا عصوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم واشتغلوا بالغنائم ، وترك الرماة مراكزهم فكان ذلك السبب فى هزيمتهم ، فكانوا يقولون لبعضهم البعض ، كيف أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزلت الآية. وقيل : لما رجع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المدينة بعد أحد وقد أصيبوا ، قال بعضهم لبعض : من أين أصابنا هذا! وقد وعدنا الله النصر! فنزلت الآية.

٥٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (١٥٥) : قيل : نزلت هذه الآية فيمن هرب إلى المدينة فى وقت الهزيمة فى أحد يوم التقى الجمعان ، استزّلهم الشيطان بخطاياهم السابقة وأنهم سيقتلون لو حاربوا ، فكرهوا الثبوت لئلا يقتلوا ، ومنهم : عثمان بن عفان ؛ وعيّر عبد الرحمن بن عوف عثمان فقال : شهدت بدرا ولم تشهد! وبايعت تحت الشجرة ولم تبايع! وقاتلت يوم الجمع ووليت مع من ولى!

٥٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (١٦١) : قيل : نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت فى

٤١

المغانم يوم بدر ، فقال بعض من كانوا مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أخذها! فنزلت الآية. ويغل معناها يخون.

٥٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٦٥) : قيل : نزلت الآية لمّا قالوا بعد الهزيمة : من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل ونحن نقاتل فى سبيل الله ووعدنا النصر؟ فردّ عليهم : (هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) لمخالفتهم الرماة ، وما من قوم لم يطيعوا نبيّهم فى حرب إلا انهزموا ، لأنهم لو أطاعوه لكانوا حزبه ، حزب الله ، وهم الغالبون. وأصابتهم مثليها كان يوم بدر ، بأن قتلوا للكفار سبعين ، وأسروا سبعين ، وحتى يوم أحد قتلوا لهم عشرين.

٥٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (١٦٩) : قيل : الآية نزلت فى شهداء أحد ؛ وقيل نزلت فى شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا ، ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين. وقيل : نزلت فى شهداء بئر معونة ؛ وقيل : بل هى عامة فى جميع الشهداء. وقيل : إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة وسرور تحسّروا وقالوا : نحن فى النعمة والسرور ، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا فى القبور! فأنزل الله تعالى هذه الآية تنفيسا عنهم ، وإخبارا عن حال قتلاهم.

٥٦ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) (١٧٢) : قيل : نزلت الآية فى ابن الزبير وأبى بكر ، فإنهما فى أحد أصابهما القرح. وفى اليوم الثانى من أحد ، انتدب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سبعين ليخرجوا فى آثار كفّار قريش مخافة أن يرجعوا ، وليعلموا أنه ما تزال بالمسلمين قوة ، فخرج مع الخارجين رجلان. وقيل : كانا من بنى عبد الأشهل وكانا مثخنين بالجراح حتى أن أحدهما ليتوكأ على الآخر ، وفى هؤلاء نزلت الآية.

٥٧ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (١٧٣) : قيل : نزلت هذه الآية فى خروج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بدر الصغرى لميعاد أبى سفيان الذى كان قد حدده فى أحد عند ما قال له : موعدنا بدر من العام المقبل. فقرب بدر جاءه نعيم بن مسعود الأشجعى فأخبره أن قريشا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هى ومن انضاف إليها ، فأشفق المسلمون ، ولكنهم قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل. فلما وصلوا بدرا لم يجدوا أحدا ، ولم يلقوا كيدا ، فنزلت الآية : (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (١٧٤) (آل عمران).

٤٢

٥٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١٧٦) : قيل : نزلت فى جماعة أسلموا ثم ارتدوا خوفا من المشركين ، فاغتمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأنزل الله الآية. وقيل : نزلت فى المنافقين ، ورؤساء اليهود. وقيل : إن أهل الكتاب لمّا لم يؤمنوا شقّ ذلك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب ، فلو كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الحق لاتّبعوه ، فنزلت الآية (وَلا يَحْزُنْكَ ...).

٥٩ ـ وفى قوله تعالى : (ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (١٧٩) : قيل : إن الكفار لمّا سألوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يبيّن لهم من يؤمن منهم ، أنزل الله هذه الآية ، يعنى بها : لا تشتغلوا بما لا يعنيكم ، واشتغلوا بما يعنيكم وهو الإيمان.

٦٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (١٨٠) : قيل : نزلت هذه الآية فى البخل بالمال ، والإنفاق فى سبيل الله ، وأداء الزكاة المفروضة. وقيل : إنما نزلت الآية فى أهل الكتاب وبخلهم ، ببيان ما علموه من أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٦١ ـ وفى قوله تعالى : (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) (١٨١) : قيل : لمّا أنزل الله : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٢٤٥) (البقرة) ، قال قوم من اليهود منهم حيى بنى أخطب ، أو فنحاص بن عازوراء : إن الله فقير ونحن أغنياء يقترض منا!! وقالوا هذا تمويها على ضعفائهم ، لا لأنهم يعتقدون هذا فعلا ، فهم أهل كتاب أولا وأخيرا ، ولكنهم بهذا القول كفروا ، لأنهم شككوا الضعفاء منهم ومن المؤمنين ، فنزلت الآية فيهم.

٦٢ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (١٨٣) : قيل : نزلت فى كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا ، وفنحاص بن عازوراء ، وجماعة أتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا له : أتزعم ان الله أرسلك إلينا؟

٤٣

فلقد أنزل علينا كتابا عهد إلينا فيه إلا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار؟ فإن جئتنا به صدّقناك ، فأنزل الله هذه الآية.

٦٣ ـ وفى قوله تعالى : (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (١٨٦) : قيل : نزلت بسبب أن أبا بكر سمع يهوديا يقول : إن الله فقير ونحن أغنياء ، ردّا على القرآن واستخفافا به ، حين أنزل الله : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٢٤٥) (البقرة) ، فلطمه ، فشكاه إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية. وقيل : إن قائل «إن الله فقير ونحن أغنياء» هو فنحاص اليهودى ، وقيل هو كعب بن الأشرف ، ونزلت بسببه : (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ..) الآية. وكان ابن الأشرف شاعرا يهجو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه ويؤلّب عليهم الكفّار ، ويشبّب بنساء المسلمين ، حتى تصدّى له محمد بن مسلمة وأصحابه ، فقتله القتلة المشهورة. وقيل : إن الآية نزلت فى ابن أبىّ لمّا أغلظ للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال عنه سعد ابن عبادة فى مرضه : اعف عنه واصفح ، فو الذى أنزل عليك الكتاب : لقد جاءك الله بالحق الذى نزل ، وقد شرق به ابن أبىّ ، ولذلك فعل به ما رأيت منه! فعفا عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ونزلت الآية.

٦٤ ـ وفى قوله تعالى : (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٨٨) : قيل : أنزلت هذه الآية فى أهل الكتاب ، سألهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن شىء فكتموه إياه ، وأخبروه بغيره ، وظنوا أنه قد انطلت عليه حيلتهم ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم.

٦٥ ـ وفى قوله تعالى : (فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) (١٩٥) : قيل : إن أم سلمة قالت للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا أسمع أن الله تعالى قد ذكر النساء فى الهجرة بشيء ، فأنزل الله الآية.

٦٦ ـ وفى قوله تعالى : (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) (١٩٦) (آل عمران) : قيل : كانت للكفار تجارات وأموال وحركة فى البلاد ، بينما المسلمون بائسون وفقراء ، فنزلت هذه الآية فى الكفار ، تؤنس المسلمين وتسرّى عنهم ، كقوله تعالى : (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَ

٤٤

كَيْدِي مَتِينٌ) (٤٥) (القلم) ، وكقوله : (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) (٤٤) (القلم).

٦٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) (١٩٩) : قيل : نزلت الآية فى النجاشى لمّا مات ، فطلب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أن يصلّوا عليه ، فقالوا : يا رسول الله ، نصلى على عبد حبشى؟! فنزلت الآية.

* * *

١٠١٦ ـ فى أسباب نزول آيات سورة النساء

١ ـ وفى قوله تعالى : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) (٢) : قيل : نزلت فى رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ اليتيم وطلب المال منعه عمه ، فنزلت الآية ، فأسرع العم بردّ المال مخافة قوله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) ، وقال العمّ : نعوذ بالله من الحوب الكبير ـ والحوب هو الإثم ، فلما قبض الفتى المال أنفقه فى سبيل الله ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ثبت الأجر وبقى الوزر»؟ فسئل : كيف؟ قال : «ثبت الأجر للغلام ، وبقى الوزر على والده» ، لأن والده كان مشركا.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) (٣) : قيل : الآية نزلت فى اليتيمة تكون فى حجر وليّها تشاركه فى ماله ، فيعجبه مالها وجمالها ، فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط فى صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) (٤) : قيل : كان الولى يأخذ مهر المرأة ولا يعطيها شيئا ، فنهوا عن ذلك ، وأمروا أن يدفعوا ذلك إليهن.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً) (٦) : قيل : نزلت فى

٤٥

ثابت بن رفاعة ، وفى عمّه ، فلما توفى رفاعة وترك ابنه وهو صغير ، أتى عم ثابت إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : إن ابن أخى يتيم فى حجرى ، فما يحل لى من ماله ، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله الآية.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (٧) : قيل : نزلت الآية فى أوس بن ثابت الأنصارى ، توفى وترك امرأة وثلاث بنات ، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصيّاه ، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا. وكانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ، ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل ، وطاعن بالرمح ، وضارب بالسيف ، وحاز الغنيمة ؛ فذكرت المرأة حالها للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فدعاهما ، فقالا : يا رسول الله ، ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل كلا ، ولا ينكأ عدوا. فأنزل الله هذه الآية ردا عليهما ، وإبطالا لقولهما وتصرّفهما بجهل.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (١٠) : قيل : نزلت فى رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد ، ولى مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله ، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (١٢) : قيل : هذه هى آية المواريث ، وهى ركن من أركان الدين ، وعمدة من عمد الأحكام ، وتشمل الفرائض وهى ثلث علم الموارث أو نصفه. وفى أسباب نزولها : أن امرأة سعد بن الربيع جاءت إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تشكو له أخاه ، فإن سعدا لمّا توفى تركها وترك ابنتين ، وأخوه استولى على كل شىء ولا يريد إعطاءهن شيئا ، فاستدعاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال له : «ادفع إلى ابنتيه الثلثين ، وإلى امرأته الثمن ، ولك ما بقى» ، فنزلت آية المواريث. وقيل : إن آية المواريث نزلت فى جابر لمّا مرض وسأل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كيف يصنع فى ماله وله ولد وبنت. وقيل : نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخى حسّان بن ثابت. وقيل : نزلت فى ورثة ثابت بن قيس بن شماس.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا

٤٦

تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (١٩) (النساء) : قيل : نزلت فى المرأة يموت عنها زوجها فتؤول إلى أوليائه ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوّجوها ، وإن شاءوا لم يزوّجوها ، فهم أحق بها من أهلها ، فأنزلت الآية. وقيل : كان من عادتهم إذا مات الرجل أن يلقى ابنه من غيرها ، أو أقرب عصبته ، ثوبه على المرأة ، فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها ، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا ما أصدقها الميت ، وإن شاء زوّجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا ، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها ، فأنزل الله الآية. وقيل : كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوبا فهو أحق بها ، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها. وكان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى شابة ، فيكره فراق العجوز لمالها ، فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها ، أو تموت فيرثها ، فنزلت الآية. والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه فى الجاهلية ، وألّا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) : قيل : كان الناس يتزوجون امرأة الأب كرها ليرثوها ، وسمى لذلك زواج المقت ، أى الزواج الممقوت ، فنزلت الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) (النساء ١٩) ، فصاروا يتزوجونها برضاها ، فنزلت الآية : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ) فصار حراما فى الأحوال كلها. وكان زواج امرأة الأب سائدا عند الأنصار ، ومباحا فى قريش ، ومن ذلك زواج عمرو بن أمية من امرأة أبيه بعد موته ، فولدت له ولدين هما : مسافر ، وأبو معيط ، وكان للمرأة من الأب أولاد منهم : أبو العيص وغيره ، فكان بنو أمية إخوة لمسافر وأبى معيط ، وفى نفس الوقت أعمامهما ؛ وكذلك زواج صفوان بن أمية من امرأة أبيه فاختة بنت الأسود ، وكان أبوه قد قتل عنها ؛ وزواج منظور بن زبّان ، خلف أباه على مليكة بنت خارجة ؛ وحصن بن أبى قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن ؛ والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه. وفى عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما توفى أبو قيس الأنصارى ، خطب ابنه امرأة أبيه ، فطلبت سؤال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أولا ، فأتته وأخبرته ، فنزلت الآية. وشبيه بالزواج من امرأة الأب ـ الزواج من الابنة ، وقد تزوج حاجب بن زرارة ابنته قبل نزول آية المحرّمات : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ) (النساء ٢٣) فنهى الله المسلمين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة.

٤٧

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) (٢٤) : قيل : المراد بالمحصنات المسبيات ذوات الأزواج خاصة ، أى هن محرّمات إلا ما ملكت اليمين بالسبى من أرض الحرب ، فإنها تكون حلالا للذى تقع فى سهمه وإن كان لها زوج. ومناسبة نزول الآية أن المسلمين الذين غزوا أوطاس أصابوا سبابا فتحرّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين ، فأنزل الله الآية ، تحللهن لهم إذا انقضت عدّتهن ، فالآية نزلت بسبب تحرّج أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج ، فأنزل الله الآية فى جوابهم.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (٣٢) : قيل : إن أم سلمة قالت : يغزو الرجال ولا يغزو النساء! وفى الميراث لنا النصف! فأنزل الله تعالى الآية. وقيل : إن أم سلمة قالت : كانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان ، فلما ورثوا جعلوا للذكر مثل حظ الأنثيين ، فتمنى النساء أن لو جعلت أنصباء النساء كانصباء الرجال ، فنزلت الآية.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) (٣٤) : قيل : الآية نزلت فى سعد بن الربيع ، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبى زهير ، فلطمها ، فاشتكت للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «لتقتص من زوجها» فانصرفت مع أبيها لتقتص من زوجها ، فأرسل خلفها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «جبريل أتانى» فنزلت الآية. وقيل : إن امرأة أتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : إن زوجى لطم وجهى ، فقال : «بينكما القصاص» ، ونزلت الآية بغير ذلك. وقيل : نزلت الآية فى جميلة بنت أبىّ ، وفى زوجها ثابت بن قيس بن شماس. وقيل : نزلت فى عميرة بنت محمد بن مسلمة وفى زوجها سعد بن الربيع.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) (٣٧) : قيل : نزلت فى اليهود فقد كان علماء إسرائيل

٤٨

يبخلون بما لديهم من العلم. وقيل : كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف ، وأسامة بن حبيب ، ونافع بن أبى نافع ، وبحرى بن عمرو ، وحيى بن أخطب ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، يأتون رجالا من الأنصار يتنصّحون لهم ، فيقولون : لا تنفقوا أموالكم ، فإنا نخشى عليكم الفقر فى ذهابها ، ولا تسارعوا فى النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون ، يقصدون أن يمنعوهم من الإنفاق على المهاجرين ، فنزلت الآية.

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً) (٣٨) : قيل : نزلت فى مطعمى يوم بدر وهم رؤساء مكة ، أنفقوا على الناس ليخرجوا معهم إلى بدر ، ونفقة الرئاء لا تجزئ.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ...) (٤٣) : قيل : كانوا يقيمون الصلاة وقد أخذوا من الخمر واتلفت عليهم أذهانهم ، فنزلت : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ ..) (٢١٩) (البقرة) ، فسأل عمر ربّه بيانا شافيا فيها : فنزلت (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ..) (٤٣) (النساء) ، فكانوا إذا أقاموا الصلاة ، ينادى المنادى : ألا يقربنّ الصلاة سكران. فسأل عمر ربّه بيانا شافيا فى الخمر ، فنزلت (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (٩١) (المائدة).

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) : قيل فى سبب الآية : أن قوما من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة فى المسجد ، فإذا أصابته أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور فى المسجد. والجنب لا يمر فى المسجد إلا إذا عدم الماء ، فحينئذ يمكنه أن يتيمم ويمر فى المسجد ، والجنب أصلا لا يمر فى المسجد وهو جنب ، وقيل : إن الآية نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف وعلىّ بن طالب وآخرين ، دعاهم عبد الرحمن إلى الخمر فشربوا وأحدث منهم ، فلما حضرت الصلاة قدّموا عليا فقرأ : (قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون) فأنزل الله الآية.

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (... وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً) (٤٣) : قيل : هذه آية التيمم ، نزلت فى عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو جريح ، فرخّص له أن يتيمم ، ثم صارت الآية عامة. وقيل : أنزلت بسبب عدم وجود الماء مع الصحابة فى غزوة المريسيع حين انقطع عقد عائشة. وقيل : هلكت قلادة لعائشة كانت قد استعارتها من أختها أسماء ، فبعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى طلبها رجالا ، فحضرت الصلاة

٤٩

وليسوا على وضوء ، ولم يجدوا ماء ، فصلّوا وهم على غير وضوء ، فأنزل الله تعالى آية التيمم. وقيل : إن أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصابتهم جراحة ففشت فيهم ، ثم ابتلوا بالجنابة ، فشكوا ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت هذه الآية. وآية التيمم فى سورة المائدة بخلاف ذلك ، وتسمى آية الوضوء ، ولا يوجد التيمم إلا فى هاتين السورتين. والتيمم مما خصّت به هذه الآية على المسلمين.

١٨ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً) (٤٦) : قيل : الآية نزلت فى رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود المدينة ، وكان إذا كلم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لوى لسانه ، وقال : أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك! ثم طعن فى الإسلام وعابه ، فأنزل الله هذه الآيات.

١٩ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) (٤٧) : قيل : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلّم رؤساء من أحبار يهود ، منهم عبد الله ابن صوريا الأعور ، وكعب بن أسد ، فقال لهم : «يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فو الله إنكم لتعلمون أن الذى جئتكم به الحق» ، قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد! وجحدوا ما عرفوا ، وأصرّوا على الكفر ، فأنزل الله فيهم : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً ..) إل آخر الآية.

٢٠ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً) (٤٨) (النساء) : قيل : إن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم تلا : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٥٣) (الزمر) ، فقال له رجل : والشرك؟! فنزلت : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ...).

٢١ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) (٤٩) (النساء) : قيل : نزلت الآية فى اليهود ، قالوا : (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ...) (١١١) (البقرة) ، وقالوا : (نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ...) (١٨)

٥٠

(المائدة) ، وقالوا : لا ذنوب لنا ، وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا ، وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا ، ونحن كالأطفال فى عدم الذنوب. وكانوا يقدمون صبيانهم فى الصلاة بدعوى أنهم لا ذنوب عليهم ، فهذه هى تزكيتهم لأنفسهم ولأولادهم.

٢٢ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) (٥١) : قيل : إن كعب بن الأشرف خرج فى سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ، ليحالفوا قريشا على قتال المسلمين ، فنزل كعب على أبى سفيان ، ونزلت اليهود فى دور قريش ، فتعاقدوا وتعاهدوا ليجتمعن على قتال محمد ، فقال أبو سفيان : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ، ونحن أميون لا نعلم ، فأيّنا أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق : نحن أم محمد؟ فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد.

٢٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (٥٤) : قيل : إن أهل الكتاب قالوا : زعم محمد أنه أوتى ما أوتى فى تواضع ، وله تسع نسوة ، وليس همّه إلا النكاح ، فأى ملك أفضل من هذا؟ فأنزل الله : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ...) الآية.

٢٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً) (٥٨) : قيل : لما فتح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مكة ، رفض عثمان بن أبى طلحة الحجبى العبدرى ، وابن عمه شيبة بن عثمان بن أبى طلحة ـ وكانا كافرين ـ أن يعطيا مفتاح الكعبة للعباس بن عبد المطلب ، ثم دفعاه إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقالا له : خذه بأمانة الله ، ودخل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الكعبة ، فكسر ما فيها من أوثان ، وأخرج مقام إبراهيم ، ونزل عليه جبريل بهذه الآية ، فأعاد المفتاح لعثمان وشيبة وقال لهما : «خذاه خالدة تالدة ، لا ينزعه منكما إلا ظالم». والأظهر فى الآية أنها عامة فى جميع الناس.

٢٥ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (٥٩) (النساء) : قيل : نزلت الآية فى عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى السهمى ، إذا بعثه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى سرية. وكان عبد الله من أصحاب بدر وفيه دعابة ، ومن دعابته أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا أمره على السرية ، قال لهم عبد الله أن يجمعوا حطبا ويوقدوا

٥١

نارا ، فلما أوقدوها أمرهم بالتفحّم فيها وقال : ألم يأمركم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بطاعتى؟ وقال : من أطاع أميرى فقد أطاعنى؟ فقالوا : ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار! ولمّا سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم القصة صوّب فعلهم ، وقال : «لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق» ، فلم يطيعونه دون غيره؟ ولم يخصونه بالطاعة وما أمرهم به الرسول لله ، وليس له صلة بما كلفهم به وعهد فيه إلى عبد الله بالإمارة ليقوم به؟ والطاعة لا تكون إلا فى المعروف ، ثم إن الآية لم تسألهم لم لم تطيعوه ، ولذلك نستبعد هذه القصة كسبب لنزول الآية. وقوله (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ..) يناسبه أن ينزل فى ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع : وهو الردّ إلى الله والرسول ـ أى إلى كتابه ثم سنّة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد وفاته ، وكذلك الاجتهاد القائم على الاستنباط ، كقوله تعالى : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٣) (النساء).

٢٦ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) (٦٠) : قيل : كان بين رجل من المنافقين ويهودى خصومة ، فدعا اليهود إلى تحكيم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة ، فرفض المنافق ، ودعا إلى تحكيم كعب بن الأشرف ـ وهو الطاغوت ، أى ذو الطغيان ، فأبى اليهودى أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما رأى المنافق إصراره ذهبا إلى الرسول فحكم لليهودى ، ولم يرض المنافق ، وانطلقا إلى أبى بكر فحكم لليهودى ، فانطلقا إلى عمر وقصّا عليه القصة ، وأنهما احتكما إلى الرسول وأبى بكر فحكما لليهودى ، فانتضى عمر سيفه ليضرب المنافق لأنه لم يرض بحكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية. وقال جبريل : إن عمر فرق بين الحق والباطل ، فسمى الفاروق.

٢٧ ـ وفى قوله تعالى : (فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً) (٦٢) : قيل : نزلت فى شأن الذين بنوا المسجد الضرار ، فلما أظهر الله نفاقهم وأمرهم بهدم المسجد ، حلفوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دفاعا عن أنفسهم : ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب.

٢٨ ـ وفى قوله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٦٥) : قيل : نزلت فى الزبير مع الأنصارى ،

٥٢

وكانت الخصومة فى سقى بستان ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم للزبير : «اسق ارضك ثم ارسل الماء إلى أرض جارك» ، فقال الخصم : «أراك تحابى ابن عمتك! فتلوّن وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال للزبير : «اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر» أى حائط المزرعة ، ونزلت الآية.

٢٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) (٦٦) : قيل : سبب نزولها أن ثابت بن قيس بن شماس تفاخر هو ويهودى ، فقال اليهودى : والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا ، وبلغ القتلى سبعين ألفا ، فقال ثابت : والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا ، فنزلت الآية.

٣٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) (٦٩) : قيل : هذه الآية تفسير لقوله تعالى : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (٧) (الفاتحة) ، وهى المراد فى قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى مرض موته : «اللهم الرفيق الأعلى». وقيل : إنما نزلت هذه الآية لمّا قال عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصارى : يا رسول الله ، إذا مت ومتنا ، كنت فى عليين ، لا نراك ولا نجتمع بك» ، وذكر حزنه على ذلك ، فنزلت هذه الآية. وقيل : الآية نزلت فى ثوبان مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان شديد الحب له ، قليل الصبر عنه ، فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونه ونحل جسمه ، يعرف فى وجهه الحزن فقال له : «يا ثوبان ، ما غيّر لونك؟» فقال : يا رسول الله ، ما بى ضرّ ولا وجع ، غير أنى إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة ، وأخاف ألا أراك هناك ، لأنى عرفت أنك ترفع مع النبيين ، وأنى إن دخلت الجنة كنت فى منزلة هى أدنى من منزلتك ولن أراك أبدا ، فكأنى ما دخلت الجنة! فأنزل الله هذه الآية. وقيل : إن أصحابه قالوا : ما ينبغى أن نفارقك فى الدنيا ، فإنك إن فارقتنا رفعت فوقنا. فأنزل الله تعالى الآية.

٣١ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٣) : قيل : لمّا اعتزل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نساءه دخل عمر بن الخطاب المسجد ، فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون : طلّق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نساءه! فقام على باب المسجد فنادى بأعلى صوته : لم يطلق نساءه ، فنزلت هذه الآية ، وقال عمر : وكنت أنا الذى

٥٣

استنبطت ذلك الأمر. والآية تعنى : أنهم إذا سمعوا ما فيه أمن لهم أو خوف أفشوه وأظهروه وتحدّثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته ، ويظنون أنه لا إثم عليهم فى ذلك. ولو سكتوا حتى ينكره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بنفسه ، أو أهل العلم والاختصاص من بعده لكان ذلك أوفق وأفضل ، لأن أهل العلم هم الذين لديهم المعرفة لما ينبغى أن يفشى منه أو أن يكتم.

٣٢ ـ وفى قوله تعالى : (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً) (٨٤) : قيل : نزلت هذه الآية فى بدر الصغرى ، فإن أبا سفيان لما انصرف من أحد ، واعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم موسم بدر الصغرى. فلمّا جاء الميعاد خرج إليها رسول الله فى سبعين راكبا ، فلم يحضر أبو سفيان ، ولم يقع قتال. والآية فيها الأمر بالقتال ، والإعراض عن أراجيفهم ، وأخذ الأمور بجدية ، وإن لم يقم معه أحد فليكن قيامه ولو بنفسه فقط ، وقيل : ولهذا ينبغى لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده ، وفى الحديث : «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتى» ، وعن أبى بكر قال فى وقت الردّة : «ولو خالفتنى يمينى لجاهدتها بشمالى».

٣٣ ـ وفى قوله تعالى : (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) (٨٨) : قيل : نزلت فى عبد الله بن أبىّ وأصحابه الذى خذلوا الله يوم أحد ، ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا ، فانقسم المسلمون حيالهم فرقتين ، فرقة تقول نقتلهم ، وفرقة تنكر ذلك ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت الآية فى قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة ، وقالوا : إن ظهر محمد فقد عرف أننا معه ، وإن ظهر قومنا فهذا أحب إلينا ، فصار المسلمون فيهم فئتين ، قوم يتولونهم ، وقوم يتبرءون منهم ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت فى قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام ، فأصابهم وباء المدينة وحماها ، فأركسوا فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالوا : ما لكم رجعتم؟ قالوا : أصابنا وباء المدينة فاجتويناها. فقالوا : تأسّوا بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأقيموا ، وقال بعضهم : نافقوا ، وقال بعضهم : ولم ينافقون وهم مسلمون؟ فليذهبوا لو شاءوا ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت فى جماعة قدموا المدينة وأسلموا ثم ارتدوا ، وادّعوا أنهم يخرجون ليأتوا بضائع يتّجرون فيها ، وخرجوا ولم يعودوا ، فانقسموا فيهم ، فقالت فئة هم مؤمنون ، فبيّن الله نفاقهم وأنزل هذه الآية فيهم.

٣٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ

٥٤

اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) (٩٠) : قيل : الآية نزلت فى هلال بن عويمر ، وسراقة بن جعشم ، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف ، وكان بينهم وبين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عهد. وقيل : أراد بالذى بينكم وبينهم ميثاق : خزاعة ، وقيل : هم بنو بكر بن زيد بن مناة. وقيل : الذين بينهم وبين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ميثاق بنو مدلج ، وكان بينهم وبين قريش عهد ، وبين قريش وبين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عهد ، فهؤلاء تضيق صدورهم أن يقاتلوكم. وقيل : الآية نزلت لما أراد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يرسل خالد بن الوليد إلى بنى مدلج ، فأتى سراقة بن مالك المدلجى يرجوه ليوادعهم ، ففعل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك وأمر خالدا به ، فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم. وقيل إن هلال بن عويمر الأسلمى ، كان بينه وبين المسلمين عهد ، وقصده ناس من قومه فكره أن يقاتل المسلمين ويقاتل قومه معا.

٣٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) (٩٢) : قيل : كان الحارث بن يزيد من بنى عامر بن لؤى يعذّب عياش بن أبى ربيعة مع أبى جهل ، ثم خرج الحارث مهاجرا فلقيه عيّاش بالحرة ، فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر ، ثم جاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره ، فنزلت الآية.

٣٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) (٩٣) : قيل : نزلت الآية فى مقيس بن صبابة ، ذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة ، فوجد هشاما قتيلا فى بنى النجار ، فأخبر بذلك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه ، وأرسل معه رجلا من بنى فهر ، فقال بنو النجار : والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدى الدية ، فأعطوه مائة من الإبل ، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة ، فعدا مقيس على الفهرى فقتله بأخيه ، وأخذ الإبل ، وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا أؤمنه فى حلّ ولا حرم ، فقتل يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة ، وفى ذلك نزلت الآية.

٣٧ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ

٥٥

فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (٩٤) : قيل : هذه الآية نزلت فى قوم من المسلمين مرّوا فى سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها ، فسلم على القوم ، وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فحمل عليه أحدهم فقتله. فلما ذكر ذلك للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم شقّ عليه ونزلت الآية. وقيل : كان رجل فى غنيمة له ، فلحقه المسلمون ، فقال : السلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ، فأنزل الله الآية ، وحمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ديته إلى أهله ، وردّ عليه غنيماته. وكان القاتل اسمه : محلم بن جثامة ، والمقتول : عامر بن الأضبط ، فدعا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على محلم ، فما عاش بعد ذلك إلا سبعا. وقيل : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث جيشا من المسلمين إلى المشركين ، فقاتلوهم قتالا شديدا ، فحمل رجل مسلم على رجل من المشركين بالرمح ، فلما غشيه قال المشرك : أشهد أن لا إله إلا الله. إنى مسلم. فطعنه المسلم فقتله ، وأتى إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يولول : هلكت وقصّ القصة ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما فى قلبه! فلا أنت قبلت ما تكلم به ، ولا أنت تعلم ما فى قلبه». وقيل إن القاتل : أسامة بن زيد ، والمقتول مرداس بن نهيك ، وقوله تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ...) نزلت فى مرداس. وقيل : إن مسلما قدم إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من اليمن ، فلقيته سرية من المسلمين ، فقال لهم : أنا مؤمن ، فلم يقبلوا منه وقتلوه ، فجاء أخوه إلى النبىّ يشكو أمره ، فنزلت : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا ...) ، وأعطاه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دية أخيه.

٣٨ ـ وفى قوله تعالى : (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) (٩٥) : قيل : نزلت الآية أولا «لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون» ، يعنى بدون «غير أولى الضرر» ، فلمّا كان المسلمون يكتبونها ، وكان ابن أم مكتوم حاضرا ، قال للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنا ضرير ، فنزلت مكانها (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ...).

٣٩ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً) (٩٧) : قيل : الآية نزلت فى المسلمين الذين كانوا يكتمون إسلامهم واستمروا فى سكنى مكة ولم يهاجروا ، فكانوا إذا خرج الكفار أخرجوهم معهم ، ويتحرّج هؤلاء أن لا يخرجوا ، فكانوا يصابون فى المعارك ويموتون ، فهؤلاء (الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي

٥٦

أَنْفُسِهِمْ ...) ، ومنهم : قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو قيس بن الفاكهة بن المغيرة ، والوليد بن عتبة بن ربيعة ، وعمرو بن أمية بن سفيان ، وعلى بن أمية بن خلف ، والحارث بن زمعة بن الأسود ، والعاص بن منبه بن الحجاج ، وقتلوا ببدر ، وفيهم نزلت الآية. وكتب المسلمون لمن كان فى مكة بضرورة الهجرة حتى لا يقعوا فى نفس المشكلة التى وقع فيها إخوانهم ، فخرجوا فلحق بهم المشركون ، ففتنوهم فرجعوا ، فنزلت : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللهِ) (العنكبوت ١٠) ، وكتبوا إلى إخوانهم فى المدينة فتحزنوا عليهم ، فنزلت : (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ...) (النحل ١١٠) الآية.

٤٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (١٠٠) : قيل : نزلت الآية فى ضمرة بن جندب ـ أو أنه ضمرة بن العيص ، أو العيص بن ضمرة ، وقيل رجل من بنى ضمرة ، أو من بنى ليث ، أو من بنى كنانة ، أو من بنى بكر ، وكان كبير السن وأراد أن يهاجر من أرض الشرك إلى المدينة ـ قال : إنى لغنى ، وإنى لذو حيلة ، يردّ على الآية : (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (٩٨) (النساء) ، فتجهّز يريد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأدركه الموت بالتنعيم ، فنزلت هذه الآية : (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ..). وقيل : إن جندبا كان بمكة ، فمرض فقال لبنيه : أخرجونى من مكة فقد قتلنى غمّها ، فقالوا : إلى أين؟ فأومأ بيده ناحية المدينة يريد الهجرة ، فخرجوا به ، فلما بلغوا به أضاة بنى غفار مات ، فأنزل الله فيه : (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ...). وقيل : إن أكثم بن صيفى أرسل إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسأله : من أنت لله وبم جئت؟ فتلا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعض آيات القرآن على من أرسله ، ومنها : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (٩٠) (النحل) ، فلما سمع أكثم ، قال : أى قوم ، إنه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها ، وركب بعيره يريد المدينة فمات فى الطريق ، فنزلت الآية : (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ..).

٤١ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً) (١٠١) : قيل : كان المسلمون بعسفان فاستقبلهم المشركون وعليهم خالد بن الوليد ، وكانوا بين المسلمين والقبلة ، فصلى

٥٧

النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمسلمين الظهر ، فقال المشركون : قد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم. وقالوا : وتأتى عليهم الآن صلاة هى أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذه الآية بين الظهر والعصر : (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً ..) (١٠٢). وفى هذه الآية صلاة الخوف وصلاة السفر ، وكان الغالب على المسلمين الخوف فى الأسفار. فلما آمنوا سألوا : ما لنا نقصر وقد أمنّا؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته».

٤٢ ـ وفى قوله تعالى : (.. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) (١٠٢) : قيل : الآية فى وجوب حمل السلاح فى الصلاة عند الخوف من عدو ، ثم رخّص فى المطر وضعه ، لأن السلاح يبتل فيصدأ الحديد ويثقل. وقيل : نزلت الآية فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم «بطن نخلة» ، وبطن نخلة قرية قرب المدينة فى الطريق إلى البصرة ، وفيها انهزم المشركون وغنم المسلمون ، وكان يوما مطيرا ، وخرج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقضاء حاجته ، واضعا سلاحه ، فرآه الكفار منقطعا عن أصحابه ، فقصده غورث بن الحارث ، فانحدر عليه من الجبل بسيطه ، فقال : ما يمنعك منى اليوم؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الله» ، ثم قال : «اللهم اكفنى الغورث بما شئت» ، فأهوى بالسيف إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليضربه ، فانزلقت قدمه وزلت ، وانكب لوجهه وسقط السيف من يده ، فأخذه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : وقال : «ما يمنعك منى يا غورث؟» فقال : لا أحد ، فقال : «تشهد لى بالحق وأعطيك سيفك؟» ، قال : لا ، ولكن أشهد ألا أقاتلك بعد هذا ولا أعين عليك عدوا. فدفع إليه السيف ، ونزلت الآية رخصة فى وضع السلاح فى المطر.

٤٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) (١٠٤) : قيل : نزلت فى حرب أحد حيث أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالخروج فى آثار المشركين ، وكانت بالمسلمين جراحات ، وكان قد أمر ألا يخرج معه إلا من كان فى الوقعة. وقيل : الآية نزلت فى كل جهاد.

٤٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) (١٠٥) : قيل : نزلت هذه الآية فى رجل يدعى بشير بن الحارث ، عدا

٥٨

على مشربة رفاعة بن زيد ، عمّ قتادة بن النعمان ، فنقبها من ظهرها ، وسرق الطعام ودرعين ، فأتى قتادة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره بذلك ، فدعا بشيرا فسأله وأنكر ، ورمى بالسرقة رجلا يدعى لبيد بن سهل من أهل الدار وكان ذا حسب ونسب ، فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد ، وهرب بشير إلى مكة وجعل يقع فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفى المسلمين ، فنزل فيه : (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ...) (النساء ١١٥) ، وقيل : كان بنو أبيرق ثلاثة أخوة : بشر ، وبشير ، ومبشر ، وكان لهم ابن عم اسمه أسير بن عروة ، ونقب الأربعة مشربة لرفاعة بن زيد فى الليل ، وسرقوا أدرعا وطعاما ، وقيل إن السارق بشير وحده ، وكان يكنّى أبا طعمة ، أخذ درعا كان فى جراب فيه دقيق ، فكان الدقيق ينتثر من خرق فى الجراب حتى انتهى إلى داره ، فجاء ابن أخى رفاعة يشكوهم إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فجاء أسير ابن عروة إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجادل عنهم ، ونسب إلى ابن أخى رفاعة أنه اتهمهم بالسرقة ورماهم بها من غير بيّنة ، وكاد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصدقه ، وأنزل : (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (١١٢) (النساء) وكانوا قد اتهموا أثناء ذلك لبيد بن سهل وكان يهوديا ، وقيل : زيد بن السمين وهو يهودى أيضا ، أو أنهم اتهموا رجلا من الأنصار ، وكان بريئا. فلما أنزل الله ما أنزل ، هرب ابن أبيرق السارق إلى مكة ، ونزل على سلامة بنت سعد بن شهيد ، فقال فيه حسّان بن ثابت بيتا من الشعر يعرض فيه بها :

وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت

ينازعها جلد استها وتنازعه

ظننتم بأن يخفى الذى قد صنعتموا

وفينا نبىّ عند الوحى واضعه

فلما بلغها أخذت رحل ابن أبيرق فألقته خارج بيتها ، فهرب إلى خيبر وارتد. ثم أنه نقب بيتا ذات ليلة ليسرق ، فسقط عليه الحائط فمات مرتدا. وقيل قبل موته ، أراد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقطع يده ، فجاءت اليهود شاكين السلاح ، فأخذوه وهربوا ، فنزلت : (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) (١٠٩) (النساء). وقيل : لما سرق الدرع اتخذ حفرة فى بيته وجعل الدرع تحت التراب ، وقيل : إنهم سألوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يبرئ ابن أبيرق لأنه كان مطاعا فى قومه ، ويلحق التهمة بيهودى!! فنبّه الله تعالى نبيّه فقال : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ ...) (١١٣) (النساء). وقال فى تدبيرهم : (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (١١٤) (النساء).

٥٩

٤٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (١٠٦) : قيل : لما همّوا أن يقطعوا يد اليهودى بسبب السرقة ، أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالاستغفار عن هذا الخطأ الذى كاد يقع فيه المسلمون.

٤٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً) (١٠٧) : قيل : نزلت فى أسير بن عروة وجداله عن السارق الحقيقى.

٤٧ ـ وفى قوله تعالى : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) (١٠٨) : قيل : نزلت لمّا سرق الدرع ، وجعل له بشير بن أبيرق حفرة فى بيته جعل فيها الدرع وأهال عليه التراب.

٤٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً) (١١٠) : قيل : نزلت على بنى أبيرق يعرض عليهم التوبة. وقيل : الآية أيضا فى شأن وحشى قاتل حمزة ، أشرك بالله وقتل حمزة ، ثم جاء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : إنى لنادم ، فهل لى من توبة ، فنزلت الآية ، وقيل : المراد بالآية العموم والشمول لجميع الخلق.

٤٩ ـ وفى قوله تعالى : (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً) : قيل : نزلت فى أهل مكة أن عبدوا الأصنام وكانوا يجعلون لها أسماء الإناث ، اعتقادا منهم أن الآلهة إناث ، حتى أن كلّ حىّ كان له صنم ، كان يقال عنه : أنثى بنى فلان ، وحتى الملائكة ، قالوا عنها إنها بنات الله أى جعلوها إناثا ، ولهذا السبب نزلت الآية.

٥٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (١١٣) : قيل : نزلت لأنهم سألوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يبرئ ابن أبيرق من التهمة ويلحقها باليهودى ، فتفضّل الله على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ونبّهه على ذلك وأعلمه به.

٥١ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥) إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) (١١٦) : قيل : نزلت الآيتان بسبب ابن أبيرق السارق لمّا حكم عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالقطع فهرب إلى مكة وارتد. وقيل : لما صار

٦٠

إلى مكة نقب بيتا بها فأمسكوا به وقتلوه. وقيل : قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين فنزلت الآية. وقيل : الآية عامة فى كل من خالف طريق المسلمين.

٥٢ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) (١٢٣) : قيل : نزلت فى اليهود والنصارى قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان منا ، وقالت قريش : نحن لن نبعث ، فأنزل الله تعالى الآية.

٥٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً) (١٢٧) : قيل : نزلت الآية بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن فى الميراث وغير ذلك ، فأمر الله نبيه أن يقول لهم : الله يفتيكم فيهن ، أى يبين لكم حكم ما سألتم عنه. والآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء ، وكانت قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا ، فقيل لهم : (اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ...).

٥٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (١٢٨) : قيل : نزلت الآية بسبب سودة بنت زمعة ، فقد خشيت سودة أن يطلّقها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : لا تطلقنى وأمسكنى ، واجعل يومى منك لعائشة ، ففعل ، ونزلت الآية بسبب سودة بنت زمعة ، فما اصطلحا عليه فهو جائز ، والصلح خير والصحيح أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما طلّق سودة ، ولا فكّر فى ذلك ، ووهبت سودة ليلتها لعائشة من تلقاء نفسها وإدراكا لموقفها بسبب كبر سنّها. وقيل : إن رافع بن خديج كانت تحته خولة ابنة محمد بن سلمة ، فكره من أمرها ، إما كبرا وإما غيره ، فأراد أن يطلقها فقالت : لا تطلقنى واقسم لى ما شئت ، ونزلت الآية. وقالت عائشة فى الآية : إنها عن الرجل تكون عنده المرأة ، ليس بمستكثر منها ، يريد أن يفارقها فتقول : أجعلك فى شأنى فى حلّ ، فنزلت الآية. وفى رواية قالت عائشة : نزلت هذه الآية فى رجل كانت تحته امرأة قد ولدت له أولادا ، فأراد أن يستبدل بها ، فراضته على أن تقرّ عنده ولا يقسم لها.

٥٤ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ

٦١

تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (١٣٥) : قيل : اختصم إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم غنى وفقير ، فكان قلبه صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع الفقير ، وكان يرى أن الفقير لا يظلم الغنى ، فنزلت الآية.

٥٥ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) (١٣٦) : قيل : نزلت فى جميع المؤمنين ، والمعنى : يا أيها الذين صدّقوا ، أقيموا على تصديقكم ، واثبتوا عليه. وقيل : نزلت فيمن آمن بما تقدّم محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الأنبياء. وقيل : الخطاب للمنافقين ، والمعنى على هذا : يا أيها الذين آمنوا فى الظاهر أخلصوا لله.

٥٦ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (١٣٩) : قيل : نزلت الآية فى رجل من المشركين لحق بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يريد أن يقاتل معه لقاء نصيبه من الغنائم ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ارجع ، فإنا لا نستعين بمشرك» ، فنزلت الآية.

٥٧ ـ وفى قوله تعالى : (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً) (١٤٨) : قيل : نزلت هذه الآية فى انتصار المظلوم من ظالمه ، ولكن مع اقتضاء ، أى يقضيه حقه ويطالبه به ، وأما أن يقال القذف فلا ، فإن كان مجاهرا بالظلم دعى عليه جهرا.

٥٨ ـ وفى قوله تعالى : (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً) (١٥٣) (النساء) : قيل : سألت اليهود النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن. يصعد إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتابا مكتوبا بما يدّعيه ، دليلا على صدقه ، دفعة واحدة كما أتى موسى بالتوراة ، تعنتا له صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت فيهم الآية. وللتصحيح : فإن التوراة وهى كتب موسى الخمسة ، كتبها عزرا بعد أكثر من ثلاثمائة ستة وخمسين من وفاة موسى ، وأنها لم تتنزّل على موسى ، ففيها روايات تحكى «عن» موسى ، وما كان موسى يمكن أن يحكى عن نفسه بعد وفاته؟!

٥٩ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (١٦٣) : قيل : نزلت فى قوم من اليهود ، منهم سكّين وعدىّ بن زيد ، قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ما أوحى الله إلى أحد من بعد موسى! فكذّبهم الله ، ونزلت الآية.

٦٢

٦٠ ـ وفى قوله تعالى : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١٧٦) : قيل : هذه آخر آية نزلت من القرآن ، وذلك غير صحيح ، وتسمى آية الصيف لنزولها فى الصيف ، وكان نزولها والنبىّ متجهّز لحجة الوداع ، ونزلت بسبب جابر ، وكان قد أشرف على الموت ، فسأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كيف أقضى فى مالى؟ فنزلت آية الكلالة.

* * *

١٠١٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة المائدة

١ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٢) : قيل : لمّا خرج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عام القضية (أى عام قضاء العمرة التى أحصر عنها) ، سمع تلبية حجاج اليمامة ، فقال : «هذا الحطم وأصحابه» ، وكان الحطم قد هاجم المدينة ونهب منها ما نهب ، فجاء يحج وقد قلّد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى مكة ، فتوجه المسلمون فى طلبه ، فنزلت الآية تقول لا تحلوا ما أشعر لله وإن كانوا مشركين.

وقيل : نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة ، وكان جماعة من المشركين قد حضروا ليحجوا ويعتمروا ، فقال المسلمون : يا رسول الله ، إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم ، فنزل القرآن : (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ..). وقيل : كان هدا لأمر شريح بن ضبيعة البكرى ويلقب الحطم ، أخذه المسلمون وهو فى عمرته فنزلت الآية ، وأدرك الحطم ردّة اليمامة فقتل مرتدا. وكان الحطم هذا قد دخل على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المدينة يريد الإسلام وسأله : إلام تدعو؟ ثم خرج من عنده يشاور أصحابه ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قال فيه قبل أن يدخل عليه : «يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان» ، فلمّا خرج من عنده قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لقد دخل بوجه كافر ، وخرج بقفا غادر ، وما الرجل بمسلم» ، فمر الحطم بسرح (أنعام) المدينة فاستاقه ، فطلبوه فعجزوا عنه ، إلى أن قابلوه فى عام القضية جاء وأصحابه يعتمر. وأخرج بن جرير عن عكرمة قال : قدم الحطيم بن هند البكرى المدينة فى عير له يحمل طعاما فباعه ، ثم دخل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فبايعه وأسلم ،

٦٣

فلمّا ولّى خارجا نظر إليه فقال لمن عنده : «لقد دخل علىّ بوجه فاجر ، وولّى بقفا غادر» ، فلمّا قدم اليمامة ارتدّ عن الإسلام ، وخرج فى عير له يحمل الطعام فى ذى القعدة يريد مكة ، فلما سمع به أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تهيأ للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقتطعوه فى عيره ، فأنزل الله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ..) الآية ، فانتهى القوم. وقيل : نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة ، فقد جاء مشركون يحجّون ويعتمرون ، فقال المسلمون للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أندعهم؟ فنزل القرآن (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ..). وقيل : كان هذا لأمر شريح بن ضبيعة البكرى ويلقب الحطم ، أخذته جند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو فى عمرته ، فنزلت هذه الآية. وقيل : إن الحطم كان قد قلّد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى مكة ، فتوجهوا فى طلبه ، فنزلت الآية. أى لا تحلوا من أشعر لله وإن كانوا مشركين. وقيل : لما كان المشركون قد صدّوا المسلمين عام الحديبية سنة ست ، وكان الصدّ قبل الآية ، فقد نهوا أن يجعلوا هذا الصدّ سببا فى بغضهم فيعتدوا عليهم. وقيل : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحديبية وأصحابه حين صدّهم المشركون عن البيت ، وقد اشتد ذلك عليهم ، فمرّ بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة ، فقال أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : نصدّ هؤلاء كما صدّوا أصحابنا ، فأنزل الله : (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...)

٢ ـ وفى قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣) : قيل : هذه جميعها كانوا يفعلونها فى الجاهلية ، فكانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها ، وكان يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها ، وكانوا يأكلون المتردّى والنطيحة ، وما يفترسه ذو ناب وأظفار كالأسد والنمر والذئب ، وكانوا يستقسمون بالأزلام ، فنزلت الآية فى ذلك. وقيل : نزلت هذه الآية حين فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع أو ثمان ، ونادى المنادى فى أهلها : «إلا من قال لا إله إلا الله فهو آمن ، ومن وضع السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن». وقيل : لمّا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى مكة قبل الهجرة لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها ، فلما قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام إلى أن حجّ وكمل الدين ، فنزلت هذه الآية.

٦٤

٣ ـ وفى قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) (٤) : قيل : نزلت بسبب عدىّ بن حاتم ، وزيد بن مهلهل ـ وهو «زيد الخيل» الذى سمّاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم «زيد الخير» ، قالا : يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء ، فمنه ما ندرك ذكاته ، ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته ، وقد حرّم الله الميتة ، فما ذا يحلّ لنا؟ فنزلت الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٥) : قيل نزلت الآية : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ..) فقالت نساء أهل الكتاب : لو لا أن الله تعالى رضى ديننا لم يبح لكم نكاحنا ، فنزلت : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ..) أى بما أنزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والكفر به أن يجحده.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ..) (٦) : قيل : هذه آية الوضوء ، وكان الوضوء عندهم قبلها متقررا ومستعملا ، فلم تزدهم الآية إلا تلاوته.

٦ ـ وفى قوله : (.. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٦) : قيل : هذه آية التيمم ، وأصلها ضمن سورة النساء بسبب ضياع قلادة عائشة ، فتأخروا فى البحث عنها ، وحانت الصلاة ولم يجدوا ماء ، فنزلت آية التيمم. ولم يرد التيمم إلا مرتين ، الأولى فى سورة النساء ، والثانية فى سورة المائدة.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١١) : قيل : نزلت فى قوم من اليهود جاءهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستعينهم فى دية ، فهمّوا بقتله ، فمنعه الله منهم. وقيل : نزلت فى غورث بن الحارث ، أو أن اسمه دعثور بن الحارث ، أو هو عمرو بن

٦٥

جحاش ، وكان يهوديا من بنى النضير ، وقيل : إنه هجم على سيف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وجرّده منه ، وشهره يقول : من يعصمك منى يا محمد؟ وقيل : كان ذلك فى غزوة ذات الرقاع. وقيل : كان فى أحد مجالس الرسول وأصحابه معه وكان يجلس معهم ، وفجأة فعل ما فعل ، ولم يعاقبه أىّ من أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (١٨) : قيل : نزلت فى اليهود لمّا قرأ لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم آيات القرآن المنذرة بالعذاب ، فقالوا : نحن لا نخاف فإنّا أبناء الله وأحباؤه ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت الآية فى نعمان بن أضا ، وبحرىّ بن عمرو ، وشأس بن عدىّ ، لمّا اجتمعوا بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكلّمهم وكلّموه ، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته ، فقالوا : ما تخوّفنا يا محمد! نحن أبناء الله وأحباؤه!

٩ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٩) : قيل : إن معاذ بن جبل ، وسعد بن عبادة ، وعقبة بن وهب ، قالوا لليهود : يا معشر يهود ، اتقوا الله ، فو الله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، وقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، وتصفونه لنا بصفته. فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهوذا : ما قلنا هذا لكم ، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا من بعده .. فأنزل الله الآية.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٤) : قيل : اختلف الناس فى سبب نزول هاتين الآيتين ، والذى عليه الجمهور أنها نزلت فى العرنيين ، سنة ست هجرية ، قدموا من عرينة فاجتووا بالمدينة ـ أى أصابهم المرض ، فأمر الرسول بلقاح لهم يشربون من ألبانها ، فلمّا صحوا قتلوا راعى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واستاقوا النّعم ، فأرسل فى أثرهم ، وجيء بهم ، فلما كانوا قد سحلوا عيون الرعاة ، أمر بهم أن تسمل عيونهم وهذا غير صحيح. وقيل : نزلت الآيتان فى قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عهد فنقضوه وأفسدوا فى الأرض. وقيل نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى فى الأرض بالفساد. وقيل نزلت الآيتان فى المحاربين من أهل الإسلام.

٦٦

١١ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) (٤١) (المائدة) : قيل : الآية فى سبب نزولها ثلاثة أقوال : قيل : نزلت فى بنى قريظة والنضير ، فقد قتل قرظىّ نضيريا ، وكان بنو النضير إذا قتلوا من بنى قريظة لم يقيدوهم ، وإنما يعطونهم الدّية ، فتحاكموا إلى النبىّ فحكم بالتسوية بين القرظى والنضيرى ، فساءهم ذلك ولم يقبلوا ، فنزلت الآية. وقيل : إنها نزلت فى شأن أبى لبابة حين أرسله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بنى قريظة ، فخانه حين أشار إليهم أنه الذبح. وقيل : إنها نزلت فى زنا اليهود وقصة الرجم ، وهذا أصح الأقوال ، فإنّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم طلب أعلم رجلين منهم ، فجاءوا بابنى صوريا ، وقالا نجد الرجم فى التوراة للزانى والزانية ، فسألهما : ولم لا ترجموهما»؟ قالوا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ، وقال غيرهم : الزنا كثر فى أشرافنا ، فكنا إذا زنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدّ. فأمرهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقيموا حدود الله ، ونزلت الآية ، ونزل قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (٤٤) (المائدة) ، وقوله : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٤٥) (المائدة) ، وقوله : (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٤٧) (المائدة). وفى رواية : أن يهودى ويهوديه زنيا فأتى بهما ، فانطلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى جاء يهود ، فقال : «ما تجدون فى التوراة على من زنى؟» وقيل : إنهم دعوه إلى المدارس وسألوه أن يحكم بينهم فى رجل يهودى زنى بامرأة يهودية. فسألهم : «ما ذا يجدون فى التوراة لمثل ذلك؟» ، فقالوا : الرجم ، فقال : فإنى أحكم بما فى التوراة. وفى التوراة عن ذلك : يرجم الزانى والزانية (تثنية الاشتراع ٢٢ / ٢٠ ـ ٢٦).

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ

٦٧

بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٤٥) : قيل : نزلت الآية فى بنى قريظة وبنى النضير من اليهود ، فقد خالفوا أن يسوّوا بين النفس والنفس كما جاء فى التوراة ، فضلّوا وجعلوا دية النضيرى أكثر ، وكان النضيرى لا يقتل بالقرظى ويقتل به القرظى ، فلما جاء الإسلام راجع بنى قريظة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فحكم بالاستواء ، فقالت بنو النضير : قد حططت منا ، فنزلت هذه الآية لتؤكد هذا الاستواء.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ) (٤٩) : قيل : إن كعب بن أسيد ، وعبد الله بن صوريا ، وشاس بن قيس ، ذهبوا إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفى بالهم أن يفتنوه عن دينه ، فقالوا له : إنك عرفت أننا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم ، وإن اتبعناك اتبعتنا يهود ولم يخالفونا ، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك ، فتقضى لنا عليهم ونؤمن بك فأبى ذلك ، وأنزل الله فيهم الآية.

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (٥٠) : قيل : كانوا فى الجاهلية يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع ، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء ، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء ، فنزلت الآية تنبه إلى فساد هذا الفعل ، وإلى أن اليهود ضارعوا الجاهلية فيه.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٥١) : قيل : الآية نزلت فى عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبى بن سلول ، وكان ذلك فى أحد ، فإن هذين وأتباعهما خافوا أن تدور الدوائر على المسلمين فهمّوا أن يوالوا اليهود ويتركوا المسلمين ، فنزلت الآية ، فتبرأ عبادة بن الصامت من موالاة اليهود ، وتمسك بها ابن أبىّ.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) (٥٤) : قيل : الآية عن وقائع من الغيب ، وهذا إعجاز من القرآن والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتخبر عن ارتدادهم وعن أهل الردّة ، ومن نبذ منهم الشريعة وخرج عنها ، ومن نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها وقالوا نصوم ونصلى ولا نزكى ، فقاتلهم الصدّيق ، وبعث خالد بن الوليد إليهم. وقوله : (فَسَوْفَ يَأْتِي

٦٨

اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ..) نزلت فى أبى بكر وأصحابه ؛ وقيل : نزلت فى الأنصار ، وقيل : هى إشارة إلى قوم لم يكونوا موجودين فى ذلك الوقت ، فإن أبا بكر قاتل أهل الردة بقوم لم يكونوا وقت نزول الآية.

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (٥٥) : قيل : نزلت فى عبد الله بن سلام ، قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد إسلامه : إن قومنا من قريظة والنضير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا ، ولا نستطيع مجالسة الصحابة لبعد المنازل ، ونزلت الآية ، فقال عبد الله : رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء. وقيل : إن الآية نزلت فى أبى بكر ؛ وفى رواية أخرى : نزلت فى علىّ بن أبى طالب ، وحملهم على هذا القول ما يروج من حديث ضعيف بشأن الآية : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ..) ، فقد ذكر ـ على غير الحقيقة ـ أن سائلا سأل فى مسجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم يعطه أحد شيئا ، وكان علىّ فى الصلاة فى الركوع ، وفى يمينه خاتم ، فأشار إلى السائل بيده حتى أخذه.

١٨ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٥٧) : قيل : إن قوما من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم ، فأنزل الله الآية.

١٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (٥٨) : قيل : كان إذا أذّن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود : قد قاموا ، لا قاموا. وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا ، وقالوا عن الأذان : إن محمدا ابتدع شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم ، فمن أين لك صياح مثل صياح العير (الجمال)؟ فما أقبحه من صوت ، وما أسمجه من أمر! وقيل : إنهم إذا أذّن المؤذن تضاحكوا فيما بينهم ، وتغامزوا على طريق السخف والمجون ، تجهيلا لأهل الإسلام ، وتنفيرا للناس عن الصلاة والداعى إليها ؛ وكان يرون المنادى إلى الصلاة بمنزلة اللاعب الهازئ ؛ جهلا منهم ، فنزلت الآية ، ومن الغريب أن ذلك مستمر معهم حتى اليوم ويشبّهون المؤذن بنفس التشبيهات!.

٢٠ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) (٥٩) : قيل : جاء نفر من اليهود ، فيهم أبو ياسر بن أخطب ، ورافع بن أبى رافع ، فسألوا المسلمين عمّن يؤمنون به من الرسل ، فنزلت : (قُولُوا

٦٩

آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (١٣٦) (البقرة) ، فلما ذكر عيسى (وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى) جحدوا نبوته ، وقالوا : والله لا نعلم أهل دين أقل حظا فى الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرا من دينكم ، فنزلت هذه الآية وما بعدها : (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) (٦٠) (المائدة).

٢١ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٦٢) : قيل : الآية نزلت فى اليهود الذين كانوا يظهرون الإيمان وجه النهار كلما دخلوا المدينة ، ويكفرون آخر النهار إذا رجعوا إلى بيوتهم.

٢٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (٦٤) : قيل : نزلت الآية فى فنحاص بن عازوراء ؛ وقيل فى النباش بن قيس ، والأول صحيح ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستعين باليهود فى الديات فقالوا : إن إله محمد فقير ، أو بخيل ، وهو معنى (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ...). وقيل : كانت مكاسبهم كثيرة قبل مجىء الإسلام ، فقلّت به ، فقالوا : إن إله محمد هو السبب ، وهو إله بخيل ، ويده مقبوضة فى العطاء.

٢٣ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (٦٧) : قيل : نزلت هذه الآية لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يدعو فى بداية الإسلام سرّا خوفا من المشركين ، ثم أمره الله بإظهار الدعوة فى هذه الآية. وقيل : كان عمر أول من أظهر إسلامه وقال : لا نعبد الله سرا ، وفى ذلك نزلت الآية. وفى قوله : (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ..) ، قيل : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا أمر بالبلاغ ، كان الأمر أن يبلّغ كل ما أنزل إليه من ربّه ، ونزلت الآية : (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ..) لتعنى أن لا يكتم شيئا مما ينزل عليه ، والآية تردّ على من قالوا : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كتم شيئا من أمر الدين تقية ، فأبطلت الآية هذا القول ، وهؤلاء هم الرافضة ، ودلّت على أنه لم يسرّ إلى أحد شيئا من أمر الدين ، لأن المعنى : بلّغ جميع

٧٠

ما أنزل إليك ظاهرا ، فكان مما بلّغه ما أنزله ربّه عليه فى أمر زينب بنت جحش ، وفيه قالت عائشة : من حدثك أن محمدا كتم شيئا من الوحى فقد كذب ، ولو كان فاعلا لكتم هذه الآيات» .. وفى قوله : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ..) ، قيل : هذه الآية بها دلائل نبوة محمد ، لأن الله تعالى أخبر أنه معصوم من الناس. قيل : كان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجالا من بنى هاشم يحرسونه حتى نزلت الآية ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا عمّاه ، إن الله قد عصمنى من الناس فلا أحتاج إلى من يحرسنى». وهذا يقتضى أن القصة جرت فى مكة ، لأن أبا طالب كان فى مكة ، وعلى ذلك تكون الآية مكية ، وذلك غير صحيح ، وقيل : إن عمه هو العباس وهو غير صحيح أيضا. وقيل : إن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان نازلا تحت شجرة ، فجاء أعرابى فاختطف سيفه من يده ، وجرى لا يلوى على شىء ، فاصطدم بالشجرة. وقيل اسم الأعرابى «غورث بن الحارس» وقد عفا عنه ، وفى هذا المعنى نزلت هذه الآية ، ونزلت أيضا : (إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١١) (المائدة). وقيل : إن ذلك كان قبل نجد ونزل يستريح ، وعلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سيفه بغصن شجرة ، وتفرّق الناس يستظلون بالشجر ، وأتاه رجل وهو نائم وأخذ سيفه ، واستيقظ والرجل قائم على رأسه ، وقال له : من يمنعك منى؟ قال : الله ، وكررها ثانية ، فقال : الله ، فوضع السيف ، ولم يعرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم للرجل. وقالت عائشة : سهر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة مقدمه المدينة ، فقال : «ليت رجلا صالحا من أصحابى يحرسنى الليلة» ، قالت : فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح ، فقال : من هذا؟ قال : سعد بن أبى وقاص ، فقال له : ما جاء بك؟ قال : وقع فى نفسى خوف على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فجئت أحرسه ، فدعا له صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم نام. وفى رواية أخرى أن سعدا وحذيفة جاءا لحراسته ، فنام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى سمعت عائشة غطيطه ـ يعنى نام مطمئنا ، ونزلت الآية ، فأخرج رأسه من الخيمة وقال : «انصرفوا إيها الناس فقد عصمنى الله».

٢٤ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٦٨) : قيل : جاء جماعة من اليهود إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : ألست تقرّ أن التوراة حقّ من عند الله؟ قال : «بلى» ، فقالوا : فإنّا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها. فنزلت الآية. وقيل : جاء رافع ، وسلام بن مشكم ، ومالك بن الصيف ، فقالوا : يا

٧١

محمد ، ألست تزعم أنك على ملّة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا؟ قال : «بلى ، ولكنكم أحدثتم وجحدتم بما فيها ، وكتمتم ما أمرتم أن تبينوه للناس». قالوا : فإنا نأخذ بما فى أيدينا ، فإنّا على الهدى والحق ، فأنزل الله الآية.

٢٥ ـ وفى قوله تعالى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٧٣) : قيل : هؤلاء فرق النصارى ، كانوا يقولون : الأب والابن وروح القدس إله واحد ، ولا يقولون ثلاثة آلهة ، وهو معنى مذهبهم وإنما يمتنعون من العبارة وهى لازمة لهم.

٢٦ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) (٧٧) : قيل : نزلت فى غلو اليهود وغلو النصارى ، فأما غلو اليهود فقولهم عن المسيح : أنه ابن زانية وليس ولد نكاح ، وأنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأما غلو النصارى فقولهم إن المسيح إله ، فنزلت الآية فيهما.

٢٧ ـ وفى قوله تعالى : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (٨٢) : قيل : الآية نزلت فى نصارى الحبشة ، فقد قدم إليهم المسلمون فى الهجرة الأولى فأكرموا وفادتهم ، ولمّا كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أرسل إلى النجاشى عمرو ابن أمية الضمرى ، فأرسل إلى الرهبان والقسيسين وجمعهم به وقرأ عمرو رسالة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبعضا من القرآن ، قيل سورة مريم ، ففاضت دموعهم ، فهم الذين نزلت فيهم (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ..) ، وقيل : قدم على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الحبشة عشرون رجلا ، وكان بمكة ووجدوه فى المسجد ، وسألوه ، ودعاهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الله ، وتلا عليهم القرآن وفاضت دموعهم ، واستجابوا وآمنوا ، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل ونفر من قريش وأغلظ لهم لإظهارهم الإيمان به. وقيل : هؤلاء النفر من نجران ، وفيهم نزلت الآية : (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) (٥٢) (القصص). وقيل : إن وفد النصارى كان سبعين رجلا من الرهبان ، منهم اثنان وستون من الحبشة ، وثمانية من الشام ، وفيهم نزلت : (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ..) ، ونزل فيهم أيضا : (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) (٥٢) (القصص). وقيل : كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بنى الحرث بن كعب ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية وستين من الشام. ونزلت فيهم الآية ، وقيل : الآية نزلت فى جماعة من أهل الكتاب وكانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ، فلما بعث محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم آمنوا به.

٧٢

٢٨ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (٨٧) : قيل : نزلت بسبب رجل أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشكو شهوته إذا أكل اللحم ، وسأل هل يحرّمها على نفسه ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت بسبب جماعة من الصحابة ، منهم أبو بكر ، وعلىّ ، وابن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وأبو ذر الغفارى ، وسالم مولى أبى حذيفة ، والمقداد بن الأسود ، وسلمان الفارسى ، ومعقل بن مقرن ، اجتمعوا فى دار عثمان بن مظعون ، واتفقوا أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ، ولا يناموا على الفرض ، ولا يأكلوا اللحم ولا الدهن ، ولا يقربوا النساء والطيب ، ويلبسوا المسوح ، ويرفضوا الدنيا ، ويسيحوا فى الأرض ، ويترهبوا ، ويجبوا المذاكير ، فأنزل الله الآية.

٢٩ ـ وفى قوله تعالى : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٨٩) : قيل : اختلفوا فى سبب نزول هذه الآية ، فقيل : سبب نزولها القوم الذين حرّموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم ، وحلفوا على ذلك ، فلما نزلت : (لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (٨٧) قالوا : كيف نصنع بأيماننا؟ فنزلت هذه الآية. وقيل : إن عبد الله بن رواحة كان له أيتام وضيف ، فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل ، فقال : أعشيتم ضيفى؟ فقالوا : انتظرناك. فقال : لا والله ، لا آكل الليلة. فقال ضيفه : وما أنا بالذى يأكل. وقال أيتامه : ونحن لا نأكل. فلما رأى ذلك أكل وأكلوا ، ثم أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره. فقال له : «أطعت الرحمن وعصيت الشيطان».

٣٠ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٩٠) : قيل : لمّا قدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر ، فسألوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنهما ، فأنزل الله (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ...) (٢١٩) (البقرة) ، فقال الناس : ما حرّم علينا ، إنما قال إثم كبير ، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلّى رجل من المهاجرين ـ قيل هو علىّ ـ أمّ أصحابه فى المغرب ، فخلط فى قراءته ، فأنزل الله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ..) (٤٣) (المائدة) ، ثم نزلت آية أشد من ذلك : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ

٧٣

فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٩٠) ، فقالوا : انتهينا ربّنا. وقيل : نزلت الآية بسبب عمر ابن الخطاب ، فإنه عدّد للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عيوبها ، وما ينزل بالناس بسببها ، ودعا الله إلى تحريمها ، وقال : اللهم بيّن لنا فى الخمر بيانا شافيا ، فنزلت الآية ، فقال عمر : انتهينا ، انتهينا. وقال سعد ابن أبى وقاص : إن جماعة من الأنصار دعوه إلى الطعام والخمر قبل أن ينزل تحريمها ، فأكل معهم وشرب وتشاجر مع أحد الناس ففزر له أنفه ، وذهب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو هكذا ، قال : فأنزل الله تعالى فىّ ـ فى سعد بن أبى وقاص الآية. وقيل : إن حمزة عم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سكر يوما فأذى لعلىّ ناقتين ، فاشتكاه إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فجاءه وقد ذهبت الخمر بعقل حمزة ، فلم ينكره ولم يعنفه ، لا فى سكره ولا بعد ذلك ، فنزلت الآية.

٣١ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (٩٣) : قيل : لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر؟ ونزلت الآية. وقيل : لمّا نزل تحريمها أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مناديا ينادى فى المدينة : ألا إن الخمر قد حرمت ، فجعل الناس يهرقونها ، فجرت فى سكك المدينة ، فقال قوم : قتل من كانت فى بطونهم! فأنزل الله الآية.

٣٢ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٩٤) : قيل : نزلت عام الحديبية ، فأحرم بعض الناس مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يحرم آخرون ، فكان إذا عرض صيد اختلف فيه أحوالهم وأفعالهم ، واشتبهت أحكامه عليهم ، فأنزل الله هذه الآية بيانا لأحكام أحوالهم وأفعالهم ، ومحظورات حجّهم وعمرتهم.

٣٣ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ) (٩٥) : قيل : نزلت فى أبى اليسر ، واسمه عمرو بن مالك الأنصارى ، كان محرما عام الحديبية لعمرة ، فقتل حمار وحش ، فنزلت فيه الآية.

٣٤ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (١٠١) : قيل : عند

٧٤

البخارى ومسلم ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فو الله لو تسألونى عن شىء إلا أخبرتكم به ما دمت فى مقامى هذا» ، فقام إليه رجل فقال : أين مدخلى يا رسول الله؟ قال له : «النار» ، فقام عبد الله بن حذافة فقال : من أبى يا رسول الله؟ فقال : أبو حذافة» ، فقام عمر بن الخطاب فقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبالقرآن إماما. إنّا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية ويشرك ، والله أعلم من آباؤنا. فسكن غضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ونزلت الآية. وعن ابن عباس قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيقول الرجل : من أبى؟ ويقول الرجل تضلّ ناقته : أين ناقتى؟ فأنزل الله هذه الآية. وعن ابن عباس أيضا قال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أذّن فى الناس فقال : «يا قوم كتب عليكم الحج» ، فقام رجل من بنى أسد فقال : يا رسول الله ، أفى كل عام؟ فأغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم غضبا شديدا ، فقال : «والذى نفسى بيده ، لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، وإذا لكفرتم ، فاتركونى ما تركتكم ، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا ، وإذا نهيتكم عن شىء فانتهوا عنه» ، فأنزل الله هذه الآية.

٣٥ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ) (١٠٦) : قيل : نزلت الآية بسبب تميم الدارى وعدىّ بن بداء ، وكانا نصرانيين ، وكانا يختلفان إلى مكة ، فخرج معهما بتجارة فتى من بنى سهم يقال له بديل بن أبى مريم ، فمرض ، فأوصى إليهما ، وأمرهما أن يبلغا أهله ما ترك ، فلما مات كانت له إناء من فضة ، فأخذاها وباعاها بألف درهم واقتسماها ، وأسلم تميم الدارى بعد قدوم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة ، وتأثّم مما فعل ، فأتى أهله وأخبرهم ، وأدّى لهم خمسمائة درهم ، وأخبرهم أن عند صاحبه مثلها ، وأتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واستحضر عدىّ ، واستحلفه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما يحلف به أهل دينه ، فحلف ، فأنزل الله الآية ، ثم إنه انتزعت من عدى الخمسمائة درهم وأعطيت للورثة.

٣٦ ـ وفى قوله تعالى : (إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١١٢) : قيل : نزلت هذه الآية لمّا طلب أتباع عيسى أن ينزل عليهم مائدة عليها طعام ، وكانوا فى صيام ، وأرادوا أن يجاب مطلبهم ليستيقنوا قدرته. وقيل : نزلت المائدة يوم الأحد غدوة وعشية ، فكان الأحد عيدا. وقيل : ما نزلت المائدة ، وإنما هو مثل ضربه الله لخلقه لينهاهم عن مسألة الآية لأنبيائه.

* * *

٧٥

١٠١٨ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الأنعام

١ ـ فى قوله تعالى : (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٤) : قيل : الآية احتجاج على الكفار ، ونزلت لأنهم قالوا : علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة ، فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنانا.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (١٩) : قيل : نزلت لأن المشركين قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فنزلت الآية. وقيل : جاء النحام بن زيد ، وقروم بن كعب ، وبحرى بن عمر ، فقالوا : يا محمد ، ما نعلم مع الله إلها غيره ، فقال : «لا إله إلا الله ، بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو» ، فأنزل الله الآية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) (٢٦) : قيل : كان الكفار ينهون عن اتّباع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وخرج يوما إلى الكعبة يصلى ، فلما دخل فى الصلاة ، قال أبو جهل : من يقوم إلى محمد فيفسد صلاته؟ فقام ابن الزبعرى ، فأخذ فرثا ودما فلطخ به وجه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم (الفرث البقايا فى كرش الحيوان بعد ذبحه) ، فانفتل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من صلاته ، وأتى أبا طالب عمّه يشكو له ، ورآه فوضع سيفه ومشى معه حتى أتى القوم ، فأخذ فرثا ودما فلطخ به وجوههم ، ولحاهم وثيابهم ، وأساء لهم القول ، فنزلت هذه الآية. وأنزل الله على رسوله : (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) (٣٥) (الأحقاف) ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعمه : «قل لا إله إلا الله ، أشهد لك بها يوم القيامة» ، قال : «لو لا تعيّرنى قريش ، يقولون إنما حمله على ذلك الجزع ، لأقررت بها عينك. فأنزل الله : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (٥٦) (القصص). ولقد أسلم ابن الزبعرى يوم فتح مكة وحسن إسلامه واعتذر إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقبل عذره.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (٣٤) : قيل : إن رسول الله

٧٦

صلى‌الله‌عليه‌وسلم مرّ بأبى جهل ، فقال له أبو جهل : يا محمد ، والله نكذّبك وإنك عندنا لصادق ، ولكن نكذب ما جئت به ، فنزلت هذه الآية : (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ..).

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (٥٢) : قيل : نزلت فى سلمان ، وصهيب ، وبلال ، وخبّاب ، طلبوا منه أن يطردهم عنه ، فأنزل الله الآية. وقال سعد بن أبى وقاص : كنا مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ستة نفر ، فقال المشركون للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : اطرد هؤلاء عنك لا يجترءون علينا. قال : وكنت أنا ، وابن مسعود ، ورجل من هذيل ، وبلال ، ورجلان لست أذكر اسميهما ، فوقع فى نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما شاء الله أن يقع ، فحدّث نفسه ، فأنزل الله الآية. وقيل : الذين نزلت فيهم الآية ستة هم : سعد بن أبى وقاص ، وابن مسعود ، وصهيب ، وعمّار ، والمقداد ، وبلال. قيل لمّا رأى الكفّار هؤلاء حول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حقّروهم واختلوا به وطلبوا أن يجعل لهم منه مجلسا تعرف لهم به العرب فضلهم ، فإن وفود العرب تأتيه فيستحون أن يروهم مع هذه الأعبد ، فإن جاءوه فليضمهم عنه ، فإذا فرغوا فليبقوا معهم إن شاء الله ، وطلبوا منه كتابا بذلك ، فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب فنزل جبريل عليه بالآية. ونزلت : (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) (٥٣) (الأنعام) ، ثم قال : (وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥٤) (الأنعام).

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٦٩) : قيل : لما نزلت الآية : (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٦٨) (الأنعام) ، قال المسلمون : لا يمكننا دخول المسجد والطواف ، فنزلت هذه الآية ، ومعناها : ما عليكم شىء من حسابهم ، وإنما عليكم بتذكيرهم وزجرهم إذا اضطررتم إلى التواجد معهم فى نفس المكان.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (٧١) : قيل : نزلت فى عبد الرحمن ابن أبى بكر ، وكان أبوه يدعوه إلى الإسلام ، وهو يدعو أباه إلى الكفر ، استهوته الشياطين

٧٧

واستغوته وزيّنت له ودعته إلى الكفر ، بينما أبوه وأصحابه يدعونه إلى الهدى ، وأن ينضم إليهم ويتابعهم عليه ، وهو حيران يتخبّطه الشيطان من المسّ فلا يهتدى لجهة ما. وأنكرت عائشة ذلك تماما عن أخيها ، وأقسمت عليه ، وشيعة علىّ هم الذين أشاعوا عنه ذلك لأنه انضم لعائشة فى الجمل ؛ وبنى أصحاب معاوية على الفرية ، لأنه رفض الإقرار ليزيد بالبيعة ، واشمأز أن تتحول الخلافة إلى هرقلية أو قيصرية يرثها الأبناء عن الآباء. وعبد الرحمن من أفاضل الصحابة ، وممن رووا الحديث ، وصحب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الحديبية ، وكان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة فسمّاه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد الرحمن ، وكان أسنّ ولد أبى بكر ، وشقيق عائشة ، ويقال : لم يدرك النبىّ أربعة ولاء ، أى أب وبنوه ، إلا أبا قحافة ، وابنه أبا بكر ، وابنه عبد الرحمن بن أبى بكر ، وابنه أبا عتيق محمد بن عبد الرحمن : (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٣٤). (أنظر أيضا أسباب النزول لآية (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ...) (١٧) (الأحقاف).

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) (٩١) : قيل : الذى قال ذلك فنحاص اليهودى ، وقيل : هو مالك بن الصيف ، جاء يخاصم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنشدك بالذى أنزل التوراة على موسى ، أما تجد فى التوراة أن الله يبغض «الحبر السمين»؟ وكان مالك هذا حبرا سمينا ، فغضب وقال : والله ما أنزل الله على بشر من شىء. فقال له أصحابه : ويحك ، ولا على موسى؟ فقال : والله ما أنزل على بشر من شىء ، فنزلت الآية.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (٩٣) : قيل : نزلت فى رحمان اليمامة ، والأسود العنسى ، وسجاح زوجة مسيلمة ، كلهم تنبّئوا ، وقيل : الآية نزلت فى مسيلمة. ولمّا نزلت الآية التى فى «المؤمنون» : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) (١٢) ، دعا النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد الله بن أبى سرح الذى كان يكتب الوحى له ، فأملاها عليه ، فلما انتهى إلى قوله : (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) عجب عبد الله فى تفصيل خلق الإنسان ، فقال : «تبارك الله أحسن الخالقين» فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هكذا أنزلت علىّ» ، فشك عبد الله حينئذ ، وقال : لئن كان محمد صادقا ،

٧٨

لقد أوحى إلىّ كما أوحى إليه ، ولئن كان كاذبا ، لقد قلت كما قال. فارتدّ عن الإسلام ولحق بالمشركين ونزلت الآية. وأسلم ابن أبى سرح فى فتح مكة فحسن إسلامه.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ) (١٠٠) : قيل : الآية نزلت فى مشركى العرب ، ومعنى إشراكهم بالجن أنهم أطاعوهم ، وقيل : نزلت فيمن قال : الملائكة بنات الله. وقيل : نزلت فى الزنادقة ، قالوا : الله وإبليس أخوان ، والله خالق الناس والدواب ، وإبليس خالق الجان ، ويقرب من هذا قول المجوس : لله صانعان : قديم ومحدث. ومن ادعى أن لله بنات هم الملائكة سموهم جنا لاجتنانهم ، أى لاستتارهم. والنصارى ادعت أن المسيح ابن الله ، واليهود عبدوا أنفسهم ، وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ، فجعل كل هؤلاء لله شركاء.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) (١٠٩) : قيل : سبب هذه الآية أن قريشا قالت للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : تخبرنا أن موسى ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وأن عيسى كان يحيى الموتى ، وأن ثمود كانت لهم ناقة ، فائتنا ببعض هذه الآيات حتى نصدّقك. وقالوا : اجعل لنا الصفا ذهبا ، فإن فعلته لنتبعنّك أجمعون. فقال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لئن أرسل الله آية ولم تصدّقوا عندها ليعذّبنكم». وتركهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى يتوب تائبهم ، فنزلت الآية.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (١٢١) : قيل : جاءت اليهود إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالوا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فنزلت الآية.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٢٢) : قيل : نزلت فى حمزة بن عبد المطلب ، وأبى جهل ؛ وقيل : نزلت فى عمر ابن الخطاب ، وأبى جهل ، فالذى أحياه الله وجعل له نورا : حمزة وعمر ؛ والذى فى الظلمات : أبو جهل. والصحيح أن الآية عامة فى كل مؤمن وكافر.

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ) (١٢٣) : قيل : نزلت فى «أربعة» كانوا يجلسون على كل عقبة ، ينفّرون الناس عن اتّباع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٧٩

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ) (١٢٤) : قيل : نزلت الآية فى أمثال الوليد بن المغيرة الذى قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لو كانت النبوة حقا ، لكنت أولى بها منك ، لأنى أكبر منك سنا ، وأكثر منك مالا ؛ وفى أمثال أبى جهل الذى قال : والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبدا إلا أن يأتينا وحىّ كما يأتيه ، فنزلت الآية.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ) (١٣٦) : قيل : جعلوا لأصنامهم نصيبا من الحرث ، ولشركائهم نصيبا ، فإذا أنفقوا نصيب الأصنام عليها وعلى سدنتها أخذوا من النصيب الذى لشركائهم ، وما يجعلوه للأصنام لا ينفقونه عليها وإما على الضيفان ، فلا نصيب الله يصل إليه ، ولا نصيب شركائهم يصل إليهم ، فنزلت الآية.

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (١٤١) : قيل : نزلت فى ثابت بن قيس بن شماس ، عمد إلى خمسمائة نخلة فجذّها ، ثم قسّمها فى يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا ؛ وقيل : نزلت فى معاذ بن جبل ، جذّ نخلة فلم يزل يتصدّق حتى لم يبق من تمرها شىء.

١٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٤٤) : قيل : نزلت الآية فى مالك بن عوف وأصحابه ، حيث قالوا : ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا ، فنبّه الله عزوجل نبيّه والمؤمنين بهذه الآية على ما أحلّه لهم ، لئلا يكونوا بمنزلة من حرّم ما أحلّه الله.

١٩ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (١٦٤) : قيل : إن الكفّار قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ارجع يا محمد إلى ديننا ، وأعبد آلهتنا ، واترك ما أنت عليه ، ونحن نتكفل لك بكل تباعة (أى ضرر) تتوقعها فى دنياك وآخرتك ، فنزلت الآية.

٨٠

١٠١٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الأعراف

١ ـ وفى قوله تعالى : (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (٣١) : قيل : كانت المرأة تطوف بالبيت فى الجاهلية وهى عريانة وعلى فرجها خرقة وهى تقول : اليوم يبدو بعضه أو كله ، وما بدا منه فلا أحلّه. وكان الرجال يطوفون عراة إلا ما أعطاهم الحمس من ثياب الإحرام (انظر الحمس ضمن باب المصطلحات) ، فنزلت : (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ...) (٣١) ، ونزلت (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ ...) (٣٢) (الأعراف) ، وقيل : كان النساء يطفن بالبيت عرايا فنزلت هذه الآية. وقيل : كان العرب يطوفون عراة إلا الحمس ـ وهم قريش ، وكانت قريش تعطى العرايا ما سترهم ، وأمّا من طاف بثيابه فكان يلقيها عنه بعد الطواف ، وتسمى ثيابه «اللّقى» ، يعنى الشيء المطروح ، فكانوا فى تلك البدعة إلى أن نزلت الآية ، وإلى أن أذّن المؤذّن : لا يطوف بالبيت عريان.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٣٢) : قيل : كانوا يطوفون فى الجاهلية عراة ، وكان يفضلون الصيام وأن يكونوا كالزّهّاد ، فنزلت الآية لتبيّن أن اللباس الحسن وطيبات الطعام ليست حراما ، وليس كل ما تهواه النفس يذمّ ، وليس كل ما يتزين به الناس يكره ، والإنسان يجب أن يرى جميلا ، والطّيبات من الرزق : هى ما حرّم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والأصائل والحوامى ، وترك الطيّبات ليس من القربات ، والفصل والترك يستوى فى المباحات.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ) (١٧٥) : قيل : هذه الآية نزلت فى بلعام بن باعور ، والعرب تسميه باعوراء ، وكان من المدينين (يعنى من أهل مدين) ، وكان صالحا ، ودعا على بنى إسرائيل بسبب شرورهم ، فذبحوه بالسيف جزاء ، وقيل : هو المقصود بأن الله آتاه آياته فانسلخ منها واتّبع الشيطان ، وتنكر لما يعلم ، وصنّف كتابا موضوعه : «أنّ ليس للعالم صانع» ، والأقوال عنه من الإسرائيليات ، وبلعام يأتى عنه فى سفر العدد ٣١ / ٨ ، من أسفار العهد القديم. والتفسير الذى جعل مرجعية الآية لبلعام تفسير من ثقافة غير عربية ، ولا شأن للعرب أصلا ببلعام هذا ؛ وقيل : إن الآية نزلت فى أمية بن الصلت الثقفى ، وكان قد قرأ الكتب ، فلما علم بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتلا عليه القرآن لم يؤمن. وكان أمية شاعرا. وفى

٨١

شعره الكثير من الإيمان ، فلما كفر بالإسلام قال فيه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «آمن شعره وكفر قلبه». وقال سعيد بن المسيب : نزلت الآية فى أبى عامر بن صيفى ، وكان يلبس المسوح الجاهلية ، ولكنه سمع بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فدخل عليه وسأله : يا محمد! ما هذا الذى جئت به؟ قال : «جئت بالحنيفية دين إبراهيم» ، قال : فإنى عليها ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها» ، فقال عامر : أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا! فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نعم ، أمات الله الكاذب منا كذلك». قال سعيد : «إنما قال هذا يعرّض برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حيث خرج من مكة. قال : وخرج أبو عامر إلى الشام ومر على قيصر ، وكتب إلى المنافقين : استعدوا ، فإنى آتيكم من عند قيصر بجند لنخرج محمدا من المدينة. فمات بالشام وحيدا. وقيل نزل : (وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) (١٠٧) (التوبة). وقال ابن عباس : الآية نزلت فى رجل من بنى إسرائيل كانت له ثلاث دعوات ، فدعا أن تصبح امرأته أجمل امرأة ، فلما صارت كذلك هجرته ، فدعا أن تصبح أقبح امرأة ، فجاءه أولاده يطلبون تصحيح ذلك ، فدعا أن تكون كما كانت أولا ، فاستنفد الرجل دعواته فيها ، وقصته أشبه وأليق بالإسرائيليات والنصرانيات ، وابن عباس من المروّجين لهما. والآية عموما تنطبق على اليهود والنصارى ، قالوا بمجيء النبىّ المحمّد المحمود ، وأنهم فى انتظاره ، فلما جاءهم كفروا به. والأصحّ أن الآية عامة فى قريش ، آتاهم الله آياته التى أنزلها على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم يقبلوها ، وانسلخوا منها ومن معرفة الله ، أى نزع العلم منهم ، وفى الحديث : «العلم علمان ، علم فى القلب فذلك العلم النافع ، وعلم على اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم».

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٨٠) : قيل : نزلت الآية فى رجل من المسلمين ، كان يقول فى صلاته : «يا رحمن يا رحيم» ، فقال رجل من مشركى مكة : أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربّا واحدا؟ فما بال هذا يدعو ربّين اثنين!؟ فأنزل الله الآية.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) (١٨٢) : قيل : نزلت فى المكذّبين ، وهم أهل مكة ، توعّدهم بالاستدراج ـ وهو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة ، فكلما جدّدوا لله معصية جدّد لهم نعمة.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (١٨٣) : قيل : نزلت فى المستهزئين من قريش ، أمهلهم الله تعالى مدة وقتلهم فى ليلة واحدة.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (١٨٤) :

٨٢

قيل : الآية نزلت كردّ على قولهم : (وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٦) (الحجر). وقيل : نزلت بسبب أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قام ليلة على الصفا يدعو قريشا ، فخذا فخذا ، فيقول : «يا بنى فلان» ، يحذّرهم بأس الله وعقابه ، فقال قائلهم : إن صاحبهم هذا لمجنون ، بات يصوّت حتى الصباح.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (١٨٧) : قيل : جاء سموأل بن زيد ، وابن أبى قشير إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يسألونه : أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا كما تقول فإنا نعلم ما هى؟ فأنزل الله الآية.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٠٠) : قيل : لما نزل قوله تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩) (الأعراف) ، قال النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كيف يا ربّ؟ والغضب؟» ، فنزلت (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ..) ، والنزغ : الوسواس.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٢٠٤) : قيل : هذا نزل فى الصلاة ، فقد كان المشركون يأتون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا صلى ، ويكثرون اللغط والشغب تعنّتا وعنادا إذا قرئ القرآن ، وقد حكاه الله تعالى عنهم فقال : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (٢٦) (فصّلت) ، فأنزل الله عزوجل جوابا لهم ، ونزلت الآية تأمر المسلمين أن يكونوا خلاف الكافرين ، وأن يستمعوا وينصتوا. وقيل : الآية نزلت فى الخطبة ، وهذا ضعيف ، لأن الآية مكية ، ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة. وقيل : إن الآية عامة ، وهى فى كل ما يجهر به الإمام من القرآن.

* * *

١٠٢٠ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الأنفال

١ ـ فى قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١) : قيل : نزلت فى أصحاب بدر حين اختلفوا فى النفل وساءت أخلاقهم ، فانتزعه الله من أيديهم وجعله إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقسمه بين المسلمين عن سواء. وقيل : لمّا هزم العدو فى بدر ، انطلقت طائفة على آثارهم يقتلونهم ويأسرونهم ، وأقبلت طافة تحوز المغانم ويجمعونها ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لئلا يصيب العدو منه غرة ، فلما كان الليل وجمعت الغنائم ، استأثر بها الجماعة

٨٣

الدين جمعوها ، وقال الذين خرجوا وراء العدو : لستم بأحق بها منا. وقال الذين أحدقوا بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : خفنا عليه أن يصيب منه العدو غرة فاشتغلنا به ، فنزلت : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ...) فقسمها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين المسلمين.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ) (٥) : قيل : كان لأبى سفيان قافلة قادمة من الشام ، فخرج المسلمون للاستيلاء عليها ، وأراد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قتالهم ، فقالوا : ما لنا طاقة بقتالهم ، وإنما خرجنا للعير ، وقال المقداد لهم : لا تقولوا كما قال قوم موسى : (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) (٢٤) (المائدة) ، فأنزل الله الآية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (٩) : قيل : لما رأى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كثرة عدد قريش وكانوا نحو الألف ، وقلة عدد المسلمين وكانوا نحو ثلاثمائة وتسعة عشر ، استقبل القبلة ودعا ربّه : «اللهم انجز لى ما وعدتنى ؛ اللهم آت ما وعدتنى ؛ اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض» ، فأنزل الله الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١٧) : قيل : نزلت يوم بدر ، فلما صدر أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن بدر ، ذكر كل واحد منهم ما فعل يتفاخرون ، فنزلت الآية ، إعلاما بأن الله تعالى هو المميت والمقدّر لجميع الأشياء ، وأن العبد إنما يشارك بتكسّبه وقصده.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (١٩) : قيل : كان هذا القول منهم وقت خروجهم لنصرة العير. وقيل : الذى قال ذلك أبو جهل ، وقاله وقت القتال. وقال النضر بن الحارث : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب اليم. وهو ممن قتل ببدر. والاستفتاح : هو طلب النصر.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) (٢٠) : قيل : الخطاب للمؤمنين المصدّقين ، أفردهم دون المنافقين ، إجلالا لهم فنزلت الآية فيهم ، فجدّد الله عليهم الأمر بطاعة الله ورسوله.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) (٢١) (إِنَّ شَرَّ

٨٤

الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (٢٢) : قيل : نزلت فى اليهود. وقيل : نزلت فى نفر من بنى عبد الدار.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٢٥) : قيل : نزلت هذه الآية فى أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لمّا أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر فيما بينهم فيعمهم الله بالعذاب.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢٧) : قيل : نزلت هذه الآية فى أبى لبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى بنى قريظة بالذبح. قال : والله ما زالت قدماى حتى علمت أنى قد خنت الله ورسوله. فنزلت هذه الآية ، فلما نزلت شدّ نفسه إلى سارية من سوارى المسجد ، وقال : والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت ، أو يتوب الله علىّ. وقيل : نزلت فى أبى لبابة ، أشار إلى بنى قريظة حين قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ ، قال أبو لبابة ، لا تفعلوا فإنه الذبح ، وأشار إلى حلقه. وقيل : نزلت الآية فى أنهم كانوا يسمعون الشيء من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيلقونه إلى المشركين ويفشونه.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (٢٨) : قيل : كان لأبى لبابة أموال وأولاد فى بنى قريظة ، وهذا ما حمله على ملاينتهم. والآية تنوّه بذلك.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (٣٠) : قيل : نزلت فى مكر المشركين بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى دار الندوة ، فاجتمع رأيهم على قتله ، فبيّتوه ، ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج ، فأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم علىّ بن أبى طالب أن ينام على فراشه ، ودعا الله عزوجل أن يعمى عليهم أثره ، فطمس الله على أبصارهم ، فخرج وقد غشيهم النوم ، فوضع على رءوسهم ترابا ونهض. فلما أصبحوا خرج عليهم علىّ فأخبرهم أن ليس فى الدار أحد ، فعلموا أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد فات ونجا.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (٣١) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث ، كان قد خرج إلى الحيرة فى التجارة ، فاشترى أحاديث كليلة ودمنة ، وكسرى وقيصر ، فلما قصّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخبار من مضى ، قال النضر : لو شئت لقلت مثل هذا ، قاله افتراء وكذبا واستهزاء ، وتوهم هو وغيره كثيرون أنهم يأتون بمثل القرآن ، وحاوله هو وغيره فعجزوا ، فقالوا عنادا : إن هذا إلا أساطير الأولين.

٨٥

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣٢) : قيل : قاله النضر بن الحارث. وقيل : إنه أبو جهل. والصحيح أنهم قالوه لشبهة فى صدورهم ، وعلى وجه العناد والإبهام على الناس أنهم على الحق ، فحلّ بهم يوم بدر ما سألوا ، ومزّقوا كلّ ممزق. وفى الرواية أن يهوديا سأل ابن عباس : ممن أنت؟ قال : من قريش ، فقال : أنت من القوم الذين قالوا : (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) الآية؟ فهلّا قالوا : إن كان هذا الحق من عندك فاهدنا له؟! إن هؤلاء قوم يجهلون! فقال له ابن عباس : وأنت يا إسرائيلى! هل أنت من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذى أغرق فيه فرعون وقومه ، وأنجى موسى وقومه حتى قالوا : (اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) (١٣٨) (الأعراف) ، فقال لهم موسى : (قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (١٣٨) (الأعراف)؟ فأطرق اليهودى مفحما!

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (٣٥) : قيل : نزلت فى كفار قريش ، كانوا يطوفون بالبيت عراة ، يصفّقون ويصفّرون ، فكان ذلك عبادة فى ظنهم. والمكاء الصفير ، والتصدية التصفيق.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) (٣٧) : قيل : نزلت الآية فى أهل بدر ، ولكنها عامة وإن كان سبب نزولها خاصا ، فلما أصيبت قريش يوم بدر ورجعوا كلهم إلى مكة ، مشى عبد الله بن أبى ربيعة ، وعكرمة بن أبى جهل ، وصفوان بن أمية ، فى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر ، فقالوا لهم : إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم ، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا؟ ففعلوا ، ففيهم نزلت الآية.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٤١) : قيل : إن عبد الله بن جحش ومعه رهط ثمانية أرسلهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليتعرفوا أخبار قريش بين مكة والطائف ، مرّت بهم عير لقريش تحمل تجارة وفيها عمرو بن الحضرمى ، فتشاور المسلمون وقالوا نحن فى آخر يوم من رجب الشهر الحرام ، فإذا قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر ، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم ، فهاجموا القافلة ، وقتلوا واحدا وأسروا اثنين ، وأفلت واحد ، وقال عبد الله لأصحابه : اعزلوا مما

٨٦

غنمنا الخمس لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ففعلوا ، فكان أول خمس فى الإسلام ، ونزلت الآية ، فأقرّ الله ورسوله فعل عبد الله ورضيه ، وسنّه للأمة إلى يوم القيامة ، وهى أول غنيمة غنمت فى الإسلام ، وكان عبد الله أول أمير ، وعمرو بن الحضرمى أول قتيل من الكفار ، وعرفت تلك الخرجة ببدر الأولى ، وأنكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قتل ابن الحضرمى فى الشهر الحرام ، وأنزل الله : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ...) (٢١٧) (البقرة).

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (٤٧) : قيل : الآية نزلت فى أبى جهل وأصحابه الخارجين يوم بدر لنصرة العير ، فقد خرجوا بالقيان والمغنيات والمعازف ، فلما وردوا الجحفة ، بعث خفاف الكنانى ـ وكان صديقا لأبى جهل ، بهدايا إليه من ابن له ، وقال : إن شئت أمددتك بالرجال ، وإن شئت أمددتك بنفسى مع من خفّ من قومى ، فقال أبو جهل : إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد ، فو الله ما لنا بالله من طاقة ، وإن كنا نقاتل الناس ، فو الله إن بنا على الناس لقوة. والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور ، وتعزف علينا القيان ، فإن بدرا موسم من مواسم العرب ، وسوق من أسواقهم ، حتى تسمع العرب بمخرجنا فتهابنا لآخر الأبد. فوردوا بدرا ، ولكن جرى ما جرى من هلاكهم ، وفى ذلك نزلت الآية.

١٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٤٨) : قيل : نزلت الآية فى سراقة بن مالك بن جعشم ، تمثّل لهم الشيطان يوم بدر فى صورته ، وكانت قريش تخاف بنى بكر قبيلة سراقة لأنهم قتلوا رجلا منهم ، وجاء جبريل مع ألف من الملائكة ، وقال الشيطان لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم ، وأخذ الرسول قبضة من تراب فألقى بها فى وجوه الكفار فأصابهم فى عيونهم وأنوفهم ، وظل يفعل ذلك ، فولّوا مدبرين ، وقال إبليس : أنى برئ منكم ، إنى أرى ما لا ترون.

١٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (٥١) : قيل : نزلت فيمن بقى من بدر ولم يقتل ، أو فيمن قتل ، وكان بظهر أبى جهل مثل الشراك ، أى سير النعال ، وكان ذلك من ضرب الملائكة!

٢٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) (٥٨) : قيل : نزلت فى بنى قريظة وبنى النضير.

٨٧

٢١ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٦٤) : قيل : نزلت فى إسلام عمر ، فإن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أسلم معه ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ، فأسلم عمر وصاروا أربعين ، والآية مكية وكتبت بأمر رسول الله فى سورة الأنفال المدنية ، والصحيح أن الآية مدنية.

٢٢ ـ وفى قوله تعالى : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٦٦) : قيل : نزلت الآية تخفّف من الآية الأخرى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (٦٥) (الأنفال). وقيل : كان ذلك يوم بدر لمّا شقّ ذلك عليهم حين فرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة ، فخفف عليهم العدد مع نقص الصبر ، فحطّ الفرض بثبوت الواحد للاثنين ، فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين.

٢٣ ـ وفى قوله تعالى : (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٦٧) : قيل : هذه الآية نزلت يوم بدر ، عتابا من الله لأصحاب نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٢٤ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٧٠) : قيل : الأسرى فى هذه الآية عباس وأصحابه ، قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : آمنا بما جئت به ، ونشهد أنك رسول الله ، لننصحنّ لك على قومك ، فنزلت الآية.

* * *

١٠٢١ ـ فى أسباب نزول آيات سورة التوبة

١ ـ فى قوله تعالى : (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١) : قيل : نزلت «سورة» براءة لكشف أسرار المنافقين ، وبنقض العهد الذى كان بين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمشركين ، وذلك أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم صالح قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين ، يأمن فيها الناس ، فدخلت خزاعة فى عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ودخل بنو بكر فى عهد قريش ، فعدا بنو بكر على خزاعة ونقضوا عهدهم ، وأعانت قريش بنى بكر بالسلاح ، وقوم من قريش أعانوهم بأنفسهم ، فانهزمت خزاعة إلى الحرم ، فكان ذلك نقضا للصلح الواقع يوم الحديبية ، واستغاثت خزاعة بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : «لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب» ، وجاء أبو سفيان إلى المدينة ليستديم الصلح ورجع بغير حاجة ، وتجهّز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى مكة ففتحها.

٨٨

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (١٢) : قيل : نزلت فى صناديد قريش كأبى جهل ، وعتبة ، وشيبة ، وأمية بن خلف ، وهذا بعيد ، لأن سورة التوبة حين نزلت كانت شأفة قريش قد استؤصلت ، وإذن فالآية لم تنزل فى هؤلاء ، وإنما نزلت فى الموجودين وقتها ، وهم الذين كانوا يحاربون الإسلام والمسلمين ، فهؤلاء يكونون أصلا ورأسا فى الكفر ، والأمثلة عليهم كثيرة فى أيامنا فى أقطاب روسيا وأمريكا وإسرائيل وصربيا ومقدونيا إلخ ، وفى بلاد الإسلام حكام كثيرون وصحف ومجلات ضد الإسلام صراحة.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (١٤) : قيل : نزلت فى بنى خزاعة ، فإن قريشا أعانت بنى بكر عليهم ، وكانت خزاعة حلفاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحدث أن أنشد رجل من بنى بكر شعرا يهجو به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له رجل من خزاعة : لئن أعدته لأكسرن فمك ، وأعاده فكسر فاه ، وثار القتال بينهم ، وقتل أقوام من الخزاعيين ، فخرج عمرو بن سالم الخزاعى فى نفر إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأخبر به ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب» ، ثم أمر بالتجهّز والخروج إلى مكة ، فكان الفتح.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ) (١٧) : قيل : لمّا أسر العباس وعيّر بالكفر وقطيعة الرحم ، قال : تذكرون مساوئنا ، ولا تذكرون محاسننا. إنّا لنعمر المسجد الحرام ، ونحجب الكعبة ، ونسقى الحاج ، ونفك العانى ، فنزلت الآية ردّا عليه.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٩) : قيل : إن العباس حين أسر يوم بدر ، قال : إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد ، فقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونسقى الحاج ونفك العانى ، فأنزل الله الآية. وقيل : افتخر العباس بالسقاية ، وشيبة بالعمارة ، وعلىّ بالإسلام والجهاد ، فصدق الله عليا وكذّبهما وأنزل الآية يخبر بأن العمارة لا تكون بالكفر ، وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعات. وقيل : إن المشركين سألوا اليهود وقالوا : نحن سقاة الحاج ، وعمّار المسجد الحرام ، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت لهم اليهود عنادا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنتم أفضل. وفى صحيح مسلم عن النعمان بن بشير ، قال : كنت عند منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال رجل : ما أبالى ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج. وقال آخر : ما أبالى ألا أعمل عملا بعد

٨٩

الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر : الجهاد فى سبيل الله أفضل مما قلتم ، فزجرهم عمر وقال : أسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٢٣) : قيل : هذه الآية نزلت فى الحضّ على الهجرة ورفض بلاد الكفرة ، وتخاطب المؤمنين بمكة وغيرها بألا يوالوا الآباء والإخوة فيكونوا لهم تبعا فى سكنى بلاد الكفر.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٢٤) : قيل : لمّا أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ، والأب لابنه ، والأخ لأخيه ، والرجل لزوجته : إنّا قد أمرنا بالهجرة. فمنهم من تسارع إلى ذلك ، ومنهم من أبى أن يهاجر ، فيقسم الرجل : والله لئن لم تخرجوا إلى دار الهجرة فلن أنفق عليكم ، ومنهم من تتعلق به امرأته وولده ويقولون نناشدك الله ألا تخرج فنضيع بعدك ، فمنهم من يرق فيدع الهجرة ويقيم معهم ، فنزلت الآية ، فإن اختاروا الإقامة بدار الكفر وتولوا بعد نزول الآية فأولئك هم الظالمون.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٧) : قيل : نزلت فى غزوة حنين ، فإن مالك بن عوف النّصرى من بنى نصر بن مالك ، لمّا سمع بفتح مكة ، جمع هوازن وانعقدت الرئاسة له ، وأعدّ جيشا من ثمانية آلاف ، وقيل أربعة آلاف ، من هوازن وثقيف ، وكان على هوازن مالك بن عوف ، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ، فنزلوا بأوكاس ، وجعلوا أموالهم ونساءهم وأولادهم ومواشيهم معهم ، والتقى بهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى وادى حنين ، وكان المسلمون اثنتى عشر ألفا ، وكانت هوازن قد كمنوا فى جنبتى الوادى ، وفى غبش الصبح حملوا على المسلمين فانهزم المسلمون ، وثبت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن معه ، ونودى على من فرّ فعادوا ، وأخذ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حصيات فرمى بهن وحده الكفار ، وظل يفعل ذلك حتى عميت عيونهم وخافوا فولوا الأدبار ، وفى هذه الوقعة أنزل الله جنودا لم يروها وعذّب الذين كفروا ، وسبى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أربعة آلاف رأس ، واثنتى عشرة ألف ناقة سوى ما لا يعلم من الغنائم.

٩٠

٩ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٢٨) : قيل : الآية نزلت عامة فى سائر المشركين وسائر المساجد ، وكان نزولها سنة تسع التى حجّ فيها أبو بكر ، وقيل سنة عشر ، فلما منع المسلمون المشركين من موسم الحج وكانوا يجلبون الأطعمة تجارة بها ، خاف أهل مكة من الفقر ، فنزلت الآية يعدهم الله أن يغنيهم من فضله ، فأخصبت أراضيهم ، وحمل الطعام والدهن والخير إلى مكة ، وأعطى الكفار الجزية ، وأسلم أهل نجد وصنعاء وغيرهم ، فزاد الحج والحجّاج.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) (٢٩) : قيل : لما حرّم الله تعالى على الكفّار أن يقربوا المسجد الحرام ، أحلّ الجزية يعوّض بها على المسلمين ما قطع عنهم من التجارة التى كان المشركون يوافون بها ، وكانت الجزية لم تؤخذ قبل ذلك ، وأمر بمقاتلة جميع الكفار ـ بما فيهم أهل الكتاب ـ بعد أن تأكدت عليهم الحجة وعظمت منهم الجريمة ، وجعل للقتال غاية هى إعطاء الجزية بدلا عن القتل.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٣٠) : قيل : إن الذى قال ذلك من اليهود : سلام بن مشكم ، ونعمان بن أبى أوفى ، وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف ، قالوه للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإن اليهود لما قتلوا الأنبياء ، عاقبهم الله بضياع التوراة ، ولكن «عزيز» ظل يجمع ما يسمع منها ، ويصوغه بعبارته ، ويضع فيها ما هو لصالح اليهود ، وما يستنهض هممهم ، ويستنفر نخوتهم ، ويشعرهم بأنهم أمة ، فكرّمه اليهود وقالوا لو لا انه ابن الله وحبيبه وأثيره لما كان بوسعه أن يجمع التوراة ويؤلّفها. وقالت النصارى مثل اليهود : أن المسيح ابن الله ، بنوة نسل لا بنوة روح ، لأن المسيح شخص ، ولم يتهيأ هذا الشخص إلا ببنوة النسل. وقيل : إن بعضهم يعتقد بنوة المسيح بنوة حنو ورحمة ، وهذا المعنى أيضا لا يحلّ أن تطلق البنوة عليه ـ وفيه تجاوز ومن ثم فهو كفر ، ولذلك نزلت الآية تنفى ذلك كله.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣٤) : قيل : نزلت هذه الآية لمّا كان الأحبار والرهبان يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك ، ويوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتزلّف إلى الله ، ومن بعد كانت «صكوك الغفران» الشهيرة.

٩١

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (٣٧) : قيل : مناسبة هذه الآية أنهم كانوا يحرمون القتال فى المحرم ، فإن احتاجوا أن يقاتلوا فيه ، حرّموا صفرا بدله وقاتلوا فى المحرم. وسبب ذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات ، فكانوا ينسئون شهرا ، أى يؤخرون حرمة المحرم ، فيحل لهم المحرم ويكون صفر بدلا منه شهرا حراما!! ، فكانوا كذلك شهرا فشهرا ، حتى يستدير التحريم على السنة كلها ، فقام الإسلام بإرجاع المحرّم إلى موضعه ، وقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض».

وقيل : كان المشركون يحجّون فى كل شهر عامين بسبب النسيء ، فحجّوا فى ذى الحجة عامين ، ثم فى المحرم عامين ، ثم فى صفر عامين ، وكذلك فى الشهور كلها ، حتى وافقت حجة أبى بكر التى حجّها قبل حجة الوداع ذا القعدة من السنة التاسعة ، ثم حجّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى العام المقبل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة ، فذلك قوله : «إن الزمان قد استدار ...».

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (٣٨) : قيل : نزلت عتابا على تخلّف من تخلّف عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى غزوة تبوك.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٤٠) : قيل : هذه أول آية نزلت من سورة التوبة ، وكانت بعد غزوة تبوك ، وكان نزولها عتابا من الله للمؤمنين لتركهم نصرة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فذكّرهم أنه تكفّل به فى الغار وبصاحبه ، وفى قوله : (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) دليل على أن الخليفة بعد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبو بكر ، فلو لا أنه استحق أن يقول الله فيه ثانى اثنين لما كان خليفته.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٤١) : قيل : أول ما نزل من سورة التوبة : (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً ...) ، ثم نزل أولها وآخرها.

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) (٤٣) : قيل : نزلت الآية فى إذنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم للبعض من غير وحى نزل فيه. وقيل :

٩٢

ثنتان فعلهما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يؤمر بهما : الأولى : إذنه لطائفة من المنافقين فى التخلّف عنه ولم يكن له أن يمضى شيئا إلا بوحى ؛ والثانية : أخذه من الأسارى الفدية ، فعاتبه الله فى المرتين.

١٨ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) (٤٥) : قيل : نزلت بسبب الآية : (لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (٤٤) (التوبة) ، فكان الاستئذان فى ذلك الوقت لغير عذر من علامات النفاق ، ولذلك نزلت الآية.

١٩ ـ وفى قوله تعالى : (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ) (٤٨) : قيل : الآية نزلت فى اثنى عشر رجلا من المنافقين ، وقفوا على ثنية الوداع ـ وهو واد فى مكة ، ليلة العقبة ، ليفتكوا بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٢٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) (٤٩) : قيل : نزلت فى جدّ بن قيس أخى بنى سلمة ، لما أراد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الخروج إلى تبوك ، فقد اعتذر عن الخروج بدعوى أنه مغرم بالنساء ويخشى نساء بنى الأصفر أن لا يصبر عنهن ، فطلب الإذن بالقعود حتى لا يفتن ، وعوضا عن ذلك يعين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بماله ، فأعرض عنه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال له : «أذنت لك» ، فنزلت الآية.

٢١ ـ وفى قوله تعالى : (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ) (٥٠) : قيل : نزلت فى المنافقين الذى تخلّفوا عن تبوك ، يخبرون عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخبار السوء ، ويقولون إن محمدا وأصحابه قد جهدوا فى سفرهم وهلكوا ، فبلغهم تكذيب حديثهم ، وعافية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه ، فساءهم ذلك ، ونزلت الآية.

٢٢ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ) (٥٣) : قيل : نزلت فى الجدّ بن قيس عند ما قال : ائذن لى فى القعود عن الخروج إلى تبوك ، وهذا مالى أعينك به.

٢٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ) (٥٨) : قيل : الآية تصف قوما من المنافقين عابوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى تفريق الصدقات ، وزعموا أنهم فقراء ليعطيهم ، فبينما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقسم مالا إذ جاءه حرقوص بن زهير أصل الخوارج ، ويقال له ذو الخويصرة التميمى ، فقال : اعدل يا رسول الله! فقال : «ويلك ، ومن يعدل إذا لم أعدل؟» فنزلت الآية.

٩٣

٢٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٦١) : قيل : هذه الآية نزلت فى عتاب ابن قشير ، قال : إنما محمد أذن يقبل كل ما قيل له. وقيل : الذى قال ذلك هو نبتل بن الحارث.

٢٥ ـ وفى قوله تعالى : (يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ) (٦٢) : قيل : نزلت فى قوم من المنافقين ، منهم الجلاس بن سويد ، ووديعة بن ثابت ، وغلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس ، اجتمعوا فجعلوا يتكلمون فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالوا : إن كان ما يقول محمد حقا ، لنحن أشر من الحمير! فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقول حق وأنتم أشرّ من الحمير! وأخبر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقولهم ، فحلفوا أن عامرا كاذب ، وكذّبهم عامر وحلف على ذلك ، فنزلت الآية.

٢٦ ـ وفى قوله تعالى : (يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ) (٦٤) : قيل : قال بعض المنافقين والله وددت لو أنى قدمت فجلدت مائة ولا ينزل فينا شىء فيفضحنا! فنزلت الآية. وقيل : من أجل ذلك سمّيت سورة التوبة بالسورة الفاضحة ، والمثيرة ، والمبعثرة. وقيل : كان المسلمون يسمونها الحفّارة ـ لأنها حفرت ما فى قلوب المنافقين فأظهرته.

٢٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) (٦٥) : قيل : هذه الآية نزلت فى غزوة تبوك ، فبينما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كان يسير ، وركب من المنافقين يسيرون بين يديه ، قالوا : انظروا ـ هذا يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بنى الأصفر؟! فأطلعه الله على ما فى قلوبهم وما يتحدثون به ، فأوقف الركب ، وقال لهم : قلتم كذا وكذا ، فحلفوا : ما كنا إلا نخوض ونلعب ، يريدون كانوا غير جادين ، فنزلت الآية. وقيل : تعلق قائل ذلك وهو وديعة بن ثابت بحقب ناقة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهى تسير ، والحجارة فى الطريق تنكبه ، وهو يصرخ للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنما كنا نخوض ونلعب ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يردّ عليه : (أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ)؟ وقيل إن هذا المتعلّق كان عبد الله بن أبىّ بن سلول ، وهذا خطأ لأنه لم يشهد تبوك.

٢٨ ـ وفى قوله تعالى : (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ) (٦٦) (التوبة) : قيل : كانوا ثلاثة نفر ، هزئ اثنان وضحك واحد ، فالمعفو عنه هو الذى ضحك ولم يتكلم ، وقيل اسمه مخشىّ بن حميّر ، وقيل مات شهيدا فى اليمامة ، وكان مسلما ولم يكن منافقا.

٩٤

٢٩ ـ وفى قوله تعالى : (يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (٧٤) : قيل : روى أن هذه الآية نزلت فى الجلاس بن سويد بن الصامت ، ووديعة بن ثابت ، وقعا فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقالا : والله لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم سادتنا وخيارنا لنحن أشرّ من الحمير؟ فقال له عامر بن قيس : أجل ، والله إن محمدا لصادق مصدّق ، وإنك لشرّ من الحمار ، وأخبر عامر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكذّبا عامرا ، وأقسما بذلك ، فدعا عامر الله أن ينزل قرآنا فنزلت الآية. وقيل : إن الجلاس لما قال له عامر سأخبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقولك ، همّ بقتله ثم لم يفعل ، وفى ذلك كانت الآية : (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) (التوبة ٧٤). وقيل : إن الآية نزلت فى عبد الله بن أبىّ ، رأى رجلا من غفار يتقاتل مع رجل من جهينة ، وكانت جهينة حلفاء الأنصار ، فعلا الغفارى الجهنى ، فاستنصر ابن أبىّ الأوس والخزرج وقال : والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : «سمّن كلبك يأكلك» ، ولئن رجعنا المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل ، فأخبر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بذلك ، فحلف ابن أبىّ أنه لم يقله! وقيل : إن هذا كلام كل المنافقين ، وهو الصحيح ، لعموم القول ووجود المعنى فيهم ، وجملة اعتقادهم أنه ليس بنبىّ. وقيل (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) (التوبة ٧٤) : هم المنافقون همّوا أن يقتلوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة العقبة فى غزوة تبوك ، وكانوا اثنى عشر رجلا ، ونزلت الآية فيهم. وقوله : (وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، كانوا يطلبون دية فيقضى لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان القتيل مولى الجلاس ، فلما غنموا أغناهم الله من فضله فلم يشكروا. وقيل : إن قوله (وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) تساوى المثل المشهور : اتق شرّ من أحسنت إليه. وروى أن الجلاس لمّا نزلت الآية استغفر وتاب.

٣٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ) (٧٧) : قيل : فى الرواية أن المقصود رجل من الأنصار وعد إن رزقه الله ليؤدّين فيه حقّه وأخلف وعده. وقيل : هو ثعلبة بن حاطب الأنصارى ، سأل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدعو له ، ووعد إن رزقه الله ليؤدى شكره ، فاتخذ غنما فنمت حتى ضاقت عليه المدينة ، فنزل واديا ، وانشغل حتى كان يلى الظهر والعصر معا ، ثم زاد انشغاله حتى لم يعد يصلى إلا الجمعة ، ثم ترك الجمعة ، فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا ويح ثعلبة» ثلاثا ، ثم نزلت : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ

٩٥

بِها ...) (١٠٣) (التوبة) ، فبعث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم برجلين إليه فقال ثعلبة : «الصدقة أخت الجزية» ، وقيل : إن ثعلبة هو الذى نزل فيه (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ ...) الآية إذ منع الزكاة. وقيل : إن حاطبا كان قد أبطأ ماله بالشام ، فحلف إن سلم ذلك ليصدّقن به ، فلما تسلم بخل فنزلت الآية. وقيل : الآية نزلت فى رجال من المنافقين : نبتل بن الحارث ، وجدّ ابن قيس ، ومعتّب بن قشير.

٣١ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٧٩) : قيل : نزلت فى عبد الرحمن بن عوف تصدّق بنصف ماله ، وكان ماله ثمانية آلاف ، فتصدّق بأربعة آلاف ، فقال قوم : ما أعظم رياءه ، فأنزل الله الآية. وقيل : تصدق الحجاب أبو عقيل بنصف صاع ، وجاء إنسان بأكثر منه فقال المنافقون : إن الله لغنى عن صدقة هذا ، وما فعل هذا الآخر إلا رياء ، فنزلت الآية.

٣٢ ـ وفى قوله تعالى : (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ) (٨١) : قيل : كان هذا فى غزوة تبوك ، فقال رجل من بنى سلمة : لا تنفروا فى الحرّ فنزلت الآية.

٣٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ) (٨٤) : قيل : نزلت فى شأن عبد الله بن أبىّ ابن سلول ، وكان قد مات وتقدّم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليصلى عليه ، لو لا أن نزلت الآية تنهاه عن ذلك ، فانصرف ولم يصلّ عليه. وأما الرواية التى قيلت عن عمر ومحاولته أن يمنع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الصلاة عليه ، وقوله له : أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلى عليه! فهى ضعيفة ولا يوجد ما يثبتها ، ولا يوجد ما يثبت فهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم للآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) (التوبة ٨٠) ، هذا الفهم الفج ، ولا يعقل أن يقول هذه العبارة : سأزيد على سبعين!

٣٤ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٩١) : قيل : نزلت فى ابن أم مكتوم وكان أعمى ، وعمرو بن الجموح وكان أعرج ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يملى على زيد بن ثابت سورة براءة عند ما جاء الأعمى فنزلت : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ ..) الآية ، وجاء عصابة مع عبد الله بن معقل المزنى ترجوا أن يحملهم فقال : لا أجد ما

٩٦

أحملكم عليه ، فولّوا وهم يبكون ، وعزّ عليهم أن يحبسوا ولا يجدون نفقة ولا محملا للجهاد ، فأنزل الله (وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ..) فسمّوا «البكّائين» ، وهم سبعة من بطون شتى : سالم بن عمير ، وعلبة بن زيد ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ، وعمرو بن الحمام ، وعبد الله بن المغفل المزنى ، وهرمى بن عبد الله ، وعرباض بن سارية. وهناك أسماء أخرى بخلاف هؤلاء. وقيل : الآية نزلت فى أبى موسى وأصحابه ، وقيل : فى عبد الله بن المغفل المزنى ، وقيل : فى عرباض بن سارية ، وقيل : فى عائذ بن عمرو. وقيل : فى بنى مقرّن ـ وهو الصحيح ، وكانوا سبعة إخوة ، كلهم صحبوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وليس فى الصحابة سبعة إخوة غيرهم ، وهم : النعمان ، ومعقل ، وعقيل ، وسويد ، وسنان ، وسابع لم يسمّ.

٣٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٩٩) : قيل : المراد بنو مقرّن من مزينة.

٣٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٠٢) : قيل : نزلت الآية فى أبى لبابة الأنصارى فى شأنه مع بنى قريظة ، وذلك أنهم كلموه فى النزول على حكم الله ورسوله ، فأشار إليهم ألا يفعلوا لأنهم إن فعلوا فهو الذبح ، فلما افتضح تاب وندم ، وربط نفسه فى سارية من سوارى المسجد ، وأقسم ألا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت ، فمكث كذلك حتى عفا الله عنه. وقيل : نزلت فى عشرة تخلّفوا عن غزوة تبوك ، فربطوا أنفسهم مثل أبى لبابة فى سوارى المسجد ، وعرضوا ليعفو عنهم أن ينزلوا عن كل مالهم ، فنزلت الآية (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١٠٣) (التوبة) ، ورضى منهم بالثلث وكان كفّارة الذنوب التى أصابوها. والآية وإن كانت نزلت فى الأعراب فهى عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة.

٣٧ ـ وفى قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١٠٣) : قيل : نزلت الآية فيمن تخلّفوا عن غزوة تبوك فأخذ منهم ثلث أموالهم كفارة عما فعلوه من ذنوب.

٣٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (١٠٦) : قيل : نزلت فى الثلاث الذين تاب الله عليهم : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية من بنى وافق ، ومرارة بن الربيع ، وقيل ابن ربعى العمرى ، وكانوا قد تخلّفوا عن تبوك ، وكانوا مياسرة ، فكان أمرهم عند المؤمنين على الرجاء ، لأنه ليس للعباد إلا ذلك ولا أكثر. والمرجون من أرجأته أى أخّرته ، ومنه قيل المرجئة لأنهم أخّروا العمل.

٩٧

٣٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) (١٠٧) : قيل : نزلت فيما روى فى أبى عامر الراهب ، وكان يعادى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع أنه والد حنظلة المشهور بحنظلة غسيل الملائكة من صحابة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والذى استشهد بأحد ، قتله أبو سفيان ، وقيل لما سمع النداء إلى الجهاد خرج وهو جنب واستشهد جنبا ، فأخبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن الملائكة غسّلته. وأبو عامر ناصر قريشا وألّبهم على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المدينة ، وانضم إليهم فى أحد ، وحفر حفائر ليقع فيها الصف الأول من المحاربين المسلمين ومنهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فوقع فى إحداها ، وارتج رأسه ، وجرح وجهه ، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى ، ثم دارت الدوائر على قريش وحلفائهم ففرّ أبو عامر ، فلما زال يقاتل مع من يقاتل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى يوم حنين ، فلما انهزمت هوازن ، توجه إلى الشام وتنصّر ، ووعده النصارى أن يساعدوه ، فأرسل إلى المنافقين فى المدينة يمنّيهم ، فبنى هؤلاء مسجدا إلى جوار مسجد قباء ، تمويها على المسلمين. وقيل إن بنى عمرو بن عوف بنوا مسجد قباء ، وأتاهم النبىّ فصلى فيه ، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف ، وقالوا نبنى مسجدا ونبعث الى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليصلى فيه ، كما صلى فى مسجد بنى عمرو ، فنكون وبنو عمرو على سواء ، فإذا حضر أبو عامر وجد مكانا يخطب فيه فى الناس ويناقشهم ويحتج عليهم. ثم إنهم أتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يتجهّز إلى تبوك يدعونه للصلاة فيه ، فاعتذر بسفره إلى أن يعود فيصلى فى مسجدهم ويدعو لهم بالبركة. وانصرف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من تبوك وعاد ، وكانوا قد فرغوا من مسجدهم وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد ، وتجهّز النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليأتيهم ، فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار ، فدعا مالك بن الدّخشم ، ومعن بن عدى ، وعامر بن السكن ، ووحشيا قاتل حمزة ، وأمرهم أن يذهبوا فيهدموا هذا المسجد الظالم أهله ويحرقوه ، واستحضر ابن الدخشم شعلة نار من بيته وانضم إلى زملائه ، وأحرقوا المسجد وهدموه. وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا : هم خذام بن خالد من بنى عبيد بن زيد أحد بنى عمرو بن عوف ، ومن داره أخرج المسجد الضرار ؛ ومعتب بن قشير ، وأبو حبيبة بن الأزعر ، وعبّاد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بنى عمرو بن عوف ، وجارية بن عامر ، وابناه مجمّع وزيد ، ونبتل بن الحارث ، وبحزج ، وبجاد بن عثمان ، ووديعة بن ثابت ، وثعلبة بن حاطب. وقيل سمى مسجد الضرار من ضرّ يضرّ ، وضرره انه بجوار مسجد قباء ، ولا يجوز أن يبنى مسجد إلى جانب مسجد آخر لئلا ينصرف أهل المسجد الأول إلى المسجد الثانى. وكل مسجد بنى على ضرار ـ أى ليضر بمسجد آخر ، أو بنى رياء وسمعه ،

٩٨

فهو فى حكم مسجد الضرار ولا تجوز الصلاة فيه. ومن ذلك أن يكون قد بنى بلا اعتبار للمسجد الآخر واستهتارا به ، فذلك هو بناؤه كفرا. وأما بناؤه تفريقا للمسلمين فإنه سيستقطب جماعة منهم فيختلفون عن الصلاة مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وبناؤه إرصادا لمن حارب الله ورسوله يعنى ترقبا لوصول أبى عامر الراهب ، وكان يسمى الراهب لأنه وهب نفسه للعبادة والتماس العلم ، ومات كافرا بقنسرين بالشام بدعوة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يموت غريبا. وجماعة عامر هذا لمّا واجههم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما فعلوا حلفوا أنهم ما أرادوا إلا الحسنى وهم كاذبون ، وذلك دليل أن الأعمال تختلف بالمقصود والإرادات.

٤٠ ـ وفى قوله تعالى : (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (١٠٨) : قيل : نزلت فى مسجد قباء وفى أهله ، ولما نزلت هذه الآية سألهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله سبحانه قد أحسن عليكم الثناء فى التطهر ، فما تصنعون؟» وكانوا يحبون أن يستنجوا بالماء.

٤١ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١١١) : قيل : نزلت فى البيعة الثانية وهى بيعة العقبة الكبرى ، وهى التى أناف فيها رجال الأنصار على السبعين ، أصغرهم عقبة بن عمرو ، وكان اجتماعهم بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند العقبة ، فقال عبد الله بن رواحة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : اشترط لربّك ولنفسك ما شئت. فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أشترط لربّى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. واشترط لنفسى أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» ، قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال : «الجنة» ، قالوا : ربح البيع ، لا نقبل ولا نستقبل. فنزلت الآية ، ثم إنها بعد ذلك عامة فى كل مجاهد فى سبيل الله من أمة محمد إلى يوم القيامة.

٤٢ ـ وفى قوله تعالى : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) (١١٣) : قيل : نزلت هذه الآية لمّا حضرت أبا طالب الوفاة ، فجاءة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا عمّ ، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ولم يزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرضها عليه ويعيدها حتى ذكر أبو طالب كآخر ما كلمهم : أنه على ملّة عبد المطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أما والله لأستغفر لك ما لم أنه عنك» ، فأنزل الله الآية فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقول له فى أبى طالب :

٩٩

(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (٥٦) (القصص) ـ وكل ذلك غير صحيح : لأن السورة مدنية وهى آخر ما نزل من القرآن ، فى حين أن أبا طالب مات فى عنفوان الإسلام والنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة!!

٤٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (١١٤) : قيل : عن علىّ بن أبى طالب قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان ، فقلت : أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال : أو لم يستغفر إبراهيم عليه‌السلام لأبيه؟ فأتيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فذكرت ذلك له ، فنزلت : (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (١١٤) (التوبة) ، أخرجه الترمذى

٤٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١١٥) : قيل : روى أنه لمّا نزل تحريم الخمر وشدّد فيها ، سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمّن مات وهو يشربها ، فأنزل الله تعالى الآية. والمعنى أن الله تعالى ما كان ليحكم على قوم بأنهم قد ضلوا ، إلا إذا احتج عليهم بأنه قد أعلمهم وبيّن لهم ما يتقون ، فعندئذ يستحقون أن يقال فيهم أنهم قد ضلّوا.

٤٥ ـ وفى قوله تعالى : (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (١١٩) : قيل : نزلت هذه الآيات فى كعب بن مالك ، ومرارة بن ربيعة العامرى ، وهلال بن أمية الواقفى ، وهؤلاء تخلّفوا عن غزوة تبوك دون عذر ، ورووا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سبب تخلفهم بصدق. وأما الذين تخلفوا وأبدوا أعذارا ، وقبلها منهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتاب عليهم ، والله أعلم إن كانوا صادقين أم كاذبين فى أعذارهم ، فكانوا بضعة وثمانين رجلا. ونهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المسلمين أن يكلموا الثلاثة الذين تخلّفوا بلا عذر ، حتى يأتى فيهم أمر الله ، واستلبث الوحى خمسين يوما ، واجتنبهم الناس وتغيّروا لهم ، فلما مضت أربعون يوما ، أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعتزل الثلاثة نساءهم ، ولما كملت الخمسون ، نزلت فيهم الآيات لتوبة الله عليهم ، وانخلع كعب بن مالك عن ماله إلا قليلا صدقة إلى الله ورسوله ، وعاهد الله أن لا يقول إلا الصدق بعد أن نجّاه الصدق ، وكانت توبته ألا يحدّث إلا الصدق ما بقى من عمره. وقيل : نزلت الآيات فى فريق من الذين

١٠٠

اتبعوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من المهاجرين والأنصار فى غزوة تبوك ، فلما عانوا العسرة فى الظّهر ، وفى الزاد ، والماء ، كادوا أن يضلوا لو لا أن تاب الله عليهم التوبة الأولى بأن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ وعفا عنهم ، ثم كانت التوبة الثانية أن استنقذهم من شدة العسرة ونكاية العدو ، فكانت توبته عليهم ليتوبوا أن وفّقهم أولا للتوبة ليتوبوا ، ثم كانت التوبة الثانية ، فلم يعجّل عقابهم ليتوبوا ، فتاب عليهم ليثبتوا على التوبة ، ولو لا أنهم سبق لهم فى علمه أن قضى لهم بالتوبة ما تابوا. وكانت التوبة التى تابها الله على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذنه للمنافقين فى القعود.

* * *

١٠٢٢ ـ فى أسباب نزول آيات سورة يونس

١ ـ فى قوله تعالى : (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ) (٢) : قيل : الآية نزلت لإزالة العجب من عقولهم والشك فى نفوسهم ، وكان عجبهم أن يكون الرسول بشرا منهم ، وأن يكون له حق إنذار الناس وتبشيرهم ، ولما استمعوا له كان القرآن وهو يتلوه كالسحر المبين فوصفوه لذلك بأنه ساحر مبين.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (١١) : قيل : الذى استعجل العقوبة كان النضر بن الحارث ، قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء! وقيل : نزلت الآية فى الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضب ، فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب للخير ، لقضى إليهم أجلهم. والآية نزلت ذامّة الخلق الذميم الذى يحمل الناس أحيانا على الدعاء فى الشرّ ، فلو عجّل لهم هلكوا.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٢) : قيل : نزلت فى أبى حذيفة بن المغيرة ، وكانت تصيبه البأساء والشّدة والجهد ، فكان هذا هو حاله منها. وقيل : وهذه صفة الكثيرين ، والآية تعم الكافر وغيره ، وكما زيّن لهم الدعاء عند البلاء ، والإعراض عند الرخاء ، كذلك زين للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصى.

* * *

١٠٢٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة هود

١ ـ فى قوله تعالى : (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ

١٠١

يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (٥) : قيل : نزلت فى الأخنس بن شريق ، وكان يجالس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويحلف أنه ليحبه ، ويضمر خلاف ما يظهر. وقيل : كان الأخنس رجلا حلو الكلام والمنطق ، يلقى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما يحب ، وينطوى له بقلبه على ما يسوء. ومعنى «يثنون صدورهم» يطوونها على الكفر. قيل كان الأخنس إذا رأى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثنى صدره وظهره ، أو طأطأ رأسه ، وغطى وجهه ، لكيلا يراه فيدعوه إلى الإيمان. وقال المنافقون : إذا أغلقنا أبوابنا ، واستغشينا ثيابنا ، وثنينا صدورنا على عداوة محمد ، فمن يعلم بنا؟ فنزلت الآية.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (٨) : قيل : لما نزلت : (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٤) (هود) قال ناس : إن الساعة اقتربت ، فتناهى قوم قليلا ، ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء ، فأنزل الله الآية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ...) (١٢) : قيل : كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل أن تنزل الآية قد همّ أن يدع نقد آلهتهم ، ومعنى الآية : هل أنت تارك ما فيه نقد آلهتهم كما سألوك؟ وذلك أنهم قالوا له : لو أتيتنا بكتاب ليس فيه نقد آلهتنا لاتّبعناك ، فهمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدع نقد آلهتهم ، فنزلت ، وهذا غير صحيح.

٤ ـ وفى قوله : (... أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) (١٢) : قيل : قال ذلك عبد الله بن أمية بن المغيرة المخزومى.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (١٢) : قيل : لما همّ أن يدع نقد آلهتهم ، نزلت الآية تقول : يا محمد (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ..).

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) (١١٤) : قيل : نزلت فى رجل من الأنصار هو أبو اليسر بن عمرو ، وقيل اسمه عبّاد ، خلا بامرأة فقبّلها وتلذذ بها فيما دون الفرج. وقيل : جاء إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : إنى عالجت امرأة فى أقصى المدينة ، وإنى أصبت منها دون أن أمسها ، فاقض فىّ ما شئت. فقال عمر : لقد سترك الله ، لو سترت على نفسك! فلم يردّ عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شيئا ، فانطلق الرجل ، فأتبعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجلا فدعاه ، فتلا عليه الآية ، فسأل رجل من القوم : هذا له خاصة؟ قال : «لا ، بل للناس كافة». وقيل : سأله الرجل : إلىّ هذه يا رسول الله؟ فقال : «لك ولمن عمل بها من أمتى ..» وروى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعرض عنه ، وأقيمت صلاة العصر ، فلما فرغ منها نزلت الآية ، فقال له : «أشهدت

١٠٢

معنا الصلاة»؟ قال : نعم. قال : «أذهب فإنها كفّارة لما فعلت». أو قال : «قم فصلّ أربع ركعات».

* * *

١٠٢٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة يوسف

١ ـ قيل : إن أهل مكة سألوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن قصة يوسف فنزلت السورة. وقال سعد بن أبى وقاص : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يتلو عليهم القرآن كلما نزل ، فقال له الناس : لو قصصت علينا؟ فنزل : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ...) (٣) (يوسف) ، وقالوا : لو حدثتنا؟ فأنزل الله تعالى (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) (٢٣) (الزمر). وقيل : نزلت سورة يوسف فى مكة ردّا على من سأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قالوا : أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام ، وأخرج ابنه إلى مصر ، فبكى عليه حتى عمى؟ ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب ، ولا يعرف خبر الأنبياء ، وإنما وجّه اليهود من المدينة هذا السؤال لأهل مكة يسألونه عن هذا ، فأنزل الله عزوجل سورة يوسف جملة واحدة فيها كل ما فى التوراة من خبر وزيادة.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٢) : قيل : «أنزلناه» المقصود خبر يوسف ؛ ويروى أن اليهود قالوا : سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ، وعن خبر يوسف؟ فأنزل الله هذا بمكة موافقا للتوراة.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (١٠٦) : قيل : نزلت الآية فى قوم أقرّوا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها ، ومع ذلك ظلوا يعبدون الأوثان : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٨٧) (الزخرف). وقيل : الآية فى أهل الكتاب الذين يؤمنون بالله ويكفرون بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : نزلت الآية فى تلبية مشركى العرب : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه ما ملك. وقيل : هم النصارى ، أو أنهم المشبّهة : آمنوا مجملا وأشركوا مفصّلا. وقيل : هم المنافقون يقولون آمنا باللسان وقلوبهم كافرة. وقيل : نزلت هذه الآية فى قصة الدخان ، وذلك أن أهل مكة لمّا غشيهم الدخان فى سنىّ القحط قالوا : (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) (١٢) (الدخان) فذلك إيمانهم ، وأما شركهم فهو عودتهم إلى الكفر بعد كشف العذاب ، وبيان ذلك قوله : (إِنَّكُمْ عائِدُونَ) (١٥) (الدخان) ، والعود يكون بعد ابتداء ، فيكون معنى : (إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (١٠٦) (يوسف) ، أى وهم عائدون إلى الشرك.

* * *

١٠٣

١٠٢٥ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الرعد

١ ـ فى قوله تعالى : (المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (١) : قيل : نزلت حين قال المشركون للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنك تأتى بالقرآن من تلقاء نفسك.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ) (٦) : قيل : كانوا يستعجلونه العذاب الذى يتوعّدهم به ، وطلبوا العقوبة قبل العافية. ومن التاريخ فإنهم يعرفون أن أمما كثيرة نزلت بها العقوبات ، فهى مسألة جدّ إذن وليست هزلا. وقيل إن أرجى آية فى القرآن هى قوله تعالى : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) ، يعنى يغفر لهم إذا آمنوا وتابوا ، فإذا أصرّوا على الكفر فهو ذو عقاب.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ) (١٣) : قيل : نزلت الآية فى يهودى قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أخبرنى من أى شىء ربّك؟ أمن لؤلؤ ، أو من ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأحرقته. وقيل : نزلت فى بعض كفّار العرب. وكان رجل من طواغيتهم قد بعث إليه النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفرا من أصحابه يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام ، فقال لهم : أخبرونى عن ربّ محمد ، ما هو؟ وممّ هو مصنوع؟ أفمن فضة ، أم من حديد ، أم من نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته ، فقال : أجيب محمدا إلى ربّ لا يعرفه؟! فبعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إليه مرارا ، وهو يقول مثل هذا ، فبينما النفر ينازعونه ويدعونه ، إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رءوسهم ، فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة ، فأحرقت الكافر وهم جلوس ، فرجعوا إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاستقبلهم بعض أصحابه ، فقالوا : احترق صاحبكم. فقالوا : من أين علمتم؟ قالوا : أوحى الله إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن الله تعالى شديد المحال أى شديد الانتقام. وقيل : نزلت الآية فى أربد بن ربيعة ، أخى لبيد بن ربيعة ، وفى عامر بن الطفيل ، فقد أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة العامريان يريدان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو فى المسجد جالس فى نفر من أصحابه ، فدخلا المسجد ، فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور ومن أجمل الناس ، فقال واحد من أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هذا يا رسول الله عامر بن الطفيل ، قد أقبل نحوك. فقال : «دعه ، فإن يرد الله به خيرا يهده». فأقبل عامر حتى قام عليه ، فقال : يا محمد ، ما لى إن أسلمت؟ قال : «لك ما للمسلمين ، وعليك ما على المسلمين». قال أتجعل لى الأمر من بعدك؟ قال : «ليس ذاك إلىّ ، إنما ذلك إلى الله يجعله حيث

١٠٤

يشاء» ، قال : أفتجعلنى على الوبر وأنت على المدر؟ (والوبر البادية ، والمدر الحضر) قال : «لا». قال : فما تجعل لى؟ قال : «أجعل لك أعنّة الخيل تغزو عليها فى سبيل الله؟» قال : أو ليس لى أعنة الخيل اليوم؟ قم معى أكلمك. فقام معه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وكان عامر أومأ إلى أربد : إذا رأيتنى أكلمه فدر من خلفه واضربه بالسيف. فجعل يخاصم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويراجعه ، فاخترط أربد من سيفه شبرا ، ثم حبسه الله فلم يقدر على سلّه ، ويبست يده على سيفه ، وأرسل الله عليه الصاعقة فأحرقته ، وولى عامر هاربا ، وقال : يا محمد ، دعوت ربّك على أربد حتى قتلته! والله لأملأنها عليك خيلا جردا ، وفتيانا مردا! فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة» ـ يقصد الأوس والخزرج.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) (١٩) : قيل : نزلت الآية فى حمزة بن عبد المطلب ، وأبى جهل ويضرب بهذا الأخير المثل فى العمى.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ) (٢٧) : قيل : قال ذلك أهل مكة ، سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هلّا أنزلت عليك معجزة من ربّك مثل معجزة موسى فى فلق البحر ، ومعجزة عيسى فى إحياء الموتى؟

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ) (٣٠) : قيل : نزلت هذه الآية فى صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا الصلح ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعلىّ : «أكتب : بسم الله الرحمن الرحيم» ، فقال سهيل بن عمرو والمشركون : ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة ـ يعنون مسيلمة الكذّاب. قالوا : اكتب «باسمك اللهم» فهكذا كان أهل الجاهلية يبدءون كتاباتهم ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت الآية فى كفّار قريش حين قال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اسجدوا للرحمن» ، قالوا : ما الرحمن؟ فنزلت الآية. وقيل : سمع أبو جهل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو فى الحجر ويقول : «يا الله يا رحمن» ، فقال : كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين ـ الله والرحمن! فنزلت هذه الآية : (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (١١٠) (الإسراء).

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) (٣١) : قيل : الآية متصلة بما قبلها : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ) (٢٧) ، وذلك أن نفرا من مشركى مكة فيهم أبو جهل ،

١٠٥

وعبد الله بن أمية المخزومى ، جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأتاهم ، فقال له عبد الله : إن سرّك أن نتبعك ، فسيّر لنا جبال مكة بالقرآن ، فأذهبها عنا حتى تنفسّح ، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا ، فلست كما زعمت ، بأهون على ربك من داود حين سخّر له الجبال تسير معه. وسخّر لنا الريح نركبها إلى الشام نقضى ميرتنا وحاجاتنا ثم نرجع من يومنا ، فقد كان سليمان سخّرت له الريح كما زعمت ، فلست أهون على ربّك من سليمان بن داود. وأحيى لنا قصيّا جدّك ، أو من شئت من موتانا لنسأله : أحقّ ما تقول أنت أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيى الموتى ، ولست أهون على الله منه. فأنزل الله تعالى الآية.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ) (٣٦) : قيل : نزلت فى أمثال عبد الله بن سلام ، وكان من أهل الكتاب ، وكان يفرح بنزول القرآن. وقيل كان من أهل الكتاب من يفرح بنزول القرآن لأنه يصدّق كتبهم. والأحزاب هم المتحزبون على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان فيهم من ينكر بعض ما فى القرآن.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) (٣٨) : قيل : طالبوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يأتيهم بآية فنزلت : (وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ ...) ، أى لم يكن له أن يأتى قومه بعمل خارق إلا إذا أذن له الله تعالى.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) (٣٨) : قيل : عاب اليهود على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كثرة زواجه ، وقالوا : إن همّته فى النساء والنكاح ، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء ، فأنزل الله هذه الآية.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) (٤٣) : قيل : نزلت فى عبد الله بن سلام ، وكان قد شهد على اليهود أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مذكور فى التوراة ، وأنه نبىّ من عند الله. وقال عبد الله بن سلام : نزلت فى آيات من كتاب الله. نزلت فى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠) (الأحقاف) ، ونزلت فى : (قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) (٤٣) (الرعد).

* * *

١٠٦

١٠٢٦ ـ فى أسباب نزول آيات سورة إبراهيم

١ ـ فى قوله تعالى : (الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (١) : قيل : نزلت فيمن كفر بعيسى ، وهؤلاء هم الذين آمنوا بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأما من آمنوا بعيسى فهم الذين كفروا بمحمد ، وإخراج من لم يؤمن من الظلمات يعنى إخراجه من الكفر ، والآية نزلت فى هؤلاء.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (١٥) : قيل : نزلت فى أبى جهل ، والاستفتاح هو الاستنصار ، وكان أبو جهل نموذجا للجبار العنيد ، والجبّار هو المتكبر ، والعنيد المصرّ على انحرافه وخروجه ، والرسل هم الذين استفتحوا بالله أى استنصروه ، وأبو جهل استفتح عناده وجبروته فخاب استفتاحه وقتل فى بدر الكبرى.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ) (٢٧) : قيل : كان سبب نزول هذه الآية ما روى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا وصف مساءلة منكر ونكير ، وما يكون من جواب الميت ، فقال عمر : يا رسول الله ، أيكون معى؟؟ قال : «نعم» ، قال عمر : كفيت إذن. فأنزل الله هذه الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ) (٢٨) : قيل : الآية نزلت فى مشركى قريش حين بعث الله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم منهم وفيهم فكفروا. وقيل : نزلت فى المشركين الذين قاتلوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم بدر. وقيل : هم قريش الذين نحروا يوم بدر. وقيل : نزلت فى الأفجرين من قريش : بنى مخزوم ، وبنى أمية ، فأما بنو أمية فمتّعوا إلى حين ، وأما بنو مخزوم فأهلكوا يوم بدر. وقيل : هم متنصرة العرب : جبلة بن الأيهم وأصحابه حين لطم ، فجعل له عمر القصاص بمثله فلم يرض ، وأنف فارتد متنصّرا ، ولحق بالروم فى جماعة من قومه. وقيل : الآية عامة فى جميع المشركين.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٥٢) : قيل : نزلت هذه الآية فى أبى بكر الصدّيق ، وهو غير صحيح فلا مناسبة للآية مع أبى بكر ولكنها عامة للناس كافة.

* * *

١٠٢٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الحجر

١ ـ فى قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) (٢٤) : قيل : نزلت فيمن يخرجون للجهاد فى سبيل الله ، ومن يتقاعسون. وقيل وهو قول سقيم : إن امرأة جميلة كانت تصلى خلف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان بعضهم يتقدم حين يكون الصف

١٠٧

الأول لئلا يراها ، وبعضهم يتأخر حتى يكون فى الصف المؤخر فيراها ، وإذا ركع ينظر من تحت إبطيه ، وهذا الكلام من الإسرائيليات ، فليس هكذا خلق المسلمين ، وما ربّاهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ذلك ، ثم إن النساء كن يصلين فى مؤخرة المسجد وليس خلف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم! فاتقوا الله!

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (٤٥) : قيل : إن سلمان الفارسى لمّا سمع الآية : (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) (٤٣) (الرعد) ، اختفى ثلاثة أيام من شدة الخوف ، فجىء به للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فسأله ، فقال : يا رسول الله ، أنزلت هذه الآية : (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) ، فو الذى بعثك بالحق لقد قطعت قلبى! فأنزل الله : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (٤٥).

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) (٤٧) :

قيل : نزلت فى أبى بكر وعمر وعلىّ والصحابة. قيل : وأىّ غل؟ قيل : غل الجاهلية. إن بنى تميم وبنى عدى وبنى هاشم كانت بينهم فى الجاهلية عداوة ، فلمّا أسلم هؤلاء تحابوا.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٤٩) : قيل : إن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج إلى الصحابة وهم يضحكون ، فقال : «أتضحكون وبين أيديكم الجنة والنار؟» فشقّ ذلك عليهم ، فنزلت الآية. وعن ابن عمر : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اطّلع عليهم من الباب الذى يدخل منه بنو شيبة وهم يضحكون ، فقال : «ما لكم تضحكون؟» ثم أدبر ، حتى إذا كان عند الحجر رجع القهقرى فقال لهم : إنى لما خرجت جاءنى جبريل فقال : يا محمد ، لم تغبط عبادى من رحمتى : (نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ) (٥٠).

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٨٨) : قيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وافى سبع قوافل ليهود قريظة والنضير فى يوم واحد ، فيها البرّ والطيب والجوهر وأمتعة البحر ، فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها وأنفقناها فى سبيل الله ، فأنزل الله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي) فهى خير لكم من القوافل السبع ، فلا تمدّن أعينكم إليها ؛ و (أَزْواجاً مِنْهُمْ) : أى أمثالا فى النّعم ، أى الأغنياء بعضهم أمثال بعض فى الغنى فهم أزواج. وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ضاف ضيفا ، ولم يكن عنده شىء يصلحه ، فأرسل إلى رجل من اليهود ليسلفه دقيقا إلى هلال رجب ، فاشترط اليهودى الرهن ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أما والله إنى لأمين فى السماء ، وأمين فى الأرض ، ولئن أسلفنى

١٠٨

أو باعنى لأؤدين إليه» ، فنزلت هذه الآية : (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٨٨) ، كأنه يعزّيه عن الدنيا. والحديث به ضعف ، فلما ذا يقترض من يهودى دون المسلمين ، ثم إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يتعامل بالربا ، والمسألة لا تحتاج لأنه مجرد ضيف!

٦ ـ وفى قوله تعالى : (كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) (٩٠) : قيل : نزلت فى العاص بن وائل ، وعتبة ، وشيبة ابني ربيعة ، وأبى جهل بن هشام ، وابن البخترى بن هشام ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، ومنبّه بن الحجاج ، فهؤلاء التسعة هم المقتسمون : اقتسموا القرآن ، ففرّقوه ، وبدّدوه ، وحرّفوه.

* * *

١٠٢٨ ـ فى أسباب نزول آيات سورة النحل

١ ـ فى قوله تعالى : (أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (١) : قيل : كان كفّار قريش يستعجلون العذاب استهزاء ، حتى قال النضر بن الحارث : (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣٢) (الأنفال) ، فاستعجل العذاب. وقيل : لما نزلت : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (١) (القمر) ، قال الكفار : «إن هذا ـ أى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ يزعم أن القيامة قد قربت ، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون» ، فأمسكوا وانتظروا قرب الساعة ، فامتدت الأيام ، فقالوا : ما نرى شيئا ، فنزلت : (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) (١) (الأنبياء) ، فأشفقوا وانتظروا ، فامتدت الأيام ، فقالوا : ما نرى شيئا ، فنزلت : (أَتى أَمْرُ اللهِ) ، فخاف المسلمون ، فنزلت : (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) ، فاطمأنوا ، وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بإصبعيه ، السبابة والتى تليها. يقول : «إن كادت لتسبقنى فسبقتها». ونلاحظ أن هناك أخطاء فى الترتيب الذى قالوا به للآيات عن الساعة ، لأنه لا يصح أن تأتى آية سورة الأنبياء قبل آية سورة النحل ، لأن سورة النحل نزلت قبل سورة الأنبياء!.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) (٢) : قيل : نزلت ردّا على قولهم : (وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (٣١) (الزخرف).

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (٢٤) : قيل : القائل النضر بن الحارث ، ونزلت فيه الآية ، وكان قد اشترى من الحيرة كتبا ، كان يقرأ منها على قريش ويقول : ما يقرأ محمد على أصحابه إلّا كتبا كهذه فيها أساطير الأولين.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ

١٠٩

السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) (٢٦) : قيل : نزلت فى النمرود وقومه فى قصة إبراهيم فى سورة إبراهيم ، أرادوا صعود السماء فبنوا الصّرح ليصعدوا منه ، فخرّ. وقيل : نزلت فى بختنصر وأصحابه. وقيل : المراد «المقتسمون» الذى ذكرهم الله فى سورة الحجر.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (٣٨) : قيل : كان لرجل من المسلمين على مشرك دين ، فتقاضاه ، فقال فيما قال : والذى أرجوه بعد الموت أنه كذا وكذا ، فأقسم المشرك بالله لا يبعث الله من يموت ، فنزلت الآية.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (٤١) : قيل : نزلت فى صهيب ، وبلال ، وخبّاب ، وعمّار ، عذّبهم أهل مكة ليقروا بما أرادوه منهم أن يقرّوا به ، فلما فعلوا خلّوهم فهاجروا إلى المدينة. وقيل : نزلت فى أبى جندل بن سهيل. والمراد بقوله تعالى : (وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ) هم أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذين ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم فهاجروا إلى الحبشة ، ثم قدموا إلى المدينة من بعد. والآية تعمّ الجميع.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٤٣) : قيل : نزلت فى مشركى مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، فهلا بعث إلينا ملكا ، فردّ الله عليهم.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٧٦) : قيل : كان الأبكم عبدا عند عثمان بن عفان ، والذى يأمر بالعدل هو عثمان ، وكان يعرض على الأبكم الإسلام فيأبى. وقيل : المثل أيضا لأبى بكر ومولى له كافر. وقيل : الأبكم هو أبو جهل ، والذى يأمر بالعدل عمّار بن ياسر العنسى ، وكان أبو جهل يعذّبه على الإسلام ويعذب أمه سمية ، وكانت مولاة لأبى جهل. وقيل : الأبكم هو أبىّ بن خلف ، وكان لا ينطق بخير ، وهو كلّ على مولاه ، أى على قومه ، لأنه كان يؤذيهم ويؤذى عثمان بن مظعون. وقيل : نزلت فى هشام بن عمرو بن الحارث ، وكان كافرا قليل الخير يعادى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : إن الأبكم الكافر ، والذى يأمر بالعدل المؤمن ، لأن الآية تعمّ.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ) (٨٣) : قيل : إن أعرابيا أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فسأله ، فقرأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً

١١٠

(٨٠)) (النحل) ، فقال الأعرابى : نعم ، ثم قرأ عليه : (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ) (٨٠) (النحل) ، قال : نعم. ثم قرأ عليه كل ذلك وهو يقول نعم. حتى بلغ : (كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) (٨١) (النحل) ، فولّى الأعرابى ، فأنزل الله (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ) (٨٣) (النحل).

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ) (٩١) : قيل : نزلت فى التزام الحلف الذى كان فى الجاهلية ، وجاء الإسلام بالوفاء به ، وفى ذلك قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا حلف فى الإسلام ، وأيّما حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» أخرجه مسلم. وقيل : نزلت هذه الآية فى بيعة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (٩٢) : قيل : شبّهت هذه الآية الذى يحلف ويعاهد ويبرم عهده ثم ينقضه ، بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكما ثم تحلّه ، ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة ، كانت تفعل ذلك ، فبها وقع التشبيه. وقيل : ذلك مثل لم يضرب على امرأة معينة.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٩٥) : قيل : نزلت فى امرئ القيس بن عابس الكندى وخصمه ابن أسوع ، اختصما فى أرض فأراد امرؤ القيس أن يحلف ، فلما نزلت هذه الآية فيه رجع وأقرّ بحق الرجل عليه.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (١٠٣) : قيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كثيرا ما كان يجلس إلى غلام نصرانى يقال له جبر ، عبد بنى الحضرمى ، وكان يقرأ الكتب ويعلّمه. وقيل اسمه يعيش. وقيل : كان غلاما لبنى عامر بن لؤى. وقيل : علّمه اثنان أحدهما اسمه نبت ، والآخر أبو فكيهة. وقيل : علّمه نصرانى اسمه بلعام. وقيل : علّمه أبو ميسرة. وقيل : هو عدّاس غلام عتبة بن ربيعة. وقيل : اسمه عابس غلام حويطب بن عبد العزّى. والسؤال هو : علّمه ما ذا؟ والقرآن موسوعة لا أول لها ولا آخر ، ويباين بشدّة كتب الأولين ، سواء فى موضوعاته ، أو أحكامه ، أو قصصه ، أو أسلوبه. فعلّمه ما ذا؟

١١١

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١٠٦) : قيل : نزلت فى عبد الله بن سعد بن أبى سرح ، ومقيس بن صبابة ، وعبد الله بن خطل ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، أكرهوا على أن يكفروا بعد إيمانهم. وقيل : نزلت فى عمّار بن ياسر ، أخذه المشركون وعذّبوه ليكفر ، فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له : «كيف تجد قلبك»؟ قال : مطمئن بالإيمان. قال : «فإن عادوا فعدّ». وقيل : إن ناسا من أهل مكة آمنوا ، فكتب إليهم بعض أصحاب النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة : أن هاجروا إلينا ، فإنّا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا ، فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم ، فكفروا مكرهين ، ففيهم نزلت الآية.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (١١٠) : قيل : نزلت فى عبد الله بن أبى سرح ، وكان قد ارتدّ ولحق بالمشركين ، ثم إنه يوم فتح مكة استجار بعثمان فأجاره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) (١١٢) : قيل : نزلت فى مضر ، كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد دعا عليهم وقال : «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف» ، لأنهم كفروا بما أوتوا وجحدوا ، فابتلوا بالقحط بكفرهم.

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (١٢٦) : قيل : الآية مدنية مع أن السورة مكية ، ونزلت فى شأن التمثيل بحمزة فى يوم أحد ؛ وقيل الآية عامة ومكية ومعناها متناسق مع المعانى قبلها وبعدها. وقيل : بعد دفن قتلى أحد نزلت الآيات ابتداء من الآية : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ...) (١٢٥) ، وانتهاء بالآية : (وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ ...) (١٢٨). وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا قتل حمزة وقف عليه وقال : «لأمثلن بسبعين منهم مكانك» ، فنزل جبريل وقرأ عليه : (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ...) إلى آخر السورة ، فكفّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمسك عمّا أراد. وقيل : لمّا كان يوم أحد ، أصيب من الأنصار أربعة وستون ، ومن المهاجرين ستة ، منهم حمزة ، فمثّلوا بهم ، فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم. فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله : (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ...) الآية. وقيل : لمّا انصرف المشركون عن قتلى أحد ، انصرف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فرأى

١١٢

منظرا ساءه : رأى حمزة قد شقّ بطنه واصطلم (يعنى قطع) أنفه ، وجدعت أذناه (يعنى قطعتا) ، فقال : «لو لا أن يحزن النساء أو تكون سنة بعدى لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير. لأمثلنّ مكانه بسبعين رجلا» ، ثم عاد ببردة وغطى بها وجهه فخرجت رجلاه ، فغطى وجهه وجعل على رجليه من الإذخر (نبات طيب الرائحة) ، ثم قدّمه فكبّر عليه عشرا ، ثم جعل يجاء بالموتى الواحد تلو الآخر فيوضع ، وحمزة مكانه ، حتى صلى عليه سبعين صلاة ، وكان القتلى سبعين ، فلما دفنوا وفرغ منهم ، نزلت هذه الآية : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (١٢٥) (النحل) ، إلى قوله : (وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (١٢٧) (النحل) ، فصبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يمثّل بأحد. وقيل : إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة ، ألّا ينال من ظالمه ، إذا تمكّن ، إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره.

* * *

١٠٢٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الإسراء

١ ـ فى قوله تعالى : (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً) (١١) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث وكان يدعو ويقول : (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣٢) (الأنفال) ، والمعنى عام : وهو أن ندعو فى طلب المحظور كدعوتنا فى طلب المباح.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١٥) : قيل : نزلت فى الوليد ابن المغيرة ، قال لأهل مكة : اتبعونى واكفروا بمحمد ، وعلىّ أوزاركم ، فنزلت هذه الآية ـ أى أن الوليد لا يحمل آثامكم وإنما إثم كل واحد عليه.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) (٢٤) : قيل : نزلت الآية فى سعد بن أبى وقّاص ، فإنه أسلم فهددت أمه بإلقاء نفسها فى الرمضاء متجرّده ، فذكر ذلك لسعد ، فقال : لتمت! فنزلت الآية خاصة فى الدعاء للأبوين.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً) (٢٨) : قيل : نزلت الآية فى قوم كانوا يسألون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيأبى أن يعطيهم ، لأنه كان يعلم منهم نفقة المال فى الفساد ، فكان يعرض عنهم رغبة فى الأجر فى

١١٣

منعهم لئلا يعينهم على فسادهم. وقيل : جاء ناس من مزينة إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستحملونه ، فقال «لا أجد ما أحملكم عليه» ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ، فأنزل الله الآية.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً) (٤٥) : قيل : نزلت فى قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا قرأ القرآن ، وهم : أبو جهل ، وأبو سفيان ، والنضر بن الحارث ، وأم جميل امرأة أبى لهب ، وحويطب ، فحجب الله رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أبصارهم كلما همّ يقرأ القرآن ، وكانوا يمرون به ولا يرونه. ولما جاءته أم جميل فى المسجد بسبب سورة (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) فيها وفى زوجها لم تره كما كان يخشى أبو بكر. وقيل : لما نزلت سورة (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفى يدها حجر وهى تقول :

مذمّما عصينا ... وأمره أبينا ... ودينه قلينا

والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قاعد فى المسجد ومعه أبو بكر ، فلما رآها أبو بكر قال : يا رسول الله ، لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك! قال : «إنها لن ترانى» ، وقرأ القرآن يعتصم به ، يقول : (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً) (٤٥) (الإسراء) ، فكانت تقفت على أبى بكر ولا ترى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : لمّا نزلت (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) جاءت امرأة أبى لهب إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومعه أبو بكر ، فقال أبو بكر : لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك فإنها امرأة بذية ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنه سيحال بينى وبينها» ، فلم تره.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً) (٤٧) : قيل : نزلت حين دعا عتبة أشراف قريش إلى طعام صنعه لهم ، فدخل عليهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقرأ عليهم القرآن ، ودعاهم إلى الله ، فتناجوا يقولون : ساحر! ومجنون!.

وقيل : أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليا أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ، ففعل علىّ ذلك ، ودخل عليهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ودعاهم إلى التوحيد ، وقال : «قولوا لا إله إلا الله لتطيعكم عليها العرب وتدين لكم العجم» فأبوا ، وكانوا يستمعون ويتناجون : هو ساحر! وهو مسحور! فنزلت الآية.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً) (٥٣) : قيل : نزلت فى عمر بن الخطاب ، شتمه عربى ، وسبّه عمر وهمّ بقتله ، فكادت تقع فتنة ، فأنزل الله الآية. وقيل : نزلت لمّا قال المسلمون

١١٤

لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ائذن لنا فى قتالهم فقد طال إيذاؤهم إيانا. فقال : «لم أومر بعد بالقتال» ، فأنزل الله الآية.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً) (٥٦) : قيل : لمّا ابتليت قريش بالقحط وشكوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنزل الله هذه الآية ـ أى ادعوا الذين تعبدون من دون الله وزعمتم أنهم آلهة ، فإنهم لا يملكون كشف الضرّ عنكم ، ولا تغيير ما أنتم فيه من حال إلى حال.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً) (٥٩) : قيل : إن أهل مكة سألوا النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحّى عنهم الجبال ليزرعوا. فإن كفروا بعد ذلك أهلكوا ، فنزلت الآية. والمعنى : وما منعنا من إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين ، فقد آتى ثمود الناقة ، آية واضحة دالة على صدق صالح ، وعلى قدرة الله ، فكذّبوا مع ذلك ، فالآيات ليست ضرورية للإيمان ، وإنما طريق الدعوة هو العقل والحوار.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً) (٦٠) : قيل : الرؤيا فى هذه الآية هى رؤيا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه يدخل مكة فى سنة الحديبية ، فردّ فافتتن المسلمون لذلك ، فنزلت الآية. فلما كان العام المقبل دخلها وانزل الله : (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) (٢٧) (الفتح). وقيل : هذه الرؤيا هى أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يرى بنى أمية ينزون على منبره نزوة القردة ، فاغتم لذلك ، وما استجمع ضاحكا من يومئذ حتى مات ، فنزلت الآية. والرواية متهافتة. وقيل : لما روى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم رؤياه وأنه ذهب إلى بيت المقدس وعاد فى نفس الليلة ارتد كثير ممن كان قد أسلم ، فأنزل الله فيمن ارتد عن الإسلام الآية : (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ). وقيل : إنه لمّا أسرى به أصبح يحدث نفرا من قريش يستهزءون به ، فطلبوا منه آية ، فوصف لهم بيت المقدس ، وذكر لهم قصة العير ، فقال الوليد بن المغيرة : هذا ساحر! فأنزل الله (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ). وأما قوله : (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) الآية ، قيل لمّا ذكر الله الزقوم خوّف به هذا الحىّ من قريش فقال أبو جهل : هل تدرون ما هذا الزقوم الذى يخوفكم به محمد؟ قالوا : لا ، قال : الثريد بالزبد! أما لئن أمكننا منها لنزقمنها زقما ، فأنزل الله (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً) (٦٠)

١١٥

(الإسراء) ، وأنزل : (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) (٤٦) (الدخان).

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً) (٧٣) : قيل : كان النبىّ يستلم الحجر الأسود فى طوافه ، فمنعته قريش ، وقالوا : لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا ، فحدّث نفسه وقال : «وما علىّ أن ألمّ بها بعد أن يدعونى استلم الحجر ، والله يعلم إنى لها كاره». فأبى الله تعالى وأنزل عليه هذه الآية. والرواية متهافتة كما ترى. وقيل : نزلت فى وفد ثقيف ، أتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فسألوه شططا ، وقالوا : متّعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها ، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا. وحرّم وادينا كما حرّمت مكة لتعرف العرب فضلنا! فهمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إن يعطيهم ذلك. فنزلت الآية. والرواية متهافتة أيضا. وقيل : إن قريشا خلوا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخّمونه ، ويسوّدونه ، ويقاربونه ، وطلبوا إليه أن يطرد عنهم السقّاط والموالى حتى يجلسوا معه ويسمعوا منه ، فهمّ بذلك حتى نهى عنه ، والرواية متهافتة.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً) (٧٦) : قيل : إن اليهود أتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : إن كنت نبيا فالحق بالشام ، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء ، قيل : فصدق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما قالوا (!!) ، فغزا غزوة تبوك يريد الشام ، فلما بلغ تبوك أنزل الله آيات من سورة الأسراء (سورة بنى إسرائيل) بعد ما ختمت السورة بالآية : (إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها) ، وأمره الله تعالى بالرجوع إلى المدينة ، وأسرّ إليه أن يقول كقوله تعالى : (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً) (٨٠) (الإسراء) ، فهذه الآيات نزلت فى رجعته من تبوك. والرواية كلها مرسلة وضعيفة!

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً) (٨٠) : قيل : الآية بمناسبة خروجه من مكة بالهجرة ودخولها يوم الفتح آمنا. قيل : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة ثم أمره بالهجرة فنزلت الآية والصحيح أن الآية عامة.

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً) (٨٣) : قيل : نزلت فى الوليد بن المغيرة ، والآية عامة.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٥) : قيل : بينما كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجلس وهو متكئ ، مرّت جماعة من

١١٦

قريش ، فقالوا لبعضهم البعض : اسألوه عن الروح؟ فسألوه : فأمسك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لبعض الوقت ولم يردّ عليهم ، فنزل عليه الوحى فقال : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ..) الآية. وقيل : الآية لذلك مدنية وهو هراء ، لأن قريشا يمكن أن تسأل أيضا عن الروح. وقيل : لما سمع اليهود الآية قالوا : كيف لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة وهى الحكمة ، ومن يؤتى الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا؟ هل عنيتنا أم قومك؟ فقال : «كلا» ، وفى هذا المعنى نزلت : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢٧) (لقمان). وقيل : إن السائلين عن الروح كانت قريش ، قالت لهم اليهود : سلوه عن أصحاب الكهف ، وعن ذى القرنين ، وعن الروح ، فإن أخبركم عن اثنين وأمسك عن واحدة فهو نبىّ ، فأخبرهم خبر أصحاب الكهف ، وخبر ذى القرنين ، وقال فى الروح (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ، أى من الأمر الذى لا يعلمه إلا الله.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (٨٨) : قيل : أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سلام بن مشكم فى عامة من يهود فقالوا له : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا؟ وهذا الذى جئت به لا نراه متناسقا مع كتابنا التوراة ، فأنزل علينا كتابا نعرفه ، وإلا جئناك بمثل ما تأتى به ، فأنزل الله (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ..) الآية.

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) (٩٠) : قيل : نزلت فى رؤساء قريش ، مثل : عتبة وشيبة ابني ربيعة ، وسفيان بن حرب ، والنضر بن الحارث ، وأبى جهل ، وعبد الله بن أبى أمية ، وأمية بن خلف ، وأبى البخترى ، والوليد بن المغيرة وغيرهم ، اجتمعوا بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقالوا : لن نؤمن لك حتى تسأل ربّك أن يسيّر عنا هذه الجبال التى قد ضيّقت علينا ، ويبسط لنا بلادنا ، وليخرق لنا فيها أنهارا كأنهار الشام ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث قصىّ بن كلاب ، فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول أحقّ هو أم باطل؟ وسله أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك ، واسأله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عمّا نراك تبتغى ، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش ، كما نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربّك إن كنت رسولا كما تزعم؟ فقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذى يسأل ربّه هذا ، وما بعثت بهذا إليكم ، ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا ، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة ، وإن تردّوه علىّ ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم». قالوا : فأسقط علينا كسفا كما زعمت أن ربّك إن شاء فعل ، فإنا لن نؤمن لك

١١٧

إلا أن تفعل؟ قال : «ذلك إلى الله عزوجل ، إن شاء يفعله بكم فعل». قالوا : لن نؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلّما ، ثم ترقى فيه وإنّا ننظر حتى تأتيها ، ثم تأتى معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول؟ وانصرف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ، ومما كان يطمع به من مساعدتهم إياه ، فأنزل الله تعالى الآية.

١٨ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) (٩٦) : قيل : إن كفّار قريش حين سمعوا قوله : (هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) (٩٣) (الإسراء) ، قالوا : فمن يشهد لك أنك رسول الله؟ فنزلت الآية.

١٩ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً) (١٠٧) : قيل : نزلت فى أصحاب العلم من كافة الأمم ، كانوا يسمعون للقرآن فيعرفون أنه من عند الله ، فيسجدون مسبّحين إكبارا وخشوعا لكلامه تعالى. وقوله «من قبله» أى من قبل نزول القرآن وبعثة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : المقصود بالآية مؤمنو أهل الكتاب ، أو المتعلمون عامة الذين يتوخّون الحق. وقيل : هم من ولد إسماعيل الذين تمسكوا بالحنيفية إلى أن بعث الله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٢٠ ـ وفى قوله تعالى : (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً) (١١٠) : قيل : تهجّد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة ، فقال فى دعائه : «يا رحمن يا رحيم» ، فسمعه رجل من المشركين ، وكان باليمامة رجل يسمى «الرحمن» ، فقال ذلك السامع : ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة؟! فنزلت الآية ، مبيّنة أن الله والرحمن اسمان لمسمى واحد ، فإن دعوناه بالله فهو ذلك ، وإن دعوناه بالرحمن فهو ذاك. وقيل : كانوا يكتبون فى صدر الكتب «باسمك اللهم» ، فنزلت : (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (٣٠) (النمل) ، فكتب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ، فقال المشركون : هذا الرحيم نعرفه ، فما الرحمن؟ فنزلت الآية. وقيل : إن اليهود قالت : ما لنا لا نسمع فى القرآن اسما هو فى التوراة كثير؟ يعنون الرحمن ، فنزلت الآية. وهذا الخبر غير صحيح ، لأن اسم الرحمن ينفرد به القرآن ، وليس فى أسفار موسى الخمسة وهى المعروفة باسم التوراة اسم الرحمن!!

٢١ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً) (١١٠) : قيل : كان الأعراب يجهرون بتشهّدهم فى الصلاة فنزلت الآية فى ذلك لإخفاء التشهّد.

١١٨

٢٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (١١١) : قيل : إن اليهود ادّعوا أنهم أبناء الله وأصفياؤه وأحبّاؤه. وقال النصارى : اتخذ الله ولدا. وقال مشركو العرب : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. وقال الصابئون والمجوس : لو لا أولياء الله لذلّ. فأنزل الله الآية.

* * *

١٠٣٠ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الكهف

١ ـ قيل : بعث كفّار مكة إلى أهل الكتاب ، يسألونهم ما يمتحنون به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالوا : سلوه عن رجل طوّاف فى الأرض؟ وعن فتية ما يدرى ما صنعوا؟ وعن الروح؟ فنزلت سورة الكهف. وقيل : إن قريشا بعثوا النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبى معيط ، إلى أحبار يهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء؟ فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا؟ فقال لهم أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبى مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ، ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارف الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ، ما هى؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبىّ ، وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل ، فاصنعوا فى أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط حتى قدما مكة على قريش ، فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، فقد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها ، فإن أخبركم عنها فهو نبىّ ، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل. فجاءوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقالوا له ما أمروا به. وانصرفوا عنه ، فمكث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه وحيا ، ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف أهل مكة ، وخاضوا فيه بما لا يحمد. وأحزن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مكث الوحى عنه ، وشقّ عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل بسورة أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه من أمر الفتية ، والرجل الطّواف ، والروح. وقال لجبريل : «لقد احتبست عنى يا جبريل حتى سؤت ظنا» ، فقال جبريل : (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (٦٤) (مريم).

١١٩

٢ ـ وفى قوله تعالى : (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (٦) : قيل : اجتمع عتبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب ، وأبو البخترى ، فى نفر من قريش ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه فيه ، وإنكارهم ما جاء به من النصيحة ، فأحزنه حزنا شديدا ، فأنزل الله (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ ..) الآية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) (٢٢) : قيل : نزلت لمّا اختلف النصارى واليهود فى عدد أهل الكهف ، فالنصارى من اليعاقبة من نجران ، قالوا : ثلاثة رابعهم كلبهم ؛ وقال النسطورية : خمسة سادسهم كلبهم ؛ وقال اليهود سبعة ثامنهم كلبهم ، والسبعة نهاية العدد عندهم ، كالعشرة عند العرب.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) (٢٤) : قيل : عاتب الله تعالى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم على قوله للكفّار حين سألوه عن الروح والفتية أصحاب الكهف وذى القرنين : «غدا أخبركم بجواب أسئلتكم» ، ولم يستثن فى ذلك ، فاحتبس الوحى عنه خمسة عشر يوما ، وقيل أربعين ليلة ، حتى شق عليه وأرجف الكفّار به ، فنزلت عليه الآية.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (٢٨) : قيل : نزلت فى أمية بن خلف الجمحى ، لأنه دعا النبىّ أن يتجرّد عن الفقراء ويتقرّب لصناديد أهل مكة ، فحذّره الله منه ومن نصيحته. وقيل : دخل عيينة بن حصن على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعنده سلمان ، فقال عيينة : إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وأدخلنا! فنزلت.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ..) (٢٨) : قيل : جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس ، فقالوا : يا رسول الله ، إنك لو جلست فى صدر المجلس ، ونحيّت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم ـ يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين ، وكان عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها. قال : جلسنا إليك ، وحادثناك ، وأخذنا عنك. فأنزل الله تعالى الآية.

١٢٠

فقام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يلتمسهم ، حتى إذا أصابهم فى مؤخرة المسجد يذكرون الله ، قال : «الحمد لله الذى لم يمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجال من أمتى ، معكم المحيا ، ومعكم الممات».

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً) (٣٢) : قيل : نزلت فى أخوين من أهل مكة مخزوميين ، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة زوج أم سلمة قبل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد. وقيل : نزلت فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأهل مكة. وقيل : هو مثل لجميع من آمن بالله وجميع من كفر. وقيل : هو مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وصهيب وأصحابهما ، شبّههم الله برجلين من بنى إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن ، والآخر كافر.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) (٤٥) : قيل : شبّه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر فى موضع ، وكذلك الدنيا لا تبقى على حال واحد ، ولأن الماء لا يبقى ويذهب ، وكذلك الدنيا تفنى ، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل ، وكذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها ، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا ، وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا ، فكذلك الدنيا ، الكفاف منها ينفع ، وفضولها يضر. وفى حديث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال له رجل : يا رسول الله ، إنى أريد أن أكون من الفائزين؟ قال : «ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد ، فإن القليل منها يكفى والكثير منها يطغى».

٩ ـ وفى قوله تعالى : (الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) (٤٦) : قيل : الآية ردّ على عيينة بن حصن وأمثاله لمّا افتخروا بالغنى والشرف ، فأخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولا يبقى ، كالهشيم حين تذروه الرياح ، وإنما يبقى ما كان زاد القبر وعدد الآخرة.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً) (٥١) : قيل : الآية ردّ على المشركين والملحدين والنصارى واليهود الذين قالوا : عزيز ابن الله ، والمسيح ابن الله ؛ وأهل الطبائع قالوا : إن المادة هكذا تتطور وتتخلق ولا تفنى ؛ وعلماء الفيزياء والكيمياء والفسيولوجيا قالوا إنّ الحاكم على الجميع هو

١٢١

القوانين ، وإن الحياة تخلق لنفسها وتفنن لنفسها.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) (٥٤) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث وجداله فى القرآن ، وقيل فى ابن خلف ؛ وقيل : نزلت فى كل كافر يجادل فى الله : (وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً) (٥٦) (الكهف).

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً) (٥٦) : قيل : هو قول أبى جهل فى الزبد والتمر ، قال : إنهما الزقّوم ، فتزقّموا ـ يسخر من شجرة الزقوم (الصافات ٦٢). وقيل : هو قولهم فى القرآن : هو سحر ، وأضغاث أحلام ، وأساطير الأولين.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً) (٥٧) : قيل : نزلت فى الردّ على القدرية ، غير أن مصطلح القدرية أو مذهبهم لم ينشأ فى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم!! فكيف تنزل الآية فى الردّ عليهم!!

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (١٠٩) : قيل : قالت اليهود لمّا قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم (ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٥) (الإسراء) ، قالوا : كيف وقد أوتينا التوراة؟ ومن أوتى التوراة فقد أوتى خيرا كثيرا؟ فنزلت الآية. وقيل : قالت اليهود : إنك أوتيت الحكمة ، ومن أوتى الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا ، ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح؟ فنزلت الآية ، تعنى أنه قد أوتى القرآن ، وأنهم قد أوتوا التوراة ، وإنما ذلك بالنسبة إلى كلمات الله تعالى قليل. وكلماته تعالى تعنى مواعظه وأحكامه.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (١١٠) : قيل : نزلت فى جندب بن زهير العامرى ، قال : يا رسول الله ، إنى أعمل العمل لله تعالى ، وأريد وجه الله تعالى ، إلا أنه إذا اطّلع عليه سرّنى؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب ، ولا يقبل ما شورك فيه» ، فنزلت الآية. وقيل : جاء رجل للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله ، إنى أتصدّق ، وأصل الرحم ، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى ، أفيذكر ذلك منى وأحمد عليه ، فيسرنى ذلك وأعجب به ، فسكت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يقل شيئا ، فأنزل الله الآية. وقيل : جاء رجل وقال : يا رسول الله ، إنى أحب الجهاد فى سبيل الله تعالى ،

١٢٢

وأحب أن يرى مكانى ، فنزلت هذه الآية.

* * *

١٠٣١ ـ فى أسباب نزول آيات سورة مريم

١ ـ فى قوله تعالى : (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (٦٤) : قيل : نزلت هذه الآية لمّا تأخر جبريل عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال له : «ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟!» فنزلت : (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ...) أخرجه البخارى. وقيل : احتبس جبريل عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذى القرنين والروح ، ولم يدر ما يجيبهم ، ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوه عنه ، فأبطأ عليه أربعين يوما ، وقيل اثنى عشرة ليلة ، وقيل خمسة عشر يوما ، وقيل ثلاثة عشر ، وقيل ثلاثة أيام ، وعاتبه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن أبطأ عليه ، فنزلت الآية ، ومعناها : أنه لا ينزل عليه إلا إذا أمره ربّه ، وهو الذى له الأمر من قبل ومن بعد ، وما كان الله ينسى موعده وإن تأخر الوحى.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) (٦٦) : قيل : نزلت فى أبىّ بن خلف ، حين أخذ عظاما بالية يفتّها بيده ويقول : زعم لكم محمد أنّا نبعث بعد ما نموت؟!

٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً) (٨٠) : قيل : نزلت فى العاص بن وائل السهمى مع خبّاب ، وكان لخبّاب دين عنده ، وأسلم خبّاب وظل عاصم على كفره ، فجاء خباب يستقضيه دينه ، فسوّف عاصم إلى أن قال استهزاء أنه سيدفع الدين يوم القيامة ، فأنزل الله هذه الآيات. وقيل : إن الآيات نزلت فى الوليد بن المغيرة ، والقول الأول أصحّ.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا) (٩٦) : قيل : الآية نزلت فى علىّ ، وهذا كلام الشيعة ، قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «قل يا علىّ ، اللهم اجعل لى عندك عهدا ، واجعل لى فى قلوب المؤمنين مودة» ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت فى عبد الرحمن بن عوف ، جعل الله له فى قلوب العباد مودة ، لا يلقاه مؤمن إلا وقّره ، ولا مشرك ولا منافق ، إلا عظّمه. والصحيح أن الآية عامة ، وفى الحديث : «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل : إنى قد أحببت فلانا فأحبّوه ، فينادى فى السماء ، ثم تنزل له المحبة فى أهل الأرض ، فذلك قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا). وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل : إنى أبغضت فلانا ، فينادى فى السماء ، ثم تنزل له البغضاء فى

١٢٣

الأرض» أخرجه الترمذى.

* * *

١٠٣٢ ـ فى أسباب نزول آيات سورة طه

١ ـ فى قوله تعالى : (طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (٢) : قيل : لمّا نزل الوحى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة ، اجتهد فى العبادة ، واشتدت عبادته فجعل يصل الليل كله زمانا ، حتى نزلت هذه الآية ، فأمره الله أن يخفف عن نفسه ، فيصلى وينام وينظّم وقته على هذا الأساس. وقيل : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول ما أنزل الوحى يقوم على قدميه يصلى ، فأنزلت الآية. وقيل : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يراوح بين قدميه ليقوم على كل رجل ، حتى نزلت الآية. وقيل : قال المشركون : لقد شقى الرجل بربّه (يقصدون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم) ، فأنزل الله الآية. وقيل : إن النضر بن الحارث قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنك شقى ، لأنك تركت دين آبائك ، فنزلت الآية. وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلى الليل حتى تورمت قدماه ، فقال له جبريل أبق على نفسك فإن لها عليك حقا ، فنزلت الآية.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (٨) : قيل : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا المشركين إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، فكبر ذلك عليهم ، فلما سمعه أبو جهل يذكر الرحمن ، قال للوليد ابن المغيرة : محمد ينهانا أن ندعو مع الله إلها آخر ، وهو يدعو الله والرحمن؟!! فأنزل الله هذه الآية ، ثم الآية الأخرى فى سورة الإسراء : (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً) (١١٠).

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) (١٠٥) : قيل : سألت قريش النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا محمد ، كيف يفعل ربّك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (١١٤) : يقول ابن عباس : كان عليه‌السلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحى حرصا على الحفظ ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان ، فنهاه الله عن ذلك وأنزل : (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ..) ، وهذا كقوله : (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) (١٦) (القيامة).

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (١١٤) : قيل : نزلت فى رجل لطم وجه امرأته فجاءت إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تطلب القصاص ، فجعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لها القصاص ، فنزلت : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) (٣٤) (النساء) ، ولهذا قال (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (١١٤)

١٢٤

أى فهما ، لأنه حكم بالقصاص وأبى الله ذلك.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) (١٣١) : قيل : إن نبىّ الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نزل به ضيف ، فأرسل أبا رافع مولاه إلى رجل من اليهود يقول له : نزل بنا ضيف ولم يلف عندنا بعض الذى يصلحه ، فبعنى كذا من الدقيق ، أو أسلفنى إلى هلال رجب. فقال اليهودى : لا ، إلا برهن. فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «والله إنى لأمين فى السماء ، أمين فى الأرض ، ولو أسلفنى أو باعنى لأديت إليه! اذهب بدرعى إليه». وقيل : نزلت الآية تعزية له عن الدنيا. ـ وهذا كله غير صحيح لأن السورة مكية ، واليهود كانوا فى المدينة! والقصة كما زيّفوها ، لها بقية ، فكما تقول الرواية أنها كانت فى آخر عمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لما قيل إنه توفى ودرعه مرهونة! وهذا كذب صراح ، فأين خراج خيبر وغيره وخمس الفيء؟ وأين أغنياء المسلمين ليعطوه بدلا من أن يرهن درعه ليهودى؟! وكيف يوجد أمثال هذا اليهودى فى المدينة بعد خيبر وغيرها وطرده لليهود من ديارهم؟!!

* * *

١٠٣٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الأنبياء

١ ـ فى قوله تعالى : (ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) (٦) : قيل : إن أهل مكة قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن كان ما تقول حقا ويسرك أن نؤمن ، فحوّل لنا الصفا ذهبا؟ فأتاه جبريل فقال : إن شئت كان الذى سألك قومك ، لكنهم إن كان لم يؤمنوا بآية من جنس ما هم أعلم الناس به ولا مجال للشبهة فيها ، فكيف يؤمنون بآية غيرها؟ ولو كانوا يؤمنون لأعطاهم ما سألوه ، لقوله عزوجل : (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (٢٣) (الأنفال ٢٣) فأنزل الله الآية.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) (١٧) : قيل : الآية ردّ على النصارى ، وعلى من قال إن الأصنام بنات الله ؛ والمعنى : لو أردنا أن نتخذ ولدا ـ حيث اللهو هو الولد ـ على طريق التبنّى ، لاتخذناه من عندنا ، أى من الملائكة وإذن ما كان لله أن يخلق جنة ولا نارا ، ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) (٢٦) : قيل : نزلت فى خزاعة ، قالوا : الملائكة بنات الله ، وعبدوا الملائكة طمعا فى شفاعتهم ، فردّ عليهم ربّهم : (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) أى ليس كما يزعم هؤلاء ، فلم نتخذهم ولدا بل عبادا

١٢٥

مكرمين. والولد للجمع ، قد يكون للواحد وللجمع ويجوز أن يكون للجنس.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) (٣٥) : قيل : نعيت إلى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفسه ، فقال : «يا ربّ ، فمن لأمتى؟» فنزلت الآية!! والقصة ملفقة ، والسؤال متهافت ، وينسب إلى الخضر أنه بشر وله الخلد ، وكذلك ينسب إلى المسيح أنه حيىّ بجسمه ونفسه ، والآية تنفى ذلك ، وفى الرواية أن الخضر جاء إلى بيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين وفاته ، وقال لآله : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) ، وأصحاب أسطورتى الخضر والمسيح أولى بالآية من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنها تنفى إطلاقا إمكان الخلود لأى إنسان ، ومن ذلك الخضر وعيسى ، والأولى من سياق الآية أن يكون المشركون قد سمعوا بمرض النبىّ فعجبوا ساخرين أن يموت؟ فنزلت الآية : (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) استفهام إنكار ، فإن مات محمد فهم كذلك سيموتون ، ويوما لك ويوما عليك ، ولا شماتة فى الموت ، ونزول الآية لذلك ردّ على المشركين بمناسبة مرض ألمّ بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان كثير المرض.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) (٣٦) : قيل : مرّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أبى سفيان وأبى جهل وهما يتحدثان ، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبى سفيان. هذا نبىّ بنى عبد مناف! فغضب أبو سفيان وقال : ما تنكر أن يكون لبنى عبد مناف نبىّ؟ فرجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أبى جهل وقال له : «ما أراك منتهيا حتى يصيبك ما أصاب عمّك الوليد بن المغيرة» ، فنزلت الآية. ولكننا نلاحظ أن السورة مكية ، بينما كان هلاك الوليد بن المغيرة بعد هجرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بثلاثة أشهر ، ودفن بالحجون ، فكيف ينذره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشيء لم يكن قد وقع بعد؟!

٦ ـ وفى قوله تعالى : (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) (٣٧) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث وكان يستعجل العذاب ، والصحيح أن القضية التى تعرضها الآية عامة ومن الأقوال المأثورة.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) (١٠١) : قيل : قالت قريش إن محمدا يتلو : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) (٩٨) (الأنبياء). قالوا : والمسيح تعبده النصارى ، واليهود تعبد عزيزا ، أو يعبدون أنفسهم ، أفهما من حصب جهنم؟ وحصب جهنم يعنى حطب جهنم ، فكل ما تلقيه فى

١٢٦

النار لتزداد اشتعالا فإنك تحصبها به. فلما قالوا ذلك نزلت الآية : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) (١٠١) (الأنبياء) ، أى ليس من حطب جهنم المسيح ولا عزيز ، لأنهما سبقت لهما من الله الحسنى. ولو تأملوا الآية (وَما تَعْبُدُونَ) إنما تقال «ما» لمن لا يعقل ، والمقصود بها إذن الأصنام ، ولم يرد الله تعالى فى الآيتين المسيح ولا عزيز وإلا كان يقول : «ومن تعبدون» حيث «من» للعاقل.

* * *

١٠٣٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الحج

١ ـ فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) (١) : قيل : نزلت على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو فى مسير له ، فرفع بها صوته حتى آب إليه أصحابه ، فقال : «أتدرون أى يوم هذا؟ هذا يوم يقول الله عزوجل لآدم : يا آدم قم فابعث بعث أهل النار ، ومن كل ألف : تسعمائة تسعة وتسعون ، إلى النار ، وواحد فى الجنة» ، فكبر ذلك على المسلمين ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «سدّوا وقاربوا وأبشروا ، فو الذى نفسى بيده ما أنتم فى الناس إلا كالشامة فى جنب البعير ، أو كالرّقمة فى ذراع الحمار».

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ) (٣) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث ، قال إن الله تعالى غير قادر على إحياء من قد بلى وعاد ترابا.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) (٨) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث ، وقيل : فى أبى جهل بن هشام ، والجمهور على أنها نزلت فى النضر بن الحارث ، تكرر ما جاء بالآية : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ) (٣) (الحج) للمبالغة فى الذّم ، وقيل : إنه فى النضر نزلت بضع عشرة آية ، وفى هذه الآية إنكار للنبوة ، كما فى الآية السابقة إنكار للبعث وأنه تعالى قادر على إحياء من قد بلى وعاد ترابا.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) (١١) : قيل : كان الرجل يقدم المدينة فيسلم ، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله ، قال هذا دين صالح ؛ وإن لم تلد امرأته ولدا ذكرا ، ولم تنج خيله ، قال هذا دين سوء ، فأنزل الله الآية. وقيل : أسلم يهودى فذهب بصره وولده فتشاءم بالإسلام ، وقال : لم أصب من دينى هذا خيرا ... ذهب بصرى ومالى ومات ولدى. فنزلت الآية. وقيل : نزلت فى أعراب كانوا يقدمون على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيسلمون ، فإن نالوا رخاء أقاموا ، وإن نالتهم شدّة ارتدّوا. وقيل : نزلت

١٢٧

فى النضر بن الحارث ، أو فى شيبة بن ربيعة ، أو فى المنافقين.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) (٢١) : قيل : الآية نزلت فى الذين بارزوا يوم بدر : حمزة ، وعلىّ ، وعبيدة بن الحارث عن المؤمنين ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة عن الكافرين ، فهذان هما الخصمان. وقيل : هما ثلاثة نفر من المؤمنين ، وثلاثة نفر من الكافرين. وقيل : هم أهل الكتاب اختصموا والمؤمنين ، وكلّ يقول إنه على الحق ، فأنزلت هذه الآيات فيهم. وقيل : الآيات نزلت فى المؤمنين والكفّار يوم بدر. وقيل : أحد الخصمين المؤمنون ، والآخر اليهود والنصارى ، اختصموا فى دين ربّهم. والصحيح أن الآيات نزلت فى حمزة وعلىّ وعبيدة بن الحارث من ناحية ، وعتبة وشيبة ابني ربيعة ، والوليد بن عتبة من ناحية أخرى.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) (٢٥) : قيل : بعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد الله بن أنيس مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار ، فافتخروا فى الأنساب ، فغضب عبد الله فقتل الأنصارى ، ثم ارتد عن الإسلام ، وهرب إلى مكة ، فنزلت فيه الآية.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (٣٧) : قيل : كان أهل الجاهلية يضرّجون البيت الحرام بدماء ما يضحّون من البدن ، فأراد المسلمون تقليدهم ، فنزلت الآية تنهى عن ذلك. والمعنى أن الله تعالى لا يتقبّل لحمها ولا دماءها ، وإنما ما يصل إليه منها هو تقواهم بالتضحية بها ، أى ما أريد به وجهه فذلك الذى يقبله ويرفع إليه ويثيب عليه ، والأعمال بالنيّات.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (٣٨) : قيل : نزلت الآية بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار ، وهاجر من هاجر إلى الحبشة ، فأراد بعض مؤمنى مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ، ويغتال ويغدر ويحتال ، فنزلت هذه الآية.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (٣٩) : قيل : هذه أول آية فى القتال ، واسمها آية القتال ، وسبب نزولها أن الكفار لمّا آذوا المسلمين بمكة ، استأذن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ربّه أن يقاتلهم ، فأنزل الله (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (٣٨) (الحج ٣٨) ، فلما هاجر نزلت : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ) الآية.

وقيل : كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلا يزالون يجيئون من

١٢٨

مضروب ومشجوج ، فشكوهم إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال لهم : «اصبروا فإنى لم أؤمر بالقتال» حتى هاجر فأنزل الله هذه الآية.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (٤٦) : قيل : نزلت فى ابن أم مكتوم الأعمى ، وقيل : لمّا نزل (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) (٧٢) (الإسراء) ، قال ابن أم مكتوم : يا رسول الله ، فأنا فى الدنيا أعمى ، أفأكون فى الأخرى أعمى؟ فنزلت الآية.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (٤٧) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث ، وهو قوله : (قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٧٠) (الأعراف). وقيل نزلت فى أبى جهل بن هشام ، وهو قوله : (وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣٢) (الأنفال). وننبّه إلى أن أبا جهل قتل فى بدر الكبرى سنة ٢ ه‍ ، بينما سورة الحج مدنية وترتيبها فى التنزيل ١٧ ، يعنى بعد بدر ، فإما أن الآية رد على ما كان قد قاله أبو جهل ، وإما أن من قال أنها نزلت فى أبى جهل قد أخطأ.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٥٢) : قيل : قرأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة : (وَالنَّجْمِ) ، فلما بلغ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) (٢٠) ألقى الشيطان على لسانه : «تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى» ، فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا ، فنزلت الآية. وهذا كلام ضعيف لا سند له من واقع ، ولا معنى له فى السياق ، لأن الحديث فى السورة كان توبيخا للكفار أنهم اختاروا آلهتهم إناثا ، وجعلوا الملائكة إناثا وقالوا عنهم بنات الله ، فكيف تأتى الإضافة ثناء على آلهتهم بعد توبيخ؟! وقيل : إن جبريل أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى اليوم التالى ولامه على ما قال ، وكأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بوسعه أن يقول شيئا من عنده؟ أو أن الشيطان بوسعه أن يجعله يقول شيئا لا يريده ، وهو المعصوم من الشيطان ، وإلا ما استطاع أن يبلّغ رسالة ربّه. وفى الآية أن الشيطان يلقى أمنيته ، والله تعالى يدفعها عن نبيّه وأوليائه فلا تؤثّر فيهم.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (٥٨) : قيل : سبب نزول هذه الآية أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد ، قال بعض الناس : من قتل فى سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه ، فنزلت هذه الآية تسوّى بينهم ، وأن الله يرزقهم جميعا رزقا حسنا.

١٢٩

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (٦٠) : قيل : نزلت فى قوم من مشركى مكة لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم ، فقالوا : إن أصحاب محمد يكرهون القتال فى الشهر الحرام فحملوا عليهم. فناشدهم المسلمون ألا يقاتلونهم فى الشهر الحرام ، فأبى المشركون إلا القتال ، فحملوا عليهم ، فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين. وحصل فى أنفس المسلمين من القتال فى الشهر الحرام شىء ، فنزلت هذه الآية. وقيل : نزلت فى قوم من المشركين مثّلوا بقوم من المسلمين ، قتلوهم يوم أحد ، فعاقبهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمثله.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ) (٦٦) : قيل : نزلت فى الأسود بن عبد الأسد ، وأبى جهل بن هشام ، والعاص بن هشام ، وجماعة من المشركين. وقيل : إنما قال ذلك لأن الغالب على الإنسان كفر النعم ، كقوله تعالى : (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) (١٣) (سبأ).

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (٧٦) : قيل : إن الوليد بن المغيرة ، قال : أو أنزل عليه الذكر من بيننا؟! فنزلت الآية.

* * *

١٠٣٥ ـ فى أسباب نزول آيات سورة المؤمنون

١ ـ فى قوله تعالى : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) (٢) : قيل : قال أبو هريرة : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا صلى رفع بصره إلى السماء ، فنزلت الآية فطأطأ رأسه. وقيل كان يلتفت فى الصلاة ، وقيل : كان يقلّب بصره ، فنزلت. وقيل : كان الصحابة يرفعون أبصارهم إلى السماء فى الصلاة فنزلت.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) (١٤) : قيل : عن عمر ابن الخطاب : أنه لما سمع صدر الآية : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ..) (المؤمنون) قال : «فتبارك الله أحسن الخالقين» فنزلت ، وقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هكذا أنزلت. وفى رواية أخرى قال عمر : ونزلت : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ...) الآية ، فلما نزلت قلت أنا : (فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) (١٤) ، فنزلت. وقيل : إن قائل ذلك هو عبد الله بن أبى سرح ، ولهذا السبب ارتد ، وقال آتى بمثل ما يأتى محمد. وفيه نزل : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ ...) (٩٣) (الأنعام). والصحيح أنه لا عمر ولا ابن أبى السرح قال ذلك.

١٣٠

٣ ـ وفى قوله تعالى : (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ) (٦٧) : قيل : كانت العرب تجلس للسمر حول البيت ولا تطوف به ، ويتحدثون فى الأباطيل والكفر ، فعابهم الله بذلك. وأنزلت الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (٧٥) : قيل : لما حال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين مكة وبين الحنطة تأتيهم من اليمن ، وأخذ الله قريشا بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز ـ وهو الصوف والوبر يبلّونه فى الدم ثم يشوونه ويأكلونه ـ فجاءه أبو سفيان ينشده الله والرحم. ويقول : ألست تزعم أن الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال : «بلى» ، قال : فو الله ما أراك إلا قتلت الآباء بالسيف ، وقتلت الأبناء بالجوع ، فنزلت الآية.

* * *

١٠٣٦ ـ فى أسباب نزول آيات سورة النور

١ ـ فى قوله تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (٣) : قيل : الآية مخصوصة فى رجل من المسلمين اسمه مرثد بن أبى مرثد ، وكان بمكة بغى يقال لها «عناق» ، وكانت صديقته ، فسأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم :

هل يجوز له أن يتزوج عناقا؟ فسكت عنه فنزلت الآية ، فدعاه فقرأها عليه وأمره أن لا ينكحها. وقيل : الآية مخصوصة فى رجل من المسلمين استأذن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يتزوج امرأة يقال لها أم مهزول ، وكانت من بقايا الزانيات ، وشرطت أن تنفق عليه من مهنتها ، فأنزل الله هذه الآية. وقيل : نزلت فى أهل الصفة ، وكانوا من المهاجرين وليست لهم فى المدينة مساكن ولا عشائر ، فنزلوا صفّة مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانوا أربعمائة ، يلتمسون الرزق بالنهار ، ويأوون إلى الصفّة بالليل. وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور لهن مساكن ورزق كثير ، فهمّ أهل الصفة أن يتزوجهن ، فنزلت الآية صيانة لأهل الصفة.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٤) : قيل : نزلت بسبب حديث الإفك فى عائشة أم المؤمنين.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٩) : قيل : سبب نزول الآية : أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشريك بن سحماء ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «البيّنة أو حدّ فى ظهرك» قال

١٣١

يا رسول الله ، إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته يلتمس البيّنة؟! فنزلت الآية. وقيل : إن الذى انتقد شرط الشهود الأربعة فى الزنا سعد بن عبادة ، وقال : يا رسول الله ، إن وجدت مع امرأتى رجلا أمهله حتى آتى بأربعة؟! ثم جاء من بعد ذلك هلال بن أمية الواقفى فرمى زوجته بشريك بن سحماء ، فنزلت الآية ، فجمعهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المسجد وتلاعنا. وجاء أيضا عويمر العجلانى فرمى امرأته ولاعن. والمشهور أن حادثة هلال بن أمية هى سبب نزول الآية. وقيل : إن القاذف هو عويمر بن زيد بن الجدّ بن العجلانى ، رمى امرأته بشريك بن السحماء. وقيل : إن هلال بن أمية كانت امرأته خولة بنت عاصم بن عدى ، وقيل خولة بنت قيس ، وكانت القصة فى شعبان سنة تسع من الهجرة ، منصرف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من تبوك إلى المدينة. وقيل : الصحيح أن الذى لا عن هو عويمر العجلانى وكان قد اتهم امرأته بابن السحماء.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١١) : قيل : سبب نزول الآية ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل فى قصة عائشة أم المؤمنين ، وهو خبر صحيح مشهور ، وشهرته تغنى عن ذكره ، وخلاصته أن عائشة ذهبت إلى الغائط فى عودة المسلمين من غزوة المريسيع ففقدت عقدها ، فتركت ناقتها تبحث عنه ، وعادت فوجدت الركب قد ارتحل ، فجلست فى مكانها ، فجاء صفوان بن المعطل وكان عمله حفظ الساقة فى مؤخرة الجيش ، فأعانها على ركوب ناقته ، وقادها إلى المدينة ، فرآها عبد الله بن أبىّ بن سلول رأس المنافقين ، فأشاع الشائعات عن عائشة وابن المعطل ، وقال : امرأة نبيّكم باتت مع رجل! وروى ذلك ثلاثة ، لا ندرى من هم رغم كثرة الروايات ، فلم يثبت أن أيا منهم حدّ كما قيل ، وهم : حسّان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ، وقال بعضهم الذى تولى كبره علىّ بن أبى طالب ، وأنه كان فيمن قذف عائشة. وانتقلت عائشة إلى بيت أبيها إلى أن نزل فيها القرآن وبرّأها الله من سابع سماوات.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٢) : قيل : هذه الآية نزلت فى قصة أبى بكر ومسطح بن أثاثة ، وذلك أنه كان ابن بنت خالته ، وكان من المهاجرين البدريين المساكين ، وهو مسطح بن أثاثة بن عبّاد ابن المطلب بن عبد مناف ، وقيل اسمه عوف ، ومسطح لقبه ، وكان أبو بكر ينفق عليه لمسكنته وقرابته ، فلما كان الإفك وقال فيه مسطح ما قال ، حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه أبدا ، وجاء مسطح واعتذر ، وقال : إنما كنت أغشى مجالس حسّان فأسمع ولا أقول. فقال له أبو بكر

١٣٢

لقد كنت تجلس معهم وتسمع لهم وتضحك لما يقولون وتنقل ما قالوا ، ونفّذ أبو بكر يمينه ، فنزلت الآية ، فردّ أبو بكر لمسطح النفقة ، وقال : لا أنزعها عنه أبدا. والآية فى أبى بكر وفى كل المسلمين ، فلا يحلف ذو فضل وسعة على أن يمنع فضله عن الناس.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (٢٣) : قيل : نزلت فى عائشة ، إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه الصفة. وقالت عائشة : رميت بما رميت وأنا غافلة ، فبلغنى بعد ذلك ؛ فبينما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عندى ، إذ أوحى إليه ، ثم استوى جالسا فمسح وجهه وقال : «يا عائشة ، أبشرى» فقلت : بحمد الله لا بحمدك ، فقرأ الآية.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (٢٦) : قيل : نزلت فى عائشة حين رميت بالبهتان والفرية ، فبرّأها الله من ذلك. وقيل : لما خاض الناس فى أمر عائشة أرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إليها فقال : «يا عائشة ، ما يقول الناس؟» فقالت : لا أعتذر بشيء حتى ينزل عذرى من السماء. فأنزل الله فيها خمس عشرة آية من سورة النور ، حتى قوله تعالى : (الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ...) الآية.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (٢٧) : قيل : سبب نزول هذه الآية أن امرأة من الأنصار جاءت تشكو إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنها تكون فى بيتها فى حال لا تحب أن يراها عليها أحد ، لا والد ولا ولد ، فيأتى الأب فيدخل عليها ، ولا يزال يدخل عليها رجل من أهلها وهى على هذه الحال ، فكيف تصنع؟ فنزلت الآية.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ) (٢٩) : قيل : لما نزلت آية الاستئذان فى البيوت : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (٢٧) (النور) ، قال أبو بكر : يا رسول الله ، فكيف بتجّار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة والشام ، ولهم بيوت معلومة على الطريق ، فكيف يستأذنون ويسلّمون ، وليس فيها سكان؟ فنزلت : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ...) والبيوت غير المسكونة هى المشتركة التى لا يسكنها أحد ويأوى اليها المسافرون وابن السبيل ، وتعادل هذه الأيام بيوت الشباب ، أو الموتيلات ، أو الفنادق ، أو المراحيض على الطريق ، والمتاع الذى لهم فيها هو المنفعة التى يرجون بدخولها.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا

١٣٣

يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ..) (٣١) : قيل : إن أسماء بنت مرثد كانت فى نخل لها ، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزّرات ، فيبدو ما فى أرجلهن من الخلاخل ، وتبدو صدورهن وذوائبهن ، فقالت أسماء : ما أقبح هذا! فأنزل الله فى ذلك : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ...) الآية.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ..) (٣١) : قيل : إن امرأة حضر مية اتخذت صرّتين من فضة وجزعا (أى خرزا) ، فمرت على قوم فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فكان له صوت ، فأنزل الله الآية. والصحيح أن المرأة غالبا تضح خلخالين فوق بعضهما ، فإذا ضربت بقدمها كان لارتطام الخلخالين ببعضهما صوت.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ ..) (٣٣) : قيل : نزلت فى غلام لحويطب بن عبد العزّى ، يقال له صبح ، أو صبيح ، طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى ، فأنزل الله هذه الآية ، فكاتبه حويطب على مائة دينار ، ووهب له منها عشرين دينارا ، فأدّاها. وقيل : هو صبح القبطى غلام حاطب بن أبى بلتعة ، وقيل : قتل فى الحرب فى حنين. ومعنى المكاتبة فى الشرع : هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤدّيه على أقساط ، فإذا أدّاه فهو حر.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (... وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٣) : قيل : روى أن هذه الآية نزلت فى عبد الله بن أبىّ ، وكانت له جاريتان ، إحداهما تسمى معاذة ، والأخرى مسيكة ، وكان يكرههما على الزنا ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد ، فشكتا ذلك إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين. ومعاذة هذه هى أم خولة التى جادلت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فى زوجها. وقيل اسمها أميمة. والتحصّن الذى أرادتاه هو أن لا تفعل أيهما البغاء وأن تجد فرصتها فى الزواج والاستقرار وتكون لها عائلة. وقيل أنهما لما نزل تحريم البغاء أقسمتا أن لا يزنيا أبدا فنزلت الآية.

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ) (٣٩) : قيل : نزلت

١٣٤

الآية فى شيبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وكان يترهب متلمسا للدين ، فلما أعلن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الدعوة لم يؤمن به وأبدى كفره.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) (٤٠) : قيل : نزلت فى عتبة بن ربيعة ، وكان يتدين فى الجاهلية ويلبس المسوح ، ثم كفر فى الإسلام. وقيل : نزلت فى شيبة بن ربيعة وكان يترهب فى الجاهلية وكفر فى الإسلام

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) (٤٩) : قيل : إن رجلا من المنافقين اسمه بشر ، كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة فى أرض ، فدعاه اليهودى إلى التحاكم عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان المنافق مبطلا ، فأبى ذلك وقال : إن محمدا يحيف علينا ، فلنحكّم كعب بن الأشرف ، فنزلت الآية فيه. وقيل : نزلت فى المغيرة بن وائل من بنى أمية ، وكانت بينه وبين علىّ بن أبى طالب خصومة فى ماء وأرض ، فامتنع المغيرة أن يحاكم عليا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : إنه يبغضنى ، فنزلت الآية.

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) (٥٣) : قيل : إن الكافرين أتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا وأموالنا لخرجنا ، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا ، فنزلت هذه الآية.

١٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٥٥) : قيل : إن سبب هذه الآية أن بعض أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم شكا جهد مكافحة العدو ، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم ، وأنهم لا يضعون أسلحتهم ، فنزلت الآية. وقيل : مكث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة عشر سنين بعد ما أوحى إليه خائفا وهو أصحابه ، يدعون إلى الله سرّا وجهرا ، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة ، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون فى السلاح ، فقال رجل : يا رسول الله ، أما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم فى الملأ العظيم محييا ليس عليه حديدة» ، يعنى يجلسون فى حرية وبلا خوف ولا سلاح ، ونزلت هذه الآية. وقيل : لمّا قدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه المدينة وآواهم الأنصار ، رمتهم العرب عن قوس واحدة ، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ، ولا يصبحون إلا فيه ، فقالوا : ترون أنّا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين ، لا نخاف إلا الله ، فنزلت الآية وقال البراء : فينا نزلت هذه الآية ونحن فى خوف شديد.

١٣٥

١٩ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٥٨) : قيل : نزلت فى أسماء بنت مرثد ، دخل عليها غلام لها كبير ، فاشتكت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت عليه الآية. وقيل نزلت الآية لما كان الناس لا غلق لهم ولا أبواب ، ولا لبيوتهم ستور ولا حجال (ستور بالثياب) ، فربما دخل الخادم أو الولد أو البنت ، والزوج مع زوجته فى الفراش ، فأمرهم بالاستئذان فى تلك العورات.

٢٠ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ ...) (٦١) : قيل : كان الرجل فى زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا استضاف أعمى أو أعرج أو مريضا ، فقد يذهب به إلى بيت أبيه ، أو أخيه ، أو أخته ، أو عمّته ، أو خالته ، فكان المرضى يتحرّجون من ذلك ويقولون : إنهم يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم. وقيل : كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لا يخالطهم فى طعامهم أعمى ، ولا مريض ، ولا أعرج ، لأن الأعمى لا يبصر طيب الطعام ، والمريض لا يستوفى كما يستوفى الصحيح ، والأعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام ، فنزلت الآية ترخّص بمؤاكلتهم. وقيل : كانوا يتقون أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج ، فنزلت الآية. وسألوا : ما بال الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هنا؟ وقيل : إن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا أبناءهم ، وكانوا يدفعون إليهم مفاتح أبوابهم ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما فى بيوتنا ، وكانوا يتحرّجون من ذلك ويقولون : لا ندخلها وهم غيّب ، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم.

٢١ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٦١) : قيل : نزلت فى بنى ليث بن بكر ، وهم حىّ من بنى كنانة ، وكان الرجل منهم لا يأكل وحده ، ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله. وكانت هذه السيرة موروثة عندهم ـ قيل عن النبىّ إبراهيم ، فإنه كان لا يأكل وحده. وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه ، فنزلت الآية مبينة سنة الأكل ، تبيح أكل المنفرد الذى كان محرّما عند العرب ، وتوافقهم على أكل الجماعة ، يعنى إن الأكل جميعا أو أشتاتا مباح ،

١٣٦

وصار المسلم يأكل فى الجماعات التى تدعى إلى الطعام ، وفى الإملاق فى السفر ، وعند القريب والصديق ، ووحده ، أو يشارك الآخرين فى نفقة الطعام ، وسمى ذلك النّهد ، وهو استقسام النفقة بالسوية ، ويقولون : هات نهدك يعنى نصيبك من تكاليف الطعام. وقيل : كان المسلمون يرغبون فى النفر مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيدفعون مفاتحهم إلى زمناهم ويقولون لهم : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما أحببتم. وكانوا يقولون : إنه لا يحل لنا أنهم أذنوا عن غير طيب نفس ، فأنزل الله (.. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) إلى قوله (.. أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ..). وقيل : نزلت الآية فى حىّ من العرب ، كان الرجل منهم لا يأكل طعامه وحده ، وكان يحمله بعض يوم حتى يجد من يأكله معه. وقيل : كان الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل الضيف معهم ، فنزلت الآية رخصة لهم. وقيل : كان العرب ومن بالمدينة قبل المبعث يتجنبون الأكل من أهل الأعذار ، فبعضهم كان يفعل ذلك تقذّرا لجولان اليد من الأعمى ، ولانبساط الجلسة من الأعرج ، ولرائحة المريض وعلّاته ، وهى أخلاق جاهلية ، فنزلت الآية مؤذنة. وبعضهم كان يفعل ذلك تحرّجا من غير أهل الأعذار ، إذ هم مقصّرون عن درجة الأصحاء فى الأكل ، لعدم الرؤية فى الأعمى ، وللعجز عن المزاحمة فى الأعرج ، ولضعف المريض ، فنزلت الآى فى إباحة الأكل معهم. وقيل : إن أهل الأعذار تحرّجوا فى الأكل مع الناس من أجل عذرهم ، فنزلت الآية مبيحة لهم. وقيل : كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئا ذهب به بيوت قرابته ، فتحرّج أهل الأعذار من ذلك ، فنزلت الآية.

٢٢ ـ وفى قوله تعالى : (.. أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ..) (٦١) : قيل : نزلت هذه الآية فى الحارث بن عمرو ، خرج مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم غازيا ، وخلف مالك بن يزيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهودا ، فسأله عن حاله فقال : تحرّجت أن آكل من طعامك بغير إذنك. فأنزل الله تعالى هذه الآية.

٢٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٦٢) : قيل : نزلت فى حفر الخندق حين جاءت قريش وقائدها أبو سفيان ، وغطفان وقائدها عيينة بن حصن ، فضرب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الخندق على المدينة فى شوال سنة خمس هجرية ، فكان المنافقون يتسللون لواذا من العمل ويعتذرون بأعذار كاذبة. وقيل : نزلت فى عمر بن الخطاب ، استأذن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى غزوة تبوك فى الرجعة ، فأذن له ، وقال : «انطلق فو الله ما أنت بمنافق» ، يريد بذلك أن يسمع المنافقين ، وقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا أبا حفص ، لا تنسنا

١٣٧

فى صالح دعائك». وقيل : لمّا أقبلت قريش عام الأحزاب ، نزلوا بمجمع الأسيال من رومة بئر بالمدينة ، قائدها أبو سفيان ، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بنقمى إلى جانب أحد ، وجاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الخبر ، فضرب الخندق على المدينة ، وعمل المسلمون فيه ، وأبطأ رجال من المنافقين ، وجعلوا يأتون بالضعيف من العمل فيتسللون إلى أهليهم بغير علم ولا إذن من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التى لا بدّ منها ، يذكر ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويستأذنه فى اللحوق لحاجته ، فيأذن له. وإذا قضى حاجته رجع ، فأنزل الله فى أولئك المؤمنين : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ..) (٦٢) إلى قوله (.. وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٦٤).

٢٤ ـ وفى قوله تعالى : (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ...) : قيل : كانوا يقولون : يا محمد ، يا أبا القاسم ، فأنزل الله الآية فصحّحوا أنفسهم ، وقالوا : يا نبىّ الله ، يا رسول الله.

٢٥ ـ وفى قوله تعالى : (... قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٦٣) : قيل : نزلت فى المنافقين كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين ، أى يلون بعضهم ببعض ، يستترون من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى لا يراهم يخرجون من المسجد ، ولم يكن عليهم أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة ، وهذا من الناحية النفسية ، وكان هناك دافع مادى لذلك أيضا كما فى الآية : (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (١١) (الجمعة). وقيل : كانوا يتسللون فى الجهاد رجوعا عنه يلوذ بعضهم ببعض.

* * *

١٠٣٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الفرقان

١ ـ فى قوله تعالى : (وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ...) (٧) : قيل : قال هذا الكلام عتبة بن ربيعة ، وكانوا قد عقدوا مجلسا كلموا فيه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صراحة يرشونه ، قالوا : يا محمد ، إن كنت تحب الرئاسة وليّناك علينا ، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا؟ فلما رفض ، قالوا له يحتجون معه : ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام ، وتمشى فى الأسواق؟! فعيّروه بأكل الطعام لأن الرسول فى رأيهم ينبغى أن يكون ملكا ، وعيّروه بالمشى فى الأسواق ، مقارنة بالأكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق. وقالوا فيه : إنه فيما يبدو يريد أن يتملك علينا ، فما له يخالف سيرة الملوك؟ فهذا هو مضمون الآية ، فأنزل الله الردّ على نبيّه يبلّغهم به ، قال : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ) (الفرقان ٢٠).

١٣٨

٢ ـ وفى قوله تعالى : (تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً) (١٠) : قيل : إنهم قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ومفاتيحها ، ولم يعط ذلك أحد من قبلك ، ولا يعطاه أحد بعدك ، وليس ذلك بناقصك فى الآخرة شيئا ، وإن شئت جمعنا لك ذلك فى الآخرة. فأنزل الله تعالى الآية : (تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ) (١٠). وقيل : فى ذلك رواية من الأدب الشعبى الدينى الإسلامى مجرد رواية أو حكاية : أن رضوان خازن الجنة جاء يسلّم هذا الردّ إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويعرض عليه مفاتيح خزائن الجنة ، وكان ذلك بحضور جبريل ، وأجاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا حاجة لى فيها فالفقر أحبّ إلىّ ، وأن أكون عبدا صابرا شكورا. فقال رضوان : أصبت! وواضح أن الحكاية من وضع الصوفية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً) (٢٠) : قيل : نزلت جوابا للمشركين حيث قالوا : (ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ) (الفرقان ٧). وقيل : لمّا نزلت الآية : (ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ) حزن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لذلك ، فنزلت الآية تعزية له.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) (٢٠) : قيل : نزلت فى أبى جهل بن هشام ، والوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، وعقبة بن معيط ، وعتبة بن ربيعة ، والنضر بن الحارث ، حين رأوا أبا ذر ، وعبد الله بن مسعود ، وعمارا ، وبلالا ، وصهيبا ، وعامر بن مهيرة ، وسالما مولى أبى حذيفة ، ومهجعا مولى عمر بن الخطاب ، وجبرا مولى الحضرمى ، وذويهم ، فقالوا على سبيل الاستهزاء : أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟ فأنزل الله تعالى الآية. يخاطب فيها هؤلاء ويحثّهم على الصبر.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً) (٢٧) : قيل : كان عقبة بن معيط يحضر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيزجره أمية بن أبى خلف ، وعقبة هو الظالم فى الآية ، وقتله علىّ بن أبى طالب وكان من الأسارى يوم بدر ، فقتله دونهم بكفره وعتوه ، وكذلك قتل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمية! وهو غير صحيح! فعقبة قد همّ بالإسلام ، فمنعه منه ابن خلف ، وكانا خليلين ، فقتل عقبة يوم بدر صبرا ، وقتل ابن خلف فى المبارزة يوم أحد. وقيل : إن عقبة أو لم وليمة ودعا إليها قريشا ، ودعا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأبى إلا أن يسلم ، فنطق الشهادتين ، فغضب عليه ابن خلف وهدده بالمقاطعة ، فارتد عقبة وتصرف بسوء أدب مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. قيل بصق فى وجهه!! وهو قول ضعيف لا يستقيم والحقيقة ، فلو كان قد فعل ذلك لأذاقه المسلمون الويل والثبور ، ولكانت فتنة ، وما كان يجرؤ أن

١٣٩

يفعل ذلك ، وإذن لأبيح قتله فى وقتها! فنزلت الآية وفيها ندمه ، أنه لم يستمر مسلما ومن جماعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولأنهما قتلا بعد أن ذكر القرآن ذلك ، فإنه دليل على صدق القرآن ، وأنه ينزل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الله علّام الغيوب ، لأن القرآن أخبر بقتلهما مستقبلا وهما على الكفر وقد حدث.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) (٣٢) : قيل : قال ذلك كفار قريش لما رأوا القرآن يتنزّل مفرّقا ، فقالوا : هلّا أنزل عليه جملة واحدة؟ ولما ذا يتنزل عليه مفرّقا؟ والجواب : ليثبّت به فؤاده ، فهذا هو سبب التنزيل مفرّقا ، ولو أنزل عليه القرآن جملة واحدة ثم سألوه لم يكن عنده الجواب ، ولو نزل جملة وفيه الفرائض لثقلت على الناس ، ونزوله متفرّقا ينبّههم المرة تلو المرة.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً) (٦٨) : قيل : إن أناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا ، وزنوا فأكثروا ، فأتوا محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : إن الذى تقول وتدعو إليه لحسن ، وهو يخبرنا بأنه لما عملنا كفّارة ، فنزلت الآية ، : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٥٣) (الزمر) ، وقيل إن هذه الآية (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) نزلت فى وحشى قاتل حمزة. وقيل : سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أى الذنب أكبر عند الله؟ قال : «أن تدعو لله ندّا وهو خلقك» ، فقيل له : ثم أى؟ قال : «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم» ، قيل : ثم أى؟ قال : «أن تزانى حليلة جارك» أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ؛ فأنزل الله تصديق ذلك الآية. والأثام فى كلام العرب هى العقاب.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٧٠) : قيل : لمّا أنزلت : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً) (٦٨) (الفرقان) قال مشركو أهل مكة : قد قتلنا النفس بغير حق ، ودعونا مع الله إلها آخر ، وآتينا الفواحش ، فنزلت الآية ـ لا تجعل مكان السيئة الحسنة ، ولكنها تجعل مكان السيئة التوبة ، وتكون الحسنة مع التوبة ، ومصداق ذلك الحديث : «اتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن» أخرجه الترمذى.

* * *

١٠٣٨ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الشعراء

١ ـ فى قوله تعالى : (أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ) (٢٠٤) : قيل : إن المشركين قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إلى متى تظل تعدنا بالعذاب ولا تأتى به؟! فنزلت الآية.

١٤٠

٢ ـ وفى قوله تعالى : (ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ) (٢٠٧) : قيل : لما نزلت (أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ) (٢٠٥) رؤى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كأنه متحيّر ، فنزلت : (ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ) (٢٠٦) (ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ) (٢٠٧) ، فطابت نفسه ، والمعنى ما أغنى عنهم الزمان الذى كانوا يمتعونه ، وقيل : كان عمر بن عبد العزيز إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ : (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ) (٢٠٧) ثم يبكى ويقول :

نهارك يا مغرور سهو وغفلة

وليلك نوم والرّدى لك لازم

فلا أنت فى الأيقاظ يقظان حازم

ولا أنت فى النّوام ناج فسالم

تسرّ بما يفنى وتفرح بالمنى

كما سرّ باللذات فى النوم حالم

وتسعى إلى ما سوف تكره غبّه

كذلك فى الدنيا تعيش البهائم

٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ) (٢٠٧) : قيل : المراد أهل مكة أو المنكرون عموما ، وكانوا من المترفين ، وهؤلاء دائما هم المنكرون ، فكان المؤمنون يتعجبون من كفرهم وهم فى النعيم يرفلون ، فنزلت الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢١٥) : قيل : لما نزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (٢١٤) (الشعراء) بدأ بأهل بيته وفصيلته ، فشقّ ذلك على المسلمين ، فنزلت : (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢١٥) (الشعراء) ، لأن عشيرته كان منها المؤمن والكافر ، فخصّ فى الآية الثانية المؤمنين منهم ومن الناس كافة.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) (٢٢٤) : قيل : تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أحدهما من الأنصار ، والآخر من قوم آخرين ، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء ، فأنزل الله : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) (٢٢٦) الآيات. وقيل : لما نزلت «والشعراء» إلى قوله «ما لا يفعلون» ، قال عبد الله بن رواحة : قد علم الله أنى منهم ، فأنزل الله : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى آخر السورة. وقيل : لما نزلت «والشعراء» الآية جاء عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسّان بن ثابت ، وجميعهم شعراء ، فقالوا : يا رسول الله ، والله لقد أنزل الله هذه الآية وهو يعلم أنّا شعراء. هلكنا! فأنزل الله : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) الآية ، فدعاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتلاها عليهم. وقيل : لما نزلت (الشُّعَراءُ) جاء حسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وابن رواحة ، يبكون إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : يا نبىّ الله أنزل الله تعالى

١٤١

هذه الآية ، وهو تعالى يعلم أنّا شعراء؟ فقال : «اقرءوا ما بعدها» : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (٢٢٧) ، قال : أنتم! (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا) ـ أنتم! قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «انتصروا ولا تقولوا إلا حقا ، ولا تذكروا الآباء والأمهات».

٦ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ) (٢٢٥) : قيل : نزلت هذه الآية فى عبد الله بن الزّبعرى ، ومسافع بن عبد مناف ، وأمية بن أبى الصلت ، وكانوا كثيرى التجوال ، وجميعهم عادى الإسلام ، وكانوا أشداء على المسلمين ، ثم أسلم الزبعرى ومسافع.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) (٢٢٦) : قيل : نزلت فى الشاعر أبى عزة الجمحىّ وكان مشركا وكاذبا ، حيث قال :

ألا أبلغا عنى النبىّ محمدا

بأنك حقّ والمليك حميد

ولكنى إذا ذكّرت بدرا وأهله

تأوّه منى أعظم وجلود

* * *

١٠٣٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة النمل

١ ـ فى قوله تعالى : (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) (٢٢) : قيل : الآية نزلت عن سبأ التى نعرفها باسم مأرب باليمن.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) (٢٣) : قيل : هى بلقيس والاسم يونانى.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) : قيل : نزلت فى تسعة هم عظماء أهل هذه البلدة ، وكانوا يفسدون ويأمرون بالفساد ، والرهط ما دون العشرة.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (٧٠) : قيل : نزلت فى المستهزئين الذين اقتسموا عقاب مكة.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (٧٦) : قيل : اختلف بنو إسرائيل فى كثير من الأشياء حتى لعن بعضهم بعضا ، فنزلت الآية ؛ والمعنى : أن هذا القرآن يبيّن لهم ما اختلفوا فيه لو أخذوا به ، واختلافهم كان حول ما حرّفوه من التوراة ، وما سقط من كتبهم من الأحكام.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ) (٨٢) : قيل : هذه الدابة ليست خاصة خارقة للعادة ، وقيل :

١٤٢

هى إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا ، فيهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيا من حىّ عن بيّنة ، لأن وجود المناظرين والمحتجّين على أهل البدع كثير ، فلا آية خاصة بها.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٩١) : قيل : الآية نزلت فى مكة التى عظّم الله حرمتها ، والمتحدث هو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٠٤٠ ـ فى أسباب نزول آيات سورة القصص

١ ـ فى قوله تعالى : (وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (٥١) : قيل : نزلت الآية فى قريش ردا على من قال : هلا أوتى محمد القرآن جملة واحدة؟ والمعنى : أنه تعالى والى وتابع وأنزل القرآن يتبع بعضه بعضا ، وعدا ووعيدا ، وقصصا وعبرا ، ونصائح ومواعظ.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) (٥٢) : قيل : نزلت فى عبد الله بن سلام ، وتميم الدارى ، والجارود العبدى ، وسلمان الفارسى ، أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية والتى بعدها : (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (٥٤) : وقيل : هؤلاء قوم آمنوا قبل أن يبعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأدركه بعضهم.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (٥٦) : قيل : الآية نزلت فى أبى طالب عمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٥٧) : قيل : هذا قول مشركى مكة ، والذى قال ذلك من قريش هو عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشى ، قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنّا لنعلم أن قولك حق ، ولكن يمنعنا أن نتّبع الهدى معك ونؤمن بك ، مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا ، فأجاب الله تعالى عما اعتلّ به فقال : (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً) ، وذلك أن العرب فى الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض ، ويقتل بعضهم بعضا ، بينما كان أهل مكة آمنين بحرمة البيت ، فمنع البيت عدوهم ، فلم يكونوا يخافون أن تستحل العرب حرمة البيت وتقاتلهم.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا

١٤٣

ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) (٦١) : قيل : نزلت فى حمزة بن عبد المطلب ، وفى أبى جهل بن هشام. وقيل : نزلت فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبى جهل. وقيل : نزلت فى حمزة وعلىّ ، وفى أبى جهل وعمارة بن الوليد ، وقيل : فى عمارة والوليد بن المغيرة. والصحيح أنها نزلت فى المؤمن والكافر على التعميم ، وفى كل كافر متّع فى الدنيا بالعافية والغنى ، وله فى الآخرة النار ، وفى كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله وله فى الآخرة الجنة.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٦٨) : قيل : هو جواب الوليد بن المغيرة حين قال : (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (٣١) (الزخرف) ، يعنى بذلك نفسه : أو عروة ابن مسعود الثقفى من الطائف. وقيل : هو جواب اليهود إذ قالوا : لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل ، لآمنا به. والمعنى : وربّك يخلق ما يشاء من خلقه ويختار منهم من يشاء لطاعته ، أو لنبوته ، يعنى أنه تعالى خلق محمدا واختاره للنبوة ، وخلق الأنصار لدينه.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٨٥) : قيل : معاد الرجل بلده ، لأنه ينصرف ثم يعود ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج من الغار ليلا ، مهاجرا إلى المدينة فى غير الطريق مخافة الطلب ، فلما رجع الى الطريق ونزل الجحفة ، عرف الطريق إلى مكة ، فاشتاق إليها ، فقال له جبريل : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ..) ، أى إلى مكة ، ظاهرا عليها ، والآية نزلت إذن بالجحفة وليست بمكة ، ولا بالمدينة. والآية عموما فى كل من سافر وغادر الأهل والأحبة ، فيقولونها له ، متمنين له سلامة العودة.

* * *

١٠٤١ ـ فى أسباب نزول آيات سورة العنكبوت

١ ـ فى قوله تعالى : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (٢) : قيل : نزلت هذه الآية فى قوم من المؤمنين كانوا بمكة ، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويضربونهم على الإسلام ، كسلمة بن هشام ، وعيّاش بن أبى ربيعة ، والوليد بن الوليد ، وعمّار بن ياسر ، وياسر (أبوه) ، وسميّة (أمّه) ، وعدة من بنى مخزوم ، وغيرهم ، فكانت صدورهم تضيق لذلك ، وربما استنكروا أن يمكّن الله الكفار من المؤمنين ، فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة : أن هذه هى سيرة الله فى عباده ، اختبار للمؤمنين وفتنة. وقيل : الآية نزلت فى مهجع بن صالح مولى عمر بن الخطاب ، وكان أول قتيل من المسلمين يوم بدر ، رماه عامر بن الحضرمى بسهم فقتله ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «سيد الشهداء مهجع ، وهو أول من يدعى إلى باب

١٤٤

الجنة من هذه الأمة» ، فجزع عليه أبواه وامرأته ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت فى أناس كانوا بمكة من المسلمين ، فكتب إليهم أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الحديبية أنه لا يقبل منكم إقرار الإسلام حتى تهاجروا ، فخرجوا فأتبعهم المشركون فآذوهم ، فنزلت الآية ، فكتبوا إليهم : نزلت فيكم آية كذا ، فقالوا : نخرج وإن اتّبعنا أحد قاتلناه ، فاتّبعهم المشركون فقاتلوهم ، فمنهم من قتل ، ومنهم من نجا ، فنزلت فيهم : (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (١١٠) (النحل).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) (٤) : قيل : نزلت فى الوليد بن المغيرة ، وأبى جهل ، والأسود ، والعاص بن هشام ، وشيبة ، وعتبة ، والوليد بن عتبة ، وعقبة بن أبى معيط ، وحنظلة بن أبى سفيان ، والعاص بن وائل.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) (٩) : قيل : نزلت الآيتان فى سعد بن أبى وقّاص ، قال : أنزلت فىّ أربع آيات ، فذكر قصة أمه «أم سعد» معه ، قالت له : أليس قد أمر الله بالبرّ؟ والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا ، حتى أموت أو تكفر! قال : فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها (أى أدخلوا فيه شيئا ليفتحوه لينزلوا الطعام فيه) فنزلت هذه الآية. وفى رواية قال : كنت بارا بأمى ، فأسلمت فقالت : لتدعنّ دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيّر بى ويقال : يا قاتل أمه! قال : وبقيت يوما ويوما فقلت : يا أماه! لو كانت لك مائة نفس ، فخجرت نفسا نفسا ، ما تركت دينى هذا ، فإن شئت فكلى ، وإن شئت فلا تأكلى! قال : فلما رأت ذلك أكلت ونزلت : (وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ..) الآية. وقال ابن عباس : نزلت الآية فى عيّاش بن أبى ربيعة ـ أخى أبى جهل لأمه ، وقد فعلت أمه مثل ما فعلت أم سعد بن أبى وقاص. وعن ابن عباس أيضا قال : نزلت فى جميع الأمة إذ لا يصبر على بلاء الله إلا صدّيق.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ) (١٠) : قيل : نزلت فى المنافقين ، كانوا يدّعون أنهم آمنوا بالله ، فكلما فتنوا ارتدوا عن إيمانهم ، ولا يصبرون على الأذية فى الله. وقيل : نزلت فى عيّاش بن أبى ربيعة ، أسلم وهاجر ، ثم أوذى وضرب ، فارتد. والذى عذّبه هو أبو جهل ، والحارث ، وكانا أخويه لأمه ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه وعاش بعد ذلك دهرا.

١٤٥

٥ ـ وفى قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٥١) : قيل : الآية جواب لقول كفار مكة (وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (٥٠). وسبب نزولها أنهم أتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بكتف ، أى عظم عريض ، وكان مكتوبا عليه بعض العبارات من التوراة ، فقال النبىّ : «كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عمّا جاء به نبيّهم إلى ما جاء به نبىّ غير نبيّهم ، أو كتاب غير كتابهم» ، فأنزل الله تعالى الآية : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ ...) أخرجه الدارمى.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) (٥٤) : قيل : نزلت فى عبد الله بن أبى أمية وأصحابه من المشركين حين قالوا : (أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً) (٩٢) (الإسراء).

٧ ـ وفى قوله تعالى : (يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (٥٦) : قيل : نزلت الآية فى تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة ، فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه ، وأن البقاء فى بقعة على أذى الكفار ليس بصواب. وقيل : إن الأرض التى فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حقّ.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (٦٠) : قيل : عن ابن عمر قال : خرجنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى دخل بعض حيطان (حدائق) الأنصار ، فجعل يلتقط من الثمر ويأكل ، فقال : «يا ابن عمر مالك لا تأكل؟» قال : لا أشتهيه. فقال : «لكنى اشتهيته ، وهذه صبيحة رابعة لم أذق طعاما ، ولو شئت لدعوت ربّى فأعطانى مثل ملك كسرى وقيصر ، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت فى قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين!» قال ابن عمر : والله ما برحنا حتى نزلت الآية. وحديث ابن عمر ضعيف ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدخر لأهله قوت سنتهم ، وكان الصحابة يفعلون ذلك وهم القدوة. وفى الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا زادت شدّة المسلمين بمكة ، قال لهم : «اخرجوا إلى المدينة وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة» ، قالوا : ليس لنا بها دار ، ولا عقار ، ولا من يطعمنا ولا من يسقينا ، فنزلت الآية.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ) (٦٧) : قيل : قالوا : ما يمنعنا يا محمد أن ندخل فى دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا ولكثرة الأعراب عنا ، فنزلت الآية وفيها الجواب

١٤٦

عليهم : (.. أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ) ، يعنى وهل ذلك يسوّغ لكم أن تكونوا على الشرك وتكفروا بنعمة الإيمان عليكم؟ أو هل لأنكم كنتم بمنأى عن عدوان الأعراب؟ أم أن ذلك أدعى لكم أن تؤمنوا بالله وتحمدوه على هذه النعمة؟!

* * *

١٠٤٢ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الروم

١ ـ وفى قوله تعالى : (غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) (٤) : قيل : نزلت هذه الآية لمّا قهر الفرس الروم ، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم على الفرس ، لأنهم وإياهم أهل كتاب ، وفى ذلك نزل قوله تعالى : (.. وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (٥) ؛ وكانت قريش تحب ظهور فارس ، لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا يؤمنون بالبعث ، فتحدّى المشركون المسلمين أن يكون ذلك صحيحا ، وتراهنوا ولم يكن الرهان قد حرّم ، وطالت المدة فاستمرت تسع سنوات إلى أن انتصر الروم على الفرس ، وتحقق أن القرآن صحيح من لدن الله ، وأن محمدا نبىّ حقا وصادق أمين. والبضع : بين الثلاث والتسع والعشر. وكان ظهور الروم على فارس يوم الحديبية ، فابتهج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفرح المسلمون. و (أَدْنَى الْأَرْضِ) هى أذرعات فى الشام ، يعنى أقرب الأرض إلى مكة ، وإلى فارس ، وإلى الروم.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٢٧) : قيل : نزلت الآية تردّ على الكفار أن يتعجّبوا من إحياء الموتى.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (٢٨) : قيل : كان أهل الشرك يلبون فيقولون : لبّيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك! فأنزل الله : (هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ) ، والمعنى هل يرضى أحدكم أن يكون عبيدكم شركاءكم فى الأموال والتجارة كنفسه؟ فإن لم ترضوا ذلك لأنفسكم ، فكيف جعلتم لله شركاء؟ وقيل : لمّا جعل كفار مكة أصنامهم شركاء لله وأصرّوا على قولهم ، أنزل الله الآية فيها دحض دعواهم وبيان تهافتها.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ

١٤٧

مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (٣٩) : قيل : هذه الآية نزلت فى الهبة الثواب وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه ، فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر عليه. وأصل الربا ربوان : ربا حلال ، وربا حرام ، والحلال هو ما كان هبة لوجه الله ، والحرام ما كان يلتمس له أجر أفضل منه. والآية فيمن يهب بطلب الزيادة من أموال الناس فى المكافأة.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) (٦٠) : قيل : من الذين لا يوقنون وكانوا يحاولون دائما أن يستخفوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويستفزّوه عن دينه : النضر بن الحارث ، وفيه نزلت الآية.

* * *

١٠٤٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة لقمان

١ ـ فى قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) (٦) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث ، لأنه اشترى كتب الأعاجم : رستم واسفنديار ، فكان يجلس بمكة ، فإذا قالت قريش : إن محمدا قال كذا ، ضحك منه ، وحدّثهم بأحاديث ملوك فارس ، ويقول : حديثى أحسن من حديث محمد. وكان يشترى المغنيات ، فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته ، فيقول : أطعميه واسقيه وغنّى له! ويقول : هذا خير مما يدعوك إليه محمد من صلاة وصيام ، وأن تقاتل بين يديه؟ فنزلت فيه وفيمن يستمع إليه ، هذه الآية.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٥) : قيل : نزلت الآيتان فى شأن سعد بن أبى وقاص ، وكانت أمه حمنة بنت أبى سفيان بن أمية قد أقسمت ألا تأكل إلا إذا كفر. وقال لها سعد : يا أماه! لو كانت لك مائة نفس ، فخرجت نفسا نفسا ، ما تركت دينى هذا! فإن شئت فكلى ، وإن شئت فلا تأكلى! فلما رأت إصراره أكلت ، ونزلت الآية. وقيل : نزلت فى عيّاش بن أبى ربيعة ، أخى أبى جهل لأمه ، وقد فعلت أمه مثلما فعلت أم سعد مع سعد. وقيل : الآية عامة ونزلت فى جميع الأمة.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) (٢٠) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث ، وكان يقول : ان الملائكة بنات الله.

١٤٨

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢٧) : قيل : إن سبب هذه الآية أن اليهود قالت : يا محمد ، كيف عنينا بهذا القول : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٥) : (الإسراء) ، ونحن قد أتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه ، وعندك أنها تبيان كل شىء! فقال لهم : «التوراة قليل من كثير» ، ونزلت هذه الآية بالمدينة.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (٢٨) : قيل : نزلت الآية فى أبىّ بن خلف ، وأبىّ الأسدين ، ومنبّه ونبيه ابني الحجاج بن السباق ، قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن الله تعالى خلقنا أطوارا : نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظاما. ثم تقول : إننا نبعث خلقا جديدا جميعا فى ساعة واحدة. فأنزل الله تعالى : (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (٢٨) (لقمان).

٦ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (٣٤) : قيل : نزلت الآية فى رجل من أهل البادية ، اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة ، أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : امرأتى حبلى ، فأخبرنى ما ذا تلد؟ وبلادنا جدبة ، فأخبرنى متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت ، فأخبرنى متى أموت؟ وقد علمت ما عملت اليوم ، فأخبرنى ما ذا أعمل غدا؟ وأخبرنى متى تقوم الساعة؟ فأنزل الله هذه الآية.

* * *

١٠٤٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة السجدة

١ ـ فى قوله تعالى : (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (١٦) : قيل : عن أنس بن مالك قال : إن هذه الآية نزلت فى انتظار الصلاة التى تدعى العتمة. والمراد بالآية انتظار صلاة العشاء الآخرة ، لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل ، وكانوا فى الجاهلية ينامون أول الغروب ، ومن أى وقت شاء الإنسان ، فجاء انتظار وقت العشاء غريبا شاقا.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) (١٨) : قيل : نزلت الآية فى علىّ بن أبى طالب ، والوليد بن عقبة بن أبى معيط ، فقد تلاحيا فقال له الوليد : أنا أبسط منك لسانا ، وأحدّ سنانا ، وأردّ للكتيبة جسدا ، فقال له علىّ : اسكت فإنك فاسق! فنزلت الآية ، وعلى ذلك فالآية مدنية لأن الوليد كان بالمدينة ، قيل : الوليد ما كان يستطيع أن يلاحى عليا فى المدينة ، والغالب أن الذى لاحاه عقبة الأب ، وعقبة لم يذهب إلى المدينة وتوفى عقب بدر ، والآية على ذلك مكية.

١٤٩

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٢٨) : قيل : إن المؤمنين كانوا يقولون للكافرين : سيحكم الله بيننا يوم القيامة ، فيثيب المحسن ويعاقب المسيء. فقال الكفار استهزاء : متى يوم الفتح؟! فنزلت الآية.

* * *

١٠٤٥ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الأحزاب

١ ـ فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) (١) : قيل : لما هاجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود : قريظة ، والنضير ، وبنى قينقاع ، فكان يلين لهم جانبه ، ويكرم صغيرهم وكبيرهم ، وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه ، وكان يسمع منهم ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت فى أبى سفيان بن حرب ، وعكرمة بن أبى جهل ، وأبى الأعور عمرو بن سفيان ، نزلوا المدينة وطلبوا من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يرفض ذكر آلهتهم اللات والعزى ومناة ، وأن يقول إن لها شفاعة ومنعة لمن عبدها ، فإذا فعل تركوه وشأنه ، فشقّ على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما قالوا ، وأمر أن يخرجوا من المدينة ، وبسبب ذلك نزلت الآية. وقيل : أن أهل مكة دعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم ، ويزوّجه شيبة بن ربيعة ابنتيه ، فنزلت الآية ، والآية الأخرى : (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً) (٣) (الأحزاب) ، أى كافيا لك ما تخافه منهم.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (٤) : قيل : نزلت فى رجل من قريش كان يدعى «ذا القلبين» من دهائه. وقيل : نزلت فى جميل بن معمر الفهرى وكان حافظا ، فقالوا : ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان. وقيل : نزلت فى رجل من بنى فهم ، قال : إن فى جوفى لقلبين أعقل بكل واحد منهما أعقل من عقل محمد! وقيل : إن محمدا له قلبان ، فربما يكون فى الشيء فينزع فى غيره. وقيل : نزلت الآية تمثيلا فى زيد بن حارثة لما تبنّاه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٥) : قيل : نزلت فى زيد بن حارثة وكان يدعى زيد بن محمد لمّا تبنّاه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو بعد صغير ، فنزلت الآية تحظر أن ينسب المتبنّى إلا لأبيه ، فإن لم يكن له أب معروف ينسب إلى ولائه ، فإن لم يكن له ولاء معروف أطلقوا عليه الأخ فلان ، ونادوه يا أخى ،

١٥٠

يعنى فى الدين ، لقوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (١٠) (الحجرات) ، ولا يجرى هذا المجرى على من غلب عليه اسم التبنّي كالمقداد بن عمرو ، فلم يكن يعرف إلا باسمه المقداد بن الأسود ، وكان الأسود عبد يغوث قد تبنّاه فى الجاهلية وعرف به.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً) (٦) : قيل : لمّا قال الله تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ..) (الأحزاب) ، نزلت الآية (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ..) ليكتمل الكلام فى بيت النبوة كله بالتمام ، فالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو أبو المؤمنين ، وزوجاته أمهاتهم : أمهات النساء والرجال لا فرق ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو أبو النساء والرجال لا فرق.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً) (٩) : قيل : كان ذلك فى وقعة الخندق سنة أربع ، وجرت وبنو قريظة فى يوم واحد ، ومضت بين بنى قريظة وبنى النضير أربع سنوات.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا) (١٠) : قيل : الذى جاء من أعلى من قبل المشرق : عوف بن مالك فى بنى نصر ، وعيينة بن حصن فى أهل نجد ، وطليحة بن خويلد الأسدي فى بنى أسد ، ومن بطن الوادى من قبل المغرب : أبو سفيان بن حرب على أهل مكة ، ويزيد بن جحش على قريش ، وأبو الأعور السلمى ومعه حيىّ بن أخطب اليهودى فى يهود بنى قريظة ، مع عامر بن الطفيل من الناحية المقابلة للخندق.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً) (١٢) : قيل : إن طعمة بن أبيرق ، ومعتب بن قشير ، وجماعة نحو من سبعين رجلا ، قالوا يوم الخندق : كيف يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا يستطيع أحدنا أن يتبرّز؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد وعد المؤمنين قصور الحيرة ومدائن كسرى ، وقصور الحمر من أرض الروم ، وقصور صنعاء ، فقال المنافقون : ألا تعجبون ، يحدّثكم ويمنّيكم ويعدكم الباطل ، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى ، وأنها تفتح لكم ، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تتبرّزوا ، فنزل القرآن : (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً)

١٥١

(١٢) : وقيل : نزلت هذه الآية فى معتب بن قشير الأنصارى وهو صاحب هذه المقالة. وقيل : إن أوس بن قيظى طلب الإذن أن يرجع قومه إلى نسائهم وأبنائهم بدعوى أن بيوتهم عورة وخارج المدينة ، فنزلت الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها).

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً) (١٣) : قيل : إن الطائفة كانت اليهود ، قالوا لعبد الله بن أبىّ بن سلول وأصحابه من المنافقين : ما الذى يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبى سفيان وأصحابه؟! فارجعوا إلى المدينة فإننا مع القوم فأنتم آمنون.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (.. وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً) (١٣) : قيل : هذه الآية نزلت فى قبيلتين من الأنصار : بنى حارثة ، وبنى سلمة ، همّوا أن يتركوا مراكزهم يوم الخندق ، وفيهم أنزل الله تعالى : (إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا) (آل عمران ١٢٢) ، فلما نزلت هذه الآية قالوا : والله ما ساءنا ما كنا هممنا به ، إن الله وليّنا. وقيل : الذى استأذنه منهم رجلان من الأنصار من بنى حارثة ، أحدهما أبو عرابة بن أوس ، والآخر أوس بن قيظى ، وقيل : ورجع ثمانون رجلا بغير إذنه. وقيل الذى قال : (بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ..) هو أوس بين قيظى نيابة عن ملأ من قومه.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً) (١٥) : قيل : هم بنو حارثة ، همّوا يوم أحد أن ينسحبوا مع بنى سلمة ، فلما نزل فيهم ما نزل ، عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها. وقيل : هم سبعون رجلا بايعوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة العقبة.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً) (١٨) : قيل : هم المنافقون أصحاب عبد الله بن أبىّ واليهود من بنى قريظة ، وكانوا يستخفّون بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالوا : هو هالك ومن معه!

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً) (٢٢) : قيل : لما رأى المسلمون الأحزاب يوم الخندق قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله» فنزلت مقالتهم آية.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (٢٣) : قيل : بعد بدر تمنى الكثيرون ممن لم يحضروها

١٥٢

لو كانوا يحضرون قتالا من أجل الإسلام ، فلما كان يوم أحد وانهزم من انهزم ، تجلّدت فئة حتى قتلوا ، ومنهم أنس بن النضر ، عم أنس بن مالك ، فلما انكشف المسلمون قال : اللهم إنى ابرأ إليك مما جاء به هؤلاء ـ يقصد المشركين ، وباشر القتال وقال : إيها إنها ريح الجنة! إنى لأجدها! ومضى حتى استشهد ، قال أنس : فما عرفناه إلا ببنانه ، ووجدنا فيه بضعا وثمانين جراحة ، وفيه وفى أمثاله نزلت : (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ...) والآية عتاب فى حقّ من انهزم.

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) (٢٩) : قيل : إن نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تظاهرن ، وجاء عمر بن الخطاب يتحرّى الأمر ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هن حولى كما ترى يسألننى النفقة» ، فقام أبو بكر إلى عائشة يحاسبها ، وقام عمر إلى حفصة ، وكلاهما يقول : تسألن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما ليس عنده؟! فقلن : والله لا نسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شيئا أبدا ليس عنده. ثم اعتزلهن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم شهرا أو تسعة وعشرين يوما ، ثم نزلت هذه الآية.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (٣٥) : قيل : روى الترمذى عن أم عمارة الأنصارية : أنها أتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : ما أرى كل شىء إلا للرجال ، وما أرى النساء يذكرن بشيء ، فنزلت هذه الآية.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (٣٦) : قيل : سبب نزول الآية : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خطب زينب بنت جحش ، وكان بنت عمته ، فظنت أن الخطبة لنفسه ، فلما تبين أنه يريدها لزيد بن حارثة ، كرهت وأبت وامتنعت ، فنزلت الآية. وقيل : الآية نزلت فى أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ، وكانت قد وهبت نفسها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فزوّجها من زيد بن حارثة ، فكرهت ذلك هى وأخوها ، وقالا : إنما أردنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فزوّجنا غيره ، فنزلت الآية بسبب ذلك.

١٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها

١٥٣

وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) (٣٧) : قيل : نزلت فى زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ، فقد جاء زيد يشكو إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من زينب ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أمسك عليك أهلك» ، فنزلت : (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ).

١٨ ـ وفى قوله تعالى : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (٤٠) : قيل : لمّا تزوّج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم زينب بنت جحش قال الناس : تزوج امرأة ابنه ، فنزلت الآية.

١٩ ـ وفى قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) (٤٣) : قيل : لمّا نزلت الآية (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ) (الأحزاب ٥٦) ، قال أبو بكر : يا رسول الله ، ما أنزل الله عليك خبرا إلا أشركتا فيه؟ فنزلت الآية : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ) (الأحزاب ٤٣).

٢٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً) (٤٧) : قيل : لمّا نزلت (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (الفتح ٢) قال رجال من المؤمنين : هنيئا لك يا رسول الله! قد علمنا ما يفعل بك ، فما ذا يفعل بنا؟ فأنزل الله : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ) (الفتح ٥) ، وأنزل فى سورة الأحزاب : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً) (٤٧) (الأحزاب). وقيل : لما نزلت : (وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) (الأحقاف ٩) نزل بعدها (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (الفتح ٢) ، فقالوا : يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك ، فما يفعل بنا؟ فنزل : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً) (٤٧) (الأحزاب). وهذا كلام ملفّق وغير صحيح ، لأن سورة الأحزاب سابقة على سورة الفتح ، على عكس ما يروى فى الرواية هنا.

٢١ ـ وفى قوله تعالى : (... وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ...) (٥٠) : قيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خطب أم هانئ بنت أبى طالب ، فاعتذرت إليه لكثرة عيالها ، ولأن حقّ الزوج عظيم فخشيت أن تضيعه ، فعذرها ، ثم أنزل الله تعالى الآية ، فلم تكن تحلّ له رغم قرابتهما ، لأنها لم تهاجر ، وكانت من الطلقاء. أى الذى أطلق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سراحهم يوم فتح مكة بقوله : «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، والصحيح أنه لم يخطب أم هانئ إطلاقا ، لأنها كانت من سكان مكة طوال عمرها ، وكانت أكبر سنا لا تصلح أصلا للزواج ، ولو كانت تصلح للزواج لتزوجت منه أو من غيره ولكنها لم تفعل ولم يتقدم للزواج منها أحد.

٢٢ ـ وفى قوله تعالى : (... وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ

١٥٤

يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٥٠) : قيل : نزلت فى اللاتى وهبن أنفسهن له ، وقال المرجفون : كان عنده أربع منهن : ميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت خزيمة ـ أم المساكين الأنصارية ، وأم شريك بنت جابر ، وخولة بنت حكيم. وقيل : بل واحدة فقط هى ميمونة ، وقيل بل زينب بنت خزيمة ، وقيل بل أم شريك ، وقيل بل أم حكيم. وقيل : الآية نزلت فى واهبة أباحتها له ولكنه لم يقبلها ، وهى أم شريك واسمها غزية أو غزيلة ؛ وقيل : هى ليلى بنت حكيم ، أو ميمونة بنت الحارثة ، ولم يثبت أنه تزوجها. والثابت أنه لم يكن عند النبىّ امرأة موهوبة قط!

٢٣ ـ وفى قوله تعالى : (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً) (٥١) : قيل : كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد همّ بطلاق بعض نسائه فقلن له اقسم لنا ما شئت. فكان ممن أوى عائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وزينب ، فكانت قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهم ؛ وكان ممن أرجى : سودة ، وجويرية ، وأم حبيبة ، وميمونة ، وصفية ، فكان يقسم لهن ما شاء ، ونزلت الآية فى ذلك. ومسألة «همّ بطلاق بعض نسائه» كذب وبهتان ، ونساؤه فى الحقيقة أربع فقط لا غير ، هن : عائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وزينب. وأما سودة فلم يكن يقربها ، وأما الباقيات فلم يتزوجهن كهيئة الزواج ، بل كانت لهن حكايات مختلفة ، وكل واحدة لها ظروفها ، وكان يأويهن إليه لظروفهن. وأما من كن يرجئهن فهؤلاء هن الواهبات ، ولم يحدث أن كانت فى بيته امرأة وهبت نفسها له. ومن اللاتى عزلهن مريم القبطية وكانت سريّة ، ومع ذلك فالآية بلا تحديد أسماء فيها توسعة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه كما قيل كانت القسمة بينهن واجبة عليه ، فلما كبر فى السن ما عاد يستطيع القسمة ، فأباح له ربّه تركها ، ونزلت الآية بذلك ، إلا أنه يقسم لهن من تلقاء نفسه بقدر وسعه. ولا يعنى المبيت عند إحداهن مسائل جنسية كما قد يتبادر إلى الذهن ، وإنما هى المعايشة والملاطفة والإحسان وتقوى الله.

٢٣ ـ وفى قوله تعالى : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً) (٥٢) : قيل : خيّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أزواجه ، فاخترن الله ورسوله ، فأنزل الله : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ..). وقيل : لما نزلت : (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ..) (٥٣) ، حرّم عليه أن يتزوج غيرهن. غير أن هذا الرأى غير سليم ، لأن تحريم زواجه من أخريات فى الآية ٥٢ ، وتحريم

١٥٥

زواجهن بعده فى الآية ٥٣ ، يعنى أنه كان لاحقا وليس سابقا ، على عكس الرأى السالف.

٢٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ...) (٥٢) : قيل : نزلت الآية بسبب أسماء بنت عميس ، فقد أعجب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حسنها حين مات عنها زوجها جعفر بن أبى طالب ، فأراد أن يتزوجها ، فنزلت الآية ، والحديث ضعيف ومتهافت.

٢٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ..) (٥٢) : قيل : كان البدل فى الجاهلية بأن ينزل الرجل عن امرأته لآخر وينزل الآخر عن امرأته له ، فأنزل الله عزوجل الآية. وقيل : إن عيينة بن حصن الفزّارى دخل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بلا استئذان وعنده عائشة ، فعاتبه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال : يا عيينة فأين الاستئذان؟ فسأله عيينة : عمّن تكون التى جواره؟ وهل يقبل أن يبادلها معه بأخرى من أحسن الخلق؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا عيينة ، إن الله قد حرّم ذلك» والحادثة برمتها مختلفة ، ومن أراجيف المرجفين والمنافقين والرافضة.

٢٦ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً) (٥٣) : قيل : الآية نزلت لتعليم المسلمين آداب الدعوة إلى الطعام والجلوس مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وسبب نزولها أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها ، ودعا الناس ، فلما طعموا ولم يبارحوا ، ثقلوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إلى أن انصرفوا أخيرا. فألقى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سترا على زوجته ونزلت الآية. وقيل لذلك هذه الآية نزلت فى الثقلاء.

٢٧ ـ وفى قوله تعالى : (فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ...) (٥٣) : قيل : نزلت هذه الآية ـ آية الحجاب ـ لمّا تزوج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم زينب بنت جحش ، أو لم ودعا الناس ، فلما طعموا ، جلس جماعة يتحدثون فى البيت ، وزوجته تجلس وقد ولّت وجهها إلى الحائط ، فثقلوا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما ذهبوا ألقى الستر على باب حجرته ، ونزلت الآية. وقيل : سببها أن عمر قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا رسول الله ، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر ، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت الآية. وقيل : إن عمر بن الخطاب أمر نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحجاب ، فقالت زينب بنت جحش : يا ابن الخطاب ، أنك تغار علينا ، والوحى ينزل فى بيوتنا؟! فأنزل الله تعالى : (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ...) (٥٣)

١٥٦

(الأحزاب). وقيل : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه ، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة ، فكره ذلك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت آية الحجاب. وقيل : إن الذى حدث معه ذلك هو عمر بن الخطاب.

٢٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً) (٥٣) : قيل : نزلت فى رجل قال : لو قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تزوجت عائشة ، فأنزل الله الآية ، وكذلك الآية : (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ..) (٦) (الأحزاب) ، أى أمهات المؤمنين فلا يجوز أن يتزوجوا منهن وهن أمهاتهم. وقيل : أن طلحة بن عبيد الله هو الذى قال ذلك وندم على ما قال وكفّر. وروى أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أبلغ بما قال فتأذّى به. وهذا من الإسرائيليات ، ومن تشنيعات المنافقين والمرجفين الجهّال. ومن ذلك ما رووه فى سبب نزول الآية : أن رجلا من المنافقين قال حين تزوّج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أم سلمة بعد أبى سلمة ، وحفصة بعد خنيس بن حذافة : ما بال محمد يتزوج نساءنا كلما مات منا واحد؟ والله لو قد مات ، لأجلنا السهام على نسائه ؛ فنزلت الآية فى هذا.

٢٩ ـ فى قوله تعالى : (لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً) (٥٥) : قيل : لما نزلت آية الحجاب فى زوجات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت الآية.

٣٠ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (٥٧) : قيل : قال ابن عباس : نزلت الآية فى المنافقين الذى طعنوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين اتخذ صفية بنت حيىّ. وقيل : نزلت الآية فى عبد الله بن أبىّ وناس معه ، قذفوا عائشة فى حديث الإفك ، فخطب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «من يعذرنى من رجل يؤذينى ويجمع فى بيته من يؤذينى؟» ، فنزلت الآية.

٣١ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (٥٨) : قيل : نزلت فى عمر بن الخطاب ، رأى جارية من الأنصار ، كره منها ما رأى من زينتها ، فضربها ، فخرج أهلها ، فآذوا عمر باللسان ، فأنزل الله هذه الآية وقوله تعالى : (بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا) فيه أن عمر لم يضرب الجارية ، وما ضرب عمر ولا أبو بكر امرأة قطّ لأى سبب من الأسباب.

٣٢ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَ

١٥٧

مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٥٩) : قيل : كانت عادة العربيات التبذّل ، وكن يلبسن ويسلكن ما يجعلهن مطمع الطامعين ، فنزلت الآية تأمر زوجات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبناته ونساء المؤمنين أن يرخين عليهن جلابيبهن إذا أردن الخروج لحاجة ، فكن بعد ذلك يعرفن فلا يؤذين.

٣٣ ـ وفى قوله تعالى : (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلاً) (٦٠) : قيل : نزلت هذه الآية فى «المنافقين وأصحاب الفواحش والمرجفين». وهم شىء واحد عبّر عنهم بثلاثة ألفاظ ، «والذين فى قلوبهم مرض» ، يعنى الذين يضمرون الزنا ، و «المرجفون» هم المروّجون للأكاذيب والشائعات.

* * *

١٠٤٦ ـ فى أسباب نزول آيات سورة سبأ

١ ـ فى قوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ..) (٣) : قيل : نزلت هذه الآية لأن أبا سفيان كان يقول لكفّار مكة : واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدا ولا نبعث ، فأنزل الله إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ..).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (١٥) : قيل : أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجل من غطيف من سبأ ، يقول : يا رسول الله ، إن سبأ قوم كان لهم فى الجاهلية عزّ ، وإنى أخشى أن يعادوا الإسلام ، أو أن يسلموا ثم يرتدوا. ألا أقاتل من أدبر من منهم بمن أقبل؟ فأذن لى فى قتالهم ، وأمرنى ، فلما خرج من عنده سأل عنه : «ما فعل الغطيفى؟» فأخبر أنه قد سار. فأرسل فى أثره فردّ ، وأتاه وهو فى نفر من أصحابه فقال : «ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه ، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدّث إليك». فأنزل فى سبأ ما أنزل.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ...) (٣١) : قيل : نزلت فى أبى جهل بن هشام فهو الذى قال ذلك. وقيل : إن أهل الكتاب قالوا للمشركين : أن صفة محمد فى كتابنا ، فسلوه ، فلما سألوه ، وافق على ما قال أهل الكتاب ، فقال المشركون : لن نؤمن بهذا الكتاب ولا بالذى أنزل قبله ، بل نكفر بالجميع.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) (٣٤) : قيل : إن شريكين خرج أحدهما إلى الشام وبقى الآخر ، فلما بعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كتب إلى صاحبه يخبره بما كان ، فقال فيما كتب : لم يتبعه أحد من قريش إلا

١٥٨

أراذلة الناس ومساكينهم. ولما عاد الشريك توجه إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسأله : إلام تدعو؟ واستمع له ثم قال : أشهد أنك رسول الله ، فسأله : وما علّمك ذلك؟ قال : لم يبعث نبىّ إلا اتبعه أراذلة الناس ومساكينهم ، فنزلت الآية ، فأرسل اليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله قد أنزل تصديق ما قلت». وكذلك فى المذاهب الاجتماعية فإن علامة صدق المذهب أن يعتنقه البسطاء والضعفاء والمضطهدون كما فى حالة المذهب الاشتراكى.

* * *

١٠٤٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة فاطر

١ ـ فى قوله تعالى : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ) (٨) : قيل : نزلت فى العاص بن وائل السهمى ، والأسود بن المطلب ، أو أنها نزلت فى أبى جهل بن هشام ، أو فيهم جميعا وفى كفار قريش واليهود والنصارى. وقيل : أنزلت هذه الآية حيث قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم أعزّ دينك بعمر بن الخطاب أو بأبى جهل بن هشام» ، فهدى الله عمر وأضلّ أبا جهل ، فالذى زيّن له سوء عمله أبو جهل.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ) (٢٩) : قيل عن ابن عباس : إن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشى ، نزلت فيه الآية ؛ والصحيح أن الآية عامة.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ) (٣٥) : قيل : إن رجلا سأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : إن النوم مما يقرّ الله به أعيننا فى الدنيا ، فهل فى الجنة نوم؟ قال : «لا ، إن النوم شريك الموت ، وليس فى الجنة موت» ، قال : فما راحتهم؟ قال : «ليس فيها لغوب كل أمرهم راحة» ، فنزلت : (لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ) (٣٥).

٦١٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً) (٤٢) (فاطر) : قيل : هؤلاء هم قريش ، أقسموا قبل أن يبعث الله رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا يكونوا مثل من كذّبوا رسلهم من مختلف الأقوام ، وأن يؤمنوا لو جاءهم نذير ، ليكونوا أهدى الأمم ، فلما جاءهم ما تمنوا نفروا ولم يؤمنوا.

* * *

١٠٤٨ ـ فى أسباب نزول آيات سورة يس

١ ـ فى قوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) (٨) :

١٥٩

قيل : أن أبى جهل بن هشام ، كان قد حلف لئن رأى محمدا يصلى ليرضخن رأسه بحجر ، وحاول ذلك فما استطاع ، وكذلك حاول صاحبه الوليد بن المغيرة ، وآخر معهما ، فكأنما غلّت أيديهم ، فنزلت الآية. والإقماح : أن ترتفع الرأس كما الدابة إذا جذب لجامها ، ويقال أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا من شدّة ضيقه. والآية مثل ضربه الله تعالى لهم فى امتناعهم من الهدى ، كامتناع المغلول. وربما هى مثل لما يفعل بالغافلين المعرضين غدا فى النار من وضع الأغلال فى أعناقهم والسلاسل : (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ) (٧١) (غافر).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) (١٢) : قيل : نزلت فى بنى سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن آثاركم تكتب» فلم ينتقلوا. والآثار هى الخطا من الديار إلى المسجد ، فكلما بعدت الديار زاد الثواب ، وأراد لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم زيادة الثواب.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) (٧٧) : قيل : نزلت فى عبد الله بن أبىّ ، أو العاص بن وائل السهمى ، أو أبىّ بن خلف الجمحى ، وهو الذى تشير الآية إليه بكلمة (الْإِنْسانُ). قيل : إنه أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعظم حائل ـ يعنى متآكل ، فقال : يا محمد ، أترى أن الله يحيى هذا بعد ما رمّ؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نعم ، ويبعثك الله ويدخلك النار» ، فنزلت الآية. وكذلك نزلت الآيتان بعدها (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (٧٩) (يس).

* * *

١٠٤٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الصافات

١ ـ فى قوله تعالى : (إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ) (٤) : قيل : قال كفار مكة : أجعل محمد الآلهة إلها واحدا؟! وكيف يسع هذا الخلق فرد إله؟! فنزلت الآية تأكيدا لوحدانيته تعالى.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) (٦٤) : قيل : إن أبا جهل لما سمع فى القرآن أن فى الجحيم شجرة اسمها الزقوم ، قال جهلا منه : وكيف تقوم شجرة وسط النار؟ فأنزل الله الآية عقوبة له ولأصحابه ، لأن من خلق النار لا يستبعد أن يخلق شجرة من جنسها لا تقوى النار عليها ، وتلك هى شجرة الزقوم التى تزقم الأنوف والحلوق برائحتها الكريهة وطعمها المنتن.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)

١٦٠

(١٥٨) : قيل : الذى جعل له ذلك كنانة وخزاعة ، قالوا : إن الله خطب إلى سادات الجن فزوّجوه من سروات بناتهم ، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن!

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) (١٦٤) : قيل : الآيات الثلاث : (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) (١٦٦) نزلت ورسول الله عند سدرة المنتهى ، فتأخر جبريل ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أهنا تفارقنى؟» فقال : «ما أستطيع أن أتقدم عن مكانى» ، وأنزل الله الآيات الثلاث. وقيل : كان الرجال والنساء يصلّون جميعا ، فلما نزلت : (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) (١٦٤) تقدّم الرجال وتأخر النساء. والآية فيها ردّ على النساء المطالبات بأن يعامل النساء فى المجتمع معاملة الرجال ، وأن يمتهنوا مهنهم.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) (١٦٥) : قيل : كان الناس يصلّون متبددين ، فأنزل الله الآية فأمرهم أن يصفّوا ، وقال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربّها ، يتمّون الصف الأول ويتراصّون فى الصف». والصلاة صفوفا من مزايا الإسلام ويحسدنا عليها الآخرون.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ) (١٧٦) : قيل : كانوا يقولون من فرط تكذيبهم : متى هذا العذاب ، فنزلت الآية ـ أى لا تستعجلوه فإنه واقع بكم.

* * *

١٠٥٠ ـ فى أسباب نزول آيات سورة ص

١ ـ فى قوله تعالى : (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ) (٧) : قيل : إن أبا طالب مرض فجاءت قريش ، وجاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان هناك مكان للجلوس شاغرا عند رأس أبى طالب ، فتوجه إليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليجلس ، فقام أبو جهل يمنعه. قيل : وشكوه إلى أبى طالب أنه يسبّ آلهتهم ، فقال أبو طالب : يا ابن أخى ، ما تريد من قومك؟ فقال : «يا عمّ ، إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم بها العرب ، وتدين لهم بها العجم» ، فقال : وما هى؟ قال : «لا إله إلا الله». قال : فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا؟ قال : فنزلت فيهم هذه الآيات. وقوله : تذلّ بها العرب تضعف الحديث ، لأن العرب بها شرّفوا وكرّموا. وليس هذا هو أسلوب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا فهمه للإسلام والقرآن.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) (٥) : قيل : أن أبا

١٦١

جهل بن هشام ، وشيبة وعتبة ابني ربيعة بن عبد شمس ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، وأبا معيط ، مشوا إلى أبى طالب فى مرضه ، فقالوا : أنت سيدنا ، فأنصفنا فى أنفسنا ، واكفنا أمر ابن أخيك وسفهاء معه ، فقد تركوا آلهتنا ، وطعنوا فى ديننا! فأرسل أبو طالب إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال له : إن قومك يدعونك إلى السواء والنصفة. فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنما أدعوهم إلى كلمة واحدة» ، فقال أبو جهل : وعشرا ـ أى وعشر كلمات وليس كلمة واحدة. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تقولون لا إله إلا الله» ، فقاموا وقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا؟! إن هذا لشىء عجاب! ـ والعجاب هو الذى تجاوز حدّ العجب. والعجاب حقا أن تتعدّد الآلهة لا أن تتوحّد!

* * *

١٠٥١ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الزمر

١ ـ فى قوله تعالى : (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى ...) (٣) : قيل : هؤلاء هم كفار قريش ، كانوا إذا قيل لهم : من ربّكم وخالقكم؟ ومن خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله ، فيقال لهم : وما معنى عبادتكم الأصنام؟ يقولون : ليقرّبونا إلى الله زلفى ويشفعوا لنا عنده ، وقيل : الآية نزلت فى ثلاثة أحياء : عامر ، وكنانة ، وبنى سلمة.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٩) : قيل : الآية نزلت فى عثمان بن عفان ؛ وقيل نزلت فى أبى بكر وعمر ؛ وقيل : إن القانت فى الآية هو عمّار بن ياسر ؛ وقيل : نزلت الآية فى صهيب وأبى ذرّ ، وابن مسعود ، وسالم مولى أبى حذيفة.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ) (١٧) : قيل : نزلت فى عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد ، وسعيد ، وطلحة ، والزبير ، فأخبرهم أبو بكر بإيمانه ، فآمنوا. وقيل : نزلت فى زيد ابن عمرو بن نفيل ، وأبى ذرّ الغفارى ، وسلمان الفارسى. فهؤلاء لم يعبدوا الأوثان فى جاهليتهم ، واتّبعوا أحسن ما صار القول إليهم ، فأولئك الذين هداهم الله.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) (١٩) : قيل : نزلت الآية لمّا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحرص على إيمان قوم ويدعوهم باستمرار وهم لا يستجيبون. وقيل : المراد بالآية هو أبو لهب وولده ، ومن تخلّف من عشيرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الإيمان. والمعنى : أفأنت تنقذ من حقّت عليه كلمة العذاب؟

١٦٢

٥ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٢٢) : قيل : الآية نزلت فى علىّ وحمزة. وقيل : نزلت فى عمر بن الخطاب. وقيل : نزلت فى عمّار بن ياسر. وقيل : نزلت فى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : الآية عامة فيمن شرح الله صدره للإيمان.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) (٢٣) : قيل : إن أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سألوه أن يحدّثهم ، فأنزل الله عزوجل : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ...) ، فقالوا : لو قصصت علينا؟ فأنزل : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) (٣) (يوسف) ، فقالوا : لو ذكّرتنا؟ فنزل : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) (١٦) (الحديد).

٧ ـ وفى قوله تعالى : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (٣١) : قيل عن الزبير أنه قال : لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا ، فقلنا : وكيف نختصم ونبينا واحد ، وديننا واحد؟ إلى أن رأينا بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف ، فعرفنا أن الآية فينا نزلت. وقال : لقد عرفنا أن الآية نزلت فينا لمّا قتل عثمان واندلعت الفتنة بين المسلمين.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (٣٣) : قيل : الآية نزلت فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفى أبى بكر الصديق ؛ فالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الذى جاء بالصدق ، وأبو بكر الصدّيق هو الذى صدّق به ؛ أو هم المؤمنون ، بدليل قوله تعالى : (هُمُ الْمُتَّقُونَ).

٩ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) (٣٦) : قيل : إن قريشا حذّرت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لئن لم ينته عن شتم آلهتهم ، فإنه سيصيبه منها الخبل أو الجنون. وقيل : قالت قريش : لئن لم ينته محمد عن سبّ آلهتنا وتعييبها لنسلطنّها عليه ، فتصيبه بخبل وتعتريه بسوء.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (٤٥) : قيل : نزلت فى قراءة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سورة النجم عند الكعبة ، وقيل إن الشيطان ألقى فى أمنيته عند القراءة : «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم ترتجى». فإذا هم يستبشرون ـ أى يفرحون وهذا هراء وسخف ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم معصوم ، وإلا فكيف يؤتمن على الرسالة؟!

١٦٣

١١ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٥٣) : قيل : عن عمر بن الخطاب أنه قال : لمّا اجتمعت على الهجرة ، اتّعدت (اتفقت) أنا ، وهشام بن العاص بن وائل السهمى ، وعيّاش بن أبى ربيعة بن عتبة ، فقلت : الموعد أضاة بنى غفار (يعنى آبار بنى غفار). وقلت : من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه. فأصبحت أنا وعياش بن عتبة ، وحبس عنا هشام ، وإذا به قد فتن ، فكنا نقول بالمدينة : هؤلاء قد عرفوا الله ورسوله ، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة ، وكانوا هم أيضا يقولون هذا فى أنفسهم ، فأنزل الله هذه الآية. وعن ابن عباس قال : كان قوم من المشركين ، قتلوا فأكثروا ، وزنوا فأكثروا ، فبعثوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن ما تدعو إليه لحسن ، أو تخبرنا أن لنا توبة؟ فأنزل الله هذه الآية. وعن ابن عباس قال : نزلت الآية فى أهل مكة ، قالوا : يزعم محمد ، أن من عبد الأوثان ، وقتل النفس التى حرّم الله لم يغفر له ، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر ، وقتلنا النفس التى حرّم الله؟! فنزلت الآية. وقال ابن عباس أيضا : نزلت الآية فى وحشى قاتل حمزة ، لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه. قال : أتى وحشى إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : يا محمد ، أتيتك مستجيرا ، فأجرنى حتى أسمع كلام الله. قال : فإنى أشركت بالله وقتلت النفس التى حرّم الله ، وزنيت. هل يقبل الله منى توبة؟ فصمت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى نزلت الآية : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً) (٦٨) (الفرقان) ، فتلاها عليه ، فقال : أرى شرطا ، فلعلى لا أعمل صالحا؟ أنا فى جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً) (٤٨) (النساء) فدعا به ، فتلا عليه ، قال : فلعلى ممن لا يشاء؟ أنا فى جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت الآية : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٥٣) (الزمر) ، فقال : نعم ، الآن لا أرى شرطا! فأسلم.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ) (٦٤) : قيل : الآية نزلت فى المشركين ـ الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب ، وأمية بن خلف ، قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هلم يا محمد ، فلتعبد آلهتنا ، ولنعبد ما تعبد ، فنزلت الآية.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٦٧) : قيل : سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن يوم القيامة ، ونظر المشركون فيما قال عما يئول إليه أمر الكون ، وتعجبوا ، فأنزل الله الآية. وقيل : تكلموا فى صفة الربّ ، وقالوا بما لم يعلموا ولم يروا ، فأنزل الله الآية.

١٦٤

وقيل : لمّا نزلت : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) (البقرة ٢٥٥) قالوا : يا رسول الله ، هذا الكرسى هكذا ، فكيف العرش؟ فأنزل الله : (وَما قَدَرُوا اللهَ) الآية. وهذا غلط ، لأن سورة الزمر مكية ، والبقرة مدنية ، فلا يمكن أن تتنزل آية البقرة قبل آية الزمر.

* * *

١٠٥٢ ـ فى أسباب نزول آيات سورة غافر

١ ـ فى قوله تعالى : (ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ) (٤) : قيل : نزلت فى الحارث بن قيس السهمى ، وكان كثير السفر بين البلاد ، والجدل فى آيات القرآن ، فسجل الله تعالى عليه كفره.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (٥٦) : قيل : الآية مدنية بينما السورة مكية ، ونزلت الآية فى جماعة من اليهود أتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجادلان فى الدجّال ، وأنه يأتى فى آخر الزمان ، وهو يهودى منهم ، وعظّموا أمره ، وقالوا يفعل كذا وكذا ، فأنزل الله فيهم الآية ، وأمر نبيه أن يتعوّذ من فتنة الدجال. والصحيح أن الروايات فى الدجّال جميعها من الإسرائيليات. ومما قيل فيه : إنه يهودى واسمه صاف ، ويكنّى أبا يوسف. وقال اليهود : الدجّال يخرج ويردّ الملك إليهم ، وهو آية من آيات الله. والمفسرون الذين لم يروا إنكار الدجّال قالوا إنه كل من يكفر بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (٦٦) : قيل : نزلت فى الوليد بن المغيرة ، وشيبة بن ربيعة ، قالا : يا محمد ، ارجع عمّا تقول ، وعليك بدين آبائك وأجدادك. فأنزل الله الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) (٦٩) : قيل : نزلت فى المشركين ، وقيل : نزلت فى القدرية. وقال ابن سيرين : إن لم تكن هذه الآية نزلت فى القدرية ، فلا أدرى فيمن نزلت. وقيل فى حديث موضوع عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نزلت هذه الآية فى القدرية» ولم يكن القدرية فى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم!

* * *

١٠٥٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة فصلت

١ ـ فى قوله تعالى : (وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ) (٢٢) : قيل : اختصم ثلاثة نفر ـ قرشيان وثقفى أو العكس ، عند البيت ، فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال

١٦٥

الآخر : يسمع إن جهرنا ، ولا يسمع أن أخفينا. وقال الآخر : إن كان يسمع لنا جهرنا ، فهو يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله الآية.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (٣٠) : قيل : نزلت هذه الآية فى أبى بكر فقد آمن بالله وحده لا شريك له وظل على إيمانه ، فذلك معنى الآية. وقيل : من قول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لسفيان بن عبد الله الثقفى لمّا سأله قولا فى الإسلام لا يسأل عنه أحدا بعده ، وفى رواية ـ لا أسأل عنه أحدا غيرك ، قال : «قل آمنت بالله ثم استقم» أخرجه مسلم ، فنزلت الآية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٣٣) : قيل : نزلت الآية فى المؤذنين ، وقيل : هى عامة فى كل من دعا إلى الله. وقيل : نزلت فى كل مؤمن أدّى الفرائض واجتنب المحارم وأكثر المندوب.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (٣٤) : قيل : نزلت فى أبى سفيان بن حرب ، وكان مؤذيا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فصار له وليا بعد أن كان عدوا ، بالمصاهرة التى وقعت بينهما ، ثم أسلم فصار وليا فى المسلمين ، حميما بالقرابة. والحق أن إيمانه مشكوك فيه ، وكذلك كل بنى أمية ، وخاصة معاوية ابنه! وقيل : نزلت الآية فى أبى جهل بن هشام ، وكان يؤذى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمر الله تعالى بالصبر عليه ، والصفح عنه ، وقيل : الآية عامة ، كسلوك عام للمسلم فى كل وقت.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٤٠) : قيل : الآية نزلت فى أبى جهل فهو الذى يلقى فى النار ، وأما الذى يأتى آمنا يوم القيامة فهو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل هو عثمان. وقيل : عمّار بن ياسر. وقيل حمزة. وقيل : أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومى. وقيل : المؤمنون. وقيل : الآية نزلت فى العموم ، وهذا هو الصحيح ، فالذى يلقى فى النار الكافر ، والذى يأتى آمنا يوم القيامة المؤمن.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) (٤٤) : قيل : قالت قريش لو لا أنزل القرآن أعجميا وعربيا ، فتكون بعض آياته أعجمية ، وبعضها عربية ، فنزلت الآية.

* * *

١٠٥٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الشورى

١ ـ فى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ

١٦٦

رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ) (١٦) : قيل : نزلت فى كفار قريش ، فلما دخل الناس فى الإسلام وكثر المسلمون ، قالوا لهم : لقد دخلتم فى الإسلام وكثر عددكم فعلام تقيمون بين أظهرنا؟ فنزلت الآية. وقيل : الآية مدنية ونزلت فى الذين يحاجّون فى الله من اليهود والنصارى ، ومحاجتهم قالوا : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن خير منكم ، فكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب وأولاد أنبياء ، وكان المشركون يقولون : (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) (٧٣) ، فنزلت الآية.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) (٢٣) : قيل : الآية مدنية ، فلما قدم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما فى يديه ، فقالت الأنصار : إن هذا الرجل هداكم الله به ، وهو ابن أخيكم ، وتنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما فى يديه ، فنجمع له ، ففعلوا ، ثم أتوه به ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت حين تفاخرت الأنصار والمهاجرون ، فقالت الأنصار نحن فعلنا ، وفخر المهاجرون بقرابتهم من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلمّا سمع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم خطب فى الأنصار فقال : «ألم تكونوا أذلاء فأعزكم الله بى؟! ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بى؟ ألم تكونوا خائفين فآمنكم الله بى؟ ألا تردون علىّ؟» فقالوا : بم نجيبك؟ قال : «تقولون ألم يطردك قومك فأويناك؟ ألم يكذبك قومك فصدقناك؟» ... فعدّد عليهم ، فجثوا على ركبهم فقالوا : أنفسنا وأموالنا لك ، فنزلت الآية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) (٢٧) : قيل : نزلت هذه الآية فى قوم من أهل الصّفّة تمنّوا سعة الرزق. وقال خبّاب بن الأرتّ : فينا نزلت. نظرنا إلى أموال بنى النضير وقريظة وبنى قينقاع فتمنيناها ، فنزلت.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (٣٦) : قيل : قال علىّ : اجتمع لأبى بكر مرة مال فتصدّق به كله فى سبيل الخير ، فلامه المسلمون وخطّأه الكافرون ، فنزلت الآية.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (٣٧) : قيل : نزلت فى عمر حين شتم بمكة. وقيل : فى أبى بكر حين لامه الناس على إنفاق ماله كله ، وحين شتم فحلم.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (٤٣) : قيل : نزلت

١٦٧

هذه الآية فى أبى بكر الصدّيق مع خمس آيات قبلها : (وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٤٢) ، وكان قد شتمه بعض الأنصار فردّ عليه ثم أمسك. والسورة مكية إلا هذه الآيات فهى مدنية ، والصحيح أن الآيات مكية. وقيل : هذه الآيات فى المشركين ، وهذا هو الأصحّ ، وكان هذا فى ابتداء الإسلام قبل الأمر بالردّ على العدوان ، ثم نسختها آية القتال ، والصحيح أنه لا نسخ هناك ، وهذه الآيات شىء وآية القتال شىء آخر ، وقيل المقصود بقوله تعالى : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) (٤١) ، يعنى كل من ظلم من المهاجرين ، فأولئك لا سبيل عليهم لو انتصروا لأنفسهم ، أى لا تثريب عليهم : (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٤٢).

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (٥١) : قيل : إن اليهود قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر اليه ، فإنّا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك؟ فنزلت الآية : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً ...).

* * *

١٠٥٥ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الزخرف

١ ـ فى قوله تعالى : (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (١٨) : قيل : قالوا الملائكة بنات الله فنزلت الآية ، ومعناها : أيضاف إلى الله من ينشأ فى الترف والذهب والحرير ، فإذا خاصم لا يستطيع أن ينتصر لنفسه؟ قيل : النساء تكون لهن الحجة فما أن تتكلم بها إلا وتجعلها على نفسها ، أو أنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها وتركن إلى السكون أو البكاء.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ) (١٩) : قيل : الآية نزلت لفضح كذب المشركين لمّا قالوا الملائكة بنات الله ، فكيف حكموا بأنهم إناث من غير دليل؟ أشهدوا خلقهم؟!

٣ ـ وفى قوله تعالى : (سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ) (١٩) : قيل : لمّا سألهم : هل أشهدكم خلق الملائكة فعرفتم بالدليل أنهم بنات؟ قالوا : سمعنا بذلك من آبائنا ، ونحن نؤمن بدورنا أنهم إناث ، فنزلت الآية ، وسؤالهم يكون يوم القيامة.

١٦٨

٤ ـ وفى قوله تعالى : (بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (٢٢) : قيل : الآية نزلت فى الوليد بن المغيرة ، وأبى سفيان ، وأبى جهل ، وعتبة وشيبة ابني ربيعة من قريش ، وهؤلاء هم الذين قالوا هذه المقالة ؛ والأمة : المذهب أو الطريقة.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (٢٣) : قيل : نزلت الآية فى المترفين ، وهم المنعّمون ، والمراد بهم السادة والكبراء ، وكما قال هؤلاء ، قال من قبلهم أمثالهم فى أمم أخرى ، ونظير الآية قوله تعالى : (ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ) (٤٣) (فصلت).

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (٣١) : قيل : نزلت فى الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم عمّ أبى جهل ، وكان يدعى ريحانة قريش. ونزلت فى رجل آخر من أهل الطائف هو : أبو مسعود عروة ابن مسعود الثقفى ، وقيل : هو عمير بن عبد يا ليل الثقفى ، وقيل هو : حبيب بن عمرو الثقفى ، وقيل هو كنانة بن عبد بن عمرو. وكان الوليد يقول لأهل مكة : لو كان ما يقوله محمد حقا ، لنزل علىّ أو على أبى مسعود. فنزلت الآية ونزل معها : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (٣٢) (الزخرف).

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (٣٦) : قيل : الآية نزلت فى الخبر : أن الكافر بالله يشفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخلا النار ، والمؤمن يشفع بملك حتى يقضى الله بين خلقه ، والقرين هو الملازم والمصاحب. وقيل : كانت قريش تقيّض لكل مؤمن قرينا من الكفار يدعوه إلى عبادة اللات والعزى. وقيل : إذا بعث الكافر زوّج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه فى الآخرة مثلما لم يفارقه فى الدنيا ، حتى يصير به إلى النار. ويناظر القرين الخليل فى البشر ، ويمكن أن يكون مؤمنا أو شيطانا من الإنس ، وكان أمية بن خلف الجمحى خليل أو قرين عقبة بن أبى معيط يوحى له بالكفر ، وقتلا يوم بدر.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) (٥٧) : قيل : إن قريشا قالت إن محمدا يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى ، فصدّوا من المثل لهذا السبب ، ونزلت الآية تنفى هذا المعنى.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (٦٧) : قيل : نزلت الآية فى أمية بن خلف الجمحى ، وعقبة بن أبى معيط ، كانا خليلين ، وكان عقبة

١٦٩

يجالس النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالت قريش : قد صبأ عقبة بن أبى معيط ، فقال له أمية خليله : وجهى من وجهك حرام إن لقيت محمدا ، ولم تتفل فى وجهه. فقتل يوم بدر صبرا ، وقتل أمية فى المعركة ، وفيهما نزلت هذه الآية ، وهى عامة.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (٨٠) : قيل : بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها ، قريشيان وثقفى ، أو ثقفيان وقرشى ، فقال واحد منهم : ترون الله يسمع كلامنا؟ فقال آخر : إذا جهرتم يسمع ، وإذا أسررتم لم يسمع. فأنزلت الآية. (انظر أيضا أسباب نزول الآية ٢٢ من سورة فصلت).

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٨٦) : قيل : نزلت بسبب أن النضر بن الحارث ونفرا من قريش قالوا : إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة وهم أحق بالشفاعة لنا منه ، فنزلت الآية.

* * *

١٠٥٦ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الدخان

١ ـ فى قوله تعالى : (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ) (١٠) : قيل : إن قريشا استعصوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فدعا عليهم بسنين كسنيّ يوسف ، فأصابهم قحط حتى أكلوا العظام ، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد ، فأنزل الله هذه الآية ، والآية الأخرى : (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ) (١٥) (الدخان) ، فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله : (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) (١٦) (الدخان). وقيل : إن يوم البطشة الكبرى كان يوم بدر. والصحيح أن هذه الآيات عامة فى الناس جميعا ، وهذه العلامات من إرهاصات يوم القيامة ، والبطشة الكبرى هى قيام الساعة لأنها خاتمة بطشاته تعالى فى الدنيا.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ) (١٥) : قيل : لما دعوا الله : (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) (١٢) : ردّ عليهم : (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ) (١٥) ، أشار بهذا إلى أنهم سيعودون إلى كفرهم بعد أن يرفع الغمة عنهم.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٣٦) : قيل : قائل هذا الكلام من كفار قريش هو أبو جهل ، قال : يا محمد ، إن كنت صادقا فى قولك ، فابعث لنا رجلين من آبائنا ، أحدهما قصىّ بن كلاب ، فإنه كان رجلا صادقا ، لنسأله عمّا يكون بعد الموت.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ) (٤٤) : قيل : إن أبا جهل كان يأتى بالتمر والزبد فيقول : تزقّموا فهذا الزقوم الذى يعدكم به محمد ، فنزلت الآية.

١٧٠

٥ ـ وفى قوله تعالى : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (٤٩) : قيل : نزلت فى أبى جهل ، وكان يقول عن نفسه : ما فى مكة أعزّ منى ولا أكرم ، فلذلك قيل له : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (٤٩). وقيل : التقى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو جهل ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله أمرنى أن أقول لك : (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) (٣٥) (القيامة) ، فقال أبو جهل : بأى شىء تهددنى؟! والله ، ما تستطيع أنت ولا ربّك أن تفعلا بى شيئا! إنى لمن أعز هذا الوادى وأكرمه على قومه! قيل : فقتله الله يوم بدر وأذلّه ونزلت هذه الآية. وقيل : إن أبا جهل أخذ نبىّ الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمجامع ثيابه فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) (٣٥) ، فقال أبو جهل : تتوعدنى يا محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربّك شيئا ، وإنى لأعزّ من مشى بين جبليها. يقصد جبلي مكة.

* * *

١٠٥٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الجاثية

١ ـ فى قوله تعالى : (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) (٧) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث ؛ وقيل : فى الحارث بن كلدة ، وقيل : فى أبى جهل وأصحابه ، قيل فيه : (يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٨).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٤) : قيل : نزلت الآية بسبب أن رجلا من قريش شتم عمر بن الخطاب ، فهمّ ـ عمر أن يبطش به. وقيل : نزلت فى عمر مع عبد الله بن أبىّ فى غزوة بنى المصطلق ، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها المريسيع ، فأرسل عبد الله غلامه ليستقى وأبطأ ، ولما عاد تعلل بأن غلاما لعمر بن الخطاب قعد على فم البئر فما يترك لأحد أن يستقى حتى ملأ قرب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقرب أبى بكر وعمر ، فقال عبد الله : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمّن كلبك يأكلك! ـ فبلغ ذلك عمر ، فاشتمل سيفه يريد عبد الله فأنزل الله الآية. وقيل : لمّا نزلت : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٢٤٥) ، قال يهودى بالمدينة اسمه فنحاص : احتاج ربّ محمد! فلما سمع عمر بذلك ، اشتمل سيفه وخرج فى طلبه ، فنزلت الآية على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فبعث فى طلب عمر ، فلما جاء أمره أن يضع سيفه وقرأ عليه الآية ، فقال عمر : لا جرم ، والذى بعثك بالحق لا ترى الغضب فى وجهى.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ) (٢١) : قيل : نزلت فى عتبة وشيبة ابني ربيعة ، والوليد بن عتبة ، فهم الذين اجترحوا السيئات ، والذين آمنوا هم علىّ وحمزة وعبيدة

١٧١

بن الحارث ، حين برزوا إليهم يوم بدر. وقيل : نزلت فى قوم من المشركين ، قالوا : إنهم يعطون فى الآخرة خيرا مما يعطاه المؤمن.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (٢٣) : قيل : ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه ، نزلت فى الحارث بن قيس السهمى أحد المستهزئين ، لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه. وقيل : نزلت فى الحارث بن نوفل بن عبد مناف. وقيل : نزلت فى أبى جهل. وكان يطوف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة ، فتحدثا فى شأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال أبو جهل : الله! إنى لأعلم أنه لصادق! كنا نسميه فى صباه الصادق الأمين ، فلما تم عقله وكمل رشده نسميه الكذّاب الخائن؟! قال له الوليد : فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به؟ قال : تتحدث عنى قريش أنى اتبعت يتيم أبى طالب! واللات والعزى لا أتّبعنه أبدا! فنزلت (وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ...).

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (٢٤) : قيل : نزلت عامة فى أهل الجاهلية ، وكانوا يقولون : الدهر هو الذى يهلكنا ، وهو الذى يحيينا ويميتنا ، فنزلت هذه الآية.

* * *

١٠٥٨ ـ أسباب نزول سورة الاحقاف

١ ـ فى قوله تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠) : قيل : نزلت فى عبد الله بن سلام ، وكان يهوديا وأسلم ، وشهد مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى خلافه مع اليهود فى مسألة الزنا وعقوبته ، هل الرجم فى التوراة أم لا؟ ثم إنه فتح التوراة وأشار إلى الآية ، وبسبب ذلك أسلم ابن سلام لمّا رأى لجاجة اليهود وميلهم عن الحق.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ) (١١) : قيل : إن أبا ذر الغفارى دعاه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الإسلام بمكة فأجاب ، واستجار به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم ، ثم دعاهم الزعيم فأسلموا ، فبلغ ذلك قريشا فقالوا : غفار الحلفاء! لو كان هذا خيرا ما سبقونا إليه! ـ يعنى كنا نحن نسبقهم ولم يسبقونا ، فنزلت الآية. وقيل : إن زنيرة ، وكانت مولاة لبنى عبد الدار ، وأسلمت ، وكانت أحد سبعة كانوا يعذبون فى الله ، فاشتراهم أبو بكر وأعتقهم. فلمّا أسلمت عميت ، فقال المشركون : أعمتها اللات والعزّى! فردّ الله عليها بصرها ، فقالت قريش : لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة ، فأنزل الله هذه الآية. وقيل :

١٧٢

إن الذين كفروا هم بنو عامر ، وغطفان ، وتميم ، وأسد ، وحنظلة ، وأشجع. وقالوا لمن أسلم من غفار ، وجهينة ، ومزينة ، وخزاعة : لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه رعاة البهم ، إذ نحن أعز منهم! فنزلت الآية. وقيل : إن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا منهم ـ يعنى عبد الله بن سلام : لو كان دين محمد حقا ، ما سبقونا إليه! وهذه المعارضة منهم من أكبر المعارضات لأنها انقلبت على أصحابها ، فقال لهم المسلمون : لو كان ما أنتم عليه خيرا ما عدلنا عنه ، ولو كان تكذيبكم للرسول خيرا ما سبقتمونا إليه!

٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (١٣) : قيل : نزلت فى أبى بكر.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (١٥) : قيل : نزلت فى سعد بن أبى وقاص. وقيل : نزلت فى أبى بكر الصدّيق : أسلم أبواه جميعا ، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره ، فأوصاه الله بهما ، فكان يدعو لهما. ووالده هو أبو قحافة ، وأمه : أم الخير. واستجاب الله له فيهما ، فكان يشكر الله ، وأعتق فى مناسبة نزول هذه الآية تسعة من المؤمنين يعذّبون فى الله ، منهم : بلال ، وعامر بن فهيرة. ولم يدع شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه. ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسلم هو وأبواه وأولاده وبناته كلهم إلا أبو بكر ، فذلك قوله : (قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ) ، ودعاؤه لنفسه ولذريته بالصلاح ، وإعلانه المرة تلو المرة توبته وأنه من المسلمين.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (١٧) : قيل : نزلت فى عبد الله بن أبى بكر ، مع أن عبد الله أسلم قديما وكان يحمل الطعام وأخبار قريش إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبى بكر إذ هما فى الغار ، وشهد فتح مكة ، وحنينا ، والطائف ، وأصيب يوم الطائف بسهم لم يؤذه فى حينه ، ولكنه انتقض عليه فتوفى بعلّته ، فكان لهذا مسلما طول حياته تقريبا. وقيل : نزلت فى عبد الرحمن بن أبى بكر ، وكان أبواه يدعوانه إلى الإسلام ، ويعدانه بالبعث ، فيجيبهما بما أخبر الله عزوجل ، وذلك قبل أن يسلم ، وهو غير صحيح ، والذى روّج لهذه الفرية هم الشيعة من أصحاب علىّ ، ينقمون على أبى بكر ، لمكانة أبى بكر من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وخلافته بعده ، وإصراره على أن الأنبياء لا يورثون ، وأنه لا ميراث لفاطمة ولا لعلىّ بعد وفاة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وكذلك نقموا على عبد

١٧٣

الرحمن اشتراكه مع أخته عائشة فى وقعة الجمل ودفاعه عنها ، ولما ولى معاوية وأراد أخذ البيعة لابنه يزيد ، وكان عبد الرحمن حاضرا ، أبدى غضبه واستياءه ، وقال مقالته المشهورة : «أهرقلية»؟ (نسبة إلى هرقل) ، فكلما مات قيصر كان قيصر مكانه؟ لا نفعل والله أبدا! ومن أجل ذلك أذاع عنه الشيعة ومعاوية أنه موضوع هذه الآية. ونفت الصادقة المبرّأة من فوق سبع سماوات ، عائشة أم المؤمنين ، أن تكون الآية نزلت فى عبد الرحمن ، وكيف تقصد هذه الآية عبد الرحمن ، والآية التى بعدها مباشرة تقول : (أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ) (١٨) (الأحقاف) ، يعنى أن المقصود بالآية الأولى هم الذين تتحدث عنهم الآية الثانية ، وهذا العذاب الذى يتوعدهم به الله من ضرورته عدم الإيمان ، وعبد الرحمن بن أبى بكر كان من أفاضل المؤمنين. وكما فى علم سيكولوجية الإشاعة ، فإن تتبع الإشاعة من أصول هذا العلم. وفى الخبر أن معاوية كتب لمروان بن الحكم والى المدينة حتى يبايع الناس ليزيد ، فأجاب عبد الرحمن : لقد جئتم بها هرقلية! (نسبة إلى هرقل ملك الروم ، والمراد أن المبايعة لأولاد الملوك كان سنة ملوك دولة الروم ، فهل سيكون المسلمون مثلهم؟) وقال عبد الرحمن : أتبايعون لأبنائكم؟! فقال مروان تسخيفا له واستهزاء به وتشنيعا عليه : وهو (يشير إلى عبد الرحمن) الذى يقول فيه : (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما) (الأحقاف) ، فردّت عليه عائشة : والله (لاحظ أنها أقسمت) ما هو به! ولو شئت لسميت! ولكن الله لعن أباك وأنت فى صلبه ، فأنت فضض!! (يعنى قطعة من لعنة الله). فلنحذر يا أخى أمثال مروان بن الحكم الذين قال الله فيهم محذرا : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (١٩) (النور) ، وهدف هؤلاء الطعن فى رموز الإسلام ، وعبد الرحمن بن أبى بكر كان من الرموز ، وكان من رواة الحديث.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) (٢٩) : قيل : قال ابن مسعود : إن الجن هبطوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا ، ونزلت الآية إلى قوله : (وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٣٢) (الأحقاف).

* * *

١٠٥٩ ـ أسباب نزول آيات سورة محمد

١ ـ فى قوله تعالى : (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) (١) : قيل : نزلت هذه الآية فى اثنى عشر رجلا اشتهروا بالمكارم ، كصلة الأرحام ، وفكّ الأسارى ،

١٧٤

وقرى الأضياف ، وحفظ الجوار ، ولكنهم كفروا بالله ، وأنكروا الدعوة ، وحرضوا الناس على أن لا يؤمنوا ، فما أغنتهم مكارمهم عن الله شيئا. وهؤلاء كانوا : أبا جهل ، والحارث بن هشام ، وعتبة ، وشيبة ابني ربيعة ، وحكيم بن حزام ، ومنبّه ونبيه ابني الحجاج ، وأبا البخترى بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، والحارث بن عامر بن نوفل ، وأبىّ وأميّة ابني خلف.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ) (٤) : قيل : نزلت الآية يوم أحد ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الشعب ، وقد فشت فى المسلمين الجراحات والقتل ، ونادى المشركون : أعل هبل ، ونادى المسلمون : الله أعلى وأجلّ ، وقال المشركون : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : قولوا لا سواء. قتلانا أحياء عند ربّهم يرزقون ، وقتلاكم فى النار يعذّبون» ، فقال المشركون : إن لنا العزّى ولا عزّى لكم ، فقال المسلمون : الله مولانا ولا مولى لكم!

٣ ـ وفى قوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ) (١١) : قيل : نزلت يوم أحد ، إذ صاح المشركون : لنا العزى ولا عزّى لكم ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم».

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ) (١٣) : قيل : لما خرج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال : «اللهم أنت أحبّ البلاد إلى الله ، وأنت أحبّ البلاد إلىّ ، ولو لا المشركون أهلك أخرجونى لما خرجت» فنزلت الآية.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) (١٦) : قيل : الذين قالوا ذلك هم المنافقون : عبد الله بن أبىّ بن سلول ، ورفاعة بن التابوت ، وزيد بن الصلت ، والحارث بن عمرو ، ومالك بن دخشيم ، وكانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة ، فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه ، فإذا خرجوا قالوا : ما ذا قال آنفا؟ وكانوا يحضرون عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع المؤمنين ، ويستمعون ما يقول ، حتى إذا خرجوا من عنده وقاموا من مجلسه قالوا ما ذا قال؟ أو ما ذا فهمتم مما قال؟ وما هو الجديد فيما قال؟!

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) (١٧) : قيل : نزلت هذه الآية فيمن آمن من أهل الكتاب.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) (٢٢) : قيل : نزلت فى بنى أمية ، وبنى هاشم ، قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هم هذا الحىّ من قريش ، أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألا يفسدوا فى الأرض ولا يقطعوا أرحامهم.

١٧٥

٨ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) (٣٣) : قيل : كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب ، إلى أن أنزلت هذه الآية لهذا السبب ، فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال.

* * *

١٠٦٠ ـ أسباب نزول سورة الفتح

١ ـ فى قوله تعالى : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) (١) : قيل : لما نزلت (وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ...) (٩) (الأحقاف) ، قال اليهود : كيف نتبع رجلا لا يدرى ما يفعل به؟ فاشتد ذلك على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأنزل الله : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) (٢) (الفتح). ونزلت سورة الفتح من أولها إلى آخرها ليلا بين مكة والمدينة فى شأن الحديبية ، وقال عمر لما نزلت : أو فتح هو يا رسول الله؟ قال : «نعم والذى نفسى بيده ، إنه لفتح». والآية نزلت تدل على أن مكة فتحت عنوة.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) (٢) : قيل : نزلت لمّا أذنب يوم بدر حينما دعا : «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد فى الأرض أبدا» أخرجه مسلم ، فهذا هو الذنب المتقدم ، لأنه أوحى إليه من بعده أن ربّه يقول له : من أين تعلم أنى لو أهلكت هذه العصابة لا أعبد أبدا؟! وفى حنين لمّا انهزم الناس قبض النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على حفنات من الحصباء وظل يرمى بها فى وجوه المشركين ويقول : «شاهت الوجوه ، حم ، لا ينصرون» فامتلأت عيون المشركين بالرمل والحصباء ، فتقاعسوا وعاد المسلمون فقال لهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو لم أرمهم لم ينهزموا» ، فأنزل الله : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١٧) (الأنفال) ، وأنزل فى المرتين هذه الآية من سورة الفتح ليعلم أن قد غفر الله له الذنبين القديم والحديث.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) (٤) : قيل : لمّا بعث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله ، وصدّقوه بها ، زادهم الصلاة ، فلما صدّقوه ، زادهم الزكاة ، فلما صدّقوه زادهم الصيام ، فلما صدّقوه زادهم الحج ، وأنزلت هذه الآية إكمالا لدينهم فذلك قوله : (لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ).

٤ ـ وفى قوله تعالى : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً) (٥) : قيل : لمّا قرأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أصحابه : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (الفتح ٢) ، قالوا : هنيئا

١٧٦

لك. فنزلت : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) (الفتح ٥) ؛ فلما قرأ : (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) (الفتح ٢) ، قالوا : هنيئا لك. فقرأ عليهم من سورة المائدة : (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (المائدة ٣) ، فلما قرأ : (وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) (٢) (الفتح) نزل فى حق الأمة : (وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) (٢) (الفتح) ؛ ولما قال : (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً) (٣) (الفتح) ، قرأ كذلك الآية (وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (٤٧) (الروم). وهو كقوله تعالى فى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٥٦) (الأحزاب) ، فقال فيهم كذلك : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) (الأحزاب ٤٣).

٥ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ...) (١٠) : قيل : نزلت فى الذين بايعوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحديبية. وهذه المبايعة هى بيعة الرضوان.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا ...) (١١) : قيل : نزلت فى أعراب غفار ، ومزينة ، وجهينة ، وأسلم ، وأشجع ، والدّيل ، وهم الذين كانوا حول المدينة وتخلفوا عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ ...) (١٥) : قيل : نزلت فيمن أراد أن يتبع جيش النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من المخلفين طمعا فى المغانم ، يريدون أن يحتالوا على كلام الله ، ووعده الذى وعده أهل الحديبية عند ما جعل لهم غنائم خيبر عوضا عن فتح مكة.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) (١٦) : قيل : نزلت فى هوازن وغطفان يوم حنين ، وفى بنى حنيفة أصحاب مسيلمة ، وفى فارس والروم ، فهؤلاء هم القوم أولو البأس الشديد ، قالوا : كنا نقرأ هذه الآية : (سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) فلا نعلم من هم ، حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بنى حنيفة وغيرهم فعلمنا أنهم هم.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً) (الفتح ١٧) : قيل : لما نزلت : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) (١٦) (الفتح) ، قال أهل الزمانة : كيف بنا يا رسول الله؟ فنزلت الآية. وقوله : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ) نزلت فيما كان منهم عام الحديبية.

١٧٧

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ..) (١٨) : قيل : هى بيعة الرضوان تحت شجرة سمرة ، نزلت فيها هذه الآية لما بايعه المسلمون على ألا يفروا ولم يبايعوه على الموت. وذلك أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أقام منصرفه من غزوة بنى المصطلق فى شوال ، وخرج فى ذى القعدة معتمرا ، واستنفر الأعراب حول المدينة ، فأبطأ عنه أكثرهم ، وخرج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ، ومن اتّبعه من العرب ، وجميعهم ألف وأربعمائة ، وقيل وخمسمائة ، وقيل غير هذا.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) (٢٠) : قيل : نزلت فى صلح الحديبية ، وقيل فى خيبر ، فعجّل لهم صلح الحديبية ، وكفّ أيدى أهل مكة عنهم بالصلح ، وأيدى اليهود عن المدينة بعد خروج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الحديبية وخيبر ، وأيدى عيينة بن حصن الفزارى ، وعوف بن مالك النضرى ، ومن كان معهما لمّا جاءوا لينصروا أهل خيبر فى حصار النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لهم ، فألقى الرعب فى قلوبهم وكفّهم عن المسلمين ، وفى هؤلاء جميعا نزلت الآية.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً) (٢٤) : قيل : هبط عند صلاة الصبح ثمانون رجلا من أهل مكة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من جبل التنعيم ، وهو أقرب مكان من الحل إلى الحرم ، وبه يحرم من يريد العمرة من أهل مكة والمقيمين بها ، نزلوا متسلحين يريدون غرّة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه فى رجوعهم من الحديبية إلى مكة ، ويقصدون قتل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأخذهم المسلمون أسرى ، فأنزل الله الآية. وقيل كانوا ثلاثين شابا عليهم السلاح. وقيل نحو سبعين أو ثمانين ، ففطن المسلمون لهم وأخذوهم أسرى.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ...) (٢٥) : قيل : هم المستضعفون من المؤمنين فى مكة وسط الكفار ، نزلت فيهم هذه الآية لعزوف المسلمين ، عن مهاجمة مكة مخافة أن يضروهم ، من أمثال : سلمة بن هشام ، وعيّاش بن أبى ربيعة ، وأبى جندل بن سهيل ، وأشباههم.

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (٢٦) : قيل : نزلت فى سهيل بن عمرو لمّا قاضى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أن ينصرف المسلمون عامهم ذلك ، ولا يحضروا إلى مكة معتمرين إلا من قابل ، ويدخلوها بغير سلاح ، وأبى سهيل أن يكتب فى صدر صحيفة الصلح : من محمد رسول الله ، وقال : لو صدّقناك بذلك ما دفعناك عما تريد ، فمن أجل هذه الأنفة الجاهلية نزلت الآية.

١٧٨

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً ..) (٢٩) : قيل : هذه الآية نزلت فيمن فى قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد أصابته هذه الآية.

* * *

١٠٦١ ـ أسباب نزول آيات سورة الحجرات

١ ـ فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١) : قيل : نزلت فى أبى بكر وعمر ، اختلفا حول من يلقى ركب بنى تميم ، فاقترح أبو بكر القعقاع بن معبد ، واقترح عمر الأقرع بن ثابت ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزلت الآية حتى لا ينفردا بالرأى دون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن غير الاحتكام إلى كتاب الله. وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أراد أن يستخلف على المدينة رجلا إذا مضى إلى خيبر ، فأشار عليه عمر برجل آخر ، وجادل عن اقتراحه ، فنزلت الآية حتى لا يقدّموا آراءهم على آراء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : أنه كان قد أرسل وفدا إلى بنى عامر ، فقتلوا منهم واحدا وعشرين ، وبقى ثلاثة هربوا ، فالتقوا رجلين من بنى سليم ، فسألوهما ممن يكونون ، فارتأى الرجلان أن يقولا إنهما من بنى عامر لأنهم أعز من بنى سليم ، فقام إليهم المسلمون الثلاثة وقتلوهم ، وجاء وفد من بنى سليم يطلب الدية ، فودّاهما الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتجادل الرجال الثلاثة فى حضرته ، فنزلت الآية تنهى عن أن يتكلموا بين يديه إلا إن أذن لهم ، وأن لا يفتاتوا على الله ورسوله حتى يقضى الله على لسان رسوله. وقيل : الآية نزلت فى قوم ذبحوا الأضحى قبل أن يصلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح ، ونزلت الآية تنهى عن أن يسبقوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ولعل الآية نزلت دون سبب ، أو نزلت فى تقديم الطاعات على أوقاتها ، لأن كل عبادة مؤقتة بميقات لا يجوز تقديمها عليه ، كالصلاة والصوم والحج ، أو أنها نزلت فى ترك التعرّض لأقوال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ووجوب اتّباعه والاقتداء به.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (٢) : قيل : نزلت فى أبى بكر وعمر ، وكان أبو بكر يريد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يستعمل الأقرع بن حابس على قومه ، بينما عمر لم ير ذلك ، وارتفعت أصواتهما فى حضرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية ، فكان عمر بعد نزولها إذا تكلم فى حضرته لم يسمع كلامه حتى أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستفهمه. وبرواية على بن أبى طالب : أن الآية نزلت فيه ، وفى جعفر وزيد بن حارثة ، لما تنازعوا ابنة حمزة ، لما جاء بها زيد من مكة ، فقضى بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لجعفر ، لأن

١٧٩

خالتها عنده. وقيل : لما قدم وفد تميم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم طلبوا المفاخرة ، وقام خطيبهم وافتخر ، فقام ثابت بن قيس وخطب خطبة بليغة يردّ عليه فيها ، ثم قام شاعر بنى تميم الأقرع بن حابس فأنشد شعره ، وردّ عليه حسّان بن ثابت ، وتجادلوا من يكون الأشعر والأبلغ ، وارتفعت أصواتهم فى حضرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (٣) : قيل : لمّا نزلت : (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ) (الحجرات ٢) قال أبو بكر : والله لا أرفع صوتى إلا كأخى السرّار ـ أى الذى يسرّ الكلام أى يخفضه. وقيل : لما نزلت : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (٢) ، كان عمر كلما تحدّث إلى النبىّ يخفض صوته حتى ليستفهمه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : مما يخفض صوته؟ فنزلت : (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (٣). وقيل : إن ثابت بن قيس لما نزلت : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ..) دخل بيته وأغلق عليه ، ففقده النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأرسل إليه يسأله ما خبره؟ فقال : أنا رجل شديد الصوت ، وأخاف أن يكون عملى قد حبط ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير». وقيل : لما نزلت هذه الآية ، قعد ثابت بن قيس فى الطريق يبكى ، فمر به عاصم بن عدىّ بن العجلان ، فسأله ما يبكيك؟ قال : هذه الآية ، فأنا أتخوف أن تكون نزلت فىّ ، وأنا صيّت ، رفيع الصوت ، فذكر عاصم ذلك للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له : «أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا ، وتدخل الجنة؟» قال : رضيت ولا أرفع صوتى أبدا على صوت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأنزل الله : (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ ...) (٣) الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (٤) : قيل : نزلت فى أعراب من تميم ، قدم وفد منهم على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فدخلوا المسجد ، ونادوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، من وراء حجرته : أن أخرج إلينا. وكانوا سبعين رجلا. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد نام للقائلة. وقيل : إن الذى نادى الأقرع بن حابس. وقيل : قالوا لبعضهم البعض : انطلقوا بنا الى هذا الرجل ، فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس باتباعه ، وإن يكن ملكا نعش فى جنابه ، فأتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فجعلوا ينادونه وهو فى حجرته ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل : كانوا تسعة عشر ، ومنهم الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن وهو الذى وصفه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال فيه : «الأحمق المطاع» ، وكان من الجرّارين ، أى يجرّ خلفه أتباعا بلغوا عشرة آلاف ، واسمه الأصلى حذيفة ، وسمّى عيينة لشتر فى عينيه وهو

١٨٠

انقلاب فى الجفنين ، ونزل فيه : (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (٢٨) (الكهف).

٥ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) (٦) : قيل : نزلت هذه الآية فى الوليد بن عقبة بن أبى معيط ، بعثه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجمع الزكاة من بنى المصطلق ، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فخشى منهم فرجع ، وكانت بينه وبينهم إحن ، فذلك سبب خشيته منهم ، وقال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنهم ارتدّوا ، فأرسل إليهم خالد بن الوليد فى رهط ، وأمره أن يتثبت ولا يعجل ، وأتاهم خالد ليلا ، فبعث عيونه ، وجاءوه يخبرونه أنهم متمسكون بالإسلام ، وسمعوهم يؤذنون للصلاة وشاهدوهم يصلون ، فلما أصبح خالد أتاهم وتأكد من ذلك ، فعاد وأخبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت هذه الآية ، فكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «التأنّى من الله ، والعجلة من الشيطان». وقيل فى رواية أخرى : أن بنى المصطلق لما سمعوا بمبعوث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرجوا يستقبلونه ويكرمونه ويؤدون إليه ما قبلوه من الزكاة ، فخاف وكرّ راجعا ، وقالوا : بلغنا أنه زعم أننا خرجنا لنقاتله ، والله ما خرجنا لذلك. فأنزل الله الآية ، وسمّى الوليد فاسقا ، أى كاذبا.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٩) : قيل : إن رجلا من الأنصار قال لعبد الله بن أبىّ : والله للحمار أطيب ريحا منك! فغضب لعبد الله رجل من قومه ، وغضب لكل واحد منهما أصحابه ، فكانت بينهم خناقة بالجريد والأيدى والنعال ، فأنزلت فيهم الآية. وقيل : نزلت فى الأوس والخزرج ، تقاتل حيّان منهما بالعصىّ والنعال. وقيل : تقاتلوا بالسعف والنعال ونحوه ، فنزلت الآية فيهم. وقيل : نزلت فى رجلين من الأوس والخزرج كان بينهما موالاة (أى خصومة) فى حقّ بينهما ، وتواقعا ، وتناول أنصارهما بعضهم بعضا بالأيدى والنعال والسيوف. وقيل : نزلت فى حرب سمير وحاطب ، وكان سمير قد قتل حاطبا ، فاقتتل الأوس والخزرج حتى أتاهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزلت الآية. وقيل : كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل من غير الأنصار ، فأرادت أن تزور قومها ، فحبسها زوجها وجعلها فى علية (يعنى حجرة عالية) لا يدخل عليها أحد ، فبعثت إلى قومها ، فجاءوا فأنزلوها لينطلقوا بها ، فاستغاث الرجل بقومه ليحولوا بين المرأة وأهلها. فتدافعوا وتجالدوا بالنعال ، فنزلت الآية.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ

١٨١

تُرْحَمُونَ) (١٠) : قيل : نزلت فى أخوّة الدين والحرمة لا فى أخوة النسب ، ولهذا قيل : أخوة الدين أقوى من أخوة النسب ، فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين. وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (١١) : قيل : نزلت فى ثابت بن قيس بن شماس ، وكان فى أذنه وقر ، فإذا سبقوه إلى مجلس النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أوسعوا له إذا أتى حتى يجلس ليسمع ما يقول. فأقبل ذات يوم وقد فاتته من صلاة الفجر ركعة مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما انصرف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أخذ الصحابة مجالسهم منه ، فربض كل رجل منهم بمجلسه وعضّوا فيه ، فلا يكاد يوسع أحد لأحد ، حتى يظل الرجل لا يجد مجلسا فيظل قائما ، وجاء ثابت ليجلس وبلغ قرب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وطلب من يليه أن يتفسّح فقال له الرجل : قد وجدت مجلسا فاجلس ، فجلس ثابت من خلفه مبغضا ، ثم قال : من هذا؟ فقالوا فلان : فقال ثابت : ابن فلانة! يعيّره بها ، فاستحيا الرجل فنزلت الآية. وقيل : نزلت فى وفد بنى تميم لمّا استهزءوا بفقراء الصحابة ، مثل : عمّار ، وخبّاب ، وابن فهيرة ، وبلال ، وصهيب ، وسلمان ، وسالم مولى أبى حذيفة ، وغيرهم ، لما رأوا من رثاثة حالهم ، فنزلت فى الذين آمنوا منهم. وقيل : نزلت فى عكرمة بن أبى جهل حين قدم المدينة مسلما ، وكان المسلمون إذا رأوه قالوا : ابن فرعون هذه الأمة؟! فشكا ذلك إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ...) (١١) : قيل : نزلت الآية فى نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عيّرن أم سلمة بالقصر. وقيل : نزلت فى عائشة أشارت بيدها إلى أم سلمة على معنى : إن أم سلمة قصيرة. فنزلت الآية. وقيل : إن صفية بنت حيىّ أتت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن النساء يعيّرننى ويقلن لى : يا يهودية بنت يهوديين! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هلّا قلت : إن أبى هارون ، وإن عمى موسى ، وأن زوجى محمد» ، فأنزل الله هذه الآية.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ ...) (١١) : قيل : كان الرجل فى الجاهلية يكون له الاسمان والثلاثة ، فيدعى ببعضها ، فعسى أن يكرهه ، فنزلت الآية. وقيل : كانت الألقاب فى الجاهلية ، فدعا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجلا منهم بلقبه ، فقيل له : يا رسول الله ، إنه يكرهه ، فأنزل الله الآية. وقيل : نزلت الآية فى بنى سلمة ، فلما قدم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لم يكن فيهم الرجل إلا وله اسمان أو ثلاثة ، فكان إذا دعا أحدا منهم

١٨٢

باسم من تلك الأسماء قالوا : يا رسول الله ، إنه يغضب من هذا فنزلت الآية. وقيل : كان الرجل يعيّر بعد إسلامه بكفره يقال له : يا يهودى ، يا نصرانى ، فنزلت.

١١ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (١٢) : قيل : نزلت فى رجلين من أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اغتابا رفيقهما ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين فيخدمهما نظير طعامه ، فضم سلمان إلى رجلين ، فنام سلمان ولم يصنع طعاما لهما ، فجاءا وأرسلاه إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستقضى لهما طعاما فلم يجد ، وذهب إلى أسامة خازن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم يجد ، فاغتابا سلمان وأسامة ، فرآهما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «ما لى أرى خضرة اللحم فى أفواهكما؟» فقالا : يا نبىّ الله والله ما أكلنا فى يومنا هذا لحما ولا غيره ، فقال : «ولكنكما ظللتما تأكلان لحم سلمان وأسامة» ، فنزلت الآية.

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (١٣) : قيل : يعنى من آدم وحواء ، والآية نزلت فى أبى هند وكان يعمل حجّاما ، والناس يأبون لهذا أن يزوّجوه ، فطلب رسول الله من بنى بياضة أن يزوّجوه امرأة منهم ، فعابوا ذلك ، وقالوا : نزوّج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله تعالى الآية. وقيل كذلك : إن الآية نزلت فى أبى هند خاصة. وقيل : نزلت فى ثابت بن قيس بن شماس ، وكان قد دخل المسجد وطلب من أحد الجالسين أن يتفسّح له ، وناداه باسم أمه : ابن فلانة ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من الذاكر فلانة»؟ فقال ثابت : أنا يا رسول الله ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «انظر فى وجوه القوم» ، فنظر ثابت فسأله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما رأيت؟» قال : رأيت أبيض وأسود وأحمر. فقال : «فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى» ، فنزلت الآية فى ثابت. وقيل : إن بلالا يوم فتح مكة علا على ظهر الكعبة وأذّن ، فلم يعجب ذلك البعض ، ومنهم عتّاب بن أسيد بن أبى العيس ، فقال : الحمد لله الذى قبض أبى حتى لا يرى هذا اليوم! وقال الحارث بن هشام : ما وجد محمد غير هذا الغراب مؤذنا؟! وقال سهيل بن عمرو : إن يرد الله شيئا يغيّره. وقال أبو سفيان : إنى لا أقول شيئا ، أخاف أن يخبر به ربّ السماء! فأتى جبريل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأخبره بما قالوا ، فدعاهم وسألهم عمّا قالوا ، فأقرّوا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، يزجرهم عن التفاخر بالأنساب ، والتكاثر بالأموال ، والازدراء بالفقراء ، فإن المدار على التقوى وليس على الحسب والنسب والمال.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ...) (١٣) : قيل : نزلت فى سؤالهم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من أكرم الناس؟ فقال : «يوسف بن يعقوب» ، قالوا : ليس عن هذا

١٨٣

نسألك؟ قال : «فأكرمهم عند الله أتقاهم» ، فقالوا : ليس عن هذا نسألك؟ فقال : «عن معادن العرب؟ خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا» ، فنزلت. الآية.

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٤) : قيل : نزلت الآية فى أعراب بنى أسد بن خزيمة ، قدموا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى سنة مجدبة. وأظهروا الشهادتين ، ولم يكونوا مؤمنين فى السرّ ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا الأسعار ، وقالوا للرسول : لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، فأعطنا من الصدقة ، وجعلوا يمنّون عليه ، فأنزل الله تعالى الآية. وقيل : نزلت الآية فى أعراب أرادوا أن يقال فيهم أنهم مهاجرون وليسوا أعرابا ، فأعلم الله أن اسمهم الأعراب وليس المهاجرين. وقيل : نزلت فى أعراب سورة الفتح : مزينة ، وجهينة ، وأسلم ، وغفار ، والديل ، وأشجع ، قالوا آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم ، فلما استنفروا إلى المدينة تخلفوا ، فنزلت الآية فيهم.

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١٦) : قيل : لما نزلت آية الأعراب أنهم كذبوا إذ يقولون إنهم مؤمنون ، لأنهم فى السرّ لم يكونوا كذلك ، فنزلت الآية فيهم ، تعلمهم أنه تعالى يعلم بحقيقة إيمانهم.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (١٧) : قيل : قدم عشرة من بنى أسد على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سنة تسع ، وفيهم طلحة بين خويلد ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المسجد مع أصحابه ، فسلّموا وقال متكلمهم : يا رسول الله ، إنا شهدنا ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنك عبده ورسوله ، وجئناك يا رسول الله ولم تبعث إلينا بعثا ، ونحن لمن وراءنا سلّم ، فأنزل الله (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ..) الآية.

* * *

١٠٦٢ ـ أسباب نزول سورة ق

١ ـ فى قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) (٣٨) : قيل : الآية نزلت فى يهود المدينة ، زعموا أن الله تعالى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، أولها يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة ، واستراح يوم السبت ، فجعلوه راحة ، فأكذبهم الله ، فقال تعالى : إنه لم يتعب ، ولم يمسه إعياء ولا نصب.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) (٤١) : قيل : نزلت فى

١٨٤

المنادى يوم القيامة. وقيل : المنادى هو جبريل ينادى بالحشر. وقيل : الآية نزلت لتخبر عن صيحة القيامة الثانية. وقيل : نزلت فى إسرافيل وجبريل ، الأول ينفخ فى الصور النفخة الثانية ، والثانى ينادى فيسمعه القريب والبعيد.

* * *

١٠٦٣ ـ أسباب نزول سورة الذاريات

١ ـ فى قوله تعالى : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) (٨) : قيل : نزلت فى المقتسمين ؛ وقيل : نزلت فيمن اختلفوا فى أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فمنهم من وصفه بأنه ساحر ، ومنهم من أكد أنه شاعر ، ومنهم من نسب إليه أنه افترى القرآن ، ومنهم من ذكر أنه مجنون ، بل هو كاهن ، بل القرآن أساطير الأولين ؛ وقيل : نزلت فيمن اختلفوا فى أمر الحشر ، فجماعة نفت الحشر ، وجماعة شكّت فيه.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (١٩) : قيل : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث سرية فأصابوا وغنموا ، فجاء نفر من المسلمين بعدهم ولحقوا بهم ولم يحضروا القسمة ، فنزلت الآية تأمرهم بأن يعطوا مما غنموا للسائل والمحروم.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (٥٥) : قيل : لما اشتد إنكار المشركين ، نزلت الآية (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) باعتبار النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد بذل ما فى وسعه لدعوتهم ، وحزن المسلمون لذلك ، فلو تولّى عنهم فما ذا يكون من أمر الدعوة ، فنزلت : (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) ، يعنى إن كان سيعرض عن المشركين إلا أن الدعوة والوحى سيستمران لخدمة المؤمنين ، ففرحوا لذلك واطمأنوا.

* * *

١٠٦٤ ـ أسباب نزول آيات سورة الطور

١ ـ فى قوله تعالى : (فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) (٣٠) : قيل : لمّا قال عقبة بن أبى معيط أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مجنون ، وقال شيبة بن ربيعة أنه ساحر ، وقال غيرهما أنه كاهن ، نزلت الآية يكذّبهم الله ويردّ عليهم. والنعمة هى الرسالة ، والكاهن هو الذى يتقوّل الغيب ، والشاعر الذى يقول الكلام الموزون المقفّى ، والمجنون الذى زال عقله فهو يهذى ويخرّف.

* * *

١٠٦٥ ـ أسباب نزول سورة النجم

١ ـ فى قوله تعالى : (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) (٢) : قيل : نزلت الآية فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

١٨٥

٢ ـ وفى قوله تعالى : (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) (٩) : قيل : نزلت فى جبريل عليه‌السلام.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) (٢٠) : قيل : نزلت فى الأصنام التى يتعبّدها العرب ، وكانت اللات لثقيف ، والعزّى لقريش وبنى كنانة ، ومناة لبنى هلال وهذيل وخزاعة. وقيل : اللات من لفظ الله ، والعزّى من العزيز ، ومناة من منى الله الشيء إذا قدّره.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ ..) (٣٢) : قيل : هذه الآية نزلت فى رجل كان يسمى نبهان التمّار ، وكان له حانوت يبيع فيه تمرا ، فجاءته امرأة تشترى منه ، فقال لها : إنّ داخل الدكان ما هو خير من هذا ، فلمّا دخلت راودها فأبت وانصرفت ، فندم نبهان ، فأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال له : ما من شىء يصنعه الرجل إلا فعلته ، إلا الجماع! فنزلت هذه الآية. واللمم هى الصغائر.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) (٣٢) : قيل : كانت جماعة من اليهود كلما مات منهم واحد يزكّونه ويقولون إنه فى الجنة ، فنزلت الآية : إن الله أعلم بالناس ، وأنشأهم فى الأرض ، وصنّفهم سعداء أو أشقياء فى بطون أمهاتهم ، وهو الأعلم بمن اتّقى.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى) (٣٥) : قيل : نزلت الآية فى الوليد بن المغيرة ، وكان قد اتّبع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على دينه ، فلمّا عيّره المشركون عاد إلى شركه ، وكان قد فعل بعض الخير بلسانه ثناء على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والإسلام ، إلا أنه لم يستمر ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت فى عثمان بن عفان ، وكان يتصدق وينفق فى الخير ، فعاتبه أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبى سرح ، مخافة أن لا يبقى له شىء من ماله ، فطاوعه لفترة ثم عاد كأحسن من الأول. وقيل : نزلت فى العاص بن وائل السهمى ، وكان يوافق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل نزلت فى النضر بن الحارث أجزل العطاء لأحد المهاجرين ليرتد عن دينه ، وضمن له أن يتحمّل مأثم رجوعه. والآية تصحّ على كل من يؤمن لبعض الوقت ، ويفعل الخير ثم يتوقف. وأكدى يعنى لم يتمم ، وتقال لكل من يطلب شيئا ولم يبلغ آخره ، ولمن يحفر بئرا ثم يبلغ إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر ، من الكدية وهى الحجر أو الصلب. و (وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى) : أى قطع القليل ، كقول الشاعر :

وأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه

ومن يبذل المعروف فى الناس يحمد

١٨٦

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى) (٤٣) : قيل : قالت عائشة : مرّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على قوم من أصحابه وهم يضحكون ، فقال : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا!» ، فنزل عليه جبريل صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا محمد ، إن الله يقول لك : (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى) (٤٣) أى قضى أسباب الضحك والبكاء ، يعنى أفرح وأحزن ، لأن الفرح يجلب الضحك ، والحزن يجلب البكاء.

* * *

١٠٦٦ ـ أسباب نزول آيات سورة القمر

١ ـ فى قوله تعالى : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (١) : قيل : إن أهل مكة سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم آية ، فانشق القمر بمكة مرتين ، فنزلت الآية ، والصحيح أن الشمس والقمر من آيات الله ، وليس بوسع أحد أن يشق القمر فى الدنيا ، ولا يشق إلا يوم القيامة ، والتفسير الصحيح : أن الساعة اقتربت ، فإذا جاءت ينشق القمر بعد النفخة الثانية. أو أن انشقاق القمر يعنى انشقاق الظلمة عنه بطلوعه فى أثنائها ، كما يسمى الصبح فلقا لانفلاق الظلمة عنه.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) (٩) : قيل : لما أسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه شقّ على قريش إسلامه ، فاجتمعوا إلى أبى طالب وقالوا : اقض بيننا وبين ابن أخيك ، فأرسل أبو طالب إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : يا ابن أخير ، هؤلاء قومك يسألونك السواء (أى العدل) ، فلا تمل كل الميل على قومك! قال : «وما ذا يسألوننى»؟ قالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا ، وندعك وإلهك. فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أتعطوننى كلمة واحدة وتملكون بها العرب ، وتدين لكم بها العجم»؟ فقال أبو جهل : لله أبوك! لنعيطنكها وعشر أمثالها! فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «قولوا لا إله إلا الله» ، فنفروا من ذلك وقاموا. فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا؟ فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟ فأنزل فيهم هذه الآيات إلى قوله : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) (٩) وازدجر من زجر اى منع من أن يدعو للنبوة.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (٤٥) : قيل : إن الكفار قالوا يوم بدر : (نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) ، فنزلت (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ). وقيل : ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصفا وقال : نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه ، فنزلت الآية. وقال سعد بن وقاص : كنت لا أدرى أىّ الجمع ينهزم لمّا نزل قوله تعالى : (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) ، فلما كان يوم بدر ، رأيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يثب فى الدرع ويقول : «اللهم إن قريشا جاءتك تحادّك وتحادّ رسولك ، بفخرها وخيلائها ، فأخنهم الغداة. ثم قال : (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) ، فعرفت تأويلها.

١٨٧

٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (٤٩) : قيل : عن أبى هريرة قال : جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى القدر ، فنزلت الآية. وقيل : إن معناها أن الله تعالى خلق كل شىء مقدّرا ومكتوبا فى اللوح المحفوظ من الأزل ، وأن القدر المقصود هو ما قالته القدرية وغيرهم من أن الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا. ونقل عن أبى ذر أن وفد نجران قدم على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا ، فنزلت هذه الآية. فقالوا : يا محمد ، يكتب علينا الذنب ويعذّبنا؟ فقال : أنتم خصماء الله يوم القيامة! فهذا ما قيل ، فهل سياق الآيات يحتمل هذه المعانى؟ ولا نرى إلا أن معنى الآية أن ذلك ما قضاه الله : أن الكفار مغلوبون وسيعاقبون ، فهكذا خلق الله الدنيا للامتحان ، والنار للعقاب ، والجنة للثواب ، وهذا هو القدر فى القرآن وليس ما قاله القدرية ، ولا الأحاديث المروية فيهم ، لأنه فى عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن قد ظهرت بعد جماعة اسمهم القدرية ، وجميع الأحاديث فى ذلك موضوعة.

* * *

١٠٦٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الرحمن

١ ـ فى قوله تعالى : (الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (٢) : قيل : سورة الرحمن من السور المدنية ، وترتيبها فى التنزيل المدنى الحادية عشرة ، وقبلها كانت ست وتسعون سورة ، ذكر فى كثير منها الرحمن ، فلما ذا يثير المفسرون هذا السؤال فى هذه السورة؟ قيل : سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما الرحمن؟ فنزلت هذه السورة جوابا لمن سأل هذا السؤال. وكانوا يقولون إن مسيلمة الكذّاب ، وشهرته فى ذلك الوقت «رحمن اليمامة» ، هو الذى يعلّمه ويملى عليه : فنزلت (الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (٢).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) (٤٦) : قيل : نزلت فى أبى بكر ، شرب ذات يوما لبنا على ظمأ فأعجبه ، فسأل عن مصدره وهل هو من حل ، فقيل له إنه من غير حلّ ، فاستقاءه ورسول الله ينظر إليه ، فقال : «يرحمك الله ، لقد أنزلت فيه آية» ، وتلا عليه هذه الآية.

* * *

١٠٦٨ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الواقعة

١ ـ وفى قوله تعالى : (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) (١٠) : قيل : هؤلاء من أمة محمد ، وهما أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وكانوا يسارعون فى الخيرات. وقيل : هم السابقون إلى طاعة الله ورحمته ، وقيل : هم الأنبياء.

١٨٨

٢ ـ وفى قوله تعالى : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (١٤) (الواقعة) : قيل : هؤلاء هم الداخلون إلى الجنة ، ثلة ممن قد مضى قبل هذه الأمة ، ومن أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصفتهم الآية بأنهم قليلون بالإضافة إلى من كان قبلهم. فلما نزلت الآية ، شقّ هذا على أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (٤٠) ، يعنى أنهم صاروا مثلهم فى العدد ، وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، بل ثلث أهل الجنة ، بل نصف أهل الجنة وتقاسمونهم فى النصف الثانى» ذكره أحمد.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) (٢٩) (الواقعة) : قيل : نظر المسلمون إلى واد بالطائف فأعجبهم سدره وطلحه ، فقالوا : يا ليت لنا مثل هذا الوادى فى الجنة ، فنزلت. والسدر : هو شجر النبق ؛ والمخضود الذى قطع شوكه ؛ والطلح : شجر الموز ؛ والمنضود أى المرصوص.

* * *

١٠٦٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الحديد

١ ـ فى قوله تعالى : (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا) (الحديد ١٠) : قيل : نزلت فى أبى بكر فقد كان أول من أسلم ، وأول من أظهر الإسلام بسيفه ، وأول من أنفق على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) (١٦) (الحديد) : قيل : إن المزاح والضحك كثر فى أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا ترفّهوا بالمدينة ، فنزلت الآية. وقيل : إن الله استبطأ المسلمين بالخشوع فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وقيل : نزلت الآية فى الذين آمنوا بالظاهر وأسرّوا الكفر وهم المنافقون.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) (١٩) : قيل : الآية نزلت فى جملة من صدّق بالرسل ، فالصدّيقون هم الذين يتلون الأنبياء ، والشهداء الذين يتلون الصدّيقين ، والصالحون يتلون الشهداء. وقيل : الشهداء هم الذين شهدوا لله بالوحدانية كما أن الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب. وقيل : الآية نزلت فى ثمانية نفر : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلىّ ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وحمزة ، وهؤلاء آمنوا

١٨٩

بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يكذّبوه طرفة عين ، مثل مؤمن آل فرعون ، وصاحب آل ياسين ، وأصحاب الأخدود.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٨) : قيل : لما نزلت : (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا) (القصص ٥٤) ، افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت هذه الآية. والكفل : النصيب كالمثل ، فجعل لمن اتّقى الله وآمن برسوله نصيبين من الرحمة ، نصيبا لتقوى الله ، ونصيبا لإيمانه برسوله.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (٢٩) : قيل : إن اليهود قالوا يوشك أن يخرج منا نبىّ يقطع الأيدى والأرجل ، فلما خرج من العرب كفروا ، فنزلت.

* * *

١٠٧٠ ـ فى أسباب نزول آيات سورة المجادلة

١ ـ فى قوله تعالى : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (١) : قيل : نزلت فى خولة بنت ثعلبة ، وقيل : بنت حكيم ، وقيل : بنت خويلد ، وقيل اسمها : جميلة ، وخولة أصحّ ، وزوجها : أوس بن الصامت ، أخو عبادة بن الصامت ، وكان امرأ به لمم (حمق) ، فقال لها : أنت علىّ كظهر أمى. وكان الإيلاء والظهار من الطلاق فى الجاهلية ، فسألت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال لها : «حرمت عليه» ، فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت الآية. وقالت : يا رسول الله ، قد نسخ الله سنن الجاهلية ، وإن زوجى ظاهر منى ، فقال لها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما أوحى إلىّ فى هذا شىء» ، فقالت : يا رسول الله ، أوحى إليك فى كل شىء وطوى عنك هذا؟ فقال : «هو ما قلت لك» ، فقالت : إلى الله اشكو لا إلى رسوله! فأنزل الله الآية. وقيل إنها قالت : ظاهر حين كبرت سنى ، ورقّ عظمى. فأنزل الله آية الظهار ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لزوجها : «أعتق رقبة» ، قال : ما لى بذلك يد. قال : «فصم شهرين متتابعين» ، قال : أما إنى إذا اخطأت أن آكل فى يوم ثلاث مرات يكلّ بصرى. قال : «فأطعم ستين مسكينا» ، قال : ما أجد إلا أن تعيننى منك بعون وصلة. قيل : فأعانه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بخمسة عشر صاعا حتى جمع الله له ، والله غفور رحيم ـ وقيل : خولة بنت ثعلبة كانت أنصارية. وقيل : كانت أمة لعبد الله بن أبىّ ، وهى التى أنزل الله فيها : (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٣)

١٩٠

لأنه كان يكرهها على الزنى. وقيل : إن الآية نزلت فى سلمة بن صخر البياضى ، ظاهر من امرأته وجاء إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ القصة.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (٢) : قيل : نزلت فى الظهار ، وهو أن يقول الرجل لزوجته : أنت علىّ كظهر أمى ، ويسمّى مظاهرا ، وقد يقول لها : أنت على كظهر أختى أو ابنتى أو غير ذلك من ذوات المحارم.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٧) : قيل : نزلت فى قوم من المنافقين ، فعلوا شيئا سرّا ، فأعلم الله أنه لا يخفى عليه ذلك. وقيل : نزلت فى اليهود.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ..) (٨) : قيل : نزلت فى اليهود والمنافقين ، وكانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم ، فاشتكى المؤمنون ، فنهاهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن النجوى فلم ينتهوا ، فنزلت. وقيل : كانت بين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واليهود موادعة (هدنة) ، فإذا مرّ بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا فيعرج عن طريقه ، فنهاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم ينتهوا ، فنزلت. وقيل : كان الرجل يأتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيسأله الحاجة ويناجيه ، والأرض يومئذ حرب ، فيتوهمون أنه يناجيه فى حرب أو بلية أو أمر مهم ، فيفزعون لذلك ، فنزلت.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (... وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ ...) (٨) : قيل : نزلت فى اليهود ، وكانوا يأتون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيقولون : السام عليك ، يريدون بذلك السلام ظاهرا وهم يعنون الموت باطنا ، فيقول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «عليكم» ، والسام هو الموت ، وبسبب ذلك نزلت الآية.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (... وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٨) : قيل : المقصود اليهود ، قالوا : لو كان محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول ، فهلّا يعذّبنا الله؟ وقالوا : إنه يردّ علينا ويقول : وعليكم السام ، والسام الموت ، فلو كان نبيا لاستجيب له فينا ومتنا؟

٧ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١٠) : قيل : نزلت لما انتشر التناجى بين المنافقين ،

١٩١

فكانوا يتناجون دون المؤمنين. وقيل : هذا نزل فى السفر حيث لا يأمن الرجل صاحبه ، وفيه مظنة الاغتيال وعدم المغيث. والصحيح أن التناجى كان فى أول الإسلام ، وإنما لا موجب للخوف من النجوى الآن وقد صار المسلمون كثرة ، إلا إذا كان ذلك فى بلاد المسلمون فيها أقلية.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (... إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) (١١) : قيل : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والصحابة كانوا فى صلاة الجمعة ، والمكان ضيق ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء أناس من أهل بدر وفيهم ثابت بن قيس بن شماس ، وقد سبقوا فى المجلس ، فقاموا حيال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم ، فلم يفسحوا لهم ، فشقّ ذلك على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال لمن حوله من غير أهل بدر : «قم يا فلان ، وأنت يا فلان» بعدد القائمين من أهل بدر. فشقّ ذلك على من قاموا ، وعرف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الكراهة فى وجهوهم ، وغمز المنافقون وقالوا : ما أنصف هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيّهم فسبقوا إلى المكان؟! فأنزل الله هذه الآية. وقيل : إن ثابت بن قيس دخل المسجد وأراد الجلوس ولم يكن ثمة مكان ، فطلب من أحدهم أن يتفسّح له فأبى ، ونزلت الآية فى هذا الذى أبى أن يتفسّح. وقيل : كان المسلمون يتنافسون فى مجلس النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيأمرون أن يفسح بعضهم لبعض فنزلت الآية. وقيل : الصحيح أن الآية عامة فى كل مجلس يجتمع فيه المسلمون للخير والأجر ، فنزلت لذلك.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ...) (١١) : قيل : هذا فى بيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لينصرفوا ، لأن له حوائج يقضيها ، فلا أقل من أن يتركوه فى بيته ليلبى حوائج نفسه وأهله.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (... يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (١١) : قيل : كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم الفقراء ، فيستبقون إلى مجلس النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية فيهم. وقيل : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى رجلا من الأغنياء يقبض ثوبه نفورا من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه ، فقال له : «يا فلان ، خشيت أن يتعدّى غناك إليه أو فقره إليك» ، فنزلت الآية تبين أن الرّفعة عند الله بالعلم والإيمان لا بالسبق إلى صدور المجالس. والعموم فى أسباب النزول أوقع فى المسألة وأولى بمعنى الآية ، فالمؤمن يرفع بإيمانه أولا ، ثم بعلمه ثانيا.

١٩٢

١١ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٢) : قيل : نزلت لأن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويقولون : إنه أذن ، يسمع كل ما قيل له ولا يمنع أحدا من مناجاته. فكان ذلك يشقّ على المسلمين ، فكانوا يتقوّلون أنهم ربما يحذرونه من جموع اجتمعت لقتاله ، فأنزل الله الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (المجادلة ٩) ، فلم ينتهوا ، فأنزل الله هذه الآية (إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ ...). وقيل : الآية نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى شقّوا عليه ، فأراد الله أن يخفف عن نبيّه ففرض صدقة للنجوى ، فعند ذلك كف كثير من الناس ، وانتهى أهل الباطل عن النجوى لأنهم لم يقدّموا بين يدى نجواهم صدقة ، وشقّ ذلك على أهل الإيمان وامتنعوا من النجوى لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة ، فخفف الله عنهم بالآية نفسها (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

١٢ ـ وفى قوله تعالى : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) (١٣) : قيل : الآية نزلت فيمن لا يستطيع أن يقدّم عند مناجاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم صدقة مالية ، فأسقطها عنه ، وجعل له أن يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة المفروضة ويطيع الله والرسول.

١٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (١٤) : قيل : هم المنافقون تولوا اليهود ، وادّعوا أنهم مع المسلمين ، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إلى اليهود ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت الآية فى عبد الله بن أبىّ ، وعبد الله بن نبتل وكانا من المنافقين ، وكان ابن نبتل يجالس النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويرفع حديثه إلى اليهود. فبينا النبىّ جالس قال : «يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبّار ، وينظر بعينىّ شيطان» ، فدخل ابن نبتل ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «علام تشتمنى أنت وأصحابك؟» فحلف بالله ما فعل ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فعلت» ، فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبّوه ، فنزلت الآية.

١٤ ـ وفى قوله تعالى : (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) (١٨) : قيل : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجلس فى ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه ، إذ قال : «يجيئكم الساعة رجل أزرق ينظر إليكم نظر شيطان» ، ودخل رجل هذه صفاته ، فدعا به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «علام تشتمنى أنت وأصحابك» ،

١٩٣

قال : دعنى أجيئك بهم ، فمرّ فجاء بهم ، فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيئ ، فأنزل الله الآية (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً ..) (١٨) إلى قوله : (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ) (١٩).

١٥ ـ وفى قوله تعالى : (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (٢١) : قيل : قال المؤمنون : لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن ، رجونا أن يظهرنا الله على فارس والروم ، فقال عبد الله بن أبىّ : أتظنون الروم وفارس مثل القرى التى غلبتم عليها؟ والله إنهم لأكثر عددا ، وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك ، فنزلت الآية.

١٦ ـ وفى قوله تعالى : (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ...) (٢٢) : قيل : نزلت فى عبد الله بن أبىّ ، جلس إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فشرب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الماء ، فرجاه عبد الله أن يبقى له فضلة يسقى منها أباه ليشفى ، فلما ذهب بها إلى أبيه واستفسر عنها رفضها وقال : فهلا جئتنى ببول أمك فإنه أطهر منها ، فغضب عبد الله وجاء إلى النبىّ يرجوه أن يأذن له فى قتل أبيه ، فأمره النبىّ أن يترفق به ويحسن إليه. وقيل : الآية نزلت فى أبى بكر ، زعموا أن أباه سبّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلطمه ابنه لطمة سقط بسببها على وجهه ، وذكر ذلك إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له : «أو فعلته؟! لا تعد إليه» أى لا تعد لمثل ذلك ، فقال أبو بكر : والذى بعثك نبيا لو كان معى ووقتذاك سيفا لقتلته! وكل ذلك كذب. وقيل : الآية نزلت فى عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر أو أحد ، فنزلت الآية ، وهذا كذب فقد توفى أبوه من قبل الإسلام. وقيل : إن أبا بكر دعى ابنه عبد الله يوم بدر إلى البراز ، فنزلت الآية. وقيل : الآية نزلت فى مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم بدر ، وقتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر ، وعلىّ وحمزة قتلا عتبة وشيبة والوليد يوم بدر. وقيل : الآية نزلت فى حاطب بن أبى بلتعة لمّا كتب إلى أهل مكة بمسير النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عام الفتح. وقيل : نزلت الآية فيمن كان يصحب الحكام ، والصحيح أن الآية تنهى عن مصاحبة الأعداء وليس فيها من كل ما سبق شىء.

* * *

١٠٧١ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الحشر

١ ـ فى قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ...) (٢) : قيل : نزلت سورة الحشر فى بنى النضير وبنى قينقاع. وعن عائشة : أن غزوة بنى النضير وهم طائفة من اليهود ـ كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر ،

١٩٤

وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة ، فحاصرهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى نزلوا على الجلاء ولهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا السلاح ، فأنزل الله الآية. وكانوا أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من دياره. والحشر يعنى الإخراج.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (... ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) (٢) : قيل : نزلت الآية فى حصونهم : الوطيح ، والنطاة ، والسّلالم ، والكتيبة. وما لم يحتسبوه هو مقتل رئيسهم كعب بن الأشرف ، قتله محمد بن مسلمة ، وأبو نائلة سلطان بن سلامة بن وقش ـ وكان أخا لكعب من الرضاعة ، وعبّاد بن بشر بن وقش ، والحارث بن أوس بن معاذ ، وأبو عبس بن جبر.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) (٥) : قيل : لمّا نزل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على حصون بنى النضير المسماة البويرة ، حين نقضوا العهد وأعانوا قريش عليه يوم أحد ، حاصرهم وجرت مناوشات بينهم وبين المسلمين ولم يجر قتال ، ولجأ بعض المسلمين لإغاظتهم إلى نخيلهم يعقروها ، وعقروا ست نخلات فعلا فاستاء النضريون وأرسلوا إلى النبىّ يشكون ذلك ، وأنه ما كان يقطع زرعا أبدا ، وما كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا عامة المسلمين يرضون بذلك ، ونزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع ، وتحليل من قطع من الإثم ، وأخبرت أن قطعه وتركه بإذن الله ، كقوله تعالى : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) (١٧) (الأحزاب).

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٦) : قيل : لمّا حاصر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حصون بنى النضير سلّموا له صلحا وأخذ أموالهم ، فسأل المسلمون النبىّ أن يقسم لهم فنزلت الآية.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ ...) (٧) : قيل : نزلت الآية فى فيء قريظة والنضير وهما بالمدينة ، وفدك ، وقرى عرينة ، وينبع ، وسميت فيئا لأنها كانت بلا قتال ، فقسمت الغنيمة على هذه الأصناف.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٩) : قيل : نزلت فى الأنصار فإنهم سلّموا فيء بنى النضير للمهاجرين ، حيّا وبلا حسد. والأنصار هم مواطنو المدينة وكانوا فيها قبل المهاجرين.

١٩٥

٧ ـ وفى قوله تعالى : (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ...) (٩) : قيل : قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم للأنصار يوم بنى النضير : «إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم فى هذه الغنيمة ، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئا» ، فقالت الأنصار : بل نقسم لإخواننا مع ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ، فنزلت الآية. وقيل : فى ذلك روايات مختلقة عن رجل من الأنصار هو ثابت بن قيس ، بات عنده ضيفان ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه ، فأمر امرأته أن تطفئ السراج وتنيم العيال وتقرّب للضيف ما عندها ، فنزلت الآية ، والمناسبة الأولى هى الأصح.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١٠) : قيل : نزلت فى ثلاثة : المهاجرين ، والأنصار ، والذين جاءوا من بعد هؤلاء جميعا.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) (١١) : قيل : الآية نزلت فى المنافقين واليهود ، ومن جملة المنافقين عبد الله بن أبىّ بن سلول ، وعبد الله بن نبتل ، ورفاعة بن يزيد ، وقيل : ورافعة بن تابوت ، وأوس بن قيظى ، وكانوا من الأنصار ولكنهم نافقوا ، وقالوا هذا الكلام ليهود قريظة والنضير ، وقيل : بل هو كلام بنى النضير لقريظة.

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٥) : قيل : نزلت فى يهود قينقاع ، أمكن الله المسلمين منهم قبل النضير ، وبنى النضير أمكن الله منهم قبل قريظة ، وكان بين النضير وقريظة سنتان ، وكانت وقعة بدر قبل النضير بستة أشهر.

* * *

١٠٧٢ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الممتحنة

١ ـ نزلت لثلاثة أسباب : الأول : أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تجهّز لفتح مكة ، فكتب حاطب بن أبى بلتعة إلى أهل مكة يحذّرهم ويقول : إن محمدا يريد أن يغزوكم فخذوا حذركم ، وأرسل الكتاب مع ظعينة ـ أى امرأة مسافرة لم تكن على الإسلام ، وتعمل مغنية واسمها سارة ، وكما ترى من اسمها فقد كانت يهودية ، وكانت مولاة لأبى عمرو بن صيفى بن هشام بن عبد مناف ، وشك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى رحيلها المفاجئ ، فأرسل وراءها من الفرسان عليا والزبير والمقداد ، فلحقوا بها عند موضع يقال له «روضة خاخ» ، فسلمت إليهم

١٩٦

الكتاب بعد لأى ، وأخرجته من عقاصها ـ أى ضفائر شعرها ، وأقر بلتعة بالإثم ، وبرّره بأنه كان يريد أن يتملق أهل قريش لكى يحمى قرابته فى مكة ، وأنه لم يفعله ارتدادا عن الإسلام وكفرا ، فنزلت الآيات من ١ الى ٧ من السورة.

والسبب الثانى : أن أبا بكر الصديق طلق امرأته قتيلة فى الجاهلية ، وكانت أم ابنته أسماء ، فقدمت إليها فى فترة المهادنة بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكفار قريش ، ودخلت عليها بهدايا ، فكرهت أسماء أن تتلقى منها شيئا ولا أن تستضيفها إلا أن تستأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٨).

والسبب الثالث : أن الصلح بين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين مشركى قريش كان من شروطه : أن من أتاه من أهل مكة فيردّه إليهم ، فجاءت سعيدة بنت الحارث الأسلمية والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحديبية ، فأقبل زوجها سيفى بن الراهب ، وقيل مسافر المخزومى ، وقال : اردد علىّ امرأتى فإنك شرطت ذلك ، وهذه طينة الكتب لم تجف بعد! فأنزل الله الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ ...) (١٠).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٧) : قيل : نزلت الآية فيمن أسلم بعد فتح مكة ، كأبى سفيان بن حرب ، والحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام. وقيل : انعقدت المودة لمّا تزوج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أم حبيبة بنت أبى سفيان ، فلانت عند ذلك عريكة أبى سفيان واسترخت شكيمته فى العداوة.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٨) : قيل : نزلت الآية فى قتيلة أم أسماء بنت أبى بكر ، وكان قد طلقها فى الجاهلية وظلت لم تسلم ، وجاءت لزيارة ابنتها فى الهدنة بين المسلمين والمشركين ، وأحضرت معها هدايا لها ، فكرهت أسماء أن تستضيفها أو تقبل منها شيئا إلا أن تسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (١٠) : قيل : نزلت هذه الآية بأسفل الحديبية ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد صالح الكفار على أن من أتاه ردّه

١٩٧

إليهم ، فجاء نساء منهم أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ، فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فكلماه فى أم كلثوم أن يردّها إليهم ، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين ، خاصة فى النساء ، ومنه أن يرددن الى المشركين ، فأنزل الله آية الامتحان. وقيل : إن التى قدمت من مكة هى أميمة بنت بشر امرأة أبى حسّان الدحداحة. وقيل هى امرأة تدعى سعيدة كانت تحت صيفى بن الراهب.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (.. وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (١٠) : قيل : نزلت فى النساء الكافرات المتزوجات من مسلمين ، فلا يعتد بهن زوجات لكفرهن. ولما نزلت الآية طلّق عمر امرأتين له بمكة مشركتين هما : قريبة بنت أبى أمية ، وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية ؛ وطلق طلحة بن عبيد الله امرأته أروى بنت ربيعة ، وفرق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين ابنته زينب وزوجها أبى العاص بن الربيع ، ولم تعد إليه إلا بعد إسلامه. والكوافر هن النساء من غير أهل الكتاب.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) (١١) : قيل : نزلت أولا : (وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ ..) ، فقال المسلمون : رضينا بما حكم الله ، وكتبوا إلى المشركين ، فامتنعوا ، فنزلت : (وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا ..). وفى رواية عن عائشة : قد حكم الله بيننا بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا بصداقها ، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها ، فكتبوا اليهم : أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا ، فإن كان لنا عندكم شىء فوجهوا به ، فأنزل الله الآية. وقيل : الآية نزلت فى أم الحكم بنت أبى سفيان ، ارتدت وتركت زوجها عياض بن غنم القرشى ، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها ، ثم عادت إلى الإسلام. وقيل : هن ست نسوة رجعن عن الإسلام ولحقن بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين : أم الحكم بنت أبى سفيان ، وكانت تحت عياض بن أبى شداد ، وفاطمة بنت أبى أمية بن المغيرة أخت أم سلمة ، وكانت تحت عمر بن الخطاب ، فلما هاجر عمر أبت وارتدت ، وبروع بنت عقبة وكانت تحت شماس بن عثمان ، وعبدة بنت عبد العزّى وكانت تحت هشام بن العاص ، وأم كلثوم بنت جرول وكانت تحت عمر بن الخطاب ، وشهبة بنت غيلان. وأعطى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أزواجهن مهورهن من الغنائم ، والآية تعنى : إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار مكة ولها زوج مسلم ، فيعطى هذا الزوج مثل مهرها الذى دفعه لها من الغنيمة التى يغنمها المسلمون قبل أن تخمّس.

١٩٨

٧ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٢) : قيل : الآية نزلت فى هذه المناهى ، لأن النساء كن كثيرا ما يرتكبنها ولا يحجزهن عنها شرف النسب ، فخصّت بالذكر لهذا.

* * *

١٠٣٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الصف

١ ـ فى قوله تعالى : (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١) : قيل : قعد نفر من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتذاكروا ، فقالوا : لو نعلم أى الأعمال أحبّ إلى الله تعالى لعملنا ، فأنزل الله تعالى الآية.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ) (٣) : قيل : كان جماعة من المؤمنين يقولون للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه : إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم وقاتلنا. فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت الآية فى رجل انتحل امرا كلّفه به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأدّاه عنه آخر ، فلما عرف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم ينكر ، فنزلت فى المنتحل. وقيل : إن جماعة قالوا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لسارعنا ، فنزلت : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) (١٠) (الصف) ، فقالوا : لو نعلم ما هى هذه التجارة لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين؟ فدلّهم الله تعالى بقوله : (تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١١) (الصف). فنكصوا وكرهوا ذلك ، فنزلت الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) (٢)؟ وقيل : نزلت فى قوم كانوا يقولون : نحن جاهدنا وأبلينا ولم يفعلوا. وقيل : نزلت فى المنافقين ، كانوا يقولون للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه : إن خرجتم وقاتلتم ، خرجنا معكم وقاتلنا ، فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٥) : قيل : نزلت لمّا رمى موسى قومه بالأدرة (تضخم الخصيتين) ، فأراد الله أن يبرأه كما جاء فى الآية : (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً) (٦٩) (الأحزاب) فأخلاه يوما وحده ، وأوحى إليه أن يخلع ثيابه ليغتسل ، فلما فرغ أقبل على ثيابه فتبين له أن أحدهم

١٩٩

أخذها ، فجعل يبحث إلى أن وجد نفسه فى ملأ من بنى إسرائيل ، فرأوه عريانا على أحسن ما خلق الله عزوجل.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (٨) : قيل : سبب نزول هذه الآية أن الوحى أبطأ على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أربعين يوما ، فقال كعب بن الأشرف : يا معشر اليهود ، أبشروا ، فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه ، وما كان ليتم أمره ، فحزن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنزل الله تعالى هذه الآية واتصل الوحى بعدها.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١١) : قيل : إن عثمان بن مظعون أراد أن يترهّب ، فنزلت فيه الآية الأولى كسؤال شديد ، وعندئذ قال ابن مظعون : والله لوددت يا نبىّ الله! أىّ التجارات أحبّ إلى الله فأتّجر فيها؟ فنزلت الآية الثانية. وقيل : إن عثمان بن مظعون استأذن يوما الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يطلّق خولة امرأته ، ويترهّب ، ويختصى ، ويحرّم اللحم على نفسه ، ولا ينام بليل ، ولا يفطر بنهار ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن من سنتى النكاح ، ولا رهبانية فى الإسلام ، إنما رهبانية أمتى الجهاد فى سبيل الله ، وخصاء أمتى الصوم ، ولا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم ، ومن سنتى أنام وأقوم ، وأفطر وأصوم ، فمن رغب عن سنتى فليس منى».

٦ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ) (١٤) : قيل : نزلت الآية فى أبى بكر ، وعمر ، وعلىّ ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن مالك ، وأبى عبيدة ، وعثمان بن مظعون ، وحمزة بن عبد المطلب ، فهؤلاء أنصاره صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحواريوه.

* * *

١٠٧٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الجمعة

١ ـ فى قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٢) : قيل : الأميون : العرب ، وكان العرب أمة أمية ، لا يكتبون ولا يقرءون ، وكذلك كانت قريش ، فأرسل اليهم رسولا منهم ـ يعنى أميا مثلهم ، ونزلت هذه الآية امتنانا.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٣) : قيل :

٢٠٠

الآية نزلت فى العجم فهم هؤلاء الآخرون ، وهم كل من لم يكن عربيا ودخل الإسلام بعد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى يوم القيامة. وفى الحديث قال : «رأيتنى اسقى غنما سودا ثم اتبعتها غنما عفرا» وطلب من أبى بكر أن يؤوّل الرؤيا ، قال : أما السود فالعرب ، وأما العفر فالعجم تتبعك بعد العرب.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (١١) : قيل : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب قائما يوم الجمعة ، فجاءت عير من الشام ، فانصرف الناس إلها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا ، هم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلىّ ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبى وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو عبيدة الجراح ، وسعيد بن الزبير ، وبلال ، وعبد الله بن مسعود ، فأنزلت هذه الآية. وقيل : بينما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع ، فالتفت المصلون إليها وانفضوا عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتركوه ليس معه إلا عدد من الرجال ، فأنزل الله الآية. وقيل : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب وقد صلى الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين ، فدخل رجل فقال : إن دحية بن خليفة الكلبى قدم بتجارة ، وكان دحية إذا قدم تلقّاه أهله بالدفاف ، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس فى ترك الخطبة شيئ ، فأنزل الله تعالى الآية.

* * *

١٠٧٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة المنافقون

١ ـ فى قوله تعالى : (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) (١) : قيل : نزلت فى عبد الله بن أبىّ بن سلول ، رأس النفاق فى المدينة ، أثناء غزوة بنى المصطلق ، فقال للأعراب يحرّضهم على المسلمين : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا ، وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل ، وفى رواية أخرى ، قال : والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول : سمّن كلبك يأكلك. أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وقال : كفّوا طعامكم عن هذا الرجل ، ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضّوا ويتركوه. فقال له زيد بن أرقم : أنت والله الذليل المنتقص من قومك ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى عزّ من الرحمن ومودة من المسلمين. والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبدا. فقال عبد الله : اسكت إنما كنت ألعب. وقال زيد للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأرسل إليه فحلف وجحد ، وصدّقه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت الآية بتصديق زيد وتكذيب ابن أبى. وقيل : أن أنصاريا فى غزوة مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدر

٢٠١

الماء ، فوجد عليه أعرابيا سبقه إليه ، وكان يملأ الحوض ويحيطه بحجارة ، ويغطيه إلى أن يأتى أصحابه ، فأراد الأنصارى أن تشرب ناقته فمنعه الأعرابى ، فانتزع الأنصارى حجرا من الحوض فغاض الماء ، فأمسك الأعرابى خشبة وضرب بها رأس الأنصارى فشجّه ، فأتى عبد الله بن أبىّ رأس المنافقين ، فقيل له ، فغضب وقال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا من حوله ـ يعنى الأعراب ، وكانوا يحضرون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند الطعام ، وقال عبد الله : إذا انفضّوا من عند محمد ، فأتوا محمدا بالطعام ، فليأكل هو ومن عنده. ثم قال لأصحابه : لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فلما حلف أنه لم يقل ذلك نزلت الآية.

٢ ـ فى قوله تعالى : (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٢) : قيل : نزلت فى عبد الله بن أبىّ لمّا حلف أنه ما قال ، وحلف زيد بن أرقم أنه قال.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٤) : قيل : نزلت فى عبد الله بن أبى ، وجدّ بن قيس ، ومعتّب بن قشير ، وكانوا رأس النفاق ، وكانت بهم وسامة وجسامة وصحة وصباحة وذلاقة لسان ، وإذا قالوا سمعوا لهم ، فنزلت فيهم الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (٥) : قيل : نزلت سورة المنافقين فى تصديق زيد بن أرقم وتكذيب عبد الله بن أبىّ. ولمّا قيل لعبد الله : قد نزلت فيك آيات شديدة ، فاذهب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ليستغفر لك ، فألوى برأسه ، فنزلت الآية.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٦) : قيل : لمّا مات عبد الله بن أبىّ بعد غزوة بنى المصطلق بأيام ، وكان المسلمون قد أوذوا منه أذى كبيرا ، سمع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بموته فاستغفر له ، وطلب ابنه قميص النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكفنه به ، فأعطاه قميصه ، فنزلت هذه الآية.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) (٧) : قيل : نزلت لما قال ابن أبىّ : لا تنفقوا على من عند محمد حتى ينفضّوا من عنده. وقال لأصحابه : لئن رجعت إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل : سمّن كلبك يأكلك. كفّوا طعامكم عن هذا الرجل ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضوا ويتركوه.

٢٠٢

٧ ـ وفى قوله تعالى : (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ) (٨) : قيل : القائل ابن أبىّ. قيل : لما قال ذلك ورجع إلى المدينة ، لم يلبث إلا أياما يسيرة حتى مات ، وقيل فاستغفر له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وألبسه قميصه ، فنزلت هذه الآية (فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ). وروى أن عبد الله بن أبى بن سلول قال لأبيه : والذى لا إله إلا هو ، لا تدخل المدينة حتى تقول : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الأعز وأنا الأذل ، فقاله.

* * *

١٠٧٥ ـ فى أسباب نزول آيات سورة التغابن

١ ـ فى قوله تعالى : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) (٧) : قيل : نزلت فى العاص بن وائل السهمى مع خبّاب ، مثلها مثل الآية : (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً) (٨٠) وكان للخبّاب دين عند العاص ، فرفض أن يدفعه إلا فى الآخرة استهزاء بإيمان خبّاب ، فنزلت هذه الآية.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٤) : قيل : نزلت الآية فى عوف بن مالك الأشجعى ، كان ذا أهل وولد ، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورقّقوه فقالوا : إلى من تدعنا؟ فيرق فيقيم ، فنزلت الآية. وقيل : نزلت الآية فى رجال أسلموا من أهل مكة ، وأرادوا أن يأتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما رأوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ورأوا الناس قد فقهوا فى الدين ، فهمّوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم ، والعدو كما ترى ليس لذاته ، فهؤلاء أهلهم ، إلا أنهم فعلوا فعل العدو فصاروا عدوا ، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وطاعة الله.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١٦) : قيل : هذه الآية نزلت بسبب قوم تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم ، فيما جعل فتنة لهم من أموالهم وأولادهم أن تغلبهم الفتنة وتصدّهم عن الواجب لله من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام. وقيل : الآية نزلت لتخفف عن المسلمين أثر الآية الأخرى : (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) (أل عمران ١٠٢) ، فقد اشتد على القوم ، وقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرّحت جباههم ، فأنزل الله تخفيفا عنهم : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ..)

* * *

٢٠٣

١٠٧٦ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الطلاق

ـ فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) (١) : قيل : الخطاب فى الآية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، خوطب بلفظ الجماعة تعظيما وتفخيما ، وقصد بالآية جماعة المسلمين. وقيل : الآية نزلت عند ما طلق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حفصة ثم راجعها ، قيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم طلّق حفصة فأتت أهلها ، فأنزل الله تعالى عليه : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ...) (١) (الطلاق). وقيل له : راجعها فإنها قوّامة صوّامة وهى من أزواجك فى الجنة. ونزل فى خروج المطلقة إلى أهلها قوله : (.. لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ...). وقيل : إن سبب نزول الآية أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم غضب على حفصة لمّا أسرّ إليها حديثا ، فأظهرته لعائشة ، فطلّقها تطليقة ، فنزلت الآية. والصحيح : أن الآية نزلت فى عبد الله بن عمر ، فقد طلق امرأته حائضا تطليقة واحدة ، فأمره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر وتحيض ثم تطهر ، فإذا أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها ، فتلك العدة التى أمر الله تعالى أن يطلّق لها النساء. وكان هناك آخرون فعلوا مثل ابن عمر فمحتمل أنها نزلت فى واحد منهم ، أو فيهم جميعا لما تكررت المناسبة ، ومن هؤلاء : عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعمرو بن سعيد بن العاص ، وعتبة بن غزوان. وأصحّ من ذلك أن الآية بيان لشرع مبتدأ. ولم يحدث أن طلق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم امرأة من نسائه.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (.. وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ...) (٣) : قيل : نزلت فى عوف بن مالك الأشجعى ، وكان ابنه قد أسره المشركون ، فأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشكو إليه الفاقة ، وأسر ابنه ، وجزع أمه عليه ، فقال عليه‌السلام : «اتق الله واصبر ، وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله» ، فعاد إلى بيته وقال لامرأته ، فقالت : نعم ما أمرنا به. فجعلا يقولان. وغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وهرب به إلى المدينة ، وكان أربعة آلاف شاة ، فنزلت الآية. وفى رواية أنه أصاب إبلا من العدو عددها خمسون ، وقيل : أصاب غنما ومتاعا ، وسأل الأب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أيحلّ لى أن آكل مما أتى به ابني؟ قال : «نعم» ، ونزلت الآية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ

٢٠٤

يُسْراً) (٤) : قيل : لما نزلت عدّة النساء فى سورة البقرة فى المطلقة والمتوفى عنها زوجها ، قال أبىّ بن كعب : يا رسول الله ، إن ناسا يقولون قد بقى من النساء لم يذكر فيهن شىء : الصغار ، وذوات الحمل ، فنزلت الآية. وقيل : لمّا ذكر قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ..) (٢٢٨) (البقرة) ، قال خلاد بن النعمان : يا رسول الله ، فما عدّة التى لم تحصن ، وعدّة التى انقطع حيضها ، وعدّة الحبلى؟ فنزلت الآية ، ومعنى يئسن من المحيض : قعدن عن المحيض. وقيل : إن معاذ بن جبل سأل عن عدّة الكبيرة التى يئست ، فنزلت الآية. وقيل : الآية نزلت فى المستحاضة لا تدرى دم حيض هو أو دم علة؟

* * *

١٠٧٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة التحريم

١ ـ فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١) : قيل : نزلت الآية فى حفصة لما خلا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى بيتها بجاريته مارية ، وذلك أمر بعيد ، لأن جاريته كانت تسكن العوالى ولها دارها الخاصة بها ، فما حاجتها لحجرة حفصة ليجتمع بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟! وقيل إن حفصة شاهدتهما معا على سريرها وفى يوم عائشة ، وأنه سألها ألّا تخبر عائشة ، وحلف أن مارية عليه حرام إن قربها. وكانت حفصة قد غابت إلى بيت أبيها فلما حضرت وأبصرت ذلك عزّ عليها وقالت له : تدخلها فى بيتى! ـ تقصد مارية. ما صنعت بى هذا من بين نسائك إلا من هوانى عليك! قال لها : «لا تذكريه لأحد». ولم تحفظ حفصة السرّ وأذاعته لعائشة ، فغضب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم منهما ومن نسائه لمّا ذاع الخبر بينهن ، وآلى لا يدخل عليهن شهرا ، فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة ، فأنزل الله : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ ..) (١) (التحريم) ، والمناسبة مبتذلة ، ومستبعدة ، ومن الإسرائيليات ، وضمن التشنيعات على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : نزلت فى أم شريك التى وهبت نفسها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم يقبلها لأجل أزواجه ، فنزلت الآية ، والسبب ضعيف ، لأن ردّ الموهوبة ليس تحريما والآية عن التحريم! وقيل : نزلت فى عائشة وحفصة ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدخل عند زينب فى غير يومها ، فيغيب عندها ، فعرفتا السبب أنه يشرب عندها عسلا ، فدبرتا أن تقولا له : إنى أجد منك ريح مغافير! أكلت مغافير؟ والمغافير نوع من شجر يفرز صمغا كالعسل ، رائحته كريهة وطعمه حلو. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يبغض أن تكون له رائحة غير طيبة ، فلما قالتا له ذلك وسألتاه : أكلت مغافير؟ قال : «لا» ، قالتا : فما هذه الريح؟ قال : «سقتنى زينب شربة عسل» ، فقالتا : جرس نحله العرفط ـ أى رعت النحل نبات العرفط وله رائحة كالخمر ،

٢٠٥

فحرّم على نفسه عسل زينب ، فنزلت الآية. وقيل : إنه كان يشرب العسل عند حفصة وليس عند زينب ، وقيل : هى أم سلمة. وقيل : راجع عمر امرأته ، وتعللت بأن أزواج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يراجعنه ، فأخذ ثوبه وخرج إلى حفصة يسألها : أتراجعين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ قالت : نعم ، ولو أعلم أنك تكره ذلك ما فعلت. فلما بلغ عمر أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هجر نساءه ، قال : رغم أنف حفصة! ونزلت الآية. ـ وهذا كله جهل وتصوّر بغير علم ورواياته مرسلة. والآية لا يعلم سببها إلا النبىّ ونساؤه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم نعرف أن أحدا من نسائه روت عن ذلك ، ولا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إلا ما جاء منه فى هذه السورة وغيرها من مراجعات بينه وبين وزوجاته. ولقد ذهب المفسرون مذاهب بعيدة فى تفسير الآية وغيرها ، عن أسبابها وأشخاصها ، وعن مناسبة نزولها. والصحيح أن هذه الآية وغيرها نزلت لرفع تضييق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما وسّعه الله له ، بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١)؟

٢ ـ وفى قوله تعالى : (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (٢) : قيل : الآية نزلت فى اليمين ، والخطاب فيها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم الأمة تقتدى به ، وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعتق رقبة فى تحريم مارية. والآية تفرض تحليل اليمين ، والتحلّة هى تحليله ، فكأن اليمين عقد والكفارة حلّ ، والآية على الصحيح ليست فى يمين مزعوم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على مارية ولكنها بيان لشرع مبتدأ ولرفع التضييق فى اليمين على المسلمين.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (٣) : قيل : مناسبة الآية تحريمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم مارية على نفسه واستكتامه حفصة ذلك. وقيل : أسرّ لحفصة أمر من سيخلفه على أمته من بعده ، وقال إنهما أبوها وأبو عائشة! وقال ابن عباس : أسرّ أمر الخلافة بعده إلى حفصة فذكرته حفصة ، وقيل : اطّلعت حفصة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع أم إبراهيم فقال : «لا تخبرى عائشة» ، وقال لها : «إن أباك وأباها سيملكان أو سيليان بعدى فلا تخبرى عائشة» ، فانطلقت حفصة وأخبرت عائشة ، فأظهره الله عليه ، فعرف بعضه وأعرض عن بعض. قيل : أعرض عن قوله : «إن أباك وأباها يكونان بعدى» ، وكره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ينشر ذلك على الناس. وذلك كله جهل ، وتصوّر بغير علم ، ورجم بالغيب ، ورواياته مرسلة ، ولم يذع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك ولا زوجاته ، إلا ما نزل من الآية ، ونفهم منه أنه حول إفشاء السرّ الذى يكون بين الزوجين مما يهدد الحياة الزوجية وذلك فى إطار تربوى للبيت المسلم.

٢٠٦

٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) (٤) : قيل : إن عمر بن الخطاب لما سمع أن نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتظاهرن ضده ، ذهب إليه والغضب يرى فى وجهه ، فقال له : يا رسول الله ، ما يشق عليك فى شأن النساء! فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. قال : وكلما تكلمت وأحمد الله ـ بكلام إلا رجوت أن يكون الله عزوجل يصدق قولى الذى أقول ، ونزلت هذه الآية ـ آية التخيير : (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ ..) (٥) ، والآية ، (.. وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) (٤).

٥ ـ وفى قوله تعالى : (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) (٥) : قيل : إن الآية نزلت على لسان عمر بن الخطاب. قال عمر : اجتمع نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الغيرة عليه ، فقلت لهن : عسى ربّه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ، فنزلت الآية.

* * *

١٠٧٨ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الملك

١ ـ فى قوله تعالى : (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (١٤) : قيل : نزلت فى المشركين ، كانوا ينالون من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيخبره جبريل عليه‌السلام ، فقال بعضهم : أسرّوا قولكم كى لا يسمع ربّ محمد ، فنزلت الآية.

* * *

١٠٧٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة القلم

١ ـ فى قوله تعالى : (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (٢) : قيل : كان المشركون يقولون للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنه مجنون ، وبه شيطان ، فنزلت الآية ، مثل قولهم : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٦) (الحجر) ، فأنزل الله ردا عليهم وتكذيبا ، والنعمة هنا قسم ، وهو كما تقول : ما أنت بمجنون والحمد لله.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (٤) : قيل : نزلت ثناء عليه ، لأنه امتثل تأديب الله ، والخلق هو الأدب ، وهو ما كان يأتمر به من أمر الله ، وينتهى عنه مما نهى عنه. وحقيقة الخلق هو ما يأخذ الإنسان نفسه من الأدب ، لأنه يصير كالخلقة فيه ، فلما سئلت عائشة عن خلقه ، قرأت (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (١) (المؤمنون) إلى عشر آيات ،

٢٠٧

وقالت : ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ، ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال : «لبيك» ، لذلك قال تعالى : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (٤) ، ونزلت فيه الآية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) (٦) : قيل : قالوا إن بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم شيطانا ، والمفتون هو الشيطان ، لأنه مفتون فى دينه ، وعنوا به أنه مجنون ، والآية نزلت فى الوليد بن المغيرة وأبى جهل ، والمعنى فسيعلمون غدا بأيهم المجنون ، أى الشيطان ، به صلى‌الله‌عليه‌وسلم أم بالوليد وبأبى جهل؟

٤ ـ وفى قوله تعالى : (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) (٨) : قيل : نزلت فى مشركى قريش وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفّوا عنه ، فنهاه عن ممايلة المشركين.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ) (١٣) : قيل : نزلت فى الأسود بن عبد يغوث ، وعبد الرحمن بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبى جهل. وكان الوليد قد عرض على الرسول مالا إن رجع عن دينه. و «العتل الزنيم» الشديد الخلق ، الأكول الشروب ، والظلوم للناس. وقيل : «الزنيم» كان رجلا من قريش له زنمة كزنمة الشاة ، وقيل : الزنيم ولد الزنا الملحق فى النسب بالقوم ، وكان الوليد دعيّا فى قريش ، ادّعاه أبوه ، والآية عرّفت بصفة فى الوليد لم يكتشفها أحد فيه إلا بعد أن مات ، فقد كانت له زنمة فى عنقه يداريها.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) (١٦) : قيل : هذا كله نزل فى الوليد بن المغيرة ، وليس فى القرآن أحد ذكرت عيوبه ما ذكره منها فى هذه الآيات ، فألحقت بالوليد العار فى الدنيا والآخرة ، كالوسم على الخرطوم وهو ما ابتلاه الله به فى الدنيا ، فى نفسه وماله وأهله ، من سوء وذل وصغار.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ) (١٧) : قيل : الآية نزلت فى أهل مكة ، ابتلوا وأعطاهم الله المال ليشكروا فبطروا وجحدوا وعادوا الإسلام ، فابتلاهم الله بالجوع كما ابتلى أصحاب الجنة ، وكانوا فى اليمن بالقرب منهم ، وكانت الجنة لرجل يؤدى حق الله ، فلما صارت لأولاده بخلوا ومنعوا خيرها ، وفكروا أن لا يجدّوا التمر إلا ليلا حتى لا يأتيهم المساكين ، فطاف عليها جبريل واقتلعها ، فنزلت الآية فيهم.

٨ ـ وفى قوله تعالى : (خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) (٤٣) : قيل : قال : سعيد بن جبير : الآية فى الذين كانوا يسمعون الأذان فلا

٢٠٨

يجيبون ، وقال كعب الأحبار : والله ما نزلت هذه الآية إلا فى الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة.

٩ ـ وفى قوله تعالى : (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (٤٨) : قيل : نزلت فى يونس عليه‌السلام وقصته مع الحوت معروفة. ونداؤه وهو مكظوم أى مغموم ، هو (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (٨٧) (الأنبياء).

١٠ ـ وفى قوله تعالى : (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) (٥١) : قيل : نزلت الآية فى أهل مكة ، وكانت فيهم العين ، وكان منهم رجل يمكث لا يأكل أياما ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم فيقول : لم أر كاليوم أبلا ولا غنما أحسن من هذه! فما تذهب قليلا حتى تسقط ، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالعين فوافقهم ، فعصم الله نبيّه ، ونزلت الآية ، ومعنى (لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ) أى يصيبونك بالعين. وقولهم (إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) ، لأنهم نسبوا إليه أن الشياطين تتلبسه ولهذا كان مجنونا.

* * *

١٠٨٠ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الحاقة

١ ـ فى قوله تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ) (٤٢) : قيل : نزلت كردّ على ما قاله الوليد بن المغيرة : أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ساحر ، وقول عقبة : كاهن ، وقول أبى جهل : شاعر.

* * *

١٠٨١ ـ فى أسباب نزول آيات سورة المعارج

١ ـ فى قوله تعالى : (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ) (٢) (المعارج) : قيل : نزلت فى النضر بن الحارث ، قال : (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣٢) (الأنفال) ، فاستجيب لسؤاله ، وقتل يوم بدر صبرا ، هو وعقبة ابى معيط ، ولم يقتل صبرا غيرهما. وقيل : السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهرى ، لمّا بلغه قول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى علىّ : «من كنت مولاه فعلىّ مولاه» ، فركب ناقته وجاء حتى أناخها بالأبطح ثم قال : يا محمد ، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسوله ، فقبلناه منك ، وأن نصلى خمسا فقبلناه منك ، ونزكى فقبلناه منك ، وأن نصوم شهر رمضان فى كل عام فقبلناه منك ، وأن نحج فقبلناه

٢٠٩

منك ، ثم لم نرض بهذا حتى فضّلت ابن عمك علينا! أفهذا شىء منك أم من الله؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «والله الذى لا إله إلا هو ما هو إلا من الله» ، فولّى الحارث وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم! فما وصل إلى ناقته حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه فقتله ، فنزلت الآية. وقيل : إن السائل هو أبو جهل. وقيل : نزلت (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ) (١) ، فقال الناس : على من يقوم العذاب ، فأنزل الله (لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ) (٢). والصحيح أن الآية عامة والقرآن لا يتنزل لخدمة أشخاص ، وحكاية علىّ من تلفيقات الشيعة.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ) (٣٦) : قيل : نزلت فى جمع من المنافقين المستهزئين ، وكانوا يحضرون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا يؤمنون به.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ) (٣٨) : قيل : كان المشركون يجتمعون حول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستمعون كلامه فيكذّبونه ويكذبون عليه ، ويستهزءون بأصحابه ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلها قبلهم ، ولئن أعطوا منها شيئا لنعطين أكثر منه ، فنزلت الآية.

* * *

١٠٨٢ ـ فى أسباب نزول آيات سورة نوح

١ ـ فى قوله تعالى : (وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) (٢٣) : قيل : هذه أصنام وصور كان قوم نوح يعبدونها. وقيل : الآية ليست فى قوم نوح ولكنها فى العرب ، وهذه الأصنام كان يعبدها العرب ولم يعبدها غيرهم ، وكانت ودّ ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسر ، أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم ، فلذلك خصّوها بالذكر ، وقالوا يوصون بها : (لا تَذَرُنَ) يعنى لا تتركوا عبادتها. وودّ : هو أكبرها ، وكان على صورة رجل ، وأول صنم يعبدونه ، وسمّوه كذلك لودّهم له ؛ وسواع : كان لهذيل على صورة امرأة ؛ ويغوث : لغطيف ، ثم لغطفان ، وكان على صورة أسد ؛ وأما نسر : فكان لحمير على صورة نسر من الطيور ، وآية الأصنام تعترض كلام نوح ، ويستأنف نوح الكلام بعدها ، وإنما جاءت الآية تذكيرا بأصنام العرب كأصنام قوم نوح ، وذلك هو سبب نزولها وسط كلام نوح.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) (٢٧) : قيل : سبب نزول الآية أن نوحا دعا على قومه ، لأن رجلا منهم ـ وكان يحمل طفلا ـ مرّ به ، فأشار على نوح وقال لطفله :

٢١٠

«أحذر هذا فإنه يضلك» ، فسأل الولد أباه أن ينزله ، وأمسك بحجر ورمى به نوحا فشجّ رأسه! فحينئذ غضب نوح ودعا عليهم ، ونزلت الآية. واستثنى نوح نفسه ووالديه ومن آمن به ، فنزلت الآية بهم : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً) (٢٨).

* * *

١٠٨٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الجن

١ ـ فى قوله تعالى : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً) (١) : قيل : عن ابن عباس : ما قرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الجن ولا رآهم ، وإنما أوحى إليه قول الجن ، أنهم استمعوا إلى تلاوته للقرآن وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر ، قيل كان فى مكان يقال له بطن نخلة من تهامة ، فنزلت الآية.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً) (٦) : قيل : أنه لما بعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، خرج أناس من بنى تميم هربا ، فأتوا على ملأة من الأرض ، وكانوا إذا أمسوا بمثلها يقول شيخهم : إنا نعوذ بعزيز هذا الوادى من الجن الليلة ، فقيل لهم : إنما سبيلكم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؛ من أقرّ بها آمن على دمه وماله. فرجعوا ودخلوا الإسلام ، فكانوا لا يرون إلا أن هذه الآية نزلت فيهم ، والصحيح أنها نزلت فى كل من يعوذ بالجن وهم كثر فى كل العالم ، حتى فى أوروبا وأمريكا ، ومن غير المسلمين من النصارى واليهود. وقيل : إن رجلا من تيم كان يسير فى فلاة فغلبه النوم ، فنزل عن راحلته وأناخها يريد أن ينام ، فتعوّذ بجن الوادى ، فرأى فى منامه من يأمره : إذا نزلت واديا لا تعذ بالجن ، وإنما بربّ محمد. فلما كان الصبح غذّ السير إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأسلم ، فكانوا يرون أنه هو الذى أنزل الله فيه : (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً) (٦).

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً) (١٦) : قيل : نزلت فى كفار قريش حين منع المطر سبع سنين.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً) (١٨) : قيل : قالت الجن كيف لنا أن ندعو فى المساجد ونأتى فيها الصلاة؟ فنزلت : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ ..) أى بنيت لذكر الله ، يذكره البشر وليس الجن ؛ والصحيح أن الذين قالوا ذلك المشركون ، كانوا يريدون أن يدعوا لله وللأصنام.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) (١٩) :

٢١١

قيل : هذا من قول الجن لما رجعوا إلى قومهم وأخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وائتمامهم به فى الركوع والسجود. والصحيح أنهم المشركون وليسوا الجن ، وكان المشركون يركبون بعضهم بعضا ليسمعوا محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقرأ القرآن ويصلّى بأصحابه ، حردا عليهم.

٦ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً) (٢٠) : قيل : سبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبىّ صلى الله عليه وسلم : إنك جئت بأمر عظيم ، وقد عاديت الناس كلهم ، فارجع عن هذا فنحن نجيرك. فنزلت الآية.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (٢٢) : قيل : إن كفار قريش قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك ، فنزلت (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ ..). وقيل : إن ابن مسعود والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم انطلقا حتى أتيا الحجون ، فتقدم إلى الناس وازدحموا عليه ، فقال سيد لهم يقال له وردان : أنا أزجلهم عنك (أى أمنعهم وأبعدهم) ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنى لن يجيرنى من الله أحد» ، يعنى لن يجيرنى مع إجارة الله لى ، فنزلت الآية ، ومعنى : (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ..) أى نصيرا ومولى وحرزا ومذهبا ومسلكا.

* * *

١٠٨٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة المزمل

١ ـ فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) (١) : قيل : إن قريشا اجتمعت فى دار الندوة ، فقالوا : سمّوا هذا الرجل اسما يصدر عنه الناس. قالوا : كاهن؟ قالوا : ليس بكاهن. قالوا : مجنون؟ قالوا : ليس بمجنون. قالوا : ساحر؟ قالوا : ليس بساحر. فبلغ ذلك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتزمّل فى ثيابه ، فأتاه جبريل فقال : (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) : يعنى يا أيها المتلفف بثيابه.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً) (٢) : قيل : قالت عائشة : إن الله عزوجل افترض قيام الليل فى أول هذه السورة ، فقام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه حولا ، وأمسك الله عزوجل خاتمتها التى تقول : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ ..) (٢٠) ، أمسكها اثنى عشر شهرا فى السماء ، حتى أنزلها فى آخر هذه السورة للتخفيف ، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة. وقيل : لما أنزل فى أولها قوله : (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) (١) كانوا يقومون نحوا من قيامهم فى شهر رمضان ، حتى نزل آخرها وهو قوله : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ ..) (٢٠) ، وكان بين أولها وآخرها نحو من سنة.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ..) (٢٠) : قيل :

٢١٢

مكث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه عشر سنين يقومون الليل ، فنزل بعد عشر سنين : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ..) (٢٠) ، فخفّف عنهم.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (.. فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٠) : قيل : لما نزلت : (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) (١) قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ، ثم نزل قوله تعالى : (.. فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ ..)

* * *

١٠٨٥ ـ فى أسباب نزول آيات سورة المدثر

١ ـ فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (١) : قيل : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يحدث عن فترة الوحى قال : «فبينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسى ، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء ، فجثثت منه فرقا» ، فرجعت فقلت : زمّلونى زمّلونى! فدثّرونى. فأنزل الله : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (١). وعن جابر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : جاورت بحراء شهرا ، فلما قضيت جوارى نزلت فاستبطنت بطن الوادى ، فنوديت ، فنظرت أمامى وخلفى ، وعن يمينى وعن شمالى ، فلم أر أحدا. ثم نوديت فنظرت فلم أر أحدا ، ثم نوديت فرفعت رأسى ، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء ـ يعنى جبريل ـ فأخذتنى رجفة شديدة ، فأتيت خديجة ، فقلت : دثّرونى! فدثّرونى فصبّوا علىّ ماء ، فأنزل الله (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (١). وقيل : بلغ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قول كفار مكة أنت ساحر ، فوجد من ذلك غما ، وحمّ ، فتدثّر بثيابه ، فقال الله تعالى (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ) (٢). وقيل : اجتمع أبو لهب ، وأبو سفيان ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، ومطعم بن عدى ، وقالوا : قد اجتمعت وفود العرب فى أيام الحج ، وهم يتساءلون عن أمر محمد ، وقد اختلفتم فى الإخبار عنه ، فمن قائل يقول : مجنون ، وآخر يقول : شاعر ، وتعلم العرب إن هذا كله لا يجتمع فى رجل واحد ، فسمّوا محمدا باسم واحد يجتمعون عليه وتسمّيه به العرب ، فقام منهم رجل فقال : شاعر؟ فقال الوليد : سمعت كلام ابن الأبرص وأمية بن أبى الصلت ، وما يشبه كلام محمد كلام واحد منهما ، فقالوا : الكاهن؟ فقال : الكاهن يصدق ويكذب ، وما كذب محمد قط. فقام آخر فقال : مجنون؟ فقال الوليد : المجنون يخنق الناس ، وما خنق محمد أحدا قطّ. وانصرف الوليد إلى بيته ، فقالوا : صبأ الوليد بن المغيرة. فدخل أبو جهل وقال : مالك يا أبا عبد شمس؟ هذه قريش تجمع لك شيئا يعطونكه ، وزعموا أنك احتجبت وصبأت! فقال الوليد : ما لى إلى ذلك حاجة

٢١٣

ولكن فكرت فى محمد ، فقلت : ما يكون من الساحر؟ فقيل : يفرّق بين الأب وابنه ، وبين الأخ وأخيه ، وبين المرأة وزوجها ، فقلت : إنه ساحر. فشاع هذا فى الناس ، وصاحوا يقولون : إن محمدا ساحر. ورجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بيته محزونا فتدثّر بقطيفة ، ونزلت (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ) (٢) إلى قوله : (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (٧).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً) (١٣) : قيل : كان الوليد يقول : أنا الوحيد ابن الوحيد ، ليس لى فى العرب نظير ، ولا لأبى المغيرة نظير ، وكان يسمّى «الوحيد». وكانت ثروته ألف ألف دينار ، وكان له بستان لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا ، وكان له عشرة أولاد ، وقيل اثنا عشر ، وقيل : كانوا اثنى عشر : سبعة ولدوا بمكة ، وخمسة ولدوا بالطائف. وقيل : كانوا ثلاثة عشر ولدا. وقال مقاتل : كانوا سبعة كلهم رجال ، أسلم منهم ثلاثة : خالد بن الوليد ، وهشام بن الوليد ، والوليد بن الوليد. فنزلت الآية (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً) (١٣).

٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (٢٥) : قيل : لما نزلت (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (٣) (غافر) ، سمع الوليد من يقرؤها فقال : والله لقد سمعت كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإن ليعلو ولا يعلى عليه ، وما يقول هذا بشر. فقالت قريش : صبأ الوليد ، لتصبون قريش كلها! وكان يقال للوليد ريحانة قريش ، فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه. فمضى إليه حزينا ، فقال له : ما لى أراك حزينا؟ فقال له : وما لى لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينوك بها على كبر سنك ، ويزعمون أنك زيّنت كلام محمد ، وتدخل على ابن أبى كبشة (يعنى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم) وابن أبى قحافة (يعنى أبا بكر) لتنال من فضل طعامهما. فغضب الوليد وتكبّر ، وقال : أنا أحتاج إلى محمد وصاحبه؟ فأنتم تعرفون قدر مالى! واللات والعزى ما بى حاجة إلى ذلك ، وإنما أنتم تزعمون أن محمدا مجنون ، فهل رأيتموه قطّ يخنق؟ قالوا : لا والله! قال : وتزعمون أنه شاعر ، فهل رأيتموه نطق شعرا قطّ؟ قالوا : لا والله! قال : وتزعمون أنه كذّاب ، فهل جرّبتم عليه كذبا قطّ؟ قالوا : لا والله! قال : فتزعمون أنه كاهن ، فهل رأيتموه تكهن قطّ ولقد رأينا للكهنة أسجاعا وتخالجا ، فهل رأيتموه كذلك؟

٢١٤

قالوا : لا والله! قال : فما هو إذن؟ ثم إن الوليد فكّر فى نفسه ، ثم نظر ، ثم عبس ، فقال : لا بدّ إذن أنه ساحر! أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟! فنزل قوله تعالى : (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ..) (١٨) إلى قوله : (إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (٢٥).

٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (٢٥) : قيل : نزلت فى قول قريش أن «سيارا» عبد بنى الحضرمى كان يعلّمه. وقيل الذى كان يعلمه «عدىّ الحضرمى» الكاهن.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (٣٠) : قيل : قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا : لا ندرى حتى نسأل نبينا. فجاءوا إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاستقدم اليهود فسألوه : يا أبا القاسم ، كم عدد خزنة جنهم؟ قال : «هكذا وهكذا» فى مرة عشرة ، وفى مرة تسعة ، فنزلت : (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (٣٠). وقيل : لمّا سألوه نزل عليه ساعتئذ : (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (٣٠).

٦ ـ وفى قوله تعالى : (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ) (٣١) : قيل : لما نزل (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (٣٠) ، قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم! أسمع ابن أبى كبشة (يقصد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم) يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر ، وأنتم الدّهم (أى العدد) ، والشجعان ، فيعجز كل عشرة رجال منكم أن يبطشوا برجل واحد منهم؟! فأنزل الله : (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ..). وقيل : لما نزلت : (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (٣٠) قال رجل من قريش يدعى الحرث بن كلدة : لا يهولنكم التسعة عشر. أنا أدفع بمنكبى الأيمن عشرة (يقصد عشرة رجال) ، وبمنكبى الأيسر التسعة ، ثم تمرون إلى الجنة ـ يقولها مستهزئا. فنزلت : (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ..) ، أى لم يجعلهم رجالا فتتعاطون مغالبتهم.

٧ ـ وفى قوله تعالى : (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) (٥٢) : قيل : إن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا : يا محمد ، ايتنا بكتب من ربّ العالمين مكتوب فيها : إنى قد أرسلت لكم محمدا. فنزلت الآية. وعن ابن عباس : كانوا يقولون إن كان محمد صادقا فليصبح عند كل رجل منا صحيفته ، فيها براءته وأمنه من النار ، فنزلت الآية. وقيل : قال المشركون بلغنا أن الرجل من بنى إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوبا ذنبه وكفارته ، فأتنا بمثل ذلك ، فنزلت الآية.

* * *

٢١٥

١٠٨٦ ـ فى أسباب نزول آيات سورة القيامة

١ ـ فى قوله تعالى : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) (٣) : قيل : نزلت هذه الآية فى عدىّ بن ربيعة ، قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : حدثنى عن يوم القيامة متى تكون؟ وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بذلك ، فقال له : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ، ولم أو من به ـ أى يوم القيامة ـ ، أو يجمع الله العظام؟ فنزلت الآية. وقيل : نزلت فى عدو الله أبى جهل حين أنكر البعث بعد الموت.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) (١٧) : قيل : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه ، يريد أن يحفظه ، فأنزل الله الآية ، فكان يحرّك به شفتيه. وفى رواية أخرى : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يعانى من التنزيل شدّة ، وكان يحرّك شفتيه ، فأنزل الله عزوجل : (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) (١٦) ، فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع ، وإذا انطلق جبريل ، قرأه.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) (٣٥) : قيل : لما نزلت (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (٣٠) (المدثر) ، قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم ، يخبركم ابن أبى كبشة (أى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقولها استهزاء ، والكبشة المعروفة هى الحفنة) ، أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدّهم (الصناديد)! أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟! فأوحى الله إلى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يأتى أبا جهل فيقول له : (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) (٣٥). وعند النسائى عن سعيد بن جبير ، أنه سأل ابن عباس عن قوله تعالى : (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) (٣٥) ، قال له : أشيء قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من قبل نفسه أم أمره الله به؟ يقصد قوله : (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) قال : بل قاله من قبل نفسه ثم أنزله الله. وفى الرواية : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج من المسجد (يقصد الكعبة) ذات يوم فاستقبله أبو جهل على الباب مما يلى باب بنى مخزوم ، فأخذ رسول الله بيده فهزّه مرة أو مرتين ثم قال (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) ، فقال له أبو جهل : أتهددني؟ فو الله إنى لأعز أهل الوادى وأكرمه! فنزلت الآية على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما قالها لأبى جهل. وفى رواية : أن أبا جهل بن هشام أقبل يتبختر ، فأخذ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده فقال : (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) (٣٥) ، فقال أبو جهل : ما تستطيع أنت ولا ربّك لى شيئا! إنى لأعز من مشى بين جبليها! (يقصد جبلي مكة) فلما كان يوم بدر أشرف على المسلمين فقال : لا يعبد الله بعد هذا اليوم أبدا. فضرب الله عنقه ، وقتله شرّ قتلة.

٢١٦

٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى) (٤٠) : قيل : كان النبىّ إذا قرأها قال : «سبحانك اللهم» ويبكى ، وعن ابن عباس كان يقول : من قرأ (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ) إلى آخرها ، إماما كان أو غيره ، فليقل : سبحانك اللهم ، ويبكى.

* * *

١٠٨٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الإنسان

١ ـ فى قوله تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (٨) : قيل : نزلت فى أسارى أهل الشرك ، فكانوا يأسرونهم ويعذبونهم ، فنزلت فيهم ، فكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمرهم بالإصلاح إليهم. وقيل : الآية نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر وهم سبعة من المهاجرين : أبو بكر ، وعمر ، وعلىّ ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد ، وأبو عبيدة. وقيل : نزلت فى رجل من الأنصار أطعم فى يوم واحد مسكينا ويتيما وأسيرا. وقيل : نزلت فى علىّ وفاطمة وجارية لهما اسمها فضة ، ولم يصح ذلك ولم يثبت وهذا من دعاوى الشيعة.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) (١٢) : قيل : هذه الآية نزلت فى جميع الأبرار ومن فعل فعلا حسنا.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) (٢٤) : قيل : إن أبا جهل قال : إن رأيت محمدا يصلى لأطأن على عنقه ، فأنزل الله الآية. ويقال : نزلت فى عتبة بن ربيعة ، والوليد بن المغيرة ، وكانا أتيا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج ، على أن يترك ذكر النبوة ، ففيهما نزلت الآية. وقيل : الذى عرض التزويج عتبة بن ربيعة ، قال : إن بناتى من أجمل نساء قريش ، فأنا أزوجك ابنتىّ من غير مهر وارجع عن هذا الأمر. وقال الوليد : إن كنت صنعت ما صنعت لأجل المال ، فأنا أعطيك من المال حتى ترضى ، وارجع عن هذا الأمر ، فنزلت الآية.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً) (٢٧) : قيل : نزلت فى أهل مكة بحبهم للدنيا وتركهم للآخرة ؛ وقيل نزلت فى اليهود بكتمانهم صحة نبوة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وقيل : نزلت فى المنافقين لاستبطانهم الكفر وطلب الدنيا. والآية تعمّ.

* * *

١٠٨٨ ـ فى أسباب نزول آيات سورة المرسلات

١ ـ فى قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (٤٩) :

٢١٧

قيل : نزلت فى ثقيف ، امتنعوا عن الصلاة ، فنزل فيهم ذلك ، فقال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أسلموا» وأمرهم بالصلاة ، فقالوا : لا ننحنى فإنها مسبة علينا ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا خير فى دين ليس فيه ركوع ولا سجود». والآية حجة على وجود الركوع كركن من الصلاة.

* * *

١٠٨٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة النبأ

١ ـ فى قوله تعالى : (عَمَّ يَتَساءَلُونَ) (١) : قيل : كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتحدّث فيما بينهم ، فمنهم المصدّق ، ومنهم المكذّب بالقرآن وبالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) (٤٠) : قيل : المراد بها كفّار قريش ومشركى العرب ، لأنهم قالوا : لا نبعث. والعذاب القريب هو عذاب الآخرة ، وقيل : الكافر هو أبو جهل. وقيل : المرء فى الآية المقصود به أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومى ، وأما الكافر فهو أخوه الأسود ابن عبد الأسد. وقيل : الكافر هو إبليس.

* * *

١٠٩٠ ـ فى أسباب نزول آيات سورة النازعات

١ ـ فى قوله تعالى : (يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ) (١٠) : قيل : نزلت فى المكذّبين المنكرين للبعث ؛ والحافرة هى القبور ، والمعنى إننا لمردودون فى قبورنا أحياء ، كقولهم (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ..) (الإسراء ٤٩) ، فقال كفار قريش : لئن حيينا بعد الموت لنخسرن ، فنزلت : (قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ) (١٢) (النازعات).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا) (٣٨) : قيل : طغى أى تجاوز الحدّ فى العصيان ، ونزلت الآية فى النضر وابنه الحارث ، وهى عامة فى كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة. وقيل : نزلت فى مصعب بن عمير وأخيه عامر بن عمير ، وكان عامر قد أسر يوم بدر ، فقال لمن أسروه : أنا أخو مصعب ، فلم يشدوه فى الوثاق وأكرموه ، فلما علم مصعب أمرهم أن يشدّوا وثاق أسيرهم ، فأمه غنية وبوسعها أن تفتديه.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى) (٤١) : قيل : الآية فى مصعب بن عمير ، وفى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفسه يوم أحد حين تفرّق الناس عن مصعب حتى نفذت فيه السهام ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «عند الله احتسبك». وقيل : نزلت هذه الآية فى أبى بكر الصدّيق ، فقد كان له غلام يأتيه بالطعام ،

٢١٨

وكان فى كل مرة يسأله : من أين أتيت بهذا؟ فأتاه يوما بطعام فلم يسأله ، فقال له الغلام : لم لم تسألنى؟ فقال : نسيت ، فمن أين لك الطعام؟ فقال : تكهنت لقوم فى الجاهلية فأعطونيه ، فتقيأه أبو بكر لساعته. وقال : يا ربّ ، ما بقى فى العروق فأنت حبسته! فنزلت الآية. وقيل : نزلت فى من همّ بمعصية وقدر عليها فى خلوة ثم تركها من خوف الله.

٤ ـ وفى قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها) (٤٢) : قيل : سأل مشركو مكة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم استهزاء : متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى الآية. وقيل : لم يزل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسأل عن الساعة حتى نزلت هذه الآية : (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها) (٤٤) (النازعات) ، فكأنهم لما أكثروا عليه السؤال ، سأل الله أن يعرف جوابه ، فقيل له : لا تسأل ، فلست فى شىء من ذلك.

١٠٩١ ـ فى أسباب نزول آيات سورة عبس

١ ـ فى قوله تعالى : (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) (٢) : قيل : نزلت فى ابن أم مكتوم ، وكان أعمى ، واسمه عمرو ، وأبوه قيس بن زائدة الأصم ، وهو ابن خال خديجة ، وكان عند النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعض أشراف قريش وقد طمع فى إسلامهم ، وجاءه ابن أم مكتوم ، فكره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم منه أن يقطع عليه كلامه ، فأعرض عنه ، ففيه نزلت. وقيل : كان عند النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن ربيعة. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا التقى ابن ام مكتوم بعد ذلك يقول له : «مرحبا بمن عاتبنى فيه ربي».

* * *

٢ ـ وفى قوله تعالى : (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) (١٧) : قيل : نزلت فى عتبة بن أبى لهب ، وكان قد آمن ، فلما نزلت : (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) (١) ارتدّ ، وقال : آمنت بالقرآن كله إلا النجم ، فنزلت الآية فيه.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (٣٧) : قيل : هذه الآيات نزلت فى فرار التبرؤ ، فقابيل يوم القيامة يفر من أخيه هابيل ؛ وإبراهيم يفر من أبيه ؛ ونوح من ابنه ؛ ولوط من امرأته ؛ وأول من يفر يوم القيامة من أبيه إبراهيم ، وأول من يفر من ابنه نوح ، وأول من يفر من امرأته لوط.

١٠٩٢ ـ فى أسباب نزول آيات سورة التكوير

١ ـ فى قوله تعالى : (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (٩) : قيل : كانوا فى الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ، فعاتبهم الله على ذلك وتوعّدهم.

٢١٩

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) (٢٣) : قيل : أراد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يرى جبريل فى الصورة التى يكون بها عند ربّه عزوجل ، فأتاه وقد سدّ الأفق ، فلما نظر إليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرّ مغشيا عليه ، فقال المشركون إنه مجنون ، فنزلت (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) (٢٣). وقيل : نزلت لمّا رأى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم جبريل فى صورته ، ورآه من قبل المشرق ، لأن هذا الأفق إذا كانت منه تطلع الشمس فهو مبين.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٢٩) : قيل : لما نزلت (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (٢٨) (التكوير) ، قال أبو جهل : الأمر إلينا إذن ، إن شئنا استقمنا ، وإن شئنا لم نستقم. فنزلت : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٢٩). وقيل إن مقالة أبى جهل هى بعينها مقالة القدرية ، فإنه يتكلم عن القدر ، وأبو جهل إذن رأس القدرية. وهذا كلام جديد فى التأريخ لفرقة القدرية ، من القدر والقدرة بمعنى الاستطاعة ، يقولون : إن الإنسان مريد لأفعاله قادر عليها. والقدرية بهذا المعنى كأصحاب مذهب حرية الإرادة. والآية لا تنفى حرية الإرادة ، ولكنها تنفى أن لا يكون لله تعالى دور فى هداية الإنسان ، لأنه تعالى هداه هداية دلالة ، ويهديه هداية معونة. ومن جهة أخرى فإن مشيئة الخلق بخلاف مشيئة الخالق ، فمشيئة الخلق اختيار بين أمرين كل منهما ممكن الوقوع ، فيترجّح أحدهما لمزيد مصلحة وفائدة ، ولكن مشيئة الله هى اختياره الثابت إذا لا يصح لديه تردّد ولا إمكان حكمين. والإنسان قد يريد الهداية وتقصر عنها ظروفه أو إمكاناته ، فإذا شاء الله له الهداية هيّأ له أسبابها ويسّرها ، فذلك معنى (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٢٩) ، أى أنه تعالى إذا رأى من العبد أخذا بما هداه إليه دلالة ، ساعده على الهداية معونة.

* * *

١٠٩٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الانفطار

١ ـ فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (٦) : قيل : نزلت فى الوليد بن المغيرة ؛ وقيل : نزلت فى أبىّ بن خلف ؛ وقيل : نزلت فى الأسد بن كلدة الجمحى.

* * *

١٠٩٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة المطففين

٢ ـ فى قوله تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) (١) : قيل : قدم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة ، كان أهلها من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عزوجل : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) فأحسنوا الكيل بعد ذلك. وقيل : نزلت السورة فى رجل يعرف بأبى جهينة ، واسمه عمرو ، وكان له مكيالان ،

٢٢٠

يأخذ بأحدهما ، ويعطى بالآخر ـ يعنى كان أحدهما ناقصا ، فإذا أعطى أعطى به ، والآخر زائد فإذا أخذ لنفسه أخذ به.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) (٢٩) : قيل : نزلت فى رؤساء قريش من أهل الشرك ، من أمثال : الوليد بن المغيرة ، وعقبة بن معيط ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد يغوث ، والعاص بن هشام ، وأبى جهل ، والنضر بن الحارث. والذين آمنوا من أمثال : عمّار ، وخبّاب ، وصهيب ، وبلال.

* * *

١٠٩٥ ـ فى أسباب نزول سورة الانشقاق

١ ـ فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (٦) : قيل : نزلت فى الأسود بن عبد الأسد ؛ وقيل : نزلت فى أبىّ بن خلف ؛ وقيل : الآية عامة والمراد بالإنسان الجنس ، أى ابن آدم ؛ وقيل : المراد جميع الكفّار.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ) (١٠) : قيل : نزلت فى الأسود بن عبد الأسد أخى أبى سلمة ، ثم هى عامة فى كل مؤمن وكافر.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) (٢٢) : قيل : نزلت فى بنى عمرو بن عمير ، وكانوا أربعة ، فأسلم اثنان ؛ وقيل هى فى جميع الكفّار.

* * *

١٠٩٦ ـ فى أسباب نزول آيات سورة البروج

١ ـ فى قوله تعالى : (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) (٤) (البروج) : قيل : نزلت فى تعذيب المسلمين من أمثال بلال ، وعمّار بن ياسر وأبيه وأمه ، وغيرهم ، تسلية للمسلمين وتسرية عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وأصحاب الأخدود كانوا نصارى عذّبهم اليهود ، وكانوا بنجران ، وقيل كانوا نيفا وثمانين رجلا ، أخذهم يوسف بن شراحبيل بن تبّع الحميرى ، وحفر لهم أخدودا وأحرقهم فيه. ومثل أصحاب الأخدود فى سفر المقابيين الثانى من أسفار اليهود ، الفصل السابع ، قصة أبلونيوس الملك البغيض الذى قبض على سبعة إخوة وأخذ يكرههم على تناول لحوم الخنزير المحرّمة ، ويعذّبهم بالمقارع والسياط ، وأدنى الأكبر منهم ليعلن كفره فرفض ، فجدعوا أطرافه وسلخوا فروة رأسه وألقوا به فى النار حيا ، ثم كان الثانى والثالث والرابع وهكذا إلى أن اكتمل الإخوة السبعة ، ولحقت بهم أمهم ، وكانت تواسيهم وتشجّعهم إلى أن جاء دورها فحرّقوها كذلك ، وهذه هى بداية المحارق فى التاريخ.

٢٢١

١٠٩٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الطارق

١ ـ فى قوله تعالى : (النَّجْمُ الثَّاقِبُ) (٣) : قيل : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قاعدا مع أبى طالب ، فانحط نجم ، فامتلأت الأرض نورا ، ففزع أبو طالب ، وقال : أى شىء هذا؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هذا نجم رمى به ، وهو آية من آيات الله» ، فعجب أبو طالب ، ونزل : (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ) (١).

* * *

١٠٩٨ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الأعلى

١ ـ وفى قوله تعالى : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (١) : قيل : لمّا قال المشركون فى نزالهم مع المسلمين أعل هبل ، قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قولوا : «الله أعلى» ، فنزلت (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى). فقال : «اجعلوها فى سجودكم سبحان ربّى الأعلى».

٢ ـ وفى قوله تعالى : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) (٦) : قيل : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتعجّل قراءة القرآن مع جبريل مخافة أن ينسى ، فنزلت الآية ، وقوله (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) (٧) (الأعلى) استثناء ، فقد ينسى لأنه بشر ، ولكن نسيانه ليس بالكلية ، والصحيح أنه لم يكن ينسى شيئا ، ونية القائل هو أن لا ينسى شيئا ، أو أن معنى الآية فلا تنسى العمل به ، إلا ما شاء الله أن لا تعمل به.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى) (١٠) : قيل : نزلت فى ابن أم مكتوم ، فقد كان يخشى الله ، والوعظ ينفع من يخشى. وفيه قال تعالى : (وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) (١٠) (عبس).

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) (١١) : قيل : نزلت فى الوليد بن المغيرة ، وعتبة بن ربيعة.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) (١٤) : قيل : نزلت فى عثمان بن عفان ، وكان بالمدينة منافق كانت له نخلة مائلة فى دار رجل من الأنصار ، فإذا هبت الرياح أسقطت البسر والرطب إلى دار الأنصارى ، فيأكل هو وعياله ، فخاصمه المنافق ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأرسل إلى المنافق وهو لا يعلم نفاقه ، فقال : «إن أخاك الأنصارى ذكر أن بسرك ورطبك يقع إلى منزله فيأكل هو وعياله ، فهل لك أن أعطيك نخلة فى الجنة بدلها؟» فقال : أبيع عاجلا بآجل! لا أفعل! فذكروا أن عثمان بن عفان أعطاه بستانا من نخل بدل نخلته ، ففيه نزلت : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) ، ونزلت فى المنافق (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) (١١). وقيل : نزلت (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) فى أبى بكر.

* * *

٢٢٢

١٠٩٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الغاشية

١ ـ فى قوله تعالى : (لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) (٧) : قيل : إن المشركين قالوا : إن إبلنا لتسمن على الضريع ، فنزلت الآية (لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) ، والضريع نبت ذو شوك لاصق بالأرض تسمّيه العرب الشبرق إذا كان رطبا ، والضريع إذا كان يابسا ، ولا تقربه دابة ولا ترعاه يابسا ، وتأكله رطبا.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (١٧) : قيل : الآية ذكّرت بالإبل لأنها كثيرة عند العرب ولها فوائدها الجمة ، فالعربى لا شىء بدونها ، فهى حلوبه ، وركوبه ، ويأكل لحمها ، وتحمل متاعه ، فالنعمة بها أعمّ ، وقدرة الله فيها أظهر وأتم ، ولذا خصّها بالذكر ، ونزلت الآية فيها دون غيرها لأنها معظم أموال العرب.

* * *

١١٠٠ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الفجر

١ ـ فى قوله تعالى : (فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ) (١٦) : قيل : الآيتان نزلتا فى صفة كل كافر ، وكثير من المسلمين يظن أن ما أعطاه الله إنما لكرامته وفضيلته عنده ، وربما قال : لو لم استحق هذا لم يعطنى الله ، وكذلك إن قتر عليه ، يظن أن ذلك لهوانه عليه.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) (١٨) قيل : نزلت الآية فى قدامة بن مظعون ، وكان يتيما فى حجر أمية بن خلف ، ولم يكن يكرمه ، ولا كان يأمر أهله أن يطعموا المساكين.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي) (٣٠) : قيل : نزلت فى خبيب بن عدى ، وكان أنصاريا أوسيا ، وشهد بدرا ، واستشهد فى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، صلبه أهل مكة ، وجعلوا وجهه إلى المدينة ، فحوّل الله وجهه نحو القبلة ، وفى استشهاده نزلت الآية.

* * *

١١٠١ ـ فى أسباب نزول آيات سورة البلد

١ ـ فى قوله تعالى : (لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ) (١) : قيل : نزلت فى مكة البلد الحرام.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ) (٢) : قيل : نزلت فى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أحلّ له أن يقاتل من يقاتله فى مكة البلد الحرام ، وقيل : فأمر بقتل ابن خطل ، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وأحلّت له الكعبة ساعة من نهار ثم حرّمت إلى يوم القيامة ، وكان ذلك فى فتح مكة ، وفى ذلك قال : «إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض ، فهى حرام إلى أن تقوم الساعة ، فلم تحل لأحد قبلى ، ولا تحل لأحد بعدى ، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار».

٢٢٣

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَوالِدٍ وَما وَلَدَ) (٣) : قيل : نزلت فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهو الوالد ، وولد أمته ، وقال : «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلّمكم».

٤ ـ وفى قوله تعالى : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) (٥) قيل : نزلت فى رجل من بنى جمح ، كان يقال له أبو الأشدّين ، وكان يجذبه عشرة يحاولون أن يزحزحوه من مكانه فلا يستطيعون ، وكان من أعداء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيه نزلت : (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) ، وكذلك كان ركانة بنى هاشم بن عبد المطلب مثلا فى البأس والشدة ، وكان أبو الأشدين يقول : أنفقت فى عداوة محمد مالا كثيرا. وقيل : نزلت فى الحارث بن عامر بن نوفل ، أذنب فاستفتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأمره أن يكفّر ، فقال : لقد ذهب مالى فى الكفّارات والنفقات منذ دخلت فى دين محمد ، فكان يستطيل بما أنفق.

* * *

١١٠٢ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الشمس

١ ـ فى قوله تعالى : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها) (١٢) : قيل : نزلت فى قدار بن سالف ، وكان أشقى ثمود ، وهو الذى عقر الناقة ، فلما عقرها أضيف جرمه إلى الكل لأنهم رضوا بفعله.

* * *

١١٠٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الليل

١ ـ فى قوله تعالى : (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) (٤) : قيل : اشترى أبو بكر من أمية بن خلف بلالا فأعتقه ، فنزلت (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى) (٥) : قيل : نزلت فى أبى بكر ، قال له أبوه : أراك تعتق رقابا ضعافا ، فلو أنك أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك يا بنى ، فقال : يا أبت إنما أريد ما عند الله ، فنزلت الآية.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى) (٨) : قيل : نزلت فى أبى الدحداح ، ولا ندرى من هو أبو الدحداح هذا سوى أنه من الأنصار ، وأنه اشترى نخلة من رجل خزرجى رفض أن يبيعها لجاره الأنصارى ، وكان بلح نخلة الخزرجى يسقط فى دار هذا الجار الأنصارى فيتناوله صبيانه ، فشكا الخزرجى إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له : «تبيعها بنخلة فى الجنة»؟ فرفض ، وسمع أبو الدحداح القصة ، فذهب إلى الخزرجى يغريه بأن يبيعه النخلة ببستان له ، فقبل ، فذهب أبو الدحداح إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرض عليه النخلة لقاء نخلة فى الجنة ، فقبل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «نعم والذى نفسى بيده» ، فدعا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الجار

٢٢٤

الأنصارى فأعطاه النخلة ، فنزلت الآية فى أبى الدحداح : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى) (٥) ، وفى الخزرجى : (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى) (٨).

٤ ـ وفى قوله تعالى : (وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى) (٢١) : قيل : نزلت فى أبى بكر ، فلمّا أسلم بلال عذّبه المشركون ، وبلال يقول : أحد أحد ، فمر به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : أحد ينجّيك ، وقال لأبى بكر : إن بلالا يعذّب فى الله» ، فعرف أبو بكر ما يريده الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فانصرف إلى منزله ، فأخذ ذهبا ومضى إلى أمية بن خلف ليشترى بلالا منه ، فاشتراه وأعتقه ، وقال المشركون : ما أعتقه إلا ليد كانت له عنده ، فنزلت الآية. وقيل : اشترى أبو بكر من أمية وأبىّ بن خلف بلالا فأعتقه ، فنزلت : (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) (٤). وقيل : إن أمية بن خلف اشترط ليبيعه لأبى بكر أن يكون فى مقابله نسطاس عبد أبى بكر ، وكان مشركا ويصر على الشرك ، فوافق أبو بكر ، فقال المشركون : إن أبا بكر ما كان يتنازل عن نسطاس فى مقابل بلال ، إلا لأن لبلال يدا عنده ، فنزلت الآية.

* * *

١١٠٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الضحى

١ ـ قيل : اشتكى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم يقم ليلة أو ليلتين ، ، فأتت امرأة ، قيل هى أم جميل امرأة أبى لهب ، فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلا قد تركك لم أره يقربك منذ ليلتين أو ثلاث ـ فأنزل الله عزوجل : (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) (٣) السورة. وقيل : أبطأ جبريل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال المشركون : ودّع محمدا ربّه ، فأنزل الله تعالى : (وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) (٣) السورة. وقيل : احتبس عنه الوحى اثنى عشر يوما ؛ وقيل : خمسة وعشر يوما ؛ وقيل : خمسة وعشرين يوما ؛ وقيل : أربعين يوما. فقال المشركون : إن محمدا ودّعه ربّه وقلاه ، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل مع من كان قبله من الأنبياء. وعن خولة بنت حكيم وكانت تخدم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قالت : مكث نبىّ الله أياما لا ينزل عليه الوحى ، فقال : «يا خولة ، ما حدث فى بيتى؟ ما لجبريل لا يأتينى؟» قالت خولة : لو هيأت البيت وكنسته! فأهوت بالمكنسة تحت السرير ، فإذا جرو ميّت ، فأخذته فألقته خلف الجدار ، فجاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ترعد لحيتاه ، وكان إذا نزل عليه الوحى استقبلته الرعدة ، فقال : «يا خولة ، دثرينى» فأنزل الله هذه السورة. ولما نزل جبريل سأله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن التأخر ، فقال : أما علمت أنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة»! والحديث غريب وغير مقبول ، فكيف يكون كلب ميّت تحت سريره وهو لا يدرى؟ ألم ينتن وتصدر عنه رائحة كريهة يشمّها أصحاب البيت كلهم؟ ثم كيف يتأخر

٢٢٥

ملك عن التبليغ؟ ولم لا يدخل البيت الذى فيه كلب أو صورة؟ ما تأثير ذلك عليه؟ وكيف هو ملك إذن؟! فمن مثل هذه الأحاديث يجب الحذر.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (٥) قيل : قال ابن عباس : أرى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يفتح الله على أمته بعده ، فسرّ بذلك ، فنزل جبريل بقوله : (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (٥).

* * *

١١٠٥ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الشرح

١ ـ فى قوله تعالى : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (٦) : قيل : نزلت فى خروج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من مكة ودخولها فاتحا ، والخروج عسر ، والدخول يسر.

* * *

١١٠٦ ـ فى أسباب نزول آيات سورة التين

١ ـ فى قوله تعالى : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (٤) : قيل : نزلت فى الوليد بن المغيرة ، أو كلدة بن أسيد ، وكانا على هيئة حسنة ولكنهما كفرا فكان مخبرهما أسوأ مخبر.

* * *

١١٠٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة العلق

١ ـ فى قوله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (١) قيل : فى الصحيحين عن عائشة ، قالت : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فجئه الحق وهو فى غار حراء ، فجاءه الملك فقال : (اقْرَأْ) ، فقال : «ما أنا بقارئ» ، قال : «أخذ فغطّنى حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى ، فقال : (اقْرَأْ) ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذنى فغطّنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى ، فقال : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) (٦) : قيل : نزلت الآيات من (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) (٦) حتى (كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (١٩) فى أبى جهل ، ولأنه بعد الدعوة كان يؤذى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويأمره أن يكف عن الصلاة ، وعلى ذلك لا تكون السورة كلها أول ما نزل من القرآن ، ويجوز أن تكون الآيات الخمس الأولى هى أول ما نزل من القرآن ، ثم نزلت بقية السورة فى شأن أبى جهل ، وأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد ذلك بضم هذه الآيات الأربع عشرة الأخيرة إلى الآيات الخمس الأولى ، لأن تأليف السور كان يجرى بأمر الله ، وحجة من قال بذلك أن الآية : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) (٢٨١) (البقرة) كانت آخر ما نزل ، ومع ذلك أمر بضمها إلى ما نزل قبلها بزمان طويل.

٢٢٦

٣ ـ وفى قوله تعالى : (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى) (١٠) : قيل : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلى فجاءه أبو جهل فنهاه ، فأنزل الله الآية. وقيل : نزلت فى أبى جهل ، قال : إن رأيت محمدا يصلى لأطأنّ على عنقه!

٤ ـ وفى قوله تعالى : (أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ) (١٧) (العلق) : قيل : نزلت فى أبى جهل فى تكذيبه للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو على الهدى ويأمر بالتقوى ، وأبو جهل يكذّب ، والآيات وإن كانت فى أبى جهل فإنها عظة للناس ، وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن طاعة الله.

٥ ـ وفى قوله تعالى : (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) (١٨) (العلق) : قيل : أغلب سورة العلق نزل فى أبى جهل ابتداء من الآية السادسة : (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) (٦). وقال أبو جهل ضمن ما قال لما سمع بما نزل فيه من القرآن : لئن رأيت محمدا يصلى لأطأن على عنقه. فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا» أخرجه الترمذى. وعن ابن عباس : أن أبا جهل مرّ على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يصلى عند المقام ، فقال له : ألم أنهك عن هذا يا محمد! فأغلظ له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال أبو جهل : بأى شىء تهددنى يا محمد؟! والله إنى لأكثر أهل الوادى هذا ناديا. فأنزل الله عزوجل : (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) (١٨).

* * *

١١٠٨ ـ فى أسباب نزول آيات سورة القدر

١ ـ فى قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (١) : قيل : فى ليلة القدر أنزل القرآن ، والقرآن كله كالسورة الواحدة ، قال تعالى : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (١٨٥) (البقرة) ، وقال (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ) (٣) (الدخان) ، قيل : فيها يقدر الله ما يشاء من الأمر إلى مثلها من السنة القادمة.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (٣) : قيل : نزل الآية لبيان فضل ليلة القدر ، وفضل الزمان يكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل ، وما يوجد فى هذه الليلة لا يوجد مثله فى ألف شهر.

* * *

١١٠٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة البينة

١ ـ فى قوله تعالى : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (١) : قيل : أهل الكتاب هم اليهود الذين كانوا بيثرب ، وهم قريظة والنضير

٢٢٧

وبنو قينقاع ، والمشركون هم مشركو قريش ، نزلت فيهم جميعا. وقيل «المشركين» وصف أهل الكتاب أيضا ، لأنهم تركوا التوحيد ، فالنصارى مثلّثة ، وعامة اليهود لا يدعون إلى الله وإنما لشعب اليهود ويؤلّهون جنسهم ، والكل يشرك.

* * *

١١١٠ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الزلزلة

١ ـ فى قوله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (٨) : قيل : نزلت فى رجلين ، وذلك أنه لما نزل (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ) (الإنسان ٨) ، كان أحدهم يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة. وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير ، كالكذبة والغيبة والنظرة ، ويقول : إنما أوعد الله النار على الكبائر. فنزلت هذه الآية ترغّب الناس فى القليل من الخير أن يعطوه فإنه يوشك أن يكثر ، وتحذّرهم اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكثر.

* * *

١١١١ ـ فى أسباب نزول آيات سورة العاديات

١ ـ روى فى نزولها : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث سرية إلى أناس من بنى كنانة ، فأبطأ عليه خبرها ، وكان قد استعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصارى ـ وكان أحد النقباء ، فقال المنافقون : إنهم قتلوا! فنزلت هذه السورة إخبارا للنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بسلامتهم ، وبشارة له بإغارتهم على القوم الذين بعث إليهم.

* * *

١١١٢ ـ فى أسباب نزول آيات سورة القارعة

١ ـ فى قوله تعالى : (الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ) (٣) قيل : نزلت فى يوم القيامة والساعة.

* * *

١١١٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة التكاثر

١ ـ فى قوله تعالى : (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) (٢) قيل : نزلت فى اليهود حين قالوا نحن أكثر من بنى فلان ، وبنو فلان أكثر من بنى فلان ، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلّالا. وقيل : نزلت فى جماعة من الأنصار. وقيل : نزلت فى حيين من قريش : بنى عبد مناف ، وبنى سهم ، تعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف فى الإسلام ، فقال كل حىّ منهم نحن أكثر سيدا ، وأعز عزيزا ، وأعظم نفرا ، وأكثر عائذا ، فكثر بنو عبد مناف سهما ، ثم تكاثروا بالأموات ، فنزلت الآية.

* * *

٢٢٨

١١١٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة العصر

١ ـ فى قوله تعالى : (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) (٢) قيل : نزلت فى جماعة من المشركين : الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزّى ، والأسود بن عبد يغوث. وقيل : يعنى بالإنسان جنس الناس.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) (٣) : قيل : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) : هو أبو جهل ؛ و (الَّذِينَ آمَنُوا) : أبو بكر ؛ و (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) : عمر ؛ و (وَتَواصَوْا بِالْحَقِ) : عثمان ؛ و (وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) : علىّ ؛ والحق : هو الله.

* * *

١١١٥ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الهمزة

١ ـ فى قوله تعالى : (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (١) : قيل : نزلت فى الأخنس بن شريق ، وكان يلمز الناس ويعيبهم مقبلين ومدبرين. وقيل : نزلت فى الوليد بن المغيرة ، وكان يغتاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من ورائه ، ويقدح فيه فى وجهه. وقيل : نزلت فى أبىّ بن خلف. وقيل : فى جميل بن عامر الثقفى. وقيل : إنها مرسلة على العموم من غير تخصيص.

* * *

١١١٦ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الفيل

١ ـ فى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ) (١) : قيل : نزلت فى أبرهة الأشرم الحبشى حاكم اليمن ، وكان نصرانيا ، وبنى كنيسة بصنعاء ينافس بها بيت العرب «الكعبة» ، فلما سمع عربىّ بالقصة جاء وبال فى الكنيسة ، فغضب لذلك أبرهة ، وهو أمر مستبعد ، قيل : وجاء أبرهة إلى مكة يريد هدم البيت ، واستحضر معه أفيالا ، وكان ذلك عام الفيل ، وقيل : قبل مولد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأربعين سنة.

* * *

١١١٧ ـ فى أسباب نزول آيات سورة قريش

١ ـ فى قوله تعالى : (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ) (١) قيل : السورة متصلة بسورة الفيل التى قبلها فى المعنى ، يقول : أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش ، أى لتأتلف أو تتفق ، أو لتأمن فتؤلف رحلتيها. والسورة نزلت فى أصحاب الإيلاف ، وهم أربعة إخوة : هاشم ، وعبد شمس ، والمطلب ، ونوفل ، وكل منهم كان يؤلف التجار المتوجهين إما إلى الشام أو الحبشة ، أو اليمن أو فارس ، فلا يتعرض لهم أحد ولذلك سموا المجيرين. وفى قريش قال

٢٢٩

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فضلهم الله بسبع خصال ، ومنها نزلت فيهم سورة لم يذكر أحد فيها غيرهم.

* * *

١١١٨ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الماعون

١ ـ فى قوله تعالى : (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) (١) قيل : نزلت فى العاص بن وائل السهمى ؛ وقيل : نزلت فى رجل من المنافقين ؛ وقيل : فى الوليد بن المغيرة ؛ وقيل : فى أبى جهل ؛ وقيل : فى عمرو بن عائذ ؛ وقيل : فى أبى سفيان ، وكان ينحر فى كل أسبوع جزورا ، فطلب منه يتيم شيئا ، فقرعه بعصاه ، فأنزل الله هذه السورة.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ) (٧) قيل : هؤلاء هم المنافقون ، نزلت فيهم وعدّدت صفاتهم ، وهى : ترك الصلاة ، والرياء ، والبخل بالمال.

* * *

١١١٩ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الكوثر

١ ـ فى قوله تعالى : (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (٣) : قيل : إن العاص بن وائل وقف من النبىّ يكلمه ، فسأله جماعة من العرب : مع من كنت واقفا؟ فقال هازئا : مع ذلك الأبتر! يقصد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان قد توفى ابنه القاسم ، وكان من خديجة. وكان أهل الجاهلية إذا مات ابن الرجل قالوا : بتر فلان ، فلما مات القاسم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال : بتر محمد ، فأنزل الله تعالى : (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) ، يعنى بذلك أبا جهل. وقيل بل هو أبو لهب ، وقيل هو عقبة بن أبى معيط ، فلما توفى ابن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قالها : بتر محمد ، فليس له من البنين من يقوم بأمره من بعده ، فنزلت هذه الآية. وقيل :

(إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) نزلت فى قريش ، فإنه لما أوحى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ودعا قريشا إلى الإيمان ، قالوا : انبتر منا محمد ، يعنى انقطع عنا واعتزلنا ، فأخبر الله تعالى نبيّه أنهم هم المبتورون ، ونزلت السورة. وقيل : كان نزولها فى الحديبية حين حصر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن البيت ، وهو غير صحيح ، لأن القاسم توفى فى مكة قبل ذلك بسنوات فى حياة خديجة.

* * *

١١٢٠ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الكافرون

١ ـ فى قوله تعالى : (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (٦) قيل : سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب ،

٢٣٠

وأمية بن خلف ، لقوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، ونشترك نحن وأنت فى أمرنا كله ، وإن كان الذى بأيدينا خيرا مما بيدك ، كنت قد شركتنا فى أمرنا وأخذت بحظك منه ، فأنزل الله السورة. وقيل : قالوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لو استلأمت (أى عبدت) بعض هذه الآلهة لصدّقناك ، فنزل جبريل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذه السورة ، فيئسوا منه وآذوه وأصحابه. وقيل : قالوا : تعبد آلهتنا ونعبد إلهك ، وهكذا دواليك ، سنة سنة. وقيل : قالوا نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجل بمكة ، ونزوّجك من شئت ، ونطأ عقبك (أى نمشى خلفك) ، وتكفّ عن شتم آلهتنا ، فإن لم تفعل نعرض عليك خصلة واحدة ، هى لنا ولك صلاح : تعبد آلهتنا اللات والعزى سنة ، ونحن نعبد إلهك سنة. فنزلت السورة. وقيل : قالوا كل ذلك أو بعضه فنزلت السورة.

* * *

١١٢١ ـ فى أسباب نزول آيات سورة النصر

١ ـ فى قوله تعالى : (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) (١) قيل : نزلت فى فتح مكة ، فلما دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مكة ، بعث خالد بن الوليد فقاتل بمن معه صفوف قريش بأسفل مكة حتى هزمهم الله ، ثم أمر بالسلاح فرفع عنهم ، فدخلوا الدين ، ونزلت السورة. وقيل : لم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أشد اجتهادا فى أمور الآخرة مما كان منه عند نزولها. ولما نزلت قرأها على أصحابه ففرحوا واستبشروا ، وبكى العباس ، فسأله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما يبكيك يا عم؟» قال : «نعيت إليك نفسك» قال : «إنه كما تقول» ، فعاش بعدها ستين يوما ، ما رئى فيها ضاحكا مستبشرا.

٢ ـ وفى قوله تعالى : (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً) (٢) : قيل : نزلت فى أهل مكة كانوا يقدمون على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمة أمة ، والأمة أربعون رجلا ، ويسلمون.

٣ ـ وفى قوله تعالى : (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) (٣) : قيل : نزلت فى أجل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أعلمه إياه ، ونزل استغفاره تعبّدا يجب إتيانه لا للمغفرة. وعن عائشة رضى الله عنها فى نزولها قالت : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكثر من قول : «سبحان الله وبحمده ، استغفره وأتوب إليه» ، فقالت له : يا رسول الله ، أراك تكثر من قول «سبحان الله وبحمده ، استغفره وأتوب إليه»؟ فقال : خبّرنى ربّى أنى سأرى علامة فى أمتى ، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده ، أستغفره وأتوب إليه. فقد رأيتها : (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) (٣).

* * *

٢٣١

١١٢٢ ـ فى أسباب نزول آيات سورة المسد

١ ـ فى قوله تعالى : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) (١) : قيل : لما نزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (٢١٤) (الشعراء) ، خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى صعد الصفا ، فهتف : «يا صباحاه!» فقيل : من هذا الذى يهتف؟ قالوا : محمد ، فقال : «يا بنى فلان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يا بنى فلان ، يا بنى فلان ، يا بنى عبد مناف ، يا بنى عبد المطلب» فاجتمعوا إليه ، فقال : «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل ـ أكنتم مصدقىّ؟» قالوا : ما جرّبنا عليك كذبا. قال : «فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد» ، فقال أبو لهب : تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا! ثم قام ، فنزلت هذه السورة : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) (١). وقيل : إن أبا لهب أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : ما أعطى إن آمنت بك يا محمد؟ قال : «كما يعطى المسلمون» ، قال : ما لى عليهم فضل؟! قال : «وأى شىء تبغى؟» قال : تبّا لهذا من دين : أن أكون أنا وهؤلاء سواء! فأنزل الله تعالى فيه : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) (١). وقيل : كان إذا وفد على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفد ما أنطلق إليهم أبو لهب ، فيسألونه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويقولون له : أنت أعلم به منا ، فيقول لهم : إنه كذّاب ساحر ، فيرجعون عنه ولا يلقونه ، فأتى وفد ففعل معهم مثل ذلك ، فقالوا : لا ننصرف حتى نراه ونسمع كلامه ، فقال لهم أبو لهب : إنّا لم نزل نعالجه ، فتبا له وتعسا ، فأخبر بذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاكتأب لما سمعه ، فأنزل الله تعالى : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) (١).

٢ ـ وفى قوله تعالى : (ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ) (٣) قيل : لمّا أنذر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عشيرته بالنار ، قال أبو لهب : إن كان ما يقول ابن اخى حقا ، فإنى أفدى نفسى بمالى وولدى. فنزل : (ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ) (٢).

٣ ـ وفى قوله تعالى : (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) (٥) : قيل : نزلت فى امرأة أبى لهب ، وكان اسمها أم جميل ، فغيّر المسلمون اسمها إلى «أم قبيح» ، وكانت عوراء ، وتمشى بين الناس بالنميمة ، وتعيّر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالفقر ، وتحمل الحطب على ظهرها رغم غناها لشدّة بخلها حتى عيّرت بالبخل ، وكانت تحمل كل يوم الحسك والشوك وتطرحهما فى طريق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل فيها حمالة الخطايا والذنوب ، وكانت تحمل حطبها وتربطه إلى جيدها بحبل من ليف فنزلت الآية : (فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) (٥).

والسورة إعجاز للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد كان بوسع أبى لهب وامرأته بعد نزول السورة أن يظهرا كذب القرآن بأن يعلنا إسلامهما ، لأن الحكم ببقائهما فى النار مشروط ببقائهما على الكفر إلى أن ينتهى أجلهما ، وشاء الله أن تموت امرأة أبى لهب بالحبل لما عثرت فى حجر

٢٣٢

فوقعت والتف الحبل الذى كانت تربط به الحطب حول رقبتها ، وأما أبو لهب فأصيب بالطاعون بعد وقعة بدر ، وخاف الناس أن يقتربوا منه لئلا يعديهم مرضه ، فتركوه ثلاثة أيام بلا دفن ، ثم إنهم غسّلوه قذفا بالماء من بعيد ، واحتملوه بفرشته إلى أعلى مكة فأسندوه إلى جدار وردموا عليه بالحجارة.

* * *

١١٢٣ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الإخلاص

١ ـ فى قوله تعالى : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (٤) قيل : نزلت جوابا لأهل الشرك لمّا قالوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : صف لنا ربّك (أو أنسب لنا ربّك؟ أمن ذهب هو ، أم من نحاس ، أم من صفر؟ فقال الله عزوجل ردا عليهم (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ).

* * *

١١٢٤ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الفلق

١ ـ فى قوله تعالى : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ) (٥) : قيل : إن النبىّ سحره يهودى من يهود بنى زريق ، يقال له لبيد بن الأعصم ، حتى يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله ، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث ، إلى أن جاءه ملكان واستخرجا السحر من بئر. فأنزل الله عليه المعوذتين ، فكلما قرئت آية انحلّت عقدة من السحر حتى انحلت العقدة الأخيرة. وهذه الأحاديث كاذبة ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عصمه الله من الناس كقوله تعالى : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (٦٧) (المائدة) ، وكيف يؤتمن على الرسالة وهو يسحر ويتلاعب به أمثال لبيد بن عاصم؟ وإنما هذه الروايات وأمثالها من الإسرائيليات لإظهار اليهود بمظهر المهيمنين على الإسلام ، فالذى تنبأ بولادة النبىّ العربى يهودى! والذى رآه لأول مرة قادما المدينة يهودى! وموسى هو الذى تولى إرشاده فى المعراج! والذى سحره يهودى! والتى حاولت قتله يهودية ، ومات وهو مدين ليهودى ، وكل ذلك من الإسرائيليات ، فاحذر يا أخى ، واحذرى يا أختى : الغزو الدينى اليهودى. وإنما كانت المعوذتان بديلين للرقى التى كانت منتشرة فى الجاهلية ، فنزلت لكى تحلّ محل هذه الرقى ، ويتعوّذ بهما المتعوّذ من نفسية الحاسد أو العائن أو الساحر ، وليس لأن القرآن يقول بالحسد والعين والسحر ، فالاعتقاد فى ذلك من الشرك الخفى ، فكأنك تعتقد أن الساحر أو الحاسد يشارك الله فى تحديد مصائر العباد؟!

* * *

٢٣٣

١١٢٥ ـ فى أسباب نزول آيات سورة الناس

١ ـ فى قوله تعالى : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (١) قيل : السورة نزلت للتعوّذ مما يحدّث به الإنسان نفسه ، أو يحدّثه به الناس والشيطان ، من الشرور والآثام ، وشيطان الجن يوسوس فى الصدور ، وأما شيطان الإنس فيوسوس فى العلن.

* * *

تمّ بحمد الله ومنّته الباب التاسع عن أسباب نزول آيات السور ،

ويليه إن شاء الله الباب العاشر فى النسخ فى القرآن.

* * *

٢٣٤

الباب العاشر

النّسخ فى القرآن

١١٢٦ ـ النسخ ما هو؟ ولما ذا اختلاف المسلمين فيه؟

يروّج المستشرقون والمبشّرون الأكاذيب حول النسخ ، بدعوى أن المسلمين مختلفون إزاءه ، فإذا كانت آيات القرآن يمكن أن ينسخ بعضها بعضا ، وأن تنسخ السنّة القرآن ، فأى شىء يمكن أن يبقى بعد ذلك فى الإسلام؟ وهل تكون للقرآن مصداقية بعد ذلك إذا كان من الممكن أن يراجع الله نفسه فى حكم من الأحكام قضى به فى آية ، فيحلله فى أخرى؟ أو يقضى به الله فى آية فيحرّمه النبىّ فى حديث؟

وفى القرآن يقول الله تعالى : (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) (البقرة ١٠٦) ، وأصل النسخ من نسخ الكتاب أى نقله من نسخة إلى أخرى ، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله إلى عبارة أخرى ، ولا ينصرف المعنى إلى محو الحكم بالكلية. وفى قوله تعالى : (نُنْسِها) ادّعوا أن الله تعالى كان ينسى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يشاء ، وينسخ ما يشاء. ومن ذلك قول المتقوّل : إن نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ قرآنا ثم نسيه! وعن ابن عباس قال : كان مما ينزل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الوحى بالليل وينساه بالنهار!!

والذى أتاح مثل هذا التقوّل والتخرّص هم المدّعون ، وللأسف الشديد فإن أغلبهم من المسلمين ، والنسخ معقول مع ذلك ، فالله تعالى قد يورد حكما فى وقت من الأوقات لمصلحة للمسلمين ، ومصالح العباد تتجدد مع الأزمان ، وتختلف باختلاف الأحوال ، وقد ينسخ الله تعالى الحكم الأوّل ويأتى بحكم جديد فيه مصلحة جديدة ، ولا يمكن الطعن فى هذه الحالة بأن نسخ الحكم الأول لصالح الحكم الثانى إنما كان لحكمة لم تظهر لله تعالى إلا متأخرة ، وأنها كانت خافية عليه ، وأن علمه تعالى بالأشياء هو إذن علم مؤقت ، فالله تعالى أدرى بعباده وبما يصلحهم ، وهو يقضى بما يكون مؤقتا لصالح الناس ، لينسخه من بعد بما هو أصلح لهم ، والنسخ على ذلك لا يمكن أن يكون أصوليا بل فى الفروع ، والنسخ فى آية النسخ يفيد حصول نوع خاص من النسخ دون غيره ، وهناك فروق بين النسخ والتخصيص ، فيحتمل أن ما نظنه نسخا هو تخصيص وليس نسخا ، والنسخ كما قلنا هو «تحويل الحكم أو رفعه» ، بينما التخصيص هو «قصر العام على قضايا خاصة». والنسخ لا يتناول العقائد وإنما فروع العبادات والمعاملات.

ومما يقال إنه نسخ من القرآن حكما وتلاوة ، ما روته السيدة عائشة قالت : كان فيما أنزل من القرآن «عشر رضعات معلومات يحرمن» ، ثم نسخن «بخمس رضعات معلومات» ،

٢٣٥

قيل : وتوفى رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن ، غير أنه لا الآية بقيت ، ولا حكمها استمر ، فسقط الدليل على النسخ فيها. وأما آية : (إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) (المجادلة ١٢) فقد قيل إن آية : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) (المجادلة ١٣) قد نسختها ، فى حين أن الحكم الثانى لم ينسخ الحكم الأول وإنما بيّنة وفسّره. وأما آية : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) (البقرة ١٨٤) ، فقيل إن الآية : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة ١٨٥) قد نسختها ، وهذا غير صحيح ، لأنه فى الآية الأولى تقدّر «لا» فيقال «لا يطيقونه» ، والمعنى بذلك لا يصادم معنى الآية الثانية ، لأن الأولى فيها تخصيص ليس فى الثانية.

وقد قيل إن بعض الآيات بقيت تلاوتها مع أن حكمها منسوخ ، وذلك تلبيس على قارئ القرآن ، ومحال على الله أن يشكك عباده. واستمرار الآية فى القرآن دليل على سريان حكمها ، وفى الآية : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٠٩) (البقرة) ، قيل إن الآية : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) (٤١) (الحج) قد نسختها ، مع أن النص فى الأولى ينصرف إلى معنى يختلف عن المعنى الذى ينصرف إليه النص فى الثانية ، فالعفو والصفح فى الأولى باعتبار أمانى أهل الكتاب ، فلما أسفرت الحرب عن نفسها وبان الظلم وأخرج المسلمون من ديارهم صار القتال واجبا ومشروعا ، فلا تناقض بين النصّين ولكنهما متكاملان.

وفى الآية : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ) (البقرة ١٨٧) أن الجزء الأول فيه حظر فنسخ بالجزء الثانى الذى فيه الإباحة ، والحق أنه لا نسخ ، لأن ما كان عليه الحال فى السابق لم يكن فيه تشريع ، فكان الناس يسرفون على أنفسهم ، فنزل التشريع بالتخفيف ، فهو لم ينسخ أمرا إلهيا سابقا.

وفى الآيات : (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ

٢٣٦

أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (١١١) (الصافات) : قد يبدو أن الله قد أمر إبراهيم بذبح ولده ، ثم نسخ ما أمره قبل أن ينفّذه ، ولا نعتقد أن ذلك نسخ ، لأنه لو كان كذلك لكانت له فائدة ، وأما ولم تكن منه فائدة فقد يبدو أنه من العبث ، وهو الشيء المحال على الله ، فلا يمكن أن يأمر الله والدا أن يذبح ابنه! وكان على إبراهيم أن يعقل أنها رؤيا رآها ، وتأويل الرؤى يتخالف عند الأشخاص ، ولا تفسير للرؤيا بحذافيرها. ثم إن مفهوم النص لا ينصرف إلى أنه ذبح ابنه وإنما أنه قد همّ فحسب ، ولذلك فلا نسخ هناك.

وكذلك القول بأنه فى ليلة المعراج قد فرضت الصلاة خمسين صلاة ثم نسخت إلى خمس صلوات ، فإنه استدلال باطل ، لأن الخبر غير ثابت أولا ، وكثير من المسلمين ينكرون المعراج جملة ، ويقولون أن حكاية الخمسين صلاة ومراجعة موسى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من اختراع القصّاص ، ومن الإسرائيليات ، كمحاولة لإظهار هيمنة الدين اليهودى على الدين الإسلامى. ولا يفيد المسلمين أن يكون هناك حكم بخمسين صلاة ثم ينسخ بخمس صلوات فقط قبل أن يعلموا به! وكذلك فإن فرض الخمسين والرجوع فيه دليل على أنه لم يكن فرضا عزما ، ومن ثم يسقط الزعم بالنسخ.

وإذا كان نسخ القرآن بالقرآن جائز عقلا ، فالقول بنسخ القرآن بالسنّة لا يجوز ، فالله تعالى يقول : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل ٤٤) ، فوظيفة الرسول ليست أن ينسخ كلام الله وإنما ليبيّنه ، ولو نسخت السنة القرآن لعادت على نفسها بالإبطال. والمنطقى أن القرآن ينسخ السنّة ، والسنّة تنسخ السنّة ، ومع ذلك فالنسخ عموما ينفيه كثيرون أمثال أبو مسلم الأصفهانى المتوفى سنة ٣٢٢ ه‍ (٩٣٤ م) فى كتابه «الناسخ والمنسوخ». وما اشتهر من آيات فى النسخ ليست منه فى شىء ، كالآية : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (البقرة ١١٥) لا تنسخها الآية : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة ١٤٩) ، لأن الآية الأولى تردّ على اليهود حين حوّلت القبلة إلى الكعبة ، كقوله تعالى : (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) (البقرة ١٤٢) ، وتفيد كذلك جواز التوجه إلى غير الكعبة وهو ما كان يفعله المسلمون فى النوافل وعلى الدواب ، وأما الآية الثانية فاستقبال الكعبة فيها من الفرائض ،

٢٣٧

أو أن الآية الأولى قد تكون خاصة بالتوجه فى الدعاء ، والثانية قد تختص بالتوجه فى الصلاة ، وعلى ذلك فلا تعارض بين الآيتين ولا نسخ.

ومن ذلك أيضا الآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (١٨٠) (البقرة) ، فقد قيل تنسخها آيات المواريث والحديث «لا وصية لوارث» ، والنسخ غير وارد لأن الأقربين الموصى بهم هم الذين حرموا من الإرث ، أو أن هذه الآية توصى بزيادة إرث من يحتاج من الورثة ، كأن يكون زمنا ، أو معوّقا ، أو مريضا ، أو صغيرا لم يبلغ الرشد. ثم إن الحديث من الآحاد ، وحكم أحاديث الآحاد أنها ظنية ، والظنى لا يقوى على نسخ القطعى وهو الآية.

ومن ذلك الآية : (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (٨) (النساء) ، قيل إن آيات المواريث تنسخها ، مع أن الآية لا دخل لها بالمواريث وإنما تحضّ على إعطاء الحاضرين لقسمة التركة ، من الأقارب واليتامى والمساكين ، شيئا منها ، وهو تشريع له صورة الدوام.

ومن ذلك الآيتان : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) (النساء) ، قيل إنهما منسوختان بالآية : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) (النور) ، مع أن الآيتين الأولين تخص الأولى النساء اللوطيات اللاتى يمارس الفاحشة مع بعضهن البعض ، وتخصّ الثانية الرجال الممارسون للواط ، ولا دخل للآيتين بالزنا ، وعلى ذلك فلا نسخ بين الآيتين وبين الآية الثالثة.

وإذن تسقط دعاوى المدّعين بالنسخ بمعنى الرفع ، ويتأكد أن النسخ كما جاء فى القرآن أنه استبدال حكم فى زمن وموضع معينين بحكم آخر مع استمرار الحكم الأول فى ملابساته التى صاحبت صدوره ، ونفاذ الحكم الثانى فى ملابساته المستلزمة له كذلك. والذين اختلفوا فيه من المسلمين إنما كان إصرارهم عليه لقولهم أن من النسخ أن تنسخ الشريعة الحالية شريعة قبلها ، بمعنى أن المسيحية قد نسخت اليهودية ، والإسلام قد نسخ المسيحية واليهودية معا ، ولكن اليهود أصروا على القول بإنكار النسخ ، لأنهم بهذا الإنكار يرفضون الموافقة على أن المسيحية أو الإسلام قد نسخ ديانتهم. وإزاء ذلك أصرّ المسلمون على القول بالنسخ معاندة لليهود ، مع أن الإسلام لم ينسخ اليهودية فما تزال موجودة ، ولم ينسخ المسيحية ، والله يقول : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً

٢٣٨

واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (المائدة ٤٨) ، والآية إخبار عن الأمم المختلفة الأديان ، باعتبار ما أنزله الله عليها من الشرائع المختلفة فى الأحكام ، المتفقة فى التوحيد. والنسخ متعلّقه الأحكام ، والأديان لا تلغى بعضها البعض لأن مدارها جميعا التوحيد ، وإنما التباين بينها فى الأحكام بحسب الأمصار والأزمان ، والمسلمون على تفسير آية النسخ : بأن الله كان قد أحلّ زمن آدم أن يتزوّج الأخ أخته ، ثم نسخ ذلك لمن جاء بعد آدم ؛ وأحلّ لنوح أن يطعم لحم أى حيوان ، ثم نسخ ـ لمن جاء بعده ـ الحلّ ببعضها وحرّمه. وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه ، فلما جاء موسى حرّمته شريعة التوراة. فالنسخ بهذا المعنى موجود كذلك فى اليهودية ، إلا أن إنكار اليهود للنسخ كان على الخصوص زمن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وهو الزمن الذى تفجّرت فيه مسألة النسخ هذه وتصدّى المسلمون فيه للردّ عليهم بين مؤيد للنسخ ومنكر. وكان إنكار اليهود على تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، فذلك ما غاظهم فى الإسلام ، وأضجّهم منه ، فأخذوا يلغون فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويهزءون بالإسلام ، فأنزل الله تعالى : (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ) (البقرة ١٤٢) ، والسفهاء هم اليهود ، قالوا : ما لهؤلاء المسلمين يستقبلون تارة بيت المقدس ، وتارة يستقبلون الكعبة؟ فكان جواب الله تعالى عليهم : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (البقرة ١٤٢) يتضمن نفس الردّ السالف على النسخ : أنه تعالى المتصرّف وله الأمر كله ، ولليهود قبلتهم التى يرضونها ، وللمسلمين قبلتهم ولّاها الله لهم ، وللنصارى قبلتهم ، ولكل ملة شرعة ومنهاج ، أى سنن وطرائق ، والله تعالى جعل الناس شعوبا وقبائل ، ولو يشاء لجعلهم أمة واحدة ، وبعث فى كل أمة رسولا ، وجعل لكل منها منسكا هم ناسكوه ، وهذا هو الإقرار بالتباين فى الإسلام ، واحترام الغير ، وكل ذلك يقوم عليه الإسلام ولا شىء منه فى اليهودية ولا النصرانية. وينبغى لأى حوار مع الآخر ، أن يكون ذلك منطلقه ، وأساس البلاغ له عن الإسلام ، والدعوة إليه أن يقرّ بالحق ، وأن يقول الصدق ، وأن يقدر الملل أقدارها.

* * *

١٠٢٧ ـ النسخ والبداء فى القرآن

قال اليهود بالبداء ، وقال به الرافضة ، ولا بداء فى القرآن وإنما هناك نسخ ، والنسخ لا يعنى المحو ، ولكنه يعنى التبديل ، فالله تعالى يقول : (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) (البقرة ١٠٦) ، وقال : (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ) (النحل ١٠١) ، فأما البداء فيعنى أن الله رأى شيئا ثم بدا له فغيّر ما رأى ، فكان النسخ بسبب البداء ، فلو لا أنه تعالى رأى

٢٣٩

رأيا جديدا ما نسخ القديم وبدّله. والبداء من بدا بدوا وبداءة وبداة ، أى نشأ له فيه رأى ، وفى القرآن : (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (٤٧) (الزمر) ، وقال : (وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) (الجاثية ٣٣) ، أى ظهر بعد ما كان مستترا ، وفيه أيضا : (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (٣٥) (يوسف) يعنى نشأ لهم رأى جديد ، وهذا المعنى هو الذى يقصد إليه مصطلح «البداء» عند اليهود والرافضة : أنه تعالى قد يرى رأيا جديدا يخالف رأيه الأول ، ونسب الرافضة إلى أئمة كبار مثل جعفر الصادق أنه قال : «ما بدا لله تعالى فى شىء كما بدا فى إسماعيل» ، يعنى أنه قد اختار فيه أولا أمرا ثم غيّره إلى آخر ؛ ونسبوا إلى موسى بن جعفر أنه قال : البداء ديننا ودين آبائنا فى الجاهلية» ؛ كما نسبوا إلى علىّ بن أبى طالب القول : لو لا البداء لحدّثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة» ـ يعنى أنه قد يحدّثهم عن شىء يقع فى المستقبل ، إلا أن الله قد يغير رأيه فيقع غير ما يحدّثهم ويبدو علىّ حينئذ وكأنه كذّاب. وكان الكذّاب المختار الثقفى المتوفى سنة ٦٧ ه‍ (٦٨٧ م) ، يدّعى النبوة ونزول الوحى عليه ، وأن الله تعالى يطلعه على الغيب فيحدّث الناس به ، فكلما اختلف الأمر عمّا حدّثهم به اعتذر وقال : إن الله وعدنى ذلك غير أنه بدا له!

والقول بالبداء يستلزم أن الله يجهل ، وأن علمه حادث ، والجهل محال على الله لأنه نقص ، وأدلة العقل والنقل كلها مع كمال علمه تعالى ، كقوله : (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) (الحديد) ، وقوله : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) (٥٩) (الأنعام) ، وقوله : (اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) (٨) (الرعد). والرافضة قالوا بالبداء ، فقد وافقوا بشدّة على النسخ وأدخلوه فى تفسير القرآن. واليهود قالوا بالبداء لتبرير تغيير الشرائع السابقة على الموسوية بالشريعة الموسوية ، فإن الله تعالى لمّا بدا له شيئا آخر خلاف ما رأى سابقا غيّره ، فقبل موسى كان الرجل يجمع فى الزواج بين الأختين كما فعل إسرائيل ، وكان يتزوج أخته كما جرى لإبراهيم ، وبعد نزول التوراة حرّم ذلك ونسخت أوامره الأولى ، فلمّا قيل لهم إن المسيحية على ذلك تنسخ اليهودية ، والإسلام ينسخ الشريعتين النصرانية واليهودية ، أنكر اليهود إمكان نسخ اليهودية ، وصرّح النصارى بإمكان ذلك ولكنهم رفضوا أن ينسخ الإسلام شريعتهم. ومدار النقاش فى اليهودية والنصرانية النسخ وليس البداء ، وأما الرافضة فاعتقادهم كله يدور حول البداء. وعند ما قال الإسلاميون بالنسخ برّروا قولهم بأن الأحكام والمصالح تختلف باختلاف الناس ، وتتجدد

٢٤٠

بتجدد أحوالهم وظروفهم. والنسخ عند الإسلاميين قوامه أن الله تعالى يعلم من قبل بالنواسخ والمنسوخات أو الأحكام وحكمها ، وبالعباد ومصالحهم ، وأن كل ذلك كان ظاهرا لديه لم يخف عليه شىء منه ، كما فى القول المشهور : شئون يبديها ولا يبتديها. وشتّان بين النسخ المنوط بالحكمة ورعاية المصلحة وبين البداء الذى يستلزم الجهل المسبق واستحداث العلم. وتفيد الآية : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) (٣٩) (الرعد) : أن البداء وثبوت النسخ بمعنى من المعانى ، فالمحو يتم بمشيئته ، والإثبات يسير على إرادته ، وهو تعالى فى الأديان يمحو شريعة ويثبت شريعة ، وفى الأحكام يستبدل مصلحة فيها الخير بمصلحة أخرى أكثر خيرا من الأولى ، والتغيير والتبديل والمحو والإثبات فى المعلوم لا فى العلم ، وفى المخلوق لا فى الخالق ، وهذا هو اعتقاد المسلم سليم الإيمان.

* * *

١٠٢٨ ـ النسخ فى القوانين الوضعية وفى الشرائع السماوية

النسخ جائز فى القوانين الوضعية عند ما يتبين للمشرّع أن قانونا من القوانين أو مادة من المواد لا تحقق المصلحة العامة ، والمشرع حين يشرّع لا يعرف إلى متى سيستمر العمل بالقانون ، ولا ما سيئول إليه إذا تغير ، وعكس ذلك فى الشرائع السماوية ، لأن الله تعالى بسابق علمه يعلم ما سيبقى من الأحكام وما سينسخ ، فالنسخ بيان الحال ، وتقرير لما ينبغى ، والنسخ جائز عقلا ولا يترتب على وقوعه محال ، وفى كل الشرائع قد ينسخ حكم لمصلحة حكم ، وبعض المسلمين قالوا بالنسخ ، وأنه نسخ فى الإسلام حكم لصالح حكم ، واعتبروا الشريعة الإسلامية ناسخة للشريعتين اليهودية والنصرانية ، وأنكر بعضهم النسخ فى الشريعة الواحدة ، واستقبحه ـ كما سبق ـ أبو مسلم الأصبهانى المتوفى سنة ٣٢٢ ه‍ ، وأنكر أن يكون فى القرآن آيات منسوخة ، واستشهد بالآية : (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) (فصلت ٤٢) ، ونسب إليها أنها تقرر أن أحكام القرآن لا تبطل أبدا. وأما الذين قالوا به فكان دليلهم من القرآن قوله تعالى : (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) (البقرة ١٠٦) ، وقوله : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) (٣٩) (الرعد) ، وقوله : ، (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (١٠١) (النحل). والنسخ فى اللغة إزالة شىء بشيء ، وفى الاصطلاح إزالة بعض الأوصاف من آية بآية أخرى ، وفى الحديث إزالة بعض أوصاف الحديث بحديث آخر. وقيل : إن من المصطلحات فى النسخ التقييد والتخصيص والبيان : فالتقييد ناسخ للإطلاق ؛ والتخصيص ناسخ للعموم ، والتفسير ناسخ للإجمال. ولا يقع النسخ إلا مع التعارض ، وليس كل

٢٤١

تعارض مسوغا للنسخ ، ونسخ القرآن لا بدّ أن يكون بالقرآن ، ونسخ السنّة بالسنة ، والإجماع لا ينسخ إلا بإجماع بعده ، ولا ينسخه القياس ، والقياس لا ينسخ نصا. ولا يجوز نسخ الخبر ، ولا آيات الوعد والوعيد لأنها أخبار ، ولا الأحكام الشرعية والاعتقادية ، ولا الأحكام الكلية ، ولا الأحكام التى دليلها من القياس ، ولا الحكم المؤقت ، ولا المؤبد. ولا ينسخ الحكم الشرعى بحكم شرعى معه ، ولا بحكم شرعى قبله. ولا يقبل الحكم العقلى النسخ ، ولا يعتبر نسخا لأنه ليس فيه رفع لحكم شرعى. ولا مجال للنسخ إلا إذا كان الناسخ والمنسوخ به نقيضين ، فإن كانا قطعيين فإن أحدهما ناسخ للآخر حتما ، وإن كانا ظنيين فأحدهما لا بد يرجح على الآخر.

والنسخ فى القرآن نوعان : ما نسخ حكمه وبقى نظمه ، وما نسخ حكمه ونظمه معا. والمصنفون فى النسخ كثيرون ، على رأسهم قتادة بن دعامة السدوسى المتوفى سنة ١١٧ ه‍ ، وله فيه كتاب ، حفظه عنه ابن أبى عروبة وألف بدوره كتابا فيه. وللزهرى كتاب «الناسخ والمنسوخ» رواه غيره فلم يعد لكتابة اعتبار. وكذلك لأبى النصر محمد بن السائب الكلبى ، وأبى الحسن مقاتل بن سليمان البلخى ، والحسن بن واقد المروزى ، ومحمد بن إدريس الشافعى ، وأبى نصر البصرى ، وحجّاج بن محمد الأعور ، والقاسم بن سلام ، وجعفر بن مبشر ، وأبي داود السجستانى ، وابن الجوزى ، وهبة الله بن سلامة ، والسيوطى ، وأبى عبد الله بن حزم ، وأبى جعفر النحاس ، وابن سلام ، وعبد القاهر البغدادى ، وابن هلال ، والأسفراييني ، وابن خزيمة ، والكرمى ، والأجهورى.

* * *

(الآيات التى قيل إنها منسوخة وردّ هذا الزعم

١١٢٩ ـ سورة البقرة

الآية : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٦٢) (البقرة) : قيل نسختها الآية : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران ٨٥) ، والصحيح أن الآية محكمة ولم تنسخ ، وهى فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين.

والآية : (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة ٨٣) قيل : نسختها آية السيف ، والآية فى مكارم الأخلاق ، وآية السيف تنافيها ، لأن القتال أصلا لم يكتب على البشر إلا لإقرار مكارم الأخلاق.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ

٢٤٢

أَلِيمٌ) (١٠٤) (البقرة) : زعموا أنها منسوخة ولم يوردوا النصّ الذى نسخها ، وقالوا إنها ناسخة لما كان مباحا قوله ، والصحيح أنها لا منسوخة ولا ناسخة.

والآية : (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) (البقرة ١٠٩) : قيل : نسختها الآية : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (التوبة ٢٩) ؛ وقيل : الناسخ له الآية : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (التوبة ٥) ، والصحيح أن الآية محكمة وغير منسوخة ، وكان الرسول يدعو فى مجالس اليهود والمشركين ، وأغلظ له عبد الله بن أبىّ ، فشكا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك إلى عبد الله بن عبادة ، فقال له عبد الله : بأبى أنت وأمى ، اعف عنه واصفح ، فو الذى أنزل عليك الكتاب بالحق ، لقد جاءك بالحق الذى أنزل عليك! فعفا عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ونزلت الآية ، فلا تعارض إذن ولا نسخ.

والآية : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (البقرة ١١٥) : قال بشأنها ابن عباس : إن الآية منسوخة بقوله : (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة ١٤٤) ، فكأنه كان يجوز فى الابتداء أن يصلى المرء كيفما شاء ثم نسخ ذلك. والصحيح أن الآية لم تنسخ ، وأنها متصلة بالآية قبلها : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (البقرة ١١٤) ، والمعنى أن بلاد الله تسع المؤمنين ، فلا يمنعهم تخريب من خرّب مساجد الله أن يولّوا وجوههم نحو قبلة الله أينما كانوا من أرضه ، فإن له المشرق والمغرب والجهات كلها ، فإذا منعوا من أن يصلّوا فى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى فإن الأرض لهم مسجد حيثما كانوا من شرق أو غرب ، وذلك تسلية بحلّ الذكر والصلاة فى جميع الأرض لا فى المساجد خاصة ، وفى الحديث الصحيح : «جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا».

والآية : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) (١٥٨) : قالوا : هى منسوخة بالآية : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (١٣) (البقرة) ، ومنشأ دعوى النسخ هو : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) ، فسّرها عروة لخالته عائشة : فما أرى على أحد جناحا ألا يطوّف بهما ، والصحيح ما ذكرته عائشة : بئس ما قلت يا ابن أختى! إن هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت : لا جناح عليه ألا يطوّف بهما. وقالت : وقد سنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. وأيضا فإن قوله تعالى : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ) خبر مؤكد أريد به الأمر المؤكد. وقوله : (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) إشارة إلى أن السعى واجب عن تطوع بالزيادة عليه ، فإن الله يشكر ذلك له. ولم يصحّ عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن الآية منسوخة ، ولا مجال لادّعاء التعارض بين الآيتين ، ولا معنى لدعوى النسخ إذن.

٢٤٣

والآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (١٥٩) : قيل نسختها الآية : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) (البقرة ١٦) ، وهذا غير صحيح ، لأن الآية الثانية استثناء ولا تعد نسخا ، بالإضافة إلى أن الآية خبر مؤكد لا يقبل النسخ.

والآية : (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (البقرة ١٩٦) : قيل : نسختها بقية الآية : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) ، وهذا استثناء ، ولا يعتبر نسخا ، والآية محكمة.

والآية : (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ) (البقرة ١٧٣) : قيل نسختها بقية الآية : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ، وهى استثناء من الآية ، ولا يعتبر نسخا.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٧٨) (البقرة) : قالوا هى منسوخة بقوله تعالى : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ) (المائدة ٤٥) ؛ وقيل : هى منسوخة بقوله تعالى : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) (٣٣) (الإسراء). والصحيح أن الآية غير منسوخة ، لأن آية البقرة تقرر حكم القصاص فى الإسلام ، وآية المائدة تحكى عمّا هو مكتوب فى التوراة ، فالمعقول أن آية البقرة هى التى تنسخ آية التوراة. وأما آية المائدة فهى مكية وسابقة على البقرة ، فلا ينسخ المتأخر المتقدم. وهناك حقيقة تاريخية وهى أن الله تعالى لم يقض فى حكم القصاص قضاء ثم نسخه ، ولذلك فلا تعارض ولا نسخ.

والآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (١٨٠) : قيل هذه الآية نسختها آية الفرائض ، والصحيح أن آية الفرائض لم تنسخها ، لأن هذه الآية عامة ، وآية الفرائض خاصة. وقيل الحديث : «إن الله قد أعطى لكل ذى حقّ حقّه فلا وصية لوارث» نسخها ، والحديث من أحاديث الآحاد ولا يمكن أن تنسخ السنّة القرآن ، فالسنّة عملها شرح القرآن وبيانه وليس من ذلك أن تنسخه. وأوصى ابن عمر لأمهات أولاده لكل واحدة بأربعة آلاف ، وأوصت عائشة لمولاة لها بأثاث البيت ، وأهل الظاهر يمنعون الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة ، وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة وهو الصحيح ، اعتمادا على الحديث : «لا تجوز الوصية لوارث إلا

٢٤٤

أن تجيزها الورثة». غير أن مقتضى آية الوصية إيجابها لكل قريب ، ومقتضى آيات المواريث منح بعض الأقربين حق خلافة الميت فى ماله دون بعضهم الآخر ، فليس بين الآيتين إذن تعارض يسوغ النسخ ، فما يزال دائما بعض الأقربين تجب لهم الوصية بمقتضى الآية.

والآية : (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ) (البقرة ٢٣٣) : قيل نسختها بقية الآية : (فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ...) وهذا استثناء ولا يعتبر نسخا ، والآية محكمة.

والآية : (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢٨٠) (البقرة) : قيل الآية تتحدث عن المدين المعسر ووجوب إمهاله حتى يوسر ، ولكن ذلك فى الدين الربوى. وقيل : إن الآية تنسخ بيع المدين المعسر فى دينه وفاء به ، ويوردون قصة عن مدين أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يباع فى السوق لصالح الدائن ، وهذا لا يتفق مع ما يقرره الإسلام من كراهية الرق ، والحرص على تحرير الرقيق ، فكيف يتصور أن يكون من بين أحكامه هذا الحكم الذى يجعل الحرّ رقيقا؟ فدعوى أن الآية نسخته لا أساس لها إذن ولا تقبل.

والآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (البقرة ١٨٣) : قيل نسختها الآية : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) (البقرة ١٨٧) ، لأنه إذا كان الصوم فى الإسلام تشبها بمن قبلنا ، فإن ذلك يقتضى موافقة من قبلنا فى تحريم الوطء أيضا بالإضافة إلى الأكل ، فلما كان الوطء قد حلّل فإن آية الرفث تكون ناسخة لتشبيه صيام المسلمين بصيام من قبلهم. والصحيح أن الآيتين محكمتان ، وأن التشبيه بين صوم المسلمين وصوم غيرهم راجع إلى أصل وجوبه ، لا فى وقته ولا فى كيفيته ، ولذلك اختلف الصيامان فى كل شىء إلا الامتناع عن الأكل والشرب عموما.

والآية : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٤) : قيل الآية : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) منسوخة ، ونسختها الآية بعدها : (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ). والصحيح أن آية : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) ليست بمنسوخة ، وتخصّ الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعما مكان كل يوم مسكينا. وقوله : (يُطِيقُونَهُ) فيه رأيان ، فيجوز أن يعود الضمير فى (يُطِيقُونَهُ) على الصيام ، ويصبح المعنى وعلى الذين يطيقون الصيام أن يطعموا إذا أفطروا لأى سبب ، وعلى ذلك فإن : (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) نسختها ؛ والصحيح أن : (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) فيها تخيير ، والخير أن تصوموا طالما تطيقون

٢٤٥

الصوم ، فكأنه لا نسخ هناك وإنما شرح وتفسير وبيان. ويجوز أن يعود الضمير فى (يُطِيقُونَهُ) على الفداء ، فيصبح المعنى وعلى الذين يطيقون الفداء فدية ، قيل : فنسختها الآية : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة ١٨٥) ، والصحيح أنها لم تنسخها ، حيث الأصل فى رمضان الصيام ، وإنما يرخّص للشيوخ والعجزة خاصة ، أن يفطروا وهم يطيقون الصوم. والإجماع على أن المشايخ والعجائز الذين لا يطيقون الصيام أو يطيقونه على مشقة شديدة ، أن يفطروا وعليهم الفدية ، وهؤلاء ليس حالهم كحال المرضى والمسافرين ، كقوله : (وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة ١٨٥) ، والمريض والمسافر يقضيان ، وأما الشيوخ والعجزة فلا يقضيان وعليهم الفداء كل يوم بإطعام مسكين.

والآية : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة ١٩٠) : قالوا إن الآية منسوخة فى موضعين ، أولهما : الأمر بقتال من يقاتلوننا دون غيرهم ، وقد نسخته الآية : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) (البقرة ١٩١) ، والآية : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) (التوبة ٢٩) ، والآية : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (التوبة ٣٦) ، والآية : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، وهى المعروفة بآية السيف ؛ وثانيهما : النهى عن الاعتداء ، والناسخ له الآية : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (البقرة ١٩٤) ، والصحيح أنه لا تعارض ولا نسخ ، فقد أمرنا فى هذه الآيات أن نقاتل من يقاتلنا ، ونهينا عن مقاتلة غيرهم ، وهو المراد من قوله تعالى «لا تعتدوا» ، فالقتال مسموح به لمن يقاتلوننا فحسب ، وقتال غيرهم اعتداء وتجاوز للضرر المسموح به. والنهى جاء عن قتل النساء والصبيان والرهبان والشيوخ من الأعداء ، لأن قتلهم لا يسوغ من المؤمنين. والمراد بالذين يقاتلوننا هم الذين يشتركون فى القتال ، والنهى هو نهىّ عمّن سواهم ، وهم الذين ليس من شأنهم أن يحملوا السلاح أو يشتركوا فى المعارك ، ومن ثم فإن القول بعدم قتل المدنيين من اليهود هو تفسير خاطئ ، لأن كل يهودى وإن كان مدنيا فإنه جندى احتياطى فى الجيش اليهودى ضد المسلمين. وتعبير الذين يقاتلونكم لا يعنى أنهم قد قاتلوا بالفعل ، ولا يعنى أننا لا نقاتل إلا إذا بدءونا بالقتال ، فطالما هو عدو فقتاله واجب ، ومباغتته أوجب. والنهى عن الاعتداء هو أن لا نقتل النساء غير المحاربات ، يعنى العجائز ، لأن نساء إسرائيل الشابات جميعهن فى الجيش. والذى تأمر به الآية ليس اعتداء ، وإنما هو انتصار للحق والعدل ، وردّ على الاعتداء ، وسمى اعتداء من باب المشاكلة ، وعلى ذلك فالآية غير منسوخة ، والآيات الأخرى تفسّرها وتكمّلها.

٢٤٦

والآية : (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ) (البقرة ١٩١) : قيل : الآية منسوخة بآية السيف التى تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، والآية : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) (البقرة ١٩١) ، والصحيح أنه لا نسخ ، لأن الآية تنهى عن مقاتلة الكفّار عند المسجد الحرام إلا إذا بدءوا بالقتال ، والآية الثانية والثالثة تعنيان أنهم إذا بدءوا بالقتال فاقتلوا المشركين أنّى وجدتموهم سواء فى المسجد أو فى غير ذلك. ثم إن آية : (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) خاصة ، وآية : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) عامة ، والعام لا ينسخ الخاص.

والآية : (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (البقرة ١٩٤) : قيل : إن المنسوخ فيها هو «الحرمات قصاص» فليس لأحد أن يقتص من أحد إلا بالسلطان ، غير أن السياق ليس فيه هذا المعنى ، وقد قيل إن ابن عباس هو الذى قال به ، ولم تعرف صحة هذا الكلام ، والمعنى الصحيح للآية أن المسلمين وقد منعوا فى الحديبية من دخول الحرم قد عوّضهم الله عنه بدخولهم فى المرة الثانية عوضا عمّا منعوا فى مثله فى العام الماضى ؛ والحرمات هى : حرمة الشهر ، وحرمة البلد الحرام ، وحرمة الإحرام ، والآية إذن ليست منسوخة. وقيل : إن الآية نسختها الآيات التى تأمر بالقتال ، كقوله تعالى : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (التوبة ٣٦) ، وقوله : (قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) (التوبة ١٢٣) ، وقوله : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ) (التوبة ٢٩) ، والصحيح أن حكم الآية لا يقبل الإلغاء ، ولا يعارض ما تقرره تلك الآيات ، ولا معنى للنسخ.

والآية : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (البقرة ١٩٦) : قيل : إن الآية تنسخ ما كان يعتقده الناس فى الجاهلية ، من أن العمرة لا تجوز فى أشهر الحج ، والصحيح أن الآية لم تنسخ شيئا ، لأنها تشرّع حكما فى الحج لم يسبق ، بحكم يخالفه ، وما دام للشارع فى الموضوع حكم واحد ، فكيف يكون ناسخا؟ وما الحكم الذى نسخ بهذا الحكم؟

والآية : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (البقرة ٢١٥) : قالوا : الآية فى الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان. وقيل : الزكاة غير هذا الإنفاق ، فعلى هذا لا نسخ فى الآية لأنها مبينة لمصارف صدقة التطوع.

والآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) (البقرة ٢١٦) : قيل : هى ناسخة لحظر القتال عليهم وما أمروا به

٢٤٧

من الصفح والعفو بمكة. وقيل : هى منسوخة بالآية : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (التوبة ١٢٢) ، وهذا ليس صحيحا ، لأنه ليس فى هذا القول نسخ لفرض القتال. والآية من المنسأ لا من المنسوخ ، والمنسأ : ما أمر به لسبب ثم يزول السبب ، كالأمر حيث الضعف والقلة ، بالصبر والمغفرة ؛ وأما المنسوخ : فهو ما أزيل حكمه حتى لا يجوز امتثاله أبدا ؛ فالحكم المنسأ هو الذى يدور مع علّته وجودا وعدما ، كالنهى عن ادخار لحوم الأضاحى من أجل المجاعة ، وأما الحكم المزال أبدا فهو المنسوخ. وهذه الآية ليست منسوخة الحكم ، ولا هى ناسخة لحكم قبلها.

والآية : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) (البقرة ٢١٧) : قيل : نسختها الآية : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) (التوبة ٣٦). وقيل : نسخها غزو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثقيفا فى الشهر الحرام وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس فى الشهر الحرام. وقيل : نسختها بيعة الرضوان على القتال فى ذى القعدة. وهذا غير صحيح لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما سمع عن موقف المسلمين فى مكة ، بايع المسلمين على دفع الكفّار لا على الابتداء بقتالهم. وآية الشهر الحرام تؤكد على أن الشهر الحرام حرام فيه القتال كما كان ، غير أن ما يستحلونه من المسلمين أكبر من ذلك ، من صدّهم عن سبيل الله حين يحبسونهم ويعذّبونهم حتى لا يهاجروا ، وصدّهم للمسلمين عن المسجد الحرام ، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين ، وفتنتهم إياهم عن الدين ، فنزلت : (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١) (التوبة) والآية لذلك محكمة ، والقتال غير جائز فى الأشهر الحرام.

والآية : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) (البقرة ٢١٧) : وقد ادّعوا النسخ على هذه الآية بقوله تعالى : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (التوبة ٣٦) أو بآية السيف (التوبة ٥) ، أو بآية القتال لأهل الكتاب حتى يعطوا الجزية (التوبة ٢٩). والشهر الحرام فى الآية هو رجب ، والقتال محرم فيه ، والآيات التى قيل إنها ناسخة للآية لم تشرّع القتال فى كل زمان ، فلا تعارض بينها وبين الآية التى تحرّم القتال فى الأشهر الحرام ، فلا نسخ.

والآية : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة ٢١٩) : قيل : نسختها آية الزكاة المفروضة ، ونسخت كل صدقة أمروا بها ، والصحيح أنها محكمة ، فلا تعارض بين هذه الآية ـ وبين آية الزكاة المفروضة ، ففي المال حق سوى الزكاة.

والآية : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) (البقرة ٢١٩) : قيل : نسختها الآية : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) (المائدة

٢٤٨

٩٠) ، كما نسخت الآية : (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) (النساء ٤٣) والصحيح أنها لم تنسخ لأن هاتين الآيتين لا يتعارضان معها.

والآية : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) (البقرة ٢٢١) : قيل نسختها الآية : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ) (المائدة ٥). وقيل : آية البقرة هى التى نسخت آية المائدة وهذا خطأ ، لأن آية البقرة عامة ، وآية المائدة خاصة ، ولا يجوز أن ينسخ العام الخاص ؛ وأيضا فإن سورة المائدة لا حقة على سورة البقرة ، ولا يجوز أن ينسخ السابق اللاحق ؛ وآية سورة البقرة عن نكاح المشركات ، وآية سورة المائدة عن نكاح الكتابيات. والمهم أن الآيتين لا يتعارضان ، وكلاهما له موضوعه ، والمشركة ليست هى الكتابية ، ومن الصحابة كثيرون تزوجوا كتابيات ، ومنهم النبىّ نفسه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تزوج صفية بنت حيّى ، وكذلك : عثمان ، وطلحة ، وابن عباس ، وجابر ، وحذيفة ، ومن التابعين : سعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، ومجاهد ، وطاوس ، وعكرمة ، والشعبى ، والضحّاك. وإذا كان عمر قد فرّق بين طلحة وحذيفة وبين الكتابيتين ، إلا أنه لم يكن يعتبر الزواج من الكتابية حراما ، ولكنه كما قال : «أخاف أن تتعاطوا المومسات منهن» ، والآية فيها من ذلك الخوف التحذير من غير المحصنة ، ومن التى لها خدن أى صاحب ، فكأن ذلك الداء فى الكتابيات من زمن بعيد وليس ابن الحاضر.

والآية : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) (البقرة ٢٢٢) : قيل : إنها منسوخة بالسنّة ، وكانت الآية تقتضى مجانبة الحائض على الإطلاق كما يفعل اليهود ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أباح الاستمتاع بالحائض دون الإزار أى أحلّ كل شىء إلا النكاح ، والصحيح أن السنة لا تنسخ القرآن ، والآية ليست منسوخة بآية أخرى من القرآن ، والمقصود بهذه الآية تغيير ما كان عليه اليهود من عدم مساكنتهم الحائض ، وعدم مؤاكلتها ومشاربتها ، وما كان حكما يناقض شريعة اليهود ليس نسخا ، لأن ما كان عليه اليهود ليس حكما إسلاميا قد كلّف به المسلمون وأزالته الآية.

والآية : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً) (البقرة ٢٢٨) : قيل : نسخها قوله تعالى : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (البقرة ٢٣٠) ، وهذا غير صحيح ، لأن الآية الثانية فيها تخصيص وليست نسخا ، فخصّصت الذين يحقّ

٢٤٩

لهم أن يراجعوا زوجاتهم ، بأنهم الذين طلقوا مرتين أو واحدة ، بعد أن كان عموم قوله : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ) شاملا لكل مطلق ولو ثلاثا.

والآية : (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) (البقرة ٢٢٩) : قيل : نسختها بقية الآية : (إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ) ، وهى استثناء ولا يعتبر نسخا ، والآية محكمة.

والآية : (وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ) (البقرة ٢٣٣) : قيل : الوارث هو الذى تئول إليه مسئولية الصبى إذا مات أبوه ، من الرجال أو من النساء ، ويلزمهم نفقة إرضاعه وإعالته ، والمراد بهم عصبة الأب ، ومن رأى البعض أن الآية منسوخة بوفاة الأب فلا تجب النفقة على الوارث ، لأن ماله يوزّع على الورثة بوفاته ، وينال الطفل نصيبه منه ، فتكون إعالته على نفسه من ماله ، وماله أولى به ، والصحيح أن الآية لم تنسخ ، فمع أن النفقة تكون من مال الصغير ، إلا أنه وأمه لو كانا محتاجين ، فإن ما يحتاجانه يجب على كل ذى رحم ، وهو الوارث أى عصبة الأب ، وصرف النفقة إلى ذى الرحم أولى ، وفى الحديث : «اجعلها فى الأقربين».

والآية : (لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (٢٣٦) (البقرة) : قيل : إنها منسوخة ، وقيل فى الردّ على ذلك أن الأمر بالمتعة للوجوب يقضى بها فى مال المطلق لكل مطلقة ، وقيل ليس عاما فى كل مطلقة ، لأن التى لم يدخل بها لا متعة لها ، وقيل هى حق لكل مطلقة ، ولكن منها ما يقضى به عليه ، ومنها ما لا يقضى به عليه ويلزمه فيما بينه وبين الله ؛ وقيل : الأمر بالمتعة ندب وليست المتعة واجبة ؛ وقيل المتعة واجبة للمطلقة قبل الدخول إذا لم يكن قد سمّى لها صداق ، فإن سمّى لها فلها نصف المسمّى ، وإن دخل بها فلها مثلها ، ولا تجب لها فى الحالين متعة ، فأين هو النسخ إذن؟

والآية : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) (البقرة ٢٣٨) : قيل عن البراء بن عازب : إن هذه الآية نزلت أولا بهذه الصيغة : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ) وصلاة العصر» ، فظل الناس يقرءونها ما شاء الله ، ثم نسخها الله فنزلت : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) ، فقال رجل : هى إذن صلاة العصر؟ ولا دليل على هذا القول مع أنه اختيار «مسلم» وأتى به فى آخر الباب ، ولو كان صحيحا لما تعارضت الأدلة ، ولما كان عدم الترجيح ، فلا يبقى إذن إلا أن نقول إنها الصلوات جميعها ، فيجب المحافظة عليها جميعها ، وأداؤها فى أوقاتها.

٢٥٠

والآية : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ) (البقرة ٢٤٠) : قيل : نسختها الآية قبلها : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (البقرة ٢٣٤) ، ولا يوجد فى القرآن ناسخ يتقدم المنسوخ ، هذا أولا ، ثم ثانيا : الآية الأولى خاصة بعدّة المتوفى عنها زوجها ، والثانية خاصة بإخراج التى يتوفى عنها زوجها من بيت الزوجية ، فلا تعارض بين الآيتين ولا يوجد ناسخ ومنسوخ. وقيل : نسختها آية الميراث : (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) (النساء ١٢) ، وهذه الآية فى الميراث ، وأما الآية الأخرى فعن النفقة ، وآية الميراث لا تنسخ آية النفقة ، فالميراث والنفقة كلاهما حق ثابت للمرأة.

والآية : (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (٢٤١) : قيل : إنها محكمة ، فالمتعة حق لكل مطلقة ، وليس لها حدّ ، واستثنى المطلقة التى لم يدخل بها فليس لها متعة لأن لها نصف صداقها ، فإن لم يكن قد سمّى فمتعتها أقل من صداق المثل أو أكثر.

والآية : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) (البقرة ٢٥٦) : قيل : نسختها الآية : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) (التوبة ٢٩) ، والصحيح أنه لا تعارض بينهما ، ولم تنسخ أىّ منهما الأخرى ، فالآية الأولى تحرّم إكراه الناس على الدخول فى الإسلام ، وفى أى دين أو معتقد ؛ والآية الثانية نزلت فى قتال المشركين وغيرهم ممن كان لهم حق دخول المسجد الحرام للتجارة أو لغير ذلك ، فحظرت عليهم أن يقربوا المسجد من بعد ، وأمرت بقتالهم إذا عادوا لذلك ، وتعرضت لأهل الكتاب وأوجبت قتالهم إذا أصروا على الاستعلاء على المسلمين ولم يدينوا بدين الحق ، فقد حرّفوا دينهم ، وانحرفوا عن الجادة فيه وأرادوا معايشة المسلمين بلا كلفة أمن منهم ، ففرضت عليهم الجزية مقابل ما يتكلفه المسلمون حماية لهم ، ومقابل ما يدفعه المسلمون من زكاة لم تفرض إلا على المسلمين ، والجزية إذن هى المقابل للزكاة وكلفة الأمن ، ومقدارها أقل بكثير من الزكاة ومن كلفة الأمن. والمبدأ العام فى الإسلام أنه لا إكراه فى الدين ، والعبرة فى النصّ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ولفظ الآية عام فى نفس جنس الإكراه ، وتقرر الآية مبدأ لا ينبغى أن يدّعى عليه النسخ ، لأنه من المبادئ التى يعتز بها الإسلام ، وهو الدين الذى حرر الناس ، وخلّصهم من الهوى والتقليد ، وعلّمهم أن يلجئوا إلى العقل.

والآية : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ) (البقرة ٢٧١) : قيل : إن الآية (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) (البقرة ٢٧٤) نسخت هذه الآية ، وليس ذلك بصحيح فالآية ٢٧٤ عامة ، والآية ٢٧١ فيها تخصيص أكثر.

٢٥١

والآية : (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (٢٧٢) (البقرة) : قيل : نسختها آية الصدقات : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٦٠) (التوبة) ، والآيتان لا تتعارضان وليس ثمة نسخ إذن.

والآية : (وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) (البقرة ٢٨٢) : قيل : نسختها الآية التى بعدها : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ) ، وهذا لا معنى له ، لأن حكم الآية الأولى بخلاف حكم الآية الثانية ، وحكم الأولى الكتابة ، وحكم الثانية من لم يجد كاتب ، بقوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ) (البقرة). وقيل : إن قوله تعالى : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) وردت مع الأمر بالإشهاد : (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) ، ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا فى حالة واحدة.

والآية : (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ) (البقرة ٢٨٤) : قالوا : اشتكى الصحابة إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذه الآية ، وأن يحاسبوا على الوسوسة ، فنزلت آية : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة ٢٨٦) تنسخ الآية السابقة. والصحيح أن الآية لم تنسخ ، فلا يلزم من المحاسبة المعاقبة ، والله قد يحاسب ويغفر ، وقد يحاسب ويعاقب ، وتشرحها الآية الثانية التى مفادها أن العباد لا يحاسبون إلا على ما كان فى وسعهم ، وأعمال القلب يصدق عليها الحديث : «وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة» ، والحساب إذن على ما يهمّ به من سيئات ويعمله أو يقصر عن عمله قسرا عنه لظروف خارجة عن إرادته ، وفى الحديث : «إن الله تجاوز لأمتى عن ثلاث : عن الخطأ ، والنسيان ، والاستكراه» ، وفى القرآن : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) (٣٩) (النجم) يعنى ما انتواه وجهد إلى تحقيقه ، فهذا ما يحاسب عليه ، وإن انتوى شيئا ولم يجهد إلى تحقيقه فقد يحاسب عليه ويسأل ولكن لا يعذّب ، وكذلك ما يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها ويكرهه منها فهذا لم يكلف به ، والحساب لا يكون إلا عن الأعمال التى تدخل تحت التكليف. وعلى ذلك فالآية من المحكم ولم تنسخها آية أخرى.

* * *

١١٣٠ ـ سورة آل عمران

الآية : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ

٢٥٢

اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) (٢٨) (آل عمران) : قيل : إن دعوى النسخ على قوله عزوجل : (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً). وقيل : إنها نسخت بآية السيف ، فلا تقاة من مشركين بل قتال معهم. وقيل : إن المراد من الآية جواز اتقاء العدو إذا أكره المؤمن على الكفر ، بالقول الذى لا يعتقده ، وهذا الحكم باق غير منسوخ ، فالتّقيّة باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله ، فتكلم به مخافة الناس ، إلا أن قلبه مطمئن بالإيمان ، فإن ذلك لا يضرّه. وقيل : التّقيّة لم تنسخ ، وهى جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة.

والآية : (قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً) (آل عمران ٤١) : قيل : إن الحديث : «لا صمتّ يوما إلى الليل» قد نسخ هذه الآية ، ونسخ إباحة الصمت ، ولا تنسخ السنّة القرآن ، ثم إن الآية خبر ، والخبر لا يقبل النسخ ، وما تقرره الآية إنما هو ما قضى الله به على نبيّه زكريا : أنه سيرزقه بيحيى رغم أن امرأته عاقر ، فكيف يكون هذا منسوخا؟.

والآية : (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ) (آل عمران ٨٦) : قيل : نسختها الآية بعدها : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا) (آل عمران ٨٩) ، وهى استثناء ولا تعتبر نسخا ، والآية على ذلك محكمة.

والآية : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران ٩٧) : قيل : تدل الآية على وجوب الحج على جميع الناس ، الغنى والفقير ، والقادر والعاجز ، ثم نسخ ذلك فى حق عديم الاستطاعة ببقية الآية : «من استطاع إليه سبيلا» وهذا غير صحيح ، لأن تقدير الآية : ولله على من استطاع من الناس الحج ـ أن يحج ، وإذن فلا نسخ.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٠٢) : قيل : لمّا نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله ، من يقوى على هذا؟ وشقّ عليهم ، فأنزل الله عزوجل : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن ١٦) فنسخت هذه الآية ، وليس فى آل عمران من المنسوخ شىء إلا هذه الآية. والصحيح أن آية سورة التغابن بيان لآية سورة آل عمران ولم تنسخها ، والمعنى : فاتقوا الله حقّ تقاته ما استطعتم. وإذن فالآيتان يمكن الجمع بين معنييهما ، وما كان من الممكن الجمع بين معانيه فليس فيه نسخ ، لأن النسخ لا يكون إلا عند ما لا يمكن الجمع بين الناسخ والمنسوخ.

والآية : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ) (١٢٨) : قيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أحد لمّا كسرت رباعيته وشجّ فى رأسه فجعل يسلت الدم ، قال :

٢٥٣

«كيف يفلح قوم شجّوا رأس نبيّهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله؟». والرباعية : السن التى بين الثنية والناب. فهمّ أن يدعو عليهم ، فأنزل الله الآية ، فلمّا نزلت الآية علم أنهم سيسلمون من بعد ، وقد أسلموا ، ومنهم خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعكرمة بن أبى جهل. ولمّا أطمع فى ذلك قال : «اللهمّ اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون». وقيل : إن هذه الآية ناسخة للقنوت الذى كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يلعن فيه بعض أعدائه بعد الركوع فى الركعة الأخيرة من الصبح. وليس هذا موضع نسخ ، وإنما نبّه الله تعالى نبيّه على أن الأمر ليس إليه ، وأنه لا يعلم من الغيب شيئا إلا ما أعلمه به الله ، فلا نسخ.

والآية : (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران ١٥٩) : قيل : نسختها آية السيف ، وهذا غير صحيح ، لأن الآية عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع المؤمنين بعد أحد ، ولا قتال مع المؤمنين ، والكلام مع هؤلاء بالقول الحسن. والآية فى وصف أخلاق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا ينافيها ما تأمر به آية السيف من القتال ، فإنما شرّع القتال لإحقاق الحق وإعلاء الفضائل والقيم ومكارم الأخلاق.

والآية : (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (١٨٦) : قيل : إن آية القتال نسخت هذه الآية ، والأظهر أنها ليست بمنسوخة ، فإن الجدال بالأحسن ، والمدارة أبدا ، مندوب إليهما ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع الأمر بالقتال يوادع اليهود ويداريهم ويصفح عن المنافقين. ثم إن الصبر المطلوب فى الآية والذى يقال إنه نسخ هو صبر على سماع الأذى ، فهل ذلك خطأ؟ أليس القتال محتاجا دائما للصبر؟

* * *

١١٣١ ـ سورة النساء

الآية : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) (النساء ٢) ، قيل : إن النهى فيها عن أكل أموال اليتامى بضمها إلى أموالهم قد نسخ ، وأن ناسخه قوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ) (البقرة ٢٢٠). وقيل إن الآية : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) نزلت عند ما نزلت آيتان أخريان هما قوله : (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الأنعام ١٥٢) ، وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (١٠) (النساء) ، فهل نسخت هاتان الآيتان أيضا بآية البقرة؟ وقيل : الآية لا يجوز فيها ناسخ ولا منسوخ ، لأنها خبر ووعيد ونهى عن الظلم

٢٥٤

والتعدى ، فمحال نسخ ذلك. وجميع هذه الآيات لا يراد بها عزل طعام اليتيم وشرابه عن طعامهم وشرابهم ، وإنما التأكيد على أن المخالطة بقصد الإصلاح ليست محرمة عليهم ، وأن فيها توسعة من حرج ، وفيها ترخيص وتيسير عليهم ، فهل تبدو شبهة تعارض بين هذه الآيات الأربع مع أنها كلها تلتقى عند وجوب رعاية اليتيم وحفظ أمواله؟

والآية : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) (٣) (النساء) : قيل : إنها نسخت ما كان الناس يفعلونه فى الجاهلية وفى صدر الإسلام ، حيث كان لهم ما يشاءون من الحرائر ، فنسخ الله ذلك بالقرآن والسنّة والعمل ، فلم يعد يحلّ لأحد فوق أربع من النساء ؛ والسؤال الذى استوجب نزول الآية كان عن اليتامى وليس عن عدد النساء ، فالآية لم ترفع حكما شرعيا سابقا ، وما دام الإسلام لم يشرّع حكما قبل هذا الحكم ، فلا يعتبر ذلك نسخا.

والآية : (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء ٦) : قيل : إنها منسوخة بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) (النساء ٢٩) ؛ وقيل : نسختها الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (١٠) (النساء) ؛ وقيل : «فليأكل بالمعروف» منسوخة بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ...) ، فكيف ينسخ الظلم المعروف؟ وأين من الأكل بالمعروف ، الأكل ظلما؟ والآية لذلك محكمة لا تعارضها آية أخرى ، وحكمها لم يرفع.

والآية : (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (٧) : قيل : إنها منسوخة بالآيات الثلاث بعدها ١١ و ١٢ و ١٧٦ من السورة ، والصحيح أن هذه الآيات تفصّل الإجمال الذى قررته الآية الأولى ولا تنسخها.

والآية : (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (٨) (النساء) : قيل : نسختها آيتا الميراث والوصية ، والصحيح أنها محكمة وليست بمنسوخة ، وتعطى أولى القربى واليتامى والمساكين الحاضرين لقسمة التركة شيئا منها ، وهذا الحكم باق على وجه الندب ، ولا تعارض ولا نسخ.

والآية : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (٩) : قيل : الخطاب فى الآية لأولياء اليتامى ، وتأمر بإجراء الوصية على ما

٢٥٥

رسم الموصون دون تعديل ولو كان فيها جنف أو إثم ؛ وقيل : الآية لذلك ينسخها قوله : (فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة ١٨٢) ، وهذا التأويل متكلّف فإن الخوف من عدم تنفيذ الوصية كما هى لا يماثل الخوف على الأولاد الضعاف يخلفهم المورث وراءه.

والآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (١٠) (النساء) : قيل : إنها منسوخة بقوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) (البقرة ٢٢٠) ، والحقيقة أنها لم تنسخها ، فآية سورة البقرة تتحدث عن معاملة اليتامى المعاملة الواجبة ، وآية سورة النساء تتوعد من يأكل أموالهم ظلما ، ولا تعارض بين الآيتين.

والآية : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) : قيل : نسختها آية الزنا : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) (النور) ، والصحيح أنه لا نسخ ولا تعارض ، لأن (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) عن السحاق بين الإناث ، وكذلك الآية : (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما) عن اللواط بين الذكور ، وكلّ من السحاق واللواط ليس بزنى ، وحكم السحاق مختلف عن حكم اللواط ، والاثنان يختلف حكمهما عن حكم الزنى.

والآية : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) (النساء ٢٢) : قيل : نسختها بقية الآية : (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) ، وهى استثناء ولا تعتبر نسخا.

والآية : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ) (النساء ٢٣) : قيل : نسختها بقية الآية : (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) ، وهى استثناء ولا تعتبر نسخا.

والآية : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (النساء ٢٤) : قالوا : نسختها الآية الأولى من سورة الطلاق ، أو آية ميراث الزوجين ، أو نسختها السنّة ، أو نسختها تلك الآيات والسنة جميعا. وفسّروا الاستمتاع بأنه زواج المتعة ، وهو أن يقول لها : أتزوجك يوما أو ما أشبه ذلك ، على أن لا عدّة لها ، ولا ميراث بينهما ، ولا طلاق ، ولا شاهد يشهد على ذلك ، وهذا هو الزنا بعينه. وأهل العلم على أن الاستمتاع فى الآية هو الوطء فى النكاح الصحيح ، فيؤتيها مهرها إذا دخل بها ، كقوله : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء ٤) ، والأجور والصدقات كلاهما هو المهور ، والآية لم تنسخ وهى محكمة ، ولا علاقة لها بنكاح المتعة ، وإنما هى تتكلم عن الدخول بالزوجة.

٢٥٦

والآية : (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) (النساء ٢٤) : قيل : المشار إليه فيها هو المحرّمات من النساء ، قالوا : الآية منسوخة بالحديث : «لا يجمع بين المرأة وعمّتها ، ولا بين المرأة وخالتها» ، والقرآن لا تنسخه السنة ، لأنها ليست فى الثبوت متواترة اللفظ والمعنى مثله ، إلا أن الحديث تخصيص لعموم الآية وليس نسخا لها.

والآية : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) (النساء ٢٥) : قيل : نسختها الآية نفسها بقوله تعالى : (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) (النساء ٢٥) ، وهذا ليس نسخا ، لأنه شرط لنكاح الإماء المؤمنات.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) (النساء ٢٩) : قيل : نسختها بقية الآية : (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) (النساء ٢٩) ، وهى استثناء ولا تعتبر نسخا.

والآية : (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) (النساء ٣٣) : قيل : لما نزلت : (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ) نسختها (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ). وقيل : إن الآية الناسخة لقوله : (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ) قوله تعالى : (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ) (الأنفال). وقيل الآية : (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ) محكمة وليست بمنسوخة ، وإنما أمر الله تعالى أن يوصى لهم ؛ والجمع ممكن بين الآيتين ومن ثم فلا ناسخ ولا منسوخ.

والآية : (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) (٦٣) : قيل : نسختها آية السيف ، مع أن الكلام عن المنافقين ولا يجب قتالهم لأنهم مسلمون بحسب الظاهر ، وإنما يجب أن يوعظوا ويذكّروا بعذاب الله ، فإن أصروا على أفعالهم وجب الإعراض عنهم وترك الانتقام منهم إلى الله تعالى ، فالأمر بقتال المشركين بآية السيف لا علاقة له بوعظ المنافقين ثم الإعراض عنهم فى حالة إصرارهم.

والآية : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (٦٤) (النساء) : قيل : نسخها قوله تعالى : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) (التوبة ٨٠) ، وهذا غير صحيح ، لأن معنى آية التوبة أنهم لا يغفر لهم لنفاقهم ، وأما معنى آية النساء أن استغفارهم واستغفار الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لهم يرفع عنهم الإصر ، فلا وجه للنسخ.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) (٧١) (النساء) : قيل : نسخها قوله تعالى : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) (التوبة ١٢٢) ، وهذا غير جائز ، لأن الآية

٢٥٧

الأولى عن النفير العام ، والآية الثانية عن النفير لطلب العلم لا للقتال. وقيل إن الآية : (فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) (٧١) (النساء) منسوخة بقوله تعالى : (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً) (التوبة ٤١) ، وبقوله : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ) (التوبة ٣٩) ؛ وقيل : إن الآية : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (التوبة ١٢٢) ، تنسخ الآية الأخرى : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ) (التوبة ٣٩) ، والصحيح أن الآيات جميعها محكمة ، فالأولى : المقصود بها أن ينفروا فى شكل سرايا الواحدة تلو الأخرى ، أو فى شكل جيش عام ؛ والثانية : أن ينفروا خفافا وثقالا من جهة الإعداد العسكرى بالعتاد والمؤن والسلاح والأنفار وغير ذلك ؛ فإما يكونون فى شكل وحدات خفيفة ، أو وحدات مزوّدة بمعدات ثقيلة ؛ والآية الثالثة : يتوعد الله تعالى من لا يخرج للقتال بالعذاب سواء فى الدنيا أو فى الآخرة ؛ والآية الرابعة : تسقط الخروج للقتال عن الكافة وتجعله لمن تحتاجه المعركة من أعداد للمقاتلين ، وكفاءاتهم ونوعية القتال الذى سيدخلونه.

والآية : (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (النساء ٨١) : قيل : الآية نسختها آية السيف ، إلا أنها محكمة وتتحدث عن المنافقين وكيدهم ، فلا ينسخها الأمر بالقتال ، لأنهم لا يقاتلون وإنما يوعظون ويعرض عنهم ويترك أمرهم لله تعالى.

والآية : (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) (النساء ٨٤) : قيل : نسختها آية السيف ، والذى قال ذلك فهم الآية أن لا تكلف أن تقاتل أحدا ، وليس المعنى كذلك ، وإنما المعنى : لا تكلف فى الجهاد إلا فعل نفسك.

والآية : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) (٩٣) : قيل : نسختها الآية : (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) (النساء ١١٦) ، والصحيح أنها محكمة ولم تنسخ ، لأن القتل العمد موضع تخصيص ، والمغفرة موضع عموم ، والعام لا ينسخ الخاص ، ثم إن آية القتل العمد الجزاء فيها لمن لم يتب وأصرّ على الذنب حتى وافى ربّه على الكفر بشؤم المعاصى ، والجمع بين الآيتين ممكن فلا نسخ ولا تعارض ، فيحمل مطلق آية النساء على مقيد آية الفرقان ، فيكون المعنى : فجزاؤه كذا إلا من تاب.

والآية : (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا

٢٥٨

أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً) (٩١) (النساء) : قيل : نسخت الآيتان بقوله تعالى : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) إلى قوله : (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) (التوبة) وهى المشهورة بآية السيف. والصحيح أن الآيتين نزلتا فى بنى خزيمة وبنى مدلج ، وهؤلاء عاقدوا حلفاء المسلمين من خزاعة ، فنهى عن قتلهم. ونزلت آية السيف بعد ذلك بعد إسلام الذين ذكرناهم ، فلا مجال للقول بنسخها. ونزلت آية السيف أيضا فى قوم مخصوصين ، ولم تنبذ كل المعاهدات ، والآيتان محكمتان إذن.

والآية : (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (النساء ١٠١) : المراد بها المنع من قصر الصلاة إلا فى الخوف ، وقيل : هى منسوخة بالسنّة ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قصر فى غير الخوف ، وفعله إذن ناسخ للآية. والآية ليس فيها منع للقصر فى الأمن ، وإنما فيها إباحة القصر فى الخوف فقط. والقصر سواء فى الخوف أو فى الأمن أجازه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال فيه : «صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوها» ، ولم يقل قد نسخ ذلك ، وإنما نسبه إلى الرخصة ، فصحّ قول من قال : قصر صلاة السفر بالسنّة ، وقصر صلاة الخوف بالقرآن.

والآية : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) (١٤٥) : قيل : نسختها الآية بعدها : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (النساء ١٤٦) ، وهى استثناء ولا تعتبر نسخا.

* * *

١١٣٢ ـ سورة المائدة

الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ...) (المائدة ٢) : قيل : نسختها الآية : (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) ؛ وقيل : لم ينسخ من ذلك شىء إلا القلائد التى كانت فى الجاهلية يتقلدونها من لحاء الشجر. وقيل : النسخ بالنظر إلى أنه قد أحلّ قتال أهل الشرك فى الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة ، ولو قلد المشرك عنقه أو ذراعيه لحاء جميع أشجار الحرم لم يمنع ذلك من قتله إذا لم يكن قد عقد ذمة من المسلمين أو أمانا. غير أنه قد ورد عن عائشة أن سورة المائدة لم ينسخ منها شىء وهى آخر سورة نزلت ، ويبطل القول أن الآية فيها منسوخ ، أو أن سورة المائدة كلها فيها منسوخ.

والآية : (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) (المائدة ٥) : قيل : نسختها آية

٢٥٩

السيف : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، والهدى ما أهدى إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة ، والقلائد كل ما علق على أسنمة الهدايا وأعناقها ، وهى سنّة البقر والغنم ، والصحيح أن الآية لم تنسخ لأن الذى يهدى ويقلّد مسلم ، فلما ذا يحسب ضمن المشركين؟ وإن كان المقصود الكفار القاصدين البيت الحرام على جهة التعبّد والقربة فإنه لم يعد لمشرك أن يدخل المسجد الحرام ، بقوله تعالى : (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا) (التوبة ٢٨) ، والصحيح أن الآية محكمة ولم تنسخ ، وهى فى المسلمين ، وقد نهى الله عن إضافة من يقصد بيته الحرام من المسلمين ، والنهى عام فى الشهر الحرام وفى غيره ، وخصّ الشهر الحرام بالذّكر تعظيما وتفضيلا.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة ٦) : قالوا : إنها توجب الوضوء عند كل صلاة ، ثم نسخ بالسنّة عام الفتح فلم يعد الوضوء واجبا وإنما إذا أحدث ، وهذا غير صحيح ، لأن الآية توجب الوضوء على الذين ليسوا على وضوء وليس على من هم على وضوء. وقيل : الوضوء فرض بعد حدث ، وهو ندب لمن كان على طهر ، ولذلك كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة ، ثم صلى يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد ، ليعلّم أمته أن ما كان يفعله من تجديد الطهر لكل صلاة ، إنما كان منه أخذا بالأفضل ، لا على أنه كان فرضا واجبا.

والآية : (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) (المائدة ١٣) : قيل : نسختها آية السيف التى تقول : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) (النساء ٩١) ، أو الآية : (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ) (الأنفال ٥٨) ، والصحيح أنها لم تنسخ ، ولا تعارض بين الآيتين ، ولكل آية معناها ومجالها. وهذه الآية تدعو إلى العفو عن اليهود من بنى النضير الذين همّوا أن يقتلوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حينما جاءهم يستعينهم فى دية العامريين ، فأطلعه الله على ما بيّتوا النية عليه ، وبيّن أن هذه هى طريقتهم فى الغدر والخيانة فى أولهم وآخرهم ، ولا تزال تطّلع منهم على الخيانة والغدر ونقض العهد. والعفو والصفح هو عين الظفر كقول القائل : ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه ، لعل ذلك يؤلف قلوبهم ويهديهم إلى الإسلام. وهل كان يمكن حينئذ فعل شىء أكثر من ذلك ، وخاصة أنه لم يؤمر وقتها بقتالهم؟ فلا موجب إذن للنسخ ، فإن اختلفت الأمور من بعد واستوجبت معاملة مختلقة معهم فليس هذا بنسخ للآية ، لأنها متوافقة مع ظرفها ، وكل آية فى مجالها وسياقها صحيحة ومحكمة ، وللرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعفو عنهم فى غدرة فعلوها طالما أنهم لم ينصبوا حربا ، ولم يمتنعوا عن أداء الجزية.

٢٦٠

والآية : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ...) (المائدة ٣٣) : قيل : إنها نزلت فى العرنيين فى السنة السادسة للهجرة ، وكانوا قد قتلوا رعاة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واستاقوا النّعم ، ولما أمسك بهم المسلمون وشرعوا فى الاقتصاص منهم ، نزلت الآية : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٤) (المائدة) فنسخت فعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيهم ؛ والصحيح أنها لم تنسخ هذا الفعل ، لأن الآية الأولى حكم فى محاربين مؤمنين خرجوا على الإسلام ، والمعول عليه أن من يؤمن بعد القدرة عليه لا يقتل ، إلا أن المحارب المؤمن لا يسقط الحدّ عنه بعد القدرة عليه ، لأنه متّهم بالكذب فى توبته والتصنّع فيها إذا نالته يد القانون ، وعلى ذلك فالآية الثانية لم تنسخ الأولى. ثم إن الآية الناسخة استثناء ، والاستثناء لا يعتبر ناسخا.

والآية : (فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) (المائدة ٤٢) : قيل : نسختها : (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) (المائدة ٤٨) أى نسخ التخيير فى الآية الأولى ، وليس ذلك صحيحا ؛ لأن السياق يعنى أن يحكم بينهم بحكم شريعتهم وليس بشريعة الإسلام ـ والكلام عن أهل الكتاب ، وبحسب آية التخيير فالحاكم مخيّر بين أن يحكم بينهم وبين أن يعرض عنهم ، فإن كان الأمر بين مسلم وذمّى فيحكم بالنسبة للمسلم ، وإن كان بين ذميّين فلا يحكم بينهما إلا إذا قبلا ذلك ، وفى كل الأحوال فإن حكم فهو بما أنزل الله ، وإن أعرض لم يخالف أمر الله ، وعلى ذلك فالآيتان تكملان بعضهما البعض.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) (المائدة ١٠٦) : قيل : نسخت : (أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) بقوله : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (الطلاق ٢). والصحيح أنه لا نسخ ، لأن الآية الأولى خاصة بما إذا نزل الموت بأحد المسافرين وأراد أن يوصى ، فإن الوصية تثبت بشهادة اثنين عدلين من المسلمين أو غيرهم توسعة على المسافرين ، فأما فى الظروف العادية ، فالآية الثانية هى القاعدة.

* * *

١١٣٣ ـ سورة الأنعام

الآية : (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (٦٦) : قيل : نسختها آية القتال ، والصحيح أنها لم تنسخها ، وأنها محكمة ، لأنها تخبر أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس حفيظا عليهم ، والأخبار لا يجوز أن تنسخ.

والآية : (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ

٢٦١

غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٦٨) : قيل : نسختها آية السيف ، والمراد بالخوض التكذيب ، والإعراض هو المقصود بالنسخ بآية السيف ، يعنى بدلا من الإعراض يكون القتل. غير أن الإعراض غايته أن يجبرهم على أن يخوضوا فى حديث غيره ، والسرّ فى ذلك أنهم كانوا يكرهون قيام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنهم ، فقال لهم : إذا خاضوا فى آيات الله ، فقم عنهم ، ليتقوا الخوض فيها ويتركوا ذلك. ودعوى النسخ إذن باطلة لأنه لا موجب لها.

والآية : (وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٦٩) (الأنعام) : قيل : نسخ هذا بقوله : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (النساء ١٤٠) ، والصحيح أن الآية محكمة وليست منسوخة ، ولا تعارض بين الآيتين ، فالآية خبر ، والمعنى : ما عليكم من شىء من آثامهم ، إنما يلزمكم تذكيرهم.

والآية : (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (١٠٧) : قيل : نسختها آية القتال ، والآية محكمة ، وهى خبر ولا ينسخ الخبر ، وتقرّر أن الله لو شاء لهم ألّا يشركوا ما أشركوا ، وأن رسوله ليس حفيظا عليهم ولا وكيلا عنهم.

والآية : (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام ١٠٨) : قيل : الآية نسختها آية السيف ، والذى يسبّ الله يستحق العقاب ، إلا أن الآية محكمة ولم تنسخ ، ولا مسوّغ لسب آلهتهم ما دام هذا سيقابل بمثله فيسبّوا الله ونبيّه. والنهى عن سب آلهتهم قائم حتى لو قتلناهم. وعدم سبّ آلهتهم هو من باب ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها ، ومثله قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ملعون من سبّ والديه» ، قالوا : وكيف يسبّ الرجل والديه؟ قال : «يسبّ أبا الرجل ، فيسبّ أباه ، ويسبّ أمه فيسبّ أمه». وحيث لا تعارض بين النهى عن سبّ آلهتهم ، والأمر بقتلهم فى آية السيف ، فلا مقتضى للنسخ.

والآية : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) (الأنعام ١٤١) : قيل : نسختها آية الزكاة فى قوله : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) (التوبة ١٠٣) ، وقوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) (البقرة ١١٠) ، والصحيح أنه لا نسخ ، لأن الآية تعنى أن للفقراء حقا فى المال سوى الزكاة ، أمر الله به ندبا ، فإذا حصد المزارع زرعه ، فحضره المساكين ، فليطرح عليهم من السنبل ، وإذا جذّ فليلق عليهم من الشماريخ ، وإذا درس فليطرح لهم منه ، فأما لو عرف كيله فليخرج منه زكاته.

٢٦٢

والآية : (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٤٥) (الأنعام) : ومنشأ دعوى النسخ فى الآية أنها حصرت المحرّم أكله من الحيوان فيما ذكرته ، وقالوا : نسختها الآية : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) (المائدة ٣) ، فأضيف بعض ما حرّم بهذه الآية إلى ما حرّم بآية الأنعام ، وسموا ذلك نسخا لها أو لأسلوب الحصر فيها. والصواب أن الآية محكمة وليست منسوخة ، وآية المائدة داخلة فيها ولا تتعارض معها ، فالمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة من الميتة. ومن الفسق ما أهلّ به لغير الله ، وما ذبح على النصب. وأما الدم ولحم الخنزير فقد ذكرتها المائدة ، وقيّد الدم بأن يكون مسفوحا ، وهو شرط لا بدّ منه للتحريم. وأما الذين قالوا إنها منسوخة بالسنّة ، فالسنة لا تنسخ القرآن ولكنها تبيّنه. وأسلوب الآية يسمح بإضافة محرمات جديدة إلى ما حرمته فى قوله : (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ...).

* * *

١١٣٤ ـ سورة الأعراف

الآية : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩) : قيل : الآية أولها منسوخ ، وآخرها منسوخ ، ووسطها محكم ؛ فأولها : (خُذِ الْعَفْوَ) نسخته آية الزكاة ، وآخرها : (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) نسخته آية السيف ، وأما وسطها فهو محكم. ومع أن الآية نزلت لسؤالهم عن النفقة : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة ٢١٩) فإنها فى أخلاق الناس ، ومعنى (خُذِ الْعَفْوَ) أى السهل من أخلاق الناس ، فلا تغلظ عليهم ، ولا تعنف بهم ، فتكون الآية غير متعارضة مع آية الزكاة ، ولا موجب للنسخ. وأما قوله : (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) ، فهى تأديب منه تعالى لخلقه ، باحتمال من يظلمونهم ويعتدون عليهم ، وليس الجهل هنا هو جهل الواجب تجاه الله ، أو الجهل الذى نقيضه من يظلمونهم ويعتدون عليهم ، وليس الجهل هنا هو جهل الواجب تجاه الله ، أو الجهل الذى نقيضه العلم ، وإنما هو السفه والعدوان ، ودعوى النسخ فيها إذن ظاهرة البطلان ، والآية على ذلك محكمة دون فرق بين أولها ووسطها وآخرها.

* * *

٢٦٣

١١٣٥ ـ سورة الأنفال

الآية : (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) (الأنفال ١) : قيل : لمّا نزلت آية الأنفال قسم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الغنائم يوم بدر من غير أن يخمّسها ، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...) (الأنفال ٤١) ، فنسخت الأولى ، والصحيح أنها لم تنسخها بل هى آية محكمة ، وآية الأنفال أصلها عن جماع الغنائم ، وآية الخمس مخصوص بها من نزلت فيهم وجرت به السنّة ، والغنائم فى الآيتين لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وليست مقسومة بين الغانمين ، ومن بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإن الغنائم للدولة. والآية الأولى أجملت الجواب عن سؤالهم عن الأنفال ، والآية الثانية فصّلت هذا الإجمال فقررت أن الغنيمة توزع أخماسا.

والآية : (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) (الأنفال ٦٧) : قيل : نسختها الآية : (حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) (محمد ٤) ، والصحيح أنها لم تنسخها ، لأن الآية الأولى كانت عن بدر ، وكانت لبدر ظروفها ، والمسلمون قلة ، فلما كثروا واشتد سلطانهم نزلت الآية الأخرى.

والآية : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ) (الأنفال ١٦) : قيل : هى منسوخة بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) (الأنفال ٦٥) ، والصحيح أن الآية الأولى فيها عموم ، قد خصّص بما فى الآيتين ، فلم يعد كل من يولى الكفار دبره فى القتال مستحقا للوعيد الذى فى الآية ، وإنما قصر هذا الوعيد على من فرّ أمام عدو يزيد على مثليه بمقتضى ثانية الآيتين ، وهذا تخصيص وليس نسخا.

والآية : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) (٣٨) : قالوا : هى منسوخة بقوله تعالى : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (٤٠) (الأنفال) ، فقد فسّروا الانتهاء بالمهادنة أو ما يشبهها مع البقاء على الكفر ، ورأوا فى الآية إقرارا للكفّار على كفرهم إذا لم يعادوا المسلمين ولم يقاتلوهم ، ثم وجدوا الآية التى تليها صريحة فى الأمر بمقاتلتهم إلى أن يسلموا كى لا تكون هناك فتنة ، ويكون الدين لله ، وهذا فى فهمهم معارض لما قررته الآية الأولى من مهادنة الكفار على كفرهم ، فهو إذن ناسخ له. غير أن من قالوا بذلك لم يلتفتوا إلى الوعيد إلى جانب الوعد فى الآية الأولى : (وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) ، وإلى أن المراد بقوله : (إِنْ يَنْتَهُوا

٢٦٤

أنه الرجوع عن القتال والكفر معا ، لا عن القتال وحده ، لأنه لا غفران لكافر مصرّ على الكفر ، وإنما يغفر له إذا أسلم. وفى الآية الثانية الناسخة نفس الشيء ، فالمغفرة مرتبطة بأن ينتهوا ، وعلى ذلك لا تعارض ولا نسخ ، لأن الآية المدّعى بأنها ناسخة تقول ما قالته الآية المدّعى بأنها منسوخة.

والآية : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها) (الأنفال ٦١) : قيل : إن الآية : (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) (محمد ٣٥) تنسخها ، وذلك ليس صحيحا ، فالآيتان محكمتان ونزلتا فى وقتين مختلفى الحال ، وآية (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ) مخصوصة فى قوم بأعيانهم ، والأخرى عامة فلا يجوز مهادنة الكفّار إلا عند الضرورة إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين ، وقيل : آية السلم نسختها الآية : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) (التوبة ٢٩) ، والآية : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) غير أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه ، فأما بخلاف ذلك فلا يجوز ، والآيتان حكمهما غير ناف لحكم آية السلم ، وآية السلم فى يهود بنى قريظة وهم أهل كتاب ، وآية القتال فى المشركين ، والأولون تقبل منهم الجزية وليس كذلك المشركون ، فليس فى إحدى الآيتين نفى حكم الأخرى ، بل كل واحدة محكمة فيما أنزلت فيه.

والآية : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (٦٥) : قيل : نسختها الآية : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٦٦) (الأنفال) ، ووجه النسخ أن الآية الأولى أفادت وجوب ثبات الواحد للعشرة ، وأما الثانية فأفادت وجوب ثبات الواحد للاثنين ، وهما حكمان متعارضان ، فتكون الثانية ناسخة للأولى ، وقيل : لا تعارض بين الآيتين ولا نسخ ، لأن الثانية لم ترفع الحكم الأول ولكنها خفّفته ، وهو إذن تخفيف وليس نسخا.

والآية : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا) (الأنفال ٧٢) : قيل : نسختها الآية : (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ) (الأحزاب ٦) ، لأن ولايتهم لبعضهم البعض كانت تجعلهم يرثون بعضهم البعض ، فلما نزلت «أولوا الأرحام» صار الميراث لذوى الأرحام من المؤمنين ، وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألحقوا الفرائض بأهلها». والصحيح أن الولاية لا يدخل فيها التوريث ، وأن الآية خاصة بالنصرة والمعونة ، ولذا جاء بعدها مباشرة : (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال ٧٢) ، وإذن فليس هناك نسخ ، والآية محكمة.

* * *

٢٦٥

١١٣٦ ـ سورة التوبة

الآية : (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ) (٢) (التوبة) : قيل : الآية منسوخة ، ونسختها : (وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (التوبة ٣) ، ولا نسخ هناك ولا تعارض ، فالآية الأولى فيها مدة العهد أربعة أشهر ثم الحرب ، وانقضاء العهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم.

والآية : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) : قيل : هذه آية السيف ، قيل نسختها الآية : (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) (محمد ٤) ، وقيل بل هى ناسخة لهذه الآية الأخيرة ، ولا يجوز فى الأسارى من المشركين إلا القتل. والصحيح أن الآيتين محكمتان ، لأن المنّ والقتل والفداء جميعها لم تزل فيهم من أول حرب حاربهم فيها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يوم بدر. ثم إن قوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (التوبة ٥) أمر بالقتال ، وقوله : (وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ) (التوبة ٥) أمر بالأسر ، فإذا وقع الأسير فى يد من بيده الأمر ، فهو مخيّر ، إن شاء منّ عليه ، وإن شاء فاداه ، وإن شاء قتله صبرا ، أىّ ذلك رأى فيه مصلحة للمسلمين فعل.

والآية : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) (٦) : قيل : هذه الآية نسختها آية القتال التى تقول : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، فليس صحيحا أن حكم هذه الآية باق مدة الأربعة الأشهر التي ضربت أجلا للمشركين ، فقد جاء رجل من المشركين إلى علىّ بن أبى طالب وقال له : إن أراد رجل منا أن يأتى محمدا بعد انقضاء الأربعة الأشهر فيسمع كلام الله ، أو يأتيه بحاجة ، قتل؟ فقال علىّ : لا! لأن الله تبارك وتعالى يقول : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) ، فهذا هو الصحيح ، والآية محكمة.

والآية : (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٧) : قيل : نسختها آية السيف ، والصحيح أنه لا تعارض بين الآيتين ، حيث أن الآية الأولى ليس فيها أن الذين عاهدوا عند المسجد الحرام نكثوا وظاهروا المشركين ، لأن معناها أن هؤلاء ما أقاموا على الوفاء بعهدهم للمسلمين ، فسيقيم المسلمون على الوفاء بعهدهم لهم ، فلا نكث هناك ، وعلى ذلك فلا نسخ.

٢٦٦

والآية : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (التوبة ٣٦) : قيل : الآية أمر بالقتال ، و «كافة» معناها «جميعا» ، وقالوا : كان الغرض بهذه الآية قد توجّه على الأعيان أن يقاتلوا ، ثم نسخ ذلك ، وجعل القتال فرض كفاية. وهذا المعنى غريب ، لأنه لم يعرف أبدا فى سيرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه ألزم الأمة كلها النّفر ، وإنما معنى الآية الحضّ على القتال ، والتحزّب ضد العدو ، وجمع الكلمة ، وقيّد ذلك بقوله : (كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) ، فبحسب قتالهم واجتماعهم ضد المسلمين يكون فرض اجتماع المسلمين لهم.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) (التوبة ٣٨) : قيل : نسختها الآية : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (التوبة ١٢٢) ، ولا نسخ هناك ، لأن الآية الأولى توبيخ على ترك الجهاد وعتاب على التقاعد عن المبادرة إلى الخروج ، والآية الثانية تنظم هذا الخروج ولا تجعله على الأعيان وإنما فرض كفاية.

والآية : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) (التوبة ٣٩) : قيل : نسختها الآية : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (التوبة ١٢٢) ، وهذا غير صحيح ، فالآية الأولى تتحدث عن عقاب من لا ينفر ، والآية الثانية تنظّم النفر فلا تجعله على الأعيان وإنما فرض كفاية.

والآية : (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً) (التوبة ٤١) : قيل : نسختها الآية : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) (التوبة ٩١) ، وهى تسقط التكليف عن العجزة وغير القادرين ، وكما ترى أن ذلك استثناء لا ينسخ الآية ؛ وقيل الآية نسختها الآية الأخرى : (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ) (التوبة ١٢٢) ، والآيتان محكمتان ، ولكلّ مجاله ، والآية الأولى تتحدث عن نوع النفر ، والآيتان الثانية والثالثة تستثنى من النفر المعذورين ومن لا يسعهم النفر ممن يضطرون للبقاء ، ونفرهم فى هذه الحالة محلى فى نفس المكان ، للدفاع عن المؤخرة ، وضمان الإمداد والتموين للجيش المتقدّم ، ولتنظيم أمور الدولة داخليا.

والآية : (إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) (٤٥) : قيل : نسختها الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) (النور ٦٣) ، وهذا غير صحيح ، لأنه فى الآية الأولى كان الاستئذان بغير عذر فى ذلك الوقت ، من علامات النفاق ؛ وفى الآية الثانية ، أمر الله تعالى المؤمنين بالاستئذان لأنه لا يكمل إيمان من آمن إلا بأن يكون من الرسول سامعا غير معنّت ، فيريد الرسول إكمال أمر ما ، ويريد المؤمن إفساده بأن يستأذن فى أمر يستوجب أن يتواجد الجميع ، فالآيتان تكملان بعضهما البعض ، فواحدة تأمر بالاستئذان بعذر ، والثانية تجرّم الاستئذان بغير عذر.

٢٦٧

والآية : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٨٠) (التوبة) : قيل : إنها منسوخة بقوله تعالى : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ) (٨٤) ، وذلك أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لو أعلم أنى إن زدت على السبعين يغفر له ـ لزدت عليها» ، وأنه صلّى على عبد الله بن أبىّ بن سلول ـ وهو الذى نزلت فيه هذه الآيات ، إلى أن نزلت الآية : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ) ، فالذى نسخ هو أن يستغفر لهم أكثر من سبعين مرة. غير أن الآية لا تخبرنا أنه قد غفر له ، لأنه مات على الكفر وهو من الفاسقين ، فهل تخبرنا هذه الآية أنه لن يغفر لهم وإن استغفر الرسول لهم ، وتقول مع ذلك إن هذا الخبر منسوخ ، وأن ناسخه هو الآية التى تقرر نفس المعنى : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) (المنافقون ٦)؟

والآية : (ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا) (التوبة ١٢٠) : قيل : نسختها الآية : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (التوبة ١٢٢) ، باعتبار أن الآية الأولى كان فيها الاستنفار عاما لمّا كان المسلمون قلة ، فكان التجنيد واجب وعام ، فلما كثر المسلمون لم تعد هناك حاجة لتجنيد الجميع ، وصار النفير بحسب الاستدعاء ، وإذن فلا نسخ ، ولكل آية مجالها ومقصدها.

* * *

١١٣٧ ـ سورة يونس

الآية : (وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) (١٠٩) : قيل : نسختها آية القتال ، والصحيح أنها لم تنسخ ، لأن الآية بعيدة فى معناها عن القتال ، فقد كانوا فى شك من دين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فطمأنه ، ودعا الناس إلى أن تؤمن به ، وحضّه أن يتبع ما يوحي إليه ويصبر إلى أن يحكم الله بينه وبين المشركين ، فلا مجال للتعارض مع آية القتال ، ومن ثم لا مجال للنسخ.

* * *

١١٣٨ ـ سورة يوسف

الآية : (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (١٠١) : قيل : إنها منسوخة بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يتمنين أحدكم الموت لضرّ نزل به» ، والسنّة لا تنسخ القرآن ، وينهى الحديث عن تمنى الموت بسبب الضرّ ، وإنما تمنّى يوسف أن يلحقه ربّه بالصالحين عند ما يتوفّاه ، وذلك حين يحين أجله ، وعندئذ يكون موته على الإيمان وليس على الكفر ، ومع ذلك فقد تمنّى عمر

٢٦٨

بن الخطاب الموت لمّا طعن فى السن فقال : «اللهم كبرت سنى ، ودقّ عظمى ، وانتشرت رعيتى ، فاقبضنى إليك غير مفرط ولا مضيّع» ، والكبر فى السن ليس ضرا وإنما هو شىء طبيعى يأتى حتما فى سن معينة ، وفى حديث عمر نتبين حبّ لقاء الله ، وفى مثل ذلك كان الحديث : «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» ، وفى الآية إذن ، والأحاديث سواء عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو عن عمر لا تعارض ولا نسخ ولكنها جميعا تكمل بعضها البعض ، ولكل معناه ومناسبته ومجاله.

* * *

١١٣٩ ـ سورة الرعد

الآية : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ) (الرعد ٦) : زعموا أنها منسوخة بقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) (النساء ٤٨ و ١١٦) ؛ وقالوا : إن ظلم الناس كما يفهم من سياق الآية هو الشرك ، ومع ذلك لا تتعارض الآيتان ، فالآية الأولى تفيد أنه تعالى يغفر للمشرك إن رجع عن شركه وأناب إلى الله ، وأما المصرّ فإنه شديد العقاب له على كفره ، والآية خبر ، ومثلها فى ذلك مثل الآية الثانية التى تفيد نفس المعنى ، فكيف يقال إن إحداهما منسوخة والأخرى ناسخة وكلاهما خبر؟ ثم إن سورة الرعد كان ترتيبها فى التنزيل العاشرة فى السور المدنية ، والنساء ترتيبها السادسة ، ولا ينسخ المتقدم المتأخر.

* * *

١١٤٠ ـ سورة الحجر

الآية : (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (٣) : قالوا : إنها منسوخة بآية السيف ، والصحيح أنه لا نسخ هناك ، لأن الآية وعيد وتهديد وذلك لا ينافى قتال الكافرين ، فلا وجه للنسخ.

والآية : (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (٨٥) : قيل : هذه الآية فى كفار مكة ، وتحضّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أن يصفح ويتجاوز عنهم ، ويعفو عفوا حسنا ، مثل قوله : (وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) (١٠) (المزمل) ، ثم نسختها آية السيف التى تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة) ، أو الآية : (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) (النساء ٩١) ، والصحيح أن الآيتين محكمتان ولا نسخ هناك ، فلقد أمره بالصفح فى حق نفسه فيما بينه وبينهم ، والصفح هو الإعراض ، وهذا فى أهل النفاق ، وأما آية السيف ففي المشركين الذين بدءوا المسلمين بالقتال وعادوهم.

٢٦٩

والآية : (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٨٨) : قيل : نسختها آية السيف ، وهذا ليس صحيحا ، لأن المعنى : لا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا ، ولا تحسدهم بما أنعم عليهم وحرمت منه ، بينما آية السيف خاصة بالقتال ، فلا وجه للنسخ ، وسياق الآية لا يسمح بأن تكون الآية منسوخة.

والآية : (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (٩٤) : قيل : نسختها آية القتال ، وموضوع الآية لا يتصل بسبب بالقتال ، وفيها الأمر للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالإعراض عنهم وعن استهزائهم ، وتتوعدهم الآية بالسؤال والحساب ، ولا يعقل أن ينسخ هذا السؤال والحساب المنتظر أمر بالقتال ، ومن ثم فلا نسخ هناك.

* * *

١١٤١ ـ سورة النحل

الآية : (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) (النحل ٦٧) : قيل : السّكر هو الخمر ، وعلى ذلك فالآية منسوخة بآيات تحريم الخمر ، والصحيح أن الآية محكمة ، لأن السّكر هو العصير الحلو الحلال ، سمى سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا بقى ، فإذا بلغ الإسكار حرّم ، غير أنه فى حالته العادية كما فى الآية : (سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) يعنى العصير ولا يعنى الخمر.

والآية : (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ) (النحل ١٠٦) : قيل : إنها منسوخة ببقيتها : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) ، وهى استثناء ولا تعتبر نسخا.

والآية : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل ١٢٥) : قيل : نسختها آية القتال التى تقول : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) (البقرة ١٩٠) ، والصحيح أن الآية محكمة ، ولكل من الآيتين مجاله ، والمسلمون يوعظون بالحكمة والتى هى أحسن إلى يوم القيامة ، ومجال الآية العصاة من الموحدين ، وآية القتال مجالها المعتدون من المشركين. والمجادلة لا تنافى القتال ، ولا أثر يقرر أن الآية منسوخة.

والآية : (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (١٢٦) : قيل : نسختها آية السيف ، والصحيح أن الآية محكمة ، وتعنى ألا يتجاوز عباد الله فيما وجب لهم قبل غيرهم فى حقّ من مال أو نفس ، فمن ظلم ظلامة فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظالم منه ، وعلى هذا يكون المعنى : ولئن صبرتم عن المثلة ـ لا عن القتال ـ وعلى ذلك فالآية غير منسوخة ، كقوله تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) (البقرة ١٩٠).

٢٧٠

والآية : (وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (١٢٧) (النحل) : قيل : نسختها آية القتال ، والصحيح أنها محكمة وتنهى عن المثلة وتأمر بالصبر على قتلى أحد أو القتلى عموما فى أية حرب مشروعة ، وأن يتحمل المسلم مكر أعدائه ، وكل ذلك من محامد الأخلاق ، فلا تعارض ولا نسخ ، والآية محكمة.

* * *

١١٤٢ ـ سورة الإسراء

الآية : (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) (٢٤) : قيل : الآية فى الشفقة بالوالدين والحنان عليهما ، وهما الوالدان المؤمنان ، وأما المشركان فقد نهى القرآن عن الاستغفار لمن مات من أولى القربى ، كقوله : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) (التوبة). والصحيح أن الآية محكمة ، لأنها دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين. ومن البديهى أنه ليس كل الآباء مشركين ، بينما الآية الثانية تحظر الاستغفار للآباء المشركين فحسب ، ولذلك تعتبر الآية الثانية مخصّصة للآية الأولى لا ناسخة لها.

والآية : (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الإسراء ٣٤) : قيل : إنها منسوخة بقوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) (البقرة ٢٢٠) ، ولا نسخ هناك ، لأن الآيتين لا تتعارضان ، ولكنهما تلتقيان عند الحرص على حفظ مال اليتيم وحمايته أن يؤكل ظلما.

والآية : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً) (١١٠) : قيل : إنها منسوخة بقوله تعالى : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) (٢٠٥) (الأعراف) ، ولا تعارض بينهما ، فالآية الأولى تنهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين عن الجهر وعن المخافتة بالقراءة والتشهد والدعاء فى الصلاة ، وتأمر بالتوسط بينهما حتى يسمعه آخرون فيتعلموا منه ، ولا يسمعه المشركون فيؤذوه وأصحابه ؛ والآية الثانية تأمر بأن يذكر الله فى نفسه عند الاستماع إلى القرآن وهو يتلى ، ذكرا فيه خشوع لله وتواضع ، وفيه خوف من عقابه ، ودعاء لا جهر به ولا إعلان ، وفى الآيتين يلاحظ عدم الجهر ، وفى الأولى عدم المخافتة ، فأى تعارض بين الآيتين يسوّغ النسخ؟!

* * *

١١٤٣ ـ سورة مريم

والآية : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٣٩) (مريم) : قيل : الآية إنذار للمشركين بعذاب الآخرة وقد فرغ من الحساب ، ولذا قال ابن

٢٧١

الجوزى : زعم بعض المغفلين من ناقلى التفسير أن الإنذار منسوخ بآية السيف ، وهذا تلاعب من هؤلاء بالقرآن. وقال : ومن أين يقع التنافى بين إنذارهم بالقيامة وقتالهم فى الدنيا؟ ووعيد الله ـ كخبره ـ لا يتخلّف ، فلا يقبل النسخ.

والآية : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (٥٩) : قيل : نسختها الآية بعدها : (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً) (مريم ٦٠) وهذا استثناء ولا يعتبر نسخا.

والآية : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا) (٧١) : قيل : نسختها الآية بعدها : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا؟؟ وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) (٧٢) ، قيل هى استثناء ولا تعتبر نسخا ، وقال ابن الجوزى : هذا من أفحش الإقدام على الكلام فى كتاب الله بالجهل ، وهل بين الآيتين تناف؟ فالأولى تثبت أن الكل يردونها ، والثانية تثبت أنه ينجو منهم من اتقى. ثم هما خبران ، والأخبار لا تنسخ. وقيل : نسختها الآية : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) (١٠١) (الأنبياء) ، وهذا ضعيف وليس موضع نسخ ، لأنه من يبعد عنها فلن تمسّه النار. وفى الخبر : «تقول النار للمؤمن يوم القيامة : جز يا مؤمن فقد تورك لهبى».

* * *

١١٤٤ ـ سورة طه

الآية : (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (٢) : قيل : إنها قيام الليل ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وطائفة من المؤمنين يأتونه ، كقوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) (المزمل ٢٠) ، فلما نزلت الآية : (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (٢) قيل : إنها نسخت قيام الليل ، والصحيح أنها لم تنسخه ، وإنما خفّفته لكى لا يشتطّوا فى العبادة ، ولا ينهكوا أنفسهم فيها ، فالإسلام دين الوسطية والحنيفية.

والآية : (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) (طه ١٣٠) : قيل : نسختها آية القتال ؛ وقيل : ليست منسوخة ، لأن الكفار لم تستأصلهم آية القتال ، فلا يجدى معهم إلا الصبر.

* * *

١١٤٥ ـ سورة الأنبياء

الآية : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) (٩٨) : قيل : إنها منسوخة بقوله بعدها : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) (١٠١) ، وقيل : هذا استثناء وهو لا يصلح نسخا ، والآية محكمة.

* * *

٢٧٢

١١٤٦ ـ سورة الحج

الآية : (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ) (٢٨) : قيل : إنها منسوخة بالآية : (وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) (الحج ٣٦) ، وأن ذبح الضحية نسخ كل ذبح قبل الإسلام ، ومن ذلك العقيقة ، ولا دليل على ذلك ، والآيتان تتحدثان عن الأكل والإطعام من الهدى ، والضحية لم تنسخ الهدى كزعمهم أنها قد نسخت العقيقة. والهدى شرع بهاتين الآيتين ، وكنّى فيهما عن الذبح والنحر بذكر اسم الله وقوله «وجبت جنوبها» ، ولا تعارض البتة بين ذبح الضحية وذبح الهدى ، ومن ثم لا نسخ هناك.

والآية : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) (الحج ٣٩) : قيل : إنها تنسخ كل ما فى القرآن من إعراض وترك وصفح عن المعتدين ، وهذا غير صحيح لأن كل آية لها مجالها ومعناها ضمن النسق الواردة فيه.

والآية : (وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (٦٩) : قيل : تنسخها آية السيف التى تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، والصحيح أن لكل آية نسقها ومعناها ولا تتعارضان البتة.

والآية : (وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ) (الحج ٧٨) : قيل : إن الآية : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن ١٦) نسختها بجعل الجهاد بحسب الاستطاعة ، ولا حاجة لتقدير النسخ لأن المراد بالآيتين واحد وهو بذل الوسع فى الجهاد أو فى التقوى.

* * *

١١٤٧ ـ سورة المؤمنون

الآية : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) (المؤمنون ٩٦) : قيل : نسختها آية القتال ، والصحيح أن الآية محكمة ولا تعارض بينها وبين آية القتال ، فالقتال له أسبابه ، وهذه الآية فى غير أسباب القتال ، وتأمر بموادعة المشركين والمكذّبين ، وإلا فالقتال إذا كانوا البادئين وأصرّوا عليه وظلموا المسلمين ، كما تأمر بدفعهم بالتى هى أحسن بمداراتهم ، والمداراة محمودة ما لم تضر بالدين وتؤد إلى إبطال حق وإثبات باطل. والإحسان إلى من يسيء إلينا ترياق نافع فى مخالطة الناس ، فيستجلب الخاطر ، ويعود بالعداوة صداقة ، والبغض محبة.

* * *

٢٧٣

١١٤٨ ـ سورة النور

الآية : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) (٣) : روى أنها منسوخة ، ونسختها الآية التى بعدها : (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) (النور ٣٢) ، فأدخلت الزانية فى أيامى المسلمين وهم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء. وأهل الفتيا على القول بأن من زنى بامرأة ، فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها ، والصحيح أن آية الزانى والزانية : النكاح فيها يعنى الوطء ، والمعنى هو أنه لا يكون زنى إلا بزانية ، ووطء الزانية لا يقع إلا من زان أو مشرك ، وليس المعنى أن الزانى لا ينكح قط إلا زانية ، وإنما المعنى أن الزانية لا ينكحها من ينكحها إلا وهو راض أنها زنت ، ولا يرضى بذلك إلا إذا كان هو أيضا يزنى. فالآية محكمة ، وآية الأيامى تعنى أن من الممكن أن يتزوج الزانى من غير زانية ، وكذلك الزانية قد تتزوج من غير زان إذا رأى كل منهما ذلك ، فهذا متصوّر. وغير صحيح أن من يتزوج بزانية ، أو من تتزوج بزان وهى غير زانية ، أو وهو غير زان ، يفرّق بينهما ، فلا يصحّ أن يوقف نكاح من يحدّ من الرجال على نكاح من يحدّ من النساء! فبأى أثر يكون ذلك على المجتمع الإسلامى ، وعلى أى أصل من الشريعة؟! والزنا أصلا لا يفسخ النكاح ، فإذا زنت المرأة فلزوجها أن يطلقها ، ولو أمسكها أثم ، ولا يجوز النكاح من زان أو زانية إلا لو أظهر التوبة فعلا.

وقيل إن آية : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (٣) نسختها الآية : (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) (٣٢) ، لأنها جعلت الزانية من أيامى المسلمين ويحل نكاحها ، والأيّم هى التى لا زوج لها ، وحال الزانية غير المتزوجة كحال هذه المرأة ـ هكذا قالوا ـ والصحيح أن الآية لم تنسخ ، وأن المراد بالنكاح فيها هو الزواج ، ولا معنى للآية بأى تأويل إلا هذا التأويل الصحيح : أن زواج الأعفّاء من المسلمين بالزوانى ، والزناة بالعفيفات ، محرّم فى الإسلام ، والآية محكمة لم تنسخ ، والتحريم ما زال باقيا. ولا يمكن أن يرغب الفاسق الخبيث الذى من شأنه الزنا والتقحّب ، فى نكاح الصوالح من النساء اللاتى على خلاف صفته ، وإنما يرغب فى فاسقة خبيثة من شكله ، أو فى مشركة لا قيم عندها ، لأن من لا تؤمن بالله أو تشرك به ، ترى بالضرورة أنها فى حلّ أن تفعل ما تشاء ومن ذلك الزنا. والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك ، لا يرغب فى نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها ، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين. وأما أن ينكح مؤمن زانية ويرغب فيها

٢٧٤

وينخرط بذلك فى سلك الفسقة المتسمين بالزناة ، فهذا محرم عليه محظور ، لما فيه من التشبّه بالفسّاق ، وأن يكون موضع اتهام ، وأن يقال فيه السوء ، وأن يجيء جلوسه مع الخطّائين. والزانية لا يمكن أن تكون من الأيامى ، لأن معنى الأيّم أنها امرأة لم يقدّر لها الزواج لسبب ، ومن ذلك أنها جادة فى حياتها وعفيفة ، وحضّت الآية على الزواج من الأيامى بسبب هذه العفة ، ونبّهت إلى أنهن أصون للمؤمن على شرفه وبيته وأولاده.

والآية : (قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ) (٣١) : قيل : نسختها بقية الآية : (إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها) ، غير أنه استثناء ، والاستثناء لا يعتبر نسخا.

والآية : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً ...) (٤) : قيل : نسختها الآية بعدها : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) ، وهذه الآية الأخيرة استثناء ولا تعتبر نسخا. وقيل : نسختها الآية : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) (٦) (النور) إلى آخر آيات اللعان. والآية (٤) تبين حكم كل قاذف لمحصنة من غير الأزواج ، بينما آيات اللعان تبين حكم الأزواج حين يقذفون أزواجهم ، وبرغم أن هذه الآيات عامة ، إلا أن العموم فى الآية (٦) نسبى ، فبالرغم من شمولها لكل زوج يقذف زوجته ، خاصة إذا قورنت بالآية الأولى ، فإنها مخصّصة للأزواج ، وتخصيصها عام ولا يعتبر نسخا.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها) (٢٧) : قيل : نسختها الآية : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ ...) (٢٩) ، وليس هذا بنسخ ، لأن الآية الثانية مخصّصة للآية الأولى. والاستئذان شرط فى الأولى لأن فى الدار أهلا ، وأما الثانية فليس فيها أحد وهى غير مسكونة ، فمن يستأذن؟

والآية : (قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (٥٤) : قيل : النسخ وقع على قوله تعالى : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ) ، فقال ابن الجوزى : زعم بعضهم أنها منسوخة بآية السيف ، وليس هذا صحيحا ، فالأمر بقتالهم لا ينافى أن يكون عليه ما حمّل ، وعليهم ما حمّلوا. ومتى لم يقع التنافى بين الناسخ والمنسوخ لم يكن نسخ.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ

٢٧٥

عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ ...) (٥٨) قيل : إنها منسوخة ، فقد كان نزولها والبيوت على حال ثم زالت هذه الحال ، فصارت للبيوت أبواب ونوافذ وأستار ، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان ، والآية لذلك ليست بمنسوخة وإن كان الناس لا يعملون بها. وكان الناس من بعد يقولون عن هذه الآية : إننا أمرنا فيها بما أمرنا ، ولا يعمل الآن بها أحد. والحق أن الآية أدب عظيم يلزم الخدم والصغار ، بالبعد عن مواطن كشف العورات حماية للأعراض. وقيل : إن الآية نسخها قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ ...) (٦١) ، والصواب أنه لا وجه لادعاء النسخ بأى من الآيتين على هذه الآية ، لأنه لا تعارض بينها وبين أى منهما.

والآية : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ) (٦١) : قيل : هى منسوخة بما بعدها : (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ) (٦١) فلم يعد الأعمى ولا الأعرج مخصوصا بالآية ، بل هى عامة بقوله : (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ) ، وذلك أن العرب كانوا فى القديم ليس على أبوابهم أغلاق وإنما ستور مرخاة ، فكان من يشاء يدخل البيت ليس فيه أحد ، ليأكل لأنه جائع ، ثم صارت الأغلاق على البيوت ، فلم يعد يحلّ لأحد أن يفتحها ، ومن ثم فالقول : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ) أصبح بلا معنى ، والصحيح أن له معنى ، فالأعمى والأعرج لا حرج عليهما فى أى أمر يتعلق بالرؤية أو الطريق وهو مقصود الآية عموما. وقيل : الآية ناسخة لآية أخرى هى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) (النساء ٢٩) ، وفيها نهى الله الناس أن تأكل أموال الناس ، والطعام أفضل الأموال ، فيكون أنه لا يحل لأحد أن يأكل عند أحد ، وآية رفع الحرج نسخت هذا النهى ، ومن ثم كفّ الناس عن أن يأكلوا عند أحد ، فأنزل الله «آية الحرج» لرفع الحرج عن الناس ، وهذا غير صحيح ، لأن آية أكل الأموال خاصة بالمديونيات ، و «آية رفع الحرج» عن الأعمى والأعرج خاصة ، بأى خطأ يمكن أن يأتيه الأعمى أو الأعرج نتيجة عجزه. والآية إذن محكمة لا ناسخة ولا منسوخة ، فالطعام أحلّه الناس من بيوتهم لمن يعهدون لهم بحراستها وهم فى تجارة بالخارج أو فى غزو. وأما الأعمى والأعرج فقد أحلّهما الله من التكليف المشترط فيه البصر للأعمى ، والمشترط فيه المشى للأعرج ، فيما يتعذر من الأفعال التى تستلزم البصر أو صحة الأقدام ، وعن المريض فيما يؤثر المرض فى إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة وأركانها ، والجهاد ، ونحو ذلك.

والآية : (أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ

٢٧٦

بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ) (٦١) : قيل : إنها منسوخة بقوله تعالى : (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) (الأحزاب ٥٣) ، وقوله : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها) (النور ٢٨) ، والصحيح أنها محكمة لأن هذه الآية خاصة بالأكل عند هؤلاء ، بينما الآية الأخرى من سورة الأحزاب خاصة بالاستئذان عند الدخول إلى بيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى لو كنت مدعوا ، والآية : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً) خاصة بالنهى عن دخول البيوت التى ليس فيها أحد طالما لم يؤذن بذلك. وقيل إن الحديث : «لا يحتلبن أحدكم ماشية أخيه إلا بإذنه ، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته ، فتكسر خزانته ، فينقل طعامه»؟ ينسخ الآية ، ففضلا عن أن الحديث ضعيف ، والقرآن لا ينسخ بالسنّة ، فإن الحديث ينهى عن شىء غير ما تأذن به الآية ، لأنه ينهى عن أخذ مال الغير بدون إذنه ، والآية تبيح الأكل من بيوت الآباء ومن ذكر معهم ، ولا مجال للتعارض من حيث اختلف الموضوع ، ويبطل النسخ. وقيل : الآية ينسخها قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) (النساء ٢٩) ، وسورة النساء فى ترتيب النزول السادسة بينما سورة النور السادسة عشرة ، ولا يصح أن تنسخ آية سابقة آية لاحقة. وهل يعتبر الأكل من بيوت أنفسهم أو آبائهم وأمهاتهم إلى آخر المذكورين ـ أكلا لأموال غيرهم بالباطل؟.

* * *

١١٤٩ ـ سورة الفرقان

الآية : (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) (٦٣) : قيل : نسختها آية السيف ، والصحيح أن الآية محكمة ، وفيها أدب المسلمين إلى يوم القيامة ، فالمسلمون مأمورون بالصفح والهجر الجميل ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقف على أندية الكفّار ويحييهم ويدانيهم ولا يداهنهم. وفى مثل ذلك قال إبراهيم لأبيه آزر ، لما أصرّ على الكفر وأعلن خصامه لابنه أبد الدهر إن استمر على الدعوة لربّ العالمين : (قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) (مريم ٤٧) ، فلم يعارضه إبراهيم بسوء الردّ. والسلام هنا ليس دعوة للكافر بأن يرزقه الله السلام النفسى والسلامة البدنية ، وإنما هو المسالمة ـ أى لا شىء بيننا إذن إلا الخير ، وكلّ منا فى طريقه ، فالسلام هو المتاركة لا التحية ، وضمان الأمان له من ناحيته رغم كل شىء ، وإذن يجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها المسلم ، كقوله تعالى : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٨) (الممتحنة) ، وفى آية السيف غير ذلك ، وتحضّ على قتال من يبدأ المسلمين بالقتال ، والذين يحاربونهم فى دينهم ، ويخرجونهم من ديارهم ، وأما فى غير ذلك فالبرّ والقسط ، والله تعالى يقول : (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ) (الممتحنة) ، ثم إن حسن المحاورة فى الخطاب لا ينافى القتال ، فلا وجه للنسخ.

٢٧٧

والآية : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ...) (٦٨) : قيل : هى منسوخة بقوله تعالى بعدها : (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ...) (٧٠) ، وهى استثناء ولا تعتبر نسخا. وقيل : قوله تعالى : (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ) نسخها قوله : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً) (النساء ٩٣) ، والآيتان خبر ، والخبر لا ناسخ فيه ولا منسوخ.

والآية : (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ...) (٧٠) : قيل : إن الآية : (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) (النساء ٣١) نسخت قوله تعالى : (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) ، حيث أن سورة النساء نزلت بعد سورة الفرقان بستة أشهر. والصحيح أنه لا نسخ ، لأن آية سورة الفرقان تتحدث عن التوبة والعمل الصالح وجزائهما ، وآية سورة النساء تتحدث عن اجتناب الكبائر وجزائه.

* * *

١١٥٠ ـ سورة الشعراء

الآية : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) (٢٢٤) : قيل : نسختها الآية بعدها : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) (٢٢٧) ، والصحيح أن الآية الأولى محكمة ، وأن الآية الثانية استثناء وهو لا يعتبر نسخا.

* * *

١١٥١ ـ سورة القصص

الآية : (وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) (٥٤) : قيل : هى آية مهادنة ، وهى من صدر الإسلام ، ونسختها آية السيف وإن بقى حكمها فيما دون الكفر. والصحيح أنها لم تنسخ ، وأنها قاعدة سلوك عامة ، مع المسلمين ومع أهل الكفر على السواء ، وآية السيف تكون فى حالة القتال الدفاعى عن النفس ، وفيما دون ذلك فالطيب أفضل ، ومثلها قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمعاذ : «واتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن» أخرجه الترمذى ، ومن الخلق الحسن دفع المكروه والأذى ، والصبر على الجفا بالإعراض عنه ، ولين الحديث.

والآية : (وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) (٥٥) : قيل نسختها آية الأمر بالقتال ، والصحيح أن آية القتال لها مجالها وهذه الآية خبرية لها مجال آخر تماما ، وهى خاصة باللغو ، كقوله تعالى : (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) (٦٣) (الفرقان ٦٣) ، وكقوله تعالى : (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (٦) (الكافرون).

* * *

٢٧٨

١١٥٢ ـ سورة العنكبوت

الآية : (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (٤٦) : قيل : هذه إنها منسوخة بآية القتال التى تقول : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ) (التوبة ٢٩) ، والصحيح أنها محكمة ، وموضوعها مجادلة أهل الكتاب ولا تكون إلا بالتى هى أحسن ؛ وقيل : «التى هى أحسن» المقصود به المنطق ، وآية القتال فى مقاتلة غير المؤمنين والذين لا يدينون دين الحق من أهل الكتاب ، والموضوعان مختلفان وكلاهما قتال ، إلا أن أحدهما بالمنطق ، والثانى بالسلاح ، واللجوء إلى السلاح لا يجوز إلا فى العدوان.

* * *

١١٥٣ ـ سورة الروم

الآية : (فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) (٣٨) : قيل : نسختها آية المواريث. والصحيح أنه لا نسخ ، بل للقريب حقّ لازم فى البرّ فى جميع الأحوال ، وصلة الرحم فرض من الله ، ولا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة.

والآية : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) (٦٠) : قيل : نسختها آية السيف ، ولا نسخ ولا تعارض بين الآيتين ، حيث أن هذه الآية يسأله فيها الصبر على مزاعمهم ببطلان القرآن من أمثال النضر بن الحارث ، والقتال شىء والصبر على افتراءاتهم شىء آخر.

* * *

١١٥٤ ـ سورة السجدة

الآية : (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) (٣٠) : قيل : أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعرض عن مشركى قريش بمكة ، وهذا منسوخ بآية السيف : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥). والصحيح أن الآية غير منسوخة ، فقد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال ، فى الهدنة وفى غيرها ، يعنى أن الإعراض جائز بلا قتال.

* * *

١١٥٥ ـ سورة الأحزاب

الآيتان : (ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٥) : قيل :

٢٧٩

الآيتان نسخ لما كان فى ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب ـ وهم الأدعياء ، يعنى أنهما ناسختان للتبنّى ، والصحيح أن هذا ليس نسخا لعدم شروط النسخ فيه ، ولأن ما جاء من الشريعة لا يقال إنه نسخ لباطل الخلق ، وما كانوا عليه من المحال والضلال ، وقبيح الأفعال ، ومسترسل الأعمال.

والآية : (وَدَعْ أَذاهُمْ) (٤٨) : قيل : نسختها آية السيف ، ولا تعارض بين هذه الآية وآية السيف ، وليس هناك نسخ ، ومعنى الآية : أعرض عن أذى الكافرين والمنافقين واصبر عليه ، واعرض عن أقوالهم ولا تشتغل بها. فأى تعارض بين هذا المعنى وآية السيف؟.

والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً) (٤٩) (الأحزاب) : قيل نسختها الآية : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٢٣٧) (البقرة) ، والصحيح أنها لم تنسخها لأن الآية الأولى تتحدث عن متعة المطلقة غير المدخول بها ولم تمس ، ولم تفرض لها فريضة ، والثانية عن المطلقة غير المدخول بها ولم تمس وفرضت لها فريضة ، فلا تعارض ولا نسخ هناك.

والآية : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ) (الأحزاب ٥٢) : قيل : نسختها السنّة ، والناسخ حديث عائشة : «ما مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى أحلّ له النساء». والحديث من الأراجيف ، والسنّة لا تنسخ القرآن. وقيل : إن الآية : (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ) (الأحزاب ٥١) هى التى نسختها ، وهذه الآية كما ترى رقمها ٥١ ، وآية : (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ) رقمها ٥٢ ، ومحال أن تنسخ آية سابقة آية أخرى لاحقة عليها. ومن ذلك الآية : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ) (البقرة ٢٤٠) ، قيل : نسختها الآية قبلها : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (البقرة ٢٣٤) ، ونسخ السابق إذن للاحق جائز ، وهذا غير صحيح ، لأن الآية ٢٣٤ تجعل أقل مدة للتربص أربعة أشهر وعشرا ، والآية ٢٤٠ تتحدث عن المتاع إلى الحول بدون إخراج ، يعنى أكثر شىء لا تخرج به المرأة هو الحول ، وهذا شىء وذاك شىء مختلف.

* * *

١١٥٦ ـ سورة يس

الآية : (فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) (٧٦) : قيل : نسختها آية

٢٨٠

السيف ، فهل قتل المشركين يعنى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد سمح له بأن يحزنه ما كانوا يقولونه بعد ما كان منهيا عن أن يحزنه هذا القول؟ وكما ترى فلا نسخ هناك.

* * *

١١٥٧ ـ سورة الصافات

الآيتان : (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) (١٧٥) : قيل : نسختهما آية القتال ، والآيتان تعنيان أنهم وقد استعجلوا العذاب استهزاء ، فعلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعرض عنهم ، ويرجئ أمرهم ، حتى يحين موعد عذابهم ، وذلك شىء لا دخل له بالقتال ، فالآيتان على ذلك محكمتان وليستا منسوختين. وكذلك الآيتان بعدهما : (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) (١٧٩) ، قيل : إن آية القتال تنسخهما ، ولا وجه للنسخ فيهما كسابقتيهما.

* * *

١١٥٨ ـ سورة ص

الآيتان : (وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (١٧) : قيل : الآية الثانية نسختها آية السيف ، والصحيح أنها غير منسوخة ، لأن الآية ردّ على قولهم عجّل لنا عذابنا فى الدنيا ، فسأله أن يصبر على ما يقولون.

والآية : (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) (ص ٤٤) : قيل هى خاصة بالنبىّ أيوب عليه‌السلام ، وكانت امرأته قد عرضت له بأمر فحلف عليها نبىّ الله : لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة. والضغث هو الحزمة من الشجر أو الشماريخ ، وأيوب أمر بغصن فيه تسعة وتسعون فرعا فتكتمل به المائة ، فضربها به ضربة واحدة ، فأبرّ قسمه ، وخفّف عن امرأته. وقيل إن هذا منسوخ فى الإسلام ، لأن الضرب يكون انفراديا حتى المائة وليس بمائة فرع مرة واحدة ، فهذا تحايل على القسم. والآية خبر عن أيوب ، وهو خبر يختص بأيوب ، ولم تشرّع الآية حكما نسخ بعد ذلك بآية تعارضها ، وإنما يقبل النسخ إذا وجد حكم يخالفه ويناقضه حكم جديد ، ومن ثم فلا نسخ.

* * *

١١٥٩ ـ سورة الزمر

الآية : (قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (٤٦) : قال فيها ابن الجوزى : زعم بعض ناقلى التفسير أن معنى الآية نسخ بآية السيف ، وليس هذا بصحيح ، لأن حكم الله بين عباده ـ فى الدنيا ـ : بإظهار حجج المؤمنين ، وإبطال شبه الملحدين ؛ وفى الآخرة : بإدخال هؤلاء الجنة ، وهؤلاء

٢٨١

النار ، وهذا لا ينافى قتالهم. ثم إن حكم الله بين عباده فيما اختلفوا فيه لا يقبل النسخ ، وإذن فادعاء النسخ على الآية لا وجه له.

* * *

١١٦٠ ـ سورة غافر

الآية : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) (٧٧) : قيل : نسختها آية السيف ، ولا مجال للنسخ هنا ، لأن الآية موضوعنا تتحدث عن الصبر على جدالهم وليس فى القتال ، ولا علاقة للآية بآية السيف.

* * *

١١٦١ ـ سورة فصلت

الآية : (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (٣٤) : قيل : نسختها آية السيف ، وهذا غير صحيح ، فالآية من مكارم الأخلاق ، ومكارم الأخلاق لا تنسخ ، تقول : ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك ، وبعفوك عمن أساء إليك ، وبصبرك عمّا تجد منهم من مكروه ، وورد ذلك فى سياق الكلام عن (الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا) (الأحقاف ١٣) ، فهى تقرر مبدأ خلقيا بين جماعة المسلمين.

* * *

١١٦٢ ـ سورة الشورى

الآية : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (٦) : قيل : نسختها آية السيف ، ولا تعارض بين الآيتين ولا نسخ هناك. ومعنى «حفيظ عليهم» يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها.

والآية : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (٢٣) : قيل : نسختها آية السيف ، والصحيح أنه لا نسخ هناك ، لأن الآية مكية ، وكان الناس فى مكة يؤذون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت تأمرهم بمودة نبيّه ، وليس من المعقول ولا المقبول القول بأن التقرّب إلى الله بطاعته ومودة نبيّه وأهل بيته منسوخ.

والآية : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (٤٠) : قيل : إنها منسوخة بالجهاد ، فباعتبار المعنى أن جزاء سيئة المشركين إليكم ، سيئة مثلها منكم إليهم ، كقوله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ) (البقرة ١٩٤). غير أنه لا مسوغ للنسخ ، لأنه لا دليل عليه من خبر أو نقل ، ولا تعارض بين المجازاة على السيئة بالسيئة والأمر بجهاد المشركين ، خاصة أن الآية

٢٨٢

تعمّ المسلمين والمشركين ، وأما القتال فهو للكافرين. وقال ابن الجوزى : إن بعضهم زعم أن آية : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ) منسوخة بقوله بعد ذلك : (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) ، وهذا الزعم لا يصدر إلا ممن لا يفهم الناسخ والمنسوخ ، لأن معنى الآية أن من جازى مسيئا فليجازه بمثل إساءته ، ومن عفا فهو أفضل ، فكيف تنسخ هذه الآية تلك؟

والآية : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) (٤١) : قيل : نسختها الآية بعدها : (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (٤٣) ، وهذا غير صحيح ، لأن الآية الأولى تثبت جواز الانتصار ، وهذه تثبت أن الصبر أفضل.

والآية : (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) (٤٨) : قيل : نسختها آية القتال ، ولا تعارض بين الآيتين ، ولا نسخ هناك.

* * *

١١٦٣ ـ من سورة الزخرف

الآية : (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) (٨٣) : قيل : إنها منسوخة بآية السيف التى تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، والصحيح أنها محكمة ، لأنها واردة للوعيد ولا تعارض بينها وبين آية السيف ، ولم يلتفت الذين قالوا بالنسخ إلى قوله تعالى : (يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) وهو يوم القيامة ، ومن غير المعقول أن تنسخ آية تتوعد الكفار بملاقاة هذا اليوم!

والآية : (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (٨٩) : قيل : نسختها آية السيف التى تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، والصحيح أن الآيتين محكمتان فلا ناسخ ولا منسوخ ، وكل آية لها سياقها ومستدعياتها ، والآيتان لا تتعارضان ، لأن القتال له مجاله ، والصفح أيضا له مجاله ، وكلاهما مختلفان. ولم يصحّ عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن الآية منسوخة ، ثم إنها تتوعد المشركين ، وتأمر الرسول بالإعراض عنهم ، لأنهم سيعذّبون فى الآخرة لإصرارهم على الشرك ، ولإيذائهم للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا تعارض بين الأمر بالصفح عنهم فى مكة ، والأمر بقتال أهل الكتاب والمشركين فى المدينة.

* * *

١١٦٤ ـ سورة الدخان

الآية : (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ) (٥٩) : قيل : نسختها آية السيف ، مع أنه لا تنافى بين الآيتين ، لأن ارتقاب عذاب المشركين إما أن يقع هذا العذاب عند القتل ، أو عند الموت ، أو فى الآخرة ، وليس فى هذا نسخ.

* * *

٢٨٣

١١٦٥ ـ سورة الجاثية

والآية : (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ) (١٤) : قيل : إن آية القتال : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) (البقرة ١٩٠) نسخت هذه الآية ، والصحيح أنها لم تنسخها ، لأن آية القتال تأمر بالقتال لأول مرة بعد الهجرة ، وتشترط لذلك أن لا يكون المسلمون بادئين بالقتال ، فقتالهم إذن للدفاع ، وليس فيه عدوان ، وأما الآية المسماة آية السيف ، والتى تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، فإنها خاصة بالقتال فى الحرم أو فى غيره ، وفى الأشهر الحرم أو فى غيرها ، فطالما كان أعداء الإسلام هم المعتدون فليقاتلهم المسلمون ، وقد يستغل أعداء الإسلام حظر القتال عند المسلمين فى الحرم وفى الأشهر الحرام ، والآية تحلل للمسلمين القتال فيهما طالما اعتدى عليهم. وهذه الآية : (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ) نزلت فيمن يكفر بالبعث ولا يؤمن بيوم القيامة ولا يوم الحساب ، وهذه هى أيام الله ، وليس بعد الكفر إثم ، فمهما فعلوا دون ذلك فمغفور لهم ـ أى لن يعاقبوا عليه ، لأنه يكفيهم العقاب الأبدى على الكفر. ومن ثم فلا تعارض بين هذه الآيات جميعها ولا نسخ.

* * *

١١٦٦ ـ سورة الأحقاف

الآية : (قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (٩) : قيل : لمّا نزلت شمت اليهود والمنافقون والكفّار فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفى المسلمين ، وقالوا : كيف نتبع رجلا لا يدرى ما يفعل به ولا بأصحابه؟ وإذن فهو ليس أفضل منا؟ واشتد الأمر على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأنزل الله تعالى : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (الفتح ٢) ، فقيل : هذه الآية الأخيرة عوّضت الآية السابقة ونسختها ، والصحيح أنها لم تنسخها ، لأن معنى الآية يحدده سياقها ، واليهود نزعوا الآية من السياق ، فبدا أن معناها هو المعنى الذى أوّلوه بها ، والمعنى كما هو فى السياق : أنه لا يدرى ما ينسبونه إليه من أنه يفترى القرآن ، فهو لا يتبع سوى ما يوحى إليه ، وهو ليس بدعا من الرسل لأنهم جميعا كان يوحى إليهم. ومن قال : أن الآية منسوخة فيما يخصّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ونسختها الآية : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) ، وفيما يخصّ المؤمنين نسختها الآية : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) (الفتح ٥) ، فعرف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قد غفر له ، وعرف المؤمنون ذلك أيضا ، إنما كان يردّ على أوهام مما يعرف بالإسرائيليات ، والصحيح أنه لا نسخ ولا تعارض ، وكل آية لها معناها داخل سياقها العام. ومن المرويات ضمن الإسرائيليات هذه الحكاية عن امرأة

٢٨٤

أنصارية يقال لها «أم العلاء الأنصارية» ، قالت لمّا مات عثمان بن مظعون : إن عثمان وقد توفى أكرمه الله ، فادّعوا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لها : «ما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين ، وما رأينا منه إلا خيرا ، فو الله إنى لأرجو له الجنة ، وو الله إنى لرسول الله وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم». وهذه العبارة الأخيرة هى التى وردت ضمن الآية ، فانتزعوها من سياقها وحشروها ضمن سياق جديد يثبت وجهة نظرهم ، ويثبت تهافت دعوة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه مبعوث من الله تعالى. وقالوا : إن أم العلاء لما سمعته ينفى عن نفسه أنه لا يدرى ، قالت : بأبى وأمى يا رسول الله؟! فمن يدرى؟! ـ فهذا هو ما روّجوه ، فلما نزلت الآية : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (الفتح ٢) فرح بها من صدّقوا فرية اليهود ، لضعف إيمانهم ، حتى أنهم صاروا يهنئون رسول الله وقالوا : هنيئا لك يا رسول الله ، لقد بيّن الله لك ما يفعل بك ، فليت شعرنا ما هو فاعل بنا؟! فنزلت الآية : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) (الفتح ٥) لتطمئنهم ، فهذا ما زعمته هذه الروايات ، وكلها إسرائيليات من نسج اليهود وتلاميذهم قاتلهم الله!.

والآية : (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ) (الأحقاف ٣٥) : قيل : نسختها آية السيف ، وهذا غير صحيح ، فالآية محكمة ولا علاقة لها بالقتال ، ويسبقها ويلحقها وعيد من الله للكفار ، وكأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد ضجر من قومه ، فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم ، فأمر بالصبر. وقيل : الآية نزلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم أحد ، فأمره الله عزوجل أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل ، تسهيلا عليه وتثبيتا له ، فكيف إذن يقال إن الآية نسخت؟!

* * *

١١٦٧ ـ سورة محمد

الآية : (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) (٤) : قيل : نسختها الآية : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، والآية : (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) (الأنفال ٥٧) ، وقوله : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) (التوبة ٣٦) ، والصحيح أن الآية لم تنسخها هذه الآيات ، ولا تعارض بينها ، ومعناها جميعا أن الإثخان هو الأصل والقتال محتدم ، ليبث فى العدو الرعب فيولون الأدبار ، أو يهابون الدخول فى معارك لاحقة ، ومن يقع من العدو أسيرا ، فالحال معه إمّا المنّ أو الفداء ، والخيار لأصحاب القرار السياسى ، وقد فعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذه الأمور الثلاثة ، فأثخن فى بدر ، وفادى سائر الأسرى ، ومن على سبى هوازن ، والآيات إذن جميعها محكمة ولا شىء منها بناسخ أو

٢٨٥

منسوخ ، لأن النسخ إنما يكون لشىء قاطع ، فإذا أمكن العمل بالآيات كلها بما فيه الصلاح للمسلمين ، فلا معنى للقول بالنسخ.

والآية : (وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ) (٣٦) : قيل : نسختها آية الزكاة ، وقيل نسختها آية : (إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) (محمد ٣٧) ، وهذا باطل ، لأن المراد بالآية إن يسألكم جميع ما فى أيديكم من المال ، تبخلوا بها وتمنعوها ، وتخرج أضغانكم ، فلذلك لم يسألكموها.

* * *

١١٦٨ ـ سورة ق

الآية : (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) (٣٩) : قيل : نسختها آية السيف : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، ولا تعارض بين هذه الآية وآية السيف ، ولا نسخ هناك ، والصبر على ما يقولون مطلوب دائما للمسلم فى كل الأحيان والأحوال.

والآية : (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) (٤٥) : قيل : نسختها آية الأمر بالقتال : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) (البقرة ١٩٠) ، أو آية السيف : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، وواضح أن هاتين الآيتين شىء ، وآية سورة (ق) شىء ثان ، والصحيح أنها آية محكمة ولا تتعارض مع هاتين الآيتين. وقوله فى آية سورة ق مثل قوله : (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (٢٢) (الغاشية) ، وقوله : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) (البقرة ٢٥٦) ، وفى ذلك نفى أن الرسول كان يكره أحدا على الإسلام ، أو أن الإسلام انتشر بالسيف. وأيضا فإن الآية خبر ، والآيات الخبرية لا تنسخ.

* * *

١١٦٩ ـ سورة الذاريات

الآية : (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ) (٥٤) : قيل : نسختها آية السيف (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (٥) (التوبة ٥) ، أو الآية : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) (النساء ٩١) ، والصحيح أنه لا تعارض بين الآيتين ، فهذه الآية تأمره صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمين أن يعرضوا عن مجادلة الكفّار ، فقد أوضح لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الحجج كلها ، وبيّنها القرآن ؛ وأما آية السيف فهى خاصة بالقتال. وقيل : نسختها الآية بعدها : (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (٥٥) ، ويبطل هذا القول أن تذكير المؤمنين لا يعارض التولى عن المشركين بعد أن أصرّوا على كفرهم ولم يستمعوا إلى دعوته. وقيل : نسختها الآية : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) (المائدة ٦٧) ، ويبطل هذا القول أنه لم

٢٨٦

يؤمر بالإعراض عنهم إلا بعد أن بلّغهم ما أنزل إليه من ربّه ، فرموه بأنه ساحر ومجنون.

* * *

١١٧٠ ـ سورة الطور

الآية : (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا) (الطور ٤٨) : قيل : نسختها آية السيف التى تقول : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) (التوبة) ، وليس ذلك صحيحا ، فهذه الآية المسماة افتئاتا آية السيف ـ تحضّ على قتال من قاتل المسلمين وأخرجهم من ديارهم ومنعهم من البيت الحرام ، ونقض العهد معهم ، وأما الآية فى سورة الطور فهى تحضّ على الصبر لقضاء الله فيما حمّل رسوله من الرسالة ، ولبلائه فيما ابتلاه من قومه ، وتؤنسه بأحلى كلام : (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا) ، أى فى حفظ الله وحراسته ورعايته ، ومن ذلك قوله تعالى لموسى : (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) (٣٩) (طه) ، أى بحفظه تعالى وعنايته. فكيف تكون آية التوبة ناسخة لهذه الآية؟!

* * *

١١٧١ ـ سورة النجم

الآية : (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا) (٢٩) : قيل : نسختها آية السيف ، ولا وجه لدعوى النسخ ، لأن الآية تأمره صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعرض عمّن تولى عن القرآن ـ وهو النضر بن الحارث ، وقيل هو الوليد بن المغيرة ، فمبلغ هؤلاء من العلم أن يريدوا الحياة الدنيا ويسعوا لها فلا خير فيهم.

والآية : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) (٣٩) : قال ابن عباس إنها آية منسوخة بقوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (الطور) ، وهو قول ضعيف حيث لا يوجد تعارض بين الآيتين ، والآية الأولى على ذلك محكمة ، ومعناها أن أحدا لن ينفعه عمل أحد ، فإذا تصدّق عنه غيره فلا يجب له شىء منه ، إلا إذا تفضّل الله عليه به كما يتفضّل على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل ، ومع ذلك فآية إلحاق الأطفال بذويهم شرطها أن يكون أهلوهم مؤمنين ، وأن يكون أطفالهم عند الموت على الإيمان ، فإذا كانت منازل آبائهم أرفع من منازل أطفالهم ألحقوا بآبائهم ، والآيتان على ذلك لا

٢٨٧

تتعارضان ، وفى الآيتين أن العبد ليس له إلا سعيه ، كقوله تعالى : (كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ) (٢١) (الطور) ، وقوله : (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الأنعام ١٦٤).

* * *

١١٧٢ ـ سورة القمر

الآية : (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ) (٦) : قيل : نسختها آية السيف ، ولا وجه للنسخ ، لأن الآية تتحدث عن يوم القيامة ، وعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد أقام الحجّة على المشركين ، فاستحقوا أن يعرض عنهم ، لما هم فيه من سوء الحال والمآل ، ومن ثم لا علاقة لآية السيف بالآية وما فيها.

* * *

١١٧٣ ـ سورة الواقعة

الآية : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (١٤) : قيل : لمّا نزلت : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (٤٠) (الواقعة) ظنوا أنهما نسختا الآيتين : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (١٤) (الواقعة) يعنى أنهم ـ وهم الآخرون ـ تساووا والأمم السابقة ـ أى الأولون ـ فى الدخول إلى الجنة ، والصحيح أن الآيتين محكمتان ، لأنهما خبر ، وعن جماعتين مختلفتين : الأولون وهم السابقون ، والآخرون وهم أصحاب اليمين.

* * *

١١٧٤ ـ سورة المجادلة

الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٢) : قيل : نسختها الآية : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) (المجادلة ١٣) ، والصحيح أنها لم تنسخها ، لأن الأمر بتقديم الصدقة عند المناجاة كان للندب والاستحباب وليس للوجوب ، فقال تعالى : (خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) فبيّن أن صدقة النجوى تطوّع وليست فرضا ، وقال : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ) وهو استفهام معناه التقرير ، أى خفتم وبخلتم بالصدقة وشقّت عليكم. ثم إن الآية الثانية تفيد أنه لا يلزم أن تكون الصدقة مالية بل يكفى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله ، ولا يعتد بالقول بأن الصدقة المعروفة مالية ، فالصدقة أعمّ من ذلك ،

٢٨٨

وفى الحديث : «الكلمة الطيبة صدقة ، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة ، وتميط الأذى عن الطريق صدقة» ، فلا تعارض إذن بين الآيتين ولا نسخ.

* * *

١١٧٥ ـ سورة الحشر

الآية : (وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ) (٣) : قيل : لا يجوز ترك العدو الذى احتل الأرض وغصبها من أصحابها ، أن يرحل عن تراض ويجلو عمّا احتل ، وإنما كان ذلك فى أول الإسلام ثم نسخ ، والآن فلا بد من قتالهم ، أو سبيهم ، أو ضرب الجزية عليهم ، وذلك غير صحيح ، فقد يترك العدو ليرحل كما حدث فى لبنان ، وقد يتم التوافق معه على الجلاء كما حدث مع مصر ، وأما ضرب الجزية فذلك كان فى الماضى والآن يتم التعويض والاعتذار رسميا. والإجلاء هو ما كان ينبغى أن يفعل مع بنى النضير ، واختلف الأمر مع بنى قريظة.

والآية : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (٧) : قيل : نسختها الآية : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (الأنفال ٤١) ، وهذا غير صحيح ، لأن آية الحشر عن الفيء يكون بصلح من غير إيجاف خيل ولا ركاب ، بينما آية الأنفال عن الغنم يتقاسمه من قاتل عليه. ثم كيف تنسخ آية الأنفال آية الحشر ، مع أن الحشر نزلت بعد الأنفال بسنة؟ ومن المحال أن ينسخ المتقدم المتأخر.

* * *

١١٧٦ ـ سورة الممتحنة

الآية : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (٨) : قيل : كان ذلك فى أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ، ثم نسخ ، ونسخته الآية : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) المعروفة بآية السيف. وقيل : الآية محكمة ، ولمّا سألت أسماء بنت أبى بكر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة؟ قال : «نعم» أخرجه البخارى ومسلم ، وقيل : إن الآية نزلت فيها ، فلا معنى لقول من قال إن الآية منسوخة ، لأن برّ المؤمن بأهل الحرب ، ممن بينه وبينهم قرابة أو نسب ، أو ممن لا قرابة بينه وبينهم ولا نسب ، غير محرّم ولا منهىّ عنه ، إذا لم يكن فى ذلك دلالة لأهل الحرب على وجود عورة فى أهل الإسلام ، أو تقوية للعدو بكراع أو سلاح.

والآية : (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) (١٠) : بيّنت أحكام

٢٨٩

مهاجرة النساء ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد عاهد كفار مكة أن من أتاه من أهلها ردّه إليهم ، فلمّا أتته النساء مهاجرات يردن الإسلام ، نزلت الآية فلم يردّهن ، واحتجّ الكفّار بالعهد بينهم وبينه ، والعهد كان على ردّ من يأتى هاربا ، والآية تتحدث عن المؤمنات المهاجرات ولا تتعارض مع العهد ، ولذا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يمتحنهم بحسب الآية ليعلم أنهن مؤمنات ، وكن يحلفن أنهن ما خرجن بغضا فى أزواجهن ، ولا رغبة من أرض إلى أرض ، ولا التماسا للدنيا ، ولا عشقا لرجل من المسلمين ، بل حبا لله ولرسوله ، فإذا حلفت بالله الذى لا إله إلا هو على ذلك ، أعطى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أزواجهن مهورهن وما أنفقوا عليهن ولم يردّهن ، فكما ترى فإن الآية لم تنسخ العهد. وقد ذكر البعض أن الآية تنسخ النساء من العهد ، وقالوا : إن القرآن (العهد) ينسخ السنّة (الاتفاق مع الكفار). والصحيح أن العهد ليس فيه تسليم المؤمنات إذا أعلن الإسلام ، وكان امتحانهن لإثبات أنهن مؤمنات.

والآية : (وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا) (الممتحنة) : قيل : الآية نسختها آية الغنيمة (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ) (الأنفال ٤١) بأن يعطوا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمّس ، أى إن امتنعوا من أن يغرموا مهر هذه المرأة التى ذهبت إليهم ، يعطوا من الفيء وينبذ العهد إليهم. والصحيح أن الآية حكمها ثابت ، فمن كان بين المسلمين وبينهم عهد ويعلمون به أخذ المسلمون به ، وإن لم يكن بينهم عهد ، أو كان بينهم عهد ونبذوه ، أخذ المسلمون المهر من الفيء. وقيل : إن الآية نسختها سورة براءة ، فانقطع هذا العوض يوم الفتح ولم يعمل به من بعد. والآية نزلت فى قريش لمّا كان بينهم وبين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عهد. وقيل : الآية نسختها آية السيف التى بمقتضاها نبذ كل ذى عهد عهده ، وطولب المسلمون بقتال جميع المشركين. غير أن آية السيف لم تكن فى جميع المشركين ولكن نزلت فى طائفة خاصة منهم نقضت ما كان بينها وبين المسلمين من عهد. والقول بالنسخ فى الآية مضطرب ، مما يدل على أنه لا يستند إلى أساس قوى ونقل صريح ، ولا تتوفر له شروط النسخ ، ودعوى نسخ هذا شأنه لا بد أن ترفض لبطلانها ، ويثبت أن الآية محكمة.

والآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٢) : قيل : إنها منسوخة بالإجماع ، فليس شرطا أن يقلن ذلك عند المبايعة ، وقيل : إن معناها ترك ولم يؤخذ به ، وقيل : حتى

٢٩٠

لو كانت قد ترك معناها ، فالترك خلاف النسخ ، وكذلك فإن الإجماع لا ينسخ نصّا ، ومن ثم فلا مكان لدعوى النسخ فى الآية.

* * *

١١٧٧ ـ سورة التغابن

الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٤) : قيل : نسختها آية السيف ، غير أن سبب نزول الآية أن الرجل كان إذا أراد الهجرة منعته زوجته وولده ، وقد يكونون مسلمين ولكنهم يمنعونه لحبهم الإقامة فى مكة على المدينة ، فلمّا وصل الأزواج إلى المدينة ورأوا ما عليه إخوانهم من الفقه نقموا على أزواجهم وأولادهم أن منعوهم أول مرة ، فأرادوا معاقبتهم فنزل العفو عنهم ، والآية إذن تدعو الأزواج أن يصفحوا عن أزواجهم وأولادهم ، وآية السيف التى قيل أنها نسختها ، تأمر بقتل المشركين لأنهم نقضوا العهد ، فأى تعارض بين الآيتين ، والمأمور بقتلهم فى إحداهما غير المأمور بالعفو عنهم فى الأخرى؟

* * *

١١٧٨ ـ سورة القلم

الآية : (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) (٤٨) : قيل : نسختها آية السيف : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، والصحيح عدم النسخ لأنه لا يوجد تعارض بين الآيتين ، فالآية الأولى : تدعوه صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أن يصبر لقضاء الله فيه بأن جعله رسولا نبيّا مبلّغا للرسالة ، والآية الثانية : بشأن القتال إذا اعتدى على المسلمين ، أو أخرجوا من ديارهم ، أو منعوا من عبادة ربّهم.

* * *

١١٧٩ ـ سورة المعارج

الآية : (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) (٥) : قيل : الآية نسختها آية السيف : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، والصحيح أنها لم تنسخ ، وأن لكل آية مجالها ، ومجال آية سورة المعارج الصبر على أذى أهل مكة ، ومجال سورة التوبة نقض ما سمى للمشركين من العهد والميثاق ، فلما نقضوا ما عاهدوا المسلمين عليه نقض المسلمون عهودهم معهم. والذى يصبر صبرا جميلا هو الذى لا يجزع عند النازلة ، ولا يشكو لغير الله ، ولا يدرى به فى القوم من شدة تكتّمه لما يصيبه.

والآية : (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) (٤٢) :

٢٩١

قيل : نسختها آية السيف ، والصحيح أنها غير منسوخة ولا تعارض بين الآيتين ، فالآية وعيد بلقاء يوم القيامة ، وآية السيف خاصة بالقتال.

* * *

١١٨٠ ـ سورة المزمل

الآية : (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً) (٢) : قيل : نسختها الآية : (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (٢) (طه) ، وهذا غير صحيح فلكل آية مجالها ومعناها ، فآية القرآن معناها أنه لم يتنزّل القرآن على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليتسبب له فى الشقاء ، وهو المترتب على إنكار المنكرين والجاحدين لرسالته ، وإلحاقهم الأذى به ، واستهزائهم لأمره ومن معه ، وكما ترى فالآية ليست لها صلة بالصلاة ، وعلى ذلك لم تنسخ آية قيام الليل كما قال البعض. وأيضا فإن آية قيام الليل التى تجىء فى صدر سورة المزمل لم تنسخها الآية : (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ) (المزمل ٢٠) التى تجىء فى عجز السورة ، لأن هذه غير تلك فى أهدافها ، فالآية (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً) (٢) تأمره بقيام الليل ، والآية : (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ) مرتبطة فى معناها بالآية : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزمل ٢٠) ، فالمقصود بالعجز عن الإحصاء هو التزيّد فى قراءة القرآن تطوعا ، حتى أن الواحد كان يقرأ القرآن كله فى الليلة الواحدة ، وقد يستنفد الليل إلا أقله ، وقد لا يقرأ كل القرآن فيستنفد ثلثى الليل أو نصفه أو أقل من النصف ، أو أزيد منه ، أو ثلثه ؛ بالإضافة إلى أن القراءة تكون ترتيلا خلال الصلاة فتطول الصلاة ، فأمرهم أن تكون القراءة لما يتيسر ، فلربما يكون بعضهم مريضا ، أو عاملا يسعى على رزقه ، فتلزمه الراحة ليستطيع أن يعمل ، أو أن يكون من المجاهدين يريد أن يسرع بصلاته ليؤدى واجب الجهاد ، وكذلك لم تكن هذه القراءة المطوّلة فرضا حتى تنسخ ، ولكل ذلك لا نسخ هناك البتة.

والآية : (وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) (١٠) : قيل : نسختها آية القتال ، والصحيح أنها لم تنسخها ، ولا تعارض بين الآيتين ، لأن هذه الآية تأمر بعدم التعرّض لهم ، وعدم الاشتغال بمكافأتهم ، فإن فى ذلك تركا للدعاء إلى الله.

والآية : (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) (١٩) : قيل : نسختها آية السيف (التوبة ٥) ، والصحيح أنه لا تعارض بينهما ولا نسخ ، لأن آية السيف تحضّ على القتال ، بينما هذه الآية تطمئن من أراد أن يؤمن ويتخذ إلى ربّه طريقا إلى رضاه ورحمته ، أن يفعل ، فهذا ميسور له.

والآية : (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ) (٢٠) : قيل : نسختها الآية قبلها : (إِنَ

٢٩٢

رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) ، والصحيح أنها لم تنسخها لأن القيام كان بقدر الوسع قبلها ، وتأكد ذلك بعدها ، فلا تعارض ولا نسخ.

* * *

١١٨١ ـ سورة الإنسان

الآية : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (٨) : قيل : نسخت آية الصفات إطعام المسكين واليتيم ، ونسخت آية السيف إطعام الأسير. والصحيح أن أحكامها ثابتة ، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع ، وإطعام الأسير لحفظ نفسه ، فلا تعارض ولا نسخ.

والآية : (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) (٢٤) : قيل : نسختها آية السيف ، والصحيح أنها لم تنسخها فلا تعارض بينهما ، فهذه الآية عن الصبر لما يقوله المشركون ، وكان أبو جهل يقول : إن رأيت محمدا يصلى لأطأنّ على عنقه! والصبر المطلوب هو الصبر على مثل هذا الكلام من أمثال أبى جهل ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن المغيرة ، وهذا هو المراد بقوله : (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) (الإنسان ٢٤).

والآية : (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) (٢٦) : قيل : هى منسوخة بالصلوات الخمس ، ولا نسخ هناك ، لأن التسبيح عموم الصلاة والذكر ، والصلوات الخمس خصوص الصلاة.

* * *

١١٨٢ ـ سورة الطارق

الآية : (فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) (١٧) : قيل : نسختها آية السيف التى تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، والصحيح أنها لم تنسخها ولا تعارضها ، ومعنى (أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) لا تتعجل لهم العذاب ، وأما آية السيف فهى فى القتال.

* * *

١١٨٣ ـ سورة الأعلى

الآية : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) (٦) : قيل : نسختها الآية بعدها : (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) (الأعلى ٧) ، وهى استثناء ولا تعتبر نسخا.

* * *

١١٨٤ ـ سورة الغاشية

الآية : (إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (٢٢) : قيل : نسختها آية السيف ، تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، وقيل : إنها منسوخة بالآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التوبة ٧٣) ، والصحيح أنه لا نسخ ، لعدم وجود تعارض بين هذه الآية والآيتين الأخريين ، وكذلك لأن الآية خبر ، والأخبار لا تنسخ.

* * *

٢٩٣

١١٨٥ ـ سورة الانشراح

الآية : (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (٧) : قيل : إن «فانصب» لقيام الليل ، وفرض قيام الليل منسوخ ، وهو تفسير مختلف عليه ، حيث فسّرت «فانصب» بأن النصب هو الصلاة والذكر والدعاء ، وعدم الاشتغال باللهو. وقيل : النصب هو الغزو والجهاد ، وحيث أمكن تفسير الآية على أكثر من وجه ، فلا معنى لدعوى النسخ ، إذ ينتفى التعارض بين الآية وبين ما ادعى أنه ناسخ لها.

* * *

١١٨٦ ـ سورة التين

الآية : (فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) (٧) : قالوا : نسختها آية السيف التى تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (التوبة ٥) ، ولا تنافى بين الآيتين ، لأن موضوعيهما متخالفان ، فالآية الأولى معناها : فمن يقدر على تكذيبك بالبعث والثواب والعقاب ، بعد ما ظهر لهم من قدرة الله على خلق الإنسان ، وأن يجازيه إن خيرا بخير ، وإن سوءا بسوء؟ والآية الثانية معناها : أنه إذا انسلخت الأشهر الحرم ، فإن استمر المشركون فى قتالكم فاقتلوهم أينما وجدتموهم ، وحاصروهم ، وارقبوهم ولا تتهاونوا أو تتساهلوا معهم. فكما ترى لا علاقة ولا مناسبة بين الآيتين لتنفى أو تثبت إحداهما الأخرى.

والآية : (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) (٨) : قيل : نسختها آية السيف (التوبة ٥) ، والصحيح أنها ثابتة لأنه لا تنافى بينهما ، وكان ابن عباس وعلىّ يؤمّنان عليها إذا تليت أمامهما بقولهما : «بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين». والآية تعنى : أليس الله بأحكم من حكم فى أحكامه ، وفصّل قضاءه بين عباده؟ فما دخل ذلك بالقتل الذى تأمر به آية السيف ، إلا أن يكون من قال بالنسخ قد ظن الآية تعنى : دعهم وخلّ عنهم ، وليس هذا المعنى واحد ، ولا تعارض إذن بين الآيتين ، والآية غير منسوخة.

* * *

١١٨٧ ـ سورة العصر

الآية : (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) (٢) : قيل : نسختها الآية بعدها : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) (٣) ، وهى استثناء ولا تعتبر نسخا.

* * *

١١٨٨ ـ سورة الكافرون

الآية : (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (٦) : قالوا : إن آية السيف نسختها ، بل إنها نسخت سورة الكافرون كلها ، وآية السيف تأمر بالقتال : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ

٢٩٤

وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) (التوبة) ، وتتحدث عن المشركين فى المدينة ، بينما سورة «الكافرون» تتحدث عن الكفار فى مكة ؛ والمشرك هو الذى يجعل لله أندادا ، والكافر هو المنكر لله أصلا ، وفى مكة لم يكن الأمر بالقتال قد تنزّل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان الأمر بالجدال فقط بالمنطق وهو أحسن الجدال ، (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (العنكبوت ٤٦) ، والأمر بالقتال كان فى المدينة بعد أن استولى كفار مكة على أملاك المسلمين ، وأخذوا ديارهم ، وسبوا نساءهم وأولادهم ، واضطروهم إلى الهجرة ، فكتب الله عليهم القتال لذلك فقط ، أى لدواع اقتصادية واجتماعية وحربية ، وليس لإكراه الناس على الإسلام. وكان الحلّ الأخير بعد استنفاد كل الحلول الأخرى ، بمثابة إعلان الحرب الشاملة عليهم ، وهذا مستفاد من آية السيف المزعومة ، إلا إذا أصبحوا كالمسلمين ، لهم عقيدتهم وينهجون نهجهم ، وليس فى ذلك إكراه ، وعلى ذلك فآية (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (٦) آية محكمة ، وهى إعلان مبادئ بين الأديان ، ولا تنسخها آية السيف.

* * *

١١٨٩ ـ دروس مستفادة من النسخ

١ ـ تبلغ دعاوى النسخ التى لم تصحّ أكثر من مائتين وثمانين دعوى ، لم تتوافر فيها شروط النسخ ، ولم يقم الدليل الصحيح على وقوعه.

٢ ـ وهناك دعاوى نسخ تستند إلى أقوال أو أفعال من السنّة موضوعها غير ما شرعته السنّة ، وصحبت هذه الآيات سنّة تبيّن النسخ ، والسنة المبيّنة للنسخ لا بدّ منها فى مثل هذه الحالات ، وفى كل دعوى نسخ بالقرآن.

٣ ـ كما أن هناك دعاوى أخرى نسخت فيها أحكام ثبتت بالقرآن ، وكان الناسخ لها آيات من القرآن كذلك ، ويستند القائلون بها إلى أنه لا ينسخ القرآن إلا قرآن مثله ، كما أن السنّة يجوز أن تنسخها سنّة مثلها.

٤ ـ غير أنه لا توجد دعوى واحدة تؤيد نسخ القرآن بالسنة.

٥ ـ وهناك دعاوى نسخ لآيات عبارة عن أخبار ، والأخبار لا تقبل النسخ.

٦ ـ وثبت تهافت دعاوى النسخ جميعها لآيات القرآن حتى أن الكثيرين قالوا : لا نسخ فى القرآن.

* * *

وبذلك ينتهى الباب العاشر وهو باب النسخ فى القرآن ويبدأ

إن شاء الله الباب الحادى عشر : «باب المصطلحات فى القرآن».

* * *

٢٩٥
٢٩٦

الباب الحادى عشر

أسماء ومفاهيم ومصطلحات من القرآن

* * *

١١٩٠ ـ الآل والأهل

فى القرآن من الآل : آل فرعون ، وآل موسى ، وآل هارون ، وآل إبراهيم ، وآل يعقوب ، وآل لوط ، وآل داود ، وآل ياسين. وآل فرعون هم قومه وأتباعه وأهل ملّته ، وآل كل نبىّ هم من كانوا على ديانته فى عصره وسائر الأعصار ، وكذلك آل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، سواء كانوا من أنسبائه أو لم يكونوا ، ومن لم يكن على دينه وملّته فليس من آله ولا من أهله وإن كانوا له أقرباء ، ولأجل هذا قيل : إن أبا لهب ، وأبا جهل ، كلاهما ليس من آله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا من أهله ، وإن كان بينهما وبينه قرابة ، ولهذا قال تعالى فى ابن نوح : (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) (هود ٤٦) ، يعنى أنه ليس من خاصتك ، لأنه مخاصم لدينك. وفى الحديث عن عمرو بن العاص : أنه سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : جهارا : «ألا إن آل فلان ليسوا لى بأولياء» ، أخرجه مسلم ، ولم يذكر اسم هؤلاء كى لا تكون فتنة. وقال : «إنما وليّى الله وصالح المؤمنين». والآل : هم الأتباع ، ولذلك نفى أن يكونوا أولياءه ، والولىّ : هو النصير ؛ والأهل : هم خاصة الرجل القريبين ، أى زوجته وأولاده ؛ وأهل الأمر : هم المعنيون به ؛ وأهل المذهب : من يدين به ؛ والشيعة على الرأى بأن آل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هم ابنته فاطمة ، والحسن ، والحسين فقط ، وأما المسلمون فليسوا من آله ، ولا يذكرون من أهله : ابنته زينب ، وابنتها أمامة ، وزوجاته جميعا أمهات المؤمنين ؛ وأهل السنّة على القول : بأن «آل محمد» هم المسلمون جميعهم ، و «أهله» هم أزواجه ، وفى الحديث عند ما سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كيف نصلى عليك؟ قال : «قولوا اللهم صلّ على محمد ، وعلى أزواجه ، وذرّيته ، كما صليت على آل إبراهيم ؛ وبارك على محمد ، وعلى أزواجه وذرّيته ، كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد». أخرجه مسلم ، وفى ذلك تأكيد على أن «الآل» : هم الأقارب ـ وإن بعدوا ـ والأتباع ، بينما الأهل : هم الزوجة والأولاد والأقارب الأقربين. و «الآل» أصلها «أهل» ، ثم أبدلت الهاء ألفا تعظيما للعدد ، فإذا صغّرت الأهل صارت أهيلا.

* * *

١١٩١ ـ الاجتهاد

الاجتهاد من الفقه فى الدين ، كقوله تعالى : (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) (التوبة ١٢٢) ، والمجتهد : فى اللغة الذى يجدّ ويبالغ فى طلب الشيء ، وفى اصطلاح الفقهاء : هو الذى

٢٩٧

يعرف أصول الشريعة بكاملها ، وما تنطوى عليه من أحكام ، ويملك القدرة التامة على استنباط هذه الأحكام وردّها إلى أصولها ، وهى : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل ، ويميّز بين آيات الأحكام وغيرها ، وبين الصحيح والضعيف فى الأحاديث ، وبين ما أجمع عليه وما اختلف فيه ، وبين القواعد المقررة بحكم العقل والعقلاء ، ومعنى المفردات ومصادرها. وعلى ذلك فالمجتهد كاشف للشريعة ، بينما المقلّد جاهل بالمصادر وأدلتها من الأساس ، وما تنطوى عليه من أحكام ، ويعجز عن التفصيل والاستنباط. ولا يجوز الاجتهاد فى مقابل نصّ قطعى الثبوت والدلالة ، ولا يكون الاجتهاد إلا فى مورد لا إجماع ولا نصّ فيه من كتاب أو سنّة ، ولا يكون بالرأى أو القياس والاستحسان الظنيين ، فأحكام الله لا تناط بالظنون ، وإذا لم يكن هناك نصّ وكان لا بدّ من الاجتهاد ، اعتمد المكلّف فى ثبوت الحكم على مبادئ العقل الصحيحة ، ومنها : الأهمّ مقدّم على المهم عند التزاحم ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، واختيار أهون الشرّين إذا لم يكن من أحدهما مناص ، والضرورات تبيح المحظورات ، والضرورة تقدّر بقدرها ، وقبح العقاب بلا بيان ، ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة ، والعلم بوجود التكليف يستدعى العلم بطاعته وامتثاله ، وأصل المشروط عدم شرطه ، والإذن بالشىء إذن بلوازمه ، والأصل براءة كل إنسان حتى تثبت إدانته ، وإذا وجدت العلة وجد معلولها ، إلى آخر ما هنالك من مبادئ يقطع العقل بصحتها ويستكشف بها الحكم الشرعى. وهذا النوع من الاجتهاد مطلوب ، فالإسلام يقدّس العقل وينعى على أهل التقليد ، ويطالب كل إنسان أن يحتكم إليه ليتيقن به أنه تعالى موجود ، وأن له مطلق القدرة والعلم ، وأن النبوة ضرورة ، والأولى إذن أن يعتمد عليه ـ أى العقل ـ لإثبات أحكام دينه وشريعته. والاجتهاد فى النصّ يكون باعتبار فهمه بشرط أن يكون النصّ ظنى الدلالة ، كقوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) (البقرة ٢٢٨) ، فالدلالة هنا على القرء ظنية ، لأن القرء ينطبق على الحيضة والطهر ، والاجتهاد واجب فى ذلك وإن خالف المجتهد رأى السلف ، غير أن أهل الفقه أقفلوا باب الاجتهاد منذ القرن الرابع الهجرى ، ولم يسمحوا برأى إلا رأى الأئمة ، وقالوا فى أى رأى يخالف آراءهم أنه إما مؤول أو منسوخ ، وبعض المجتهدين قد يصلح للاجتهاد مطلقا ولديه الكفاءة لاستنباط جميع الأحكام ، ويسمونه «المجتهد المطلق» ، وبعضهم لا يصلح إلا للاستنباط فى بعض الفروع دون بعض ، وهذا هو «المجتهد المجتزئ». ولله تعالى فى كل ما وقع من أحداث أحكام معينة نصب الدليل عليها بالخصوص أو بالعموم ، والمجتهد الذى يعلم ذلك ويطبّقه ويستهديه هو «المجتهد المصيب» ، وله أجران : أجر على جهده ، وأجر

٢٩٨

على الإصابة فى رأيه تفضّلا من الله ، ومن أخطأه الفهم فلا وزر عليه ، وله أجر على جهده ، وفى الحديث : «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة» ، والحديث : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر» ، ومن أقوال عمر : «أقول فى الكلالة برأيى ، فإن كان صوابا فمن الله ، وإن كان خطأ فمن الشيطان». ويلزم المجتهد من علوم الاجتهاد : العلم بالعربية ألفاظا ومعان ، والعلم بالمنطق كى يعرف شروط الدليل وكيفية تركيب البرهان والقياس من المقدمات الصحيحة ، والعلم بآيات الأحكام ورواياتها ، وأحوال الرواة من الجرح والتعديل ، وموارد الإجماع. ولا بد له مع كل ذلك من ذوق معتدل سليم ، وذهن حاذق ، وعقل ناقد ، وملكة قوية تمكّنه من إقامة الدليل على الحكم والدفاع عنه بالبرهان والمنطق ، وأن يكون من الحافظين لدينهم ، الصائنين لأنفسهم ، المخالفين لأهوائهم ، فإن كان المجتهد كذلك فهو المفتى حقا وصدقا.

* * *

١١٩٢ ـ الأجل

الأجل : غاية الوقت. ويأتى الأجل فى القرآن إحدى وثلاثين مرة. والأمم آجال ، يعنى دولا ، فهى إلى صعود وهبوط ، والتاريخ دورات كقوله تعالى : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف ٣٤) ؛ والأجل المسمى : أى المحدد : (وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ) (العنكبوت ٥٣) ، ويقال له أيضا الأجل المعدود ، أى أحصاه الله تعالى إحصاء (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) (هود ١٠٤) ، وقوله : (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) (الرعد ٣٨) أى وقت معلوم ، وفى الحديث : «من أحب أن يمدّ الله فى عمره وأجله ، ويبسط له فى رزقه ، فليتق الله ، وليصل رحمه» ، وفى القرآن : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) (الأنعام ٢٠) ، قيل : الأجل الأول : أجل العبد من حين ولادته إلى حين موته ، والأجل الثانى : وهو المسمّى عنده ، من حين وفاته إلى يوم يلقاه فى البرزخ. وبالرضا عن العبد يزيد أجله فى الدنيا ، كما فى حالة نوح ، وبالسخط عليه ينقص أجله فيها ، كما فى حالة غلام سورة الكهف الذى قتله الخضر الذى كان يرهق أبويه طغيانا وكفرا. والأجل افتراضى وأمر واقع ، والأجل الافتراضى أن الله يخلق العبد بإمكانات يطول بها عمره ، وأجل الأمر الواقع : أن يورد نفسه موارد الهلكة ، أو يقاتل عدوا لا قبل له به ، فيعرّض نفسه للموت ، مع أن إمكانات بدنه تؤهّله لعمر أطول من ذلك.

* * *

١١٩٣ ـ الإجهاض

إجهاض الحامل نفسها يوجب عليها غرّة ، أى دية ، ولا ترث من الدية شيئا ، وتكون

٢٩٩

للورثة ، وعليها كفّارة تساوى عتق رقبة ، وكذا لو كان الجانى المسقط للجنين أباه أو غيره ، فحكمه حكم الأم.

* * *

١١٩٤ ـ أحقاف قوم عاد

الأحقاف ديار قوم عاد كقوله تعالى : (وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ) (الأحقاف ٢١). والأحقاف فى اللغة جمع حقف وهو الكلّ العظيم من الرمل ولم يبلغ أن يكون جبلا ، والجمع حقاف ، وجمع الجمع أحقاف ، وهى فى الآية : جبال بعمان تشرف على البحر ، بأرض يقال لها الشّحر أو الشّحر ، ويطلقون عليها اسم شحر عمان ، وموقعها بين عمان وحضر موت ، وقيل اسمها مهرة ، وتنسب إليها الإبل المهرية ، وكانوا أهل بداوة ، وفيهم شدّة ، ويسكنون الخيام ذات العمد ، ويرتحلون كثيرا فى الربيع طلبا للكلا ، ثم يعودون من بعد إلى مساكنهم فى الوادى ، وكانوا من قبيلة إرم ، ووصفهم القرآن فقال : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ) (٨) (الفجر) ، وهذه هى : (عاداً الْأُولى) (النجم ٥٠) أو «عاد الأحقاف» ، أو «عاد إرم» ، وهم «قوم هود» ، وعذّبوا بالريح الصرصر ، بخلاف «عاد الأخرى» ، أو «عاد ثمود» ، وكانوا بوادى القرى فى الحجر ، بين الحجاز وتبوك ، وهم قوم صالح ، وعذّبوا بالصاعقة.

وأرض الأحقاف جبلية رملية قاحلة ، إلا من ماء متسرّب فى أرض الوادى ، وآبارهم من أردأ الآبار ، واعتمادهم على المطر ، ولذا قيل فيهم لما رأوا السحاب : (فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا) (الأحقاف ٢٤) ، ولم يكن كما توقعوا : (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (٢٥) (الأحقاف) ، وذلك هو جزاء المفترين إذن. والدرس المستفاد يوجزه قوله تعالى : (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ...) (٢٦) (الأحقاف) ، تعليل لما حاق بهم من سوء المآل ، وقوله : (كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (٢٥) (الأحقاف) إحالة من أهل الأحقاف إلى أهل مكة لعلهم يتّعظون. وما يرد من التاريخ والجغرافيا فى القرآن ليس لذاتهما ، وإنما للعبرة ، ولتسلية المؤمنين لعلهم يصبرون ولا يستعجلون على مرّ العصور نهايات المجرمين البائسة ، فلعلنا نصبر أيضا على حيف أمثال إسرائيل وأمريكا فى فلسطين والعراق وأفغانستان ، وأمثال روسيا فى الشيشان ، وما جرى فى الأحقاف بمثابة البلاغ للقوم الفاسقين ، وحسبنا الله.

* * *

٣٠٠

١١٩٥ ـ الإخلاص

الإخلاص : هو إخلاص العبادة ، ومنه الخالص ، ومخلصون (بكسر اللام) ، كقوله تعالى : (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (الأعراف ٢٩) ، ومخلصون (بفتح اللام) كقوله : (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (الحجر ٤٠). وحقيقة الإخلاص : تصفية العقل عن ملاحظة المخلوقين ، وفى الحديث : «يا أيها الناس ، أخلصوا أعمالكم لله تعالى ، فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له» أخرجه الدارقطنى. والإخلاص لله : هو ألا يريد صاحبه عليه عوضا فى الدارين ، وهو سرّ بين العبد وبين الله ، وفى الحديث القدسى : «سرّ من سرّى استودعته قلب من أحببته من عبادى».

* * *

١١٩٦ ـ إرم ذات العماد قبيلة من عاد

يأتى الاسم «إرم» مرة واحدة فى القرآن فى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ) (٧) (الفجر). وقوله : (أَلَمْ تَرَ) استفهام تقريرى ، والخطاب للنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمقصود به العرب جميعا ، ومن بعد ذلك المسلمون كلهم ؛ والرؤية المشار إليها ليست بصرية وإنما ذهنية ، بمعنى : ألم يبلغك ويصل إلى علمك وفهمك حكاية قوم عاد أهل إرم؟ ويتكرر عن عاد فى القرآن ٢٤ مرة ، وكثيرا ما يقرن اسم عاد باسم ثمود. وعاد أمة أو قبيلة دارسة كانت فى الغابرين (عاداً الْأُولى) (النجم ٥٠) ، إلا أن مساكنهم كانت ما تزال ترى آثارها : (وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ) (العنكبوت ٣٨) ، وهم قوم هود ، وكانت جريمتهم كقوله تعالى : (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) (فصلت ١٥) ، وقوله : (كَفَرُوا رَبَّهُمْ) (هود ٦٠) ، وقوله : (وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (هود ٥٩) ، فكانت عاقبتهم كقوله تعالى : (إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) (الذاريات ٤١) ، وكقوله تعالى فى وصف الريح (صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ) (الحاقة ٦). وإرم : قيل هو اسم أبيهم ، أو قبيلتهم ، أو أمّهم ، وقرئت «عاد إرم» مفتوحتين ، وقرئت بسكون الراء «إرم» كقراءتنا «بورقكم» ، وقرئت «عاد إرم ذات العماد» بإضافة إرم إلى ذات العماد ، وقرئ «أرم» بفتح الهمزة ، والسبب فى هذه القراءات المتنوعة جهل العرب بالاسم ومحاولتهم استكناه معناه ، فبحسب ما يظنون المعنى كانت محاولتهم تطويع قراءة الاسم. وعند بعضهم : أن عادا كان أحد أبناء إرم بن سام بن نوح ، كما يقول العرب عن بنى هاشم أنهم هاشميون. وقيل : إنه ربما إرم بمعنى رميم أى القديمة ، ولذلك فاسمها «عاد الأولى» ، وأما المتأخرون من عاد فهؤلاء «عاد الأخيرة». وربما كانت عاد قبيلتين بحسب مكان مساكنهم ، والأولى هى «عاد إرم» ، والثانية هى «عاد

٣٠١

ثمود» ، ولذلك قرن بينهما تسع مرات. «وعاد إرم» هى القبيلة الأم ، و «عاد ثمود» هى البطن. وكانت «عاد إرم» بالأحقاف بين عمان وحضر موت ، وهؤلاء قوم هود ، كقوله تعالى : (وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ) (الأحقاف ٢١) ، وكان هلاكهم بالريح الصرصر ، بينما «عاد ثمود» هم قوم صالح ، وكانوا بوادى القرى فى الحجر بين الحجاز وتبوك ، وأهلكهم بالصاعقة. والقبيلتان ظلت آثار مساكنهم بادية للعرب حتى زمن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وعاد الأولى وصفت بأنها ذات العماد ، أى ذات الطول ، فوصفهم بضخامة البنية حتى قال فيهم هود : (وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً) (الأعراف ٦٩) ، وكانت مساكنهم لذلك «ذات عماد» ، أى كانت خياما عظيمة تحملها أعمدة شداد ، كناية عن أنهم كانوا قوما رحلا ، ينتجعون الغيوث ، ويطلبون الكلأ ، ويحملون خيامهم معهم بأعمدتها الطويلة ، أو أنهم لطولهم كانت أبنيتهم من الحجر ، ولها أعمدة طويلة ترفعها وتحكم قيامها. والعماد فى اللغة هى الأبنية الرفيعة. أو أن الطول كان فى سيوفهم لطولهم ، كناية عن شدّتهم وقوتهم ، حتى تفاخروا بذلك فقالوا : (وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) (فصلت ١٥). وقال بعضهم «إرم ذات العماد» هى كالمدن الكبرى ، أمثال دمشق والإسكندرية ، وكانت لعجائبها مثار دهشة عند العرب ، فجاء وصفها : (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ) (الفجر ٨).

فهذه إذن «إرم ذات العماد» ضرب بها المثل فى العتو ، فكانت نهايتها ما نعرف من دمار ، وإنّ ربّك لبالمرصاد ، فلا يغرنّك من أمريكا وبريطانيا وروسيا وإسرائيل ما هى فيه من قوة ونعم ، والله يمهل ولا يهمل ، وإنه ليستدرجهم من حيث لا يعلمون ، ألا بعدا للطغاة الظالمين ، وحسبنا الله.

* * *

١١٩٧ ـ الاستخلاف

فى اللغة من خلف ، نقول إن أبا بكر استخلف عمر بن الخطاب بعده ، أى أوصى به خليفة بعده ، وفى القرآن : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (النور ٥٥) ، أى يجعلهم خلائف ، ويمكّنهم ويمدّهم بالأسباب والقوة ، ويثبّت حكوماتهم ، وشروط ذلك أن يعبدوه ويعملوا صالحا ، وذلك قانونه فى الوجود ، سواء بالنسبة للأفراد أو الجماعات ، ومن ذلك أنه استخلف داود ، كقوله : (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ) (ص ٢٦) ، ومبررات خلافته أن يقيم حكومته على الحق. وكذلك الشأن مع يوسف ، قال : (مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) (يوسف ٥٦) ، ومكّن للمؤمنين على أقوامهم لمّا كفر هؤلاء وطغوا فى الأرض مفسدين ،

٣٠٢

فأذهب ريحهم ، وأنجى منهم المؤمنين ، وآتاهم الملك ، وزوّدهم بأسباب القوة. وشرط لاستخلافه تعالى لأية جماعة شروطا كما فى قوله : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) (الحج ٤١) ، وقوله : (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) (السجدة ٢٤). والاستخلاف إذن كمصطلح سياسى مقصور على من يجعله الله على أمر الناس فيحسن إليهم ، وأما لغير ذلك من الحكام فهى الولاية وليست الاستخلاف. والولاية من الناس وليست من الله ، وقد تتم بالاستيلاء على السلطة من قبل الوالى الغاصب ، والاستخلاف من الله أو من الناس لبعضهم البعض ، استخلافا شرعيا صحيحا. وفى ظل الخلافة الصحيحة يجرى العمل فى الدولة بوحى من القرآن والسنّة الصحيحة ، وفى خلافة السيطرة والقوة يكون القانون هو إرادة الحاكم المستبد ، والطاغية المتحكّم ؛ والاستبداد هو التفرّد بالحكم ، ونبذ الشورى ؛ والطغيان هو التجاوز إلى ما لا يجوز ، وقد يضطر الشعب إلى الثورة على الطغيان وإسقاط حكومة الجور ، وعندئذ قد تقوم حكومة الخلافة الناقصة ، ويتولى الحكم فيها أهل الصلاح الذين ينتخبون من بينهم رئيسا عليهم تجمع عليه الأمة ، ويعمل لصالح الشعب ، ويرفع الغبن عن الطبقات المضطهدة والكادحة ، ويعالج السلبيات الفاحشة كسوء توزيع الثروة ، وشيوع الأمية ، وتفشى الأمراض ، وذيوع الخرافة ، وسوء فهم الدين ، ويرفع عن الناس المظالم ، ويحارب الفساد ، وسوء الإدارة ، والبيروقراطية ، ويطرد الاستعمار ، ويؤمّن الاستقلال ، ويعلن مجانية التعليم حتى الجامعة وما بعدها ، ومجانية العلاج ، ويضمن المسكن الطيب للمواطنين ، ورغيف الخبز للجميع ، فتلك حكومة خلافة ناقصة ، لأنها لم تأت بالطريق الشرعى العادى وأتت عن طريق العنف والانقلاب والثورة ، ولأنها حكومة ناقصة الشرعية ، فإن الحاكم المسلم المستنير عليه أن يسعى ليستكمل النقص فيها ويحوّلها إلى حكومة خلافة صحيحة ، ويطلق لذلك على حكومة الخلافة الناقصة : حكومة شرعية دعت إليها ضرورة تصحيح الأوضاع السائدة وتقويم المعوج. وتستمد الثورة على الخلافة الفاسدة أو الجائرة مشروعيتها من الحديث : «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» ؛ والتغيير باليد : بالمقاومة الإيجابية ؛ والتغيير باللسان : بالدعوة إلى الإصلاح ، وبيان بطلان استخلاف الطاغية ، وفضح أوجه الفساد فى الحكم الاستبدادى ، وتنوير الناس فيما ينبغى أن يكون عليه الحكم الصحيح ؛ والتغيير بالقلب : بالمقاومة السلبية ، وإعلان عدم التعاون مع الحكومة الفاسدة ، وإظهار الرفض لها. ولا يؤثّم الشعب المسلم الذى يثور على الأوضاع الظالمة ، ولا يعتبر خارجا على النظام ، أو إرهابيا ، لأنه ما

٣٠٣

من سبيل لخلع الوالى الجائر إلا باليد ، أو باللسان ، أو بالقلب ، وأضعف الثلاثة التغيير بالقلب ـ وهو «عدم التعاون» مع «حكومة الجور» ، و «عدم التعاون» بمثابة العزل للطاغية والإسقاط لحكومته. والمستخلفون : إذا استقاموا على أمر الله ، واجتنبوا السيئات ، ولم يستحوذوا على السلطة ، ولم ينفردوا بها ، ولم يمالئوا المستعمرين ، وسمحوا بتداول السلطة ، والنقد ، وحرية التعبير ، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وسمحوا لمن يقوم بذلك من الشعب أن يقوم به ، كانوا كقوله تعالى فى أمثالهم : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) (الحج ٤١) ، وهذا هو المعنى الحقيقى للاستخلاف فى الأرض ، فإقامة العدل ، والعمل بالصلاح ، يترتبان على استعمار البشر للأرض بعد إنشائهم منها : (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) (هود ٦١) ، والاستعمار : هو التمكين والتسلّط بقصد الإعمار وليس التخريب ، والإعمار : قوامه زيادة فى الصلاح بقصد زيادة الانتفاع ، وكل ذلك فى حدود أوامر الله ونواهيه. و «الخليفة فى الأرض» : هو النائب عن الله فى أرضه ، لأنه لم يعرف مالك للأرض إلا الله ، ومن يملكها لبعض الوقت ويرحل عنها ليس بمالك ، المالك هو المالك الدائم ، وهو الله ، والنيابة عنه فيها لا بد لذلك أن تكون فى حدود ما سخّر الله منها للبشر ، وما سلّطهم عليه ، وما خوّلهم استغلاله ، فهو إذن ليس استخلافا مطلقا يفعلون بمقتضاه كيف شاءوا بلا قيد ولا شرط ، وإنما هو ليعبدوه ، ويوقّروه ، ويتّقوه ، ويهتدوا بهديه كما جاء فى الآيات السابقة ، وأن لا يعبدوا الشيطان ، وأن يقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر إلخ. وبديهى أنه إذا انتقض من هذه الواجبات أو الشروط بطلت الخلافة أو النيابة أو الوكالة عن الله ، وبطل أى عمل من هذا الخليفة أو النائب الذى يخرج عن حدود شرع الله ، سواء كان هذا العمل حكما من الأحكام ، أو قرارا من الإدارة ، أو له مدخلات فى السياسة ، أو الاقتصاد ، أو الثقافة ، أو التربية والتعليم ، أو له متعلقات بمسائل الشرع والدين.

* * *

١١٩٨ ـ الاستدراج والإملاء

فى تعريف الاستدراج ، الحديث : «إذا رأيتم الله يعطى العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه ، فإنما ذلك منه استدراج» رواه أحمد والطبرانى والبيهقى. وفى القرآن فى الاستدراج : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (٤٥) (القلم) ، وهو الأخذ على غفلة ، وإسباغ النّعم مع نسيان الشكر ، وكم مستدرج بالإحسان إليه ، وكم مفتون بالثناء عليه ، وكم مغرور بالستر عليه ، فكلما جدّد معصية جدّدت له نعمه ، كقوله

٣٠٤

تعالى : (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (١٥) (البقرة) واستهزاؤه بهم هو استدراجهم بمزيد النعم. والاستدراج : ترك المعالجة ، وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرّج ، ومنه الدرجة وهى المنزلة بعد المنزلة ، واستدرجه يعنى استخرج ما عنده قليلا ، ويقال استدرجه ودرّجه أيضا. والإملاء مثل الاستدراج يكون على مهل ، يقال أملى له أطال له ، والملاوة المدة ، والملوان الليل والنهار.

* * *

١١٩٩ ـ استفتاح الرسل واستفتاح الجبّارين

الاستفتاح : هو الاستنصار أو الدعاء بالنّصرة : يقول تعالى : (وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (إبراهيم ١٥) ، وفى الرواية : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين ، أى يستنصر بهم ، والرسل كانوا يستفتحون ، وكذلك الجبارون والأمم الفاسدة ، كهذا الاستفتاح : (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (الأنفال ٣٢) ، ومثل هذا الاستفتاح : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) (الأعراف ٨٩) ، ومثل قوله : (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٤٧) (الأعراف) إلخ.

* * *

١٢٠٠ ـ الإسراف

الإسراف : هو التبذير ، وقد نهى الله تعالى عنه فقال : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف ٣١) ، فما جاوز الحدّ والاعتدال فهو سرف وإسراف ، ومن كان معه جنية فأنفقه فى سبيل الله كان مسرفا ، ومن أنفق عشرة قروش فى معصية الله كان مسرفا ، وقيل : لا خير فى السرف ، ولا سرف فى الخير ، وهذا ضعيف ، لأن ثابت بن قيس لمّا جذّ نخله وقسم ثمره على الناس ، ولم يترك لأهله شيئا ، نزلت الآية : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام ١٤١) ، أى لا تعطوا أموالكم كلها فتقعدوا فقراء. والأكل والشرب واللّبس حلال ما لم يكن سرفا أو مخيلة. والله قد أمر بالقصد فى كل شىء ، فقال فى النفقة : (إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) (الفرقان ٦٧) ، وقال لوليّ الدم : (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) (الإسراء ٣٣) ، وقال فى المتطيّرين : (طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (يس ١٩). ولأن الإسراف رذيلة ، فإن من يكون مسرفا يضطر إلى مداراة إسرافه ، فيكذب ويسرف فى الكذب ، كقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر ٢٨) ، ومثله الشكّاك ، فأمره جميعه إلى الشك فى كل شىء ، حتى ليسرف فى

٣٠٥

الشك : (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ) (غافر ٣٤) ، والارتياب : هو الشك ، وهو من الأمراض النفسية المقيتة ـ إن لم يكن أشدها جميعا ، ويصيب من يأتيه بالبارنويا ، وهى مرض الشك ، وكان فرعون موسى مثلا قرآنيا لهذا النمط المسرف من أنماط الشخصية المريضة : (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) (٨٣) (يونس ٨٣) ، وعلوّه ترفّع عن عباد الله ، وكان مسرفا فى ترفّعه واستكباره واستعلائه. والمسلمون مأمورون أن لا يسرفوا ، والإيمان يمنع من الاستكبار ، ويحول بين المسلم وأن يسرف ، والإسراف رذيلة كما أن الاستكبار رذيلة ، والذى يوغل فى الإثم ويرتكب المعاصى حتى السرف ، ثم يتوب ويستغفر ويعمل صالحا ، ولا ينبغى أن ييأس من إسرافه السابق ، بقوله تعالى : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر ٥٣) ، وليس فى القرآن أوسع ولا أرجى من هذه الآية ، وفيها كل الأمل لمن أسرف على نفسه ، فلا يأس مع رحمة الله ، والقنوط فى الآية معناه اليأس ، إلا أن اليأس أشد درجة من القنوط ، فاليأس قطع الأمل بالكلية ، بينما فى القنوط يصاب المرء بالإحباط وينتابه القلق ، ويعذّبه ضميره ، ولكنه ما يزال يرجو عفو الله ، ولذا كان قوله تعالى للمسرفين : (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) (الزمر ٥٣) فالأمل فى الله أكبر من كل رذيلة!

* * *

١٢٠١ ـ الأسماء والأسمائية فى القرآن والفلسفة

الأسماء منّة الله على آدم وبنيه ، والأسماء هى الأحجار التى كان بها الصرح الفكرى للحضارات والمدنيات ، وتتركب الأسماء من الحروف الأبجدية ، وتكتمل منّته تعالى على الإنسان بأن يعلّمه القراءة والكتابة ، قال : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) (العلق) ، فلمّا خلقه تعالى من علقة مهينة ، أكرمه حتى صار عاقلا ، فعلّمه أن يقرأ وأن يكتب ما لم يكن قد علم ، فذلك هو آدم بذرة الخلق ، يتكرر دوما فى كل ابن وبنت له ، كصورة منه ، فلو لا فطرة الله فى آدم ، أورثها چينات بنيه ، لما كان كل ما نعرفه من العلوم والفنون والآداب والصنائع ، حفظها الله تعالى فى الكتب فلا تندرس المعارف ، ويتكرر فى القرآن اسم الكتاب بهذه الصفة ٢٣٠ مرة ، وهو ما لم يأت فى أية ديانة ، وكان من إعلاء القرآن للقراءة والكتابة أنه أطلق عليه اسم «القرآن» و «الكتاب». وأطلق على اليهود والنصارى «أهل الكتاب». وتتكون كل اللغات من الأسماء والأفعال والحروف ، والأسماء هى الأصول ، والأفعال والحروف أوصاف وأحوال لها ، ولو لا أن علّم آدم الأسماء لكان أعجز

٣٠٦

من الملائكة فى الإخبار عنها عند ما أمره الله بذلك. وأهمية الاسم أن له مسمى ، وما ليس له مسمى فهو اسم باطل : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ) (النجم ٢٣) ، والاسم الحقيقى هو ماك ان له مسمى حقيقى ، واسمه تعالى : «الله» حقيقى ، بدليل أن ليس له شبيه له اسمه ، كقوله تعالى : (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم ٦٥). وهذه الأسماء التى نوّه القرآن بها لتعليم آدم ونقله من الحيوانية إلى الإنسانية ، ومن الجهالة إلى العلم ، هى التى جعلت الفلاسفة من رهبان النصارى يتساءلون حولها فى العصور الوسطى ، لمّا ازدهر بينهم تعلّم اللغة العربية وترجمة معانى القرآن ، فقالوا بفلسفة سمّوها الأسمائية أو الاسميةnominalism ، من الأسماءnominae ، وقالوا فى تعريفها : هى إشارات المعانى فى العقل ، وليست سوى أصوات تخرج مع النّفس flatus vocis ، فإذا جرّدت المعانى من إشاراتها لم يتبق منها فى العقل شىء ، وإذن فالأفكار هى الأسماء ، والاستدلال هو الاستخدام الصحيح للأسماء فى مواضعها ، وليس هو الانتقال من معان إلى معان أخرى ، وعلى ذلك فالأسمائية فى القرآن كأنها «وضعية منطقيةlogical positivism» أو «واقعيةrealism» ، والفرق بين وضعية القرآن وبين «الوضعية المحدثة» أن الأخيرة تنفى وجود الله باعتبار أن اسم الله لا يقابل شيئا موجودا فى الواقع ، وهو قصور ذهنى واضح عند الوضعيين المحدثين من أمثال بلومبرج ، وفايجل ، وزكى نجيب محمود ، وآير ، ورايل ، وكارناب ، فالله قد ثبت وجوده بالخبرة ، وبالتجربة ، وبالواقع ، أو بالدليل والمنطق والبرهان. ولقد أفلست الأسمائية لمّا انحرف بها الأسمائيون إلى القول بأنه «لا وجود إلا للأسماء» ، سواء فى العقل أو خارجه ، وهو النقيض الكامل لما جاء به القرآن ، فكل اسم تعلّمه آدم له مسمّى ، أطلعه عليه الله تعالى ، وأشهده على عين مسمى الاسم ، فليس اسم إلا وله المسمّى ، وهذه هى الوضعية المنطقية التجريبية الإسلامية ، كقولك زيد قائم ، فالاسم هو المسمى ، أى يراد به المسمى ، ومع ذلك فقد يراد بالاسم التسمية ، كقولك أسد ثلاثة أحرف ، فلم نرد بأسد المسمى ؛ وأما قوله تعالى : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٣١) (البقرة ٣١) فإنّ «كلها» للإحاطة والعموم وليس للتعديد والخصوص ، ونفهم من الآية : أن اللغة تعلمها الإنسان فطرة من الله ، وهو معنى قولنا إن اللغات توقيف من الله ، وأن الإنسان أول ما يتعلم عن الأشياء أسماءها ، وأن هذه الأسماء لا تكون أسماء لها إلا إذا كانت توصيفا لمنافع الأشياء ، وأنه فى تعلّم الأسماء ، فإن ما ييسره أن تصنّف الأسماء بحسب أجناس الأشياء ، وباعتبار منافعها. ونفهم من قوله تعالى : (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ) أن تعلّم الأشياء لا يصلح له إلا إذا كانت

٣٠٧

نماذجها موجودة ويكون التعلم عليها. وقوله تعالى : (أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) هو أمر بالإنباء ليس على جهة التكليف وإنما على جهة التقرير والتوقيف. ولمّا كان آدم قد تعلم الأسماء ، واللغات أسماء ، فإنه يكون أول من تعلم اللغات ، وذلك من فضل آدم على الملائكة ، فقدّمه الله تعالى عليهم لهذا الفضل ، وأسجدهم له ، وجعلهم تلاميذه ، وأمرهم أن يتعلموا منه ، وجلّله بالعظمة بأن جعله مسجودا له لمّا خصّه بعلم الأسماءnomology.

* * *

١٢٠٢ ـ الأسوة الحسنة

الأسوة من مصطلحات علم التربية ، وهو القدوة الذى يقتدى به فى الخصال والفعال والأقوال ؛ ومعنى يتأسّى به : يتعزّى به فى جميع أحواله. والأسوة فى القرآن هم كل الأنبياء ، وخصّ منهم إبراهيم ونبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال تعالى فى إبراهيم : (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) (الممتحنة ٤) ، ومن سيرته أنه كان يتبرّأ من الكفّار ، والخطاب لجماعة المسلمين ، فأمروا أن يقتدوا به ، «والذين معه» هم أصحابه من المؤمنين ، فكان على أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يتأسّوا بإبراهيم ، ويبرءوا من المشركين مثله. ونفيد من الآية أن شرع من قبلنا هو شرع لنا كذلك فيما أخبر الله تعالى : (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الممتحنة ٦) ، فكرر ذلك مرتين تأكيدا وتنبيها ، وهو من منهج القرآن : أن يكرر المواعظ والأوامر المهمة. وقال فى نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً) (الأحزاب ٢١) ، والآية عتاب للمتخلفين عن الجهاد يوم الخندق وعند أى استنفار ، وإن كان الخطاب للمؤمنين. وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسوة فى كل أحواله ، فلقد شجّ وجهه ، وكسرت رباعيته ، وقتل عمّه حمزة ، وعانى الجوع وشظف العيش ، فكان مع ذلك الصابر المحتسب ، والشاكر الراضى. وفى الحديث عن أنس عن أبى طلحة ، قال : شكونا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الجوع ، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر ، فرفع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن حجرين. ولمّا شجّ دعا لقومه ولم يدع عليهم ، وقال : «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون». وكما ترى فالأسوة به صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبإبراهيم عليه‌السلام ، وبالأنبياء والصحابة ، على الإيجاب فى أمور الدين ، وعلى الاستحباب فى أمور الدنيا.

* * *

١٢٠٣ ـ أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم

الصاحب : الملازم والمعاشر ، والجمع صحب ، وأصحاب ، وصحاب ، وصحابة ، وصحابة ؛ والصحابة : أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والواحد منهم صحابىّ ، وصاحب ، كقوله تعالى : (إِذْ

٣٠٨

أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) (التوبة ٤٠) ، وصاحبه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بنصّ القرآن هو أبو بكر الصدّيق ، وفى الآية جعل الصاحب أولا لإيمانه واعتقاده ، والله معهما فى الصّحبة بالنصر والرعاية والحفظ والكلاءة ، وخصّ أبو بكر بقوله «لا تحزن» ، فبقى بها مهتديا ، موحدا ، جازما ، قائما بالأمر ، لم يتطرق إليه اختلال.

وصحابته صلى‌الله‌عليه‌وسلم من المهاجرين والأنصار على اختلاف طبقاتهم وأصنافهم : هم كل مسلم رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو صحبه على خلاف ، قال البعض : إن الصحابى هو كل من أقام مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سنة أو سنتين ، وغزا معه غزوة أو غزوتين. والأصح أن الصحابة من المهاجرين والأنصار : هم الذين صلّوا إلى القبلتين ، أو بايعوا بيعة الرضوان وهى بيعة الحديبية ، وكانوا ضمن أهل بدر ، وأفضلهم الخلفاء الأربعة ، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة ، ثم البدريون ، ثم أصحاب أحد ، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية.

* * *

١٢٠٤ ـ (أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْيَمِينِ)

هم إحدى الفئات الثلاث التى ينقسم إليها الناس يوم القيامة : (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) (١٠) (الواقعة) ؛ وقوله : (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ) (٢٧) (الواقعة) : هم الذين يؤخذ بهم يوم القيامة جهة اليمين إلى الجنة ، ويقابلهم أصحاب المشأمة أو أصحاب الشمال : وهم الذين يؤخذ بهم جهة الشمال إلى النار. وأصحاب الميمنة أو اليمين : هم من أوتى كتابه بيمينه ، وهم أهل الحسنات ، الميامين على أنفسهم ، أصحاب التقدم. والتكرار فى قوله : «ما أصحاب الميمنة» و «ما أصحاب اليمين» للتفخيم والتعجيب ، كقوله تعالى : (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ) (٢) ، و (الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ) (٢) ، والمقصود تكثير ما لأصحاب اليمين من الثواب ، وعدهم ربّهم الجنة فيها السدر المخضود ، والطلح المنضود ، من الفواكه ذات الألوان والطعوم ، لا تنقطع طول الوقت ، وليست ممنوعة على أحد ، وفيها الظل الممدود ، فلا حرّ ولا حرور ، والماء المسكوب البارد ، والمجالس المرفوعة ، ويطوف عليهم أبكار عرب أتراب ، أنشأهن إنشاء لهم ، وكلهن لطيفات جميلات من سن واحد ، لم يمسهن من قبل إنس ولا جان (الواقعة ٢٨ / ٣٧) جزاء وفاقا لأصحاب اليمين : (فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) (الواقعة ٩١) ، والخطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو لقارئ القرآن حينما يصل إلى آيات أصحاب اليمين ، يطلب له السلام والسلامة كما وعد به هؤلاء ومن

٣٠٩

تبعهم ، فهم سالمون ويعيشون فى سلام ، ولقد سلموا من عذابات الحشرجة عند الموت وفى القبر ، وعند العرض ، وبعد الحساب ، فعسى أن يكون غيرهم من المسلمين مثلهم.

* * *

١٢٠٥ ـ الاصطفاء فى القرآن والتوراة والإنجيل

الاصطفاء : هو الاختيار ، والمصطفى هو المختار ، من أسماء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وفى النصرانية يقولون هو لقب بولس الرسول ، وقالوا اسمه عبد الله ؛ والصفوة من كل شىء هى خالصه وخياره. والاصطفاء فى اليهودية من عند الله ، وبلا سبب يبرره ويفهمه الناس ، والنصارى اعتنقوا نظرية اليهود فى الاصطفاء ، وعندهم أن الله يختار من عباده من يستصفيه لنفسه من جنس البشر ، ولا معقب على اختياره ، وعند اليهود قد يرى الله أنه أساء الاختيار ، ويأسف على أنه أصفى أحدهم ، وسمّوا ذلك «البداء» ، ويعنى أنه تعالى «بدا له» ، أى تراءى له ثم رجع فيه. وفى الإسلام بخلاف ذلك تماما ، فالاصطفاء يأتى بكثرة فى القرآن واستخدمه ١٣ مرة ، وفى الآية : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران) ، أى اختارهم على سائر أهل الأرض ، وهو اختيار مبرّر وليس بلا سبب ، وفى حالة إبراهيم مثلا يأتى فيه : (وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا) (البقرة ١٣٠) ، أى اخترناه للرسالة ، فلما اخترناه أصفيناه ، أى فجعلناه صافيا من الأدناس ، فكان ذلك مبررا لاختياره : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (البقرة ١٣١) ، فيكون المعنى : اصطفيناه لمّا قال له ربّه أسلم ، فقال أسلمت لربّ العالمين ، ومعنى أسلم أخلص دينك لله بالتوحيد ، فكان إبراهيم من المصطفين ، باختياره الإسلام لنفسه دينا. وآدم اصطفاه ، فخلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له الملائكة ، وعلّمه الأسماء ، وأسكنه الجنة وأهبطه منها ، وحكمة ذلك كله كانت أبلغ الحكم ، وكان بها خلق العالم والناس ، فكان التاريخ ، وكانت الحضارات ، وعرف الإنسان العلوم والفنون والآداب ، والمعارف واللغات ، والصنائع ، فكان مبرر اصطفاء آدم أن كان وذريته أهلا لكل ذلك. ونوحا اصطفاه وجعله أول رسله لمّا عبد الناس الأوثان وأشركوا ، وظل يدعوهم ليلا ونهارا ، وسرّا وجهارا ، فلم يزدادوا إلا فرارا ، فدعا عليهم ، فأغرقهم الله ، ولم ينج منهم إلا من تبعه على دينه. وكان مبرر اصطفاء نوح أنه صاحب حكمة ، ترى أن لا يذر على الأرض من الظالمين ديّارا ، أى واحدا ، لأن الضالين سيضلّون غيرهم لو استمروا فى البقاء ، ولن ينسلوا إلا فجّارا وظلمة مثلهم. وأما آل إبراهيم فكان منهم : إسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، والأسباط إلخ ، فثبتت لهم الوراثة الروحية ، فاصطفاهم كذريّة للمصطفين ، يحملون بعدهم

٣١٠

الرسالة والنبوة. ومنهم مريم بنت عمران ، قال فيها : (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ) (آل عمران ٤٢) ، ومبرر اصطفائها : أنها كانت صدّيقة ، وشهد لها بالصدّيقية (المائدة ٧٥) ، (وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) (١٢) (التحريم). واصطفى كذلك طالوت على قومه ، وبيّن لهم مبررات اصطفائه ، وهى بسطته فى العلم ، والعلم ملاك الإنسان ، وبسطته فى الجسم ، وهو معينه على شدائد تزعّمهم ، والقيادة لهم فى السلم والحرب ؛ ومن فقه ذلك عند المسلمين كانت نظريتهم فى الإمامة ، أن كل رئيس أو أمير ، أو إمام ، ليس له أن يتبوأ مكانته من قومه إلا إذا كان مستحقا لها بأمرين ؛ هما : العلم والقوة ، والعلم يشمل سائر المعارف والدين ، والقوة بدنية ، ونفسية وعقلية ، ولا حظ للنسب مع العلم والقوة ، ومع الفضائل النفسية والعقلية ، واللياقة البدنية ، وعند المسلمين تتقدم هذه الصفات على النسب ، وقد أخبر تعالى أن اختيار طالوت كان لعلمه وقوته ، وإن كان غيره أشرف انتسابا ، وأكثر مالا ، وأحظى اجتماعا. وقال تعالى فى المصطفين تبريرا لاصطفائه لهم ، إنهم أولو أيد وأبصار (ص ٤٥) ، وأولو الأيدى : يعنى أولى القوة ، وأولو الأبصار أى أصحاب علم وعقل وبصبرة فى الحق ، ومن أجل ذلك اختارهم ، وقال فيهم : (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ) (ص ٤٧) أى المختارين المجتبين الأخيار ، فلأنهم أخيار كانوا مختارين ، ومنهم كما قال : (وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ) (ص ٤٨). والاختيار ، والاصطفاء ، والاجتباء بمعنى واحد ، يقول تعالى : (هُوَ اجْتَباكُمْ) (الحج ٧٨) أى اختاركم واصطفاكم ، غير أن الاختيار من الخيرة ، وفيه أن يتوافر الخير فى المختار ، بينما الاصطفاء هو اختيار من يصافيك وترى فيه الإخلاص والود ؛ والاجتباء : هو أن تختار الأصلح ترى فيه أنه تجتمع له أحسن وأفضل الخصال لما تختاره له ؛ وأى هذه المصطلحات يأتى فى القرآن فهو لما يناسبه ؛ وأما فى اليهودية والنصرانية ، فالطاعة لله لم تكن قبل الاصطفاء بل كانت بعده ، فلما اصطفاهم أطاعوا ، على عكس الإسلام ، فإن المسلمين كانوا أولا من أهل الطريقة ، وفيهم الخير والفضيلة ، فاختارهم الله وفى الحديث أن خير الناس فى الإسلام كانوا أيضا خير الناس فى الجاهلية .. وأما اليهود فيقولون مثلا أنهم «شعب الله المختار» : اختارهم واصطفاهم وعاهدهم أن يعطيهم من بعد إبراهيم جميع أرض كنعان ملكا مؤبّدا (تكوين ١٧ / ٧ ـ ٨) ، فمهما فعلوا من آثام فالعهد معهم قائم لا ينفصم ، بينما المسلمون يذهبون إلى أنه لا عهد مع الله إلا للمتقين ، وفى القرآن : (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) (البقرة ٤٠) ، فما هو عهده لهم؟ والجواب من القرآن ومن جماع التوراة : ١ ـ أن يرهبوا الله تعالى ٢ ـ ويؤمنوا بما أنزل

٣١١

مصدّقا لما معهم. ٣ ـ ولا يكونوا أول كافر به. ٤ ـ ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا ـ يعنى أن يتقوا الله فيما أنزل عليهم من التوراة ، ولا يحرّفوها لفوائد يحصّلونها ومطامع يجتنوها ٥ ـ ولا يلبسوا الحق بالباطل ، ويكتموا الحق وهم يعلمون ٦ ـ وأن يقيموا الصلاة التى تركوها. ٧ ـ ويؤتوا الزكاة التى أهملوها. ٨ ـ ويركعوا مع الراكعين ، فلا يستكبرون. ٩ ـ ولا ينسوا أنفسهم وهم يأمرون الناس بالبر. ١٠ ـ وأن يستعينوا على طلب الآخرة بالصبر والصلاة ، والصبر هو الصيام والكفّ عن المعاصى. فلم يرقب اليهود فى الناس إلّا ولا ذمة ، ونقضوا العهد والميثاق ، واشتروا بهما ثمنا قليلا ، وادّعوا أنهم لن تمسهم النار إلا قليلا ، وقالوا على الله ما لا يعلمون ، وسفكوا الدماء ، وقتلوا النبيين ، وسمعوا وعصوا ، فهل هؤلاء مصطفون؟ وهل يمكن أن يقع عليهم اختيار واصطفاء؟ وتفسير اليهود للاصطفاء لذلك مغلوط ، فالمصطفون متّقون أولا ، ومتقون آخرا ، ثم يكون اصطفاؤهم بناء على ما يظهرون من الإخلاص ، وبقدر ما لهم من الصلاح.

وأما النصارى فصاحبهم بولس ، الذى وصفوه بأنه المصطفى ، يقول عن نفسه «حدث لى انجذاب» (أعمال الرسل ٢٢ / ١٧) ، وكان فريسيا ابن فريسى (أعمال الرسل ٢٣ / ٦) ، يعنى كان من المنافقين ، وقالوا فيه «مفسد ومثير فتنة وإمام لشيعة الناصريين» (الفصل ٢٤ / ٥) ، وكان عنصريا شديد العنصرية ، فكانت دعوته لليهود أولا ، فلما فشل دعا الأمم (رومية ١ / ١٦) ، وهو الذى نشر الفرية أن المسيح ابن الله (رومية ٥ / ١٠) ، وسنّ التشريع بتحريم طلاق النساء ، (رومية ٧ / ٢) ، واستن عدم الزواج (كورنتس ٢٩) ، ودعا أن تكون المرأة للبيت (تيموتاوس ٥ / ١٤) ، وأن تخضع النساء لرجالهن كما للربّ (إفسس ٥ / ٢٢) ، وأطلق على نفسه رسول الأمم (رومية ١١ / ١٣) ، وقال لا أخوّة مع الكفرة بالمسيح ، ولا تتخذوا إخوانا من الكفرة (كورنتس ٦ / ١٤) ، وأمر باعتزال كل منكر لألوهية المسيح ، ووصف المنكرين بالنجاسة (كورنتس ٦ / ٧٧) ، وحذّر من الفلسفة إذا كانت على غير مقتضى المسيح ، يعنى أرادها فلسفة دعائية (كولسى ٢ / ٨) ، وقال عن النصارى أنهم أبناء الموعد ، وفرّق بين أبناء الأمّة هاجر وأبناء الحرّة سارة ، وأبناء الأمة هم غير النصارى ، وأبناء الحرة هم النصارى ، ونادى اطردوا الأمة وابنها فإن ابن الأمة لا يرث مع ابن الحرة! والطرد كأمر للنصارى يعنى طردهم من البلاد ، ولا ميراث لهم فى السماء ، مع أن النصارى ـ وهم ليسوا يهودا ـ هم أبناء أمّة بالوراثة الجسدية ، إلا أنه قال إن المسيح حرّرهم (غلاطيه ٤ / ٢٥ ـ ٣١)!! ـ فهل هذا كلام مصطفين؟ وإنما الاصطفاء عند النصارى ـ ومن قبلهم اليهود ـ أن الاختيار لهم غير مبرر ، فهذه إرادة الله ومشيئته ، حتى لو كان اختياره عن غير حق.

٣١٢

وتلك إذن نظرية الاصطفاء عند هؤلاء وأولئك وعند المسلمين من بعدهم ، والله تعالى لا يمكن أن يختار إلا المتّقين والصالحين والأخيار ، وذلك من معانى الإسلام. واللافت للانتباه أن إبراهيم لمّا أراد أن يجعل النبوة فى ذريته ، دعا ربّه بها لهم ، فقال تعالى فى جواب دعائه : (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة ١٢٤) ، واليهود والنصارى لا عهد لهم مع الله لأنهم ظلموا ، ولا يصلح الظالمون للاصطفاء أو الاختيار أو الاجتباء ، لأنه مقصور عقلا وعرفا وشرعا على أهل العدل والإحسان والفضل.

* * *

١٢٠٦ ـ الأعراب والعرب

العرب هم الجنس العربى الذى لغته وقوميته العربية ، ومنهم العرب العاربة : وهم العرب الخلّص ، ويقابلهم العرب المستعربة أو المتعرّبة وهؤلاء لم يكونوا عربا فى الأصل ، ثم سكنوا بلاد العرب ، وتكلموا العربية ، ويقال تعرّبوا : أى تشبّهوا بالعرب. والعرب عموما ينسبون إلى يعرب بن قحطان ، أو أنهم سمّوا عربا لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم ، ونشئوا فى عربة من تهامة فنسبوا إليها ، وكثيرا ما ينسب الناس إلى الأماكن مثلما ينسبون إلى الجدود. وكانت قريش تسكن عربة وهى مكة ، وانتشر سائر العرب فى الجزيرة العربية. وأما الأعراب : فهؤلاء هم العرب الرحّل ، وثقافتهم أقل ، ويعيشون فى بداوة وجهالة. والموجود بالقرآن مصطلحان : «عربى ، وأعراب» ، ويتكرر الأول إحدى عشرة مرة ، ويوصف به اللسان : (لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (النحل ١٠٣) ، وينعت به القرآن : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) (يوسف ٢) ، وينسب إليه الحكم : (أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا) (الرعد ٣٧). والنسبة به للثقافة والحضارة وليس للانتماء السلالى أو الوراثى الجينى. وكذلك مصطلح «الأعراب» ، فإنه يتكرر عشر مرات ، ويدل على فئات من العرب أقل حضارة وثقافة ، وهؤلاء عانى منهم المسلمون بسبب ضحالة معارفهم وانحطاط ثقافتهم الدينية والأخلاقية والاجتماعية ، والإشارة بالمصطلح «الأعراب» تحديدا إلى فئة من كان يسكن من البدو حول المدينة فى زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فرغم أنهم اعتنقوا الإسلام ، إلا أنهم لم يعرفوه حق المعرفة ، ولم يمارسوه كما ينبغى ، وكان من الواضح أن اعتناقهم له كان طلبا للسلامة ، وطمعا فيما يمكن أن يعود به الإسلام عليهم من المكاسب ، كالمنعة والصدقة والفيء ، وجاء فى وصفهم فى القرآن : (الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ) (التوبة ٩٧) ، فكانوا الأشد كفرا ونفاقا من المنافقين ، والأشد جهلا فى أمور الدين ، وكان أذاهم الأكثر ، لأنهم كانوا الأقسى قلبا ، والأجفى قولا ، والأغلظ طبعا ، والأبعد عن سماع التنزيل ،

٣١٣

ونبّهت الآية إلى نقص علمهم ، وتدنّى إيمانهم عن المرتبة الكاملة ، وسوء فهمهم ، وقلة درايتهم ووعيهم ، فكلما نادى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالجهاد تعلّلوا وتخلّفوا ، وما كانوا يكلّفون أنفسهم أن يعتذروا ، فانطبقت عليهم أحكام ثلاثة : فأولا : لم يعد لهم حقّ فى الغنيمة والفيء ، لأنهم لم يجاهدوا كالمسلمين ؛ وثانيا : لم يعد جائزا أن تسمع لهم شهادة ، لأن الله قد وصفهم بالكفر والنفاق ، وقال فى أيمانهم : (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) (التوبة ٩٦) ، فوصفهم بالفسق ولبئس الصفة. وثالثا : لم يعد مناسبا أن يؤم أى أعرابى المسلمين فى الصلاة ، لأنهم لا يعلمون حدود الله وجهلوا الدين. واستتبع كل ذلك أن غالبتهم ضنّوا أن ينفقوا فى سبيل الله ، وتمنوا البوار للمسلمين ، وترقبوا فيهم الاندحار ، كقوله تعالى : (وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) (التوبة ٩٨) ، فجمعوا إلى الجهل بالدين ، الجهل بالإنفاق والحكمة فيه ، وسوء الدخيلة وفساد الطوية وخبث النية. وما كانوا جميعا بهذا السوء ، فلكل قاعدة استثناء ، والناس فيهم الصالح والطالح ، والخيّر والشرير ، ولا بد أن يكون من الأعراب من هو على الإيمان ، كقوله تعالى : (وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ) (التوبة ٩٩) ، فكان من الأولين منهم ، قبائل : مرينة ، وجهينة ، وأسلم ، وغفّار ، وأشجع ، والدّيل ، وبنى أسد بن خزيمة ، وكان من الثانين : بنو مقرّن من مزينة ، فكان المؤمنون قلة والأكثرية منافقين ، وفيهم نزل القرآن : (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ) (التوبة ١٠١) ، والمنافقون هم الذين سمّاهم مخلّفين : (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) (الفتح ١١) ، وما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ولكن التخلّف دأبهم ، ففي الخندق لم يحضروا وتعلّلوا حتى قلّدهم غيرهم : (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ) (الأحزاب ٢٠) ، يعنى تمنّوا لو فعلوا مثلما فعل الأعراب ونأوا بأنفسهم عن الجهاد حذر القتل وتربصا للدوائر. وفى تبوك اعتذروا الاعتذارات الواهية المبتذلة فقالوا : شغلتنا تجارتنا وخفنا على أهالينا ، وزادوا بأن طلبوا أن يسامحهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويدعو لهم بالمغفرة ، ولم يجر بخاطرهم أن المغفرة لا تكون إلا لمن كان ظاهره كباطنه ، وهؤلاء كان اعتقادهم بخلاف ظاهرهم ، ففضحهم الله بقوله : (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) (الفتح ١١) ، فكأن نفاقهم كان «النفاق المحض». ولقد تخلّفوا فى الحديبية ، وفى حنين ، فكان تخلّفهم نكوصا ، وينبئ عن خوف وشح بالنفس والمال ، فإذا كان ذلك حالهم وعدوهم هو ما هو عليه من ضعف باد ، فكيف مع عدو أقوى

٣١٤

يلقونه فى قابل الأيام : (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) (الفتح ١٦) ، وفى الآية إشارة إلى من يكون على أمة الإسلام أن تدفع عن نفسها أذاهم من الأمم المعادية ، أمثال : الفرس ، والرومان ، والإنجليز ، والروس ، والفرنسيين ، والأسبان ، والأمريكان ، وغيرهم ، فأما والأمر كذلك مع هؤلاء المتقاعسين ، وأى متقاعسين من بعد ، فالأولى أن لا يكون الاعتماد عليهم ، وأن يسقطوا من الحساب عند كل لقاء مع أعداء الله : (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ) (التوبة ٨٣). وفى الحديث أن المسلمين لا يستعينون فى قتالهم بكافر ، فهذه حربهم وليست حرب غيرهم ، والذى يقاتل مجاهدا إنما قتاله من أجل بيضة الإسلام ، وكى تعلو كلمة الله ، والقتال يستلزمه الإيمان ، وما كان الأعراب على شىء من الإيمان : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات ١٤) ، فلما نطقوا بالشهادتين أسلموا ولكنهم لم يؤمنوا ، فالإيمان يتطلب أكثر من الشهادتين : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (١٥) (الحجرات) ولم يكن إسلام الأعراب إلا قولا بلا عمل ، فلمّا استنفرهم للقتال والإنفاق جهارا فى سبيل الله ، تخلّفوا ، وزادوا على ذلك بادّعاء الإيمان ، فصحّحت الآية دعواهم ، وجعلوا يمنّون على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى المسلمين ، فجادلهم بالحسنى : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (الحجرات ١٧) ، فلمّا حلفوا أنهم صادقون فى إيمانهم قال تعالى : (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحجرات ١٦).

وتلخيصا لما سبق فإن المصطلحين «عربى» ، «وأعراب» من مصطلحات الحضارة والثقافة ، ومصطلح «الأعراب» كما وصف به المنافقون من البدو ، ما يزال من الممكن أن يوصف به أصحاب الثقافة الضحلة والتبعية الغربية من المستشرقين العرب من تلاميذ المبشّرين ، ومن دعاة العولمة والأخذ بالأسلوب الأمريكى فى الحكم والأخلاق والاقتصاد والسياسة والاجتماع والأدب ، فهؤلاء رعاع المثقفين ، وبهم جفاء فى الطبع ، وشك مريب ، والحذل والحقد يملأ قلوبهم على كل ما هو مسلم ، ودوافعهم فى السلوك فردية ولا يؤمنون بالقومية العربية ، وهم الذين يدلّسون علينا إمكان ولاء مزدوجى الجنسية ، وخصخصة الأملاك العامة ، وإلغاء مجانية التعليم ، وقصر التعليم العالى على الأغنياء ، وتشجيع

٣١٥

التعليم الأجنبى ، وإلغاء الطبقة الوسطى ، ودعم الأغنياء واقتصاد المترفين ، وتحديد عدد وقدرات الجيوش الوطنية ، إلى آخر ما ينبئ عن سوء الطوية وخبث النية وجفاء الطبع مما كان للأعراب قديما.

* * *

١٢٠٧ ـ الأعراف وأصحاب الأعراف

الأعراف : جمع عرف ، وهو كل عال مرتفع ، فبظهوره يعرف من المنخفض. والله تعالى أعلم بما يعنى بالأعراف ، والمصطلح إسلامى محض ، ولذا حار المستشرقون فى ترجمته ، ومن هذه الترجمات أن الأعراف Height أى المرتفعات ، وهى ترجمة مضحكة ، ومنها ترجمة دانتى أنهاPurgatory ، أى المطهر ، فتجاوزت الترجمة المعنى. وفى اللغة يقال عرف الفرس ، وعرف الديك ، فالأعراف سور له عرف كعرف الديك ، أى له شرفة. وفى الآية : (وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ) (الأعراف ٤٦) ، فالأعراف هم الذين يعرفون أصحاب النار من أصحاب الجنة ، ويفرزون كلا بسيماهم ؛ وقيل : الأعراف حجاب بين أصحاب النار وأصحاب الجنة (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) (الحديد ١٣) ، فالسور هو الحجاب ويتوسط بينهما ، وحرّاس السور هم «أصحاب الأعراف». وقيل : أصحاب الأعراف هم من استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فلم يدخلوا الجنة ولا النار. وقيل : هم فضلاء المؤمنين والشهداء من الصالحين والعلماء ، عرفوا مكانتهم ، ووقفوا يطالعون حال غيرهم ، فيتعوّذون ممن يلقى فى النار ، ويسرّون لمن يدخل الجنة. وقيل : هم عدول القيامة ، يشهدون على الناس من أصحاب الجنة وأصحاب النار بأعمالهم. وقيل : هم ملائكة مكانهم هذا السور ليميّزوا من يدخل الجنة ومن يدخل النار. فإن قيل : ولكن الآية تقول إنهم «رجال» ولا يجوز تسمية الملائكة بالرجال؟ قيل : ولكن الله تعالى سمّى الجن بالرجال : (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً) (الجن ٦) ، فلما ذا لا تسمى الملائكة بالرجال؟ وقيل : الأعراف جبل أحد يمثل فى الجنة والنار ، ويحبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم. وفى الحديث : «إن أحدا على ركن من أركان الجنة» ، قيل الركن المقصود به الأعراف ، يتعرّفون على أصحاب الجنة وأصحاب النار ، ويميزونهم بسيماهم. والأصح الاقتصار على القول فى مسائل الغيب بنصوص الآيات دون زيادة ولا نقصان. «وسورة الأعراف» سميت كذلك باعتبارها السورة الوحيدة التى تتضمن تعريفا بالأعراف وتذكر هذا المصطلح ، وهى مكية إلا من ثمانى آيات ، من الآية ١٦٣ إلى غاية الآية ١٧٠ فإنها مدنية ، وآياتها ٢٠٦ نزلت بعد ص ، وهى التاسعة والثلاثون فى النزول ، والسابعة فى المصحف (انظر عرفات).

* * *

٣١٦

كذلك باعتبارها السورة الوحيدة التى تتضمن تعريفا بالأعراف وتذكر هذا المصطلح ، وهى مكية إلا من ثمانى آيات ، من الآية ١٦٣ إلى غاية الآية ١٧٠ فإنها مدنية ، وآياتها ٢٠٦ نزلت بعد ص ، وهى التاسعة والثلاثين فى النزول ، والسابعة فى المصحف (انظر عرفات).

* * *

١٢٠٨ ـ الإعصار والريح والزوبعة

الإعصار فى اللغة هو الريح الشديد التى تهب من الأرض إلى السماء كالعمود ، كقوله تعالى : (فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ) (البقرة ٢٦٦) ، وسرعة الريح تولد الطاقة ، والطاقة تولّد النار ، فهذا نوع من الإعصار ؛ والثانى : أن الإعصار هو الزوبعة ، وأم الزوبعة ريح تثير الغبار وترتفع إلى السماء كأنها عمود ؛ والثالثة : أن الإعصار ريح تثير سحابا ذا رعد وبرق ، ويقال لها إعصار : لأنها تلتف كالثوب إذا عصر ، أو أنها إعصار لأنها تعصر السحاب : (وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً) (النبأ ١٤) ، والسحاب معصرات : لأنها حوامل فهى كالمعصر ـ أى البنت التى بلغت عصر شبابها بإدراك المحيض. أو أن السحاب معصرات لأنها تتعصّر بالرياح. وقيل الإعصار : ريح عاصف وسموم شديدة. والسموم هى الريح الحارة نهارا والباردة ليلا. وقيل : الريح السموم بالنهار ، بينما الريح الحرور بالليل ـ أى التى تكون ليلا حارة. والريح أنواع ، فالطيبة كقوله : (بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) (يونس ٢٢) ، وهى أيضا الريح الرخاء ، ونقيض ذلك الريح العاصف (يونس ٢٢) : وهى الشديدة العصف ، يقال عصفت الريح وأعصفت ، فهى عاصف ، ومعصف ومعصفة ، أى شديدة. وفى قوله : (فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً) (الإسراء ٦٩) ، والقاصف هى التى تقصف الأشياء أى تكسرها ، ومن ذلك قصف الرعد ، والقصيف هو هشيم الشجر. والريح الصرر (الحاقة ٦) لها صوت عات من شدة ما تحرق ، «والصرّ» (آل عمران ١١٧) هو صوت لهب النار. والريح العقيم (الذاريات ٤١) : قيل لها ذلك لأنها لا تلقّح سحابا ولا شجرا ، ولا بركة فيها ولا منفعة. وفى الحديث : «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدّبور» ، وريح الصبا هى التى مهبّها من الشرق ، وريح الدّبور هى التى مهبّها من الجنوب ـ وهى ريح عقيم.

* * *

١٢٠٩ ـ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

يتكرر «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» فى خمس سور ، هى : آل عمران ، والأعراف ، والتوبة ، والحج ، ولقمان ، كقوله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران ١٠٤) ، وقوله : (كُنْتُمْ

٣١٧

خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) (آل عمران ١١٠) ، وقوله : (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران ١١٤). والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم أهل الصلاح ، والفضل من الأمة ، فطالما هم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فأمتهم خير الأمم ، فإذا تركوا المعروف ، وتواطئوا على المنكر ، زال عنهم اسم المدح ، ولحقهم اسم الذمّ ، فهلكت الأمة. والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الأمم جميعها قديمها وحديثها ، وفى الحديث «من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله فى أرضه ، وخليفة رسوله ، وخليفة كتابه» ولمّا سئل صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من خير الناس؟ قال : (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) (التوبة ٦٧) ، ثم قال : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (التوبة ٧١) ، فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو الفرق بين المؤمنين والمنافقين ، وأخصّ أوصاف المؤمن لذلك هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ولكنهما لا يليقان بكل أحد ، وإنما يقوم بهما المصلحون ، وأهل الفكر ، ودعاة الأمة وعلماؤها. والفرق بين الحاكم الجيد والحاكم السيئ هو قدرة كلّ على القيام بهما كقوله تعالى : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) (الحج ٤١) ، ومع ذلك فإن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من شأن كل الناس ، وواجب على كل من يقدر عليهما ، والاستطاعة هى شرط القيام بهما ، وبحسب من لا يستطيع ذلك أن يكون قلبه مع محبة المعروف وكراهية المنكر ، وتدل الآية : (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) (لقمان ١٧) على جواز الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع خوف الأذى ، وربما السجن ، أو القتل. وفى الحديث : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». والأمر بالمعروف باليد ، يعنى بالقوة ، على أهل السلطة وحدها ، وباللسان على الدعاة والعلماء وأهل الفكر ورجال الصحافة والإعلام وأساتذة الجامعات ، وبالقلب على عوام الناس ، ولذلك قال أهل الحكمة : كل بلدة يكون فيها أربعة ، فأهلها معصومون من البلاء : حكومة عادلة : لا تظلم ، وتنشر العلم ، وتوفر الخدمات الصحية ، ولا يصدر مجلسها التشريعى قوانين لمصلحة الأغنياء ، ولا تسمح بالفساد ، وتساوى بين الناس فى الحقوق والواجبات بحسب قدرة كلّ ؛ وأهل علم وطنيون غيورون ؛ وصحافة شعبية قومية ؛ ومصلحون : يستنهضون الأمة ويحرضونها على الصلاح والإصلاح.

* * *

٣١٨

١٢١٠ ـ الأنصار : المصطلح ومضمونه

جمع ناصر ، كأصحاب وصاحب ، أو جمع نصير ، كأشراف وشريف ، واللام فيه للعهد أى أنصار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمراد بالأنصار الأوس والخزرج ، وكانوا قبل ذلك يعرفون ببنى قيلة ، بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة ، وهى الأم التى تجمع القبيلتين ، فسمّاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «الأنصار» ، وكان ذلك ليلة العقبة لمّا توافقوا مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند عقبة منى فى الموسم ، فصار ذلك علما عليهم ، وأطلق أيضا على أولادهم وحلفائهم ومواليهم ، وخصّوا بهذه المنقبة لإيوائهم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن معه ، والقيام بأمرهم ، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم ، وإيثارهم على أنفسهم فى كثير من الأمور ، فكان صنيعهم لذلك موجبا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم ، والعداوة تجر البغضاء. وما اختصوا به أوجب لهم الحسد ، والحسد يجرّ البغضاء كذلك ، فاستوجب أن ينبّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى ذلك وقال حديثه المشهور عن أنس : «آية الإيمان حبّ الأنصار ، وآية النفاق بغض الأنصار» ، وحديثه عن البراء بن عازب : من أحبّ الأنصار فبحبى أحبّهم ، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم» ، وحديثه عن أبى سعيد : «لا يبغض الأنصار رجل مؤمن بالله واليوم الآخر» ، وحديثه عند أحمد : «حبّ الأنصار إيمان ، وبغضهم نفاق» ، فحذّر من بغضهم ، ورغّب فى حبّهم ، حتى جعل ذلك آية للإيمان والنفاق ، لما لهم من عظيم الفضل ، وكريم العقل.

وكانت بين الأنصار مع بعضهم البعض حروب ، لم تكن من جهة الإسلام ، ولكنها كانت لأمور طارئة اقتضت المخالفة ، فلم يكن ذلك بغضا من نوع البغض الذى قال به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذى يستوجب النفاق ، وحالهم فى حال الخلافات التى كانت بينهم حال المجتهدين فى اختلافاتهم فى الأحكام ، فللمصيب منهم أجران ، وللمخطئ أجر واحد.

وفى المصطلح القرآنى فإن الأنصار تستدعى المهاجرين فى قوله تعالى : (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (التوبة ١٠٠) ، ثم فى قوله تعالى : (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) (التوبة ١١٧) فنبّهت تلك الآيات إلى أن من المهاجرين ، ومن الأنصار ، سابقين وتابعين ، وكلاهما محسن قد رضى الله عنهم ورضوا عنه ، وهؤلاء السابقون من الأنصار هم أصحاب بيعة الرضوان عام الحديبية ، وهم الذين صلّوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والمهاجرون هو المصطلح المقابل للأنصار. وأهل السنّة على تبجيل هؤلاء وهؤلاء ، على عكس الشيعة الدائبين على سبّهم ، والمستمرين على بغضهم. والأنصار : اسم إسلامى خالص ، قيل

٣١٩

لأنس بن مالك : أرأيت قول الناس لكم : «الأنصار» ، اسم سمّاكم الله به ، أم كنتم تدعون به فى الجاهلية؟ قال : بل اسم سمّانا الله به فى القرآن. وكانت توبة الله تعالى على المهاجرين والأنصار لمّا تشككوا فى غزوة تبوك ، فقد كانت السنة مجدبة ، والحرّ شديدا حتى زاغت قلوب البعض الذين تشككوا ، وارتابوا للذى نالهم من المشقة والشدّة ، فهذه توبة الله عليهم من هذه الريبة وذلك الشك ، فلما تاب عليهم رزقهم الإنابة إلى ربّهم. وتوبته على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى إذنه للمنافقين فى التخلّف عن الجهاد ، وأما المتشككون فالشك فى الضمير والنية ولكنه ظهر فى حالتهم بأن همّوا بالانصراف ، وتوبته عليهم أن تدارك قلوبهم فلم تزغ ، فكذلك سنّة الله تعالى مع أصفيائه : إذا أشرفوا على العطب ، وقاربوا من التلف ، واستمكن اليأس من قلوبهم من النصر ، ووطّنوا أنفسهم على مذاقة البأس ، أمطر عليهم سحائب الجود ، فتشرق الشمس بعد مغيب ، ويرتوى الزرع بعد يبس ، وتدبّ الحياة فيما كاد يموت ، ويردّ الأنس بعد أن كان قد انمحى ، وتصير أحوالهم كما قال شاعرهم :

كنا كمن ألبس أكفانه

وقرّب النعش من اللحد

فجال ماء الرّوح فى وحشة

وردّه الوصل إلى الورد

تبارك الله سبحانه : وفى المصطلح القرآنى «أنصار الله» : (قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) (آل عمران ٥٢ ، والصف ١٤) ، وفى الآية أن عيسى لما استشعر الكفر قال : (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ) (آل عمران ٥٣) ، و «الأنصار إلى الله» هم الذين يناصرونه فى الطريق إلى الله ، أو مع الله ، أى فى الدعوة إلى الله ، ومن ذلك قول نبينا صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من رجل يؤوينى حتّى أبلّغ كلام ربّى». و «الحواريون» مصطلح قرآنى آخر يعنى أيضا الأنصار ، ويختص به عيسى ، وهم تلاميذه ، من حار بمعنى مراجعة الكلام ومجاوبته ، وكان الحواريون أنصارا للمسيح ، ولكل نبىّ حواريون أى أنصار يؤمنون به ، ويدعون بدعوته ، وهم لذلك أنصار الله ، يساعدون النبىّ على التجرّد لحقّه ، والخلوص فى قصده.

وشاع مصطلح الأنصار فاستخدمه أتباع المهدى فى السودان ، وفى مصر أنصار السنّة المحمدية ، وفى أوروبا اقترح المسلمون على تيتو مصطلح الأنصارPartisans ، والمسلمون كشعب كانوا ضمن شعوب يوغوسلافيا ، وهم سكان البوسنة والهرسك وكوسوفا ، وهذا بعض فضل القرآن والسنّة على الناس.

* * *

١٢١١ ـ الأنعام وبهيمة الأنعام

فى قوله : (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ) (المائدة ١) ، البهيمة : اسم لكل ذى أربع ، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها ، وعدم تمييزها وتعقلها ، ومن ذلك قولنا باب

٣٢٠

مبهم أى مغلق ، ودليل بهيم. والأنعام : هى الإبل والبقر والغنم ، سميت بذلك لأنها نعم ، وصفها الله تعالى فقال : (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ) (النحل) ، وقال : (وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً) (الأنعام ١٤٢) ، والحمولة : هى التى تطيق أن يحمل عليها ، كالإبل والحمير والبغال ؛ والفرش ما يؤكل لحمه ويحلب كالغنم. وبالقرآن سورة كاملة باسم «الأنعام» هى السورة السادسة فى ترتيب المصحف. والأنعام المقصودة : (ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) (الأنعام ١٤٤) ، واثنان أى الذكر والأنثى ، فما انضاف إلى هذه من سائر الحيوان فيقال له أنعام بمجموعه معها ، ويخرج عن ذلك المفترس كالأسد ، وكل ذى ناب ؛ وبهيمة الأنعام : هى الراعى من ذوات الأربع ، وذوات الحوافر ليست منها ، لأنها وإن كانت راعية ، وغير مفترسة ، إلا أنه أفردها فقال : (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً) (النحل ٨). وقيل بهيمة الأنعام ما لم يكن صيدا ، لأن الصيد يسمى وحشا لا بهيمة.

* * *

١٢١٢ ـ الأوّابون

الأوّاب : هو التوّاب ، كلما ذكر ذنبه استغفر. وفى القرآن الأوّابون ثلاثة من الأنبياء : داود ، وسليمان ، وأيوب ، فقال تعالى فى داود : (إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص ١٧) ، وقال : (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) (سبأ ١٠) ، (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (ص ١٩) ؛ وقال فى سليمان (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص ٣٠) ؛ وقال فى أيوب : (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص ٤٤). والأوّاب : من آب يئوب ، يقال له كذلك : إذا رجع ، وكان داود كلما تذكر ذنبا استغفر ، ونبينا صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يفعل أكثر من ذلك ، قال : «إنى لأستغفر الله فى اليوم والليلة مائة مرة» أخرجه مسلم. وداود سبّحت الجبال معه والطير ، يعنى رجّعت تسبيحه ، وكان يرنّمه وينشده ويعزفه على المزمار ، فتطرب الطير وتزدحم عليه. وكان سليمان يدرك ذنبه مباشرة ويستغفر ويعاقب نفسه ، وامتدحه الله فقال «نعم العبد» ، ونعم لا تقال إلا للمبالغة فى المدح ، ولم يوصف بها نبىّ إلا اثنان : سليمان وأيوب ، فأما سليمان فكان سريع الأوبة ، ولذلك قال فيه الله تعالى : (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) (ص ٤٠) والزلفى القربة ، وحسن المآب هو حسن المرجع ؛ وأما أيوب فكان صابرا وذهب مثلا فى الصبر والاستغفار. والأوّابون : هم المتّقون تزلف لهم الجنة ، كقوله تعالى : (هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) (ق ٣٢) وهو

٣٢١

الرجّاع إلى الله والمسبّح. وقيل : الأوّاب الحفيظ : هو الذى لا يجلس مجلسا حتى يستغفر ، وإذا قام من مجلسه قال : «سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، استغفرك وأتوب إليك». والأوّاب وعد الغفران ، كقوله : (كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً) (الإسراء ٢٥) ، فكلما يذنب يتوب ، ثم يذنب ويتوب ، وهو لذلك أوّاب حفيظ ، يعنى فى باله دائما ما أذنبه ، وهو دائما يستغفر عنه. وفى الصحيح : «صلاة الأوّابين حين ترمض الفصال» ، وهى صلاة الضحى ، فمن يصليها كان من الأوّابين ؛ والفصال جمع فصيل ولد الناقة ؛ وترمض تبرك فى الرمضاء ، أى الرمل يشتد حرّه فتحرق أخفاف الفصائل. وفى الحديث : «من حافظ على أربع ركعات من أول النهار كان أوّابا حفيظا».

* * *

١٢١٣ ـ الأوّاه والأوّاهة

الأوّاه : هو الكثير التأوّه من الذنوب ، يقول آه آه ، أو أوه أوه ؛ والوحيد من الأنبياء الذى وصف بأنه أوّاه هو إبراهيم فى قوله تعالى : (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة ١١٤) ، وقوله : (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) (هود ٧٥) ، فكان أوّاها لأنه كان شفيقا ، وكان إذا ذكرت النار يكثر التأوّه ، والمتأوّه : هو الباكى النادم المتضرّع الخاشع ، وآهاته : هى أن يقول آه ، ينطقها بحرقة. وعن أنس : أن امرأة تكلمت عند النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكانت تتأوّه وتقول : آه آه ، فنهاها عمر ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «دعوها فإنها أوّاهة» ، قالوا : وما الأوّاهة؟ قال : «الخاشعة». والأوّاهة : هى المظلومة ، والتأوّه توجّع ، يقول الشاعر :

فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها

ومن بعد أرض بيننا وسماء

وربما تقلب الواو ألفا فيقال آه ، وربما تشدّد الواو وتكسر وتسكّن الهاء فيقال أوّه ، أو تشدّد وتفتح الواو فيقال أوّه ، وربما تحذف الهاء مع التشديد فيقال : أوّ من كذا ، أو تمدّ الألف فيقال آوه ، أو تضاف تاء فيقال أوّتاه. وكان إبراهيم من شدّة تأوّهه إذا قام يصلى يسمع وجيب قلبه.

* * *

١٢١٤ ـ الإيلاء

آلى يؤلى إيلاء ، وتألّى تألّياء ، وائتلى ائتلاء ، أى حلف ، ومنه قوله تعالى : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة). والإيلاء : كان فى الجاهلية يستغرق السنة والسنتين ، وربما أكثر من ذلك ، يقصدون من ذلك إيذاء المرأة ، فوقّت لهم القرآن أربعة أشهر ، فمن آلى بأقل من ذلك فليس إيلاء حكمى. وقد آلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وسبب إيلائه : نساؤه ، فقد سألنه من النفقة ما ليس عنده ، وقيل : لأن زينب ردّت هديته ، فغضب وآلى منهن ، والصحيح أنهن

٣٢٢

اجتمعن وطالبن منه النفقة ، ولذلك آلى منهن ، ولو كان الأمر أمر زينب وحدها لآلى منها وحدها.

ويلزم الإيلاء كل من يلزمه الطلاق ، فالذى يؤلى يشترط فيه أن يكون بالغا ومتزوجا وغير سكران ، ولا يصح الإيلاء إلا باليمين بالله ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» أخرجه البخارى ، وكل يمين منعت جماعا فهى إيلاء ، أى أنه يحلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر ، فإن حلف على أربعة أشهر فما دونها لا يكون موليا وكانت يمينا محضا ، ولو وطئ فى هذه المدة لم يكن عليه شىء كسائر الأيمان ، والله قد جعل التربّص فى الإيلاء أربعة أشهر فصاعدا ، كما جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا ، والعدة ثلاثة قروء ، فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء ، ولا يسقط إلا بالفىء وهو الجماع فى داخل المدة ، أو الطلاق بعد انقضاء الأربعة أشهر ، ولا يشترط الغضب للإيلاء. وفائدة الأربعة أشهر أنها لتأديب المرأة بالهجر ، وقيل الأربعة أشهر هى التى لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنها أكثر منها ، وقد سأل عمر النساء. كم مقدار ما تصبر المرأة عن زوجها فقلن :

شهرين ، ويقل صبرها فى ثلاثة أشهر ، وينفد صبرها فى أربعة أشهر. والفيء فى الآية هو الجماع ، وإذا فاء فلا كفارة عليه ، للحديث الذى يقول : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها ، فإنّ تركها كفارة» ، وإذا كفّر عن يمينه سقط إيلاؤه.

* * *

١٢١٥ ـ البخل والشّحّ

البخل منهىّ عنه ، يقول تعالى : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) (آل عمران ١٨٠) ، ويقول : (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى) (الليل ٨) ، ويقول : (فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (٧٦) (التوبة) ، ويقول : (تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ) (محمد ٣٨) ، ويقول : (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الحديد ٢٤) ؛ وكذلك الشّحّ ، يقول تعالى : (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ) (النساء ١٢٨) ، ويقول : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر ٩) ، ويقول : (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) (الأحزاب ١٩).

والبخل والبخل فى اللغة : أن يمنع الإنسان الحق الواجب عليه ، فأما من منع ما لا يجب عليه فليس ببخيل ، لأنه لا يذمّ بذلك. وفى الرواية أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال للأنصار : «من سيدكم»؟ قالوا : الجدّ بن قيس ـ على بخل فيه. فقال : «وأىّ داء أدوى (أقبح) من

٣٢٣

البخل»؟ قالوا وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال : «إن قوما نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم ، فقالوا : ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء ، وتعتذر النساء ببعد الرجال ، ففعلوا وطال ذلك بهم ، فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء»!!

والبخل بخلاف الشّحّ. وقيل : البخل : هو الامتناع من إخراج ما هو عندك ؛ بينما الشّحّ : هو الحرص على تحصيل ما ليس عندك. وقيل : الشّحّ : هو البخل مع الحرص ؛ والبخل : منع الواجب ، والشح : منع المستحب. وفى الحديث : «ولا يجتمع شحّ وإيمان فى قلب رجل مسلم أبدا». وقيل : الشح أشدّ فى الذمّ من البخل. وفى الحديث لمّا سئل صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أيكون المسلم بخيلا؟ قال : «لا»!

* * *

١٢١٦ ـ البدعة والمبتدعة

البدعة : ما أحدث على غير مثال سابق ، كقوله تعالى : (وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) (٢٧) (الحديد) ، وقوله : (ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف ٩). والمبتدعة أصحاب البدع. ومن يأثم بصاحب بدعة فعليه إعادة الصلاة ، فإن لم يظهر المبتدع بدعته فلا إعادة على المؤثم به ؛ وإن خاف المصلّى على نفسه من أهل بدعة صلى خلفهم ثم أعاد الصلاة. ولا يترك المسلم صلاة الجمعة والعيدين ولو صلى خلف إمام مبتدع أو فاسق. وفى الصلاة على الميت فإن أحق الناس بالصلاة عليه من أوصاه بها ، فإن كان من المبتدعة لم يقبل المصلون وصية الميت ويقدّم عليه غيره. ولا يصلّى على مبتدع. ومن البدع المكروهة فى الجنائز رفع الصوت ، ومسّ جسد الميت بالأيدى ، وتكره المجام فيها البخور ، واتباع النساء إذا كن نائحات ، ولا يزوّج أهل البدع. وطلاق البدعة : هو أن يطلق الرجل امرأته وهى فى حيض أو طهر أصابها فيه. والتوبة من البدعة بالاعتراف بها ، والرجوع عنها ، واحتقار ضد ما كان يعتقد منها.

* * *

١٢١٧ ـ البرّ والبرّ والأبرار

البرّ من أسماء الله الحسنى ، وهو الذى يفعل البرّ ، ويحسن بالخير ، ولا يصدر منه القبيح. وهو تعالى البرّ ، يمنّ على السائلين بحسن العطاء ، وعلى العابدين بجميل الجزاء ، ولا يقطع الإحسان بسبب العصيان. ويأتى اسمه تعالى «البرّ» مرة واحدة فى القرآن : (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور ٢٨) ، قرأتها عائشة فدعت

٣٢٤

ربّها : اللهم منّ علينا وقنا عذاب السموم ، إنك أنت البرّ الرحيم» ، لأنه الذى يحسن إلينا فى الدنيا والآخرة ، ويؤتينا من لدنه الرحمة الواسعة. وحظّ العبد من اسمه تعالى «البرّ» أن تكون أعماله برّا ، ليعرف ربّه «البرّ». وسبيل البار إلى الله «البرّ» هو البرّ. والبرّ يأتى ثمانى مرات فى القرآن ، وهو فى التعريف ما يصنع البار بارا ، ويقابله الإثم ، كقوله تعالى : (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) (المائدة ٢) ، ويقرن بالتقوى ، كقوله : (وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى) (المجادلة ٩) فالبرّ فى الأفعال كما هو فى الأقوال ، ومن وجوهه فى الأفعال قوله تعالى : (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران ٩٢) ، وقوله : (الْبِرَّ مَنِ اتَّقى) (البقرة ١٨٩) ، فالإنفاق برّ. وكذلك التقوى برّ. وجماع الأمر فى البرّ فى الآية : (الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (١٧٧) (البقرة) ، فهذه عشرة أبواب للبرّ. ومن الخبر : البرّ هو العمل الصالح ، وفى الحديث : «عليكم بالصدق فإنه يهدى إلى البرّ ، وإن البرّ يهدى إلى الجنة». وأبواب البرّ العشرة من حيّى بها وعاش لها وسلك بمقتضاها فهو من الأبرار ، سمّاهم (عِبادُ اللهِ) (الإنسان ٦) ، ووصفهم فقال : (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (٨) (الإنسان) وحالهم فى البرّ قوله تعالى : (إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) (الإنسان ١٠) ، ودعاؤهم فيه قوله : (رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) (١٩٣) (آل عمران) ، فلأنهم الأبرار كانوا المختصين بحقائق التوحيد ، والقائمين صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشرائط التفريد ، والواقفين معه بخصائص التجريد ، فوصلوا إلى الثواب المقيم : (نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) (١٩٨) (آل عمران) ، وبقوا فى الوصلة والنعيم ، كقوله تعالى : (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (١٤) (الانفطار) ، والفجّار نقيض الأبرار ، وما عند الله مما ادّخره للأبرار هو خير مما أملوه باختيارهم ، ومقامهم مع الله البرّ الرحيم هو مقام النعيم الدائم ، لهم فيه النضرة تعرف فى وجوههم ، وهى من سمتهم والعلامة الدالة عليهم ، وهم اليوم فى روح العرفان ، وراحة الطاعة والإحسان ، ونعمة الرضا ، وأنس القربة ، وبسط الوصلة ، وغدا سيكونون فى الجنة ، ولهم ما وعدوا به من فنون الزلفة والقربة.

والأبرار واحدهم البرّ والبار ؛ والبرّ من امتثل أمره تعالى ؛ وتجمع البار على بررة ، نقول فلان يبرّ خالقه ويتبرره أى يطيعه ، والأم برة بولدها ، وعن ابن عمر عن رسول الله

٣٢٥

صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «سمّاهم الله تعالى بررة ، لأنهم برّوا الآباء والأبناء» ، فكما أن للوالد حق على ولده : (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ) (مريم ١٤) ، (وَبَرًّا بِوالِدَتِي) (مريم ٣٢) ، فكذلك للولد حقّ على والده. ومن المأثورات : البرّ لا يؤذى الذرّ ـ وهم الأولاد. وفى الحديث : «الأبرار الذين لا يؤذون أحدا». ومن مأثورات الدعاء : «اللهم أنت البرّ الرحيم فى برّك لمن زاد فى شكرك. وأنت البرّ بالمبارّ ، والرحيم بالأنوار. وأنت البرّ بما أوليت من الرضوان ، والرحيم بما أسديت من الغفران. وأنت البر بما وفّقت فى المعاملات ، وأنت الرحيم بما حققت من المواصلات».

* * *

١٢١٨ ـ البشارة والنذارة

يقول تعالى : (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) (البقرة ٢٥) ، والتبشير هو الإخبار بما يظهر أثره على البشرة ـ أى ظاهر الجلد ، لأنه يتغير بما يرد على السامع من أخبار ، أو ما يبصر من مشاهد ، أو ما يطرأ على ذهنه من أفكار. والغالب أن البشارة تكون فى السرور ، يقيده أو لا يقيده الخير المبشّر به ، فإذا كانت فى الغمّ والشرّ تأتى مقيدة تنصّ على الشرّ المبشّر به ، كقوله تعالى : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (آل عمران ٢١). ومن البشارة البشرى : وهى ما يبلّغ به المبشّر ، كقوله : (وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) (البقرة ٩٧). والبشير نقيض النذير ، كقوله : (أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً) (البقرة ١١٩) ، وفى الجمع : (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) (البقرة ٢١٣) ، وفى المؤنث : (الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ) (الروم ٤٦) تبشّر بالخبر لأنها تحمل المطر تنبت به الزروع ، ومنها الاستبشار ، كقوله : (ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) (عبس ٣٩) أى متفائلة ؛ والاستبشار هو التفاؤل ، كقوله : (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ) (التوبة ١١١). وتتكرر مادة البشارة فى القرآن ٨٥ مرة ، ونقيضها النذارة ، وتأتى ١٢٣ مرة ، وفى سورة المرسلات تصنّف الملائكة أصنافا ، منها «الملقيات ذكرا» تختص بالتبليغ (عُذْراً أَوْ نُذْراً) (المرسلات ٦) ، يعنى إعذارا من الله أو إنذارا إلى خلقه ، ويعذر بالذكر إلى الناس من عذابه ، أو ينذر والمؤمنون ، أو أن العذر لهم ، والنذر لغيرهم. والعذر يكون للأولياء ، والنذر يكون للأعداء ، وهما بالتثقيل على جمع عاذر وناذر. والقرآن يحفل بالبشارة والنذارة ، كقوله : (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا) (مريم ٩٧) ، واللّدّ هم الصمّ عن الحق ، وقوله : (إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) (فاطر ١٨) يقصد بهم الذين يقبلون الإنذار ولا يرفضونه ، وهؤلاء هم من يخشون العقاب ، كقوله : (إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) (يس ١١). ومن المنذرين : (أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها) (الشورى ٧) أى مكة ، وكل الدنيا من حولها ، باعتبارها تتوسط المعمورة بين القارات ، و (الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً)

٣٢٦

(الكهف ٤) أى النصارى ، و (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ) (يس ٧٠). والأنبياء هم حملة البشارة والنذارة ، كقوله تعالى : (قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (١١) (إبراهيم) ، وإلا ما كان البشر يستمعون إليهم ولا يقتدون بهم. وأولى الناس بالنذارة أقارب الأنبياء (نوح ١) ، يبدءون بهم لأنهم أهلهم وخاصتهم. وموضوع النذارة : أن «لا إله إلا الله فاتقوه» (النحل ٢) ، ونذارات الأنبياء بلاغات من الله (إبراهيم ٥٢) ، والقاعدة أن لكل أمة نذير (فاطر ٢٤) ، وكلما جاء النذير الأمم زادوا نفورا (فاطر ٤٢) ، وكان نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم البشير والنذير للناس كافة (سبأ ٢٨) ، وذكره الله تعالى فقال : (هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى) (النجم ٥٦) ، أى نذير بالحق الذى أنذر به الأنبياء قبله ، أو نذير بما أنذرت به الكتب الأولى. والنّذر فى قول العرب بمعنى الإنذار ، كالنّكر بمعنى الإنكار. وفى قوله : (حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ) (القمر ٥) يقصد بالحكمة الدرس المستفاد من التاريخ ، عبّر عنه بالأنباء التى فيها مزدجر ، يعنى تزجرهم عن المراء والضلال. وفى تاريخ الأمم كما يروى القرآن حكمة وأى حكمة ، للمصدّقين ، وأما المنكرون فما تغنى النذر معهم مع إصرارهم على الإنكار والتكذيب. وقوله : (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) (القمر ٢١) سؤال فيه إقرار وتنبيه وتحذير ويجيء كالمثل.

* * *

١٢١٩ ـ التوكّل والمتوكلون

التوكّل : فى اللغة إظهار العجز والاعتماد على الغير ؛ تقول تواكل فلان : إذا ضيّع أمره متّكلا على غيره. والتوكل يكون على الله كقوله تعالى : (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود ٨٨) أى عليه الاعتماد : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (يوسف ٦٧) أى أحكامه وقضاؤه موثوق بهما ويعتمد عليهما. والتوكل من شأن المتوكلين ولا يأتيه إلا المؤمنون : (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (آل عمران ١٢٢) ، ولا يصح إلا مع الصبر : (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (العنكبوت ٥٩) ؛ وهو دليل الإيمان : (وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة ٢٣) ، ودليل الإسلام : (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) (يونس ٨٤) ، والله وكيل على كل شىء : (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الأنعام ١٢) ، وهو الوكيل حقا : (وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً) (النساء ٨١) ، و (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران ١٧٣). والتوكل : هو الرضا بما قسمه الله ، وقطع الطمع من المخلوقين ، وليس ترك الأسباب والركون إلى مسبب الأسباب ، فالله يدعو إلى العمل والاكتساب ، وفى الحديث : «إن الله يحب العبد المحترف» أخرجه أحمد. والسعى لا بد منه وهو من الأسباب ،

٣٢٧

غير أن المتوكل لا يلتفت بكل قلبه إلى الأسباب ، وينشغل بها عن مسبب الأسباب ، فعندئذ يزول وينسلخ عنه اسم المتوكل. والأسباب لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا ، بل السبب والمسبب فعل الله ، والكل منه وبمشيئته تعالى. ولم يخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة واستئجاره الدليل ، واستكتامه الأمر ، واستتاره فى الغار ، فليس من ضرورة التوكل قطع الأسباب ، ولو أن إنسانا جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار. والمتوكلون على حالين : الأول : حال المتمكّن فى التوكّل فلا يلتفت إلى شىء من تلك الأسباب بقلبه ؛ والثانى : حال غير المتمكّن ، وهو الذى يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب أحيانا.

* * *

١٢٢٠ ـ التيمم

التيمم مما خصّت به أمة الإسلام ، توسعة عليها ، وفى الحديث : فضّلنا على الناس بثلاث : جعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا ...» الحديث. والتيمم فى اللغة : هو القصد ، تقول تيممت الشيء : قصدته ؛ وتيممت الصعيد : تعمدته ؛ وتيممته برمحى وسهمى : قصدته. وقوله تعالى : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (النساء ٤٣) أى اقصدوا ، ثم كثر استعمالهم لهذا المصطلح القرآنى البحت حتى أجيز التيمم : يعنى مسح الوجه واليدين بالتراب ، وهذا هو التيمم الشرعى.

وآية التيمم هى الآية : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً) (النساء ٤٣) ، نزلت فى عائشة لما أضاعت قلادتها وكانت لأختها أسماء بنت أبى بكر ، فبعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجالا يبحثون عنها ، فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ، ولم يجدوا ماء ، فصلّوا وهم على غير وضوء ، وأنزل الله آية التيمم. وقيل الآية نزلت فى عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو جريح فرخّص له أن يتيمم ، ثم صارت الآية عامة فى جميع الناس. وقيل : إن المكان الذى كان فيه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقت أن نزلت آية التيمم يقال له الصلصل ، وقيل إن عائشة فقدت قلادتها أو عقدها فى ليلة الأبواء وهى قرية بين المدينة والجحفة. وقد روى أن أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصابتهم جراحة نفشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة ، فشكوا ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، مع عدم وجود الماء ، فنزلت الآية. وقيل : إن الجراحة كانت بسبب غزوتهم المريسيع التى قفلوا منها ، وكانت الغزوة فى شعبان فى السنة السادسة من الهجرة. وقيل إن آية المائدة هى آية التيمم ، والصحيح أنها آية الوضوء وفيها عن

٣٢٨

التيمم أيضا ، تقول : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة ٦) ، ولا يذكر التيمم إلا فى هاتين الآيتين ، والنساء أسبق فى النزول من المائدة ، إذ أن ترتيب النساء فى النزول السادسة ، بينما المائدة السادسة والعشرون ، وعلى ذلك فإن حكاية عقد عائشة ترتبط بسورة النساء وليس بسورة المائدة ، وربما الحكاية لا أصل لها ولكنه توالى التشريع ، فبعد الوضوء بالماء كان التيمم بلا ماء. والتيمم أصلا بالتراب أو بالرمل ، وقد تيمم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن مسح يديه على الجدار. والصعيد الطيب هو التراب الطاهر ، والمسح على الوجه واليدين هو جرّ اليدين على الممسوح ، وإذا وضع المتيمم يديه على التراب ينفضهما ثم يمسح بهما ، ويبلغ فى اليدين إلى أنصاف الذراعين ، وقيل إن ضرب التراب باليدين إنما هما ضربتان ، ضربة للوجه ، وضربة لليدين ، وقيل بضربة واحدة.

* * *

١٢٢١ ـ الجدل والجدال

الجدل هو الفتل ، ومنه رجل مجدول الخلق ، ومنه الأجدل للصقر. وقيل الجدل من الجدالة وهى الأرض ، يريد كل من الخصمين أن يلقى صاحبه عليها ، تقول تركته مجدلا ، أى مطروحا على الجدالة. وفى قوله تعالى : (وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ) (الكهف ٥٤) ، أى جدالا ومجادلة ، يعنى أن الجدال أكثر ما يميز الإنسان ، لدأبه أن يمارى فى الحق. والجدال بخلاف الجدل ، فالجدل فى الحق ، والجدال فى الباطل. والجدال على وزن فعال من المجادلة ، أى المصارعة كما قلنا ، فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه. والجدال فيه السباب والمماراة كقوله تعالى : (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ) (البقرة ١٩٧) ، وقوله : (قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) (هود ٣٢) ، أى أكثرت خصومتنا وبالغت فيها بالباطل ، والجدال فى لغة العرب : المبالغة فى الخصومة. والجدل فى الدين ، وفى أى أمر محمود ، ولهذا جادل نوح والأنبياء أقوامهم حتى يظهر الحق. والجدال مذموم لأنه لغير الحق ، ولإظهار الباطل فى صورة الحق. وللجدل أصول كقوله : (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (العنكبوت ٤٦) ، وقيل : ومعنى «بالتى هى أحسن» أى بالمنطق والعقل والحجى ، كقوله : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ

٣٢٩

وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل ١٢٥) ، فالتى هى أحسن هى الموعظة الحسنة ، واستثنى من أهل الكتاب «الذين ظلموا» وهم أهل الحرب. ومن الخطأ أن يقال أن آية «الجدل بالتى هى أحسن» نسختها «آية القتال» المسماة «آية السيف» أيضا التى تقول : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ) (التوبة ٢٩) فالمقصود مقاتلة «هؤلاء الذين ظلموا» ـ يعنى أهل الحرب ـ وليس كل أهل الكتاب. ومن علامات المجادل فى الباطل أن يكون جداله : (بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) (الحج ٣) مثل النضر بن الحارث ، وأبى جهل بن هشام ، وكلاهما كان بلا علم يصدر عنه ، وما كان له نبىّ قد تلقّى عليه ، ولا كان يرجع فيما يقول إلى كتاب ينطق بالحق ، وكان ينقل عن شياطين الإنس يملون عليه ما يقول ، وشياطين الجن يوسوسون فى قلبه الجدال بالباطل. والنضر جادل فى الله وقدرته على البعث ، وأبو جهل جادل فى النبوة ، وعلى منوالهم جادل آخرون ، كقوله : (الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ) (غافر ٥٦) والسلطان هو الحجة والبرهان. والدافع إلى الجدال بلا حجة ولا برهان هو دافع نفسى فى كل الأحوال وليس دافعا موضوعيا ، ويصدر عن الكبر وشعور متوهم بالعظمة ، فقد كانوا يزعمون أنهم محافظون وأصوليون إذا لم يتمسكوا بتراث الآباء فآثروا الكفر على الإيمان. والكبر هو الذى يجعل الإنسان أكثر شىء جدلا ، وهو الذى يصرف المتورطين فى الجدال عن الحق ، كقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) (غافر ٦٩) أى كيف يصرف الكبر عقولهم وقلوبهم إلى الجدل فيضلّون ولا يهتدون.

* * *

١٢٢٢ ـ الحرية من مصطلحات القرآن

قالت امرأة عمران : (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً) (آل عمران ٣٥) ، ومحرّرا من الحرية ضد العبودية ، ومن هذا تحرير الكتاب ، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد. وقيل : إن المحرّر الخالص لله ، لا يشوبه شىء من أمر الدنيا. وفى اللغة يقال لكل ما خلص : حرّ ، ومحرّر بمعناه ، ويقال طين حرّ لا رمل فيه ، وفى القصاص فإن الآية : (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى) (البقرة ١٧٨) فيها إجمال يبيّنه قوله تعالى : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (المائدة ٤٥) ، وأوضحته السنّة لما قضى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتل اليهودى بالمرأة ، فلا أحرار ولا عبيد فى القصاص ، ولا ذكور ولا إناث ، والكل سواء ، ومن قتل نفسا عامدا يقتل بها ، فالحرّ يقتل بالعبد ، والمسلم يقتل بالذمّى ، ويتساوى الذمى والمسلم فى حرمة الدم ، وكلاهما محقون الدم على التأبيد ، ويعاقب المسلم بسرقة مال الذمى ، ويتساوى مال المسلم ومال الذمّى كمساواتهما فى الدم ، والمال يحرم بحرمة مالكه ، والنفس تكافئ

٣٣٠

النفس ، والطفل يكافئ الكبير ، وتكافئ المرأة الرجل ، والرجل المرأة ، وكذلك القصاص بينهما دون النفس ، والأب يقتل بابنه إذا تعمّد قتله ، والمؤمنون تتكافأ دماؤهم ، وتقتل الجماعة ولو مائة بالواحد ، وقضى عمر بقتل سبعة قتلوا رجلا من صنعاء ، وقال : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا. أخرجه مالك ، وفى فلسفة ذلك : أن الجماعة لو علموا أنهم إذا قتلوا الواحد لم يقتلوا به ، لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم مشاركة بينهم فيضيع دم القتيل بينهم ، والأصح قوله تعالى : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) (البقرة ١٧٨) ، والعفو هو الترك ، والقاتل إذا عفا عنه ولى المقتول فله الدية بالمعروف ، وتؤدّى إليه بإحسان ، وفى الحديث : «من قتل له قتيل ، فله أن يقتل ، أو يعفو ، أو بأخذ الدية» أخرجه الترمذى.

وعن حرية العقيدة يأتى فى القرآن : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) (البقرة ٢٥٦). ومن حرية القول : البلاغ كقوله : (بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) (المائدة ٦٧) والبلاغ يحتاج للإقناع ، ولا إقناع بلا حوار ، كحواره صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثلا مع المجادلة ، وحوار أنصار المسيح معه ، والحوار جدل ، والجدل لا يكون جدلا إلا إذا قام على المنطق ، كقوله تعالى : (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل ٢٥) قيل : الأحسن يعنى مقارعة الحجة بالحجة ، والبرهان بالبرهان ، والدليل بالدليل ، وهو المنطق. وعن حرية الاجتماع : أن الجماعة تتألف بعضها البعض ، وتتداول فيما يخصّها ، وتتفق على الأمر الجامع لها (النور ٦٢) ، وللجماعة أن تكون لها أماكن عباداتها : (صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ) (٤٠) (الحج) ، وهذه هى حرية العبادة.

* * *

١٢٢٣ ـ الحسد شرّ

الحسد : هو تمنّى زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء ٥٤) ، بينما المنافسة : هى تمنّى مثل نعمة الغير وإن لم تزل. فالحسد شرّ مذموم : (وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ) (الفلق ٥) ، والمنافسة مباحة ، وهى الغبطة ، وفى الحديث : «المؤمن يغبط ، والمنافق يحسد». والحاسد مغموم ، وحسده لا يضر إلا إذا أظهره بفعل أو قول ، بأن يحمله حسده أن يوقع الأذى بالمحسود كفعل قابيل لهابيل ، وقول إبليس عن آدم ، وحينئذ يتتبع مساوئ المحسود ويطلب عثراته. ونشدان الحاسد زوال نعمة المحسود لا يتحقق فعلا بأمره ، وإلا كان الاعتقاد بذلك من الشّرك الخفى ، وهو أن يكون الحاسد شريكا لله فى القضاء والقدر ، وإنما ضرر الحسد كما قلنا هو أن يظل الحاسد ينقب وراء المحسود ويتتبع عوراته ، ثم يشنّع عليه ، وبعض الشخصيات الاستهوائية ـ أى

٣٣١

سريعة التأثر ـ يؤثر عليها قول الحاسد نفسيا ويصيبها منه التداعى ، والخور ، والإحباط ، والقلق ، والاكتئاب ، وثبوط الهمّة ، وهذه هى الحرب النفيسة للحاسد. والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، وفى الأثر : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد ، فهو دائما مكروب ، ويلازمه الحزن ، وعبراته لا تنفد. والذى يحسد يعادى نعم الله ، ويحسد الناس على ما آتاهم ربّهم من فضله ، والحسود عدو نعمة الله ، ومتسخّط لقضائه ، وغير راض بقسمته ، والشاعر يقول :

ألا قل لمن ظل لى حاسدا

أتدري على من أسأت الأدب

أسأت على الله فى حكمه

إذا أنت لم ترض لى ما وهب

والحسد أول ذنب عصى به الله فى السماء ، وأول ذنب عصى به فى الأرض ، فأما فى السماء فحسد إبليس لآدم ، وأما فى الأرض فحسد قابيل لهابيل. فإذا سرّك أن تسلم من الحسّاد فغمّ عليهم أمرك. وفى الحديث : «ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم : آكل الحرام ، ومكثر الغيبة ، ومن كان فى قلبه غلّ أو حسد» ، ولذا فقد أمر الله نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمين أن يتعوّذوا من شرّ الحسد والحاسد.

* * *

١٢٢٤ ـ الحق

يأتى عن الحقّ فى القرآن مائتان وسبع وعشرون مرة ، والحقّ فى اللغة : هو الثابت ، وهو مصدر يطلق على الوجود فى الأعيان مطلقا ، وعلى الوجود الدائم ، وعلى مطابقة الحكم ، وما يشتمل على الحكم المطابق للواقع ، ومطابقة الواقع له. وهو اسم فاعل وصفة مشبهة ، ويطلق على واجب الوجود لذاته ، يعنى الله ، وعلى كل موجود خارجى ، وهو مطابقة الواقع للاعتقاد ، ويقابله الباطل ، كما أن الصدق هو مطابقة الاعتقاد للواقع ، ويقابله الكذب. ويستعمل الصدق والكذب فى الخطأ ، والصواب فى المجتهدات ، كما يستعمل الحق والباطل فى المعتقدات ، وهو قوة قبل كل شىء ، وقوة باطنة أسمى من سائر القوى. والشعور بالحق دافع حيوى يدفع الإنسان إلى أن يفعل ما يجب عليه أن يفعله ، وهو فيض من الحياة يطلب أن يتحقق ، وأن يبذل ذاته. والحق يعلو ولا يعلى عليه ، وهو من أسماء الله لحسنى ، وهو تعالى الملك الحق ، ودينه هو دين الحق ، ودعوته هى دعوة الحق ، وهو يهدى إلى الحق ، ويحق الحق بكلماته ، ويبطل الباطل ويمحوه ، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، وإذا جاء الحق فما يبدئ الباطل وما يعيد. وأكثر الناس يكرهون الحق ، والحقّيون يفعلون الحق ويقضون به ، وقولهم حق ويشهدون به.

٣٣٢

وحق اليقين : عبارة عن فناء العبد فى الحق ، والبقاء به علما وشهودا وحالا. وعلم اليقين : هو الشريعة ، وظاهر اليقين : الإخلاص فيها ، وحق اليقين : المشاهدة فيها. وفى قوله تعالى : (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَ) (البقرة ٤٢) يعنى لا تخلطوهما ، لأن اللبس هو الخلط ، وفى قول علىّ للحارث بن حوط : يا حارث ، إنه ملبوس عليك. إن الحق لا يعرف بالرجال. اعرف الحق تعرف أهله». وفى قوله تعالى : (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) (آل عمران ١٠٢) يعنى أطيعوه فلا يعصى ، فحقّ التقوى : أن لا ينسى الله ، وأن يشكر ولا يكفر ، فلما قالوا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ومن يقوى على هذا ، نزلت : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن ١٦) ، فصنف يمكنه أن يتّقيه حقّ تقاته ، وصنف لا يقوى إلا على ما يستطيع ، وفى الحالتين يبذل المتّقى جهده ، ويتوقف ما يبذله على مقدار معرفته بالله ، وحقّ التقوى يكون لمن يقدّر الله (حَقَّ قَدْرِهِ) (الأنعام ١٩) ، أى لمن يعرفه تعالى حقّ المعرفة. وقوله تعالى : (حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ) (الأعراف ١٠٥) ذهب مثلا ، ومعنى «حقيق علىّ» واجب علىّ. و (دِينَ الْحَقِ) (التوبة ٢٩) هو الإيمان بالله وربما جاء به النبيّون من ربّهم.

* * *

١٢٢٥ ـ الحكمة والحكيم

تأتى الحكمة فى القرآن : عشرين مرة ، والحكيم : إحدى وثمانين مرة ، والله تعالى : (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (البقرة ٢٦٩) ، والحكمة : هى الإصابة فى القول والفعل وهى العقل ، والفهم ، والمعرفة ، والعلم بمقتضى الصالح ، والتقى ، والورع ، والخشية من الله. وهى مصدر من الإحكام ، أى الاتقان فى القول والفعل ، وأصلها ما يمتنع به من الحمق وفعل القبيح ، وهى علم ما يؤدى إلى الجميل ، وإلى الفقه فى الدين ومطلوباته ، والعلم بالله وبكتابه ، وفى الحديث : «من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين» أخرجه البخارى. والحكيم : هو الذى يعطى الحكمة ويعمل بمقتضاها ؛ وهو العارف بمقتضيات الكلام وعباراته من جوامع الكلم. وفى قوله تعالى : (وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ) (ص ٢٠) : أن الحكمة هى العلم والعدل والفقه ، ومن مقتضاها فصل الخطاب ، أى القضاء ، والفصل بين الحق والباطل. والحكمة منهج الدعوة : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل ١٢٥) ، أى بالعقل والمنطق وضرب الأمثال ، والتذكير بوقائع الناس وبما فيه الزواجر. ومن احتاج إلى المناظرة والجدال ، فليكن بالوجه الحسن ، وبالرفق واللين وحسن الخطاب ، كقوله تعالى : (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)

٣٣٣

(العنكبوت ٤٦) ، أى بلين الجانب : (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) (٤٤) (طه). والحكيم أيضا هو المانع من الفساد ، ومنه سمّيت حكمة اللّجام ، لأنها تمنع الفرس من الجرى والذهاب إلى غير قصد. والسورة المحكمة : هى الممنوعة من التغيير والتبديل ، وأن يلحق بها ما يخرج عنها ، وأن يزاد عليها ما ليس لها ، والحكمة من هذا ، لأنها تمنع صاحبها من الجهل. ويقال «أحكم الشيء» إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد ، فهو محكم وحكيم على التكثير. والحاكم ، والحكيم ، والحكم من أسمائه تعالى ، فهو الحكم المحكّم الحاكم الذى لا مردّ لحكمه ، يحكم ما يريد ، ويرجع إليه فى الحكم ، ولا معقّب لحكمه ، لأنه تعالى الحكيم ، وأحكامه حكم : (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الأنفال ٧١) ، (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (النحل ٦٠) ، (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (١) (سبأ) ، وهو (حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت ٤٢). ذلكم هو الله ، لا يقع فى وعده ريب ، ولا فى فعله عيب :

إلهى! حكيم أنت ، فاحكم مشاهدى

فؤادك عندى يا ودود تنزّلا

ويا حكم عدل لطيف بخلقه

خبير بما يخفى وما هو مجتلا

وأبرز أهل الحكمة فى القرآن : «لقمان الحكيم» ، كقوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ) (لقمان ١٢) وحكمه أقوال مأثورة. وكانت حكمة داود فى سياسة الحكم ، وحكمة سليمان فى سياسة الناس ، وحكمة إبراهيم فى سياسة المواقف ، وحكمة المسيح فى ضرب الأمثال ، وكانت السنّة حكمة نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٢٢٦ ـ الحمس

الحمس جمع الأحمس ، وهم قريش ومن ولدت ، وسمّوا حمسا لأنهم تحمّسوا فى دينهم ، وكان الناس يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا ، فيعطى الرجال الرجال ، والنساء النساء ، وكانوا يقولون : نحن أهل الحرم ، فلا ينبغى لأحد من العرب أن يطوف إلا فى ثيابنا ، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا ، فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثياب إحرام ، ومن لم يكن على يسار وبوسعه أن يستأجرها ، كان إما يطوف بالبيت عريانا ، وإما فى ثيابه ، وإما يأخذ ثيابا من الحمس ، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثيابه عنه فلم يمسها أحد ، وكانت هذه الثياب تسمى اللّقى. وظل هذا شأنهم إلى أن جاء الإسلام ونزل القرآن ، فنزلت الآية : (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (الأعراف ٣١) وأذّن مؤذن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا يطوف بالبيت عريان.

وقيل : الحمس : قريش ، وكنانة ، وخزاعة ، وثقيف ، وجشم ، وبنو عامر بن صعصعة ، وبنو نصر بن معاوية ، وسمّوا حمسا لتشديدهم فى دينهم ، والحماسة هى الشدّة.

٣٣٤

ولم يكن الحمس يقفون مع الناس بعرفات فى الجاهلية ، وكان وقوفهم بالمزدلفة ، وكانوا يقولون : نحن قطين الله ـ جمع قاطن أى ساكن ، يقصدون أنهم سكان بيت الله وحرمه ، فينبغى لهم أن لا يعظموا إلا الحرم ، ولم يكونوا يخرجون لذلك من الحرم ، ويقفون بجمع ويفيضون منه ، بينما يقف الناس بعرفة ، فقيل لهم : أفيضوا كما أفاض إبراهيم وكما يفيض الناس.

* * *

١٢٢٧ ـ الخلّة والخليل

الخليل فى الآية : (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً) (النساء : ١٢٥) على وزن فعيل ، بمعنى فاعل ، كالعليم بمعنى العالم ، أو بمعنى المفعول ، كالحبيب بمعنى المحبوب ، وإبراهيم الخليل أى المحتاج إلى الله ، الفقير إليه ، أو المصطفى منه تعالى الذى اختصه بمحبته لصفات فيه ، قيل كانت خلّة إبراهيم أنه يطعم الطعام. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان خليل الله ، وفى الحديث : «وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا» ، لأن الخليل هو الذى يوالى فى الله ، ويعادى فى الله ، وهى صفة نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلمّا اتخذه الله خليلا استحال عليه أن يشرك فى نفسه مع الله أحدا فقال : «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» أخرجه مسلم.

والخلّة بين الآدميين هى الصداقة ، كقوله تعالى : (وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً) (الإسراء ٧٣) مشتقة من تخلّل الأسرار بين المتخالين ، وقد يكونون من الأخيار أو من الأشرار ، وقيل : هى من الخلل ، فكل واحد من الخليلين يسد خلة أو خلل صاحبه ، وفى الحديث : «الرجل على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل» رواه أحمد ، ويوم القيامة يستبان من كنا نخالل ، ويومها يقول الذى أساء اختيار الخليل : (يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً) (الفرقان ٢٨) ، وفيه قال القائل :

من لم تكن فى الله خلّته

فخليله منه على خطر

وقال :

إذا ما كنت متخذا خليلا

فلا تثقنّ بكل أخ إخاء

فإن خيّرت بينهم فالصق

بأهل العقل منهم والحياء

فإن العقل ليس له إذا ما

تفاضلت الفضائل من كفاء

وفى القرآن عن يوم القيامة : (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ) (البقرة ٢٥٤).

* * *

١٢٢٨ ـ دار المتقين

هى إما دار الدنيا ، يمتحن فيها المؤمنون ، ويختبر إيمانهم ، ويكشف عن خشيتهم من

٣٣٥

الله وتقواهم ، لأن دار الدنيا هى دار الأعمال ؛ وإما أن دار المتقين هى الدار الآخرة ، كقوله تعالى : (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) (النحل ٣٠) ، فلما عملوا الخير فى الدنيا ، نالوا عليه ثواب الآخرة ، فكانت لهم الجنة دارا. وقيل دار المتقين فى الآخرة هى (جَنَّاتُ عَدْنٍ) (النحل ٣١).

* * *

١٢٢٩ ـ الذرّ النظرية فى القرآن

هذه النظرية لم يسبق إليها علم من العلوم ، ولا كتاب من الكتب ، وتأتى بها الآية : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) (الأعراف) ، ويوم الذرّ : هو اليوم الذى أخرج الله فيه الناس جميعا فى هيئة ذرّ من ظهر آدم ـ أى فى هيئة هباء ، وواحدته الذرّة ، والجمع ذرّات ، وهى الجزء المتناهى فى الصغر ، ويعنى أن الناس كانوا فى ظهر آدم بالإمكان ، كما تكون الشجرة مبادئها فى البذرة بالإمكان ـ أى أن خلايا آدم كانت مبرمجة ومشفّرة على أنها تحتوى على إمكانات هذه الذرية أو هؤلاء الآدميين ، فكأن وجود البشرية هو وجود دائم ، ولكنه بالإمكان ، أى إمكان أن يوجد ، فإذا خلقنا وصوّرنا الله ، وصرنا أجنة وولدنا ، تحوّل الإمكان إلى أعيان ، وصار وجودنا وجود أعيان ، أى وجودا متحققا ، فقبل الشجرة تكون البذرة ، والبذور إمكانيات للأشجار ، وهكذا فى الإنسان وفى كل شىء. ويوم الذرّ من الأيام التى يقول بها القرآن ، وفيه أخذ الله العهد على بنى آدم وهم ذر بعد. وقيل : هذه الآية مشكلة ، وفيها كلام كثير ، وتحتاج إلى التأويل ، ويفهم منها : أن الله تعالى أخرج من ظهور بنى آدم بعضهم من بعض ، وذلك هو التناسل ، والتكاثر بالنسل ، ويكون معنى : (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) (الأعراف ١٧٢) أنه دلّهم بخلقه على توحيده ، لأن كل بالغ صار يعلم ضرورة أن له ربّا واحدا ، فلما سألهم : ألست بربّكم؟ شهدوا على أنفسهم ، وأقرّوا بذلك. وقد يفهم من الآية : أنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد ، وجعل فيها المعرفة ، وفى الحديث أنه تعالى : «أخرج الأشباح فيها الأرواح من ظهر آدم» ، وعن عمر فى الحديث عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية ، فقال خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون ؛ ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون» ، والحديث يعنى أنه خلقهم فى الإمكان ، فالناس صنفان : صنف لأعمال أهل الجنة ، وصنف لأعمال أهل النار.

٣٣٦

وفى الحديث أيضا : «لمّا خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة». وقال : «أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس ، وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان ، وأخذ عليهم العهد بأنه ربّهم ، وأن لا إله غيره ، فأقرّوا بذلك والتزموه ، وأعلمهم أنه سيبعث إليهم الرسل ، فشهد بعضهم على بعض ، وأشهد عليهم السموات السبع ، فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد».

وهذا هو معنى الذرّ ومقاصد النظرية فيه ، ومعنى التكليف حتى والإنسان لم يزل فى الذرّ ، ومرامى المسئولية المترتبة على هذا التكليف. وانفرد القرآن بعرض هذه النظرية التى لا مثيل لها سواء فى اليهودية أو فى النصرانية ، تلخص الخلق كله ، والفطرة التى عليها الإنسان ، والصراع فيه بين الإيمان والكفران ، والخير والشرّ ، والأخذ بمنهج الرحمن أو بمنهج الشيطان.

* * *

١٢٣٠ ـ صلاة المنافقين

بيّنتها الآية : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً) (١٤٢) (النساء) ، فمن صلّى كصلاتهم ، وذكر كذكرهم ، لحق بهم فى عدم القبول ، وخرج عن مقتضى قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) (٢) (المؤمنون).

* * *

١٢٣١ ـ ذو الحجر

ذو الحجر فى الآية : (هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) (٥) (الفجر) هو ذو العقل أو اللّب ، وذو الحلم ، وذو الستر ؛ والحجر بمعنى العقل ، وهو استخدام جديد ليس فى اللغات اللاتينية والألمانية والإنجليزية والفرنسية والروسية والعبرية إلخ ، وعند ترجمته إلى أى منها يترجم بأنه العقل. وأصل الحجر هو المنع ، فيقال لمن يملك نفسه ويمنعها : إنه لذو حجر ؛ ومنه سمّى الحجر لامتناعه بصلابته ؛ ومنه قولنا : قضت المحكمة بالحجر على فلان ، أى منعه من التصرف فى أمواله وأملاكه ؛ ومنه كذلك الحجرة لامتناع ما فيها بها. وفى الآية : (وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ) (الأنعام ١٣٨) أنها أنعام محرّمة ، وحرث ممنوع ؛ وفى الآية : (وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً) (٢٢) (الفرقان ٢٢) أى حجر الله عليهم البشرى وحرّمها عليهم ، بمعنى أن الملائكة تقول لهم نعوذ بالله منكم ، والعرب يقولون إنه لذو حجر ، إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها ، كأنه حجر عليها ويمنعها. فهل رأيت الآن كم

٣٣٧

هى عبقرية هذه اللغة العربية فلا تضاهيها أبدا لغة أخرى! ولذلك كان القرآن بها ، وكان كتابا ضمن صفاته الأخرى ، أن له أسلوبه الفصيح ، ويحفل بوجوه البيان ، وبالمصطلحات والأسماء ، بما ليس فى لغة من اللغات.

* * *

١٢٣٢ ـ الحور العين

هن زوجات المؤمنين فى الجنة : (وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) (٥٤) (الدخان) ، والحور : هن النساء البيض ، جمع حوراء : وهى البيضاء صافية البياض كالمرآة ، من دقة الجلد وبضاضة البشرة ، كقوله : (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) (٢٣) (الواقعة) ، أى اللؤلؤ الذى لم تمسّه يد ، ولم يدنّسه قذر ، فحتّى التراب لم يلحقه منه شىء ، فهو أشد ما يكون صفاء وتلألؤا. والحور العين إذن : هن النساء الثاقبات البياض بحسن ؛ وسميت الحور حورا لأنهن يحار الطّرف فى حسنهن وبياضهن وصفاء لونهن ، أو لحور عيونهن ، والحور : شدّة بياض العين مع شدّة سواد الحدقة ؛ والمرأة الحوراء هى البيّنة الحور. والعين بالكسر جمع عيناء ، وهى الواسعة العظيمة العينين ، ويقال للنساء أنهن حور عين لأنهن يشبهن الظباء. وحسن الحور العين ليس الحسن المادى وحده ، ولكنه الحسن المعنوى أيضا ، كقوله تعالى : (حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ) (٧٢) (الرحمن) ، أى أنهم فضليات لا يشتهين أن يطالعهن الرجال ، فهن فى «الخيام» ، يعنى مستورات الملابس أو مستورات البيوت ، ولسن بالطّوافات فى الطرق ، ويقصرن أنفسهن على أزواجهن فهن مقصورات ، من معنى قصرت الشيء إذا لم تجاوز به غيره ، وامرأة مقصورة فى البيت ، أو على زوجها ، أى لا تتركه. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

١٢٣٣ ـ الزّور

الزور : هو الباطل والكذب ، وقيل : كل باطل زوّر وزخرف ، وأعظمه الشّرك وتعظيم الأنداد لله تعالى ، كقول النصارى : عيسى ابن الله ، وقول اليهود : نحن أحباب الله وأصفياؤه. وكان الزور فى الجاهلية يسمى نفس الاسم ، والمعنى فى الآية : (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) (الفرقان ٧٢) من الشهادة لا من المشاهدة. وفى قوله : (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (٣٠) (الحج ٣٠) فقد ورد فى الحديث : «عدلت شهادة الزور الشرك بالله» ، وعدّها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من أكبر الكبائر» ، وكان عمر يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ، ويسخّم وجهه ، ويحلق رأسه ، ويطاف به فى السوق. وعند أهل العلم لا تقبل لشاهد الزور شهادة أبدا ، فإن تاب وحسن عمله قبلت شهادته ، أى أعيدت له أهليته.

* * *

٣٣٨

١٢٣٤ ـ السابقون

السابقون : من قولنا سبقه أى تقدّمه وخلّفه ، ومن المثل : سبق السيف العذل ؛ والسابق الذى يأخذ السبق ، والجمع سابقون وسبّاق ، وفى القرآن : (أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ) (٦١) (المؤمنون) ، أى مسرعون. سبقت لهم من الله السعادة فسارعوا فى الخيرات والصالحات. وكل من تقدّم فى شىء فهو سابق إليه. والسبق إلى الخيرات هو الإسراع إليها واستعجال إتيانها ، وقوله «يسارعون» على معنى يسابقون غيرهم. وفى قوله تعالى : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر ٣٢) : أن المصطفين للكتاب ثلاث فئات ، وهم الذين يعرض عليهم ما فيه ، فمن هؤلاء «الظالم لنفسه» يجهل ويظلم نفسه ، ويأتى الذنوب الصغيرة فلا يدرك أنها ذنوب لجهله ؛ والمقتصد : وهو المؤمن العاصى ؛ والسابق : وهو التقىّ على الإطلاق. ويبين معنى السابق مقارنة بمعنى الظالم لنفسه والمقتصد : فالظالم لنفسه : قوّال غير فعّال ؛ والمقتصد : فعّال وليس قوّالا ؛ والسابق : قوّال وفعّال. والظالم لنفسه : يعبد الله على عادة وغفلة ؛ والمقتصد : يعبده على رغبة ورهبة ؛ والسابق : يعبده على الهيبة. والظالم لنفسه : يعطى فيمنع ؛ والمقتصد يعطى فيبذل ؛ والسابق : يمنع ومع ذلك يشكر ويؤثر. والظالم لنفسه : يستغنى بماله ، والمقتصد : يستغنى بدينه ؛ والسابق : يستغنى بربّه. والظالم لنفسه : يتلو القرآن ولا يعمل به ؛ والمقتصد : يتلو القرآن ويعمل به ؛ والسابق : يقرأ القرآن وهو عالم فيه ويعمل به. والظالم لنفسه : يدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة ؛ والمقتصد : يدخله وقد أذّن ؛ والسابق : يدخله قبل التأذين. والظالم لنفسه : يغفل عن الصلاة حتى يفوت الوقت والجماعة ؛ والمقتصد : لا يفرّط فى الوقت وإن فاتته الجماعة ؛ والسابق : يدرك الوقت والجماعة فيدرك الفضيلتين. والظالم لنفسه : يحبّ نفسه ؛ والمقتصد : يحبّ دينه ؛ والسابق : يحبّ ربّه. والظالم لنفسه : ينتصف ولا ينصف ؛ والمقتصد : ينتصف وينصف ؛ والسابق : ينصف ولا ينتصف. وقالت عائشة : الظالم لنفسه : من لم يسلم إلا بالسيف ؛ والمقتصد : من أسلم بعد الهجرة ؛ والسابق : الذى أسلم قبل الهجرة.

* * *

١٢٣٥ ـ السابقون الأولون

فى الآية : (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) (التوبة ١٠٠) ، أن «السابقين الأولين» : هم السابقون إلى الهجرة ، صلّوا إلى القبلتين ، وشهدوا بيعة الرضوان ـ وهى بيعة الحديبية ، وهم أهل بدر. وكل من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين :

٣٣٩

وأفضل هؤلاء الخلفاء الأربعة ، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة ، ثم البدريون ، ثم أصحاب أحد ، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. وأولهم : إسلاما : أبو بكر : من الرجال ؛ وعلىّ : من الصبيان ؛ ومن الموالى : زيد بن حارثة ؛ ومن النساء : خديجة ، سبقت إلى الإسلام. وكان إسلام الزبير بعد أبى بكر ، وكان الرابع أو الخامس فى الإسلام. والزبير أسلم وعمره ثمانى سنين ، وعلىّ أسلم ابن سبع أو عشر سنين ، والسبق فى الإسلام يكون بثلاثة أشياء : الصفة وهو الإيمان ، والزمان ، والمكان ، وأفضل هذه الوجوه سبق الصفات ، والدليل عليه قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الصحيح : «نحن الآخرون الأولون ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، فهذا يومهم ـ يقصد يوم الجمعة ـ الذى اختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فاليهود غدا (السبت) ، والنصارى بعد غد (الأحد)» ، فأخبر صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن من سبقنا من الأمم بالزمان ، سبقناهم بالإيمان : وهو الامتثال لأمر الله تعالى ، والانقياد إليه ، والاستسلام لأمره ، والرضا بتكليفه ، والاحتمال لوظائفه ، لا نعترض عليه ، ولا نختار معه ، ولا نبدّل بالرأى شريعته كما فعل أهل الكتاب.

* * *

١٢٣٦ ـ السابقون السابقون

يصنّف القرآن الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ، يقول تعالى : (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (١٤) (الواقعة) ، فأما أصحاب الميمنة فهم الذين يؤخذ بهم ناحية اليمين إلى الجنة ؛ وأما أصحاب المشأمة فهم الذين يؤخذ بهم إلى ناحية الشمال إلى النار ؛ وأما السابقون : فهم الذين يسبقون إلى الإيمان من كل أمة ، تكررت فى الآية تأكيدا واستحسانا وترغيبا وإكراما ، فهم سبقوا أولا إلى الإيمان وطاعة الله ، وسبقوا ثانيا إلى رحمة الله ، وهم فى أمة الإسلام الذين سبقوا إلى الهجرة ، وهؤلاء هم السابقون الأولون : (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) (التوبة ١٠٠) ، وهم على الصحيح المؤمنون بعامة ، والذين يعملون الصالحات : (أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ) (المؤمنون ٦١) ، قال لهم ربّهم : (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (الحديد ٢١) فسبقوا ، فقرّبهم منه ، وأخبر عنهم أنهم ثلة ـ أى كثرة ـ من الأمم المتقدمة ، وقليل من أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (١٤) (الواقعة) ، وصفوا بأنهم قلّة بالإضافة إلى من كان قبلهم ، لأنه فى السالف كثر الأنبياء فكثر السابقون إلى الإيمان ، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وفى الحديث عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخاطب أمته : «إنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، بل ثلث أهل الجنة ، بل نصف أهل الجنة ، وتقاسمونها فى النصف الثانى».

* * *

٣٤٠

١٢٣٦ ـ السمع والأبصار والأفئدة

هذه الجوارح الثلاث هى أهم الجوارح فى الإنسان ، ورئيسها الفؤاد أو القلب ، وهو أشرف الثلاث ، والقلب موضع الفكر ، وقد يتأثر بالسمع والبصر لما بينها جميعا من ارتباط هو ارتباط الظاهر بالباطن ، فالقلب للباطن ، والسمع والبصر للظاهر. والسمع فى الترتيب يأتى أولا ، لأننا نسمع أولا ، فإذا سمعنا توجهنا بالبصر إلى ما نسمع ، فإذا سمعنا وبصرنا عقلنا ، والعقل بالفؤاد ، قال تعالى : (أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل ٧٨) ، فعند ما نولد لا ندرك ولا نعلم ، ثم يأتى الإدراك والعلم من بعد. وفى السمع إثبات النطق ، لأن من لا يسمع لا يتكلم ، وإذا وجد السمع وجد النطق. واستوجبت النّعم الثلاث الشكر على من يسمع ويبصر ويعقل ، فإذا لم يعقل ويشكر فإنما لفساد القلب ، وبالتالى فكأنه لم يسمع ولم يبصر : (أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) (النحل ١٠٨) فتعطّل السمع والبصر نتيجة لتعطّل القلب ، وهذا هو معنى : (طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) ، كقوله : (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) (البقرة ٧) ، فالختم يكون على القلوب وعلى السمع ، والغشاوة تكون على الأبصار ، ومعنى الختم على القلوب عدم الوعى بمخاطبات الله بالتفكير فى آياته ؛ ومعنى الختم على السمع عدم فهم ما يتلى عليهم من آيات الله ، أو الدعوة إلى وحدانيته ؛ ومعنى الختم على الأبصار عدم هدايتها للنظر فى مخلوقاته وعجائب مصنوعاته ، ولا أقل فى هذه الحالة من أن يوظّف السمع والأبصار ، والحسىّ عموما ، لرصد ما يصنعه كل إنسان ، كقوله تعالى : (حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (فصلت ٢٠). ويزعم المستشرقون : أن القرآن جعل الأبصار جمعا ولكنه وحدّ السمع ، وكان يجب أن يجمع الأسماع؟ والجواب : إنما وحّده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير ، وهو اسم للجارحة المسموع بها سمّيت بالمصدر. ويأتى السمع مع الأبصار عشر مرات فى القرآن ، ولم يأت السمع مع البصر إلا مرة ، كقوله : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) (الإسراء ٣٦) ، وفى المرات العشر فإن لكل قلب وبصر ما يشغله ، ولذا كان التعبير عنها بالجمع ، فإن كان السمع للجميع واحد ، نقول سمعا ولا نقول أسماعا. وفى الحديث عن هذه الجوارح باعتبارها أعضاء أوردها مفردة ، فالفؤاد فى الآية كجارحة يسأل عمّا افتكر فيه واعتقده ، والسمع والبصر عمّا رأى من ذلك وسمع ، وعبّر عن السمع والبصر والفؤاد «بأولئك» ، لأنها حواس مستقلة لها إدراك ، وجعلها فى هذه الآية مسئولة ، وجعل لها وللجلود ـ وهى من الحواس أيضا ـ شهادة. ومجىء السمع

٣٤١

فى الترتيب قبل البصر دليل فضل السمع عليه ، فالسمع يدرك من الجهات الست ، وفى النور والظلمة ، ولا يدرك البصر إلا من الجهة المقابلة ، وبواسطة من ضياء وشعاع. وفى أسماء الله الحسنى يأتى أنه «سميع بصير» إحدى عشرة مرة ، وأنه «سميع عليم» ٣٢ مرة ، وأنه «سميع قريب» وذلك دليل أكيد على فضل السمع على البصر.

* * *

١٢٣٧ ـ السحر

السحر أصله التمويه بالحيل والتخاييل ، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعانى ، فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هى به ، كالذى يرى السراب من بعيد فيخيّل إليه أنه ماء ، وكراكب السفينة السائرة حثيثا أو القطار ، يخيل إليه أن ما يرى من أشجار وجبال تسير معه. والسحر يشتق من الفعل سحر أى خدع ، والسحر خداع ، والتسحير مثله ، وقوله تعالى : (إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) (الشعراء ١٥٣) ، أى الذين وقعوا ضحية السحر حتى فسدت به عقولهم. والسحر : هو الاستمالة ، فمن يسحرك يستميلك ، وقوله تعالى : (نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (الحجر ١٥) أى سحرنا فذهبت معارفنا وحلّت محلها تخيلاتنا. والسحر لا ينطلى إلا على أشخاص بأعينهم ، يتميزون بالاستهوائية والتجاوب السريع. ومن السحر ما يكون خفة يد كالشعوذة ، ومنه ما يحفظ كلاما كالرقى. وسمى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الفصاحة فى الكلام واللسان سحرا فقال : «إن من البيان لسحرا» ، لأن السامع يضل بكلام المتكلم عن الحق فيظن الباطل حقا ، وهو قول يخرج مخرج الذمّ للبلاغة والفصاحة إذ يشبّهها بالسحر. وقيل خرج مخرج المدح للبلاغة والتقليل للبيان ، والأول أصحّ ، بدليل قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» ، وقوله : «إن أبغضكم إلىّ الثرثارون المتفيقهون» ، والثرثرة هى كثرة الكلام ، والثرثار كثير الكلام ، والمتفيقه مثله.

ومن السحر ما يدّعون به تغيير صور الناس ، وقطع المسافات ، والطيران فى الهواء ، وكان ذلك فى الماضى لسذاجة الناس ، والآن قد يفعله العلماء بالتكنولوچيا وليس بالكلام. وبعض أهل الدين يؤمنون بالسحر ويدّعون أن له حقيقة ، وأصحاب العقل وأولو النهى يرفضونه ويصفونه بالتمويه والتخييل ، وفى القرآن قال : (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) (طه ٦٦) ، ولم يقل تسعى على الحقيقة وإنما قال : «يخيل إليه» ؛ وقال أيضا : (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) (الأعراف ١١٦). ومن السحرة فنانون فى سحرهم ، وفى القرآن صنفان : (ساحِرٌ كَذَّابٌ) (ص ٤) ، و (ساحِرٍ عَلِيمٍ) (الأعراف ١١٢) ، والأول : هو النصّاب ، والثانى : هو هذا الفنان فى سحره ، وهناك ثالث : (إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ) (يونس ٢) يعنى

٣٤٢

سحره ليس كالشعوذة. والقرآن مع القول بأن السحر : هو فن التأثير على الناس بالقول وخفة اليد ، وليس بالواقع كقوله تعالى : (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) (يونس ٧٧). وقيل : لو لم يكن السحر واقعا لما قال : (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) (البقرة ١٠٢) ، ولما وصف سحر سحرة فرعون فقال : (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) (الأعراف ١١٦) ، ولما نزلت سورة الفلق التى كان سبب نزولها سحر لبيد بن الأعصم ، ولما قالت عائشة : «سحر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يهودى من يهود زريق يقال له لبيد بن الأعصم» ، والحديث لم يقل إن سحر لبيد أثّر على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم تكن سورة الفلق إلا تعويذة بدلا من تعاويذ الجاهلية ، وليس معنى الاستعاذة بالله من السحرة أن فعلهم يقع ، فلو آمنا بذلك لكان هذا هو الشّرك الخفى ، لأننا نجعل لله شركاء يفعلون فى الناس ما يريدون وكأنهم آلهة؟! ومن الأكاذيب أن يقال أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سحر ، فلو كان سحر فكيف نأتمنه على الرسالة؟ وكيف يأمنه ربّه عليها؟ ومن يقل ذلك ينتقص من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن الإسلام كديانة. ورواية عائشة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «إن الله شفانى» لم يقل بها سواها ، ولم يشهد على صحتها أحد ، ولا يوجد ما يثبت أن عائشة قالت ذلك عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والحديث لا يثبت أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان ضحية السحر ، وقوله المزعوم «إن الله شفانى» إنما لأنه تعالى الشافى دائما ، والمعافى دوما ، وهو يشفى من كل علّة ، والسحر ليس مرضا حتى يشفى منه ، وإنما السحر تغيير فى حالة الشخص ، والتغيير لا هو نفسى ولا عضوى ، فلا هو مرض نفسى ولا مرض عضوى ، فكيف يفهم أن شفاءه كان من السحر مع أن السحر ليس بمرض أصلا؟!

والسحر بخلاف المعجزة ، وآيات موسى من إنزال الجراد والقمل والضفادع إلخ معجزات وليست سحرا ، والسحر يوهم به الساحر ، ولكن المعجزة لا يوهم بها ولا يأتيها إلا الله ، وشرطها : دعوى النبىّ والتحدّي بها.

والسحر من استخراج الشياطين ، وفى القرآن نص الله تعالى أن ما يعلمه الملائكة لا سحر فيه ، وإنما السحر يعلّمه الشياطين ، كقوله : (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) (البقرة ١٠٢) ، فنفى أن يكون الملائكة يعلّمون السحر ، بل يعلمه هاروت وماروت بدلا من الشياطين ، فالسحر من استخراجهم ، يوهمون به الناس ، وأكثر ما يتعاطاه النساء وخاصة فى أحوال طمثهن ، وفى ذلك يقول تعالى : (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ) (الفلق ٤) ، فجعل النفث صناعة السحر عند النساء ، وأعطى هؤلاء اسم

٣٤٣

النفّاثات ، والتعوّذ من شرّهن يعنى من نواياهن الخبيثة وليس أن نفثهن فى العقد يفلح فى تغيير المصائر والأحوال ، وإلا فلما ذا لا نسمع فى عصر العلم بالسحرة والسحر؟ فافهم يا أخى المسلم ، ويا أختى المسلمة.

* * *

١٢٣٨ ـ الشفاعة

يأتى عن الشفاعة فى القرآن ثلاثون مرة ، والشفاعة فى الدنيا نوعان : حسنة وسيئة ، وحكمهما قوله تعالى : (مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها) (النساء ٨٥). والشفاعة فى اللغة : سؤال فعل الخير ، وسؤال ترك الضرر عن الغير ، على سبيل التضرّع. وفى الآخرة لا شفاعة إلا لله : (قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً) (الزمر ٤٢) ، ولا شفيع من دونه : (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) (الأنعام ٥١) ، ولا شفاعة أصلا إلا من بعد إذنه تعالى : (ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) (يونس ٣) ، وفى السنّة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من هؤلاء المأذون لهم بالشفاعة ، يسألها ربّه لأمته فيقول له : «يا محمد ، ارفع رأسك وقل يسمع ، واشفع تشفع». والشفاعة فى الدنيا تقتضى حاكما مستبدا لا حاكما عادلا ، لأنها تقتضى منه أن يتخلى عن العدل من أجل الشفيع ، وأن يفسخ ما كان يتوجب عليه أن يتوجه إليه عزمه. والحاكم المستبد هو الذى يقبل أن يحكم بخلاف ما يعلم أنه الصواب والحق ، والشفاعة بهذا المعنى ظلم ومحال على الله ، لأنه تعالى يستحيل أن يغيّر إرادته ، ولا أن يحوّل عدله. وإرادته تعالى بحسب علمه الأزلى لا تغيير فيها ولا تبديل. وعلى ذلك فما ورد فى الشفاعة من الأحاديث هو من المتشابه ، والمسلمون فى هذه الأحاديث على التفويض فيما لا يعلمون ، وينزّهون الله عن الشفاعة على شاكلة ما يرونه منها فى الدنيا. وكان ابن تيمية يرى فى أحاديث الشفاعة أن ما ذكر فيها عن شفاعة الرسول ، أن الشفاعة المقصودة هى دعاؤه للمسلمين ، ولا تعنى أن المولى سيرجع بشفاعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو شفاعة الملائكة والمؤمنين ، عن إرادته من أجل الشافع أو الشافعين. وما ورد فى القرآن عن يوم الحساب قاطع حاسم بشأن الشفاعة ، ومن هذا اليوم تنقطع الأسباب ، وتبطل منفعة الأنساب : (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) (المؤمنون ١٠١) ، ولا يدفع فيه بالفداء ، ولا بشفاعة الشافعين ، وتضمحل الوسائل ، إلا ما كان من إخلاص العمل قبل حلول الأجل.

وفى الشفاعة قال الإمام محمد عبده : إن الشفاعات فى إفساد الحكومات والدول والشعوب أشد فتكا من الذئاب الضارية بالغنم. وفى الحكومات التى تروج فيها الشفاعات يعتمد الناس على الشفاعة فى ظل ما يطلبون ، لا على الحق والعدل ، فتضيع فيها الحقوق ،

٣٤٤

ويحل الظلم محل العدل ، ويسرى ذلك من الحكومات إلى الناس فيكون الفساد عاما ، وهو حال بلادنا ، والاعتقاد الشائع فيها أن لا قضاء لمصلحة إلا بالشفاعة والرشوة. وبهذا المعنى تستحيل الشفاعة على الله ، لأن ما يقضى به إنما هو تابع لحكمته وعلمه وعدله والحق الذى هو اسمه. وهذه الشفاعة التى يتعلق بها السفهاء قد نفاها الله يوم الحساب ، فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ) (البقرة ٢٥٤) ، وفى ذلك نفى تام لأى نوع من الشفاعة ، بل هو القسط والميزان : (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) (٤٧) (الأنبياء ٤٧).

وقد ذهب البعض إلى القول بالشفاعة للمسلم الذى ينطق بالشهادة وإن زنا أو سرق ، وينفى القرآن ذلك البتة فى الآية : (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) (النساء ١٤) ، فالعاصى إذن فى النار مخلدا ، وليس ما يقولون أنه يدخل لفترة ثم يقر فى الجنة بعد أن ينال جزاءه ؛ وكذلك القاتل : لا يعذّب لبعض الوقت وإنما هو مخلّد فى النار ولا شفاعة فيه ، كقوله : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) (النساء ٩٣). والظالمون كذلك : لا شفاعة لهم ، وهم مخلّدون فى النار : (ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ) (غافر ١٨) ؛ وكذلك المنافقون : (وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) (التوبة ٦٨). وإذن فلا استثناء لأحد بدعوى الإسلام أو غيره ، وإنما الحساب والميزان : (ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها) (الكهف ٤٩) ، (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) (يونس ٦١) ، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (٨) (الزلزلة) ، رفعت الأقلام وجفّت الصحف.

* * *

١٢٣٩ ـ الصابئة فرقة نصرانية يهودية

وهم الصابئون أيضاSabeans ، ويأتى ذكرهم فى القرآن ثلاث مرات بصيغ مختلفة ضمن فرق أخرى ؛ فى الأولى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة ٦٢) ، وتنبّه الآية إلى أن الاسم لا يهم ، وإنما المهم أن هؤلاء كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ويعملون الصالحات ، وبناء عليه لهم ثوابهم عند الله ولا خوف عليهم ولا هم يصيبهم القلق على أنفسهم ؛ وفى الثانية : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ

٣٤٥

مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة ٥) فاختلفت الصياغة وقدّم الصابئون على النصارى ، وزعم المستشرقون أن القرآن قد أخطأ فى النحو ورفع «الصابئون» ، وكان يجب النصب بإن ، أو أن كتبة القرآن أخطئوا ، والصحيح أنه لا خطأ هناك ، ورفع «الصابئون» محمول كما ذكرنا على تقديمها والنصارى ، وتقديره : إن الذين آمنوا والذين هادوا ، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وكذلك الصابئون والنصارى» ، وبذلك ينحل الإشكال وتسقط دعوى أمثال المستشار العشماوى الذى يصرّ على تخطئة رفع «الصابئون». وفى الثالثة : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) (الحج ١٧) يتأكد أن هذه الفرق الست منها فرقة ضالة وبقية الفرق كانت مؤمنة ، إلا أن اعتقاداتها اختلفت ، وزاد شقة الخلاف بينها مع الزمن ، وإنما كانت اعتقادات فى أولها صحيحة ثم انحرفت وكانت على الضلال. والقرآن فى الآيات الثلاث اعتبرها وتحدّث عنها فى أوائل ظهورها وليس بعد انحرافها عن الجادة ، ومن ثم فليس هناك خطأ فيما جاء بالآيات من ثناء عليها. والصابئة من صبأ ، تقول صبأت النجوم ـ أى طلعت ؛ وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت ؛ والصابئة على ذلك هم فرقة خرجت من فرقة أخرى ، وكانوا مندائيةMandaeans ، وعقيدتهم غنوصية أى عرفانية ، والغنوص أو العرفانية قال بها اليهود وزاد فيها النصارى ، ومن ثم كان الصابئة ـ مثلما كان المندائية ـ من الفرق اليهودية المسيحيةJudaeco ـ christian ، وهذا هو سبب تسميتهم صابئة ، أى الذين خرجوا من غيرهم من الفرق. والغنوص gnosis ، والغنوصيةgnosticism هما القول بمعارف غيبية ، وأن الله يستدل عليه بالحدس لا بالعقل ، وبالوجد لا بالاستدلال ، والصابئة والمندائية ذهبوا إلى ذلك ، وقالوا بإلهين للنور والظلام ، وقضى الإسلام على المندائية ، وما تزال فى العراق بقايا من الصابئة. وأخطأ المفسرون المسلمون الذين قالوا : إن الصابئة أهل كتاب ، لأنهم لم يكن لهم كتاب على الحقيقة ، وأخطأ المفسرون اليهود الذين ذكروا أن الصابئة أتباع يوحنا المعمدان (النبىّ يحيى) ، وأنهم هم فرقة المغتسلين أو المتطهّرين الذين مارسوا العماد ، ومنهم المسيح ، وقد عمّده يوحنا. وكان المغتسلون أو المتطهّرون فى زمن لوط واتّهمه قومه بأنه منهم. وأخطأ ماسينيون وتلميذه عبد الرحمن بدوى عند ما أرجعا صحيح الاسم إلى كلمتى «ماس بوتا» يعنى تخمّر الماء وهى عملية من الشعائر المعمودية ، فما علاقة صابئة بماس بوتا؟! والشهرستانى المؤرخ الإسلامى المشهور للفرق ، قال إن الصابئة هم عبدة النجوم ، واشتهر ذلك عنه ، وذكر أنهم كانوا يسمون أنفسهم «الروحانية» ، لأنهم

٣٤٦

اعتقدوا أن النجوم أرواح ، وأنها تؤثر فى الكون وتنهض على تصريفه ، من أرزاق ومحاصيل ، وتجارة وحروب ، ومواليد ووفيات ، وزواج وطلاق ، وقيام دول وسقوطها إلخ. واشتهر الصابئة لذلك بالتنجيم وقراءة الطوالع. وقال فيهم الإمام أبو حنيفة مقالة غريبة انحرف بها عن الصواب وجانب التاريخ ، وجعل تعظيمهم للنجوم كتعظيم المسلمين للكعبة! فلا يقال إنهم عبدة نجوم ، كما لا يقال إن المسلمين يتعبّدون للكعبة!! وقال عن ديانة الصابئة أنها ديانة نبوية ، ويبدو أنه اقتنع بمن قال إن أنبياء الصابئة اثنان هما عاذيموس وإدريس ، أو أن عاذيموس هو نفسه إدريس بالعربية ، وقال عن ملّتهم إنها الفطرة وليس الاكتساب ، وذكر أن أتباع إدريس كانوا الصابئة الأولى. وقال غيره : إن الصابئة يعبدون الملائكة ، ويصلّون إلى القبلة ، ويقرءون الزبور ، وقالوا إنهم يصلون الخمس! ولا أدرى من أين جاءوا بهذا الكلام إلا أن يكونوا يقصدون أن الإسلام أخذ منهم الصلوات الخمس! والغريب أنهم نسبوا إليهم أيضا أنهم موحّدون على دين نوح وإن اعتقدوا فى النجوم ، وأن ديانتهم خليط من اليهودية والمجوسية ، وعلى هذا الأساس حللوا ذبائحهم ومناكحة نسائهم ؛ والبعض حرّموا ذلك ، ونسبوا إليهم أن قبلتهم نحو مهب الجنوب. والغريب أيضا أن يسلّم الدكتور عبد الرحمن بدوى بقول المستشرقين : أن اسم الصابئة من الصيباوية التى ورد عنها فى قاموس أصول الدين الكاثوليكى المنشور سنة ١٨١٤ م ، وهو يعلم أن غرض المستشرقين بيان أن محمدا أخذ قرآنه من أصول يهودية مسيحية ، وأن هناك افتئاتا واضحا فى هذا الادعاء الذى لم يقدّم صاحبه دليلا واحدا عليه. والقرآن هو الأصحّ ، وفى الكويت وبين طلبة الجامعة عرفت شخصيا طالبين عراقيين ، وطالبة عراقية ، ذكروا جميعا أنهم من الصابئة الذين ذكرهم القرآن ، وكان اعترافهم ضمن اعتذار عن الخوض فى الإسلام والقرآن لجهلهم بهما ، وتبين لى من مناقشتهم أنهم مندائية ، وأن الصابئة هو اسم عقيدتهم بين إخوانهم ، ولم ينفوا وجود إله ، ولكنهم كانوا يعتقدون فى النور والظلام ، والخير والشرّ كمبادئ للوجود. والقرآن تحدّث عنهم كما كانوا فى بداية ظهورهم كحديثه عن التوراة الأولى والإنجيل كما نزلا على موسى وعيسى ، بمعنى أقوال موسى وعيسى عن الله ، وكلام القرآن فى التوراة والإنجيل لا يتصادم مع قوله إن اليهود والنصارى حرّفوا فيهما ، فالتحريف كان من بعد ، وكذلك حديث القرآن عن الحنيفية على عهد إبراهيم فى حين أنها على زمن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت قد حرّفت ، ومن ثم كان قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه جاء «بالحنيفية السمحاء» تصحيحا للحنيفية القائمة ، وإحياء للحنيفية الحقّة. وكذلك قول القرآن فى الفرق الدينية منذ نوح : (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) (٢٦) (الحديد) ، وفى النصارى : (فَآتَيْنَا

٣٤٧

الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) (٢٧) (الحديد) وما ذكره القرآن عن الصابئة الأولى هو هذا الثناء الذى لم يعجب الدكتور بدوى ، حتى صرح فى ختام مقاله ، بأن الصابئة مشكلة فى القرآن يصعب معها تبرير هذا الثناء ، وأنه لا يجب أن نيأس بأن نجد لها حلا ، فأوهمنا بأنها مشكلة لا حلّ لها!! يا دكتور! المشكلة فيك أنت وفى علمك المبتور بالقرآن! ولو كان ما تقوله صحيحا لكانت هناك مشكلة فى الموائمة بين امتداح القرآن للتوراة وبين جزمه بالتحريف فيه ، وبين ثنائه على الإنجيل وما جاء فيه أن عيسى ابن الله! وما أنبّه إليه إخوانى المسلمين أن كلام القرآن فى التوراة والإنجيل ، يقصد به التوراة الأولى والإنجيل الأول ، وليس هذه التوراة الثانية وهذا الإنجيل الثانى ، وكلاهما محرّف ولا يقول الحقيقة ، وعلى ذلك ينبغى الحذر من أقوال عبد الرحمن بدوى فى القرآن ، لأنها مستقاة عن المستشرقين وليس عن اعتقاد بالقرآن. وعبد الرحمن وجودى ملحد أصلا كما أقر فى كتابه الزمان الوجودى ، وكتابه عن رابعة العدوية ، وفى السيرة الذاتية ، وقد نبّه مؤلف هذه الموسوعة إلى ذلك كثيرا فى كثير من مؤلفاته ، وفى كتابه موسوعة الفلسفة ، وكتابه عن رابعة ، وفى كتابه موسوعة الصوفية.

* * *

١٢٤٠ ـ الصّافون

من صفّ أى انتظم فى صفوف ، والصّافون : هم أهل الإسلام يصفّون لربّهم فى الصلاة صفوفا ، تشبّها بالملائكة الصافين فى قوله تعالى : (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) (الصافات ١) قيل : هم الملائكة يصفّون عند ربّهم فى صلاتهم كصفوف أهل الدنيا فى الأرض ، وفى الحديث : «ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربّها»؟ فسأله الصحابة : وكيف يصفّون؟ قال : «يتمون الصفوف الأول ، ويتراصّون فى الصف» أخرجه مسلم ، وكان عمر يقول إذا قام للصلاة : أقيموا صفوفكم واستووا ، إنما يريد الله بكم هدى الملائكة عند ربّها : (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) (الصافات ١٦٥) ، وكان الناس يصلون متبددين فأنزل الله : (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) (الصافات ١٦٥) ، فأمرهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يصطفوا. وقيل : يصطف الملائكة حول العرش ، وكذلك يفعل المؤمنون خلف إمامهم. وإقامة الصفوف من الإيمان ، ومن حسن الصلاة ، وتعنى التلاحم والتآزر والتساوى والتآخى ، وهذه صفات الصافّين الذين هم المؤمنون.

* * *

١٢٤١ ـ الصدق والصادقون والصدّيقون

الصدق ضد الكذب. والصدق فى اللغة هو مطابقة الحكم للواقع ، والإبانة عما يخبر

٣٤٨

به على ما كان ، وقول الصدق فى مواطن الهلاك التى قد لا ينجيك فيها إلا الكذب. وعوارض الصدق فى الصادق أن لا يكون فى أحواله شين ، ولا فى اعتقاده ريب ، ولا فى أعماله عيب. والصادقون : هم أهل الصدق. وعن مالك بن أنس قال : كلما كان الرجل صادقا لا يكذب ، إلّا متّع بعقله ، ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف. وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (١١٩) (التوبة) ، يعنى على مذهب الصادقين وسبيلهم ، وهم الأنبياء ، يكونون معهم بالأعمال الصالحة ؛ أو أنهم هم المرادون بقوله تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) (البقرة ١٧٧) ، وقيل هم المهاجرون ، سمّاهم بالصادقين (الحشر ٨) ، وبالمفلحين (الحشر ٩). والصادقون تستوى ظواهرهم مع بواطنهم ، فلا يكون متسع للنفاق فى العقيدة أو الفعل ، ويقال لصاحب هذه الصفة أنه الصدّيق. والصدّيقون من الأنبياء فى القرآن خمسة : إبراهيم (مريم ٤١) ، ويوسف (يوسف ٤٦) ، وإدريس (مريم ٥٦) ، وإسماعيل (مريم ٥٤) ، وهارون (القصص ٣٤). وكانت مريم صدّيقة (المائدة ٧٥). والصدّيقون فى التعريف : (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ) (الحديد ١٩) ، ولهم أعلى المراتب عند الله (النساء ٦٩) ، وكان أبو بكر صدّيقا ، وقيل : وعمر وعثمان. والصادق والصدّيق كلاهما يلازم الصدق فى الأقوال ، والإخلاص فى الأعمال ، والصفاء فى الأحوال ، إلا أن الصدّيق أعلى من الصادق. وفى الحديث : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البرّ ، وإن البرّ يهدى إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا». والكذب على الضد من ذلك ، وفى الحديث : «إياكم والكذب ، فإن الكذب يهدى إلى الفجور ، وإن الفجور يهدى إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا» أخرجه مسلم ، فالكذب كفر ، وأهله لا شهادة لهم ، وقد ردّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شهادة رجل فى كذبة كذبها. والكذّاب لا يصلّى خلفه ، ولا يصلح منه جدّ ولا هزل ، ولا أن يعد ، ولا يقبل خبر الكاذب وإن صدق. والصادقون يصدقون ما عاهدوا الله (الأحزاب ٢٣) ، ويقال : صدق الله (آل عمران ٩٥) ، وصدقه تعالى لأنه يجيء بالحقّ ، والحقّ اسمه ، كقوله : (مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً) (النساء ٨٧) ، وقوله : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً) (النساء ١٢٢).

وقدم الصدق (يونس ٢) : هو عمل المؤمنين الصالح عند ربّهم ، كقول القائل : «له قدم

٣٤٩

فى الإسلام» يعنى له فضل ، وقول حسّان بن ثابت : «لنا القدم العليا» ، وقول ذى الرمة : «لكم قدم لا ينكر». ومبدأ الصدق» فى قوله : (بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) (يونس ٩٣) هو منزل أو مقام الصدق. و «مدخل ومخرج صدق» (الإسراء ٨٠) هو أن يكون دخول العبد فى مختلف الأمور وخروجه منها بالله ، ولله لا لغيره. ولسان الصدق فى قوله : (وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ) (مريم ٥٠) : وهو الذكر الحسن ، فما أحد يذكرهم إلا بالخير العميم. و «مقعد الصدق» (القمر ٥٥) هو مجلس الصدق ، أى القربة والزلفة من الله تعالى. وقوله : (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) (الأنعام ١١٥) هو ما أخبر به من الحق لا مرية فيه ، صدقا فيما قال ، وعدلا فيما حكم ، ولا معقب على ما يقول ولا على ما يحكم. وكما الصدق فى الرجال فكذلك فى النساء : (الصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ) (الأحزاب ٣٥).

* * *

١٢٤٢ ـ الصلاح كمقابل للفساد

الآيات فى الصلاح ، والإصلاح ، والمصلحين ، والصالحات ، كثيرة ، وتزيد على الآيات عن الفساد ، والإفساد ، والمفسدين. وهناك ٢٨٠ آية فى الصلاح ، بينما لم تزد آيات الفساد عن ٧٢ ، وقد تتناول الآيات الصلاح وحده ، أو الفساد وحده ، وقد تجمع بينهما ، كقوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ) (البقرة). والفساد ضد الصلاح ، وحقيقة الفساد العدول عن الاستقامة إلى ضدها ، تقول : فسد يفسد فسادا وفسودا ، وهو فاسد وفسيد ، والمعنى فى الآية : لا تفسدوا فى الأرض بالكفر وتأليب الناس على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت الأرض قبل أن يبعث يشيع فيها الفساد ، وتفعل فيها المعاصى ، فلما بعث ارتفع الفساد وصلحت الأرض ، فإذا عادوا للمعاصى بعد الإصلاح ، عاد الفساد وسيطر المفسدون. وفى بلادنا عمّ الفساد ، وطمّ ، وحقّ فيها قوله تعالى : (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) (٤١) (الروم) ، والفساد فى مصر من نوع «الفساد الكبير» فى الآية ٧٣ من سورة الأنفال ، ومشكلة بلادنا هى الطبقة التى تبغى الفساد (القصص ٧٧) ، والتى تعمل على ظهوره (غافر ٢٦) ، وهي الطبقة المترفة الحاكمة التى قال فيها الله تعالى : (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ) (١٢) (الفجر) ، وقال : (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (٦٤) (المائدة) ، والله يعلم المفسد من المصلح (البقرة ٢٢٠) ، وجزاء هؤلاء كما قال : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ

٣٥٠

عَذابٌ عَظِيمٌ) (٣٣) (المائدة) ، إلا من تاب وعمل صالحا ، أو أراد الإصلاح فى الأرض وبين الناس (النساء ١١٤) ، والله لا يضيع أجر المصلحين (الأعراف ١٧٠) ، ووعد من يعمل صالحا أن يحييه حياة طيبة (النحل ٩٧) ، وأن يورّث الأرض عباده الصالحين (الأنبياء ١٠٥).

* * *

١٢٤٣ ـ الطاغوت والطاغية

الطاغوت اصطلاح قرآنى ، والكلمة مؤنثة ، من طغى يطغى ، ويطغو إذا جاوز الحدّ ، ووزنه طاغوت وفعلوت ، وقيل هو اسم مذكر مفرد يقع للقليل والكثير ، وهو مصدر لرهبوت وجبروت ، ويوصف به الواحد والجمع ، وأصله من الطغيان ، ولم أقرأ كتابا ضد الطغيان مثل القرآن ، ويأتى فى القرآن عن الطغيان وما يتعلق به ٣٩ مرة ، وعن الطاغوت وحده ٨ مرات ، وفيها جميعا تقبيح للطغيان ، وقد يأتيه الفرد : (اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى) (طه ٢٤) ، أو الجماعة : (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ) (الذاريات ٥٣) ، وقوله تعالى فى الطاغين أن لهم : (لَشَرَّ مَآبٍ) (ص ٥٥) ، وليس فى أمم العالم من هو أطغى من اليهود : (كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى) (النجم ٥٢) وفيهم الآية : (وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً) (الإسراء ٦٠). والطاغوت هو الكاهن ، وهو الشيطان ، وهو الجبّار فى الأرض ، والحاكم المستبد ، وطواغيت أمة الإسلام كثيرون ، ومن مصطلحات القرآن فيهم أنهم الجبّارون والفراعنة ، وكلمة فرعون تعنى الجبّار ، والفراعنة هم الجبارون ، وهذه لغة آشور ، فقد كان من يحكم أرض جاسان فى مصر (محافظة الشرقية) هم هؤلاء الفراعنة ومعهم جرت قصص إبراهيم ويوسف وموسى ، وانتشر عن ملوك مصر أنهم الفراعنة وأن تاريخهم هو التاريخ الفرعونى ، وذلك نتيجة الغزو الفكرى اليهودى لمصر وللثقافة المصرية ، ولم يذكر تاريخ مصر القديمة أى شىء عن اليهود ولا الفراعنة ، لأنهم كانوا جميعا من الأغراب وحكاياتهم وقعت بعيدا على أطراف حدود مصر الشرقية. والجبروت كالطاغوت ، ومن يمارس الجبروت قد يكون فردا ، كقوله تعالى : (كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (هود ٥٩) ، أو جماعة ، كقوله : (قَوْماً جَبَّارِينَ) (المائدة ٢٢). وجمع الطاغوت الطواغيت ، والتحاكم إلى الطاغوت فى الآية : (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا) (النساء ٦) هو التحاكم إلى قوانين يفصّلها أذناب الطواغيت تفصيلا ، ومن أقوال أحد رؤسائهم : «إن كل شىء فى بلادنا بالقانون» ، غير أن القانون هو الذى تضعه زبانيته ، وهم الذين يوافقون عليه بإيعازه ، ثم يكون الخروج عليه جرما ، وفى الأول والآخر هو الطاغوت أو هو قانون الطاغية.

* * *

٣٥١

١٢٤٤ ـ طور سيناء

يتكرر اسم الطور فى القرآن عشر مرات ، منها مرتان ـ واحدة بالإضافة إلى سيناء ، وواحدة بالإضافة إلى سينين. والطور اسم الجبل الذى كلم الله عليه موسى ، وأنزل عليه فيه التوراة ، كتبها ألواحا. والطور فى سيناء من أرض مصر ، وكانت سيناء منذ الأزل أرضا مصرية ، ولا بد أن اسم سيناء لذلك اسم مصرى ، فلما ذا يذهب المفسرون بعيدا ويزعمون أن الطور اسم سريانى وكذلك سيناء؟ وفى التوراة أن جبل الطور اسمه حوريب ، ويتكرر اسم سيناء فيها ٣٥ مرة ، وفى ١٧ مرة يسمى حوريب ، وبحسب التوراة ـ ولا شىء مما تقوله مثبوت تاريخيا ـ أن العبرانيين قضوا سنة على جبل الطور. وقيل إن جبل الطور أو حوريب هو جبل سربال فى وادى فيران ، وهذا كذب إذا قلنا إن العبرانيين كانوا من الكثرة فلا يمكن أن تستوعبهم برية جبل سربال لمدة سنة. وقيل إنه جبل موسى ، إلا أن ذلك كذب أيضا ، لأن جبل موسى شديد الارتفاع ومن المستحيل تسلقه ، لأنه حاد الصخور وشديد الانحدار وشدّة الضوء فيه مؤلمة للعينين. وأسفل جبل موسى يوجد وادى اشتهر باسم وادى الراحة ، باعتبار أن موسى وجماعته ارتاحوا فيه ، ولا يمكن أن يستوعبهم الجبل ولا الوادى بأعدادهم التى ذكرها التوراة ـ كان العدد ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين! يعنى نحو ستة ملايين نسمة! وهذا العدد هو للذكور فقط من ابن عشرين سنة فصاعدا ، يعنى بدون الأطفال والنساء ، فيكون العدد الكلى نحو خمسة عشر مليونا!! فكيف بالله تم الخروج بهؤلاء ، وكيف عاشوا على الجبل أو فى الوادى الضيق؟! (بصرف النظر عن الخطأ فى الجمع فى التوراة) ؛. وقيل إن طور سينين فى الآية الثالثة من سورة التين ، أصلها سينيم التى ذكرها النبىّ إشعيا ، قال : يأتون من أرض سينيم ، يعنى البلاد البعيدة ، قيل إنها حيث برية سين ، إلا أنها ليست بلادا بعيدة ، وقيل هى أرض عيلام وكانوا يطلقون عليها أرض سينيم أى الأرض المرتفعة. وهناك أيضا أرض سين قرب عرفة عند سفح جبل لبنان. ونقول للمستشرقين الذين زعموا أن محمدا هو مؤلف القرآن : أكان محمد يعرف كل هذه الاختلافات التى لم يحسمها اليهود فيما بينهم للآن؟ وهل كان عنده العلم بالفرق بين سيناء ، وسينين ، وسين؟!! وكأنى بمحمد عالم بالچيولوچيا والجغرافيا والتاريخ واللغات؟ ألا يتّقى هؤلاء الله؟!

وقوله تعالى : (وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) (البقرة ٦٣) يعنى كظلّة ؛ (وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) (مريم ٥٢) يعنى يمين موسى مقبلا ، لأن الجبال لا يمين لها ولا شمال ؛ (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) (المؤمنون ٢٠) هو الجبل الذى كلم الله عليه موسى وهو

٣٥٢

بأرض مصر كما سبق ، وذلك أن كثيرا من كتب التفسير تكتب أنه من أرض الشام ، وهذه الشجرة هى شجرة الزيتون وتميز أرض وجبال سيناء. وفى سورة الطور يقسم الله تعالى بجبل موسى هذا فيقول (وَالطُّورِ) (١) ، كما يقسم بالتين والزيتون كآيتين تميزان طور سيناء ، ويسميه أيضا طور سينين ، يقول : (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ) (٢) (التين). والقسم بالجبال كالقسم بالبلاد والنجوم والكواكب من مناهج القرآن ، ويتكرر الجبل والجبال فى القرآن تسع وثلاثون مرة ، تعظيما وتشريفا لها ، وحضّا على توقيرها ، وتعبّدا لخالقها ومبدعها سبحانه.

* * *

١٢٤٥ ـ الطيرة والزّجر وأثارة العلم والأزلام

فى القرآن : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (الأعراف ١٣١). والتطيّر : هو التشاؤم ، والأصل يطيّروا ، من الطّيرة وزجر الطّير ، ومن كثرة استعمال المصطلح صار عاما فاستعير للتشاؤم ، وكانت العرب تتيمن بالسّانح : وهو الذى يأتى من جهة اليمين ، وتتشاءم بالبارح : وهو الذى يأتى من جهة اليسار. ويتطيّرون أيضا بصوت الغراب ويتأوّلونه إنذارا بالبيّن والفراق. وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا ، وبأصواتها فى غير أوقاتها. وكان العربى يقول : من لى بالسانح بعد البارح ، يعنى يتمنى الفأل الطيب بعد الفأل السيئ. وفى التّطيّر قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أقرّوا الطير على وكناتها» يعنى دعوها فى أعشاشها ، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يأتون بالطيور من الأعشاش ثم ينفرونها لكى تطير ، فإما ناحية اليمين ، وإما ناحية اليسار. واليمين هو السانح ، واليسار هو البارح. ونهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن التّطيّر وقال : «الطّيرة شرك» ، وقال : «من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». وقوله تعالى : (طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) (الأعراف ١٣١) أى ما قدّر لهم وعليهم.

والفأل : هو الاستدلال بما يسمع من الكلام على ما نريد من الأمر إذا كان حسنا ، فإذا سمعنا مكروها فهو تطيّر. ومن ذلك أيضا «الاستقسام بالأزلام» ، كقوله تعالى : (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ) (المائدة ٣) ، وهو قداح الميسر ، واحدها زلم والجمع زلم ، وعددها ثلاثة ، على أحدها يكتبون افعل ، وعلى الثانى لا تفعل ، والثالث مهمل لا شىء عليه ، فإذا أراد أحدهم فعل شىء ، أدخل يده إلى جراب فيه القداح ، فيأتمر بأمر ما يخرجه منها. و «استقسام الرزق» استدعاؤه. وهناك غير هذه «قداح النوازل» وهى سبعة ، و «قداح الحظوظ» وهى سبعة أيضا ، وكانوا يضربون بها مقامرة ، لهوا ولعبا. و «الاستقسام» هو طلب القسمة والنصيب. ومثل ذلك «السهام على الطرقات» والفأل أو التطيّر بها ، ومنها «رقاع الفأل».

٣٥٣

وأما «أثارة العلم» فى قوله : (ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) (الأحقاف ٤) ، فإن الأثارة هو خط كانت تخطه العرب فى الأرض أو الرمل ، فمن وافق خطه فذاك ، وهو نوع من ضرب الرمل والودع ، فيخط الخط ثم يلقى الودع ، فإن جاء على يمين الخط فخير ، وإن جاء على يساره فشر ، ثم إن كل ودعة لشىء ، فواحدة معروفة بشكلها للحظ ، وثانية للمرض ، وثالثة للعدو ، وهكذا ـ ومثل ذلك «قراءة الفنجان» ، و «قراءة خطوط اليد».

* * *

١٢٤٦ ـ الظلم والظالمون

الظلم لغة : هو وضع الشيء فى غير محله ؛ وفى الشريعة هو التعدّى عن الحقّ إلى الباطل ، ويقال : ظلمه أى جار عليه وفعل له الظلم ، والجور من الظلم ، تقول : جار عن الشيء أى مال عنه ، وجار عليه ظلمه ، والجائر هو الظالم ، وفى التنزيل : (وَمِنْها جائِرٌ) (النحل ٩) أى حائد عن الحقّ ، وهؤلاء هم أهل الأهواء وملل الكفر. والفرق بين الظلم والجور أن الظلم جور أشد ، وهو طمس لنور الحق ، ومنه كانت الظلمات ، بمعنى ذهاب النور ، كقوله : (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ) (٢٠) (فاطر). وقيل : الظلم : هو البطش والاستيلاء ، والأخذ بغير حق ، ومجاوزة الحدّ ، وهو درجات ، ومنه الأشد ، كقوله : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان ١٣) ، وقوله : (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى) (النجم ٥٢) ؛ والظلّام : هو الكثير الظلم كقوله تعالى : (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (آل عمران ١٨٢) ، لأن الظلم يستحيل على الله ، فلا ملك ولا حقّ لأحد معه ، بل هو الذى خلق المالكين وأملاكهم وتفضّل عليهم بها ، وعهد لهم الحدود ، وحرّم وأحلّ ، فلا حاكم يعقبه ، ولا حقّ يترتب عليه. وقيل : الظلم نقيض العدل والقسط والحق ، والله تعالى وصف نفسه بالعدل وبالحق ، وقال عن نفسه : (قائِماً بِالْقِسْطِ) (آل عمران ١٨) ، والعادل والحقّ من أسمائه تعالى وليس الظالم ، والإنسان مركوز فيه الظلم ويوصف به : (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً) (الفرقان ٢٧) ، وتوصف به الجماعة كما فى الدعاء : (رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها) (النساء ٧٥) ، وفى قوله : (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ) (الحج ٤٥). والظلوم : هو الكثير الظلم ، مثله مثل الظلّام ، كقوله : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم ٣٤) ، وقوله : (إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (الأحزاب ٧٢). وظلم الإنسان للغير قد يكون له ما يبرره ، وإنما غير المبرر ظلمه لنفسه ، كقوله : (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) (الأعراف ٢٣) ، وقوله : (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) (النمل ٤٤) وظلمه لنفسه أن يعميها فلا تبصر الحق ، ويصمها فلا تسمعه ، ويوردها موارد الهلكة. والظالم

٣٥٤

لنفسه له عذاب بئيس ، ويظل ظلمه يتابعه ويلاحقه ، ويطلق النفسانيون على ذلك اسم الندم ، وعذاب الضمير. ولا معذرة للظلم ، ولا فداء به ؛ والظلم من شيم الطغاة وهو أنسب لهم ؛ والهجرة من حق المظلوم. ويؤذن له أن يقاتل بأنه ظلم ، وأن ينتصر من بعد. ومن الظلم : العدوان ، والزور ، وهضم الحقوق ، والعلو ، وقد يأتيه الفرد كما تأتيه الجماعة ، ولا يورث ، وقد ينجب الظالم محسنا. ومن دأب الظالمين الشقاق البعيد ، وبعضهم أولياء بعض ، ولا يزدادون إلا خسارا وتبارا.

والآيات فى الظلم كثيرة فى القرآن ، ويتكرر وروده بها ٣٠٨ مرة ، وفى الحديث : «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما» ، وقيل : يا رسول الله ، هذا تنصره مظلوما ، فكيف تنصره ظالما؟ قال «تأخذ فوق يديه» ، فكنّى به عن كفّه عن الظلم بالفعل إن لم يكفّه القول ، وعبّر بالفوقية إشارة إلى اللجوء إلى الشدّة معه. وفى رواية قال : «يكفّه عن الظلم ، فذاك نصره إياه». ونصر الظالم ، بمنعه من الظلم. من تسمية الشيء بما يئول إليه ، وهو من وجيز البلاغة. وفى قوله تعالى : (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) (النساء ١٤٨) ، وقوله : (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) (الشورى ٣٩) ، أن للمظلوم أن ينتصر بمثل ما ظلم وليس عليه ملام ، وله أن يجهر بالسوء : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) (الشورى) ، وكأنه يدعو المظلوم أن يعفو عن الظلم : (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى (٤٠) أو أن يردّ الظلم بالمثل : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (الشورى ٤٠). وفى الحديث : «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» ، يعنى أن ظلمات الظالم تكتنفه وتحيط به يوم القيامة فلا يغنى عنه ظلمه. وقد ينتصر المظلوم بالدعاء على الظالم ، وفى الحديث : «اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» ، وفى دفع الظلم قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من قتل دون ماله فهو شهيد» ، وفى رواية : «من أريد ماله ظلما فقتل فهو شهيد» ، وفى الحديث عند مسلم قيل : أرأيت يا رسول الله ، إن جاء رجل يريد أخذ مالى؟ قال : «فلا تعطه» ، قال : أرأيت إن قاتلنى؟ قال : «فقاتله» ، قال : أرأيت إن قتلنى؟ قال : «فأنت شهيد» ، قال : أفرأيت إن قتلته؟ قال : «فهو فى النار» ، والحديث فيه : أن للإنسان أن يدفع الظلم عن نفسه وماله ، ولا شىء عليه ، وهو شهيد إذا قتل ، وإذا قتل فلا قود ـ أى قصاص ـ عليه ، ولا دية ـ أى تعويض. وقصاص الظالمين يوم القيامة أن يأتيهم العذاب : (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى

٣٥٥

أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ) (إبراهيم). وأما المؤمنون فكما جاء بالحديث : «يحبسون يوم القيامة بقنطرة بين الجنة والنار ، فيتقاضون مظالم كانت بينهم فى الدنيا ، حتى إذا نقّوا وهذّبوا أذن لهم بدخول الجنة».

* * *

١٢٤٧ ـ العتيق والمكاتب والمدبّر

العتق فى اللغة : هو الخلوص ، وفى القرآن : (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (٢٩) (الحج ٢٩) ، وهو البيت الحرام ، قيل سمى كذلك لأن الله أعتقه من أن يتسلّط عليه جبّار بالهوان إلى انقضاء الزمان ، أو أن الله عزوجل يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب ، أو لأنه بيت العبادة لأمة جعلت من أهدافها عتق الفاسق من العبودية لغير الله. ولم توجد ديانة ، ولا ملّة ، ولا مذهب سياسى قال بتحرير الرقيق كما جاء فى الإسلام ، والرقّ اليوم هو الاستعمار الجديد ، والإمبريالية الرأسمالية ، والتسلّط اليهودى على العالم ، ولا فرق بين استيراد الزنوج إلى أمريكا وغيرها قديما غصبا عنهم ، واستيراد الزنوج الجدد من أصحاب المؤهلات من مختلف البقاع تحت اسم الهجرة. وفى اليهودية أن الإسرائيلى إذا ابتاع عبدا إسرائيليا فله أن يخدمه ست سنوات ، وفى السابعة يخرج حرا مجانا ، وإن كانت له زوجة تخرج زوجته معه ، وإن زوّجه مولاه فولدت له فالمرأة وأولادها ملك سيده ، ويخرج هو وحده ، وإن رفض أن يخرج وحده وآثر أن يظل مع أسرته ، ثقب له مولاه أذنه ، فيخدمه أبد الدهر. ويمكن للإسرائيلى أن يبيع ابنته أمة ، وليس لمن يشتريها أن يبيعها لقوم غرباء ، وإن تزوّجها أو زوّجها لابنه ، فعليه أن يعاملها معاملة بناته فلا ينقصها طعامها ، ولا كسوتها ، ولا أوقاتها التى يبيتها معها ، فإن أخلّ واحدة منها فليس له عليها سلطان ، وتخرج من بيته مجانا بلا ثمن (الخروج ٢١ / ٢ ـ ١١). ويمكن للأخ أن يبيع نفسه لأخيه رقيقا ، وعلى الأخ أن لا يعامله كرقيق بل كأجير ، ويظل هكذا إلى سنة اليوبيل ، ثم يعود حرا (الأحبار ٢٥ / ٤٠ ـ ٤١). وللإسرائيليين أن يستعبدوا من الأمم من حولهم ، ومن أبناء الغرباء المقيمين فى إسرائيل ، ويكونون لهم ملكا ، ويورثونهم لبنيهم من بعدهم إرث الملك ، ويستخدمونهم أبدا ، وإذا ابتاع أجنبى إسرائيليا ، فعلى قومه أن يحرروه شراء من الأجنبى (الأحبار ٢٥ / ٤٧ ـ ٤٩). وإذا أبق عبد إسرائيلى إلى الإسرائيليين ، فعليهم ألا يسلّموه (تثنية الاشتراع ٢٣ / ١٥).

٣٥٦

وفى الإسلام : أن العتق هو التحرير ، وفى القتل الخطأ ، واليمين المنعقدة ، والظهار ، والوطء فى رمضان كفّارة تحرير رقبة كقوله تعالى : (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ) (النساء ٩٢) ، وقوله : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ) (المائدة ٨٩) وقوله : (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) (المجادلة ٣). والعتق إذن كان من أفضل القرب إلى الله ، وكان المستحب عتق الذكر عن الأنثى ، وعتق من له دين وكسب فينتفع بالعتق ، فإن لم يكن له كسب وسيتضرر بالعتق ويصير كلّا على الناس ، فلا يستحب عتقه. وإن كان من يخشى عليه الفساد ، كالجارية يخاف منها الزنا ، فكان يكره إعتاقها. والعتق يشترط فيه النية ، والتلفظ بما يفيد العتق ، كأن يقال صراحة : أنت حرّ ، أو محرّر ، أو عتيق ، أو معتق ، أو يقال كناية : لا سبيل لى عليك ، أو أنت سائبة ، أو لا رقّ لى عليك ولا ملك ، وأنت لله. وكل من جاز تصرفه فى ماله ، وكان بالغا ، عاقلا ، رشيدا ، فله أن يعتق ، ولا يصحّ من مجنون أو صبى ، أو سفيه محجور عليه ، أو سكران ، أو مكره. ولا يصحّ إلا من مالك. ومثلما يحصل العتق بالقول ، فإنه يحصل بالملك ، والاستيلاء. وإذا اتفق السيد وعبده على أن يؤدى له مالا يعتق عليه ، كان عليهما أن يكتباه ويكون العقد بينهما عقد معاوضة ، ولو أبرأه السيد عتق ، ولا ينفسخ العقد بموت السيد ، والعبد حينئذ يسمى مكاتبا ، ولا يصحّ بيع المكاتب ولا هبته. ومن ملك ذا رحم محرّما ـ أى ذا قرابة يحرم بها النكاح ـ عتق عليه ، وولاؤه له ، وهو ما سمّيناه العتق بالملك. وإذا كان العبد لأكثر من واحد فأعتقوه فى نفس الوقت ، فإنه يصير حرا ، وولاؤه بينهم على قدر حقوقهم فيه. وإذا استثنى فى العتق ، كأن يقال له : أنت حرّ إن شاء الله ، يقع العتق ولا ينفعه الاستثناء. ومن الجائز عتق الأمة واستثناء ما فى بطنها ، وعتق الحمل (دون أمّه) ، وعتق الأمة صداق لها. والمملوك نفقته على سيده بقدر كفايته من الطعام والكسوة ، ويجب عليه إعفاف مملوكه وتزويجه إذا طلب الزواج ، وتسأل الأمة لو جاءها من يطلبها للزواج. وإذا كاتب عبد سيده لزمته نفقة نفسه ، وتجب نفقة الرقيق المرهون على الراهن ، ونفقة العتيق على معتقه إذا كان فقيرا ولمولاه يسار.

والمكاتبة : فى الشرع هو أن يكتب الرجل عبده على مال يؤدّيه ، فإذا أدّاه فهو حر ،

٣٥٧

كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ) (النور ٣٣). وشرط المكاتبة : أن يكون العبد قادرا على الكسب وحده. والكتابة عقد معاوضة فلا تصحّ إلا عن تراض. ومن لا حرفة له لا يصحّ مكاتبته. والكتابة تكون بقليل المال وكثيره ، وتكون منجّمة أى على أقساط ، وسميت كتابة لأنها تكتب ويشهد عليها ، ويظل المكاتب عبدا ما بقى عليه من مال الكتابة شىء ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «المكاتب عبد ما بقى عليه من مكاتبته درهم». وقيل : إذا أدّى الثلاثة أرباع وبقى الربع فهو غريم ، أى مديون ، ولا يعود عبدا ، وقيل : إنه يصير بعقد الكتابة حرا ، ويصبح غريما بالكتابة ، ولا يرجع إلى الرق أبدا ، ويعتق معه ولده الذين ولدوا فى كتابته ، والإسلام على سياسة منع الرق والاستعباد ، ولذلك يأمر الله تعالى أصحاب المال أن يعينوا المكاتبين بأموالهم ، بأن يعطوهم شيئا مما فى أيديهم ، أو يحطّوا عنهم شيئا من مال الكتابة ـ قيل ربع الكتابة ، وقيل الثلث ، وقيل العشر ، والقرآن يعطى ذلك اسم الإيتاء ، والخطاب فى الآية «وآتوهم» للناس أجمعين أن يتصدّقوا على المكاتبين ، وأن يعينوهم فى فكاك رقابهم. وكانت صفة عقد الكتابة أن يقول السيد لعبده : كاتبتك على كذا وكذا من المال ، فى كذا وكذا قسطا ، إذا أدّيته فأنت حر. ويقول العبد : قد قبلت ، ونحو ذلك من الألفاظ. والكتابة الفاسدة أن يكاتبه على عوض مجهول ، أو عوض حالّ ، أو محرّم كالخمر والخنزير. وكتابة المريض صحيحة ، وإن كان من مرض الموت اعتبر من ثلثه ، وتصحّ الوصية بالكتابة. وإذا علّق السيد عتق عبده بموته ، كأن يقول : أنت حرّ ، أو أنت محرّر ، أو عتيق ، أو معتق ، بعد موتى فإنه يصير مدبّرا ، وكذا إن قال : أنت مدبّر ، أو قد دبّرتك ، فإنه يصير مدبّرا بنفس اللفظ من غير افتقار إلى نيّة. والتدبير كمصطلح يعنى : التعليق للعبد فلا يصبح محررا إلا بعد موت السيد ، ويصحّ مطلقا ، أى من غير شرط إلا الموت ، أو مقيّدا ، كأن يقول : إن مت فى سفرى هذا فأنت حر. وقد يعلق التدبير على صفة ، كأن يقول : إن شفى ابني فأنت حر مدبّر. وإذا كان للعبد سيدان يشتركان فيه ، فتدبير أحدهما لنصيبه لا يسرى على نصيب الشريك الثانى. وإذا دبّر الصبى المميز صحّ تدبيره ، ولا يصح تدبير المجنون. ولا يبطل التدبير بالرجوع فيه. وكسب المدبّر لسيده أثناء التدبير ، وله أن يطأ أمته أثناء التدبير ، وإذا دبّر السيد عبده ثم كاتبه جاز. ويجزئ عتق المدبّر فى الكفّارة. وديته قيمته. وقيل المدبّر طلاقه اثنتان ، وقيل ثلاث طلقات وهو الصحيح ، وخلعه لزوجته صحيح ، وتعويض الخلع لسيده ، وخلع الأمة صحيح سواء كان بإذن سيدها أو بغير إذنه ، وطلاقها على عوض طلاق بائن ، والخلع معها كالخلع مع الحرة. وإن اجتمع العتق فى المرض والتدبير ، قدّم العتق ،

٣٥٨

وإن اجتمع التدبير والوصية بالعتق ، تساويا ، وقد يقدّم التدبير. ويعتق المدبّر بعد الموت من ثلث المال ، والمدبّر لا يرث ولا يورث لأنه لا مال له ، وأما المكاتب فإن مات وله ما يورث ، ورثه ورثته بعد أداء بقية كتابته لسيده إن كان عليه منها شىء. وفى الإسلام الآن لا يوجد رقّ ولا رقيق ، ولا مكاتب ، ولا عتيق ، ولا مدبّر ، وصار الناس جميعا أحرارا ، إلا ما تحاول الرأسمالية أن تحييه باستغلال العمال وطبقة الفلاحين والطبقة المتوسطة ، واسترقاق هؤلاء جميعا لمصلحة الاستعمار الجديد والإمبريالية العالمية. والله المستعان.

* * *

١٢٤٨ ـ العقل والتعقّل والمتعقلون

يخاطب القرآن أصحاب العقول ، ولذا يأتى فيه دائما «أفلا تعقلون» مثلما فى الآية (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٤٤) ، والآية (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٧٣) من سورة البقرة. والعقل يأتى فى القرآن ٤٩ مرة ، وفى اللغة يقال عقال البعير لأنه يمنع عن الحركة ، والمعقل هو الحصن المنيع. والعقل نقيض الجهل. والمسلمون على القول بأن العقل ليس بقديم ولا معدوم ، فلو كان معدوما لما اختص بالاتصاف به الإنسان دون غيره ، ولما تباين الناس بشأنه ، وقد ثبت وجوده ، ولكن يستحيل القول بقدمه ، لأنه لا قديم إلا الله. والعقل mind خلاف الذهن brain ، وخلاف المخ cerebrum ، فالعقل هو قوة الإدراك ، والذهن قوة الفهم فى العقل ، والمخ قطعة اللحم فى الدماغ بها خصائص الإدراك والحسّ ، وهو مكان العقل والذهن. ومن الفلاسفة من يقول إن الذهن فى المخ ، والعقل فى القلب ، أو أن العقل بخلاف القلب ، فالعقل يدرك ، ولكن القلب يفقه ، والعقل لا يقسو ، وإنما الذى يقسو ويرحم ويشفق هو القلب. وقد يقال للعقل النفس ، وهى التى مناطها الفجور والتقوى ، ومنها النفس اللّوامة ، والمطمئنة ، والراضية ، والأمّارة بالسوء. والعقل الذى هو مناط التكاليف الشرعية : هو العلم بوجوب الواجبات العقلية ، واستحالة المستحيلات ، وجواز الجائزات والضروريات ، ويمتنع أن يقال عاقلا من لا علم له أصلا ، أو عالما من لا عقل له أصلا. والقرآن عند ما يوجه الخطاب لذوى العقول ، إنما للحضّ على إدراك الحقائق ، وأحيانا يخاطبهم باسم (أُولُوا الْأَلْبابِ) (١٩) (الرعد) ، واللّب هو العقل الخالص من الآفات والجهل ، وكل لبّ عقل ، وليس العكس. وأحيانا يخاطبهم القرآن باسم «أولى النّهى» كقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) (٥٤) (طه) ، والنّهى هو العقل عند ما يكون عمله النّهى عن القبيح وكل ما ينافى العقل. وتنفرد العربية باسم «النّهى» حيث لا نظير له فى اللغات الأوروبية ، وقد يماثله عندهم السوبر إيجوSuperego أو الأنا الأعلى ، وعند كنط هو

٣٥٩

هو الآمر الخلقى The moral imperative. وكل قضايا القرآن بلا استثناء من المعقولات ، يعنى أنها تطابق العقل ، على عكس قضايا التوراة فإنها قضايا إلزامية قسرية تنافى العقل. وأيضا فإن قضايا الأناجيل ورسائل الرسل كلها فوق العقل ، يعنى ليست من المعقولات ، ولذلك لا يمكن أن تلزم العقلاء ، وانظر مثلا إلى وعد التوراة لليهود وعدا ملزما مع عدم استحقاقهم له ، وإلى إصرار النصارى على القول بأن المسيح ابن الله ، وأن له طبيعة إلهية مع أنه عاش كبشر. وهذا الفارق بين الديانات الثلاث هو الذى يجعل للعقل مكانة خاصة عند المسلمين ، وهو عندهم آلة تمييز ، وغريزة ، وقوة على المعرفة ، ونور ، وبصيرة ، وصفة يتأتّى بها درك الله تعالى من أسبابه فى الكون ، ونستنبط كل ذلك من آيات القرآن ، كآية التوحيد مثلا التى تقول : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) (البقرة ١٦٣) ، قيل لمّا نزلت هذه الآية ، تساءل كفّار قريش ، قالوا : هل من دليل على ذلك؟ فأنزل الله : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة ١٦٤) ، وكأنهم طلبوا دليل التوحيد بعد آية التوحيد ، ويخاطب الدليل العقل ، ويتوجه إلى العقلاء ، فإن هذا الكون المعجز ، لا بد له من خالق بان صانع ، وأن كل ما خلقه وبناه وصنعه لهو الدليل على وحدانيته وقدرته ، ولذلك كان الحديث : «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» ، أى لم يتفكّر فيها ويعقلها ويعتبرها. وفى القرآن كلما جاء «انظروا» أو «أفلا تنظرون» ، أو «أولم ينظروا» ، فاعلم أن الخطاب إلى العقلاء ، والنظر دعوة للتعقّل والتفكّر والتدبّر. فهذه إذن هى مكانة العقل فى القرآن ، ومكانة الدعوة إلى التعقّل. ولله الحمد والمنّة.

* * *

١٢٤٩ ـ العورة

عورة الرجل : ما بين السرّة والركبتين ، وليست السرّة والركبتان من العورة. وعورة المرأة : المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين ، ولذا يجيء فى القرآن : «إن بيوتنا عورة» ، يقصد بالبيوت من بها من النساء ، وفى آية الاستئذان لذلك : (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَ) (النور). والمرأة وإذا صلّت خمّرت رأسها. ويجب ستر العورة عند الاغتسال ، وأن تستر عورة الميت ، ويباح لكل من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه ، ولكل رجل أن ينظر إلى

٣٦٠

جسد صاحبه ما عدا العورة ، ولا عورة للغلام الذى لم يبلغ تسعا. وتنظر المرأة من المرأة كل شىء ما عدا ما بين السرّة والركبة ، ولا فرق بين مسلمتين وبين مسلمة وذمية ، ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبا كالرقبة والرأس والكفّين ، ويكره له أن ينظر إلى ساق أمه وصدرها ، ولا يجوز له أن ينظر إلى أم أو بنت من زنى بها ، ويباح للرجال كبار السن أو المصابين بالعنّة أو المرض أن ينظروا إلى الأجنبية ، ويباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدن المرأة وعورتها ، وللمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ليس بعورة.

* * *

١٢٥٠ ـ الفاسقون ملحدون أو عصاة

الفاسق : فى اللغة هو الخارج عن الطاعة ، تقول : فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها ؛ ويقال للفأرة فويسقة ، لخروجها عن جحرها للفساد ، وعن عائشة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خمس فواسق يقتلن فى الحلّ والحرم ..» الحديث ، منها الفأرة. والفاسق فى المصطلح : هو الملحد أو العاصى ، وفسق الملحد أشدّ وأفحش لأنه ينكر الله ولا ينكره العاصى. وفى التعريف بالفاسق يقول الله تعالى : (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) (البقرة ٢٧) فهذه أفعال الفاسق ؛ والفسق رجس ، ومنه أن تطعم المحرّمات كلحم الخنزير (المائدة ٢) (الأنعام ١٢١). وفى الآية : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (المائدة ٤٧) ، أن الفاسقين هم الخارجون عن طاعة الله ، وفى نفس المعنى الآية : (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ) (المائدة ٤٩) يذكر أن أكثرهم من العصاة المخالفين للحق الناكبين عن الشرع. وفى الآية : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) (المائدة ٩) ، أن الفاسقين هم غالبية أهل الكتاب ، ووصفهم بأنهم نقموا على المسلمين إيمانهم مقارنة بأنفسهم ، ولا يستوى المؤمنون والفاسقون ، كقوله : (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) (السجدة ١٨) ، قيل نزلت فى الوليد بن عقبة بن معيط لمّا تلاحى وعلىّ بن أبى طالب ، فقال له الوليد : أنا أبسط منك لسانا ، وأحدّ سنانا وأردّ للكتيبة ، فقال له علىّ : اسكت فإنك فاسق! قيل : فنزلت الآية ، وهى مدنية مع أن سورة السجدة التى تتضمنها مكية ولم يصف علىّ الوليد بالفسق إلا بناء على الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) (الحجرات ٦) ، قيل : نزلت فى الوليد بن عقبة بن أبى معيط لمّا بعثه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مصدّقا (أى

٣٦١

يجمع الصدقات) إلى بنى المصطلق ، فلما أبصروه أقبلوا نحوه ، فهابهم لإحنة (أى لخلاف) كانت بينه وبينهم ، فرجع إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره أنهم ارتدّوا عن الإسلام ، فبعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خالد بن الوليد إليهم يثبّت من أمرهم ولا يعجل ، فأتاهم ليلا وبثّ عيونه ، فوجدهم متمسكين بالإسلام ، وسمع آذانهم وشاهد صلاتهم ، فلما أصبحوا أتاهم ورأى صحة ما وجد ، فعاد إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره ، فنزلت الآية ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «التأنّى من الله والعجلة من الشيطان». فلأن القرآن نزل فى الوليد بن عقبة بن معيط بأنه فاسق ، سبّه علىّ وعيّره بفسوقه. وفى رواية أن الوليد ظن بنى المصطلق فى قدومهم لاستقباله ينوون قتله ، فرجع يزعم ذلك ، وسمّى الوليد فاسقا أى كاذبا ، فذلك أحد معانى الفاسق ؛ وقيل : هو المعلن بالذنب الذى لا يستحى الله. وآية عدم مساواة المؤمن والفاسق احتج بها البعض على منه القصاص بين المسلم والكافر ، لأن من شرط وجوب القصاص المساواة بين القاتل والمقتول ، ولم ير أبو حنيفة ذلك ، وحكم بقتل المسلم بالذمّى ، بدعوى أن عدم المساواة بينهما يكون فى الآخرة ، وأما فى الدنيا فالمساواة واجبة فى العدالة. وادّعى المستشرقون أن القرآن أخطأ عند ما جعل «لا يستوون» جمعا ، بينما الإشارة إلى مؤمن واحد وفاسق واحد ، فهما اثنان ، وكان الواجب أن يقول «لا يستويان» ، ولذا لزم التنبيه إلى أن المؤمن الواحد يعنى جنس المؤمنين ، والفاسق الواحد يعنى جنس الفاسقين ، فالاثنان إذن جمع ، وفى الآية : (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ) (السجدة ١٩) أن مقر المؤمنين هو الجنة ، ومأوى الفاسقين النار ، والفاسقون هم الذين خرجوا على الإيمان إلى الكفر.

* * *

١٢٥١ ـ الفرائض فى القرآن سنة

الفرائض هى التى ورد عنها فى آية المواريث ، تقول : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ

٣٦٢

مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (النساء) ، ومعنى يوصيكم فرض عليكم ، فسميت الفرائض ، وتعلّمها من علم الإسلام ، قيل هو ثلاثة : الفرائض ، والطلاق ، والحجّ ، وفى الحديث : العلم ثلاثة ، وما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة ، أو سنّة قائمة ، أو فريضة عادلة» ، ومن أجل ذلك قيل إن علم الفرائض هو ثلث العلم ، والآية المحكمة : المراد بها كتاب الله ؛ والسنّة القائمة : هى الثابتة ؛ والفريضة العادلة : من العدل فى القسمة بحسب ما ورد فى آية المواريث من الأنصباء والسهام ، أو تكون مستنبطة فتعدل ما هو موجود فى الكتاب والسنّة. والفرائض فى القرآن ستة : النصف ، والربع ، والثمن ، والثلثان ، والثلث ، والسدس ؛ فالنصف فرض خمسة : ابنة الصّلب ، وابنة الابن ، والأخت الشقيقة ، والأخت للأب ، والزوج. وكل ذلك إذا انفردوا عمن يحجبهم عنه. والربع : فرض الزوج مع الحاجب ، وفرض الزوجة والزوجات مع عدمه. والثمن : فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب. والثلثان : فرض أربع : الاثنتين فصاعدا من بنات الصلب ، وبنات الابن ، والأخوات الأشقاء أو للأب ، وكل ذلك إذا انفردن عمّن يحجبهن عنه. والثلث : فرض صنفين : الأم مع عدم الولد ، وولد الابن ، وعدم الاثنين فصاعدا من الإخوة والأخوات ، وفرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم. وهذا هو ثلث كل المال. وأما ثلث ما يبقى فذلك للأم فى مسألة زوج أو زوجة وأبوين ، فللأم فيها ثلث ما يبقى ، وفى مسائل الجد مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم وكان ثلث ما يبقى أحظى له. والسدس : فرض سبعة : الأبوان ، والجد مع الولد ، وولد الابن ، والجدة والجدّات إذا اجتمعوا ، وبنات الابن مع بنت الصلب ، والأخوات للأب مع الأخت الشقيقة ، والواحد من ولد الأم ذكرا كان أو أنثى ـ وهذه الفرائض كلها من القرآن إلا فرض الجدّة والجدّين فإنه من السنّة.

ولإيجاب هذه الفروض الآن سببان : نسب ثابت ، ونكاح منعقد ، وقديما كان هناك سبب ثالث هو ولاء العتاقة. وقد يجتمع للرجل السببان أو الثلاثة ، فيكون زوجا للمرأة وابن عمها ، وقد يكون أيضا مولاها بحسب الزمن القديم ، وعلى ذلك يرث بوجهين ، أو ثلاثة أوجه ، ويكون له جميع المال إذا انفرد ، نصفه بالزوجية ، ونصفه بالولاء أو بالنسب.

فإذا مات المتوفى أخرجت من تركته الحقوق المعيّنات ، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره ، ثم الديون على مراتبها ، والوصايا على مراتبها ، ويكون الباقى ميراثا بين الورثة ، وجملتهم ستة عشر : تسعة من الرجال : الابن ، وابن الابن وإن سفل ؛ والأب ، وأب الأب وهو الجد وإن علا ، والأخ ، وابن الأخ ، والعم ، وابن العم ، والزوج. ويرث من النساء ست : البنت ، وبنت الابن وإن سفلت ، والأم ، والجدة وإن علت ، والأخت ، والزوجة. وكانوا قديما يورثون مولى النعمة وهو المعتق ، ومولاة النعمة وهى المعتقة. وجعل بعضهم الورثة

٣٦٣

جميعا فى نظم واحد هكذا ليسهل حفظهم :

والوارثون إن أردت جمعهم

مع الإناث الوارث معهم

عشرة من جملة الذّكران

وسبع أشخاص من النسوان

وهم وقد حصرتهم فى النظم

الابن وابن الابن وابن العم

والأب منهم وهو فى الترتيب

والجدّ من قبل الأخ القريب

وابن الأخ الأدنى أجل والعم

والزوج والسيد ثم الأمّ

وابنة الابن بعدها والبنت

وزوجة وجدّة وأخت

والمرأة المولاة أعنى المعتقة

خذها إليك عدّة محققة

* * *

١٢٥٢ ـ القدر والقدرية

القدر : هو تعلّق الإرادة الذاتية بالأشياء فى أوقاتها الخاصة ، فتعليق كل حال من أحوال الأعيان بزمان معين ، وسبب معين ، عبارة عن القدر. وقيل : القدر : خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدا بعد واحد مطابقا للقضاء.

والقضاء فى الأزل ؛ والقدر فيما لا يزال. والفرق بين القدر والقضاء : هو أن القضاء : وجود جميع الموجودات فى اللوح المحفوظ مجتمعة ؛ والقدر : وجودها متفرقة فى الأعيان بعد حصول شرائطها ، ومن ذلك الزواج مثلا ، كقوله تعالى : (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (الأحزاب ٣٨) ، والأرزاق ، كقوله تعالى : (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ) (الشورى ١٢) ، وحادثات الطبيعة ، كقوله تعالى : (فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) (القمر ١٢) ، والموت ، كقوله تعالى : (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (الواقعة ٦٠) ، والطارئات من المصائر ، كقوله تعالى : (فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ) (النمل ٥٧) ، وكل ذلك من القدر ، وهو ما لا دخل للإنسان فيه ولا تكليف عليه من جهته. والقدرية : فرقة من الفرق الإسلامية ، ومذهب فى الكلام ، من القدرة : بمعنى الاستطاعة ، وأن الإنسان مريد لأفعاله قادر عليها. ولا يرى القدرية أن الكفر والمعاصى بتقدير الله ، وإنما من أعمال الإنسان المحسوبة عليه ، والقدرية بهذا المعنى تعنى مذهب حرية الإرادة. وكان المعتزلة قدرية ، وعكسهم الجبرية ، وقيل إن للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حديثا فى القدرية هو : «القدرية مجوس هذه الأمة» ، والحديث ضعيف ، فما كانت القدرية كمذهب قد

٣٦٤

ظهرت أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقد ينصرف نقد المسلمين للمذهب إلى أنه يقصر القدرة على العباد من دون الله ، والحقيقة أن القدرية فرّقوا بين قدرة الله وقدرة العباد ، وقالوا إن قدرته تعالى قدرة إبداع ، وإن قدرة العباد هى قدرة اكتساب وإبداع. والآيات فى ردّ القدرية كثيرة ، منها قوله تعالى (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) (النحل ٩) فبيّن أن المشيئة لله ، ولا فرق بين مشيئته تعالى وإرادته ، فعينهما سواء بالنسبة إلى الله تعالى ، وإنما الفرق بينهما فى متعلق كل منهما ، فالإرادة تتعلق بترجيح أحد طرفى الممكن من حيث وجود الشيء أو عدمه : كقوله تعالى : (وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ) (الرعد ١١) ، والمشيئة تتعلق بحقيقة الشيء أو ماهيته من غير ترجيح لأحد جانبيها ، وقد يحدث أن تتوجه مشيئة الله بتعليق إرادته بأحد طرفى الممكن ، كقوله : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس ٨٢) ، فالإرادة هنا والمشيئة سيّان ، ويسمى ذلك مشيئة الإرادة ، يعنى أنه تعالى شاء أن يريد كقوله : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل ٩٣) ، والمعنى أنه لم يشأ أن يجعلنا أمة واحدة ، وشاء أن يترك الأمر لنا ليضل من يشاء أن يضل ، ويهتدى من يشاء أن يهتدى ، وفى الحالتين فإنه يضل ويهدى عدلا منه فيهم بخذلانه لفسوقهم ، أو بتوفيقه إياهم ، ثم إنهم لمسئولون فى الحالتين بعد أن بيّن لهم السبيلين والنجدين : الضلال والهدى. والفرق بين مشيئة العبد ، كقوله : (لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ) (النحل ٣١) ، وقوله : (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) (فصلت ٤٠) ، وقوله : (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (البقرة ٢٢٣) ، وبين مشيئة الربّ ، كقوله : (كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) (آل عمران ٤٠) ، أن مشيئة العبد : اختيار يتردد بين أمرين كل منهما ممكن الوقوع ، فيترجّح أحدهما لمزيد مصلحة وفائدة ، ولكن مشيئة الربّ : هى اختياره الثابت ، إذ لا يصحّ لديه تردد ولا إمكان حكمين. (انظر أيضا القضاء والقدر ضمن باب الإيمان ، والقضاء ضمن باب المصطلحات).

* * *

١٢٥٣ ـ القرء والأقراء

القرء هو الحيض ، والجمع أقرؤ ، وأقراء ، تقول : أقرأت المرأة إذا حاضت ، فهى مقرئ ؛ وأقرأت طهرت ، وقيل : اقرأت يعنى صارت صاحبة حيض ، فإذا حاضت قلنا قرأت بلا ألف. وقد سمى الحيض قرءا ، لاجتماع الدم فى الرحم ، والمرأة قبل هذا الدم فى طهر ؛ وقيل : الطّهر هو اجتماع الدم فى البدن ولم ينزل بعد إلى الرحم ، ولكل من القرء والطّهر وقت ، فكأن الرحم يجمع الدم وقت الحيض ، والجسم يجمعه وقت الطهر. وقد يقال

٣٦٥

للطهر مع الحيض قرء ، كما يقال قرء للخروج من الطهر إلى الحيض ، أو من الحيض إلى الطهر ، وعلى ذلك فإنه فى الآية : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) (البقرة ٢٢٨) يكون القرء هو الانتقال ، فهن ينتقلن من طهر إلى حيض ، ثم من حيض إلى طهر ، ثلاثة انتقالات ، فيصير القرء هو الطهر والحيض معا ، وتكون عدّة المطلقة ثلاثة انتقالات : فإذا طلق الرجل فى طهر لم يطأ فيه ، اعتدّت المرأة بما بقى منه ، ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة ، ثم ثالثا بعد حيضة ثانية ، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلّت للأزواج وخرجت من العدّة.

* * *

١٢٥٤ ـ قريش والقرشيون

هذا الاسم يأتى مرة واحدة فى القرآن فى قوله تعالى : (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ) (٢) (قريش) ، يمتن الله عليهم بما خصّهم من نعمة الأمن الاقتصادى والأمن العام ، كقوله : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) (العنكبوت ٦٧) ، وقوله : (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) (القصص ٥٧) ، فشرّفهم أن كان البيت فى بلدهم ، وجعلهم سدنته ، يأتى إليهم القاصى والدانى ، كقوله : (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ) (المائدة ٩٧) ، وخصّها بما خصّها به : (وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ) (المائدة ٩٧). وقريش وهم : بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر ، فكل من كان من ولد النضر فهو قريشىّ أو قرشى. وقيل أصل الاسم قريش من التقرّش وهو التجمّع ، وكانت قريش متفرّقة فى غير الحرم ، فجمعهم قصىّ بن كلاب فى الحرم ، حتى اتخذوه مسكنا. وقيل : قريش هم بنو فهر بن مالك بن النضر ، ومن لم يكن من نسل فهو فهو ليس بقرشىّ. والأول أصح ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنا ولد النضر بن كنانة لا نفقو أمّنا ، ولا ننتفى من أبينا ،» ، أى لا نتهم أمّنا ولا أبانا ، يعنى أنهم من زواج حلال وليسوا أبناء سفاح ، أو أنهم ينتسبون لآبائهم ولا يتركون ذلك انتسابا للأمهات. وفى الحديث : «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى من بنى كنانة قريشا ، واصطفى من قريش بنى هاشم ، واصطفانى من بنى هاشم» أخرجه مسلم. وكما ترى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول بالاصطفاء ، وهو أصلا من نظريات القرآن ، وينسب التاريخ لفعل الصفوة ، والصفوة هى التى توجه آليات المجتمع وأوضاعه وقواه الاقتصادية والسياسية وتصنع التاريخ. وليست الصفوة سلالة عرقية ، ولكنها بتأثير التنشئة والتربية ، واليهود يقولون بأنهم الصفوة عرقيا واختيارا وليس عن استحقاق ، والقرآن يقول بالصفوة وإنما اختيارا ، عن تقوى وفلاح وعلم وصلاح ، وذلك هو الفرق بين نظرية الصفوة أو الاصطفاء فى الإسلام ، وهذه النظرية عند

٣٦٦

اليهود فى التوراة. وقريش كانت صفوة العرب ، لأنهم كانوا أهل حرم ، ولأنهم فهموا حركة التاريخ فتجمعوا بعد تفرّق ، والتقرّش كما أسلفنا هو التجمّع ، وامتهنوا التجارة لأنها عصب التقدم وأساس التعلّم ، والتقرّش هو أيضا التكسّب ، تقول : قرش يقرش يعنى اكتسب ، والاكتساب قد يكون للمال ، أو للعلم ، أو للخبرة ، أو لمودة الناس ، أو يكون أحلافا وعهودا مع سائر الأمم والشعوب. وقريش كانوا أهل نجدة وأصحاب حمية ، ويعينون الناس والحجّاج خاصة ؛ ولم يخلقهم الله هكذا لهذا الدور دون البشر ، لكنهم فهموه ووعوه بالخبرة والتعلّم ، وكانوا أصحاب منعة ، وقيل : سمّوا قريشا من القرش أقوى سمك البحر ، يأكل ولا يؤكل ، ويعلو ولا يعلى عليه. واشتهروا برحلتى الصيف والشتاء إلى الشام واليمن ، يمتارون فيهما ويميرون العرب ، فكانوا عماد الاقتصاد العربى ، يحملون لمختلف القبائل الميرة والزاد والعدة والزوّاد. وقادوا أكبر حركة مقاومة لديانة من الديانات ، ومنهم كان إمام الأنبياء والمرسلين ، وبلغتهم نزل أفضل كتب الله ، وعلى رأسهم كان أئمة الكفر ، فلم يوجد مطعن فى الإسلام إلا وكان لهم فى اختراعه نصيب ، ولم يذكر مصطلح الكفّار فى القرآن إلا وكان المقصود به الذين أنكروا الله ونبوة محمد والبعث والحساب من القرشيين.

* * *

١٢٥٥ ـ القضاء

هو فى الاصطلاح القرآنى : الحكم الإلهى فى أعيان الموجودات على ما هى عليه من الأحوال الجارية من الأزل إلى الأبد ، كقوله تعالى : (وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة ١١٧) ، على عكس القدر : فهو تعليق كل حال من أحوال الأعيان بزمان معين وسبب معين. ومن أمثلة القدر قوله تعالى : (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ) (الرعد ٢٦) ، ولو كان الأمر فى الكفر والإيمان قضاء ما عصى الله أحد. والقضاء بمعان ، منها الوصية ، كقوله : (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (الإسراء ٢٣) ؛ والخلق ، كقوله : (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ) (فصلت ١٢) ؛ والحكم ، كقوله : (فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ) (طه ٧٢) ؛ والفراغ ، كقوله : (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ) (يوسف ٤١) أى فرغ منه ؛ والإرادة ، كقوله (إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران ٤٧) ؛ والعهد ، كقوله : (إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ) (القصص ٤٤). فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعانى فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصى بقضاء الله. (انظر أيضا القدر والقدرية ضمن باب المصطلحات ، والقضاء والقدر ضمن باب الإيمان).

* * *

٣٦٧

١٢٥٦ ـ القياس أجمعت عليه أمة الإسلام

كان إبليس أول من قاس ، فقال : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (الأعراف ١٢) ، فرأى أن النار أشرف من الطين ، ومن ثم كان هو أشرف من آدم. وهذا مثل فى القياس. والقياس قال به كثيرون ، منهم الصحابة والتابعون ، والتعبّد به جائز عقلا وواقع شرعا ، فلا عصمة لأحد إلا فى كتاب الله وسنّة نبيّه وإجماع أهل العلم إذا وجد فيهم الحكم ، فإن لم يوجد فالقياس. والاجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنّة نبيّه ، وإجماع الأمة هو الحق الواجب والفرض اللازم ، والأمة أجمعت على القياس ، ومن نصائح الأشعرى فيه : أن ما لا تبلغه فى الكتاب والسنة فقسه على ما تعرفه منهما ، وخذ ما ترى أنه الأشبه بالحق. ـ ولمّا قال أبو عبيدة لعمر فى حديث الوباء : نفرّ من قدر الله؟

قال عمر : نعم! نفرّ من قدر الله إلى قدر الله ، ثم قال : أرأيت؟! فقايسه وناظره بما يشبه مسألته ، وذلك هو «القياس المحمود» ، وهو أصل من أصول الدين يرجع إليه المجتهدون ، فأما «القياس المذموم» فهو المتكلّف الذى ليس على الأصول ، وهو ظنّ ، ونهى الله تعالى عنه فقال : (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء ٣٦).

* * *

١٢٥٧ ـ الكفر والكافرون

الكفر : هو الجحود بأن للعالم خالقا ، وأنه الله الواحد ؛ والجاحد لا يشكر النعمة لأنه لم يقر أصلا بأن الله هو واهب النّعم. والكفران : هو ستر النعمة ؛ والكافر هو الجاحد لوجوده تعالى ، ولنعمه ، والجمع كافرون إن كان المقصود الكفر بالنّعم ، والكفرة إن كان المقصود إنكار الله. والكفر بخلاف الشرك ، لأن الكفر إنكار بالكلية لله تعالى ، فى حين أن الشرك إقرار بالله وبأن له أندادا. والإيمان نقيض الكفر إن تعلّق الأمر بالله ، والشكر هو النقيض إن تعلّق الأمر بالنّعم ، والكفور نقيض الشاكر ، ونقيض المؤمن ، والشيطان كفور (الإسراء ٢٧) ، وكذلك الإنسان (الإسراء ٦٧) ، والكفور ختّار ، أى غدّار (لقمان ٣٢) ، وخوّان (الحج ٣٨) ويئوس لا عزم له (هود ٩) ، ومغرور (الملك ٢٠). ومن علامات كفره : الظلم (الإسراء ٩٩) ، والصدّ عن سبيل الله (محمد ٣٤) ، والفجر فى إيقاع الأذى بالناس (عبس ٤٢) ، والكيد (غافر ٢٥) ، وكفره يزيد وينقص (آل عمران ٩٠) ، وزيادته تعنى الإصرار عليه ؛ وأعراب الناس : هم أجهلهم فى الدين (التوبة ٩٧) ، وحالهم والكافر شديد الكفر سواء ؛ وهم سكان العشوائيات وأطارف التجمّعات السكنية ، ولا وسيلة لهم لمعرفة الدين ، ولا السماع للقرآن وتفهّم معانيه ، فتنتشر بينهم الخرافة. ومؤنث الكافرين الكوافر ، جمع

٣٦٨

كافرة (الممتحنة ١٠) ، والنار مثوى الكافرين (الزمر ٣٢) ، وعذابهم فيها أليم وشديد ومهين (المجادلة ٤ ، والشورى ٢٦ ، والبقرة ١٠٤) ، ولهم سلاسل وأغلال وسعير (الإنسان ٤) ، وجهنم لهم حصير (الإسراء ٨). وإنكارهم شديد للبعث (الروم ٨) وللآخرة والزكاة (فصلت ٧) ، وللرسل (فصلت ١٤) ، لعنهم الله بكفرهم (البقرة ٨٨). ومثلما الإيمان له أئمة فكذلك الكفر (التوبة ١٢) ، وهم أشد الناس إصرارا عليه والدعوة إليه ، من أمثال أبى جهل ، وعتبة ، وشيبة ، وغيرهم ، وكلمة الكفر (التوبة ٧٤) : هى استهزاؤهم بالدين وبالله وبالرسول والقرآن ، ويحبون الحياة الدنيا على الآخرة ، ويبغونها عوجا ، وهم فى ضلال بعيد (إبراهيم ٣). وقلوب الكفار : وصفها الله تعالى بعشرة أوصاف : بالختم ، والطبع ، والضيق ، والمرض ، والرّين ، والموت ، والقساوة ، والانصراف ، والحمية ، والإنكار. (أنظر القلب فى الإيمان وفى الكفر ضمن باب الإيمان).

* * *

١٢٥٨ ـ اللوح المحفوظ

هو لوح سماوى ، قيل هو خزانة كتبه تعالى إلى البشر ، رصد فيه كل الأقدار والمقادير ، والأسباب والمسببات ، وهو محفوظ من أن يضيع ، أو ينسى ، أو يطّلع عليه آخرون سواه تعالى ، أو من يكلّفه. وقيل هو أم الكتاب لأن منه انتسخ القرآن : (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الزخرف ٤) وأم الكتاب : يعنى الكتاب الأصل أو المرجع ؛ وهو علىّ : أى لا يطال ، ولا ينال ، ولا يبدّل ؛ وهو حكيم : أى محكم الحفظ ، كقوله : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) (٧٨) (الواقعة) يعنى أن القرآن من الذخائر والنفائس ، لأنه كلامه تعالى ؛ وإكرامه : أنه فى كتاب مصون من الضياع والعبث والقدم ؛ والمكنون : هو المخفى الذى لا يطلع عليه أى أحد. وفى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) : المجيد : هو المتناهى فى الشرف والكرامة والبركة ، لأن فيه كل شىء عمّا يحتاج إليه الناس من أحكام الدين والدنيا. ولنلاحظ أن الكثير من الكلام فى المراجع المختلفة عن اللوح المحفوظ هو من الترهات ولا مرجعية له ، ويدرج ضمن الإسرائيليات ، وكان ابن عباس أكثر من شارك فى الترويج لها ، وكلامه فيه يشكّل مع كلام الآخرين ميثولوجيا إسلامية خاصة تستحق دراسة كاملة ومن ذلك قوله : إن اللوح المحفوظ من ياقوتة حمراء ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأسفله فى حجر ملك يقال له «ماطريون» ، كتابته نور ، وقلمه نور ، وينظر الله تعالى فى اللوح المحفوظ فى كل يوم ٣٦٠ مرة ، وفى كل مرة يقدّر جديدا ، فيرفع وضيعا ، ويضع رفيعا ، ويغنى فقيرا ، ويفقر غنيا ،

٣٦٩

ويحيى ويميت ، ويفعل ما يشاء!!! ومن خرافات أنس بن مالك الإسرائيلية قوله عن اللوح المحفوظ إنه فى جبهة إسرافيل!! ومن خرافات غيره : أن اللوح المحفوظ عن يمين العرش ، وفيه أصناف الخلق والخليفة ، وبيان أمورهم ، وذكر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم ، والقضاء النافذ فيهم ، ومآل وعواقب أمورهم!! ومن أقوال ابن عباس العجيبة فى اللوح المحفوظ : أول شىء كتبه الله تعالى فى اللوح المحفوظ : إنى الله ، لا إله إلا أنا ، محمد رسولى ، من استسلم لقضائى ، وصبر على بلائى ، وشكر نعمائى ، كتبته صدّيقا ، وبعثته مع الصدّيقين. ومن لم يستسلم لقضائى ، ولم يصبر على بلائى وشكر نعمائى ، فليتخذ إلها سواى!» ـ فمن أين جاء ابن عباس بهذا الكلام عن الله تعالى؟! وقيل : إن ابن الحنفية لمّا توعّده الحجّاج ، كتب إليه وهو مقتنع بكلام ابن عباس عن اللوح المحفوظ ، قال : بلغنى أن لله تعالى فى كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة فى اللوح المحفوظ : يعزّ ويذلّ ، ويبتلى ويفرح ، ويفعل ما يريد ، فلعل نظرة منها تشغلك بنفسك فتنشغل بها ولا تتفرغ! ـ وقيل أيضا فى اللوح المحفوظ : إنه يلوح للملائكة فيقرءونه ليعرفوا ما جهلوا عن الكون. وأصل اللوح هو الكتف ، واللوح أيضا ما يكتب فيه.

* * *

١٢٥٩ ـ المتقون : من هم؟

من يتّقى ، ووقى ، واتّق ، واتّقون ، واتّقين ، والأتقى ، وتقىّ ، وتقاة ، والتّقوى. وترد المتّقون فى القرآن ٤٩ مرة. وأصل التقوى فى اللغة : قلة الكلام ، ومن ذلك الحديث : «التّقىّ ملجم ، والمتّقى فوق المؤمن والطائع» : أى التّقىّ هو من يتّقى ، بصالح عمله ، وخالص دعائه ، عذاب الله ، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه ، كقول النابغة :

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه

فتناولته واتّقتنا باليد

والنصيف الخمار ، يقال المرأة نصفت رأسها بالخمار : يعنى اختمرت به ؛ وقد نصفها : أى أنه نصف بين الناس وبينها ، بمعنى صار حاجزا بينها وبينهم. ومن أقوال بعض العارفين : إن الناس ما أكثرهم ، إلا أنهم لا خير فيهم إلا تائب أو تقىّ. وعن البسطامى : المتّقى من إذا قال ـ قال الله ، ومن إذا عمل ـ عمل الله. ـ وعن الدارانى : المتّقون الذين نزع الله عن قلوبهم حبّ الشهوات. ـ وعند العرفانيين : المتّقى من يحذر الطريق كأنما يسير على شوك ، فذاك التقوى : الحذر. والشاعر يقول :

خلّ الذنوب صغيرها

وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماش فوق أر

ض الشوك يحذر ما يرى

٣٧٠

والتقوى فيها كل الخير ، وهى وصية الله فى الأولين والآخرين ، وخير ما يستفيده الإنسان ، كما يقول أبو الدرداء :

يريد المرء أن يؤتى مناه

ويأبى الله إلا ما أرادا

يقول المرء فائدتى ومالى

وتقوى الله أفضل ما استفادا

والأصل فى التقوى وقوى ، على وزن فعلى ، فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه ، أى منعته ، ورجل تقىّ يعنى يخاف ، وأصله وقى ، وكذلك تقاة كانت فى الأصل وقاة ، كما قالوا تجاه وتراث ، والأصل وجاه ووراث.

والمتّقون فى التعريف : هم أولياء الله (الأنفال ٣٤) ، وليّهم الله (الجاثية ١٩) ، يحبّهم (التوبة ٧) ، وهو معهم (التوبة ٣٦) ، يصدّقون الله (البقرة ١٧٧) ، ويوفون بعهده (آل عمران ٧٦) ، ويجاهدون فى سبيله بأموالهم وأنفسهم (التوبة ٤٤) ، ويؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة وينفقون مما يرزقون ، ويؤمنون بما أنزل على النبيين ، ويوقنون بالآخرة (البقرة ٢ / ٥) ، ويؤمنون بالملائكة ، ويصبرون فى البأساء والضراء وحين البأس ، ويؤتون المال على حبّهم ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين (البقرة ١٧٧) ، وعدهم ربّهم دار الآخرة ولنعم دار المتقين (النحل ٣٠) ، وهم فيها فى جنات ونعيم (الطور ١٧) ، فى ظلال وعيون (المرسلات ٤١) ، ومقامهم فيها المقام الأمين (الدخان ٥١) ، لهم العاقبة (هود ٤٩) ، وحسن المآب (ص ٤٩) ، وإمامهم إبراهيم (الفرقان ٧٤) ؛ والمقابل لهم : الفجّار ، من الفجور : وهو ركوب المعاصى ، وارتكاب المفاسد ، والميل عن الحق ؛ والفاجر : المنقاد للمعاصى ، والجمع فجرة وفجّار.

* * *

١٢٦٠ ـ المتوسّمون هم المعتبرون

من وسم : أى جعل له علامة ، وتوسّم الشيء تفرّسه وطلب وسمه ، أى علامته يستدل بها على مطلوب غيرها. والمتوسّمون تأتى مرة واحدة فى القرآن ، فى قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الحجر ٧٥) ، فقد أنزل الله العذاب بقوم لوط فأخذتهم الصيحة مشرقين ـ أى وقت الشروق ، فجعلت عاليهم سافلهم ، وأمطرت عليهم حجارة من سجّيل ـ أى من جهنم ، وفى ذلك آيات لمن يعتبر ، وعلامات يقرأها المتفرّس المتأمل فيتّعظ ، فما زالت آثار ذلك اليوم ظاهرة فى سدوم وعامورة بفلسطين ، وإنها لبسبيل مقيم يمر به العابرون فينظرون بالبصر والبصيرة. فالمتفرّسون صنف من المؤمنين يتّسمون بالفراسة ، وفيهم الحديث : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» أخرجه

٣٧١

الترمذى ، والحديث : «إن لله عزوجل عبادا يعرفون الناس بالتوسّم» ، وهم إذن الناظرون المتفكّرون ، والواسم : هو الذى ينظر إليك من فرقك إلى قدمك. وأصل التوسّم : هو التثبّت والتفكّر. والوسم فى الأصل التأثير بحديدة تصنع علامة فى الخيل أو البقر أو البعير تدل على صاحبها. والمتوسّم لا يكون كذلك إلا بجودة قريحته ، وحدّة خاطره ، وصفاء فكره ، وتفريغ قلبه من حشد الهموم ، وتطهير نفسه من أدناس المعاصى ، وكدورة الأخلاق ، وفضول الدنيا. والمتوسمون : هم أهل الخير والصلاح. والتوسّم : عند الصوفية كرامة ، وعند أهل النظر استدلال بالعلامات ، ومنها ما يكون ظاهرا لكل أحد وبأول نظرة ، ومنها ما يخفى فلا يبدو إلا بتمعّن وتفحّص وتفكّر وتأمّل ، ولا يدرك ببادئ النظر. وأهل التوسّم إذا توسّموا قصة لوط ، وآثار سدوم وعامورة ، يعلمون أن الذى أهلك قوم لوط قادر على أن يهلك غيرهم إذا ارتكبوا معاصى كمعاصيهم. وفى الخبر أن أنس بن مالك دخل على عثمان بن عفان ، وكان أنس قد مرّ بالسوق فنظر إلى امرأة ، فلما نظر إلى عثمان قال له عثمان : يدخل أحدكم علىّ وفى عينيه أثر الزنا! فقال أنس : أوحيا بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ فقال عثمان : لا ، ولكن برهان وفراسة وصدق! وفى علم النفس : التوسّم والتفرّس من مدارك المعانى ؛ وفى المنطق لا يعتبر بالتفرّس ولا بالتوسّم حكم ، وإنما اعتباره فى التحليل النفسى ، وفى القانون والشرع لا يؤخذ به موسوم ولا متفرّس ، فمدارك الأحكام معلومة قانونا وشرعا ومدركة قطعا ، وليس التوسم ولا الفراسة منها.

* * *

١٢٦١ ـ المجوس فرقة غنوصية

المجوس Magi ، واحدهم مجوسى Magus ، فارسية وتعنى كاهنا. والغربيون أخذوا الاصطلاح عن الإغريقيةMagos. وكان المجوس خدمة دين زرادشت ، وهم رهبان ؛ وفى ملّتهم : أن الوجود له أصلان : النور «يزدان» ، والظلام «أهرمن» ، والأول مبدأ الخير ، والثانى مبدأ الشرّ ؛ والنار عندهم عنصر شريف علوى يطهّر من الأدران والشرور ، فكانوا لذلك لا يطفئون النار ، ويوقدونها باستمرار ، وجعلوا الصلاة إليها من طقوسهم ، فقيل فيهم إنهم «عبدة النار» ، فالعناصر عندهم أربعة : الماء ، والتراب ، والهواء ، والنار ، وأشرفها النار ، وكان إبليس من النار بينما الملائكة من النور ، فكان ـ كما قيل ـ أشرف منهم. وكنائس المجوس أو معابدهم تسمى «بيوت النار» ، ومع تقديسهم للنار فإنهم لم يكونوا يحرقون الموتى ، وإنما يضعونهم فوق أسطح البيوت فتأكل لحومهم الغربان والطير والهوام. والمجوس علماء فارس وحكماؤها وفلاسفتها ، واشتهروا بالتنجيم وقراءة الطوالع. وفى

٣٧٢

إنجيل متى (٢ / ٥ ـ ١١) قيل إن هيرودس استدعاهم يسألهم عن ظهور نجم المسيح ، وأرسلهم إلى بيت لحم لما تنبّأ الكتبة ، يستفسرون عمّا إذا كان المسيح قد ولد ، وقيل : كان نجم المسيح يتبعهم (لما ذا؟ لم يقل أحد) ، ووقف عند الموضع الذى عثروا فيه على المسيح مع أمه ، فسجدوا له! ونسأل : كيف يقف النجم فوق الموضع الذى كان فيه المسيح؟ إن النجم نراه من أى مكان وكأنه فوقنا ، فلما ذا هذا التخصيص لهؤلاء؟ ولما ذا هذه الرواية عن المجوس؟ ولما ذا انفرد بها متّى؟ ومتّى نفسه لا نعرف عنه سوى أنه مؤلف هذا الكلام ، وأنه يهودى متنصّر ، وكان جابيا وله دراية بالتنجيم ، ولهذا كان هو الراوى الوحيد لحكاية المنجّمين المجوس. ورغم أنه كان يهوديا إلا أنه كان هو نفسه يتعبّد النجوم ويؤلّه الأصنام ، ولذا اعتقد أن المجوس هداهم نجم المسيح من فارس إلى القدس ، ثم إلى بيت لحم. ونسأل : وبعد وصولهم ما ذا حدث؟ وما ذا أفادوا أو استفادوا؟ ويأتى ذكر المجوس فى القرآن فى الآية : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (الحج ١٧) ، فهذه خمس ملل ضلوا : اليهود ، والصابئة ، والنصارى ، والمجوس ، والمشركون ، وآمنت السادسة وهم المسلمون ، وفى الآية : أن الله يقضى بين المؤمنين وبين أتباع هذه الملل يوم القيامة ، أيهم الضال وأيهم المؤمن؟ وفى الآية بعدها قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) (الحج ١٨) ، فلمّا ذكر المجوس والنصارى فى الآية الأولى ، استوجب أن يردّ على سجودهم للمسيح ، وأن يوبّخ متّى الذى افترى هذه الفرية : أن من الممكن أن يسجد بشر لبشر! فقال : إن الله وحده هو الذى له السجود ، وأنه تعالى تسجد له كل المخلوقات والكائنات والموجودات ، ثم استثنى فقال «وكثير من البشر» وهؤلاء هم المؤمنون الموحّدون وقال : «وكثير حقّ عليه العذاب» من أمثال متّى وهؤلاء المجوس ، ونبّه إلى جرمهم ، أن عملهم هذا فيه إهانة لله ، لأن الانصراف عنه تعالى إلى وثن ، أو صنم ، أو رجل ـ وإن يكن المسيح ـ فيه إهانة لله ، وإكرام الله يكون بتوحيده وإفراده بالسجود ، ومن يكرم الله فإنما يكرم نفسه ، فإن جعل معبوده الله فإنه يرقى بنفسه ويسمو بها ، وإن جعل معبوده الصنم أو المسيح ، فقد أهان نفسه أيّما إهانة ، واستصغر شأن الله. ولربما يوجد فى العالم مجوس حتى اليوم فى الهند وإيران.

* * *

١٢٦٢ ـ المحضرون

من اصطلاحات القرآن ، من حضر ضد غاب ، والمحضرون جمع محضر : وهو الذى

٣٧٣

يجاء به قسرا ، ويوم القيامة يقسر الجميع على الحضور ، كقوله : (وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) (يس ٧٥) ، وقوله : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) (آل عمران ٣٠) يعنى قد أحضر لها ، وأكثر المحضرين من أهل النار ، كقوله : (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ) (الروم ١٦).

* * *

١٢٦٣ ـ المحكمات والمتشابهات

فى الآية : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) (آل عمران ٧) ؛ وفى الآية : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) : أن آيات القرآن إما محكمات وإما متشابهات ، فما هما؟ المحكمات : ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره ؛ والمتشابهات : هى ما لا يعلم تأويله إلا الله ، مثل وقت الساعة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، والدّجال ، وعيسى ، والحروف المقطّعة فى أوائل السور ، وأن عدد خزنة جهنم تسعة عشر ، وأن بالجحيم شجرة اسمها الزقّوم ، والمحكمات : هى ثوابت الدين ، وهى الأصول المشتركة فى كل الملل ، مثل واحدية الله ، فهذه هى المحفوظة فى اللوح عنده تعالى ، وهو المسمى لذلك باسم اللوح المحفوظ. وقوله تعالى : (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) (هود ١) ، وقوله : (كِتاباً مُتَشابِهاً) (الزمر ٢٣) ، متعلقهما بشيء آخر خلاف معنى «المحكمات والمتشابهات» ، فإحكام الآيات يعنى نظمها ورصفها ، وتشابه الكتاب يعنى أنه يشبه بعضه بعضا ، ويصدق بعضه بعضا ؛ وأما المحكم الذى نحن بصدده : فهو ما لا لبس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا ، بينما المتشابهات : هى ما يحتمل عددا من الوجوه. وقيل : المحكمات : فيها دفع الباطل والخصوم ، وحجة الربّ ، وعصمة العبد ، وليس لها تصريف ولا تحريف عمّا وضعن عليه ؛ والمتشابهات : لهن تصريف وتحريف وتأويل. والمحكمات : ما كان قائما بنفسه ، لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره ، والمتشابهات عكس ذلك ، مثل قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) (الزمر ٥٣) ، فإنها تحتاج إلى تفسير ويرجع فيها إلى غيرها ، فهذه من المتشابهات وليست من المحكمات ، مثل آيات الوصية ، ومثل قوله تعالى : (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) (المؤمنون ١٠١) ، وقوله : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) (الصافات ٢٧) ، وقوله : (وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفتح ١٤) ، وقوله : (وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (الفتح ٧) ، وقوله : (وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (النساء ١٣٧) ، فكأنه كان ثم

٣٧٤

مضى ، فهذه متشابهات تحتاج إلى تفسير ، فأما آيتا الأنساب ، فإنه عند نفخة الصور الأولى يكون الصعق ولا مجال فيه للسؤال عن الأنساب أو التساؤل ، وفى النفخة الثانية عند البعث يقبل بعضهم على بعض يتساءلون دون البحث فى الأنساب ؛ وأما آيات «كان» فإنّ كان تعنى لم يزل ولا يزال ، وهكذا. وهذه جميعا من المحكمات.

* * *

١٢٦٤ ـ المخبتون

المخبتون : هم الذين لا يظلمون ، وإذا ظلموا لم ينتصروا ؛ والمخبت : هو المؤمن الخاشع المطمئن بأمر الله ؛ والخبت هو التواضع لله ، كقوله تعالى : (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (الحج ٣٥) ، وصفهم بالخوف والوجل عند ذكر الله ، لقوة يقينهم ولمراعاتهم لربّهم وكأنهم بين يديه ؛ ووصفهم بالصبر وإقامة الصلاة وإدامتها.

* * *

١٢٦٥ ـ المراء والممترون

المراء اصطلاح قرآنى ويعنى الشك ، كقوله تعالى : (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) (هود ١٧) ، أى فى شك ؛ والشك يدفع إلى الجدل ، كقوله : (أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى) (النجم ١٢) ، أى تجادلونه ؛ والممترون : هم الشاكون ، كقوله : (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (آل عمران ٦٠) ، والمراء مذموم ، وذلك هو «المراء الحقيقى» ، وهو الذى يكون شكّا صريحا عند صاحبه ، وهناك «المراء الظاهرى» كقوله : (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) (الكهف ٢٥) ، يعنى لا تكثر من المراء ، ويكفى أن لا تبدى رأيك ، أو تعتذر بأن تقول : هناك من لا يرى ذلك ، أو تقول : من وجهة نظر أخرى ـ من مثل هذه الاعتراضات التى ليست مراء أو امتراء إلا شكليا. والفرق بين المراء والجدل ، أن المراء فى الباطل ، والجدل فى الحق ، كقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) (الشورى ١٨) ، وقوله : (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (العنكبوت ٤٦). والفرق بين المراء والشك ، أن الشك قول تفصح عنه ، ولكن المراء شك تبديه وتكثر من الجدل فيه. وقولك : «لا شك فى كذا» ، يمنع الترجيح بين حالتين ، ويظهر أنك تميل إلى ناحية منهما. فإذا قلت : «لا مراء أن كذا» فإنك تعلن ترجيح واحدة وتجادل على صحتها أو بطلانها. والامتراء من أنماط سمات الشخصية ، وهو اصطلاح قرآنى خالص أشدّ من اصطلاح «الشك» ، وهذا الأخير من مصطلحات علم النفس والطب النفسى والفلسفة الغربية ، وسمة الامتراء أكبر من سمة

٣٧٥

الشك ، لأن الامتراء فيه شك ويستتبع الجدل. وأصل الامتراء : أنه المسح على ضرع البهيمة استدرارا للبن ، والممترى لذلك : هو الذى يظل يعالج فى المسألة ليفيد من ذلك استخراج ما يقوّى شكه ودفوعه لإثبات هذا الشك.

* * *

١٢٦٦ ـ المستهزءون

المستهزءون : هم الساخرون ، من هزأ : أى سخر ؛ ورجل هزأة : هو الذى يهزأ منه. والمستهزءون كمصطلح قرآنى ، هم الذين يستهزءون بالله وبآياته ورسوله ، وكذّبوا بكل شىء ، ويقول تعالى فى وصفهم : (وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (الحجر ١١) ، ويقول : (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة ١٥) ، ويقول : (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (الأنعام ٥) ، ويقول : (كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (الأحقاف ٢٦) ، ويقول : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (الأنعام ١٠) ، وأمثال هؤلاء المستهزئين لا يحق لمسلم أن يجادلهم ولا أن يجالسهم ، كقوله : (إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) (النساء : ١٤٠). وكان أكابر المستهزئين أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم خمسة نفر ، كانوا رؤساء أهل مكة ، وهم : الوليد بن المغيرة ، وهو رأسهم ؛ والعاص بن وائل ؛ والأسود بن عبد المطلب بن أسد ـ أبو زمعة ، والأسود بن عبد يغوث ، والحارث بن الطلاطلة ، وقد هلكوا جميعا يوم بدر. وقيل : فإن هؤلاء الذين عناهم الله تعالى بقوله : (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) (النحل ٢٦) ، فشبّه ما أصابهم فى موتهم بالسقف الواقع عليهم.

* * *

١٢٦٧ ـ المفلحون

من الفلح ، وأصله فى اللغة الشقّ والقطع ؛ وفلاحة الأرض شقّها للحرث ؛ والفلّاح هو الذى ينهض بعبء الفلاحة وفى الأمثال : الحديد بالحديد يفلح ـ أى يشق. والفلحة تكون شقا بالشفة السفلى ، وصاحبها هو الأفلح. و «المفلحون» تأتى فى اثنتى عشرة آية بمعنى الفائزين الذين يشقون لينالوا مطلبهم ، ويأتى فى التعبير عنهم أنهم : (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٥) (البقرة) ، أو (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٨) (الأعراف) ، ، أو (هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٢٢) (المجادلة) ، وفلاحهم هو الفوز بالجنة. وقيل : الفلاح هو الفوز والبقاء ، وفى الحديث : «حتى كاد يفوتنا الفلاح» ، قيل : وما الفلاح؟ قال : «السحور» ، فكأن السحور به بقاء الصوم ، فلهذا سمّاه فلاحا. وفى التعريف بالمفلحين أنهم : الذين يؤمنون بالغيب ؛

٣٧٦

وينفقون مما رزقهم الله ؛ ويؤمنون بما أنزل على الرسول ؛ وما أنزل من قبله ؛ ويوقنون بالآخرة (البقرة ٣ / ٥) ؛ (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران ١٠٤) ؛ والذين تثقل موازينهم عند الحساب (الأعراف ٨) ؛ والذين آمنوا بالرسول وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذى أنزل معه (الأعراف ٥٧) ؛ والذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم (التوبة ٨٨) ؛ والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم قالوا سمعنا وأطعنا (النور ٥١) ؛ والذين يؤتون ذا القربى حقّه والمسكين وابن السبيل (الروم ٣٨) ؛ والذين يقيمون الصلاة ؛ ويؤتون الزكاة (لقمان ٥) ؛ والذين يحادّون من حاد الله ورسوله (المجادلة ٢٢) ؛ والذين يوقون شحّ أنفسهم (الحشر ٩) ، فهذه خمس عشرة صفة تميز المفلحين.

* * *

١٢٦٨ ـ المقتسمون : من هم؟

المقتسمون اصطلاح قرآنى ، كقوله تعالى : (كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (٩٢) (عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) (الحجر) ، من قسم قسما : الشيء جزّأه ، والمقتسم فاعل القسمة ، وقيل : المقتسمون هم قوم صالح تقاسموا على قتله ، واقتسموا أيمانا تحالفوا عليها. وقيل : هم كفار قريش ، منهم العاص بن وائل ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل ، وأبو البخترى ، وأمية ، ومنبّه ، اقتسموا كتاب الله ، فجعلوا بعضه شعرا ، وبعضه سحرا ، وبعضه كهانة ، وبعضه أساطير الأولين ، ثم إنهم استهزءوا به ، وجعلوه عضين ، واحده عضّة ، أى وافقوا على بعضه وأنكروا بعضه ، وفى الرواية : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعن العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمتسحّرة ، أى أنهم أكثروا البهت على القرآن ، ونوّعوا الكذب فيه ، والعضه هى النميمة ، والعضيهة هى البهتان ، يعنى أنهم يعضهون القرآن ويقولون ما ليس فيه ، من العضاة وهو نوع من الشجر كالشوك. وما يزال المستشرقون من أهل الكتاب هذا دأبهم ، وما زال ذلك فى العلمانيين وفى التنويريين فى عصرنا ، وخاصة فى مصر : يقتسمون القرآن ، ويعضهونه ، وهم لذلك من المقتسمين بحسب الاصطلاح.

* * *

١٢٦٩ ـ المقمحون

فى الآية : (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) (يس ٨) ، والمقمحون : هم المعرضون الغافلون ، ويقال للمعرض عن الشيء أنه غافل عنه ، وفى التصنيف العقدى والنفسى القرآنى المقمحون مثل أبى جهل بن هشام ، والوليد بن المغيرة ، من النوع الجامد التفكير المتسلّط ، يملؤه الكبر ، ويشبّهه القرآن بالغلّ يقيد يديه إلى عنقه حتى لترتفع رأسه ، ويقال لذلك الإقماح وفسّره أحدهم بأن تكون يديه مغلولة إلى العنق من

٣٧٧

تحت الذقن ، فترفع الرأس. ومن ذلك يقولون أقمحت الدابة : إذا شددت لجامها ، فترتفع رأسها. وقيل الأصل «مكمحون» بالكاف ، وأبدلت إلى القاف لقربها منها كما تقول قهرته وكهرته ويقال : أقمحتها ، وأكمحتها ، وأكفحتها ، وكبحتها ؛ والبعير قمح إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع من الشرب ، فهو قامح ، ويقال شرب فتقمّح وانقمح. وقيل الإقماح : هو رفع الرأس وغضّ البصر ، وأقمحه الغضب بمعنى ترك رأسه مرفوعا من الضيق. وكل ذلك أعراض بدنية للحالة النفسية التى يقال لها القموح. وهى من التشخيص النفسى الإسلامى الخالص.

* * *

١٢٧٠ ـ المن

هو ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها ؛ وهو أن يتحدث المعطى بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه. والمن من الكبائر ، والمنّان أحد ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم. والعرب تقول لما يمنّ به : يد سوداء ؛ ولما يعطى عن غير مسألة : يد بيضاء ؛ ولما يعطى عن مسألة : يد خضراء .. وفى القول : المأثور من منّ بمعروفه سقط شكره ، ومن أعجب بعمله حبط أجره. وفى القرآن : (لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى) (البقرة ٢٦٤) ، وعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر ـ ثم تلا : (لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى).

* * *

١٢٧١ ـ المنيبون

المنيبون : هم التائبون إلى الله من الذنوب. وناب ، وتاب ، وثاب ، وآب ، بمعنى واحد ، وهو الرجوع. وأصل الإنابة القطع ، ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع ، فكأن الإنابة هى الانقطاع إلى الله بالطاعة. والإنابة هى أيضا الرجوع ، من نبا ينوب إذا رجع المرة بعد الأخرى ، ومنه النّوبة لانها الرجوع إلى عادة ، ومن ثم أناب إلى الله : رجع إليه وتاب ، كقوله تعالى : (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) (الروم ٣٢) ، وقوله : (عَبْدٍ مُنِيبٍ) (سبأ ٩) ، والمنيب : هو التائب الرجّاع إلى الله بقلبه. والمنيبون فى القرآن هم بحسب النزول : إبراهيم ، وشعيب ، وداود ، وسليمان ، ونبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وفى إبراهيم قال تعالى : (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) (هود ٧٥) ، لأنه كان يرجع إلى الله تعالى فى أموره كلها ؛ وكانت دعوة شعيب : (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود ٨٨) وقوله : «أنيب» يعنى يرجع إليه فى كل ما ينزل به من نوائب. والإنابة قد تعنى الدعاء ، وعندئذ يكون المعنى وله أدعو. وفى داود قال تعالى :

٣٧٨

(وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ) (ص ٢٤) ، وأناب : يعنى تاب من خطيئته ورجع إلى الله. وفى سليمان قال : (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ) (ص ٣٤) ، أى رجع إلى الله وتاب. وكانت دعوة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ، يعنى أنه يعتمد عليه ويرجع إليه فى كل أموره. وفى معنى الإنابة أنه تعالى يستخلص لدينه من يرجع إليه ، كقوله : (اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) (الشورى ١٣) ، وفى تعريف الذين هداهم قال : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ) (الزمر ١٧) ، والطاغوت : هو الأوثان ؛ ولهم البشرى : يعنى فى الدنيا بالحياة الطيبة ، وفى الآخرة بالجنة. وقيل الذين أنابوا إلى الله فى الآية هم : عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبى وقّاص ، وسعيد بن زيد ، وطلحة ، والزبير ، وزيد بن عمرو بن فضيل ، وأبو ذرّ ، وسلمان الفارسى ، وغيرهم ممن وحّد الله قبل مبعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهؤلاء هم المنيبون فى الآية ، والمبشّرون ، لأنهم لم يعبدوا الطاغوت فى الجاهلية ، ورجعوا إلى عبادة الله وطاعته. ومن المآثر فى القرآن : أن الإنسان فى طبعه ، لو أصابته شدة وبلاء ، يرجع إلى الله مخبتا مطيعا مستغيثا ، فإذا رفع عنه الغمّة وأنعم عليه ، نسى كأن لم يدع ، كقوله تعالى : (وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) (الزمر ٨) فالإنابة هى الرجوع والإخبات والطاعة والاستغاثة. جعلنا الله من المنيبين.

* * *

١٢٧٢ ـ الناس ثلاثة : مؤمنون وكافرون ومنافقون

يأتى فى القرآن فى نعت المؤمنين ٢٠٢ مرة ، وفى نعت المؤمنات ٢٣ مرة ، وفى نعت الكافرين ١٢٩ مرة ، وفى نعت الكوافر من النساء مرة واحدة ، وفى وصف المنافقين ٦٧ مرة ، وفى وصف المنافقات خمس مرات. وهؤلاء الثلاثة : المؤمنون والمؤمنات ، والمنافقون والمنافقات ، والكافرون والكوافر ، هم أصناف الناس باعتبار الاعتقاد والعمل. والمؤمنون هم : التّوابون والمهتدون والمتّقون ، والمتوكلون ، والمفلحون والمحصنون ، وفى صلاتهم خاشعون ، وإذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، يؤمنون بالله ورسله وملائكته وكتبه ، وبالآخرة والحساب ، ويخلصون دينهم ، ويسمعون ويطيعون ، ويصدقون ما عاهدوا الله عليه ، ويحبهم الله ويحبونه ، ويؤاخى بينهم الإيمان ، ولا يتخذون الكافرين أولياء. والمؤمن من أسمائه تعالى ، كقوله : (هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ) (الحشر ٢٣). وفى القرآن إذا ذكر الكافرون أو المنافقون ، يأتى ذكر المؤمنين كمقابل لهم ، لشرفهم وفضلهم ، لأن الكفر والإيمان

٣٧٩

متقابلان ، والتقابل من مناهج القرآن ، كالليل والنهار ، والجنة والنار ، والحياة والموت. وتشير الآية : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة ٨) إلى المنافقين والمؤمنين ، و «النّاس» اسم من أسماء الجموع ، جمع إنسان وإنسانة ، وتصغيره نويس ، من النّوس وهو الحركة ، أو من نسى وقلب فصار نيس ، ثم الناس ، ولما نسى آدم سمى إنسانا ، فكان النسيان فى ذريته ، وهم الناس :

وما سمّى الإنسان إلا لأنسه

ولا القلب إلا لأنه يتقلب

وفى الآية : (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ) (آل عمران ١١٠) ، أن المؤمنين تقابل الفاسقين ، والفاسقون تطلق على الكافرين وعلى المنافقين ، فأما أن الكافرين فاسقون ، فمثل قوله تعالى : (إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ) (التوبة ٨٤) ، وأما أن المنافقين فاسقون ، فمثل قوله تعالى : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٦٧) (التوبة) ، وأما أن المنافقين بخلاف الكافرين ، فمثل : (وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ) (الأحزاب ١). والكافر منكر وجاحد ، ويشهد على نفسه بالكفر ، وقلبه مطبوع به ؛ والمنافق منكر إلا أنه يستر إنكاره ويخادع ، ويظهر غير ما يضمر ، كاليربوع له حجران ، واحد اسمه نافقاء ، والآخر اسمه قاصعاء ، فإذا هوجم فى واحد هرب من خلال الثانى ، ومن خداعه أنه يحفر الأرض حتى إذا كاد يبلغ السطح أبقى عليه تراب رقيق ، فإذا رابه ريب ، دفع ذلك التراب برأسه وخرج ، فظاهر حجرة تراب ، وباطنه سرداب ، وكذلك المنافق ، ظاهرة إيمان وباطنه كفر.

* * *

١٢٧٣ ـ النسيء زيادة فى الكفر

من نسأه وأنسأه : يعنى أخّره ، يقال نسأ الشيء ، وهو منسوء ، يعنى أخّره. ومن ذلك أن تقول : نسأ الله فى أجلك يعنى أخّره ، أى زاده ، وفى الحديث : «من سرّه أن يبسط له فى رزقه وينسأ له فى أثره ، فليصل رحمه» أخرجه البخارى. وكانوا فى الجاهلية يحرمون القتال فى المحرم ، فإذا احتاجوا أن يقاتلوا فيه حرّموا صفرا بدله ، وقاتلوا فى المحرم ، فذلك هو النسيء ، والسبب فيه أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات ، فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها ، فينسئون المحرّم أى يؤخرونه ، ويجعلونه فى صفر ، فيحلّ لهم المحرّم ، وشهرا فشهرا استدار التحريم على السنة ، فأرجع الإسلام المحرّم إلى موضعه حيث كان وضعه منذ بدء الخليقة. ولذلك حجّوا فى ذى الحجة عامين ، وفى المحرّم عامين ، وفى صفر عامين ، وكذلك فى الشهور كلها ، حتى أن حجة أبى بكر قبل حجة الوداع وافقت ذا القعدة فى السنة التاسعة ، ثم حجّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى العام المقبل حجة

٣٨٠

الوداع فوافقت ذا الحجة ، فذلك قوله فى الحديث : «إن الزمان قد استدار لهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» ، أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها ، وعاد الحج إلى ذى الحجة وبطل النسيء. وقيل إنهم كانوا فى الجاهلية يزيدون شهور السنة خمسة عشر يوما ، فكان الحج يقع مرة فى رمضان ، ومرة فى ذى القعدة ، وفى كل شهر من السنة ، بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يوما ، حتى أن أبا بكر حجّ سنة تسع فى ذى القعدة بحكم الاستدارة ، ولم يحج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلمّا كان فى العام المقبل وافق الحج ذا الحجة فى العشر ، ووافق ذلك الأهلّة ، ولذا قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الحديث : «إن الزمان قد استدار ..» ، أى زمان الحج عاد إلى وقته الأصلى الذى عيّنه الله ، ثم قال : «السنة اثنا عشر شهرا» ينفى الخمسة عشر يوما التى زادوها فى السنة ، وبذلك تعيّن الوقت الأصلى ، وبطل التحكّم الجاهلى. وأما أول من نسأ ، قيل : بنو مالك بن كنانة ، وكانوا ثلاثة ؛ وقيل : عمرو بن لحى ؛ وقيل : رجل من بنى كنانة يقال له : نعيم بن ثعلبة ؛ ثم رجل يقال له : جنادة بن عوف ، وهو الذى أدركه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : رجل يقال له القلمس ، واسمه حذيفة بن عبيد ، من بنى فقيم. وقيل : مالك بن كنانة. وقيل : كان الذى يفرضه يصبح رئيسا لهم. وقوله : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) (التوبة ٣٧) لأن العرب جمعت إنكار الله فقالوا : ما الرحمن؟ وإنكار البعث فقالوا : من يحيى العظام وهى رميم؟ وأنكروا بعثة الرسل : أبشر منّا نتّبعه؟ وأضافت إلى ذلك أنها شرّعت أن تستبدل شهرا بشهر وهكذا ، فذلك هو معنى أن النسيء زيادة فى الكفر.

* * *

١٢٧٤ ـ النصح

النّصح : إخلاص العمل من الغش ؛ ويأتى فى القرآن ثلاث عشرة مرة ، والأنبياء من الناصحين يبلّغون رسالات الله وينصحون لأقوامهم (الأعراف ٧٩) ، وهم لهم الناصحون الأمناء (الأعراف ٦٨) ومن النصح : التوبة النصوح (التحريم ٨) ، ونصح الشيء ، يعنى إذا خلص ، ونصح له القول ، أى أخلصه له ، وفى الحديث عند مسلم : «الدين النصيحة» قالها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاثا ، قالوا : لمن؟ قال : «لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامّتهم». و «النصيحة لله» : تكون بإخلاص الاعتقاد فى الوحدانية ، ووصفه بصفات الألوهية ، وتنزيهه عن النقائص ، والرغبة فى محابّه ، والبعد من مساخطه ؛ و «النصيحة لرسوله» : تكون بالتصديق بنبوّته ، والتزام طاعته فى أمره ونهيه ، وموالاة من والاه ، ومعاداة من عاداه ، وتوقيره ومحبته ، وتعظيمه وتعظيم سنّته ، وإحيائها بعد موته ونشرها ، والدعوة إليها ؛

٣٨١

و «النصح لكتاب الله» : يكون بقراءته ، والتخلّق به ، والتفقه فيه ، وتعليمه ؛ «والنصح لأئمة المسلمين» : يكون بإرشادهم إلى الحق وتنبيههم إلى ما أغفلوه ، وتحذيرهم من أن يكونوا فقهاء للسلطة يفتون بحسب طلب الحكام ؛ و «النصح للعامة :» بإرشادهم وإرادة الخير لكافتهم. وفى الحديث : «مثل المؤمنين فى توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

* * *

١٢٧٥ ـ الهدى هديان

الهدى : معناه الرشد والبيان ، والهدى هديان : هدى دلالة ، وهدى معونة ؛ والأول : هو الذى تقدر عليه الرسل وأتباعهم ، ودلالته بالأنبياء وكتبهم ، كقوله تعالى : (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (الرعد ٧) ، وقوله : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى ٥٢) ، فأثبت لهم الهدى الذى معناه : الدلالة والدعوة والتنبيه ؛ وتفرّد الله تعالى بهدى المعونة الذى معناه : التأييد والمعونة والتوفيق من الله مباشرة ، فقال لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) (القصص ٥٦) ، يعنى أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يخلق الإيمان فى قلوبهم ، فنفى هدى المعونة عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأثبته لنفسه لكل الناس ، المؤمنين والكافرين على السواء ، كقوله : (أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) (لقمان ٥) ، وقوله : (وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) (يونس ٢٥). والهدى : هو الاهتداء ، ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت. وقد تراد الهداية بمعنى إرشاد المؤمنين ، كقوله : (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ) (محمد) ، وقوله : (فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) (الصافات) ، أى فاسلكوهم إليها. وعموم الهداية أنواع ، الأول : أن يؤتى الله من يهدى القوى التى يتمكن بها من الاهتداء ، كالقوة العقلية ، والحواس الظاهرة والباطنة ؛ والثانى : أن يعرّفه الدلائل الفارقة بين الحقّ والباطل ، وبين الصلاح والفساد ، كقوله : (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد ١٠) ؛ والثالث : الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، كقوله : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) (الأنبياء ٧٣) ، وقوله : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِ) (الفتح ٢٨) ، وقوله : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى) (النحل ٨٩) ؛ والرابع : أن يكشف عن بصائرهم ويريهم الأشياء على حقيقتها بالوحى والإلهام والكشف ، ويختص بذلك الأنبياء والأولياء ، كقوله (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام ٩٠) ؛ والخامس : أن الهداية هى الدلالة بلطف ، ولذلك لا تستعمل إلا فى الخير ؛ والسادس : أن الهداية قد تتعدى نفسها كما فى قوله : (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) (العنكبوت ٦٩) فقد تتعدى بالحرف «اللام» أو «باللام» كقوله (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ

٣٨٢

مُسْتَقِيمٍ) (الشورى ٥٢) ، وقوله : (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء ٩) ، ومعناها حينئذ الدلالة على ما يوصّل إلى المطلوب ، أو التعريف على الطريق ، أو الدعوة إلى الإيمان والطاعة ، وإيضاح السبيل الراشد ، والزجر عن طريق الغواية ، وذلك هو المسمى توفيقا ، كقوله : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ) (فصلت ١٧). ومن كل ما سبق فإن الهدى والهداية يستعملان إما بالمعنى اللغوى العرفى المشهود ، وإما بالمعنى الشرعى. والإضلال يقابل الاهتداء ، والضلال يقابل الهدى.

* * *

١٢٧٦ ـ الهوى فى القرآن

قال ابن عباس : ما ذكر الله هوى فى القرآن إلا ذمّه. والهوى : إرادة النفس وميلانها إلى ما تستلذ ؛ والجمع أهواء. وفى القرآن يأتى الهوى ست مرات ، كقوله تعالى : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) (الجاثية ٢٣) ، وقوله : (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ) (القصص ٥٠) ، وقوله : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) (النجم ٣) ، ويأتى عن الأهواء : سبع عشرة مرة ، كقوله تعالى : (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) (المائدة ٤٨) ، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ) (الرعد ٣٧) وفى الحديث قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» ؛ وقوله : «ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى» ، وقوله «والفاجر من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله» ، وقوله : «إذا رأيت شحّا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذى رأى برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العامة» ، وقوله : «ثلاث مهلكات ، وثلاث منجيات ؛ فالمهلكات : شحّ مطاع ، وهوى متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه» ، وقال بعض أهل الله : إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه ، فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء ، وإن كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح. وقالوا : هواك داؤك ، فإن خالفته فدواؤك!

* * *

١٢٧٧ ـ الوقت والساعة واليوم والشهر والسنة

إدراك الزمن والروح الإسلامية

المستشرقون والفلاسفة خصوصا ، على القول : بأن إدراك الساميين للزمن إدراك عام ، وأنهم يجهلون الخصوصية فى الزمن ، وليست كذلك الروح الآرية. ودراسات هؤلاء يحددها البغض لليهودية ، وأدرجوا المسلمين عامة ، والعرب خاصة ، مع اليهود فى القول بعمومية الزمن كنقيصة فى الروح السامية ، وقالوا إن اصطلاح «الزمن» لا يوجد أبدا فى التوراة ، ولا فى الأناجيل ، وكذلك قالوا إن الساميين لم يعرفوا «أدب اليوميات» ، وهو المعنىّ

٣٨٣

بالتسجيل اليومى للأحداث ، ومتعلّق الحدث فى اليوميات بالزمن. وكذلك ينقص الساميون الإحساس بالتاريخ ، وكتاباتهم فيه قليلة. والمستشرقون كاذبون فيما يخصّنا نحن أصحاب لغة القرآن ، فليس أكثر من المؤرخين ومؤلفات التاريخ واليوميات عند العرب ، وينفرد القرآن بمصطلح له دلالته الكبيرة عن الزمن ، وهو مصطلح «الساعة» ، وفى القرآن علم هو «علم الساعة». ومصطلح الساعة كمصطلح الزمن لا يوجد حقيقة فى التوراة جميعها ، ولا فى الأناجيل ، ويتكرر فى القرآن ٤٨ مرة ، و «الساعة الصغرى» فيه هى هذه الساعة التى نعرفها بالدقائق والثوانى ، كقوله تعالى (لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف ٣٤) ، وقوله : (يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ) (الروم ٥٥) ، وقوله : (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ) (الأحقاف ٣٥). وقد تعنى الساعة الوقت عموما ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) (التوبة ١١٧) ، وقد تكون الإشارة إلى «الساعة الكبرى» أى يوم القيامة ، كقوله تعالى : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) (غافر ٤٦) ، وقوله : (يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ) (الشورى ١٨) ، وقوله : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) (النازعات ٤٢). واليوم : مصطلح من مصطلحات الزمن فى العربية وفى غيرها ، ويتألف من ليل ونهار يقسمانه مناصفة ، وقد يطول النهار ويقصر الليل أو العكس بحسب الفصول ، وبسبب الحالة الوجدانية ، فليل المحزون طويل نسبيا. والزمن : منه الزمن الحسىّ ، كتحديدك ليوم الجمعة ، ومنه الزمن المعنوى ، كأن تقول يوم الحسرة ، واليوم العصيب. والنهار : ينقسم إلى فجر ، وضحى ، وظهر ، وعصر (البقرة ١٨٧ ، والمدثر ٣٣ ، والضحى ٢) ؛ والليل : ينقسم إلى مغرب ، وعشاء ، وغسق. والنهار والليل ، يحسبان بالساعات ، ويعدّان (يونس ٦) ؛ وكذلك الشهر والشهور (التوبة ٣٦) ، والسنة والسنوات (يونس ٥). وتقسيم بداية النهار إلى فجر ، وفجر كاذب وصبح وضحى لا تعرفه اللغات الآرية ، وكذلك تقسيم وسط النهار إلى ظهر وعصر ، وأول الليل إلى مغرب ، وعشاء. والعصر فى القرآن يرادف الزمن والدهر. وهذه الأسماء تخلو منها اللغات الآرية ، وعلى ذلك فالعربى ، ومن ثم المسلم ، يدرك إدراكا رهيفا الزمن بطوله وأقسامه ، ومدلولات هذه الأقسام ، ويعيشها كاملة. وعند اليهود والنصارى لا فرق بين الزمن والوقت ، فكلاهماTime ليس غير. فأى الأجناس إذن لا يحس الزمن ـ العرب أم الآريون؟ ومن الزمن عند العرب السرمد (القصص ٧١) ، والأزل ، والأبد (البينة ٨) ، وليس عند الآربين شىء من ذلك ، لأن لفظةeternity لا تعنى عندهم بالضبط «الأبد» ، مثلما فى القرآن كقوله تعالى : (ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) (٣) (الكهف) ، فالأبد استمرار الوجود فى أزمنة غير متناهية من المستقبل ، فالأبد فى القرآن دوام الوجود فى المستقبل ، والأزل هو دوام الوجود فى الماضى ،

٣٨٤

ولفظةpre eternity أوacternitas a parte ante إذن لا تساوى فى معناها الأزل العربية ، والله تعالى أزلى أبدى حيث الأبد والأزل صفتان أظهرتهما الإضافة الزمانية لتعقل وجوب وجوده ، ولا شىء من ذلك عند اليهود والنصارى ، وأما من ناحية تقسيم الأفعال بحسب الزمن ، فإن المستشرقين يدّعون أن القرآن لا يوجد به إلا الأزمنة البسيطة ، وهى الأزمنة الأصلية : الماضى ، والحاضر ، والمستقبل ، والأمر ، وأما الأزمنة المركبة فلا وجود لها فى كتب النحو العربى. والزمن المركب كالماضى التام ، والحاضر التام ، والماضى المستمر ، والحاضر المستمر ، والمستقبل القريب. وهذه الأزمنة إن خلت منها كتب النحو إلا أنها موجودة فى الكلام العادى ، والناس قد يقولون : انتظرتك ، وقد انتظرتك ، وظللت أنتظرك ، وبينما كنت انتظرك ، وسأظل أنتظرك ، ولسوف أنتظرك ، وسأنتظرك ، وها أنا ذا انتظرك ، وكلها تستوفى الأزمنة المركبة أكثر مما فى اللغات الآرية. وأيضا فإن المستشرقين يزعمون أن التوراة وكذلك الأناجيل والقرآن ، وكلها كتب سامية تناولت التاريخ كأساطير ، وخلت من تحديد تاريخ أى حدث أو واقعة ، ودللوا بذلك على عدم الدراية بالزمن وبالتاريخ عند الساميين ، وذلك صحيح فعلا بالنسبة للتوراة والأناجيل ، ولكنه غير صحيح بالنسبة للقرآن ، فنحن نعرف تحديدا وبالتواريخ مناسبة كل سورة وآية فى القرآن ، وأسباب نزولها ، والشخوص التى ارتبطت بها ، وعلى ذلك فإدراك التاريخ عند المسلمين هو إدراك خاص وليس عاما كما فى التوراة ، والغريب أن الآريين لا شىء عندهم من المؤلفات أو الآثار يثبت لهم الإدراك العام أو الخاص للتاريخ ، وأما علم التاريخ فذلك من العلوم الحديثة عند الغربيين ، وكان من العلوم الثقات عند المسلمين قبل الآربين بقرون. والفرق بين الحدث فى التوراة والحدث نفسه فى القرآن ، أن يرد فى التوراة سردا كحدث من الأحداث ، أو عرضا كتاريخ لشعب اليهود ، وكتعبير عن تضخم الذات عند هذا الشعب ، بينما قد يرد هذا الحدث فى القرآن قصدا للعبرة والاعتبار. والفرق بين مفهوم التاريخ فى القرآن ومفهومه عند اليهود أو عند الآريين ، كالفرق بين الأدب كفن فى القرآن ومرادفه literature عند اليهود والآريين ، ففي العربية يرتبط الأدب بالتربية ، وبالتأديب ، وفى غير الغربية فإنه علم الحروف أو الكلام لا غير. والتاريخ بمعيار القرآن ليس تراكم أحداث ، وإنما عملية انتقاء من الأحداث لما يكون فيه الاعتبار والعظة ، ولما يفيد فى تربية المسلم ويصلح أن يحيل على حاضره ، فيكون الحدث الوارد بمثابة الإشارات والتلميحات بما ينبغى على المسلم أن يفعله فى مثل هذه الحالات ، وإذا صادفته مثل تلك الأحداث. وانظر إلى طريقة العنعنة فى رصد تاريخ الأحاديث ، أو إلى التأليف فى التاريخ بحسب السنوات كما عند الجبرتى ، أو تقسيمه

٣٨٥

طبقات ، أو نسبته إلى الأشخاص ، وكل ذلك من باب التحديد وباعتبار الخاص وليس العام ، وتلك أمور خلت منها تماما كتب التاريخ فى أوروبا وفى الهند والصين وانفرد بها العرب ، وكان العرب من أولى الأمم التى كان لها تقويم ، ومع أنه تقويم قمرى إلا أنه متقدم جدا على التقويم القمرى العبرى ، والتقويم الهجرى أساسه تاريخ الهجرة ـ وهو أول المحرم من السنة التى جرت فيها الهجرة ، وشهور هذا التاريخ مأخوذة من رؤية الهلال ، ولا يزيد الشهر عن الثلاثين يوما ، ولا ينقص عن تسعة وعشرين يوما ، ويمكن أن يجيء أربعة أشهر ثلاثين يوما على التوالى لا أزيد منها ، وأن تجىء ثلاثة أشهر تسعة وعشرين يوما على التوالى لا أزيد منها. والسنة اثنا عشر شهرا ، والسنون والشهور اصطلاحية. وأما التاريخ العبرى أو اليهودى فسنوه شمسية ، وشهوره قمرية ، وتسمية شهوره : تسرى ، ومرخشوان ، وكسليو ، وطيبث ، وشفط ، وآذر ، ونيسان ، وايرسيون ، وتموز ، وآب ، وأيلول. وهم يكبسون بعض السنين بشهر زائد ، ويسمون السنة الكبيسة : عبّورا ، وغير الكبيسة بسيطة ، وكبسوا تسع عشرة سنة سبعة أشهر قمرية ، ولكن العرب كانوا يزيدون الشهر الزائد على جميع السنة ، وأما اليهود فالشهر السادس عندهم وهو آذر يتكرر مرتين ، فيصير عندهم آذران ، آذر الكبس ويعدّونه زائدا ، وبعده آذر الأصل ويعدّونه من أصل السنة ، وبعدهما نيسان. وأول سنتهم يتردد بين أواخر آب وأيلول من السنة الشمسية ، والشهور إما ٢٩ أو ٣٠ يوما ، ويشترطون أن يكون أول أيام السنة إما السبت ، أو الاثنين ، أو الثلاثاء ، أو الخميس ، وأن يكون الخامس عشر من نيسان إما الأحد أو الثلاثاء ، أو الخميس ، أو السبت لا غير. وكما ترى فإن التاريخ عندهم مسألة وطنية وليس علما ولا هو قريب من العلم! وأما التاريخ الأفرنجي أو النصرانى فجرت به مجموعة من التلفيقات لضمان توافق التاريخ مع أحداث النصرانية كصلب المسيح وقيامته وغير ذلك ، فالمسألة عندهم لم تكن علمية ولا فلسفية ولا قومية ولكنها كنسية فى المحل الأول ، فأين هو الإحساس بالزمن أو بالتاريخ فى ذلك كله ، سواء عند اليهود أو النصارى؟ وذلك هو ردّنا بايجاز على دعاوى المستشرقين واليهود فى مفهوم التاريخ والزمن عند العرب وفى القرآن ، والله الموفق.

* * *

١٢٧٨ ـ يثرب اسم المدينة

فى الآية : (يا أَهْلَ يَثْرِبَ) (الأحزاب ١٣) فإن «يثرب» هى «المدينة» ، فإذا كانت الآية قد نزلت فى السنة الخامسة من الهجرة ، فإن معنى ذلك أن الاسم «المدينة» لم يكن الرسول

٣٨٦

صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أطلقه عليها بعد. ومن أسماء المدينة «طيبة» ، و «طابة» ، وقيل : إن لها أربعة وتسعين اسما ، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمّى.

واسم يثرب اسم للأرض ، والمدينة ناحية منها ، ويبدو أن اسمها يثرب لأن الذى نزلها من العماليق اسمه يثرب بن عميل بن مهلائيل بن عوض بن عملاق بن لاوذ بن إرم ، وفى بعض هذه الأسماء اختلاف. وبنو عميل هم الذين سكنوا الجحفة فأجحفت بهم السيول فيها ، وبهذا سميت الأرض هناك بالجحفة.

* * *

وبذلك ينتهى بحمد الله ومنّته الباب الحادى عشر من موسوعة القرآن عن مصطلحات القرآن ، ويبدأ إن شاء الله الباب الثانى عشر عن الموت والساعة والقيامة والجنة والنار فى القرآن ...

* * *

٣٨٧
٣٨٨

الباب الثانى عشر

الموت والساعة والقيامة والجنة والنار

١٢٧٩ ـ ملك الموت

عزرائيل هو ملك الموت الموكول به البشر حين انقضاء الأجل ، كقوله تعالى : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة ١١) ، والاسم عزرائيل هو اسم الوظيفة التى يشغلها ، وقيل هو اسم توقيفى ، وقال آخرون هم اسم سريانى الأصل ، ويتكون من مقطعين ، الأول عزرا ويعنى المعاون ، وإيل أى الرّب ، فهو معاون الربّ ، ويرد معناه خطأ فى كتب التفسير العربية «عبد الله» ، والمقابل لعبد الله بالعبرية هو إسرائيل ، وليس عزرائيل. وفى الحديث أن : «البهائم كلها يتوفى الله أرواحها دون ملك الموت» ، يعنى أنها تعدم الحياة ولا تفتضّ لها أرواح. وقيل : كل حىّ له روح ، وجاء من روح ، وعزرائيل موكول به قبض الأرواح سواء للبشر أو لغيرهم. ويبدو أن اصطلاح «عزرائيل» يعنى المؤسسة الربّانية الموكول بها قبض الأرواح ، لأنه فى الآية : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) (الزمر ٤٢) ، أن الموت بيد الله ولكنه بحسب الآية السابقة : (يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) (السجدة ١١) فإن عزرائيل هو الموكول بذلك من الله ، فما من نفس إلا ويقبضها بأمره. والأنفس هى الأرواح. وكذلك فى الآية : (وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ) (الأنفال ٥٠) ، والآية : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) (الأنعام ٦١) ، أن الملائكة أو رسل الله تعالى يعاونون فى هذه المهمة ، فكأننا فعلا إزاء مؤسسة ، وبذلك يستقيم المعنى وتتوافق الآيات ، فلما كان ملك الموت يتولى ذلك بالوساطة والمباشرة ، أضيف التوفّى إليه ، ثم إلى الملائكة ، والناس مع ذلك إذا ذكرت الموت لا ينسبونه إلى عزرائيل ، ولا إلى الملائكة ، ويكتفون بذكر أسباب الوفاة من مرض أو غيره ، ولا يذكرون عزرائيل بسوء.

* * *

١٢٨٠ ـ الموتة الأولى

الموت يجرى على الخلق مرة واحدة ، كقوله تعالى : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) (الدخان ٥٦) ، لأنه بعد البعث فلا موت وإنما حياة أبدية ، ومن جعل الحياة بأجل قادر على أن يجعلها أبدية ، وإذن فلا موت إلا موتة الدنيا ، وهى الموتة الأولى والأخيرة ، على الاستثناء المنقطع ، وإلّا بمعنى سوى. والموت عرض لا يذاق وإنما جعلته الآية كالطعام الذى يكره ذوقه ، واستعير فيه لفظ الذوق.

والمنكرون للبعث يقولون ببرهان الموت لنفى البعث ، كقوله تعالى : (إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا

٣٨٩

الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ) (الدخان ٣٥) ، وعندهم أن الموت نهاية للحياة ولا حياة بعد هذه الحياة ، ومن القائلين بذلك الماديون وأخصّهم ماركس ، والليبراليون والعلمانيون والوجوديون ، ومن أقوال هايدجر فى كتابه : «الوجود والزمان» ، والدكتور عبد الرحمن بدوى فى كتابه «الزمان الوجودى» : أنه لا وجود خارج هذا الزمان ، وأن الموت هو خاتمة الحياة ، ونهاية كل موجود ، وبعد ذلك العدم!

* * *

١٢٨١ ـ الموت موتتان والحياة حياتان

فى الآية : (قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) (غافر ١١) ، وفى الآية الأخرى : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) (الدخان ٥٦) ، أن هناك رأيين أو جماعتين إزاء الموت ، فالجماعة الأولى قالوا إن الموت موتتان ، والجماعة الثانية أكدوا أنه لا توجد إلا موتة واحدة ، فأيهما صحيح؟ فأما الجماعة الأولى فقولهم فيه تجاوز ، وهؤلاء هم أهل الفكر ، يعتبرون أن العدم موت ، فقبل أن تكون لنا الحياة فى الدنيا كنا موتى وإن كنا موجودين بالإمكان ، إلا أننا لم نوجد بالفعل إلا فى الحياة الدنيا ، وإذن فقبل الحياة الدنيا كانت حياة أولى هى حياة الإمكان ، ولم يكن ثمة موت ، وفى الحياة الدنيا كانت الموتة الأولى ولم يكن بعدها ثمة حياة ؛ وأما الجماعة الثانية فإنه مع البعث كانت الحياة الثانية ، ولكنها بالنسبة للمغضوب عليهم والضالين والمنكرين والمبطلين والملحدين ليست كالحياة ، وإنما هى موت فى الحياة ، فهم فى النار موتى وإن كانوا أحياء ، وكذلك الكفرة فى الحياة الدنيا موتى وهم أحياء ، ثم هم موتى بالفعل من هول العذاب فى النار فى الآخرة ، بينما المستضعفون والمضطهدون أحياء فى الدنيا وإن كانت معيشتهم معيشة الموتى ، وهم فى الآخرة أحياء بالفعل بما ينعمون من خيرات فى الجنة. وقيل : الموت موتتان ، لأنهم أميتوا فى الدنيا ثم أحياهم فى القبور للمسألة ، ثم أميتوا ، ثم أحيوا فى الآخرة ، فهاتان موتتان وحياتان. وقيل كانوا أمواتا فى أصلاب آبائهم ، ثم أحياهم بالخلق ، ثم أماتهم موتة الدنيا ، ثم أحياهم للبعث والقيامة ، فهاتان حياتان وموتتان. وقيل خلقهم فى ظهر آدم ، ثم أخرجهم وأحياهم وأخذ عليهم الميثاق ثم أماتهم ، ثم أحياهم فى الدنيا ثم أماتهم. وقيل أحياهم فى الدنيا ثم أماتهم ، ثم يحيهم يوم القيامة ، ثم إنهم يطلبون أن يحييهم للدنيا مرة أخرى ، فيعملون صالحا ، ثم يميتهم ، فهاتان الحياتان والموتتان.

* * *

١٢٨٢ ـ الموت ثلاث موتات

فى الآية : (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة ٢٨) أن

٣٩٠

الموت موتتان والحياة حياتان ، واختلفوا فى ترتيب هاتين الموتتين والحياتين ، وكم من موتة وحياة للإنسان؟ فقالوا كان الناس معدومين قبل أن يخلقوا فأحياهم ـ أى خلقهم ، ثم يميتهم عند انقضاء آجالهم ، ثم يحييهم يوم القيامة. وقيل : كان الناس أمواتا فى ظهر آدم ، ثم أخرجهم من ظهره كالذّر ، ثم يميتهم موتة الدنيا ، ثم يبعثهم. وقيل : كان الناس أمواتا ـ أى نطفا فى أصلاب الرجال وأرحام النساء ـ ثم نقلهم من الأرحام فأحياهم ، ثم يميتهم بعد هذه الحياة ، ثم يحييهم فى القبر للمسألة ، ثم يميتهم فى القبر ، ثم يحييهم حياة النشر إلى الحشر ، وهى الحياة التى ليس بعدها موت.

فكأنها بحسب هذه التأويلات ثلاث موتات ، وثلاث إحياءات. وكونهم موتى فى ظهر آدم ، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم ثم موتهم ، غير كونهم نطفا فى أصلاب الرجال وأرحام النساء ، فعلى هذ تكون موتاتهم أربع موتات ، وتكون إحياءاتهم أربع إحياءات. وقيل المعنى خلاف ذلك تماما : وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرّفتهم بهذا الدين وبالنبىّ الذى جاءكم ، ثم يميتكم فيموت ذكركم ، ثم يحييكم للبعث. والقول الأول هو المراد بالآية.

* * *

١٢٨٣ ـ الموت حتم

قال الشاعر :

ومن لم يمت عبطة يمت هرما

للموت كأس والمرء ذائقها

وقال آخر :

الموت باب وكل الناس داخله

فليت شعرى بعد الباب ما الدار

فالموت حتم ، كقوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران ١٨٥) ، ولكن الموت يكون بأجل ، كقوله : (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً) (آل عمران ١٤٥) ، والآجال مجهولة ، كقوله : (وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (لقمان ٣٤). وللموت أسباب وأمارات ، وفى الحديث : «المؤمن يموت بعرق الجبين» أخرجه النسائى ، يعنى الموت غالبا عسر ، والمسلم إذا احتضر وجب أن يلقّن الشهادة ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله» أخرجه مسلم ، فيختم له بها ، فإذا قضى ارتفعت عنه العبادات ، وزال التكليف ، وتوجّبت على الأحياء أحكام ، منها تغميض العينين ، وإعلام إخوانه الصلحاء بموته ، والأخذ فى تجهيزه بالغسل والدفن لئلا يسرع إليه التغيير. وفى الحديث : «عجّلوا بدفن جيفتكم» ، و «أسرعوا بالجنازة». والغسل سنة حاشا الشهيد ، وقيل : غسل الشهيد واجب ، وفى الحديث «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» ، ولا يجاوز الغسل السبع غسلات ، فإن خرج منه شىء بعد ، يغسل موضعه وحده. والتكفين واجب على أهله ، أو على جماعة

٣٩١

المسلمين ، والمستحب منه البياض ، ولا إسراف فإنه للمهلة ـ أى للتلف. والمشى فى الجنازة دون الخبب ، أى العدو ، وإن يكن خيرا يعجّل بالجنازة ، والعجلة أحبّ من الإبطاء ؛ والصلاة عليه واجبه على الكفاية ؛ ودفنه فى التراب ودسّه وستره واجب ، كقوله تعالى : (فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ) (المائدة ٣١). فهذه جملة من أحكام الموتى ، وفى الحديث : «لا تسبّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدّموا» أخرجه مسلم ، «ولا تذكروا هلكاكم إلا بخير».

* * *

١٢٨٤ ـ أجل الموت

الآية : (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً) (آل عمران ١٤٥) إعلام بأن الموت لا بدّ منه ، وأنه ما من إنسان يحين أجله إلا وميت لا محالة ، والآية فيها حض على الجهاد ، لأنه طالما أنه لا موت إلا بإذن الله فلا خوف أن نقتل فى الجهاد. والمؤجل يعنى إلى أجله ، وبإذن الله أى بقضائه وقدره ، و «أجل الموت» هو الوقت الذى فى معلوم الله ، و «أجل الموت» هو أن تفارق الروح الجسد ، فمتى فارقته علمنا أن ذلك أجله. ولا يصحّ أن يقال لو لم يقتل ، أو لو لم يمرض ، لعاش!

* * *

١٢٨٥ ـ الصبر عن الميت

الصبر عن الميت ترك الجزع ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة ١٥٦) ، وقوله : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) (البقرة ٤٥). ومن أسرار الصلاة أنها تعين على الصبر لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا حزبه أمر صلّى. والصبر منع النفس محابّها وكفّها عن هواها ، ويقال لمن لم يجزع «صابر» لكفّه نفسه. وفى الحديث : «الصبر عند الصدمة الأولى». ولما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضى ربّنا ، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

١٢٨٦ ـ الميّت

الميّت والميت : هو الذى فارق الحياة ، أو الذى ما تزال به حياة ولكنه فى حكم الميّت ، والجمع أموات ، وموتى. والموت مقدور ولا فرار منه ، كقوله تعالى : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر ٣٠) ، وقوله : (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) (الواقعة ٦٠) ، وقوله : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ

٣٩٢

الْمَوْتِ) (العنكبوت ٥٧) ، فالموت حق ، وله آداب ، فيستحب للمحتضر أن يليه أرفق أهله به ، وأتقاهم لربّه ، ليذكّره بربّه ، وبالتوبة ، والخروج من المظالم ، وبالوصية ، وإذا رآه منزولا به تعهد بل حلقه بتقطير الماء أو شراب فيه ، ويندّى شفتيه بقطنة ، ويستقبل به القبلة ، ويلقّنه قول «لا إله إلا الله». ويقرأ الأهل عند الميّت «سورة يس» ليخفّف عنه ، وفاتحة الكتاب. وإذا تيقّن موته وجّه إلى القبلة ، وغمّضت عيناه ، وشدّ لحياه بعصابة عريضة تربط من فوق رأسه لئلا يسترخى فكّه ، ويقول الذى يقوم بذلك : «باسم الله ، وعلى وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم». ويكره للحائض والجنب تغميضه ، وأن تقرباه ، والأولى أن الذى يتولى تغميضه وتغسيله يكون طاهرا. والواجب فى غسل الميت النية والتسمية ، ويجرّد من ملابسه قبل الغسل ، وتستر عورته بين السّرّة والركبتين بثوب مع نزول الماء إلى العورة من تحت الثوب ، ويستحب الغسل فى البيت ، أو داخل ستر ، ولا يحضر الغسل إلا من يعين فيه ، بشرط أن يغض البصر عنه ، وإن رأوا شيئا عليه لا يتحدثون به ، إلا إن كان خيرا كوضاءة الوجه والتبسّم ليكثر الترحّم عليه ، ويستحب تليين مفاصله عقيب موته وعند غسله ، ويحنيه الغاسل كأنه يجلسه ، ويضغط على بطنه رفيقا ليخرج ما معه من نجاسة ، ويصب عليه الماء كثيرا ، ويستحب أن يكون إلى جواره مجمر فيه بخور حتى لا يظهر منه ريح ، ويستخدم الغاسل ليفة يمر بها على بدنه ، ويجفف السبيلين بخرقة ، وإن كان الميت امرأة حاملا لم يعصر بطنها ، ثم يوضئ الغاسل الميّت وضوء الصلاة ، ويبدأ بكفّيه ، ويمسح بالخرقة أسنانه وأنفه ، ثم يغسل وجهه ، ويتمم الوضوء ، ثم يصب عليه الماء ليعمّ سائر جسمه ، وقد يفعل ذلك بالماء الحار والطيب ، ويستحب الغسل مرة واحدة أو ثلاثا أو أكثر. والحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما فى الغسل ، ثم ينشّف الميت ، وتجمّر الأكفان بالبخور ، ويرش عليها بعض الطيب. ويستحب لمن غسّل ميتا الاغتسال ، ولا يصحّ أن يغسّل كافر مسلما ، فإن لم يوجد مسلم ييمّم ، ويصحّ للمسلم أن يغسّل كافرا ، وأن يواريه التراب ، وتغسّل المرأة زوجها ، ويغسّل الزوج امرأته ، وإن كانت مطلقة وفى العدّة فحكمها حكم الزوجة ، ويحتمل أن لا يباح للزوج الذى لم يدخل بامرأته أن يغسّلها ، وإن لم يوجد من يغسل المرأة من النساء غسّلها ذو رحمها وعليها ثيابها ، ويصب عليها الماء صبّا ، وإذا مات المحرم يصحّ لغير المحرم أن يغسله ، ويجنّب الطيب ، ولبس المخيط ، ويصب عليه الماء ولا يعرك جسمه ، وتغطّى رجلاه ووجهه. ويصب الماء على المرأة المحرمة التى تموت ، وتغسل بثيابها ، ولا تقرب الطيب. والشهداء فى المعركة قد يكثرون فيشق غسلهم ، غير أن الشهيد عموما

٣٩٣

لا يغسّل ولا يصلّى عليه ، وقيل يغسّل ويصلى عليه استحسانا. ومن يقتل من أهل العدل فى قتاله للبغاة فهو شهيد ، وقيل لا يغسّل ولا يصلّى عليه ، وروى أنه يغسّل ويصلّى عليه ، ولا يتحتم دفنه بثيابه. ويكره نعى الميت ، والندب والنياحة عليه مكروهان. وتجب مؤنة تجهيز الميت ودفنه من ماله مقدما على الدين والوصية والميراث. ويحدّ الزانى الذى وطئ امرأة ميتة ، وفى رواية لا يحدّ. ويستحب تلقين الميت بعد مداراته التراب ، وقيل إن الميت يسمع ولا يجيب ، ويقف أحدهم عند رأس الميت ويقول «يا فلان بن فلانة. اذكر ما فارقتنا عليه : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأنك رضيت بالله ربّا وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم نبيّا. ويستحب تعزية أهل الميت قبل الدفن وبعده ، وجميع أهل المصيبة كبيرهم وصغيرهم ، وبالأخصّ خيارهم ، وذا الضعف منهم ، وجواب التعزية : استجاب الله دعاك ، ورحمنا وإياك ،» ، ويجوز تعزية أهل الذّمة ، ويقال لهم : غفر الله لميتك وأخلف عليك» ويستحب إصلاح طعام لأهل الميت يبعث به إليهم ، وقضاء دينه ، وتنفيذ وصيته.

* * *

١٢٨٧ ـ غسل الميت ووضوؤه

غسل الميت فرض كفاية ، وقيل سنّة ، وتوارد به القول والعمل ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم غسّل وهو الطاهر المطهّر ، فكيف بمن سواه؟ وفى الحديث : «غسل الميت ووضوؤه بالماء والسّدر» جعلهما معا لغسل الميت ، فيخلط السّدر بالماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته كالصابون ، ويدلك به جسد الميت ، والصابون إذن عوض عن السّدر ويتم الغسل مرتين ، والثالثة بالماء المعطّر كماء الورد ونحوه ، والغرض هو التنظيف فيجزئ الماء ، ويكره الإسراف ، والمشهور أنه غسل تعبّدى كبقية الأغسال الواجبة والمندوبة ، وشرع احتياطا لاحتمال أن يكون على الميت جنابة. و «تحنيط الميت» يعنى غسله بالماء المخلوط بالطيب. والمسلم لا ينجس حيا ولا ميتا ، ومن يغسّله لا ينجس. ولمّا ماتت زينب بنت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بتغسيلها وترا ثلاثا أو خمسا ، لأن الإيتار مطلوب والثلاث مستحبة ، فإن احتاج الأمر لأكثر تزاد وترا حتى يحصل الإنقاء. والغسل يبدأ بالميامن ومواضع الوضوء ، ولا بأس أن ينقّض شعر الميتة ويغسل ويمشّط. وتكفّن المرأة فى خمسة أثواب وتخمّر كالأحياء ، والكفن الخامس يشدّ على صدرها ليضم أكفانها. والثياب البيض للكفن. وكفّن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى ثلاثة أثواب ، وفى الحديث : «وكفّنوه فى ثوبين ولا تخمّروا رأسه». والكفن من مال الميت قبل الدين والوصية. وأجر القبر والغسل من الكفن ، وإن لم يوجد إلا ثوب واحد كفّن فيه ولو كان لا يوارى جسده كله. والنساء ممنوعات من اتباع الجنائز ، ليس لأنهن نساء ، ولكن

٣٩٤

لصياحهن وصراخهن ، واتباعهن الجنائز لذلك مكروه وليس منهيا عنه ، لأن النهى يقتضى التحريم. وإحداد المرأة على غير زوجها ثلاث ، وعلى زوجها أربعة أشهر وعشرا ، وزيارة القبور مكروهة ، غير أنها مباحة للرجال والنساء ، لانها تذكّر بالآخرة ، وترقّق القلب ، وتدمع العين. ولا يعذّب الميت ببكاء أهله عليه ، إلا إذا كان فى حياته سمح بذلك وتلك طريقته. والنياحة على الميت مكروهة ، وكذا شقّ الجيوب ، وضرب الخدود ، والدعاء بدعوى الجاهلية. والمسلم لا يفرط فى الحزن ولا فى التجلّد ، والبكاء مباح ، وفى الحديث «إن الله لا يعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب ، ولكن يعذّب بهذا» ، وأشار إلى لسانه. والمشى فى الجنازات مأمور به ، فإن لم يمش فليقم للجنازة. ويحمل الجنازة الرجال دون النساء ، والمستحب الانتظار حتى يصلّى عليه ويدفن ، وتكون الصلاة بالمصلّى أو بالمسجد. ولا تتّخذ المساجد على القبور.

* * *

١٢٨٨ ـ الجنازة

يستحب فى الإسلام المسارعة إلى تجهيز الميت ، وتخلع ثيابه ويسجى بثوب يستره جميعه ، وتستر عورته عند تغسيله ، ويتم التغسيل على سرير أو لوح ، ويكفّن بحسب حاله ، ويسنّ التربيع فى الجنازة ، والإسراع بها ، واتّباعها للصلاة عليها ، وقد تتبع إلى القبر حتى الدفن ، ويستغفر للميت ويدعى له. ويكره فى الجنازة رفع الصوت ومسّ جسد الميت وتوديعه بالإشارة بالأيدى والمناديل ، ويستحب لمن تمر به جنازة أن ينهض لها إن كان جالسا. وصلاة الجنازة واجبة ، وتجوز فى المسجد ، وعند المقبرة ، ومن تفوته صلاة الجنازة فله أن يصليها عند القبر إما جماعة أو فرادى ، وتجوز الصلاة على الغائب ، وأحق الناس بالصلاة على الميت من أوصى له أن يصلّى عليه ، ولا يستحب دفن المسلم فى تابوت ، ويستحسن دفن الشهيد وقتيل الحرب حيث قتل.

* * *

١٢٨٩ ـ الصلاة على الجنائز

فى الحديث «صلّوا على صاحبكم» سمّاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلاة ، وليس فيها ركوع ولا سجود ، ولا يتكلم فيها ، وفيها تكبير وتسليم. وتكون الصلاة على طهور ، ويرفع فيها اليدين ، وفيها صفوف وإمام ، ويجوز أن يشترك فيها الصبيان ، ويصفّ بالمصلين فى مصلّى ، ويصلّى على المرأة كالرجل ، ويكبّر فيها أربعا ، وتقرأ الفاتحة فى الأولى جهرا ، ويصلّى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويدعى للميت ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا

٣٩٥

وأجرا» ، ثم تستكمل ثلاث تكبيرات ويسلّم .. ومن دعاء ابن عباس : اللهم عبدك وابن عبدك أصبح فقيرا إلى رحمتك وأنت غنى عن عذابه. إن كان زاكيا فزكّه ، وإن كان مخطئا فاغفر له. اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تضلّنا بعده». ومن لم يعلم بموت إنسان يمكن أن يأتى قبره ويصلى عليه.

* * *

١٢٩٠ ـ هل نعذّب فى القبور؟

يأتى ذلك فى أربع آيات ، الأولى قوله : (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ) (الأنعام ٩٣) ، والثانية قوله : (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) (التوبة ١٠١) ، والثالثة قوله : (وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (٤٦) (غافر) ، والرابعة قوله : (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) (إبراهيم ٢٧). وفى الأولى : «غمرات الموت» هى شدائده وسكراته ، و «بسط الملائكة أيديهم» هو لقبض الأرواح ، وفى التنزيل : (وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ) (الأنفال ٥٠) ، و (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) (الأنعام ٩٣) أى خلّصوها من عذاب القبر إن أمكنكم ؛ وفى الثانية : (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) (التوبة ١٠١) ، أى فى الدنيا بالأمراض والمصائب ثم بعذاب القبر ، (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) (التوبة ١٠١) وهو عذاب الآخرة ؛ وفى الثالثة : (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا) (غافر ٤٦) ، قيل هو عذاب القبر ما دامت الدنيا ، وفى الحديث : «إن الكافر إذا مات عرض على النار بالغداة والعشى» ، وفى التنزيل : (إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (فاطر ٢٢) ، يعنى أن الموتى لا يجيبون على الأحياء. ولكن هل يسمعونهم بأداة السمع ، والجواب : إن الله يسمع من يشاء ، وفى الحديث قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما أنتم بأسمع منهم ولا يجيبون» ، وقال : «إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقوله حق» ؛ وفى الرابعة قيل إن الميت يسأل فى القبر : من ربّك؟ فيقول : ربّى الله ؛ فيسأل : ما دينك؟ فيقول : دينى دين محمد ـ فذلك قوله تعالى : (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) (٢٧) (إبراهيم) ، و «تثبيتهم فى الدنيا» أى فى القبر عند العرض ، وفى الآخرة عند الحساب. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتعوّذ من عذاب القبر ويقول : «اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر» ، وكان يقول : «استجيروا بالله من عذاب القبر فإنّ عذاب القبر حقّ» ، وقال «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم

٣٩٦

القيامة» ؛ وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الميت يتكلم على الجنازة والناس يحتملونه على أعناقهم ، فإن كان صالحا قال قدّمونى قدّمونى ، وإن كان غير صالح قال يا ويلتا ، أين يذهبون بى؟ ويسمع صوته كل شىء إلا الإنسان». وقال عن موت الفجأة الذى يقع بغتة : «أكره موت الفوات» ، لأن فيه يحرم من أن يوصى. وقال فى الأموات : «لا تسبّوا الأموات» إلا الأشرار.

* * *

١٢٩١ ـ الدفن

الدفن من ملحقات الموت ، وهو مواراة الميت فى التراب ، كقوله تعالى فى قصة قابيل وهابيل : (فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ) (٣١) (المائدة) ، فكان هابيل هو أول ميّت من بنى آدم ، ولذلك جهلت سنّة المواراة ، فكان الغراب مبعوثه تعالى للبشر ليريهم كيفية الدفن أو المواراة ، كقوله تعالى : (ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ) (٢١) (عبس) ، والإقبار هو الدفن ، وصار فعل الغراب فى المواراة سنّة باقية فى الخلق ، فرضا على جميع الناس على الكفاية. والأعم عند البشر مواراة الميت فى القبر ، والقبور تعمّق إلى الصدر ، والأفضل بقدر القامة وبسطة ، ويستحب تحسين القبر وتوسيعه ؛ والسنّة أن يلحد قبر الميت ، ومعنى اللحد أنه إذا بلغ أرض القبر حفر فيه من جهة القبلة مكان يوضع الميت فيه ، فإذا لم يكن اللحد شقّ له فى الأرض ويسقف عليه. ويوضع الرأس عند رجل القبر ، والجسد على الجنب الأيمن مستقبل القبلة بوجهه ، وتوضع لبنة أو حجر تحت الرأس كالوسادة ، ويدنى من الحائط حتى لا ينكب على وجهه ، ويسند من ورائه بتراب حتى لا ينقلب ، ثم ينصب عليه اللبن ، ويسد بالطين أو بالجبس والرمل حتى لا يصل التراب إليه ، ثم يحثى على القبر ثلاث حثيات ، ويقال عند وضعه : «بسم الله وعلى سنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. اللهمّ أجره من الشيطان ، ومن عذاب القبر ، وجاف الأرض عن جنبيه ، وصعّد روحه ، ولقّه منك رضوانا». وإذا فرغ من اللحد أهيل عليه التراب ، ويرفع القبر قدر شبر عن الأرض ليعرف أنه قبر ، ويرش عليه ليلتزق التراب ، وتسنيمه أفضل ، ويكره التسطيح ، ولا يكره الوقوف على القبر بعد الدفن للدعاء للميت. وإذا دفنت الجماعة فى القبر الواحد ، قدّم الأفضل منهم إلى القبلة ، ثم الذى يليه على حسب تقديمهم فى إمامة الصلاة ، ويجعل حاجز من التراب بين كل اثنين ، أو يجعل رأس أحدهم عند رجل الأخر ، وإذا كانت الجماعة رجلا وامرأة وصبيا فى قبر واحد ، جعل الرجل مما يلى القبلة ، والمرأة خلفه ، والصبى خلفهما ، وبين كل اثنين حاجز من التراب ، ولا يدفن اثنان فى قبر واحد إلا لضرورة. والدفن فى مقابر المسلمين أفضل ، وحيث يكثر دفن الصالحين والشهداء وفى البقاع الشريفة ، وأولى الناس بدفن

٣٩٧

الرجل أقاربه ، وأولى الناس بدفن الزوجة محارمها ، ثم الزوج ، ثم أهل الدّين ، ويستحب دفن الشهيد وقتيل الحرب حيث قتل ، ولا ينقل الميت إلى بلده إلا لغرض صحيح أو ضرورة. وإن مات الميت فى سفينة مبحرة ، انتظروا أن يصلوا ميناء مدة يوم أو يومين ، فإن خافوا الفساد غسّلوه وكفّنوه وحنّطوه وصلّوا عليه ، وأثقل بشيء وألقى فى الماء. ويدفن الشهيد بثيابه ـ وليس هذا بحتم. ومن فاتته الصلاة على الميت فى المسجد فله أن يصلى عليه قبل أن يدفن ، وتعاد الصلاة عليه قبل الدفن جماعة أو فرادى ، فإذا دفن صلى عليه على القبر. ويجوز الدفن ليلا كالنهار ، والنهار أفضل ، وإن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة ، يجوز نبش القبر واستخراج الجثة لغسلها ، ثم تدفن وتوجّه إلى القبلة ، إلا أن يخاف أن تتهرّأ الجثة ، فتترك مكانها.

* * *

١٢٩٢ ـ زيارة القبور ، وقبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم

زيارة القبور ، كما فى قوله تعالى : (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) (٢) (التكاثر) ، من شواغل المباهين بالكثرة فى المال والعيال ، وكان أهل الجاهلية يفتخرون بالأموات ؛ وفى اللغة يقال لمن مات : «قد زار قبره» ؛ وفى الآية وعيد لمن اشتغل بالدنيا حتى ليزور قبره ، والمقابر جمع مقبرة ، والقبور جمع قبر ، وزيارتها فى الطب النفسى لا ينصح بها لمن يشكو اضطرابات نفسية ، فقد تتحول الزيارات إلى هوس بالقبور ، وبالموتى ، وشغل بهما ، وهو ما يسمى necrophilia ، فإذا كانت الزيارات للقبور من باب التأسّى فإنها تلين القلب القاسى بالتذكير بالأعزاء من الموتى ، وعند الذين يخشون الله فإنها تذكّر بالآخرة ، ويحمل ذلك على قصر الأمل ، والزهد فى الدنيا. وفى الحديث : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروا القبور فإنها تزهّد فى الدنيا وتذكّر الآخرة» أخرجه ابن ماجة ، وفى الحديث عن أبى هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعن زوّارات القبور ، يعنى النساء ، وكأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كره لهن زيارتها لقلة صبرهن ، وكثرة جزعهن ، ومع ذلك فالرخصة كما وردت فى الحديث للرجال والنساء ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «زوروا القبور» تعمّ الرجال والنساء طالما أن الزيارة للاعتبار ، وفيها المشاهدة والمعاينة لمن يقصد وجه الله وإصلاح فساد قلبه ، ونفع الميت بتلاوة القرآن والدعاء ، وإلا فالزيارة مكروهة. وللزيارة آداب منها : تجنّب المشي على المقابر والجلوس عليها ، والسلام على الموتى ، والتأمّل لما آلوا إليه ، وصيرورتهم تحت التراب ، وانقطاعهم عن الأهل والأحباب ، وربما كان منهم قوّاد الجيوش ، وعباقرة العلماء ، وأصحاب المناصب والأموال ، حتى جاءهم الموت لم يحتسبوه ، وهبط عليهم الهول لم يرتقبوه ، ويفكّر الزائر

٣٩٨

فى ذلك ، وكيف أن المال والمنصب والجاه والسلطان قد زالوا جميعا ، وانصرف عنهم الأحياء والأنباء ، والأزواج والأبناء والإخوة والخلّان ، ولم يبق لهم إلا صالح الأعمال ، وأما أجسادهم التى كانت مثلا فى القوة والجلاد ، ووجوههم التى كانت علامات فى الحسن والجمال ، وألسنتهم التى كانت آيات فى البلاغة والبيان ، فكل ذلك أكله الدود وأبلاه التراب ، وهكذا سيكون الزائر ، ويكون مآله ، فإذا قدّر الأمور هكذا فربما يعتبر ، وتزول عنه أغيار الدنيا فيزهد فيها ، ويقبل على طاعة الله. ومن التذكير بالموت فى الحال والمآل قوله تعالى : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ) (التوبة ٨٤) ، والآية نصّ فى عدم الصلاة على الميت : الفاسق ، أو الكافر ، أو المنافق ، وعدم القيام على القبور إلا للمؤمنين ، للاستغفار لهم ، وهو من أكبر القربات فى حقّهم ، وشرع لهم ، وفى الرواية أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت ، وقف على قبره وقال : «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت ، فإنه الآن يسأل» أخرجه أبو داود ، وكان يزور قبور أصحابه ويسلّم عليهم كلما ألمّ به المرض واشتدت به العلّة ، وكان يقول لهم : «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» ، أو يقول : «السلام عليكم أهل القبور ـ ، من كان منكم من المسلمين والمؤمنين. أنتم فرط لنا ، وإنّا بكم لاحقون ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم». وفى الحديث عن زائر القبور : «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتنى مكانه» ، يقول ذلك لحزنه على الدين الذى ذهب ، وغلبة الفلسفات الباطلة وكثرة الداعين لها ، وظهور الاستبداد والطغيان ، والعمالة للأجنبى ، وفساد نظم الحكم ، وسيادة اليهود والدول الإمبريالية ، وسحقها للقومية والوطنية ، ومحاربتها للعقيدة والقيم والمبادئ والأخلاق ، وانتشار العلمانية والإلحاد ، والعولمة ، والليبرالية. وفى الآية : (وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (فاطر ٢٢) تشبيه لهؤلاء بالموتى فى القبور ، قد سلبوا المدارك والحواس ، وهكذا هؤلاء العلمانيون والليبراليون والعولميون أعداء الإسلام ، صمّوا آذانهم عن الدعوة ، ونأت قلوبهم عن الإيمان ، فلم تعد تنفعهم هداية ، وذلك هو بعض اعتبار زيارة القبور. وأما أن الموتى : يسمعون على الحقيقة وليس على المجاز ، فربما ذلك معنى الآية : (إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ) (فاطر ٢٢) ، فهو تعالى قادر على أن يسمع الموتى من المؤمنين استغفار ذويهم من زائريهم ، وهو قوله تعالى : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) (الأنعام ١٢٢) ، وقوله : (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً) (هود ٢٤) ، فالمؤمن ـ كما قيل ـ بصير سميع ، سواء كان حيا أو كان ميتا ، وله نور يكتنفه

٣٩٩

من حوله فى الدنيا ، وفى القبر ، وفى الآخرة ، إلى أن يستقر به الحال فى الجنّات ذات الظلال والعيون. والكافر أعمى وأصم ومن حوله الظلمات ، سواء فى الدنيا ، أو فى القبر ، أو فى الآخرة ، ولا خروج له منها ، إلى أن يفضى به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم. وإذن فزيارة القبور مستحبة بقصد الاعتبار والاستغفار ، وليس بقصد التكاثر والتباهى والتفاخر ، ومن القبور المستحب زيارتها : قبر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن آداب زيارة مسجده صلى‌الله‌عليه‌وسلم» أن يقدّم الزائر رجله اليمنى ويقول «باسم الله ، والصلاة على رسول الله ؛ اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد ، واغفر لى ، وافتح لى أبواب رحمتك» ، فإذا خرج قال مثل ذلك وعند ما يتجه إلى قبره صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يولىّ ظهره للقبلة ، ويستقبل القبر ويقول : «السلام عليك أيها النبىّ ورحمة الله وبركاته ، اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وخاتم النبيين ، محمد ، عبدك ، ونبيّك ، ورسولك ، إمام الخير ، وقائد الخير ، ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون. اللهم صلّ على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد ، وعلى آل محمد ، وعلى إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد. اللهم ترحّم على محمد ، وعلى آل محمد ، كما ترحّمت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، اللهم تحنّن على محمد ، وعلى آل محمد ، كما تحنّنت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد». ثم يدعو الزائر لوالديه ، ولأهله وإخوانه ، والمسلمين أجمعين. ثم يتقدّم قليلا ويسلّم على صاحبىّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبى بكر ، وعمر. ولا يستحب التمسّح بحائط القبر ، ولا تقبيله ، وأما المنبر فيضع يده على مقعد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم يضعها على وجهه ، وهذه الطقوس يؤدّيها المؤمن ولها تأثيرها النفسى الهائل عليه ، وتستحدث له السكينة والطمأنينة ، وليست من قبيل التخلّف العقلى أو الحضارى ، فالطقوس نفعلها فى كل شىء وفى كل مجال ، وما من فكرة إلا وتلهم بسلوكيات معينة.

* * *

١٢٩٣ ـ أسماء يوم القيامة

يقسم الله تعالى بيوم القيامة فيقول : (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ) (القيامة ١) ، وهو اليوم الذى يقوم فيه الناس من القبور للحساب ، ولذا كان اسمه «يوم القيامة» ؛ وهو (يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة ٤) أى يوم الجمع ، ويوم الجزاء والحساب على الأعمال كقوله : (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) (التغابن ٩) ، وهو اليوم الذى يجمع الله فيه أهل السماء وأهل الأرض ، ويجمع الأولين والآخرين ، فعندئذ يعرف الكافر أن دينه الكفر ، ويعرف المؤمن أن دينه الإيمان ،

٤٠٠

ويجمع بين كل عبد وعمله ، وبين الظالم والمظلوم ، وبين كل نبىّ وأمته ، وبين ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصى ، وذلك (يَوْمُ التَّغابُنِ) (التغابن ٩) سمّى كذلك لأن أهل الجنة غبنوا فيه أهل النار ، واستقلّوا بالجنة دون أهل النار ، والله تعالى قد خلق الجنة لتسع الناس جميعا ، فلما انقسموا إلى أهل جنة وأهل نار ، آل ما كان من نصيب أهل النار من الجنة إلى أهل الجنة ، وما كان من نصيب أهل الجنة من النار إلى أهل النار ، فكأن كلا منهما أخذ ما يستحق بالمبادلة ، فوقع الغبن لمّا استبدل أهل النار الخير بالشر ، والجيد بالرديء ، والنعيم بالعذاب. «ويوم القيامة» هو (الْيَوْمَ الْآخِرَ) (العنكبوت ٣٦) : نسبة إلى الآخرة المقابل «للأولى» وهى الدنيا ؛ والآخرة : هى النهاية ودار البقاء ، والآخر يفيد أن هناك «أول» ، وكل ما له أول له آخر ، والحياة كانت ابتداء وآخرتها الموت ثم البعث. و «اليوم الآخر» : هو يوم ينفخ فى الصور فتموت كل الخلائق (طه ١٠٢) ، ثم ينفخ النفخة الثانية فيقومون يسعون إلى ربّهم. ويوم القيامة هو «اليوم المحيط» ، كقوله : (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) (٨٤) (هود) : لأنه يحيط بالكفّار ؛ و (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) (٤١) (إبراهيم) : لأن فيه الحساب الشديد والحساب اليسير ؛ و (يَوْمَ الْحَسْرَةِ) (مريم ٣٩) : لأن فيه يعطى كل إنسان كتابه فعندئذ تنتابه إما البهجة وإما الحسرة ، وهو بالنسبة للكافرين يوم الحسرة وليس يوم البهجة ؛ و «يوم الحشر» (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ) (مريم ٨٥) لأن فيه يجمع المتقون إلى الرحمن وفدا ، ويساق المجرمون إلى جهنم وردا يعنى مشاة عطاشى ؛ و (يَوْمِ الْبَعْثِ) (الروم ٥٦) لأن فيه يبعث الناس من قبورهم مع النفخة الثانية فى الصور ؛ و (يَوْمُ الْفَصْلِ) (الصافات ٢١) : وفيه يفصل المجرمون عن المؤمنين ، ويفصل بين الظالم والمظلوم ، وبين أهل الحق وأهل الباطل ، ويفصل فى أمر كل إنسان ، فإما إلى الجنة أو إلى النار ، (يَوْمَ الْآزِفَةِ) (غافر ١٨) : وسميت القيامة بالآزفة لأنها قريبة ، وكل ما هو آت قريب ، كقوله تعالى : (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ) (النجم ٥٧) أى قربت الساعة ؛ و (يَوْمُ الْوَعِيدِ) (٢٠) (ق) الذى وعد الكفار أن يكون عذابهم فيه ؛ و (يَوْمُ الْخُرُوجِ) (ق ٤٢) : أى الخروج من القبور ؛ و (يَوْمَ التَّنادِ) (غافر ٣٢) : وسمّى كذلك لمناداة الناس فيه على بعضهم البعض ، فينادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ، وينادى أصحاب الجنة أصحاب النار ، وينادى أصحاب النار أصحاب الجنة ؛ كقوله : (فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) (آل عمران ٢٥) : وهو اليوم الذى لا شك آت ؛ واليوم المشهود (هود ١٠٣) : أى الذى يشهده البرّ والفاجر ، ويشهده أهل السماء ؛ و (يَوْمَ التَّلاقِ) (غافر ١٥) : هو يوم يلتقى أهل السماء وأهل الأرض ، ويلتقى الخلق والخالق ، والعابدون والمعبودون ، والظالم والمظلوم ، ويوم يلقى كل إنسان جزاء عمله ، ويوم يلتقى

٤٠١

الأولون والآخرون ؛ واليوم المعلوم (الواقعة ٥٠) : وهو الذى حدّده الله تعالى ، ولا يعلمه سواه ؛ و (الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) (البروج ٢) : أى الموعود به ؛ واليوم العظيم (الأنعام ١٥) : هو الشاق والصعب ، والعظيمة : هى النازلة الشديدة ؛ ويوم كبير (هود ٣) : يسمى كذلك لما فيه من أهوال ؛ ويوم أليم (هود ٢٦) : لأنه يوم الألم الذى لا يتصوره إنسان ولا يخطر فى بال بشر ، والألم الموجع أشد من الألم المؤلم ؛ ويوم عصيب (هود ٧٧) : هو الشديد فى وطأته ، ومجمع الشر ؛ ويوم الفتح (السجدة ٢٩) : والفتح هو القضاء ، أى هو اليوم الذى يقضى فيه بين الناس ، فيثاب المحسن ويعاقب المسيء.

* * *

١٢٩٤ ـ يوم التناد من أسماء يوم القيامة

سمّى يوم القيامة «يوم التناد» ، لمناداة الناس بعضهم بعضا فى ذلك اليوم ، فينادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ، وينادى أصحاب الجنة أصحاب النار : (أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا) (الأعراف ٤٤) ؛ وينادى أصحاب النار أصحاب الجنة : (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ) (الأعراف ٥٠) ؛ وينادى المنادى عند وزن الأعمال فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وتنادى الملائكة أصحاب الجنة : (أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف ٤٣) وينادى كل قوم بإمامهم.

ويوم التناد أيضا هو يوم التنافر ، من ندّ يندّ ، يعنى يولى هاربا ، فإذا سمع المجرمون زفير جهنم ندّوا هاربين ، فسمّوه لذلك : يوم الفزع الأكبر (الأنبياء) ، يوم ينفخ إسرافيل فى الصور نفخة الفزع ، فترتجف الأرض ، ويميد الناس عن ظهرها ، وتذهل المراضع ، وتضع الحوامل ، وتشيب الولدان ، ويتطاير الناس هاربين مدبرين ، ينادى بعضهم بعضا ، كقوله تعالى : (يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) (غافر). وقيل سمى يوم القيامة «يوم التناد» ، لأن الكافر ينادى فيه بالويل والثبور والحسرة.

* * *

١٢٩٥ ـ الطامة الكبرى من أسماء القيامة

فى قوله تعالى : (فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى) (النازعات) : أن الطامة الكبرى هى الداهية العظمى ، يوم ينفخ فى الصور النفخة الثانية فتكون القيامة ، سميت بذلك لأنها تطمّ على كل شىء ، وتعمّ كل شىء. والطامة فى اللغة : هى الداهية التى لا تستطاع ، حين يساق أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ..

* * *

٤٠٢

١٢٩٦ ـ القارعة من أسماء القيامة

«القارعة» هى القيامة ، واسمها «القارعة» : لأنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها ، فاستحقت أن يعبّر عنها بهذه الآيات : (الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ) (القارعة) ، وفى اللغة يقال : قرعتهم القارعة ، وفقرتهم الفاقرة ، إذا وقع بهم السوء الشديد ، كقوله تعالى : (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ) (الرعد ٣١) ، وهى الواحدة من شدائد الدهر ، وأصل القرع الضرب بشدة. وتكرار كلمة «القارعة» ثلاث مرات ، فى الآية الأولى للتذكير ، وفى الثانية للتهويل ، وفى الثالثة للاستفهام تقريرا لبيان عظم شأنها ، فهى أكبر وأخطر من أن يدركها خيال ويبلغها وهم إنسان.

* * *

١٢٩٧ ـ الغاشية من أسماء القيامة

قيل سمّيت النار فى الآية : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ) (الغاشية ١) بالغاشية ، لأنها تغشى الوجوه ، من قوله تعالى : (وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) (إبراهيم ٥٠). وقيل : الغاشية هم أهل النار يغشونها ، أى يقتحمونها. وقيل : «الغاشية» هى القيامة ، تغشى الناس بأهوالها ، وواضح من مشاهد السورة أن المقصود بالغاشية القيامة ، لأن بعض هذه المشاهد يتناول عذاب أهل النار ، وبعضها ما يلقاه المؤمن فى ذلك اليوم من وجوه البرّ والإحسان.

* * *

١٢٩٨ ـ الطبيعة يوم القيامة

فى يوم القيامة : ينفخ فى الصور فيصعق من فى السموات ومن فى الأرض (الزمر ٦٨) ، ثم ينفخ للمرة الثانية فيبعث الخلق (الزمر ٦٨) ، ويجمعون جمعا ، ويحشرون إلى ربّهم (البقرة ٢٠٣) ، وترجف الأرض (المزمل ١٤) ، وتزلزل ، وتخرج أثقالها (الزلزلة ١ / ٢) ، وتمور السماء مورا ، وتسير الجبال سيرا كأنها السراب (الطور ١٠) ، وتكون السماء كالمهل ، وتكون الجبال كالعهن (المعارج ٩) ، وتحمل الأرض والجبال فتدكّان دكة واحدة (الحاقة ١٤) ، وتنسف الجبال (المرسلات ١٠) ، وتبسّ بسّا (الواقعة ٥) ، حتى تصير كثيبا مهيلا (المزمل ١٤) ، وتنفطر السماء (الانفطار ١) ، وتشقّق بالغمام (الفرقان ٢٥) ، فكأنها وردة (الرحمن ٣٧) ، ثم تكشط (التكوير ١١) ، فتنثر كواكبها (الانفطار ٢) ، ويخسف بالقمر ويجمع بالشمس (القيامة ٨) ، وتكوّر الشمس (التكوير ١) ، وتنكدر النجوم (التكوير ٢) ، وتسجّر البحار (التكوير ٦) ، وتتفجّر (الانفطار ٣) ، وتمدّ الأرض (الانشقاق ٣) ، وتشقّق (ق ٤٤) ، ويقبضها الله جميعا (الزمر ٦٧) ، وتبعثر القبور (الانفطار ٤).

* * *

٤٠٣

١٢٩٩ ـ مشاهد يوم القيامة

مشاهد يوم القيامة رهيبة ومفزعة ، وأوصاف هذا اليوم فى القرآن إنما للإنذار والتحذير كقوله تعالى : (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٥٢) (إبراهيم) ، وبلاغات القرآن للتخويف من عقابه تعالى ، وموضوعها إعلام السامعين أن الله قادر وعالم ، وأنه إله واحد ، استدلالا بالحجج والبراهين ، ولتكون مشاهد يوم القيامة ذكرى لأصحاب العقول لعلهم يتّعظون. ومن أوصاف هذه المشاهد قوله تعالى : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) (٥٠) (إبراهيم). وتبديل الأرض : هو تغيير صفاتها ، وتسوية آكامها ، ونسف جبالها. ويوم القيامة تمدّ الأرض مدّ الأديم ، وتزيد سعتها. وتبديل السماء هو تكوير شمسها وقمرها ، وتناثر نجومها ، وأن تصبح مرة كالمهل ، ومرة كالدّهان. وفى الحديث : أن الأرض تزول ، فقد سأله اليهودى أين يكون الناس يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فى الظلمة دون الجسر». وفى حديث عائشة قال لها «على الصراط» ، وإذن فتبديل الأرض والسموات هو إزالتهما ، وهو أمر منطقى ومعقول ، فقنبلة هيروشيما ونجازاكى أزالتا المدينتين تماما ، فما بالنا بأن تنسف الشمس والقمر والجبال؟ ألا تزال الأرض أيضا والسموات؟! إنه الدمار الكامل فلا يكون شىء! وفى الحديث : «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النّقى (يعنى الدقيق الخالص) ، ليس فيها علم (أى أثر) لأحد». وفى قوله تعالى (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) (٥٠) (إبراهيم) المجرمون ـ هم الكفار والمشركون ـ أعطاهم اسم «المجرمين» ، و «مقرّنين» أى مشدودين ، و «فى الأصفاد» ، أى الأغلال ، فيقرن كل كافر مع قرينه من أهل المعاصى فى الدنيا ، وقد تسربلوا بقمصان من قطران ، بينما النار تضرب وجوههم حتى لتغشيها!

* * *

١٣٠٠ ـ الصور ، والنفخ فيه يوم القيامة

المستشرقون على القول بأن محمدا سرق مصطلح «الصّور» عن اليهودية ، ويشهد الله أن الصّور مصطلح قرآنى محض ، قيل هو سريانى ، والأصح أنه إن كان فى العربية وفى السريانية فهو توافق بين اللغتين ، لأن صور منها الفعل صار ، أى صوّت ، والعامة تقول صوره بصوته ، أى أصمّه بشدّة صوته. والصّور هو البوق ، وهو القرن ، وميزة الصور عن

٤٠٤

الكلمتين الأخريين : أن البوق : للتزمير للهو ، ولجمع الناس ؛ والقرن : للاستنفار فى الحرب ، وأما الصور : فهو وحده آلة النفخ يوم القيامة ، يخترق حاجز الصوت فيميت مرة ويحيى أخرى. والبوق والقرن عند اليهود فى التوراة ، ولا يوجد فى أى من أسفار اليهود كلمة «صور» ، وعندهم «عيد الأبواق» ، يبوّقون بالأبواق فى أول أكتوبر ، ويحتفلون بجمع الثمار وزراعة البذور ، ويذبحون الذبائح ، و «أبواق الهتاف» ذات أصوات عالية. والصور فى القرآن يتكرر عشر مرات والفرق بين البوق والقرن والصور ، أن البوق والقرن أداتان يصنعهما البشر ، ولكن الصور أداة من صنع الله ، وينفخ فيه إسرافيل يوم القيامة نفخة واحدة (الحاقة ١٣) ، فيفزع من فى السموات ومن فى الأرض (الزمر ٦٨ ، والنمل ٨٧) ، ويصعق الناس ولا يبقى أحد إلا مات ، ثم ينفخ فيه مرة أخرى (الزمر ٦٨) ، فإذا هم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون (يس ٥١) ، فيجمعون جمعا (الكهف ٦٩) ، ويحشر المجرمون زرقا (طه ١٠٢) ، أى من الخوف ، ويأتون أفواجا (النبأ ١٨) ، لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (المؤمنون ١٠١) ، ذلك (يَوْمُ الْوَعِيدِ) (٢٠) (ق). وفى الحديث أن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور وأعطاه إسرافيل ، فهو ينتظر الأمر له بالنفخ فيه. وقال : «الصور من العظم ، كهيئة البوق ، ينفخ فيه ثلاث مرات ، فالنفخة الأولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق ، والثالثة نفخة البعث والقيام لربّ العالمين». والحديث مختلف فيه ، وقيل هما «نفختان» لا غير ، لأن نفخة الفزع هى نفخة الصعق ، فلأنهم فزعوا ماتوا منه ، وفى النفخة الثانية يحيون فزعين يقولون (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) (٥٢) (يس). وقد يكون الفزع هو الإسراع فى الاستجابة ، أو يكون هو الخوف المعهود.

* * *

١٣٠١ ـ الصيحة يوم القيامة

الصيحة : هى الصوت الشديد كالصاعقة ، عوقب بها قوم صالح فى الدنيا ، فصاح فيهم جبريل صيحة واحدة (هود ٦٧) ، فتقطّعت بها قلوبهم وصاروا هلكى هامدين كغثاء السيل (المؤمنون ٤١) ، وجعلتهم كالهشيم المحتظر (القمر ٣١) ؛ وقوم شعيب (هود ٩٤) أصبحوا بالصيحة جاثمين فى ديارهم ، كأن لم يغنوا فيها ؛ وقوم لوط (الحجر ٧٣) ، أخذتهم الصيحة مشرقين ، يعنى وقت شروق الشمس ؛ وأصحاب الأيكة (الحجر ٨٣) ، أخذتهم الصيحة مصبحين ، أى وقت الصبح ؛ وأصحاب القرية (يس ٢٩) ، قضت عليهم الصيحة وخمدت بها أنفاسهم ؛ وكل هؤلاء ما أصابتهم إلا صيحة واحدة ما كان لهم منها رجوع (ص ١٥). فإذا كان يوم القيامة أوكلت الصيحة بإسرافيل ، وصيحته يومئذ صيحتان ، فى الأولى : يكون الموت يأتى الناس بغتة وهم يخصمون ، فلا يستطيعون توصية ولا

٤٠٥

يرجعون إلى أهلهم (يس ٤٩ / ٥٠) ، وفى الثانية : يخرجون من الأجداث ينسلون (يس ٥٣). وفى يوم القيامة ينادى جبريل ، وينفخ إسرافيل ، فإذا كانت الصيحة الثانية ـ صيحة البعث يكون الخروج ، أى الاجتماع للحساب ، وتشقّق الأرض عنهم سراعا ، ويحشرون (ق ٤١ / ٤٤).

* * *

١٣٠٢ ـ يوم القيامة فى سورة التكوير

من سرّه أن يرضى نزعته للمعرفة ، وأن يرى يوم القيامة كأنه رأى عين ، فليقرأ : (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (١) ، ففيها المشاهد المذهلة ، والصّور المبهرة ، مما يقشعر له الجلد ، ويصيب القارئ الخاشع بالخوف الشديد يأخذ بمجامع النفس ، فالنجوم فى هذا اليوم تنكدر ، والجبال تسيّر ، والعشار تعطّل ، والوحوش تحشر ، والبحار تسجر ، والنفوس تزوّج ، وتسأل الموءودة عن الذنب الذى به قتلت ، وتنشر الصحف ، وتكشط السماء ، وتسعّر الجحيم ، وتزلف الجنة ، فهذه بعض بانوراما هذا اليوم الذى لا نعلم حقيقة : هل هو يوم؟ وكيف يكون يوما كأيامنا والشمس فيه قد كوّرت ، أى تظل تلف إلى أن تنمحى أو تسقط ، وأصل التكوير من كار العمامة يكوّرها أى ينكّسها. وانكدار النجوم يوم القيامة هو : تناثرها وتهافتها وسقوطها. وتسيير الجبال أن تقلع من الأرض فتتطاير فى الفضاء. وتعطيل العشار : أن لا تلد ، وخوطب العرب بأمر العشار ، لأن مالهم وعيشهم أكثر من النوق العشار ، إلا أنهم يوم القيامة يشهدون الوحوش والدواب محشورة بعشارها ، فلا يعبئون بها. وحشر الوحوش : يعنى جمعها. وتسجير البحار : أى امتلاؤها حتى لتفيض على بعضها البعض ، ويرسل عذبها على مالحها ، ومالحها على عذبها ، وتصير بحرا واحدا ويرفع البرزخ بينها. وسؤال الموءودة عن الذنب الذى به وئدت ، أى دسّت فى التراب ، وقرئ سألت بالفتح ، أى تسأل هى من وأدها ، وسؤالها سؤال توبيخ وتبكيت ، لأن قتلها لا يصح إلا بذنب ، فبأى ذنب فعلوا بها ما فعلوا ، وفى ذلك دليل على أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب ، ومن ثم كان السؤال هل يعذّب أطفال المشركين بشرك آبائهم؟ والجواب كلا ، لأنهم لا ذنب لهم فى شرك الآباء.

وهذه المظاهر المادية ليوم القيامة يقول الصوفية إن مثلها يحدث لهم عند استيلاء الأحوال عليهم ، وحينئذ تكون قيامتهم ، فتتجلى مثل هذه المشاهد معان فى قلوبهم ، ومع تراوحهم بين البسط والقبض ، تنكسف شموسهم ، وتنكدر نجوم علومهم.

* * *

٤٠٦

١٣٠٣ ـ للساعة زلزلة

فى الآية : (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) (١) (الحج) ، أن للساعة أو القيامة زلزلة ، وهى شدّة الحركة ، كقوله تعالى : (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) (٢١٤) (البقرة) ، وأصلها من زلّ عن الموضع ، أى زال عنه وتحرك ، وتزلزلت قدمه أى تحركت ، والزلزلة فى الاصطلاح : إحدى شرائط الساعة ، ومن إرهاصات يوم القيامة ، يقول البعض رجما بالغيب تكون فى النصف من شهر رمضان ، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها إن كانت تطلع!!

* * *

١٣٠٤ ـ الساعة من يوم القيامة

يتكرر هذا المصطلح فى القرآن : «الساعة» ٤٨ مرة ، وليس فى اليهودية ولا النصرانية شبيه به. وقيل الساعة هى يوم القيامة ، وقيل : الساعة ليست هى هذا اليوم بطوله مهما كان هذا الطول ، ولكنها من يوم القيامة ، وفارق بين أن نقول ساعة ونقول يوما. ويوم القيامة يوم ينفخ فى الصور فيصعق الناس ، فليس من أحد إلا ويموت ، ثم ينفخ فى الصور مرة ثانية فيبعث من فى القبور ، ينسلون إلى ربّهم زرافات ، فهذه هى الساعة : ساعة البعث والهرولة إلى حيث الحساب ، سمّيت كذلك لسرعة مجرى الأحداث فيها ، وسرعة الحساب ، ولأننا يومئذ لا نرى إلا أننا قد عشنا فى الدنيا بمقدار ساعة ، فإذا حانت الساعة ، أى حان الحين ، ووقعت واقعة القيامة جهارا (الأنعام ٤٧) ، فلا نشعر بها (الأعراف ٩٥) ، ونبهت فلا نستطيع ردّها (الأنبياء ٤٠) ، ويبلس منا المجرمون (الروم ١٢) ، ويتحسّرون على ما فرّطوا (الأنعام ٣١) ، ويتفرّقون (الروم ١٤) ، ويخسر المبطلون (الجاثية ٢٧). وكان الكفار يحتجّون بأنهم لا يعرفون بالساعة ، وأن معرفتهم بها ظنية لم يستيقنوها (الجاثية ٣٢) ، وتساءلوا : أيّان مرساها؟ (الأعراف ١٨٧). ولم يكن المسئول عنها ـ وهو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بأعرف عنها من السائلين ، فكان جوابه : (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) (الأعراف ١٨٧) ، وقال للسائل عنها : «ولكنى سأخبرك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربّها ، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم فى البنيان». وقال «أشراط الساعة فى خمس لا يعلمهن إلا الله» ، والخمس التى لا يعملها إلا الله هى المشار إليها بمفاتيح الغيب (الأنعام ٥٩) ، وفى الحديث : «مفاتيح الغيب خمس ، لا يعلمها إلا الله ـ لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم ما فى غد إلا الله ، ولا يعلم متى يأتى المطر إلا الله ، ولا تدرى نفس بأى أرض تموت إلا الله ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» أخرجه البخارى. ومعنى «أن تلد الأمة ربّها» أى يكثر العقوق فيعامل الأولاد أبويهما معاملة دنيا ، بالإهانة ، والسب ، والضرب ، والاستخدام ، ويحدث ذلك إذا فسدت البيوت ، وساءت

٤٠٧

التربية ، وانهار التعليم. ومفاده أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور : بحيث يصير الولد كأنه الأب ، والبنت كأنها الأم ، بينما الأب والأم لا حول لهما ولا طول ، ويعملان للأولاد كالأجراء لتحصيل المال لهم ، ففي مثل أحوال مقلوبة كهذه ، أن يصبح السافل عاليا ، والعالى سافلا ، والجاهل يصير ملكا ورئيسا للدولة ، بينما العلماء مغمورون. وقوله «البهم» يعنى لا أحد يعرف عن أنساب هؤلاء الذين يتولون الحكم فى بلادنا شيئا ، فلا أصل لهم ولا فصل ، فكأنهم حفاة عراة ، حفوا عن كل علم ، وتعرّوا عن كل فضيلة ، فكانوا طغاة مستبدين ، جمعوا كل مقاليد الحكم فى أيديهم ، والثروة فى خزائنهم. والحديث إشارة إلى أنه فى أوقات التردّى يتحكم قلة فى رءوس الأموال ، ويملكون البلاد ، قهرا واحتيالا ، فينسون القوانين ، لأن من يملك هو الذى يحكم ، فإذا حكموا احتكروا لأنفسهم ولأولادهم وأنسبائهم وأصهارهم كل شىء ، فتكثر أموالهم ، وتنصرف همّتهم إلى بناء الفيلات ، وإنشاء العمارات والمدن والمصايف والمشاتى ، للهوهم وراحتهم ، وليتفاخروا بها. ومن ذلك الحديث الآخر : «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع» ، ونحن نشهد ذلك فى بلادنا هذه الأزمان ، فمن يكون هذا أو ذاك ممن نسمع عنهم؟ ومع كل ذلك هل كان بوسع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعرف أشراطها أو علاماتها؟ فمن يعرف الأشراط والعلامات بوسعه أن يعرف التوقيت ، وما كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرف أيهما : الأشراط والتوقيت! وقوله تعالى : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (١) (القمر) ، أنه حين تحين الساعة ينشق القمر ، وفى آية أخرى تكوّر الشمس : (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (١) (التكوير) ، يعنى ينهدم صرح العالم ، ولكل إنسان ساعته ، كقوله تعالى : (قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ) (٣٠) (سبأ) ، والميعاد الميقات ، مثله مثل الأجل ، كقوله : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (٣٤) (الأعراف) ، فمثل ما الأجل علمه عند الله ، فكذلك الساعة علمها عنده تعالى. والساعة مدة من الوقت ، كقوله : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ) (٤٥) (يونس) ، استقصروا طول مقامهم فى القبور لهول ما يرون من البعث ، ومثل ذلك قولهم : (قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) (١١٣) (المؤمنون).

* * *

١٣٠٥ ـ الساعة علمها عند الله وتأتى بغتة

سأل اليهود النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الساعة ، وسأله المشركون لفرط الإنكار : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا

٤٠٨

تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (١٨٧) (الأعراف). والسؤال يثقل عن المسألة ، لأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يعلم الساعة ، ولا يظهر علاماتها إلا الله تعالى ، ولا تأتى إلا بغتة ، وما كان لهم أن يسألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكأنما هو يعلمها ، وأنه الحفىّ العالم بها ، والمستقصى فى السؤال عنها ، وكان إلحاحهم فى سؤاله لأنهم قالوا بيننا وبينك قرابة ، فأسرّ إلينا بوقت الساعة. وكان الجواب : (عِلْمُها عِنْدَ اللهِ) ، تأكيدا لما سبق : (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) ، ليس من باب التكرار ، وإنما أحد العلمين لوقوعها ، والآخر لكنهها.

* * *

١٣٠٦ ـ علامات الساعة عشر

فى التنزيل : (يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) (٦٣) (الأحزاب) ، والآية إثبات بأنه لا يعلم الساعة إلا الله ، وقيل إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلم علاماتها ، وقيل من يعلم علاماتها فقد علم وقتها. وهذا مخالف للآية ، وليس فى ذلك طعن فى نبوته ، لأنه ليس من شرط النبىّ أن يعلم الغيب ، كقوله : (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) (الأنعام) ، وقوله : (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) (الأعراف). وقوله تعالى : (وَما يُدْرِيكَ) أى وما يعلمك ، يعنى أنه لا يعلم الساعة يقينا ، إلا أنها ربما تكون قريبة ، كقوله : (لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) ، أى فى الزمان القريب. غير أن بعض أحاديث آخر الزمان فيها أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرف علامات الساعة ، وأبو هريرة هو ناقل هذا الحديث ، يقول : «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة ، دعوتهما واحدة ؛ وحتى يبعث دجّالون كذّابون ، قريب من ثلاثين ، كلهم يزعم أنه رسول الله ، وحتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج ـ وهو القتل ، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض ، يهمّ ربّ المال من يقبل صدقته ، وحتى يعرضه عليه فيقول : لا أرب لى به ؛ وحتى يتطاول الناس فى البنيان ، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتنى مكانه! وحتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون ، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، أو كسبت فى إيمانها خيرا. ولتقومن الساعة ، وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ؛ ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نفحته فلا يطعمه ؛ ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه ؛ ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» ، وكل هذه العلامات عادية ومتوقعة ، ولا تدّعى العلم بالغيب أو العلم بالساعة ، والحديث على ذلك ضعيف لأنه لا يضيف جديدا ولا يخبر عن غيب. وفى الرواية عن أبى هريرة

٤٠٩

أيضا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حضر أصحابه يتذاكرون الساعة فقال : «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات» ، فذكر : الدخان ؛ والدجّال ؛ والدّابة ؛ وطلوع الشمس من مغربها ؛ ونزول عيسى بن مريم ؛ ويأجوج ومأجوج ؛ وثلاثة خسوف : خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ؛ وآخر ـ ذلك نار تخرج من اليمن فتطرد الناس إلى محشرهم. وهذه أقل من عشر آيات! وكلها رجم بالغيب ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يعلم الغيب ، والحديث يعارض حديثا آخر لأنس ، فيه : «أن أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب» ، وفى هذا الحديث أن النار هى آخر الأشراط. وحديث آخر لابن مسعود ، يقول : «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» وفى رواية «حثالة الناس». وحديث لحذيفة بن اليمان يقول : «ويبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبير ، والعجوز ، يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة «لا إله إلا الله فنحن نقولها». وكل هذه الأحاديث مستشكلة لأنها تنفى بعضها البعض وتعارض القرآن! والغالب أنها من الإسرائيليات يقينا!

* * *

١٣٠٧ ـ يوم التغابن هو يوم القيامة

سمّى كذلك للآية : (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ) (٩) (التغابن) ، وهو اليوم الذى يغبن فيه أهل الجنة أهل النار ، أى أن أهل الجنة يأخذون الجنة ، وأهل النار يأخذون النار على طريق المبادلة ، فيقع الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر ، والجيد بالرديء ، والنعيم بالعذاب ، يقال : غبنت فلانا ، إذا بايعته أو شاريته ، فكان النقص عليه والغلبة لى. وكذا أهل الجنة وأهل النار. وغبن المؤمن بتقصيره فى الإيمان ، وكذا الكافر ، غبنه بترك الإيمان. ومن ارتفعت منزلته فى الجنة فقد غبن من كان دون منزلته. وتمثيل الغبن بالشراء والبيع فى قوله : (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) (١٦) (البقرة) ، فلما ذكر أن الكفّار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا فى تجارتهم بل خسروا ، ذكر أيضا أنهم غبنوا ، ومع ذلك فإن أهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا ، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة. والله تعالى خلق فريقا للجنة وفريقا للنار ، ومنازل كلّ موضوعة فى الجنة والنار ، وقد يسبق الخذلان على العبد فيكون من أهل النار ، فيحصل الموفّق على منزل المخذول فى الجنة ، ويحصل المخذول على منزل الموفق فى النار ، فكأنه وقع التبادل فحصل التغابن. وقد يقع التغابن فى غير ذلك ، والمراد فى الآية التغابن الذى لا جبران لنهايته. ومن أمثلة التغابن فى الدنيا : الرجل يعلم العلم ، فيعلّمه للناس ليعملوا به ويضيّعه هو ولا يعمل به ، فيشقى به ويعمل به من تعلّمه ؛ والرجل يكسب المال ويشحّ عليه ، وبسببه يفرّط فى طاعة ربّه ، ولا يعمل بماله خيرا ، ويتركه للورثة فيعملون به الطيب ، فكسبوا وخسر هو ؛ والرجل له الزوجة يتعسّف لها النفقة من الحلال والحرام ، وتأكله الزوجة حلالا ، فيدخل النار وتدخل هى الجنة!

٤١٠

والغبن فى الدنيا محرّم لأنه من باب الخداع ، والفرق بين غبن الدنيا وغبن الآخرة ، أن غبن الدنيا يمكن أن يستدرك ، بينما غبن الآخرة لا يستدرك أبدا.

ويقول بعض أهل الصلاح : إن الغبن مكتوب على الخلق أجمعين ، ولا يلقى العبد ربّه إلا مغبونا ، لأن أى عمل لا يستوفى له ليحصل على ثوابه مستوفى ، وفى الحديث من ذلك : «لا يلقى الله أحدا إلا نادما ، إن كان مسيئا أن لم يحسن ، وإن كان محسنا أن لم يزدد».

* * *

١٣٠٨ ـ عند البعث الناس طبقات ثلاث

الخلق عند الموت وعند البعث على درجات أو طبقات ثلاث : (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) (٩٤) (الواقعة) ، فالطبقة الأولى : هى طبقة المقرّبين : وهم المحسنون السابقون بالدرجات العلا ، وهؤلاء لهم الرّوح ، أى يروّح عنهم ويرحمون سواء عند الموت أو عند البعث ؛ والريحان هو النبت المعروف ، يراح لهم به برائحته الطيبة ؛ والطبقة الثانية : طبقة أصحاب اليمين : وهؤلاء عليهم‌السلام : (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٣٢) (النحل) ، أى يسلّم عليهم الملائكة ، ويسلمون من العذاب ، ولنا منهم السّلام ، وعلينا لهم السّلام ، وذلك لهم إكرام بعد إكرام ؛ والطبقة الثالثة : هى طبقة المكذّبين الضالين : وهم الذين يكذّبون بالبعث وقد ضلّوا عن الهدى والحق ، فإنهم يعنتون عند الموت ، وفى الآخرة يستضافون بالحميم ، وهو نقع النار يشوى البطون ، ثم يصلون الجحيم.

* * *

١٣٠٩ ـ الناس فى الآخرة إما أشقياء وإما سعداء

يوم الآخرة (يَوْمٌ مَشْهُودٌ) (١٠٣) (هود) ، يشهده البرّ والفاجر ، والناس فيه صنفان : (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) (١٠٧) (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (١٠٨) (هود) ، فالشقىّ يوم القيامة هو الذى كتبت عليه الشقاوة ، والسعيد الذى كتبت عليه السعادة. وفى الرواية أن عمر بن الخطاب لمّا نزلت هذه الآية : (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) ، سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : يا نبىّ الله ، فعلام نعمل؟ على شىء قد فرغ منه ، أو على شىء

٤١١

لم يفرغ منه؟ فقال : «بل على شىء قد فرغ منه وجرت به الأقلام ، ولكن كلّ ميسر لما خلق له» أخرجه الترمذى ، يعنى : أن كلّ إنسان له حدوده ، وقدراته ، وإمكاناته ، وذكاؤه ، ومواهبه ، وطاقته ، ووسعه ، وفهمه ، واستيعابه ، وهذه أشياء معروفة له تعالى قبل أن يخلقه ، فإذا خلقه فى هذا النطاق ، فما هو ميسر له يأتيه ربما بالخير وربما بالشر ، وله حرية أن يختار ، وهو لذلك مسئول ، ومن ثم كان عليه أن يحاذر فيما يأتيه ، فلا يتصادم مع آخرين ، ومع القانون أو المجتمع ، أو مع الشريعة ، والله تعالى يعلم ما يمكن أن نأتيه ، لأنه الذى خلقنا بهذه الإمكانات ، وأهّلنا بها لأدوار إن نشأ نجعلها أدوار شر ، وإن نشأ نجعلها أدوار خير ، والسعيد هو من كان على وفاق مع أوامر ونواهى الله ، والشّقي من كان على غير وفاق معها وساير الشرّ والأشرار.

* * *

١٣١٠ ـ فى الحشر : هل تزوج النفوس؟

فى الآية : (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) (٧) (التكوير) ، قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله» ، وقال عمر بن الخطاب : يقرن الفاجر مع الفاجر ، ويقرن الصالح مع الصالح. وقال ابن عباس : يقرن كلّ شكل بشكله من أهل الجنة وأهل النار ، فيضم المبرّز فى الطاعة إلى مثله ، والمتوسط إلى مثله ، وأهل المعصية إلى أمثالهم ، فالتزويج : أن يقرن الشيء بمثله ، والمعنى : وإذا النفوس قرنت إلى أشكالها ، سواء إلى الجنة أو إلى النار. وفى الآية : (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ) (٢٢) (الصافات) ، جعل لهم أزواج على أشباه أعمالهم ، ليس بتزويج حقيقى ، ولكنه تزويج معنوى ، فأصحاب اليمين هؤلاء زوج يعنى جماعة ، وأصحاب الشمال زوج ، والسابقون زوج.

* * *

١٣١١ ـ الدار الآخرة هى الحيوان

هى الجنة ، سميت دارا لأنها للإقامة فيها والسكنى ، كقوله تعالى : (الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ) (٣٥) (فاطر) ، وحددها فقال : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها) (٣٣) (فاطر) ، والجنات ـ كقول ابن عباس ـ سبع ، هى : جنة عدن ، وجنة المأوى ، وجنة الخلد ، وجنة الفردوس ، وجنة النعيم ، وجنة الوراثة ، وجنة المتقين. وسميت الدار الآخرة : دار المتقين ، كقوله : (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ) (٣١) (النحل) ،

٤١٢

وقوله : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (٢٤) (الرعد) ، فالدار غدا داران : دار للتقيّ المطيع ، ودار للفاجر العاصى. والعقبى آخر كل شىء ، وعقبى الدار : هى الدار الآخرة ؛ وأما عاقبة الدار : فهى دار الجزاء وهى سوء الدار ، كقوله تعالى : (رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (٣٧) (القصص) ، ونقيض ذلك قوله : (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (٢٥) (الرعد) ، وسوء الدار هى جهنم ، وهى أيضا دار البوار ، كقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ) (٢٨) (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ) (٢٩) (إبراهيم) ، والبوار : هو الهلاك ؛ والقرار : هو الإقامة ، وبئست الإقامة فى جهنم ، مقارنة بالإقامة فى الجنة ـ وهى الدار الآخرة للمؤمنين : (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (٦٤) (العنكبوت) : أى دار الحياة الباقية التى لا تزول ولا موت فيها ، والحيوان : بمعنى الحياة ، ويقال لكل شىء حىّ أنه حيوان ، والدار الحيوان وعدها الله للمتّقين : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (٨٣) (القصص).

* * *

١٣١٢ ـ الجنة

الجنة فى القرآن لها دلالات ، بعضها يعنى أنها البستان كقوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ...) (٣٢) (الكهف) ، وقوله : (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ) (١٥) (سبأ) ، وقوله : (إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ) (١٧) (القلم) ، وقوله : (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً) (١٢) (نوح). وأكثر دلالات الجنة أنها دار الجزاء تكون بعد الموت ، وهذه هى الدلالة الاصطلاحية. وعند الصوفية الجنة ثلاث جنات : جنة الأفعال : وهى الجنة الصورية من جنس المطاعم اللذيذة والمشارب الهنية والمناكح البهية ، ثوابا للأعمال الصالحة ، وتسمى جنة الأعمال ، وجنّة النفس : فلأن الصالح فى هذا الاعتبار مادى ، فالجنة مادية فى مظهرها وإن كانت نفسية فى مخبرها ، وهى جنة الوراثة : وراثة الأخلاق الحاصلة بحسن متابعة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأهل التّقى والصلاح ، باعتبار الصالح هو الوارث للصالحين ، وصلاحه أخلاقى ، وسبب صلاحه كان صلاح من حوله كبيته ، وأهل جيرته ، وبلده ، فالصالح يتحقق به فى المكان جنة ، حيثما ظهر صلاحه وأثمرت دعواته ؛

٤١٣

وجنّة الصفات : وهى الجنة المعنوية ، من تجليات الصفات والأسماء الإلهية ، وهى كذلك جنة القلوب وجنة الذات : وهى ما يكون عليه الموحّد من سعادة ، وهو يشاهد فى الكون وفى نفسه دلائل وجوده تعالى ، ويخلص منها إلى صفاته ، ثم إلى ذاته تعالى ، كواحد أحد له مطلق العلم والقدرة.

والجنة فى اللغة من الجنّ والجنين ، لاستتارهما ، لأن الجنة ليست هى ما نشاهد ولكنها ما ندرك مما نشاهد ، وما يتحصل فينا من مشاعر لما نشاهد ، وهى مسائل مستترة تظل كذلك ما لم نبح بسرّها.

والجنة فى القرآن جنّات : جنات عدن ـ وهى جنات الإقامة ؛ وجنّات الفردوس : وهى أعلى الجنان جميعها ؛ وجنة الخلد : وهى التى وعد المتقون ، وكانت لهم جزاء ومصير (الفرقان ١٥) ؛ وجنات النعيم : جعلت للذين آمنوا وعملوا الصالحات ، كقوله : (لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ) (٢١) (التوبة) ؛ و (رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ) (٢٢) (الشورى) : هى أعاليها وتمتاز بالخضرة والجمع رياض وروضات ، وفى الآية : (فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) (١٥) (الروم) أى فى روضة من رياض الجنة ينعمون ، والحبرة هى السرور والفرح ، والحبور هو السرور ، وحبور أهل تلك الرياض هو التسبيح ؛ وجنة المأوى : عند سدرة المنتهى (النجم ١٤) ، وهى «جنة المبيت» ، قيل إنها الجنة التى آوى إليها آدم إلى أن أخرج منها ، وقيل هى فى السماء السابعة ، وسميت كذلك لأن أرواح المؤمنين تأوى إليها ، أو لأن جبريل وميكائيل يأويان إليها ؛ وجنات الخائفين (الرحمن ٤٦) ، يخافون أن يعصوا الله : (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) (٤٦) (الرحمن) ، أى خاف قيام ربّه واطّلاعه عليه ، أو خاف مقامه بين يدىّ ربّه للحساب فترك المعصية ، وهما بستانان فى عرض الجنة ، (وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) (٦٢) (الرحمن) ، فهذه أربع جنان ، يقال لهن «جنات من خاف مقام ربّه» ، جنتان منهما للسابقين المقرّبين ، وجنتان لأصحاب اليمين ، وفى الأوليين من كل فاكهة زوجان ، فعمّ ولم يخصّ ، وفرش من الديباج ، وحور حسنهن كحسن الياقوت والمرجان ؛ وفى الأخريين فاكهة ونخل ورمان ولم يقل من كل فاكهة ، والفرش لها رفارف خضراء ووشىّ حسن ، وحور خيّرات حسان لا يرقى حسنهن إلى حسن الياقوت والمرجان. والجنتان الأوليان كثيرتا الأغصان ، والأخريان كثيرتا الخضرة. فهذا بعض ما فى هذه الجنات للمؤمنين ، وما خفى كان أعظم : (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٧) (السجدة) ، وفى الحديث فى معنى الآية أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : قال الله عزوجل : «أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر» قيل ذلك لأعلى أهل الجنة منزلا.

٤١٤

١٣١٣ ـ فى القرآن : كلما تذكر النار ذكرت الجنة

يتعاقب ذكر المؤمنين والكافرين فى القرآن ، وإذا ذكر جزاء الكافرين يتلوه جزاء المؤمنين ، وكل عقاب يأتى بعده الثواب ، ولا يذكر الضلال إلا إذا ذكر الهدى ، يترافق التبشير والتحذير ؛ وطريقة القرآن هى الطريقة الجدلية ، بأن يعرض الشيء ونقيضة ، ونقول عن ذلك : طريقة المتقابلات ، ومنها أنه كلما تذكر النار ذكرت الجنة ، فالأولى للتخويف ، والثانية للترغيب ، كقوله تعالى : (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) (٤٧) (القمر) ، و (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) (٥٤) (القمر) ، أو كقوله تعالى : (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (٧) (الحجرات) ؛ أو كقوله : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) (٥) (الفتح) ، و (وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ) (٦) (الفتح) ؛ أو كقوله : (إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) (٧٥) (الأعراف) و (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) (٧٦) (الأعراف).

* * *

١٣١٤ ـ الحسنى من أسماء الجنة

يقول تعالى : (وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى) (٩٥) (النساء) : و «الحسنى» هى الجنة وتأتى بهذا المعنى فى القرآن إحدى عشرة مرة ، وهى للذين أحسنوا (يونس ٢٦) ، وللذين استجابوا لربّهم (الرعد ١٨) ، ويجزى بها المؤمنون الصالحون (الكهف ٨٨) والمصدّقون (الليل ٦) ، وعكسها «السّوأى» ، وهى جهنم ، كقوله : (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى) (١٠) (الروم).

* * *

١٣١٥ ـ الجنة مقام أمين

يقول تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (٥٢) (الدخان) ، والمقام هو المكان ، وهو الإقامة أيضا ، والأمين الذى يؤمن فيه من العذاب ، والجنات العيون بدل من المقام الأمين ، يعنى أن الجنات والعيون مقام أمين لهم.

* * *

١٣١٦ ـ جنات عدن بين القرآن والتوراة

يتكرر هذا المصطلح ـ (جنات عدن» فى القرآن إحدى عشرة مرة ، وتأتى عدن متقارنة بجنات بالجمع ، والمفسرون على القول بأنها هى جنات الإقامة ، يعنى من يدخلها يتوطّن فيها فتصبح كوطنه ، من قولهم فى العربية عدن المكان أى توطّن فيه. وقيل : جنات عدن هى قصبة الجنة ، أى أحسن ما فيها ، كالمدينة تكون قصبة للقرى. وقيل : هى بطنان الجنة ،

٤١٥

أى وسطها. وقيل : هى قصور من ذهب ، لا يدخلها إلا نبىّ ، أو صدّيق ، أو شهيد ، أو حكم عدل. وقيل : عدن أعلى درجة فى الجنة ، وفيها عين التسنيم ، والجنان حولها محفوفة بها ، ينزلها الأنبياء ، والصدّيقون ، والشهداء ، والصالحون ، ومن يشاء الله. وبالاختصار فإن جنة عدن ، «مدينة الله» ، وهى «الطوبى» أو «اليوتوبيا الربّانية» ، فهى أصل الخير ومنبته. ومدينة عدن أو عدن فى اليمن على ذلك المعنى ، فهى مدينة الخير ، ويقولون أنها مدينة الذهب ، والذهب أنزله الله من السماء ، مثله مثل المعادن الأخرى ، وتكوّن بالانفجارات النووية فى النجوم العماليق. ومثلما أن الأرض هى كوكب الحديد حيث لب الأرض تصل نسبة الحديد فيه إلى ٩٠ فى المائة ، فإن جنة عدن هى كوكب الذهب. وفى القرآن : (الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ) (٣٥) (فاطر) ، فأطلق عليها اسم «دار المقامة» ، ويحرّفها البعض إلى «جنات الإقامة» ، وهى كما يأتى عنها فى القرآن : (خالِدِينَ فِيها) (٧٦)؟ (طه). والأحاديث فى نعيم أهل هذه الجنان لا تحصى ، وأكثرها تناول النعيم المادى ، وفى الجانب النفسى يصف القرآن أهل هذه الجنات بأن الحزن قد ذهب عنهم (فاطر ٣٤) ، والحزن هو الوحشة والخوف والحذر ، وأنهم ما عادوا يعانون نصبا ولا لغوبا (فاطر ٣٥) ، والنصب : هو تعب الأبدان فى العبادات والسعى لتحصيل الأرزاق ؛ واللغوب : هو التعب النفسى الروحى ، وفى الحديث : «ليس على أهل لا إله إلا الله له وحشة فى الموت ، ولا فى القبور ، ولا فى النشور ، وكأنى أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رءوسهم من التراب ، يقولون : الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربّنا لغفور شكور». ولهذه الجنات أبواب (ص ٥٠) ، وفى الأحاديث أنها ثمانية أبواب ، وهى مفتّحة للمتّقين ، فهؤلاء روادها ، وهى لذلك (دارُ الْمُتَّقِينَ) (٣٠) (النحل) ، وأوصافهم فيها أنهم محلّون بأساور من ذهب ولؤلؤ ، ويلبسون الثياب الخضر من السندس والإستبرق والحرير ، ويتكئون على فرش ، يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب ، وعندهم قاصرات الطرف أتراب (ص ٥١) ، والكهف ٣١ ، وفاطر ٣٣) ، والأنهار تجرى من تحتهم ، ومساكنهم فيها طيبة ، ويزيدهم منها ما يشاءون (ص ١٢ / ١٣) ، وفى الحديث : «إن فى الجنة لغرفا ترى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها». وفى توصيف المتّقين أصحاب هذه الجنات : أنهم يوفون بعهد الله ، ولا ينقضون الميثاق ، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل ، ويخشون ربّهم ، ويخافون سوء العذاب ، ويصبرون ابتغاء وجه الله ، ويقيمون الصلاة ، وينفقون مما رزقهم سرّا وعلانية ، ويدرءون بالحسنة السيئة ، فأولئك لهم عقبى الدار ، يعنى عاقبة الآخرة ، وهى الجنة بدل النار ، إذ الدار غدا داران : الجنة للمؤمنين ، والنار للكافرين (الرعد ٢١ / ٢٥) ، وهؤلاء

٤١٦

«الطيبون» إذن هم الذين يدخلون جنات عدن ، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، تحيّيهم الملائكة من كل باب ، يقولون لهم قبل الدخول : (سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٣٢) (النحل) ، ويقولون لهم بعد الدخول : (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (٢٤) (الرعد).

والمستشرقون على القول بأن جنة عدن أخذها محمد من التوراة ، من سفر التكوين ، الفصل الثانى ، العبارة ٨ ، ولا أجد مناسبة إطلاقا بين ما فى التوراة عن هذه الجنة وما فى القرآن ، فجنة التوراة بمعنى «بستان» ، جعله الله لآدم فى الدنيا ، وعلى الأرض ، ليزرع فيه ويأكل من زرعه ، وأنبت له من كل الثمرات ، ويخرج منه نهر يسقيه ويتشعب إلى أربعة أنهر ، أحدها فى الحويلة ، والآخر فى الحبشة ، والثالث فى آشور ، والرابع هو الفرات!!!

والكلام ـ كما ترى ـ غير علمى ، ويتصادم بشدة مع حقائق الجغرافيا ، وكما ترى فإن جنة أو بستان عدن ـ كما يجيء فى التوراة ـ هى جنة واحدة ، يعنى بضعة قراريط من الأرض بوسع آدم وزوجته أن يفلحها وتكفيه لطعامهما! وأما جنات عدن فى القرآن فهى بصيغة الجمع فى الإحدى عشرة مرة التى أتت فيها فى مختلف سوره ، ومكانها الآخرة ، وأما مفسرو التوراة ، فلمّا صدّقوا أن جنة عدن فى الأرض ، ذهبوا كل مذهب يبحثون أين كانت وفى أى مكان ، قالوا : إنها كانت فى تركيا ، لأن الفرات والدجلة ينبعان منها ؛ وقال غيرهم : كانت فى جنوب العراق حيث يتفرّع الفرات والدجلة ويصبان فى شط العرب ؛ وقيل : إن سهل بابل كان قديما يسمى عدنو ، والحويلة جزء من الجزيرة العربية يجاور العراق ، فمن المحتمل أن جنة عدن هى عدنو هذه. وسبب تكهنات اليهود حول الاسم عدم اعتقادهم بوجود زمان ومكان خارج التاريخ ، وما قاله هايدجر فى ذلك هو بتأثير الثقافة اليهودية فيه ، وما أخذه عنه الدكتور عبد الرحمن بدوى هو ذلك الجانب من اليهودية المتعلق بنفى الآخرة زمانا ومكانا ، وفى كتابه «الزمان الوجودى» يشرح ذلك بإسهاب ، فهو ابن الثقافة اليهودية بلا منازع ، وكذلك معلمه هايدجر الألمانى! والمسلمون على الاعتقاد بوجود زمان ومكان خارج هذا الزمان وهذا المكان ، واصطلحوا عليه باسم الآخرة ، والجنة والنار ، ولذلك قالوا بأن جنّات عدن هى دار المقام بالآخرة ، وأما اليهود فقالوا إن عدن معناها البهجة والسرور ، وجنة عدن هى حديقة الله لآدم على الأرض ، فانظر إلى مقصد اليهود والمسلمين من تفسير كلمة عدن ، والتفسير العربى هو المنطقى ، لأن المعادن والمعدن وفعل عدن كلها مشتقة من الإقامة ولا تشتق من السرور. وما كانت جنة عدن العبرية دار سرور وبهجة ، بل كانت دار نحس ورزء ، لأن فيها عصى الله آدم فكان ما كان ، وفى القرآن أن

٤١٧

آدم لمّا غوى وعصى أمر أن يهبط ومن معه إلى الأرض ، والهبوط نزول من الأعلى إلى الأسفل ، يعنى أنها فى السماء وليست فى الأرض كقول اليهود. وكما ترى : هناك اختلاف شديد بين مصطلح عدن العربى والمصطلح العبرى ، وهو اختلاف لغوى ، وإيتيميلوچى ، وإيديولوجى ، وفلسفى ، وغائى ، فكيف يقال إن محمد سرق الاسم من التوراة؟! وإنى لأحسب أننا بإزاء الملّة اليهودية كأننا إزاء بناء متواضع ، بسيط كل البساطة ، وفقير كل الفقر ، بالمقارنة بصرح الإسلام ، الغنى فى دلالاته ، والثرى فى معانيه. ولله الحمد والمنة.

* * *

١٣١٧ ـ جنات الفردوس

هى جنات وليست جنة واحدة ، كقوله تعالى : (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ) (آل عمران ١٥). وقوله : (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) (٨) (لقمان) ، وقوله : (فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى) (السجدة ١٩) والجنة درجات ، أعلاها جميعا جنّات الفردوس ، فهى الأفضل والأرفع والأعلى ، وهى سرّة الجنان ، وليس فيها ما هو أعلى منها ولا أزكى ، وأهلها من شروطهم أنهم : الحافظون على صلواتهم وفروجهم ، والخاشعون كلما كانوا فى صلاة ، والمعرضون عن اللغو ، والفاعلون للزكاة ، والمراعون لأماناتهم وعهودهم ، فأولئك هم ورثة هذه الجنات. وقيل الفردوس فارسية أو رومية أو حبشية وعرّبت ، فإن كان الأمر كذلك فالأغلب أنها توافق بين اللغات ، وجمعها فرادس ، والصحيح أنها عربية ، وكان العرب يطلقون على الكروم اسم الفراديس ، وعلى الكرم اسم الفردوس ، وفى اليمامة مكان يدعى هكذا ، وأيضا فى الشام. وفى الشعر عند أمية بن الصلت (المتوفى ٥ ه‍) :

كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة

فيها الفراديس والفومان والبصل

وأمية جاهلى ، واستخدامه لكلمة فراديس فى الجمع يجزم بشيوع الكلمة. وفى الحديث عند مسلم : «فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ، ومنه تفجّر أنهار الجنة» وقيل : الفردوس جبل الجنة الذى تنفجر منه أنهار الجنة.

* * *

١٣١٨ ـ جنة المتقين

المتّقون وعدو الجنة ، فما هى هذه الجنة؟ وما شكلها؟ وما أوصافها؟ وما ذا يميزها عن الدنيا ، وعن النار؟ يضرب الله لها مثلا فى الآية : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ)

٤١٨

(١٥) (محمد) ، يضرب الله للجنة مثلا يرسم لها به صورة تقريبية يمكن أن تعبّر عنه لغة الناس من خبراتهم مما يشاهدونه فى الدنيا ، وبوسعهم أن يتصوروه مقارنا بما فى الجنة ، ففي الجنة ثلاثة أشياء يوجد مثلها فى الدنيا وتعد من نعمها ، هى : الماء والخمر ، والعسل ، ولكن شتّان بين نعم الدنيا ونعم الجنة ، فماء الجنة غير آسن : أى غير متغيّر الرائحة ، والآسن من الماء مثل الآجن ، ويقال للماء تتغير رائحته أسن ؛ وأنهار الجنة من اللبن لا يتغير طعم لبنها : أى لا يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا ؛ وبها أنهار من الخمر ، بها لذة للشاربين : أى لم تدنسها الأيدى كخمر الدنيا ، فهى لذيذة الطعم ، طيبة الشرب ، لا ينكرها الشاربون ، كقوله تعالى : (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) (٤٧) (الصافات) ، فنفى الله عزوجل عن خمر الجنة الآفات التى تلحق فى الدنيا من خمرها ، من الصداع والسكر ؛ وبالأنهار من العسل المصفّى : والعسل هو ما يسيل من لعاب النحل ، ومصفّى ليس به شمع ولا قذى ، ولم يطبخ على نار ، ولا دنّسه النحل ، ولم يخرج من بطونها ، وقوله تعالى : (كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ) : يعنى : أفمن يخلد فى هذا النعيم كمن يخلد فى النار؟ ومثل أهل الجنة فى النعيم المقيم كمثل أهل النار فى العذاب المقيم ؛ فلمّا وعد المتقين بأنهار الماء غير الآسن واللبن والخمر ، وقارن ذلك بشراب أهل النار ، قال : (وَسُقُوا ماءً حَمِيماً) : أى حارا شديدا يقطع الأمعاء.

* * *

١٣١٩ ـ أصحاب الجنة

الصحبة : هى الاقتران بالشىء فى حالة ما ، فإن كانت الملازمة والخلطة فهى كمال الصحبة. وهكذا فى صحبة أصحاب الجنة ، وأصحاب النار. وأصحاب الجنة : هم أهلها المستحقون لنعيمها ، ويطلق أيضا اسم أصحاب الجنة على الملائكة المشرفون عليها وعلى سكانها من الحور والولدان وغيرهم.

وأصحاب الجنة من المؤمنين هم : (١) : عباد الله المخلصون (الصافات) ، (٢) : الذين آمنوا وعملوا الصالحات (البقرة ٢٥) ؛ (٣) : والذين ينفقون فى السرّاء والضرّاء ، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس (آل عمران ١٣٤) ؛ (٤) : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون (آل عمران ١٣٥) ؛ (٥) : والذين يتّقون ربّهم (آل عمران ١٩٨) ؛ (٦) : والمطيعون لله ورسوله (النساء ١٣) ؛ (٧) : والصادقون (المائدة ١١٩) ؛ (٨) : والذين يعون كلام الله ويذكرونه (الأنعام ١٢٦) ؛ (٩) : والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم

٤١٩

وأنفسهم (التوبة ٢٠) ؛ (١٠) : والذين يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون (التوبة ١١١) ؛ (١١) : والذين أحسنوا (يونس ٢٦) ؛ (١٢) : والذين أخبتوا إلى ربّهم (يونس ٢٣) ؛ (١٣) : وأولوا الألباب (الرعد ١٩) ؛ (١٤) : الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (الرعد ٢٠) ؛ (١٥) : والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب (الرعد ٢١) ؛ (١٦) : والذين صبروا ابتغاء وجه ربّهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقهم الله سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة (الرعد ٢٢) ؛ (١٧) : يدخلونها ومن صلح من آبائهم وآباء المؤمنين وأزواجهم وذرياتهم من الصالحين (الرعد ٢٣) ؛ (١٨) : والذين تتوفاهم الملائكة طيبين (النحل ٣٢) ؛ (١٩) : والذين تابوا وآمنوا وعملوا صالحا (مريم ٦٠) ؛ (٢٠) : والذين يتزكّون (طه ٧٦) ؛ (٢١) : والذين صبروا وعلى ربّهم يتوكلون (العنكبوت ٥٩) ؛ (٢٢) : والذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا (فصلت ٣٠) ؛ (٢٣) : والذين آمنوا وكانوا مسلمين (الزخرف ٦٩) ؛ (٢٤) : وكل أواب حفيظ (ق ٣٢) ؛ (٢٥) : ومن يخشى الرحمن بالغيب ، وجاء بقلب منيب (ق ٣٣) ؛ (٢٦) : والذين كانوا قبل ذلك محسنين وكانوا قليلا من الليل ما يهجعون ، وبالأسحار يستغفرون ، وفى أموالهم حق للسائل والمحروم (الذاريات ١٦ ـ ١٩) ؛ (٢٧) : وذرية الذين آمنوا واتبعتهم بإيمان (الطور ٢١) ؛ (٢٨) : والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان (التوبة ١٠) ؛ (٢٩) : والمقتصدون والسابقون بالخيرات (فاطر ٣٢) ؛ (٣٠) وأصحاب اليمين (الواقعة ٢٧) ؛ (٣١) : ومن يؤتى كتابه بيمينه (الحاقة ٩) ؛ (٣٢) : والمصلون ، الذين يصدّقون بيوم الدين ، ومن عذاب ربّهم مشفقون ، ولفروجهم حافظون ، ولأماناتهم وعهدهم راعون ، وبشهاداتهم قائمون (المعارج ٢٢ / ٣٤) ؛ (٣٣) : والأبرار الذين يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شرّه مستطيرا ، ويطعمون الطعام على حبهم مسكينا ويتيما وأسيرا (الإنسان ٥ / ١٠) ؛ (٤٣) : والذين يخافون مقام ربّهم وينهون النفس عن الهوى (النازعات ٤٠) ؛ فهؤلاء هم أصحاب الجنة ، طوبى لهم وحسن مآب (الرعد ٢٩) ؛ وطوبى هى الجنة ، والجنة هى حسن المآب وعقبى الدار.

* * *

١٣٢٠ ـ أحوال أصحاب الجنة

الأحوال : هى صفات الشيء وهيئاته وكيفياته ؛ وأحوال أصحاب الجنة : هى ما هم عليه من ظروف وطرق معيشة وحاجات ؛ والجنة هى يوتوبيا الدين ، واليوتوبيا فى اصطلاح أهل الحكمة هى المكان المثالى ، وعند حكماء اليهود هى مدينة الله ، غير أن اليهود يجعلون

٤٢٠

فى أورشليم ، فعندئذ يكون الله فى بيته بعد شتات دام مئات السنين ، وحينئذ يعتدل الميزان ، ويسود السلام والخير وتكون الأرض الجنة الموعودة. وعند النصارى الجنة فى السماء ، لأن عيسى عرشه فيها ، ويحكم الكون منها ، والمؤمنون حول المسيح ومعه أرواحا ، والجنة فيها من الطيبات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، وهم فيها أزواج ، وتلحقهم ذرياتهم بإحسان. وفى القرآن أن الجنة جنّات بحسب الأعمال ومراتب المؤمنين والمؤمنات ، وهم فيها خالدون (البقرة ٨٢) ، لا يذوقون فيها الموت ووقاهم عذاب الجحيم (الدخان ٥٦) ، وفيها أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفّى ، ولهم فيها من كل الثمرات (محمد ١٥) ، ولهم ما يشاءون عند ربّهم (الشورى ٢٢) ، يدخلونها هم وأزواجهم (الزخرف ٧٠) ، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم (غافر ٨) ، يساقون إليها زمرا ، فتفتح لهم الأبواب ، ويقول لهم خزنتها : سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ، فيحمدون الله أن صدقهم وعده (الزمر ٧٣ / ٧٤) ، وهداهم لهذا ، وما كانوا ليهتدوا لو لا أن هداهم ، وينادى عليهم الملائكة : أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون. وينادى أصحاب الجنة على أصحاب النار : قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقا ، فهل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقا؟ وينادى على أصحاب الجنة رجال على الأعراف : سلام عليكم (الأعراف ٤٣ / ٤٦) ، رضى الله عن أصحاب الجنة ورضوا عنه (المائدة ١١٩) ، ويبوءون الغرف تجرى من تحتها الأنهار (العنكبوت ٥٨) ، والمساكن الطيبة (التوبة ٧٢) ، لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ، ولهم رزقهم بكرة وعشيا (مريم ٦٢) ، ولنعم دار المتقين (النحل ٣٠ / ٣١) ، وما هم منها بمخرجين ، ونزع ما فى صدورهم من غل فهم إخوان على السرر متقابلين (الحجر ٤٧ / ٤٨) ، يتّكئون وأزواجهم على الأرائك ، يفكهون فى شغلهم ، ويحمدون على ما هم فيه ، ويسبّحون (يس ٥٥) ، لا يرهق وجوههم القتر ولا الذلّة (يونس ٢٦) ، ولهم الخيرات (التوبة ٨٨) ، والأكل والظلال (الرعد ٣٥) ، والزوجات المطهّرة (النساء ٧٥) ، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (الرعد ١٣) ، ويطاف عليهم بكأس من معين ، بيضاء لذة للشاربين ، لا غول فيها ، ولا هم ينزفون ، وعندهم قاصرات الطرف عين ، كأنهن بيض مكنون (الصافات ٤٥ / ٤٩) ، وقاصرات الطرف أتراب (ص ٥٢) ، يحبرون فى الروضات (الروم ١٥) ، وزوّجوا بحور عين (الدخان ٥٤) ، يحمدون الله أن أذهب عنهم الحزن ، وأحلّهم دار المقامة من فضله ، لا يمسّهم فيها نصب ولا لغوب (فاطر ٣٤ / ٣٥) ، فإذا اطّلعوا على قرنائهم فى النار ، هالهم ما هم عليه فيهتفون : كادوا ليردوننا ، لو لا نعمة الله لكنا من المحضرين ،

٤٢١

إن هذا لهو الفوز العظيم (الصافات ٥٥ / ٦٢) ، وإنه لفوز عظيم أن تكون لهم الجنات والنعيم (الطور ١٧) ، والعيون الجارية (الرحمن ٤٦) ، والنضّاخة (الرحمن ٦٦) ، والفواكه الكثيرة ، لا مقطوعة ولا ممنوعة (الواقعة ٣٢ ، ٣٣) ، قطوفها دانية (الحاقة ٢٣) ، يتخيّرون منها (الواقعة ٢٦) ، ولحم طير مما يشتهون (الواقعة ٢١) ، ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ، يقولون ربّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا (التحريم ٨) ، وتطمئن نفوسهم (الفجر ٢٧) ، ويعيشون فى النعيم (المطففين ٢٢) ، وتبدو عليهم النعمة (الغاشية ٨) وفى وجوههم النضرة (المطففين ٢٤) ، يسقون من رحيق مختوم ، ختامه مسك ، ومزاجه من تسنيم (المطففين ٢٥ / ٢٧) ، ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب قواريرا ، ويسقون كئوسا مزاجها زنجبيل ، من عين تسمى سلسبيل ، وثيابهم سندس خضر ، وحلّوا الأساور من فضة (الإنسان ١٥ ، ٢١) ، وخصّوا المتقون بالكواعب الأتراب ، والكأس الدهاق (النبأ ٣٣ / ٣٤) ، وأصحاب اليمين لهم السدر المخضود ، والطلح المنضود ، والظل الممدود ، والماء المسكوب ، والفاكهة الكثيرة ، والأبكار العرب الأتراب (الواقعة ٢٧ / ٣٧) ، وللمقرّبين الرّوح والرّيحان ، يتكئون على السرر الموضونة ، ويطوف عليهم ولدان مخلّدون ، بأكواب وأباريق وكأس من معين ، لا يصدعون عنها ولا ينزفون (الواقعة ١١ / ١٩).

فهذه بعض المشاهد التى يحياها أصحاب الجنة ، ينتقدها المستشرقون ، باعتبارها ملذات غارقة فى الماديات ، وجوابنا على ما يروّجون : أن الجنة بما هى كذلك «مجتمع وفرة» لا فقر فيها ولا حاجة ، ولا عوز ، ولا أمراض ، ولا إحن ، ولا خلافات سياسية أو اقتصادية ، وهى الأشياء المتولدة عن مجتمعات النّدرة. والقرآن ينفى أن تتحقق على الأرض مجتمعات الوفرة ، إلا للمستقويين ، بعدوان الأقوياء على المستضعفين ، والاستئثار بخيرات الأرض ، دون أصحابها كما فى أمريكا والدول الغنية ، وحتى فى تلك المجتمعات هناك المظالم الاجتماعية ، والتفاوت فى الدخول ، وصراع الطبقات ، وانتشار الأمراض ، وغلبة الأمية ، حتى أن المجتمع الأمريكى وهو مجتمع يصفونه بالرفاهية ، تبلغ نسبة الأمية فيه ١٨ خ ، ولا يمثل خريجو الجامعات إلا ٣٦ خ من الشباب الأمريكى ، وتبلغ نسبة عدد الفقراء إلى عدد السكان ٥٨ خ ، وليست صورة الجنة كما يصفها القرآن من نوع الأمانى لتخدير الفقراء وصرف الشعوب الفقيرة عن أن تطالب بحقوقها ، فلم يوجد كتاب كالقرآن يطالب بحقوق الفقراء ويسن التشريعات لضمان صيانتها ، وما كانت الدعوة إلى الإسلام إلا بين الفقراء أصلا ، وما تعتنق الشعوب الإسلام إلا بسبب مطالباته من أجل الشعوب والطبقات المضطهدة ، ومن أجل ذلك كانت الاستراتيجية الجديدة لحلف الأطلنطى هى ضرب

٤٢٢

الإسلام ، لأنه ضد الإمبرالية والاستعمار والعولمة ، وضد الثقافة الواحدة ، وحكومة الصفوة ، والاستعلاء العنصرى ، ومع الاشتراكية التعاونية أو التكافلية ، وعالمية الإقرار بالله ، وتعدد الثقافات ، والحكومة النيابية ، والحوار ، والشورى ، والمرجعية الدينية. والقرآن يدعو إلى الجهاد لدفع الظلم عن الناس والشعوب ، ولا يعد بقيام حكومة أرضية مثالية ، فالمدينة أو المجتمع المثالى لن يتحقق إلا فى الجنة ، وإنما الدنيا دار اختبار وابتلاء ، كى يعرف فيها الصالح والطالح ، والذى يعمل بجدارة ليستحق أن يكون مواطن الجنة ، والذى يعمل بحقارة ليكون من حصب النار ، والأولون هم أصحاب الجنة ، والآخرون هم أصحاب النار.

* * *

١٣٢١ ـ أصحاب الجنة المنعمون

فى الحديث فى تفسير الآية : (أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً) (الفرقان ٢٤) قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله تعالى يفرغ من حساب الخلق فى مقدار نصف يوم ، فيقيل أهل الجنة فى الجنة ، وأهل النار فى النار» ، والمعنى أنه لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء فى الجنة ، وهؤلاء فى النار ، والمقيل : موضع القيلولة ، من قال يقيل قيلا أى نام فى القائلة ، أى منتصف النهار ، وأصحاب الجنة مستقرهم ومقيلهم هو الأحسن ، وأصحاب النار مستقرهم ومقيلهم هو الأسوأ.

* * *

١٣٢٢ ـ أطفال المشركين فى الجنة أم فى النار؟

فى الحديث عن ابن عباس : لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو متقاربا حتى يتكلموا أو ينظروا فى الأطفال والقدر. وقيل لابن المبارك : فهل يسكت المسلمون مخافة الغلط فلا يتكلمون فى أيهما؟ وهل يصمتون على الجهل؟ فسكت ، فقيل له فتأمر بالكلام؟ قيل : فسكت. ـ والقرآن على القول أن الأطفال ، إن ماتوا وكانوا من أولاد المسلمين أو أولاد غيرهم قبل أن يجرى عليهم القلم ، فهم فى الجنة ، لأنهم ماتوا ولا يعقلون الكفر أو الإيمان ، وكان موتهم على الفطرة ، أى قبل أن تكون لهم ملكة الفهم عن الدين ، والتمييز بين الحق والضلال. والإيمان قول باللسان ، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، وهذا معدوم فى الأطفال ، ولا يجهل ذلك ذو عقل. وفى الحديث : «كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسّون فيها من

٤٢٣

جدعاء»؟ وذكره للأبوين لأنهما مثال للعوارض التى هى كثيرة ، وتعترض الفطرة السليمة فى الطفل ، والله خلق الخلق مؤهلين لقبول الحق ، كخلقه للأعين والأسماع قابلة للمرئيات والمسموعات ، فما دامت باقية على ذلك القبول ، وعلى تلك الأهلية ، أدركت الحق. وفى الحديث : أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليما من الآفات ، فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقى كاملا بريئا من العيوب ، لكن الأبوين والمجتمع يتصرفان فيه فيجدعان فطرته ، كجدع الأذنين عند البهيمة ، ويوسم اعتقاده فيكون يهوديا أو نصرانيا إلخ. ولما أخرج الله ذرية آدم من صلبه فى صورة الذرّ ، أقرّوا له بالربوبية ، كقوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا) (الأعراف ١٧٢) ، فلما شهدوا أعادهم فى صلب آدم بعد إقرارهم أنه الله لا إله غيره ، فمن مات صغيرا مات على هذا الميثاق الذى أخذ عليه فى صلب آدم. وهذا أصحّ ما يذهب إليه القرآن فى شأن الأطفال ، سواء أكانوا أولاد مسلمين أو نصارى أو مشركين أو مجوس ؛ وإن ماتوا كبارا فالقول فيهم قوله تعالى : (إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٦) (الطور) ، وقوله : (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر ٣٨) ، وقوله : (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الأنعام ١٦٤). وأما الأطفال فما ذا عملوا ليحاسبوا عليه؟ فلا يعقل أن يؤخذوا بجريرة آبائهم!

* * *

١٣٢٣ ـ النار وأوصافها

النار جوهر لطيف مضىء محرق ؛ والكلمة مؤنّثة وقد تذكّر ، وتصغيرها نويرة. والنار هى ما نعرفه ، نقول : «أوقد نار الحرب» أى أوجد شرّها ؛ و «نار التهويل» : كانت للعرب يوقدونها فى الجاهلية عند التحالف ، ويجعلونها عظيمة للتهويل وتأكيد خطورة حلفهم ؛ «ونار القرى» : هى التى يوقدونها التماسا للقرى ، وهو أن تأتيهم الضيفان ؛ و «نار الإنذار» : يوقدونها فى الحرب ينذرون بها قبائلهم ؛ و «نار الاستكثار» : يريدون بها أن يظهروا بمظهر الكثرة العددية فيكثروا من النيران كأنها بعدد ما لديهم من كتائب. والنار التى نعرف هى «النار الدنيوية» ، لقوله تعالى : (حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) (آل عمران ١٨٣) ، : وقوله : (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ) (المائدة ٦٤) ، وقوله : (قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً) (الكهف ٩٦) ؛ وقوله : (إِذْ رَأى ناراً) (طه ٩) ؛ وقوله : (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ) (النور ٣٥) ؛ وقوله : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً) (يس ٨٠) ؛ وقوله : (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) (الواقعة ٧١) ؛ وأما النار فى الاصطلاح فالمراد بها نار الآخرة ؛ «وهى النار الكبرى» فى الآية : (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى) (الأعلى ١٢) : وهى أفظع دركة من أدراك

٤٢٤

النار ، ويقال لها : (الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ) (النساء ١٤٥). وقيل : النار دركات سبع ، أى طبقات ومنازل ، إلا أننا نقول درك لكل ما تسافل كالبئر والنار ، والمنافقون مثلا فى «الدرك الأسفل من جهنم» ، وهى «الهاوية» ، لغلظ كفرهم وكثرة عوائلهم ، وتمكّنهم من أذى المسلمين. وأعلى الدركات «جهنم» ، ثم «لظى» ثم «الحطمة» ، ثم «السعير» ، ثم «سقر» ، ثم «الجحيم» ، ثم «الهاوية». و «النار الكبرى» : هى نار جهنم ؛ و «النار الصغرى» هى نار الدنيا. ومعنى أن النار أطباق ، أن أهل الشقاء متفاوتون فى شقائهم ، وفى الآية : (فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى) (١٥) (الليل) هى : أن النار التى هى اللّظى : للأشقى ، كما فى الحديث : «وجدته فى غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح» ، أى إلى فسحة ؛ «وغمرات النار» هى اللّظى ؛. ؛ وإذا قلنا إن النار درجات فإن الدرجة هى الرتبة ، ومنها الدّرج ، لأنها تطوى رتبة بعد رتبة ، والأشهر أن النار منازل أو دركات ، بينما الجنة درجات ؛ والدرك إلى أسفل ، والدرج إلى أعلى. ويقال للنار الكبرى أنها «الغاشية» ، كقوله : (وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) (إبراهيم ٥٠) ، أى تغشى وجوه الكفار ، يعنى تغطّيها ، أو أن أهل النار يغشونها ، أى يقتحمون فيها. وتطلق على النار أسماء بحسب شدّتها : «فالسعير» فى قوله تعالى : (وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً) (الفرقان ١١) : هى جهنم تتلظى على المكذّبين ، وأصل «السعير» لهب النار ، والجمع سعر ، كقوله : (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) (القمر ٤٧) ؛ وقوله : (عَذابَ السَّعِيرِ) (الملك ٥) أى أشدّ الحريق ؛ ويقال «سعّرت النار» فهى مسعورة وسعير ، مثل مقتولة وقتيل ؛ و (لِأَصْحابِ السَّعِيرِ) (الملك ١١) هم أهل النار. والجحيم كل نار فى مهواة تتأجّج ، والجمع جحم. «وأصحاب الجحيم» هم أهلها ، «وخزنة النار» هم الملائكة المكلّفون بها ؛ وسرادق النار فى قوله تعالى : (ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها) (الكهف ٢٩) هو دخانها يشيع وينتشر كالظل ، كقوله : (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) ، (الواقعة ٤٣). وفى الحديث : «لسرادق النار أربع جدر كثف (جمع كثيف) ، كل جدار مسيرة أربعين سنة» ، والعدد أربعين للتضخيم والتهويل وليس عن واقع. «والنار الحامية» فى قوله : (ناراً حامِيَةً) (الغاشية ٤) هى شديدة الحر ، وقيل : فما معنى وصفها بأنها حامية وهى أصلا كذلك؟ قيل للتنبيه إلى أنها دائما حامية وليست كنار الدنيا التى قد تخبو وتنطفئ ، أو للتنبيه إلى أنها لا تلمس أبدا فهى دائما حامية ، أو للتنبيه إلى شدّة غيظها وغضبها ، مبالغة فى شدة الانتقام كقوله : (تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) (الملك ٨) ؛ «والنار ذات اللهب» فى قوله : (ناراً ذاتَ لَهَبٍ) (المسد ٣) : هى التى تخرج منها ألسنة اللهب من شدة اشتعالها ؛ «والنار ذات اللظى» : فى قوله : (ناراً تَلَظَّى) (الليل ١٤) أى المتوقدة ، كقوله : (نارُ اللهِ

٤٢٥

الْمُوقَدَةُ) (الهمزة ٦) ، سمّاها «نار الله» لأنها «نار الآخرة» وليست «نار الدنيا». و «النار المؤصدة» (البلد ٢٠) : هى النار التى لا فكاك منها ، وتوصد عليهم وتنغلق ؛ و (النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ) (البروج ٥) : هى النار المضرمة ؛ وقوله فى النار : (مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ) (الحديد ١٥) ، أى أنها السكن الذى لا بديل له ، مثل قوله : (فَالنَّارُ مَثْوىً) (فصلت ٢٤) «والنار المولى» أى المتحكمة ؛ و (شُواظٌ مِنْ نارٍ) (الرحمن ٣٥) : هى لهبها ؛ و (مارِجٍ مِنْ نارٍ) (١٥) (الرحمن ١٥) : هو اللهب الخالص الذى لا دخان فيه أو المختلط بسواد النار ؛ وفتنة النار فى قوله : (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) (الذاريات ١٣) : هى الحرق بها للاختبار ، من قولهم فتنت الذهب ، أى أحرقته لنختبره ، والفتنة هى الاختبار ؛ و (ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ) (الزمر ١٦) : هى السنة النار ، وسماها ظلل لأنها تحيط بها كالظلّة ، وتشملهم من فوقهم ومن تحتهم ، مثل قوله : (يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (العنكبوت ٥٥) ، وقوله : (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) (الأعراف ٤١). «وأئمة النار» فى قوله : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) (القصص ٤١) هم زعماء الكفر أو الباطل والضلال يدعون إليه الناس فيتسببون فى دخولهم النار ، وهم الأئمة يعنى الزعماء الداعون ؛ «والنار اللافحة» (المؤمنون ١٠٤) أى المحرقة ؛ «وثياب النار» (الحج ١٩) : شبّهت النار بالثياب لأنها لباس لهم كالثياب ؛ «والنار الباردة السالمة» (الأنبياء ٦٩) هى النار التى حرّقوا بها إبراهيم ، وجعل الله فيها بردا يزيل حرّها فصارت سلاما عليه ؛ و «قبس النار» (طه ١٠) : شعلة منها ، يقال قبست منه نارا ، وأعطانى منه قبسا ؛ و «نار السموم» (الحجر ٢٧) : هى النار التى خلق الله منها الجان ؛ وقيل : هى نار لا دخان لها. وفى الحديث عن عائشة : «خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم». وأصل السموم : الريح الحارة ؛ والسموم بالنهار ، والحرور بالليل ، وقد تكون بالنهار. «وزفير وشهيق النار» (هود ١٠٦) هو زفير وشهيق أهل النار ، والزفير إخراج النفس ، والشهيق ردّ النفس ، وفى حالة أهل النار الزفير من شدة الأنين ، والشهيق من الأنين المرتفع. و «حفر النار» (آل عمران ١٠٣) هى النّقر والأخاديد المتسبّبة فيها النار. و «وقود النار» (آل عمران ١٠) : هو حطب النار ، والناس والحجارة من وقودها (البقرة ٢٤). و «عذاب النار» : هو عذاب الحريق (آل عمران ١٨١) ، وهو العذاب العظيم (البقرة ٧) ، والعذاب المهين (البقرة ٩٠) ، والعذاب الأليم (البقرة ١٧٦) ، والعذاب المقيم (المائدة ٤١). وقوله : «كلما نضجت ، جلودهم» أى احترقت ، بدلهم جلودا غيرها (النساء ٥٦). و «المسرفون من أهل النار» لهم العذاب ضعفان (الأحزاب ٦٨). وفى الحديث «كل مؤذ فى النار» ؛ وقيل : إن الجنة والنار احتجّتا ، فقالت النار : يدخلنى الجبّارون والمتكبّرون ؛ وقالت الجنة : يدخلنى الضعفاء والمساكين!

* * *

٤٢٦

١٣٢٤ ـ أصحاب النار

أصحاب النار هم أهلها ، وأيضا هم خزنتها : أى الملائكة المشرفون عليها ، وأكثر استخدام أصحاب النار بمعنى أهل النار ، ويأتى عنهم تسع عشرة مرة ، وهم الذين كذّبوا بآيات الله (البقرة ٣٩) ، ومن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته (البقرة ٨١) ، والمرتد عن دينه (البقرة ٢١٧) ، والمرابون (البقرة ٢٧٥) ، والطاغون (المائدة ٢٩) ، والمستكبرون (الأعراف ٣٦) ، والذين كسبوا السيئات (يونس ٢٦) ، والمنكرون للبعث (الرعد ٥) ، والمشركون الذين جعلوا لله أندادا الزمر ٨) ، والمسرفون (غافر ٤٣) ، والذين يتولون غير المؤمنين ، ويحلفون على الكذب ويتخذون أيمانهم جنة (المجادلة ١٧) ، وهم من بعد ميثاقه يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، ويفسدون فى الأرض ، أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (الرعد ٢٥ ـ ٢٦).

* * *

١٣٢٥ ـ الرّد على الجهمية بشأن الجنة والنار

الجهمية كانوا جبرية خالصة ، وهم فرقة من الفرق الإسلامية ، أتباع جهم بن صفوان ، قالوا لا قدرة للعبد أصلا ، لا مؤثّرة ولا كاسبة ، بل هو بمنزلة الجمادات ، يعنى أنكروا الاختيار ، وأسقطوا المسئولية ، وقالوا الجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما ، فلا يبقى موجود سوى الله ، يعنى أن الوجود إلى الفناء والعدم ، فليس ثمة إلا الله. فأما عن المسئولية فالنظام الإسلامى ، بل وكل الأديان ، يقوم على المسئولية ، كقوله تعالى : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) (الإسراء ٣٦) ، وقوله : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) (الصافات ٢٤) ، وقوله : (وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل ٩٣) ، وقوله : (تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) (النحل ٥٦) ، وطالما هناك مسئولية فهناك اختيار وحرية ، وهو عكس ما يقول الجهمية. أما عن الجنة والنار فإنه تعالى يقول فى الجنة : (أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها) (الرعد ٣٥) يعنى لا ينقطع أبدا ، ويقول : (جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) (البيّنة ٨) ؛ ويقول فى النار : (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) (الجن ٢٣) ، ومعنى «الأبد» الأزل الدائم ، فالجنة والنار وجدتا لتظلا للأبد ، والجهمية كاذبون ومتخرّصون وأفّاكون!

* * *

١٣٢٦ ـ أصحاب النار تسعة عشر

أصحاب النار هم خزنتها ، وهم أيضا أهلها ، ومثل ذلك أصحاب الجحيم ، وأصحاب السعير ، والعدد تسعة عشر يأتى مرة واحدة ، إحصاء للملائكة الموكول بهم النار ، يقول

٤٢٧

تعالى : (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ) (٣١) (المدثر) ، فاستقل بعضهم العدد ، وذهب إلى أن عدد الملائكة أصحاب النار تسعة عشر ألف ملك ، فذلك معقول أكثر ، فكانت فتنة ، فكيف لا تحرقهم النار؟ غير أنهم فى الآية ملائكة وليسوا بشرا ، تأكيدا لاستحالة مغالبتهم ، واستحالة أن يتأثروا بالنار ، وأن تأخذهم بالمعذّبين رأفة ورحمة ، فالذى صدّق أنهم تسعة عشر فقط كان من المؤمنين ، وأهل الكتب لم يداخلهم الشك ، ربما لأنه لا يعنيهم العدد ، وأهل الجحد والمراء هم الكفّار. وقال البعض إن مسألة الملائكة أصحاب النار تسعة عشر إنما هى «مثل» ضربة الله وساقه تهويلا ، لأن الموت مكلف به ملك واحد ، فكيف إذا كان المكلّفون تسعة عشر ملكا! و «المثل» لاختبار الإيمان ، وتصنيف الناس حسب تصديقهم وإنكارهم ، والأمر لله من قبل ومن بعد ، فهو العارف بجنوده وكم يكون عددهم ، وما يحتاج سبحانه إلى أعداد ، والواقعة إنما تذكرة لهم ليعلموا أنه تعالى قادر قدرة مطلقة ، وأنه الذى يعين وينصر ، ولا يعان ولا ينصر ، وجنوده يأتمرون بأمره وهو خالقهم. والبهائية قدّسوا العدد تسعة عشر ، وقالوا أن السنة تسعة عشر شهرا ، والشهر تسعة عشر يوما إلخ. وقيل إن آية أصحاب النار التسعة عشر من المتشابه من القرآن ، ومتبعو المتشابه لا يخلو أن يتّبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك فى القرآن وإضلال العوام.

* * *

١٣٢٧ ـ حجرا محجورا قول الملائكة للمجرمين يوم القيامة

يوم القيامة يرى الناس جميعا الملائكة ، فيتلقون المؤمنين بالبشرى ، ولا بشرى للمجرمين ، كقوله : (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً) (الفرقان ٢٢) ، أى يقولون : «حراما حراما» ، يعنى الجنة حرام على المجرمين ، محرّمة عليهم. وصارت «حجرا محجورا» مثلا ، فإذا التقى الرجل من يخافه قال : «حجرا محجورا» ، أى حراما عليك التعرّض لى ، بمعنى حجرت عليك ، أو حجر الله عليك ، كقول القائل سقيا ، ورعيا. وقيل : قد يكون «الحجر» من قول المجرمين ، و «محجورا» من قول الملائكة ، فإذا التقى المجرمون بالملائكة يوم القيامة ، قال الأولون : «حجرا» ، يعنى نعوذ بالله منكم أن تبشّرونا بالنار ، فيردّ عليهم الملائكة : «محجورا» أى مستحيل أن تعاذوا من شرّ هذا اليوم ومن النار.

* * *

٤٢٨

١٣٢٨ ـ جهنم وخزنتها

يزعم المستشرقون أن اسم «جهنم» عبرى Ge ـ Hinnom ، وينطق Ghinnom ، ومعناه «وادى هنوم» ، وكأنما «جيهينوم» العبرية تساوى «جهنم» العربية ، وأن القرآن أخذ الكلمة من التوراة ، والصحيح أن الكلمة أرامية ، وكانت اسم الوادى الذى يمر إلى الجنوب والغرب من مدينة القدس ، ويستعمل كمقلب زبالة توقد فيها النار ؛ ولم يعرف الاسم كمرادف للجحيم إلا فى إنجيل لوقا عند النصارى ، الباب التاسع ، العبارات ٤٢ و ٤٤ و ٤٦ ؛ ويعرّف لوقا الجحيم : بأنها «النار الأبدية» ،. كذلك يأتى فى رسالة بطرس الثانية ، قوله : الذين أخطئوا أهبطهم إلى أسافل الجحيم (٢ / ٤) ، وهذا هو كل ما ورد عن الجحيم «فى التراث اللاهوتى اليهودى والنصرانى! فى حين أن القرآن وردت به اللفظة ٧٧ مرة فى ٧٧ آية ، وتعرّضت الآيات لأوصاف جهنم تفصيلا ، وأوصاف أصحاب جهنم وخزنتها ، فكيف يكون إذن أن القرآن استعار أو «سرق» الاسم من الكتب القديمة ، سواء اليهودية أو النصرانية؟! ولم يصف لنا أىّ من هذه الكتب القديمة «جهنم» ، فى حين أسهب القرآن فى وصفها ، ومن يعرف أكثر فهو الأصدق! وجهنم فى القرآن : بئس المصير (آل عمران ١٦١) ؛ وبئس المهاد (آل عمران ١٩٧) ؛ ومن يدخلها يخلد فيها (النساء ٩٣). وطريقها طريق أهل الكفر والظلم (النساء ١٦٩) ؛ وهى دار البوار (إبراهيم ٢٨) ؛ ولها سبعة أبواب ، لكل باب جزء مقسوم من الخطاة (الحجر ٤٤) ، وكلما تخبو تزاد سعيرا (الإسراء ٩٧) ؛ وفيها شجرة يقال لها الزقوم ، تخرج فى أصل الجحيم ، وطلعها كأنه رءوس الشياطين (الصافات ٦٢ ـ ٦٥) ، وهى طعام الأثيم ، كالمهل يغلى فى البطون (الدخان ٤٤ ـ ٤٥) ؛ وكلما ألقى فيها من المجرمين يسألها خزنتها : هل امتلأت؟ فتقول : هل من مزيد؟ (ق ٥٠) ؛ ويوضع المجرمون فى السلاسل ، طول الواحدة سبعون ذراعا ؛ واللّظى من دركاتها ؛ ومن صفاتها أنها نزّاعة للشوى ؛ وبها أنكال ، وطعام أهلها غصّة (المزمل ١٢ ـ ١٣) ، وأهلها يسقون من ماء صديد (إبراهيم ١٦) ، وظلها من ثلاث شعب ، لا ظليل ، ولا يغنى من اللهب ؛ وشررها كالقصر ، كالجمالات الصفر (المرسلات ٣٠ ـ ٣٣) ؛ ويوم القيامة تبرز للناس (النازعات ٣٦) ؛ ونارها الأشد حرّا (التوبة ٨١) ؛ وهى المهاد والمستقر والمأوى لأهل الكفر (آل عمران ١٦٢) ؛ وهى ملجأ كل خبيث (الأنفال ٣٧) ؛ وفى نارها يحمى على الأموال المكنوزة ، فتكوى بها جباه وجنوب الكانزين وظهورهم (التوبة ٣٥) ، والكىّ هو الصاق الحار من الحديد والنار بالجسم حتى يحترق الجسد ، وأشهر الكى وأشنعه فى جهنم ما كان فى الوجه ، وآلمه وأوجعه ما كان فى الظهر ، فلأنهم لم يطلبوا غير المال يكنزونه وتوجهوا إليه ، تشاه وجوههم ، ولأنهم

٤٢٩

أعرضوا عن الفقراء بجنوبهم كواها الله لهم ، ولأنهم أسندوا ظهورهم لأموالهم من دون الله ، أذاها بالكى ، وخصّ الوجه والجنب والظهر بالكى فى جهنم ، لأن الكانزين يشيحون بوجوههم للفقراء فاستحق الوجه الكى ، فإذا سألوهم مالوا عنهم ، وإذا زادوهم فى السؤال ولّوهم ظهورهم ، فرتّبت العقوبة فى جهنم بحسب المعصية ؛ وكلما خبت نارها زيدت سعيرا (الإسراء ٩٧) ؛ وعليها رصد (النبأ ٢١) ، لا يدخلها داخل إلا يجتاز عليه أولا ؛ وهى معدّة مترصّدة للكافرين ومن على شاكلتهم ، وهم حصب جهنم (الأنبياء ٩٨) ، أى حطبها ، وكل ما يعبدون من دون الله من وقودها ، (غافر ٧٦). ونار جهنم لا زمان لها ، كقوله : (لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً) (٢٥) (النبأ).

* * *

١٣٢٩ ـ أحوال أصحاب النار فى النار

أصحاب النار أو أهلها يخلدون فيها (البقرة ٣٩) ، ولهم عذاب مهين (النساء ١٤) ، يصلون نارا ، كلما نضجت جلودهم بدّلت غيرها ليذوقوا العذاب (النساء ٥٦) ، يلعنهم الله وعذابهم عظيم (النساء ٩٣) ، والمنافقون منهم فى الدرك الأسفل ليس لهم نصير (النساء ١٤٥) ، وإذا وقفوا على النار تمنوا لو يردون فلا يكذّبون بآيات الله (الأنعام ٢٧) ، كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ، ترهقهم ذلة (يونس ٢٧) ، حبط ما صنعوا فى الدنيا وكان باطلا (هود ١٦) ، يزفرون ويشهقون (هود ١٦) ويمشون مقرّنين فى الأصفاد ، سرابيلهم من قطران ، وتغشاهم النار (إبراهيم ٤٩ / ٥٠) ، يغاثون بماء كالمهل يشوى الوجوه (الكهف ٢٩) ، وتقطّع لهم ثياب من نار ، ويصبّ من فوق رءوسهم الحميم ، ويملئون به ، يصهر به ما فى بطونهم ، ولهم مقامع من حديد ، وكلما أرادوا أن يخرجوا من النار أعيدوا فيها ، وزادوهم عذاب الحريق (الحج ١٩ / ٢٢) ، وتلفحهم النار وهم فيها كالحون (المؤمنون ١٠٤) ، ويكبّون فيها (النمل ٩٠) ، ويغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم (العنكبوت ٥٥) ، ويذوقون من العذاب عذابين ، الأدنى دون الأكبر لعلهم يرجون (السجدة ٢٠ / ٢١) ، وكلما قلبت وجوههم قالوا يا ليتنا أطعنا الله والرسول ، وتعللوا بأنهم أطاعوا سادتهم وكبراءهم فأضلّوهم السبيل (الأحزاب ٦٦ / ٦٧) ، ويدعون عليهم (الأحزاب ٦٨) ، ويسحبون فى الحميم ، ويسجرون فى النار ، ويقال لهم أين شركاؤكم من دون الله؟ يقولون ضلّوا عنا! ويحشرون إلى النار فيوزعون ، ويشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ، فإذا سألوا جلودهم : لم شهدتم علينا؟ يجابون : أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء (فصلت ١٩ / ٢١) ، فيقال لهم : أذهبتم طيباتكم فى

٤٣٠

حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون (الأحقاف ٢٠) ، ويعرضون على النار ، يفتنون عليها (الذاريات ١٤) ، فيشهدون على أنفسهم ، فيقال لهم : ذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (الأحقاف ٣٤) ، فيسحبون على وجوههم (القمر ٤٨) ، وينصبون ويشقون ، وتخشع وجوههم ، ولا يجدون من طعام إلا الضريع (الغاشية ٢ / ٦) ، أولئك أصحاب النار ، أصحاب المشأمة (البلد ٢٠) وأصحاب الشمال (الواقعة ٤١) ، هم فى سموم وحميم ، فالحرارة من حولهم تحرقهم حتى المسام ، والماء المغلى هو شرابهم ، وليس لهم ظل يحتمون به إلا يحموم من الدخان كالسحاب الأسود ، لا هو بالبارد يرطّب أجسامهم ، ولا هو بالكريم ليست له عذابات وفظائع. وكانوا من قبل مترفين متنعّمين فى الدنيا ، فسبحان مغيّر الأحوال ، وما أرداهم إلا حنثهم العظيم ، فلقد أصرّوا على الكفر ، وأنكروا البعث ، وأن يلتقوا آباءهم الأولين فى يوم القيامة الذى أنكروه ، أو فى النار ، وإنهم لمجموعون بهم ، وآكلون من شجرة الزقوم ، لا ثمر فيها إلا ما يملأ البطن ولا يغنى من جوع ولا يسمن ، وهو نتن يزقم أو يزكم الأنوف ، وكلما أكلوا منه عطشوا فيشربون من الحميم لا يرتوون ، ويشربون شرب البهائم الهيم المصابة بداء العطش!

* * *

١٣٣٠ ـ أصحاب المشأمة وأصحاب الشمال

أصحاب المشأمة هم أحد ثلاثة صنوف ينقسم إليها الناس يوم القيامة ، هم : أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ، والسابقون ، كقوله تعالى : (وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) (الواقعة ٩) ، وقوله : (وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ) (الواقعة ٤١) : وهم الذين يؤخذ بهم جهة الشمال إلى النار ، ويقال المشأمة ، وكذلك الشأمة ، مثل قول القائل قعد فلان شأمة ؛ وشائم يا فلان بأصحابك ، أى خذ بهم ذات الشمال. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى ، وللجانب الشمال الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين اليمن ، ولما جاء عن الشمال الشؤم. وأما السابقون فهم المقرّبون فى جنات النعيم.

وأصحاب المشأمة أو أصحاب الشمال : هم أهل النار ، وهم أهل السيئات ، المترفون المنعّمون ، المستحلّون للحرام ، كانوا مشائيم على أنفسهم بالذنوب ؛ وهم أصحاب التأخر ، والعرب يقولون : اجعلنى فى يمينك ولا تجعلنى فى شمالك ـ أى اجعلنى من المتقدمين ولا تجعلنى من المتأخرين ، للتفظيع والتعجيب والتكثير من العقاب لهم ؛ وأصحاب المشأمة يتنفسون فى النار السموم تحرق مسامهم ، ويشربون الحميم يغلى فى أبدانهم ، وإذا طلبوا

٤٣١

الظل لم يجدوا إلا الدخان اليحموم يتجمع كالسحابة فوقهم ، لا هو البارد يحميهم من الحرارة ، ولا هو بالكريم فيه بعض الخير ، وإنما النار صارت لها الظل من فوقهم. وأصحاب المشأمة هم أصحاب الحنث العظيم (الواقعة ٤٦) ، فأعظم ذنوبهم إنكار البعث وتكذيب الخبر به ، وإنهم لمجموعون لميقات يوم معلوم هو يوم القيامة ، وآكلون من شجر الزقوم تزقم أو تزكم أنوفهم رائحته ونتنه ، يملئون من لحائه وورقه بطونهم فتصيبهم مرارته أو مرارتها بالعطش ، فلا يجدون إلا الحميم المغلى صديد أهل النار ، وكلما شربوا عطشوا ، كأنهم الحيوانات الهيم تشرب كالمرضى بداء العطش ، فذلك نزلهم يوم الدين (الواقعة ٤١ ـ ٥٦) ، وتلك حياة أصحاب المشأمة يوم الدين.

* * *

١٣٣١ ـ أهل النار يأكلون من شجر الزقوم

تأتى شجرة الزقوم ثلاث مرات فى القرآن ، من التزقّم وهو البلع الغصب لشدة صلابة ومرارة ما يطعم به. والتزقّم هو أيضا التزكّم ، تكون للشيء المبلوع رائحة نتنة تزكم الأنوف. ولا توجد هذه الشجرة إلا فى النار ، يقول الله تعالى فيها : (أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) (الصافات) ، وفى الآية مقارنة بين أن يكون نزل الناس الجنة أو يكون حيث شجرة الزقوم هذه ، وإنها لشجرة تنبت فى قعر الجحيم ، وبذرتها ومنشؤها النار ، وتحيا بلهب النار ، وأفرعها مشرعة كأنها رءوس الشياطين ، والتشبيه تخييلى ، ولمّا نزلت الآية قال الكافرون ما نعرف هذه الشجرة؟! يزعم محمد أن النار تنبت الشجر ونحن نعرف أن النار تحرق الشجر ، فكانت الشجرة لهم فتنة ، كقوله فى النار : (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (المدثر ٣٠) ، قالوا فلما ذا هذا العدد بالذات؟ وكذلك قالوا ما لهذه الشجرة لا تحرقها النار ، بل إن النار لتنبتها؟ والفتنة اختبار ، فتنتهم الشجرة عن ربّهم فلم يقدّروه قدره ، ولو آمنوا لعلموا أنه يقدر على كل شىء وأنه خالق الأسباب. وما وقع فيه الكفرة وقت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقع فيه الآن الملاحدة ، حتى أنهم ليؤوّلون الجنّة والنار بأنهما الثواب والعقاب ، وإنما لا وجود لشىء اسمه الجنة والنار على الحقيقة ، وحملوا وزن الأعمال ، والصراط ، واللوح ، والقلم ، على معانى زوّروها فى أنفسهم ، وقالوا العامة تحسب ذلك حقيقة ، والخاصة تفهمها كرموز. والزقوم هذه منها طعام أهل النار ، يملئون من لحائها وأوراقها بطونهم ، كما أن من طعامهم الضريع ، كقوله تعالى : (لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) (الغاشية ٦) ،

٤٣٢

والضريع : هو الآخر نبت شأنك من نبت النار ، منتن الرائحة ، وأشد مرارة من الصبر ، ومن هذين طعام أهل النار ، وشرابهم الحميم ، كقوله تعالى : (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) (٤٦) (الدخان) ، وقوله : (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) (٥٥) (الواقعة) ، والأثيم : هو المشرك الفاجر ، والضال المكذّب المكتسب للإثم ، كأبى جهل وأضرابه ، وهؤلاء طعامهم شجر الزقوم ، أو من شجر الزقوم ، يزقمونه ، أى يبتلعونه ، ويشربون عليه الحميم يغلى كالمهل ، كالهيم لا يرتوون ، ويعبونه عبا. فهذه إذن هى حياة أصحاب النار فى طعامهم للزقوم وشرابهم.

* * *

١٣٣٢ ـ الضريع طعام أهل النار

طعام أهل النار الزقوم ، والضريع ، كقوله تعالى : (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ) (٤٤) (الدخان) ، وقوله : (لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) (٧) (الغاشية) ، ولقد عرفنا الزقوم ، فأما الضريع فقيل فيه : هو شجرة كالزقوم ، تنبت فى الجحيم ، والفرق بينها وبين الزقوم أن الزقوم تنبت فى أصل الجحيم ، وأما الضريع فينبت فى كل الجحيم ، ثم إن الزقوم ضخمة متفرعة كأنها رءوس الشياطين ، والضريع أقل من ذلك ، ولها أشواك ورائحة منتنة ، وطعمها أشد من الصبر ، ويرويها القيح والدم. ولا تذكر الآية أنها شجرة ، فلا بد إذن أنها طعام ، واسمه ضريع ، لأن من يأكل منه مرة يدعو ويتضارع لو أنه أعفى من أكله ، وأن لا يذلّ بتناوله قسرا عنه ، من شدة خشونته ونتنه. والضارع فى اللغة هو الدليل ، فمن طعمه تلحقه الضراعة. وقيل إن طعام الضالين الكاذبين فى النار هو فقط من شجر الزقوم ؛ وأما الضريع فهو واد فى جهنم يستقدم منه أقذر الطعام ، وذلك كله رجم بالغيب. وآيات الزقوم والضريع من متشابه القرآن ، أى الذى يحتمل وجوها.

* * *

١٣٣٣ ـ طعام أهل النار من غسلين

قالوا : هل القرآن متعارض؟ فمرة يقول إن طعام أهل النار من زقوم ، ومرة أنه من ضريع ، ومرة من غسلين؟ فما حقيقة ذلك؟ والزقوم بخلاف الضريع والغسلين ، فلمّا كانت النار دركات ، فإن الطعام يختلف بحسب الدرجة أو الدركة ، فمن أهل النار من طعامه من الزقوم ، كقوله تعالى : (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ) (الدخان) ، ومنهم من طعامه من ضريع كقوله : (لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) (٧)

٤٣٣

(الغاشية) ، ومنهم من طعامه من غسلين ، كقوله : (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ) (الحاقة). أو أن الزقوم طعام الأثيم وهو الكافر الفاجر ، من أثم يأثم إثما ، وهو الخطيئة ، والأثيم هو المجاهر بالإثم ، ومثاله أبو جهل ؛ والضريع : طعام أهل النار عموما ؛ والغسلين : طعام المذنبين والخطاة ويشتق من الغسل ، على وزن فعلين ، فكأنه غسالة أبدان أهل النار والصديد السائل من حروقهم.

* * *

١٣٣٤ ـ شراب أهل النار

أهل النار جميعا بمختلف دركاتها شرابهم من حميم وغسّاق ، كقوله تعالى : (فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ) (٥٨) (ص) ، والحميم : وهو الماء المغلى يشربونه (مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) (٥) (الغاشية) من الإيناء ، تقول آناه أى أحرّه وحبسه وأبطأه ؛ والعين الآنية : هى المتناهية الحرّ ، أوقدت عليها جهنم منذ خلقت ؛ أو أنها آنية يعنى بلغ حرّها أوجه ، فحان أن يسقى منها هؤلاء العاملون الخطاة الذين أثقلوا بذنوب الدنيا ، وميّزهم بطريقة شربهم : (فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) (٥٥) (الواقعة) ، أى يشربون شرب البهائم العطشى تشكو شدّة العطش ؛ والغسّاق هو البارد ضد الحار ، وهو بارد لدرجة أن لا يحتمل من شدّة برده المؤلم ، من غسق يغسق فهو غسّاق ، وهو الزمهرير يخوّفهم ببرده ، لأنه يحرق ببرده ، كما يحرق الحميم بحرّه ، وشرابهم إذن يتراوح بين هذين ، : الحميم والغسّاق ، أو الحار شديد الحرارة ، والبارد شديد البرودة ، وبين هذين أنواع أخرى من الشراب فيها كل العذاب ، كقوله : (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ) (٥٨) (ص) أى أصناف وأنواع من الشراب من نحو الحميم والغسّاق.

* * *

١٣٣٥ ـ تخاصم أهل النار

أهل النار يتخاصمون ، وأهل الجنة يتصالحون ، والأولون يتكأكئون ويتجمهرون ويتشاجرون ، والآخرون فرحون مبتهجون فى وئام ، والسبب أن الأولين طاغون ، كقوله : (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ) (٥٦) (ص) ، والطاغون : هم الخارجون عن طاعة الله ، والمخالفون للرسل ؛ «وشرّ المآب» : هو سوء المنقلب والمآل ، فسّره فقال : «جهنم يصلونها» ، يعنى يدخلونها فتشملهم من جميع نواحيهم ، «فبئس المهاد» أى بئس ما مهدوا لأنفسهم ، وبئس الفراش لهم ، ووصف دخولهم ، فقال : (هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ

٤٣٤

(٦٠) (قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ) (٦٣) (ص) ، والمشادة بين أهل النار ، من الداخلين الجدد تنبئ عمّا يكون بين الجميع فى النار من منازعات ، ومهاترات وصراخ ، وسباب ، وتماسك ، وفى هذا المشهد فى الآية ، فإن القادمين إليها كانوا من قبل أسيادا فى الدنيا ، والمستقبلون لهم هم الأتباع والأشياع. وقدوم هؤلاء أو هؤلاء يكون أفواجا ، ولا يكون قدوما فى سلام ، ولكنه «اقتحام» يناسب أنهم «طاغون» ، سواء كانوا أسيادا أو أشياعا ، ويدعو الأسياد على الأشياع : لا مرحبا بكم ، فالنار مثواكم ، ولكن الأتباع بهم سلاطة لسان ، ويردّون على السباب بمثله ، يقولون : بل أنتم لا مرحبا بكم. أنتم السبب فى كل ذلك ، وأنتم الذين دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير ، وبئس النار منزلا ومستقرا لنا ولكم! ويستمر الأتباع فى الدعاء عليهم ، أن يزيدهم الله عذابا ضعفا فى النار بما أذنبوا ، وبما غرروا بهم ، كقوله تعالى : (قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف ٣٨). ويفتقد هؤلاء وهؤلاء رجالا كانوا فى الدنيا يسخرون منهم ، وظنوا أنهم أشرار ، واعتقدوا أنهم على الضلالة ـ يقصدون المؤمنين ـ أم أن أبصارهم زاغت عنهم فلم تبصرهم معهم ، وعندئذ يأتيهم العلم أن هؤلاء فى الجنة ، فيتنادون ، أصحاب الجنة من فرحتهم ينادون أولا على أصحاب النار ، ويردّ الأسياد كقوله : (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (٤٤) (الأعراف) ، وأصحاب النار من الأتباع يلعنون الأسياد الذين كانوا السبب فى ضلالهم. وتستمر هذه الدراما والحوار بين هؤلاء وهؤلاء ، فيهما التنازع والشجار والسباب والصراخ ، وهذا إذن هو تخاصم أهل النار بعضهم مع بعض ، ولعن بعضهم لبعض ، وهو حقّ لا مرية فيه.

* * *

١٣٣٦ ـ الكبر اسم من أسماء النار

قيل فى قوله تعالى (إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ) (٣٥) (المدثر) أنه وصف للنار ، والكبر هى الدواهى والفظائع من العقوبات ، واحدتها كبرى مثل صغرى وصغر ، وعظمى وعظم. وقيل لذلك : الكبر اسم من أسماء النار ، وهذا هو التفسير الصحيح ، لأنه يأتى بعدها قوله (نَذِيراً لِلْبَشَرِ) (٣٦) (المدثر) ، فلا شىء يوصف بأنه نذير للبشر سوى النار ، وما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها وأفظع!

* * *

٤٣٥

١٣٣٧ ـ النار اسمها سقر

قيل : سميت النار «سقر» فى الآية : (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (٣٠) (المدثر) ، لأنها تسقر أصحابها كالشمس الحارقة ، فتذيب الجلود وتحرقها وتلوّح الخلقة ، ولا تترك لهم عظما ولا لحما ولا دما إلا أتت عليه ، فلا يبقى منهم شىء ، ثم يعاد خلقهم فلا تذر تعاود إحراقهم ، فذلك قوله : (وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ) مبالغة فى وصفها ، وتعظيما لشأنها ، وهو استفهام إنكارى ، بمعنى وما أعلمك أى شىء هى سقر؟ وقيل فى سقر : هى نار داخلها أشد الناس عذابا. وقيل هى الدركة السادسة من درك النار. وفى الحديث : «إن أفقر الناس هو صاحب سقر» ، لأنها لا تبقى لمن يدخلها من نفسه شيئا ، وتأتى عليه أولا بأول ، فلا هى تبقيه حيا ، ولا هى تذره ميتا. وهى لوّاحة للبشرة تلفحها وتحرقها حتى السواد.

* * *

١٣٣٨ ـ الهاوية من أسماء النار

الهاوية من هوى أى سقط. والهاوية من أسماء النار ، كقوله تعالى : (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ) (١١) (القارعة) ، أطلق عليها ذلك لأن الذى تخفّ حسناته ويخفّ ميزانه ، يسقط فى النار ، كالذى يسقط من حالق على أم رأسه ، وقيل : كأن الهاوية أمّه قد نادته إليها فهرع نحوها ليرتمى فى حضنها ، وسيظل فى حضنها أبدا ، أى سيخلد فيها ، وفى الحديث : «ذهب به إلى أمّه الهاوية ، فبئست الأم»!

* * *

١٣٣٩ ـ الحطمة من أسماء النار

الحطمة من أسماء نار الآخرة ، سميت كذلك لأنها تحطم ، وتدمّر ، وتهشّم ، وتكسر وتضعضع ، كل ما يلقى فيها. وقيل : هى الدركة الثانية من درك النار ؛ وقيل هى الدركة الرابعة ، وهو اسم من أسماء جهنم ، وفى قوله تعالى : (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) (٩) (الهمزة) وصف مفسّر للحطمة ، فهى نار ما تزال موقدة ، لا تخمد ، أعدّت للعاصين ، فتعذبهم بمقدار ما فى قلب كلّ منهم من العصيان ، وبمقدار ما يستحقه ؛ وقوله (تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) يعنى تنكشف عليها الأفئدة ، والفؤاد هو موضع السرائر ، ومن شأن نار الحطمة أنها نار محيطة توصد عليهم ، أى تحبسهم داخلها فلا يفلتون منها. و (عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) : هى أعمدة يشدّون إليها ممدودين. اللهم نسألك النجاة والعافية!

* * *

٤٣٦

١٣٤٠ ـ هل الجميع يردون النار؟

فى الآية : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا) (٧١) (مريم) ، والورود هو الدخول ، و «ها» تعود على النار ، ويوم القيامة لا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها. وكمالة الآية : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) (مريم ٧٢) أى أن المؤمنين ينجّون منها حال دخولهم فتكون بردا وسلاما عليهم كما كانت نار الدنيا على إبراهيم ، وفى الحديث : «يرد الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم» ، والورود لا يعنى الدخول ، فقد تقول : وردت القاهرة ولكنى لم أدخلها ، فالورود هو أن تمر على الصراط ، وقد كذب المستشرقون لما قالوا : إن القرآن يعارض بعضه بعضا ، فإنه فى الآية : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) (١٠١) (الأنبياء) يأتى النفى القاطع أن يدخل المؤمنون النار ، فكيف يكونون مبعدين عن النار ويردونها مع ذلك؟ والصحيح أن الناس جميعهم يردون النار بحسب الآية الأولى ، أى يدخلونها ، ثم يستبعد منهم من سبقت له الحسنى من الله ، وهؤلاء هم من تصدق عليهم الآية الأخرى كمالة الآية الأولى : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) ، وننجّيهم يعنى نخلّصهم : (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) ، مما يدل على الورود ، يعنى الدخول : ومع ذلك فالآية من متشابه القرآن ، أى الذى يحتمل أكثر من تفسير ، ولذلك اختلفت المذاهب حول معنى الآية كالشأن دائما فى المتشابه ، مما لم يرد عنه شىء من القرآن يزيده وضوحا ، فمذهب يقول إن صاحب الكبيرة يعاقب بقدر ذنبه ، أى يدخل النار ثم ينجو ، وقال المرجئة : لا يدخل صاحب الكبيرة النار ؛ وقال الوعيدية صاحب الكبيرة يخلد فى النار. وقيل إن المقصود بقوله تعالى : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) (مريم ٧١) المخاطب بها الكفار ، ردّا على الآيات قبلها فيهم : (فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا) (٧٠) (مريم) ، فالكفّار هم المعنيون بالآية ، وهى الحتم المقضى ، أى القضاء الموجب ، قضاه الله على الكافرين. وأما الأطفال عموما ـ سواء كانوا أطفال الكفار أو أطفال المسلمين ـ فهؤلاء «لم يبلغوا الحنث» كما فى الحديث ، أى لم يبلغوا الحلم ، ومن ثم الإدراك ، فكيف يحاسبون؟ ، وقالت بذلك أغلب المذاهب الإسلامية إلا جماعة من الجبرية قالوا : أطفال المسلمين فى المشيئة. أى كما يشاء لهم الله تعالى. وفى الحديث : أن من مات من الأطفال قبل الاكتساب فهو ممن سعد فى بطن أمه ، وأن من يموت له ثلاثة من الولد فيحتسبهم ، إلا كانوا له جنة من النار» ، والجنّة هى الوقاية والستر ، ومن وقى النار وستر عنها فلن تمسه أصلا ، ولو مسّته لما كان موقى ، فلزم أنه إذا دخلها لن يصيبه منها

٤٣٧

شىء. وذلك معنى الآية. وأما الحديث الذى نسبوه لعائشة : «يا عائشة ، إن الله خلق الجنّة وخلق لها أهلا وهم فى أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم فى أصلاب آبائهم» فهو حديث ساقط ضعيف ومردود بالإجماع ، ولو كان ذلك صحيحا لما كان هناك حساب ولا مسئولية ولا حرية اختيار! فلما ذا نحاسب ونعاقب على شىء لم نختره لأنفسنا ولم تكن لنا له إرادة؟! والآية إذن لا بد أن تعنى : أنه ما من أحد إلا يرد على النار ، لا ليعذّب وإنما ليراها ويعاينها إذا كان مؤمنا ، وليصلاها إن كان من أهلها ؛ ودخولها إنما لمن يستحق العذاب ؛ وليس صحيحا إذن أن المؤمنين يدخلونها مثلهم مثل الكفار!

* * *

١٣٤١ ـ سواء الجحيم

الجحيم : مأوى الكافرين (النازعات ٣٩ ، والفجار (الانفطار ١٤) والمكذّبين (المائدة ١٠) والجحيم لها أصل (الصافات ٦٤) ، ولها صراط (الصافات ٢٣) ، ولها سواء ، كقوله تعالى : (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ) (٤٨) (الدخان) ، والسواء ، هو الوسط ، وما كان له وسط فله أطراف ؛ والعتل هو الأخذ بالتلابيب فيجر جرّا. والعذاب فى وسط الجحيم أشد وأعتى ، وفيه يصب الحميم فوق رأس أصحاب الجحيم ، الحميم وهو الماء المغلى ، فإن كان ما تشعّه الشمس من حرارة فى الكون يساوى ٩ ، ٣ ألف مليون مليون مليون مليون أرج ، ويوازى ٥٢٣ ألف مليون مليون مليون حصانا ميكانيكا ، فكيف تكون درجة حرارة النار؟ ثم كيف تكوى درجة حرارة الجحيم وهى الدرك الأسفل من النار ، وهى أضعاف أضعاف ذلك؟ ثم كيف تكون حرارة سواء الجحيم؟! فمن خلق الشمس وحرارتها هذه المذهلة لقادر على أن يخلق ما هو أشدّ منها وأمر!

* * *

١٣٤٢ ـ الموبق فى جهنم

فى قوله تعالى : (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً) (الكهف ٥٢) ، وكل حاجز بين شيئين هو موبق ، مثل قوله : (فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ) (يونس ٢٨) ، أى فرّقنا ومنعنا ما كان بينهم من التواصل فى الدنيا. وقيل : الموبق واد فى جهنم يحجز بين أهل النار وأهل الجنة. ويقال أوبقته ذنوبه إيباقا ، يعنى أهلكته ، والموبق مثل الموعد. نسأل الله العافية والرضا ، ونحمده تعالى على الإيمان والقرآن والإسلام.

* * *

(انتهى الفصل الثانى عشرة بحمد الله ومنّته

ونبدأ الفصل الثالث عشر إن شاء الله. بعنوان «القرآن والعلم»)

٤٣٨

الباب الثالث عشر

القرآن والعلم

أولا : العلم فى القرآن

١٣٤٣ ـ الخروج فى طلب العلم

المسلمون على هذا النهج : أن من يطلب العلم يلزم الكثير ليحصّله ، وأن يرحل فى سبيله ليعلم ما عند غيره منه ، وكانوا فى عصور الإسلام الزاهية يرحلون الأيام والليالى فى طلبه ، وفى الرواية أن رجلا جاء إلى موسى يسأله : أتعلم أحدا أعلم منك؟ قال : لا. فأوحى الله إليه : بلى ، عبدنا الخضر ، وهو نفسه «عبد الله» فى سورة الكهف ، فسأل موسى السبيل ليلقاه ، وفى الحديث : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله به طريقا إلى الجنة». ونفى موسى لوجود من هو أعلم منه غير مستحب منه ، ومن المكروهات للعالم إذا سئل : أى الناس أعلم؟ أن يجهل أن فوق كل ذى علم عليما. ولو علم موسى حقّ العلم لعرف أن الله تعالى علّمه ما لم يعلّم الخضر ، وعلّم الخضر ما لم يعلّم موسى. ولا ينتقص فى النبىّ أن يأخذ العلم ممن يساويه منزلة فيه ، وأحرى بالعالم إذا لم يكن يعلم أن يقال عن سؤال يسأله ويجهل الجواب عليه : «لا أعلم» ، أو «لا أدرى».

* * *

١٣٤٤ ـ فضل الذين أوتوا العلم

فى الصحيح أن عمر بن الخطاب كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة ، وكان عبد الله عالما ، والصحابة منهم الشيوخ الكبار ، فآثره بالمنزلة العالية لعلمه ، كقوله تعالى : (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) (١١) (المجادلة) ، قيل : يرفع المؤمن العالم على المؤمن غير العالم ، وقيل : يرفعه فى الثواب فى الآخرة ، وفى الكرامة فى الدنيا ، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن ، والعالم على من ليس بعالم ، ورفعة الدرجة تدل على الفضل ، ومنها الرفعة المعنوية ، بعلو المنزلة وحسن الصيت ، والرفعة الحسيّة فى الآخرة ، بعلو المنزلة فى الجنة. وفى هذه الآية فإن الرفعة عند الله تعالى بالعلم والإيمان ، فيرفع المؤمن بإيمانه أولا ثم بعلمه ثانيا. وفى الرواية أن نافع بن عبد الحارث أحد عمّال عمر على مكة ، لمّا غادرها إلى عمر فى المدينة سأله عمر : ومن استخلفت فى مكة؟ قال : ابن أبزى؟ وسأله : ومن ابن أبزى؟ قال : مولى من موالينا ، قال : فاستخلفت على الناس مولى؟ قال : إنه قارئ لكتاب الله ، وإنه عالم بالفرائض. قال عمر : أما إن نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قال : «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين». وفى الحديث : «بين العالم والعابد

٤٣٩

مائة درجة ، و «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» ، و «يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء» ، فتلك هى منزلة العالم إذن تتوسط بين النبوة والشهادة ، فأعظم بها منزلة! وفى الخبر أن سليمان خيّر بين العلم والمال والملك ، فاختار العلم ، فأعطى المال والملك معه. وعلّم ربّنا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدعو : (رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (١١٤) (طه) ، وهذا نصّ صريح فى فضل العلم ، لأن الله تعالى لم يأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بطلب الازدياد من شىء إلا من العلم. وفى الحديث : «من التمس طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له طريقا إلى الجنّة. ولو قارنت بين القرآن والتوراة والإنجيل لوجدت عجبا ، فلا ذكر للعلم والعلماء فى هذين الكتابين الأخيرين ، فى حين يأتى العلم فى القرآن ٧٤٥ مرة!

* * *

١٣٤٥ ـ العلم قبل القول والعمل

قال تعالى : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) (١٩) (محمد) فبدأ بالعلم ، ثم أمره بالعمل. والخطاب وإن كان للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا أنه عام لأمّته ، والأحاديث فى العلم كثيرة ، منها : «العلماء هم ورثة الأنبياء» ، وشاهده فى القرآن : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا) (٣٢) (فاطر) ، وميراث الأنبياء هو العلم ؛ ومنها : «من سلك طريقا يطلب به علما سهّل الله له طريقا إلى الجنة» ؛ ومنها : «من يرد الله به خيرا يفقهه» ـ والفقه عام لكل شىء ؛ ومنها : «إنما العلم بالتعلّم». وفى القرآن : (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ) (٧٩) (آل عمران) ، والربّانى : الذى يربّى الناس بصغار العلم قبل كباره. والله يتوعّد من كتم علما يعلمه ، وتبليغه واجب فى كل حال ، ولا ينتهى المسلم عنه أبدا. والعلماء هم أصحاب الأفهام والعقول ، كقوله : (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) (٤٣) (العنكبوت) ، والعلم والجهل لا يتعادلان ، كقوله : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (٩) (الزمر).

* * *

١٣٤٦ ـ ليبلغ العلم الشاهد الغائب

هذا كلام ابن عباس عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : ليبلّغ العلم الشاهد الغائب» ، يعنى من يشهد علما سمعا أو مشاهدة عين ، فلينقله إلى غائب لم يعاينه ، وحذّر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يكذب المبلّغ فيما بلّغه ، وأن يكذب وينسب إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما لم يقله ، والكذب أعدى أعداء العالم ، وعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تكذبوا علىّ» ، ومن كذب من أهل العلم أثم إثما كبيرا ، وقد اغتر البعض فنسبوا أقوالا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وادعوا فقالوا : نحن لم نكذب عليه

٤٤٠

وإنما فعلنا ذلك لتأييد شريعته ، وجوّزوا وضع الكذب لتثبيت ما ورد فى القرآن والسنّة ، واحتجّوا بأنه كذب له لا عليه! وقالوا : فى الحديث : «من كذب علىّ ليضل به الناس فليتبوأ مقعده من النار» ، وفى القرآن : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ) (١٤٤) (الأنعام). وهم كذبوا حقا وإنما ليهدوا لا ليضلّوا ، وهذا هو عذرهم ، والعذر أقبح من الذنب ، فمن يضمن أنهم سيكذبون ليهدوا؟ وما هو فهمهم للهداية؟ ويهدون إلى ما ذا؟

* * *

١٣٤٧ ـ ربّ مبلّغ أوعى من سامع

المسلم مبلّغ ومبلّغ ، ولا يستنكف مسلم أن يبلّغ ما يسمع من العلم ، ولا يتقاعس عن أن يأخذ عن المبلّغين ، وأن يكون مبلّغا ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) (٦٧) (المائدة) ، والخطاب للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن بعده لكل مسلم قد خلفه ، كقوله : (إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ) (٢٣) (الأحقاف) ، وكل علم هو رسالة من الله تعالى واجبة التبليغ. وفى الحديث : «ربّ مبلّغ أوعى من السامع وليبلّغ الشاهد الغائب» أى ربّ مبلّغ عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أفهم لما يقول من سامع قد سمع منه شخصيا ؛ وفى المعنى العام أن المبلّغ بالعلم من غير عالم ، والغائب الذى يسمع بالعلم من آخر شهد أهل العلم واستمع لهم ، قد يدرك به تطبيقات ومجالات من الفهم أوسع وأكثر ممن سمعه منهم مباشرة. وليست العبرة بما نسمع ونشهد ونقرأ ، ولكن العبرة بما يتخلّف من القراءة والسماع والرؤية ، والناس فى الفهم متباينون ، فهناك من يسمع ويرى ولا يجدى معه ما يسمع وما يرى ، كالأرض الصلبة ينزل عليها المطر فيسيل عنها ولا يبقى منه شىء لها تفيد منه ؛ وهناك من يسمع ولا يفيد إلا القليل ، كالأرض السبخة يرويها المطر ولكنها لا تتقبل الزرع بها إلا قليلا ، وأما الأرض الجيدة فهى التى ينمو فيها الزرع ويصحّ ، فكذلك الناس ، فمنهم الواعى الذى يعقل ما يسمع ، والأوعى منه وهو الذى ينفعل به ويدعو إليه لأنه ينفع الناس ، فهكذا المسلم العالم الداعية المبلّغ.

* * *

١٣٤٨ ـ العالم يعلم ويعلم

العلماء ثلاثة : العالم العامل المعلّم : كالأرض الطيبة شربت الماء فانتفعت به فى نفسها وأنبتت فنفعت غيرها ؛ والعالم الجامع للعلم : المستغرق فيه لزمانه ، غير أنه لم يعمل به ، ولم يتفقه فيما جمع ، ولكنه أدّاه لغيره ، فهو بمنزلة الأرض التى يستقر فيها الماء فينتفع الناس به ، وهو المشار إليه بقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نضّر الله امرأ سمع مقالتى فأدّاها كما

٤٤١

سمعها» ؛ والثالث : هو العالم السامع للعلم فلا يحفظه ، ولا يعمل به ، ولا ينقله لغيره ، فهو كالأرض السبخة لا تقبل الماء ، وتفسده على غيرها. وأولى الناس بعلم العالم أهله ، وتعليم العالم لأهله من أحسن الأعمال. ومن مناهج العلم فى الإسلام التناوب فى العلم ، وكان عمر بن الخطاب يفعل ذلك ، فإذا غاب كلف صاحبا له ليحضر مجلس العلم عند الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وينقل إليه ما علم. ومن وصايا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأهل العلم : «ارجعوا إلى أهليكم فعلّموهم» ؛ ومن وصايا أهل العلم لبعضهم البعض : لا ينبغى لأحد عنده شىء من العلم أن يضيّع نفسه فالعلم ينجى. وفى الحديث : «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل» ، ولا يرفع العلم انتزاعا ينتزعه الله من أهل العلم ، وإنما كما فى الحديث : «ويقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم ، اتخذ الناس رءوسا جهّالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلوا» ، وقد نصح النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم المسلمين فقال : «خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع». ولمّا دعا لابن عباس قال : «اللهم علّمه الحكمة وتأويل الكتاب» ، فلم يدع له بالمال والسلطان وإنما بالعلم. وفى رواية أنه ضمّه وقال : «اللهم علّمه الكتاب» ، وكان ابن عباس فى الرابعة أو الخامسة ويتلقى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا يدع مجلس علم إلا يحضره ؛ ومثله ابن الزبير وكان فى الثالثة أو الرابعة ، وكان الصبيان يحضرون مجالس العلم ، وليس تحديد الخمس سنوات أو الأربع شرطا للحضور ، ولكنها مظنة ، وكانوا يرسلون أبناءهم للشيوخ فى سن الثالثة إذا كانوا قد فهموا. ولا يهمّ كثيرا فى دعوة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لابن عباس أنه ـ أى ابن عباس ـ كان من أكبر مروّجى الإسرائيليات من بعد!

* * *

١٣٤٩ ـ علم الإنسان ما لم يعلم

يولد الإنسان على الفطرة ، قيل : يولد صفحة بيضاءtabula rasa ، لم ينقش بها شىء ، وقيل : بل الفطرة تعنى أن كل خبرات النوع والجنس مسطورة فى شفرته الجينية ، وهو تعليمه تعالى للإنسان ، كقوله تعالى : (سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا) (٣٢) (البقرة) ، وقوله : (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) (العلق) ، والعلم مشاع ويختص الله به من يصطفى ، كقوله : (وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) (٦٥) (الكهف) ، وقوله : (وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ) (٢٥١) (البقرة) ، (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ) (يوسف ٦٨) ، إلا أن العلم يتنزّل من الله قليلا ، وكلما أراد ، بحسب استعداد الإنسان وظروف العصر والمصر : (وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (٢١) (الحجر).

* * *

٤٤٢

١٣٥٠ ـ لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر

الاستحياء من الحياء ، كقوله : (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ) (الأحزاب ٥٣) وقوله : (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) (البقرة ٢٦) ، والاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع عنه خوفا من مواقعة القبيح ، وهذا محال عن الله. غير أن الحياء من الإيمان ، ومنه الشرعى الذى يكون عن إجلال واحترام للأكابر ، والمذموم الذى يكون سببا لترك أمر شرعى ، وهو ليس حياء فى الحقيقة ولكنه ضعف ومهانة. والمتعلّم عليه أن يترك العجز والتكبّر. وقد امتدحت عائشة نساء الأنصار لما سألت أم سليم إذا كان على المرأة أن تغتسل إذا احتملت؟ فقالت : نعم نساء الأنصار! لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن! وكانت عائشة تظن بداية أن أم سليم فضحت النساء بسؤالها ، ثم صححت نفسها وأبدت إعجابها. وقد يستحى أحدهم فيطلب من غيره أن يسأل بدلا عنه وذلك جائز ، على أنه لاحياء فى العلم والدين.

* * *

١٣٥١ ـ أول العلم الاستماع ثم الإنصات

يقول تعالى : (فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) (الأعراف) ، فتحصيل العلم بالاستماع والإنصات لأهل العلم ، فأما «الاستماع» فيكون مع السكون ، أو مع النطق بكلام يمنع المتكلم من الاشتغال بالاستماع للعلم ، وأما «الإنصات» فهو السكون ، ويحصل ممن يستمع وممن لا يستمع على السؤال ، كأن يفكر فى أمر آخر يصرفه عن الاستماع وإن كان ساكنا. وفى الأثر : «أول العلم الاستماع ، ثم الإنصات ، ثم الحفظ ، ثم العمل ، ثم النشر». وقيل إن المرء ليستمع أولا ، ثم ينصت ، والاستماع بالأذنين ، وأما الإنصات فهو بالعينين ، فأنت إذا حدّثت رجلا فلم ينظر إليك بعينيه اعتبرته غير منصت.

* * *

١٣٥٢ ـ من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه

لم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ينهى عن المراجعة فى العلم ، وهكذا يجب على كل عالم ، والمناظرة أجازها الله تعالى : قال : (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١٢٥) (النحل) وعند المسلمين يجوز مقابلة السنّة بالكتاب ، والسؤال عن مثل هذا لم يدخل فيما نهى الصحابة عنه فى قوله تعالى : (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ) (المائدة). وفى الحديث عن حفصة أنها لمّا سمعت النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لا يدخل النار أحد ممن شهد بدرا والحديبية» ، قالت : أليس الله يقول : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) (٧١) (مريم)؟ فردّ عليها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال عن ربّه : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ

٤٤٣

اتَّقَوْا) (٧٢) (مريم)! وسأل الصحابة لمّا نزلت : (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) (٨٢) (الأنعام) : أيّنا لم يظلم نفسه؟ فأجابهم : «إن المراد بالظلم الشرك» .. وكانت عائشة لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه ، فلمّا قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من حوسب عذّب» ، قالت عائشة : أو ليس يقول الله تعالى : (فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) (٨) (الانشقاق)؟ فردّ عليها : «إنما ذلك العرض ، ولكن من نوقش الحساب يهلك». وفارق بين من يسأل ليراجع فى ما استشكل عليه ولم يفهمه ، ومن يسأل تعنّتا كما قال تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) (٧) (آل عمران).

* * *

١٣٥٣ ـ لا تكتموا العلم

تعليم العلم وإذاعته تؤكده الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ) (١٥٩) (البقرة) ، وهى عامة فى كل من كتم علما ، وفى الحديث : «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نارا» أخرجه ابن ماجة ، ويعارضه الحديث برواية ابن مسعود : «ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «حدّث الناس بما يفهمون» ، وهذا الكلام محمول على بعض العلوم ، كعلوم الحكمة ، وعلم الكلام ، أو أى علم من العلوم التخصّصية كالطب والهندسة إلخ ، مما لا تستوى فى فهمه العوام ، فحكم العالم أن يعلّم ما يفهمه الناس ، وأن يتولى الشرح لهم ، وأن يكون مقاله بحسب المقام ، وأن ينزل الناس منازلهم بحسب استعداداتهم واحتياجاتهم ورغبتهم فى تحصيل العلم. وهذه الآية استشهد بها العالم الكبير أبو هريرة لمّا لاموه أنه كثير الحديث عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : لو لا آية فى كتاب الله ما حدثتكم حديثا ، ـ والآية التى يقصدها هى آية كتمان العلم السابقة ، وبها استدل العلماء على وجوب تبليغ العلم الحق ، وتبيانه على الجملة. وتحقيق هذه الآية : أن العالم إذا قصد كتمان العلم كما يفعل علماء الغرب ـ عصى الله ، والإسلام يحضّ أهل العلم إذا سئلوا العلم أن يبلّغوه ، وفى الحديث : «لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ، ولا تضعوها فى غير أهلها فتظلموها» ، ونسبوا إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حديثا لم يقله ولكنه من أمثال عيسى عليه‌السلام ، فقيل إنه قال : «لا تعلّقوا الدرّ فى أعناق الخنازير» ، وأصله فى إنجيل متّى : «لا تعطوا القدس للكلاب ولا تلقوا جواهركم قدّام الخنازير» (متّى ٦).

* * *

١٣٥٤ ـ من لم يخشى الله فليس بعالم

العلم علمان : علم عقيم ، وعلماؤه يكتفون بالعلم ولا يسألون : وما ذا بعد أن علمنا؟

٤٤٤

وعلم منتج ، حيث العالم يخلص بما علم إلى نتائج لم يكن يبلغها لو لم يعلم. والعلم يجيب عن الكيف والكم ، ولكنه لا يجيب عن : لما ذا؟ إلا طبقة من العلماء العابدين ، عرفوا الله بالعلم ، ولم يتوقفوا عند مجرد الإحاطة بالكيف والكم ، وهؤلاء تقصدهم الآية : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) (٢٨) (فاطر) ، فلأنهم عرفوا ، أقدروا الله حقّ قدره ، وخافوا قدرته ، ومن علم أن الكون له صاحب وهو خالقه ومبدعه ، وأنه عالم ولكن ليس كالعلماء ، فأهل العلم يختصون بالجزئيات ، والله عالم محيط بكل شىء ، فإنهم يجلّونه ويقدّسونه ، ومعنى خشيتهم له معرفتهم به ، ومن لم يعرف الله فليس بعالم ، وهى قضية تماثل قولنا : من لم يخش الله فليس بعالم : فالعالم هو من يعرف الله فيخشاه ، وكفى بخشية الله علما ، وبالاغترار جهلا. وأفقه العلماء هو أتقاهم لربّه ، ولا خير فى علم لا عبادة فيه ، ولا خير فى عبادة لا علم فيها ولا قراءة ولا تدبّر ، وفى الحديث : «إن الله وملائكته وأهل سماواته وأهل أرضه ، والنون (أى الأسماك) فى البحار ، يصلّون على الذين يعلّمون الناس الخير» ، ولا بارك الله فى علم يتعلم علماؤه لغير العبادة ، ويطلبون به الدنيا. وأن يستعمروا ويستولوا ، ويضطهدوا ، ويستعلوا فى الأرض. وليحذر علماء المسلمين أن يكونوا مثل هؤلاء ، ولا تزال أمة الإسلام بخير طالما كان علماؤها يخشون الله ، ومن خشى الله زاده علما ، والعلم لا يكون اكتسابا فقط ولكنه لمن يفتح الله عليه به ، والذى يفتح الله به ليس هو العلم العقيم. وأفضل العلماء الذى يعلّم ، ويعمل بما يعلّم ، ويعلّم ما يعلم ، والعلماء أصناف كما فى الحديث : «مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكان منها نقية قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير ؛ وكانت منها أحادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ؛ وأصابت منها طائفة أخرى ، إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به» ، فكما أن الغيث يحيى البلد فكذا العلم يستنهض العقول الراكدة ، ويحيى القلوب الميتة. والآخذون بالعلم المقبلون عليه ـ كما قلنا ـ كالأرض المختلفة فى تلقّيها للماء ، فمنهم العالم العامل المعلّم ، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت فى نفسها ، وأنبتت ونفعت غيرها ، وهذا الذى يخشى الله ويعلم ، ويعمل ، ويعلّم ، يقصد بذل نوال رضاه. ومنهم الجامع للعلم الذى لا يعمل به ، ولا يخلص له ، ولا يخدّم به الله ، ولم ينفع به نفسه ولكنه يؤدّيه للناس كما علمه ، ويعلّمه غيره ، فهو بمنزلة الأرض التى يستقر فيها الماء فينتفع الناس به. ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ، ولا يعمل به ، ولا ينقله لغيره ، فهو كالأرض المستوية الملساء التى لا تقبل الماء وقد تفسده على غيرها.

* * *

٤٤٥

١٣٥٥ ـ من يرد الله به خيرا يفقهه فى العلم

هذا القول المشهور من حديث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويثبت الخير لمن ينفقه فى العلم ، ولا يكون العلم بالاكتساب فقط ، بل لمن يفتح الله عليه به. وفى الحديث : «لا حسد إلا فى اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلّط على هلكته فى الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يتّقى بها ويعلّمها». والحسد تمنّى زوال النعمة ، ولكن الحسد فى الحديث هو الغبطة ، وأطلق عليها الحسد مجازا ، وهى أن يتمنى الحاسد أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن تزول عنه النعمة ، والحرص على هذا منافسة ، فإن كانت فى الطاعة فهى محمودة ، كقوله : (فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) (٢٦) (المطففين) وإن كانت فى المعصية فهى مذمومة ، ومنها قول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تنافسوا» ، وإن كانت فى الجائزات فهى مباحة.

* * *

١٣٥٦ ـ كتابة العلم

العلم للتوثيق ، وكتابة العلم من أولى واجبات أهل العلم ، ولا يبعد وجوبه على من يخشى عليه النسيان ، والكتابة لا تكون إلا بالعدل ، أى بالحق ، كقوله : (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ) (٢٨٢) (البقرة) ، ويستوى فى ذلك أن يكون الكاتبون من البشر أو من الملائكة أيضا : (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ) (١١) (الانفطار) ، والله تعالى أحرص على أن ينزل وصاياه فى كتاب كقوله فيه : (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) (١) (هود) ، وأطلق على الكتاب المرجع اسم «أم الكتاب» ، كقوله : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) (٣٩) (الرعد). وفى الإسلام لم يكن هناك من هو أكثر اشتغالا بالتعليم ـ من الرجال ـ من «أبى هريرة» ، ومن النساء من عائشة بنت أبى بكر ، وكانا يتصديان للفتوى والتعليم إلى أن ماتا ، ويظهر هذا من كثرة ما روى عنهما. وكان من العلماء الكاتبين عبد الله بن عمرو ، وقد استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يكتب بيده ما يسمع منه فأذن له ، وقال عبد الله : كنت أكتب كل شىء سمعته من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومما قاله له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : اكتب ، فو الذى نفسى بيده ما يخرج منه إلا الحق». وقد كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة العلم ، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا كما اخذوه حفظا ، لكن لمّا قصرت الهمم ، وخشى العلماء ضياع العلم دوّنوه.

وقيل إن أول من دوّن العلم من العلماء : ابن شهاب الزهرى على رأس المائة ، بأمر عمر بن عبد العزيز ، ثم كثر تدوين العلم بعد ذلك ، ثم التصنيف ، فحصل الخير الكثير.

* * *

٤٤٦

١٣٥٧ ـ العلم لينتفع به

فى الحديث : «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى فى النار .. فيجتمع إليه أهل النار ، فيقولون : يا فلان ، مالك؟ «ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فيقول : بلى ، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه». وفى القرآن فى هذا المعنى : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٤٤) (البقرة) والآية تنكر على الناس أن يخالفوا حقائق المعانى ، وتوبّخهم بسبب ترك البرّ وهم يعلمونه من كتبهم ، وهؤلاء هم أهل العلم يقولون ما لا يفعلون. والبرّ هو العمل الصالح. والعلم والعمل متقارنان. ولم يقل فى الآية وأنتم تقرءون الكتاب وإنما قال وأنتم تتلونه ، والتلاوة أشدّ لأنها تعنى الاتّباع ، ولأن الكلام يتبع بعضه بعضا ليأتى على نسقه.

* * *

١٣٥٨ ـ الوحى : هل هو حقيقة علمية؟

الوحى من الحقائق العلوية ، وصارت المدارس المتشبهة فى برامجها بالبرامج الأوروبية لا تعتمد فيما تقدم من دراسات إلا ما يخدم الفهم العقلى ويقوّى فى التلاميذ المنهج الوضعى التجريبى ، ولذا فقد ينكر خريجو هذه المدارس الوحى ويتأبّون على الموافقة عليه ويذهبون فى تفسيره مذاهب مادية. ولكى نفهم الوحى كما تنزّل على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكما وردت الآيات فى القرآن ، علينا أولا أن نبدأ بالتعريف به ، وهو فى الشرع : كلام خفىّ من الله لمن يصطفى ، وقد يكون إلهاما ، كما فى الآية : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) (٦٨) (النحل) ، والآية : (وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها) (١٢) (فصلت) ؛ أو يكون كالرؤيا كما وقع لإبراهيم ، يقول : (يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) (١٠٢) (الصافات) ؛ أو يكون بواسطة ملك فى هيئة رجل كما فى قوله : (فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) (١٧) (مريم) أى فى صورة آدمية ؛ أو رآه على صورته الملكية ، كقوله : (أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) (١٣) (النجم) ، قالت عائشة : رآه أى رأى جبريل ، ولم يره فى صورته إلا مرتين ، مرة عند سدرة المنتهى ومرة فى أجياد ، وله ستمائة جناح قد سدّ الأفق» أخرجه الترمذى ، أى رآه فى صورته الحقيقة كما خلقه الله. ومن الوحى ما يكون بالقلب ويسمونه الوحى الجلىّ كما فى قوله : (إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى) (٣٨) (طه) فهو يتنزّل على القلب بالعلم الضرورى ، فلا يملك الموحى إليه دفعا له. وفى التوراة ، فى سفر العدد ، يأتى : «كان على بلعام أن ينطق بما وضعه الله فى فمه» (٢٤ / ٣ و ١٣ و ١٥ و ١٦) ؛ وفى سفر إرميا يأتى : ومدّ الربّ يده ولمس فمى (١ / ٩) ، وكان بولس يرى أنه يتكلم من روح الله وقال : إنه يقدم

٤٤٧

للكنيسة وصايا الربّ» (كولوسى ٢) ، والوحى فى الأناجيل يعنى أن أشخاصه لا يتكلمون باسمهم ، والفرق بين الوحى فى التوراة والأناجيل والوحى فى الإسلام : أنه فى الإسلام له خصوصية لم تكن له فى أى من الديانتين السابقتين ، فالعلاقة بين جبريل والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن لها مثيل فى هاتين الديانتين ، وفى القرآن يأتى قوله : (فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) (٤) (التحريم) ، وقوله : (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ) (٩٧) (البقرة) ، وفى الأثر أن اليهود سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن اسم صاحبه الذى ينزل عليه بالوحى ، فقال : «جبريل» ، قالوا : فإنه عدو لنا ولا يأتى إلا بالحرب والشدّة والسنة (أى القحط) والقتال ، فنزلت : (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ) الآية : وجبريل من الجبر والتجبّر ، وتتضح المؤامرة على الإسلام منذ ذلك الحين فى هذا التفسير ، فأن يكون ملك محمد ، يعنى بالنسبة لهم أن محمدا قد أتى بالسيف! فهذه هى الفرية التى روّجوا لها من زمنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ومن الإسرائيليات فى الحديث عن وقعة خيبر ، أن جبريل بعد الخندق جاء إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مغبّرا فقال له : أوضعت سلاحك؟ إن الملائكة لم تضع سلاحها! وأمره أن يتجه إلى يهود خيبر! وكأن خيبر كانت بأمر جبريل وليست بسبب نقض اليهود للعهد؟! وأما القرآن فيصحّح هذه الفكرة عند اليهود عن جبريل وميكال فيقول : (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ) (٩٨) (البقرة). واليهود كانوا يريدون أن يكون ملكه ميكائيل ، وهو بالعبرية يعنى الذى يأتى بالرحمة والمطر والنبات والرزق. ونسأل : ألم يأت المسيح بذلك فلم يتقبلوه؟ ـ ونعود إلى الوحى والوحى أشدّ من الإلهام ، وفى التنزيل : (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (٨) (الشمس) أى جعل فى النفس الخير والشرّ ، وأن يميّز بينهما فيختار فى حرية أيهما شاء ، ويسأل عمّا اختار وفعل. والدليل العلمى على صحة الوحى أننا قد نوحى لبعضنا البعض ونقبل على فعل الشيء أو نعزف عنه. وعلماء التحليل النفسى استخدموا الوحى فى التنويم المغناطيسى ، ومن هذا النوع التجريبى من الوحى ما يتم بعد اليقظةWaking suggestion ، وما يتم بعد التنويم hypnotic suggestion post ـ ، ومنه الوحى المباشر وغير المباشر ، والسالب ـ لمحو سلوك معين مثلا أو منعه ، والموجب ، والجمعى أو الجماهيرى ، والذاتى auto suggestion الصادر عن الشخص نفسه ، والغيرى hetero ـ suggestion ، الصادر من كلمات أو اتجاهات أو أفعال الآخرين ، والاجتماعى من الشخص لآخر. وفى الطب النفسى يعالجون الناس بالوحى ، ومن أئمة العلاج به كوويه الفرنسى ، وكان يوحى إلى المريض أنه فى تحسّن مستمر ، ويدفعه إلى أن يوحى إلى نفسه بأنه يتحسّن باستمرار. وتترتب على الوحى عند

٤٤٨

الأنبياء ظهور المعجزات وهى الأفعال الخارقة. وقيل الآيات لله ، والمعجزات للأنبياء ، والكرامات للأولياء وأخيار الناس ، وكل ذلك مصدره الوحى أو الإلهام. والفرق فى ذلك أن المعجزة للنبىّ مأمور أن يظهرها بينما الواجب على الولىّ أن يستر كراماته ويخفيها. والنبىّ يحتج بمعجزته ويثبت بها أنه يوحى إليه ، وكرامة الولىّ يحتج بها على نفسه لتطمئن وتوقن ولا تضطرب ، والقرآن دليل المعجزة بالنسبة لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ ودليلها عند مريم ، ولم تكن نبيّة ، أن قيل لها : (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) (٢٥) (مريم) ، فالوحى إذن حقيقة علمية ، وليس فى القول به فى الإسلام وعند غير المسلمين أيما تثريب. وكذلك الإلهام الذى ورد فى سورة الشمس لا تمارى حقيقته ، وليس فى القرآن شىء من الوحى أو الإلهام يمكن أن يمارى فيه العلم ، أو يصادم نظرياته. واكتشاف فليمنج للبنسلين كان بالإلهام ولم يكن بالتدبير ، وكذلك خوارق الأطفال المعجزين. ويأتى الإلهام كالتنوير ، مثلما كان عند نيوتن ، عند ما صاح فجأة «وجدتها». وكان اكتشاف ديكارت للهندسة التحليلية ، وكيكول لفكرة الشكل الحلقى لجزىء البنزين ، وهنرى بوانكاريه لحساب التفاضيل والتكامل بتأثير الإلهام. وبعض الملاحدة الذين لا يؤمنون بالله لا يدرون من أين يأتيهم الإلهام ، وقال موتسار إنه ـ أى الإلهام ـ كالوحى. وأهل العلم يعرّفونه بأنه تفكير حدسى ، والمؤمنون ينسبونه إلى الله وهذا هو الفرق.

* * *

١٣٥٩ ـ لأنه خلق كل شىء لزم أن يعبده كل شىء

الناس فى أيامنا جعلوا لله شركاء ، بدعوى أنهم صاروا يخلقون كما يخلق الله ـ كهؤلاء العلماء الملاحدة الذين اشتركوا فى ميلاد النعجة «دوللى» ، والدين لا يتعارض مع العلم ، وللعلم أن يبلغ مداه فى مجاله ، ولكن القول بأنهم يخلقون مثل الله ، وأن الإنسان خالق ، مسألة تتجاوز العلم إلى الفلسفة ، وهنا يكون الجدال وليس الجدل ، والجدال فيه سفسطة ، ولكن الجدل قوامه المنطق والحق ، والقضية التبست على هؤلاء ، وتشابه الخلق عليهم ، فالله يخلق من عدم وبلا مثال ، وهؤلاء يخلقون بخلق الله ، فقوانين الخلق ، ومداد الخلق ، والعقول المفكّرة فى الخلق ، جميعها لله ، وفيهم يقول تعالى : (قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (١٦) (الرعد) ، و «لأنه خلق كل شىء فلزم أن يعبده كل شىء» ، والآية ردّ على هؤلاء القدرية الذين يزعمون أن بقدرة الإنسان أن يخلق كل شىء ، وهذا كذب وافتراء ، فالله غالب لكل شىء ، ويغلب فى مراده كل مريد ، وهو واحد ـ كان قبل كل شىء. ولو خلق هؤلاء النعجة دوللى ، فهل بوسعهم أن يخلقوا سماء كالسماء ، أو أرضا كالأرض؟ وإنما الخلق الحق لله إلزاما للحجة ، إن لم يقولوا ذلك وجهلوا من هو الله ،

٤٤٩

فبمنطقهم ـ طالما أن لكل شىء خالقا ، فالخالق هو من خلق كل ذلك ، والله هو ذلك الخالق ، فيلزم أن نخلص له العبادة ، وهو إلزام صحيح.

* * *

١٣٦٠ ـ لما ذا تكثر فى القرآن القضايا العلمية الكونية : هل القرآن كتاب علمى؟

الجواب : أن القرآن بما أنه كتاب من عند الله فلا يمكن أن تأتى به عبارة واحدة تخالف الواقع العلمى للكون ، وما ورد فى القرآن من ذلك كثير ، ولو كان من عند محمد لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، ولارتاب المبطلون ، وإنما كان القرآن آيات بيّنات فى صدور الذين أوتوا العلم ، من هؤلاء العالم الجليل الدكتور زغلول النجار ، وهو بحر من العلم ، سواء فى علوم القرآن أو علوم الكون ، وانظر مثلا إلى قضية تولّد المطر من السحاب ، وتصادمه فى شحنات سالبة وموجبة ينتج عنها البرق ، ويتخلّق بها الماء ، فهذه قضية لم يعرفها العلم إلا مؤخرا ، وبعد بحوث مستفيضة ومتقدمة ، ونبّه إليها القرآن وأوجزها فى الآيات : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ) (٤٣) (النور)! وقضية أخرى منطقية ثبتت بالدليل العلمى المتقدّم جدا ، أن بصمة كل إنسان تختلف عند الواحد عن الآخر ، فلا تتشابه البصمات ، فالله تعالى جعل لكل إنسان فردية خاصة ، ولم نكتشف ذلك إلا مؤخرا ، فاستعنا بالبصمة على التعرّف إلى الشخصية وتعيين الهوية : فأن ينفرد القرآن بذلك سواء من ناحية المنطق أو بالعلم ، فى الآية : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) (٤) (القيامة) فذلك إعجاز علمى لا يمارى ، وبرهان منطقى لا جدال فيه. ومع ذلك فالقرآن ليس كتابا فى العلوم ، ولا فى المنطق ، والفلسفة ، والحكمة ، ولم يتنزّل لينتصر لنظريات على نظريات ، وإنما هو كتاب فى الدعوة إلى الله ، وهو يستعين لإظهار دعوته بالآيات الكونية ، ويصوغ عنها عبارات معجزة الكلمات ، ويستنفر المسلم الذى يؤمن به أن لا يمر على آيات الكون دون أن يدرك أسرارها ، ويعى عنها ، ويفهم أسبابها ، ويفيد بها ، كقوله : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) (٢٠) (العنكبوت) ، وقوله : (قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (١٠١) (يونس) ، وقوله : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها) (٤٦) (الحج) ، وقوله : (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (١٣) (الجاثية) ، فمن الدعوة إلى الله أن يكون الإنسان المستخلف لله فى الأرض على علم بأسباب الله ، وأن يعمر الأرض بالعلم كما قضى بذلك الله ، ولأن يكون مسلما قويا واعيا فاعلا ، خير من أن يكون مسلما ضعيفا مسكينا مستعبدا ، والعلم الذى هو أداته فى الوجود الفاعل هو ميراثه عن الله تعالى ، ليخرجه به من الظلمات إلى النور ، ومنهجه لتحقيق

٤٥٠

ذلك يلخّصه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيقول : «المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف ، وفى كلّ خير. احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شىء فلا تقل : لو أنى فعلت كذا كان كذا وكذا ، ولكن قل : قدّر الله وما شاء فعل ، فإنّ «لو» تفتح عمل الشيطان». رواه مسلم عن أبى هريرة. وهى دعوته إلى تطبيق العلم الصراح. ومادة «علم» تأتى فى القرآن ٧٤٥ مرة ، ولا شىء من ذلك إطلاقا فى التوراة ولا فى الأناجيل. والقرآن يحضّ على استخدام العقل ، ويستحث على التعقّل ، وتأتى مادة «عقل» فيه ٤٩ مرة ، ويأتى قوله «لعلكم تعقلون» ثمانى مرات ، ولا شىء من ذلك البتة فى كتب التوراة أو العهد القديم ، ولا فى كتب الأناجيل أو العهد الجديد. فكيف إذن قول اليهود والنصارى : أن الإسلام ضد العلم أو ضد العقل؟ إن يتّبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ، وما عقلوا القرآن ولا الإسلام ، ويحسبون أنهم على شىء وهم كاذبون ، ومن أظلم ممن افترى الكذب ، وكذّب بالحقّ ، ليضلّ الناس بغير علم.

* * *

١٣٦١ ـ الدلالة العلمية للآيات الكونية

القرآن ليس كتابا فى العلوم ، ولكنه مع ذلك لا يتصادم مع العلم ، والآيات العلمية فى القرآن تنتصر للعلم المكتسب وليس العكس ، لأن العلم المكتسب يقوم على التنظير فى القضايا التى لا تخضع لحسّ الإنسان وإدراكه الحسّى ، كقضايا الخلق والإفناء وإعادة الخلق ، وتكثر النظريات فى ذلك ، وأكثرها يدفع إليها الإلحاد ، إلا أن نتائجها الإيمانية توافق آيات القرآن ، وذلك دليل على صحة هذه النتائج ، وعلى أن من ذهبوا إليها كانوا على الطريق الصحيح فى الكشف والاستنتاج وإن كانوا قد بدءوا منكرين للألوهية ، وبعد أن كانوا يقولون مثلا أن الكون ثابت ، وأنه أزلى ولا نهائى ، ينفون بذلك الخلق والآخرة والمعاد ، اضطروا بما أجروا من تجارب إلى القول بأن الكون كانت له بداية ، وأنه يسير حتما إلى نهاية ، وأنه كما بدأ فإنه يعود ، والقرآن نبّه إلى ذلك منذ ألف وأربعمائة سنة ، فقال : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) (٣٠) (الأنبياء) ، يؤكد أن هذا الكون الذى نحيا فيه هو كون مخلوق ، وأنه تعالى خلقه من جرم ابتدائى واحد عالى الكثافة كانت فيه السماء غير متمايزة عن الأرض ، وهو ما عبّرت عنه الآية بالرتق ، ثم كان الفتق ـ وهو الانفجار ، ويسميه أهل الفلك «الانفجار الكبيرThe Big Bang» ، فتحوّل هذا الجرم إلى دخان ، وتأدّت الحرارة الشديدة المصاحبة لذلك إلى تفاعلات نووية ، تكونت بها عناصر أولية كالإيدروجين والهيليوم. والرتق فى اللغة هو الضم والالتحام ، ونقيضه الفتق وهو الفصل والانشقاق والانشطار. وفى الرتق كما قلنا

٤٥١

يزيد الضغط والحرارة فتؤدى زيادتهما المستمرة إلى الفتق ، ومع تكوّن العناصر تكونت الأرض والسماء ، مصداقا للآية : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (١٢) (فصّلت). ومع الانفجار الكبير تمدد الكون وتضخّم بسرعة فائقة تضاءلت مع الزمن إلى معدلاتها الحالية ، ولكن هذا التمدّد لن يستمر للأبد ، فالكون ليس كونا منفتحا آليا كما يقول الملحدون ، وتؤكد حسابات الكتل المفقودة بأن الكون مصيره إلى الانغلاق ، وأنه على ذلك كون مغلق ، أى له نهاية ، وأن التمدّى سيتوقف عند لحظة فى المستقبل ، يعود بعدها إلى الانكماش والتكدّس والانطواء والتقارب والالتحام ، وهى مرحلة الرتق الثانية ، فيعود سيرته الأولى ، بحسب غلبة قوى الجذب فيه على قوى الدفع إلى الخارج ، وينطوى الكون على نفسه ، ليعود إلى حالة الكثافة اللانهائية الأولى التى بدأ بها ، وهو المعبّر عنه فى الآية : (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) (١٠٤) (الأنبياء) ، والآية : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) (٤٨) (إبراهيم) ، وذلك ما يسميه الفلكيون «الانسحاق الكونى العظيم The Big Crunch».

وهذه الدلالات العلمية للآيات الكونية لم يتبينها الإنسان إلا بعد نزول القرآن بألف وأربعمائة سنة كما ذكرنا ، أو أن القرآن قال بها منذ ذلك الوقت البعيد يوم كانت البشرية فى عماء علمى كامل ، ومن ذلك فى سفر الخروج من التوراة ، فى الفصلين الأول والثانى ، أن الكون ساكن ثابت فى مكانه ، لا يتغير ، وأن النجوم ثابتة فى السماء التى تدور بها حول الأرض ، وأن الكون كله مركب من عناصر أربعة هى الماء والهواء والتراب والنار ، وبذلك تختلف الصورة العلمية فى القرآن للكون عن مثيلتها فى التوراة ، مما يدل على أن كلام القرآن هو كلام الخالق وليس كلام بشر ، وأن محمدا الذى تنزّل عليه القرآن وبلّغه ، هو رسول من عند الله تعالى يوحى إليه. وقد شهد العلم بصدق القرآن فى كل ما ورد فيه من قضايا علمية ، وبأن آياته قد صيغت بحيث يفهم منها كل عصر ما يتناسب مع مستواه العلمى ، وهذه معجزة أخرى للقرآن ، وما تزال عجائب القرآن ومعجزاته تتضح الحين بعد الحين ، كلما اتسعت دائرة المعارف الإنسانية.

* * *

١٣٦٢ ـ من الآيات الكونية الدالة على وجود الله ووحدانيته

الإعجاز العلمى فى القرآن ، وكذلك الإعجاز العلمى فى الأحاديث النبوية ، يحتاجان

٤٥٢

إلى مجلدات ، وفى هذا الباب «القرآن والعلم» نحاول أن نلفت النظر إلى بعض الآيات المتضمنة للإعجاز دون الآيات كلها ، ونبيّن ما فيها ، وما تشير إليه ، وما تتضمنه.

ومن الآيات التى تتضمن إشارات إلى الإعجاز العلمى للقرآن ، ومن ثم تشتمل على الدليل على وجود الله وعلى وحدانيته ، الآية : (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) (١٢٥) (الأنعام) ، وفيها يقابل الله تعالى بين ضيق صدر الكافرين بالهداية ، وضيق صدر الذى يصعّد فى السماء بغير وسائل واقية ، فمن أين يتسنّى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعرف هذه الحقيقة العلمية ، والعلوم فى وقته لا ذكر فيها لذلك ، إلا أن يكون مبدع القرآن هو الله الذى خلق هذا الكون ، وهو أعرف بما فيه؟ وفى علوم الفلك : أن للأرض غلافا غازيا يمتد ثلاثة كيلومترات فوق سطح الأرض ويمكن للإنسان أن يتواجد فيه ، فإذا ارتفع عن ذلك ١٦ كيلومترا فإن هذا الجزء حتى نصفه يمكن للإنسان أن يعيش فيه بصعوبة ، فتعترى خلاياه الاضطرابات نتيجة نقص الأوكسيجين وانخفاض الضغط الجوى ، ويعانى صعوبة فى التنفس ، فإذا ارتفع عن ذلك كان لا بد له أن يرتدى حلة كحلل رواد الفضاء لتحميه ، وإلا بدأ صدره يضيق حرجا كما تقول الآية ، وتبدأ كل وظائف الجسم فى التوقف ، وتتمدد الغازات فى الجسم وأنسجته وتنفصل عنه ، وتتسبب فى آلام مبرحة ، وفى صدمة عصبية ، وزرقة فى الجسم ، وشلل جزئى ، ويتوقف القلب والرئتين ، وهذه حقائق تضمنتها الآية وأشارت إليها ولم يبينها إلا العلم الحديث ، فنعلم بذلك عظمة القرآن ، وأنه كتاب لا يمكن أن يكون قد ألّفه بشر ، وندرك عظمة خالقه سبحانه ، وأنه عالم قادر لا مثيل له ، ولا ند ، ولا شبيه.

* * *

١٣٦٣ ـ السماء فى القرآن والعلم

تتكرر لفظة السماء فى القرآن ١٢٠ مرة ، وجمعها السموات ويتكرر لفظه ١٩٠ مرة ، وقال تعالى عن السماء : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً) (٢٢) (البقرة) ، وبناء السماء كما يقول العلم ، كما لو كانت السماء سقفا للأرض : (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) (٣٢) (الأنبياء) ، وتشمل السماء كل ما فوق منطقة المناخ من الأرض ، وهى المنطقة التى توجد فيها السحب وتأتى منها الأمطار ، وتلحق بالأرض ، وأما ما بعدها فهو من السماء ، أو بالأحرى من السموات ، جعلهن الله سبعا طباقا (نوح ١٥) ، يعنى طبقات فوق بعضها البعض ، ولا تقوم على عمد وإنما تجمعها القدرة ، وتشدّها بعضها إلى بعض الجاذبية ، ولها أقطار (الرحمن ٢٩) ، ويقع قطر السموات عند نهاية قطر الأرض وبعد منطقة

٤٥٣

المناخ ، وجميع السموات تتطابق حول مركز واحد ، وهى مجموعات فلكية ، منها مجموعتنا الشمسية ، وتدخل ضمن مجموعات أكبر هى المجرات وكأنها الحشود ، والشمس أكبر كواكب هذا البناء ضمن المجموعة الشمسية ، وهى من الخارج عبارة عن كتلة غازية ملتهبة ومشتعلة ومضيئة بذاتها ، سمكها ثلثا نصف قطر الشمس ، وتدور حول مركز الشمس فى نحو ٢٤ يوما ، بينما قلب الشمس يدور كجسم صلب ، وتستغرق دورته ٣٦٥ يوما ، وتقدر درجة حرارتها بنحو ٥٨٠٠ درجة مطلقة ، ودرجة حرارة اللّب نحو ١٥ مليون درجة ، ودرجة حرارة الهالة أو الإكليل بنحو ٢ مليون درجة ، وتتكون من غاز الإيدروجين (٧٠ خ) والهيليوم (٢٨ خ) وعناصر أخرى (٢ خ) وتجرى الشمس ـ تجرّ معها مجموعتها ـ نحو نقطة محددة فى كوكبة هرقل (كوكبة الجاثى) بالقرب من النسر الواقع Vega ، بسرعة تقدر بنحو ١٩٥ كيلومتر فى الثانية ، وتجرى حول مركز مجرتنا بسرعة ٢٥٠ كيلومترا فى الثانية لتتم دورتها فى نحو ٢٥ مليون سنة. والمجموعة الشمسية بحسب قربها من الشمس تتكون من عطارد ، والزهرة ، والأرض ، والمريخ ، وهذه كواكب صخرية ، والمشترى ، وزحل ، ويورانوس ، ونبتيون ، وبلوتو ـ وهى كواكب غازية ، وبالإضافة إلى عدد من مدارات المذنبات والأقمار التوابع وآلاف الكويكبات. وهذه الكواكب جميعها تدور حول الشمس فى اتجاه واحد ، وفى مستوى واحد ما عدا بلوتو ، وفى مدارات إهليلجية. والمسافة بين الأرض والشمس نحو ١٥٠ مليون كيلومترا. وتكوّن المجموعة الشمسية بالإضافة إلى حشد من النجوم يقدّر بنحو التريليون (مليون مليون) ، ما يسمى باسم مجرة الدرب اللّبنى أو درب اللبّانة ، وتشد الجاذبية هذه الكوكبة فتتحرك كجسم واحد. وبمجرة درب اللبانة نحو عشرين مجرة ، بعضها حلزونى ، وبعضها بيضانى ، وهناك مجرات أكبر مثل مجرات برج العذراء ، وتكوّن تجمعا أكبر يقال له الحشد المجرّى المحلى الأعظم ، ويضم نحو المائة من الحشود المجريّة ، وتبدو كروية. وفى النجوم تصنّع مختلف صور المادة ، وتعتبر هذه النجوم لذلك أفران الصهر الكونية. وهناك غير ذلك السدم Nebulae ، والمادة بين النجوم ، والمادة الغامقة ، ويقدر الجزء المدرك من السماء الدنيا بمائة ضعف كتلة المادة والطاقة والأجرام المرئية والمحسوسة فيه ، والمقدّر أننا لا ندرك إلا أقل من عشرة فى المائة من الجزء الذى وصل إليه علمنا من السماء الدنيا ، وذلك قوله تعالى : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٥) (الإسراء) ، وقوله : (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (٥٧) (غافر). سبحانه!

* * *

٤٥٤

١٣٦٤ ـ السموات السبع والأرضين السبع

من معجزات القرآن تحديده للسماء بأنها سبع سماوات ، وللأرض بأنها سبع أرضين ، فقال تعالى : (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ) (١٢) (فصّلت) ، وقال : (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ) (١٢) (الطلاق) ، وقال : (خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً) (٣) (الملك) ، وقال : (وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً) (١٢) (النبأ) ، وقال : (وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ) (١٧) (المؤمنون) ، ومن هذه الآيات عرفنا أن السموات سبع تأكيدا ، وهى متطابقة حول مركز واحد ، يغلف الخارج منها الداخل. ويصف القرآن الحركة فى السماء بالعروج ، أى الانحناء ، وثبت علميا أن حركة الأجسام فى الجزء المدرك من الكون ليست فى خطوط مستقيمة ، بتأثير الجاذبية والمجالات المغناطيسية ، كقوله : (وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ) (١٤) (الحجر) ، وقوله : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (٥) (السجدة) ، فلو أن الإنسان ـ فرضا ـ تحرك حول الجزء المدرك من السماء الدنيا ـ وهذا مستحيل فى حدود إمكاناته. فإنه لا بد أن يعود إلى النقطة نفسها التى بدأ منها ، مما يثبت كروية السماء الدنيا ، وكروية السموات السبع التى تطابقها. والسرعة المطلوبة للإنسان ليفعل ذلك لا يطيقها إلا بأمر الله ، وأما بالنسبة للملائكة والجن ، فذلك ممكن ، لأنها مخلوقات ليست مادية من طين كالإنسان ، وكذلك الروح إذا خرجت من البدن فتزيد سرعتها كما قال تعالى : (مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (٤) (المعارج). ويتضح من ذلك تحدّب المكان والزمان ، وأن السموات يغلف الخارج منها الداخل ، وأننا لا نرى من ذلك سوى الجزء المدرك وهو محدود ، ولذا فليس لنا سوى أن نصدّق القرآن والحديث لأنهما الوحيدان اللذان أخبرانا عن ذلك فى حدود العلم ؛ وكذلك الأرض فإنها سبع أرضين. والأرض من كواكب المجموعة الشمسية التسعة ، وهى الثالثة بعدا عن الشمس ، ومتوسط قطرها ١٢٧٤٢ كيلومتر ، ومتوسط محيطها ٤٠٠٤٢ كيلومتر ، ومساحة سطحها ٥١٠ ميليون كيلومتر ، وأقصى ما استطاع الإنسان أن يصل إليه من عمق الأرض لم يتجاوز ١٢ كيلومتر ، وما توصل إليه هو بضع استنتاجات ، منها : أن للأرض نواة صلبة مصمتة من الحديد وبعض النيكل وعناصر من الكبريت والفوسفور أو السليكون ، ويبلغ قطر هذه النواة ٢٤٠٠ كيلومتر تقريبا ، وتعرف باسم «اللّب الصّلب للأرض» ، ويليها إلى الخارج نطاق من نفس التركيب ولكنه منصهر ، ويسمى «لبّ الأرض السائل» ، ويبلغ سمكه نحو ألفى كيلومتر ، وبين اللّبّين منطقة انتقالية سمكها ٤٥٠ كيلومتر ؛ ويلى ذلك ما يعرف باسم «وشاح الأرض» ، ويبلغ

٤٥٥

سمكه نحو ٢٧٦٥ كيلومتر ، ويقع تحت سطح الأرض من عمق ١٢٠ كيلومتر إلى ٢٨٨٥ كيلومتر ، وهو عبارة عن ثلاثة نطق ، تقسم الوشاح إلى وشاح سفلى ، ومتوسط ، وعلوى ، والنطاقان الأخيران يكونان ما يعرف باسم «نطاق الضّعف الأرضى» ؛ ويلى الوشاح إلى الخارج «الغلاف الصخرى للأرض» ، ويصل سمكه من ٦٥ كيلومتر تحت قيعان المحيطات ، إلى ١٢٠ كيلومتر تحت القارات ، ويقسمه خط الانقطاع الاهتزازى المسمى «الموهو» إلى نطاقين ، الخارجى يشكل «قشرة الأرض» ، ويتراوح سمكها بين ٨٠٥ كيلومتر تحت قيعان المحيطات ، وبين ٢٠ إلى ٨٠ كيلومتر تحت القارات بمتوسط ٣٥ كيلومتر. وهذه النطق عددها سبعة ، هى : لب الأرضى الصلب ، ولب الأرض السائل ، ووشاح الأرض ، ونطاقا الضعف الأرضى ، ثم نطاقا الغلاف الصخرى ، وهذه النطق السبعة هى المقصودة بالأرضين السبع ، فسبحان خالق السموات الأرض ، وجاعلهن سبعا سبعا! وسبحان منزّل القرآن وفيه الخبر عمّا لا يعرف الإنسان ، تأكيدا أن هذا الكتاب من لدنّ الله ، نزّله على عبده فلم يكتم منه شيئا ، فكان ما جاء به القرآن عن آيات الكون مصدقا لكشوفنا فيه ، وهو لذلك مصدّق كذلك لكل ما حوى القرآن من أوامر ونواه ، وأخبار عن الجنة والنار والحساب والبعث ، فهى حقّ مطلق لا ريب فيه.

* * *

١٣٦٥ ـ الإعجاز فى الآية : (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ

بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ)٦ ق

ينبّه القرآن إلى أن السماء بناء محكم ، لا نقص فيه ولا خلل ، ورغم ارتفاعاتها المذهلة فإنها بلا عمد تحملها ، بينما الكواكب والنجوم تزينها وقد ترابطت معا فى اتساق. وأى بناء يمكن أن يأتيه النقص أو تقع له الفروج والتصدّعات ، إلا السماء لأنها خلق الله. ولمّا اكتشف العلماء منذ عدة سنوات أن بالسماء المنظورة مناطق مظلمة تماما تخلو من النجوم وتجمّعاتها ، سمّوها مجازا بالفراغات أو الفجوات ، فظن البعض أن القرآن قد أخطأ ، وأن الآية : «ومالها من فروج» ليست من العلم فى شىء ، إلا أن الدراسات الفلكية الحديثة أثبتت صواب القرآن ، وأنه كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنه «لا فراغات فى الكون» ، وأن ما حسبوه فراغات أو فجوات ، تمتلئ بالدخان الكونى والأشعة الكونية ، قد يكون بها من صور المادة والأجرام الخفية ما يفوق كتل المجرات المحيطة بها ، وذهب العلماء إلى أن هذه المناطق المظلمة تتكون أساسا من المواد الداكنة الباردة ، وتحتوى على نجوم خانسة ذات كثافات فائقة ، وهى التى تسمى «الثقوب السوداء» ، وأنها تنتشر فى الكون ،

٤٥٦

ومن أساسيات نظامه وتماسك بنائه. والحق أن الكون طالما يتمدّد ويتّسع باستمرار نتيجة تباعد المجرات عنا ، وعن بعضها البعض ، فإن المادة والطاقة يتولدان باستمرار لملء هذا الاتساع ، فمع تواجد المكان يتواجد الزمان ، وإذا تواجد المكان والزمان تخلّقت المادة والطاقة. وتنفى المادة الموجودة فى الكون إمكان أن توجد به فراغات ، وليس صحيحا أن أجرام السماء تسبح فى فراغ تام ، وأثبتت الدراسات الحديثة أن المسافة بين النجوم وتجمعاتها تنتشر فيها الأشعة الكونية والجسيمات الأولية والدخان الكونى وما يحمله من هباءات الرمال ، بالإضافة إلى ما يعرف بالمادة الداكنة ، وتتركب من جسيمات ثقيلة تمثل نوعا من الخيوط الكونية التى تربط بين الأجرام ، وتحمل الأوامر الكونية كما تحملها لبنات الشفرة الوراثية فى أجساد الكائنات الحية. وعلى ذلك فلا وجود لفراغات مدّعاة فى الكون ، ولا لفروج فى السماء ، وسبحان من قال ممتنّا على عباده : (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) (٣) (الملك) ، يعنى أنها لا فوت فيها فيقع الخلل بسببه ، ولا فطور بها ، أى فروق ، فيحدث التشقق والتصدّع ، وسبحان من أنزل القرآن بهذه الحقائق منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة وكان الناس فى جهل شديد ، ولم تتضمن التوراة والأناجيل شيئا من ذلك.

* * *

١٣٦٦ ـ (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ)١٣ الجاثية

تسخير السموات فى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن شيئا ، ولا يوجد مثل هذا التعبير فى الأناجيل ولا فى التوراة ؛ والتسخير : تكليف بالعمل فى خدمة هدف بدون أجر ، والمقصود بتسخير السموات هو استخدامات الفضاء كما فى صناعات الطيران ومركبات الفضاء ، والبث عبر الأقمار الاصطناعية ، ومن فوائد هذا التسخير ثورة المعلومات ، وسهولة انتقالها ، والتجسس بواسطة الأقمار الاصطناعية فى الحروب ، والتنبؤ بالأحوال الجوية ، وفوائدها للزراعة والمواصلات البحرية والجوية ، واستخدامات الإنترنت فى الطب والصناعة والتجارة والتعليم والدعاية ، واستخدامات الطاقة الشمسية فى الزراعة وتنقية المياه والتدفئة ، ولو لا العلم الحديث ما عرفنا معنى التسخير ، فالعلم الحديث كاشف لمعانى القرآن وإعجاز آياته ، وما كان لمحمد أن يحيط علما بهذا التسخير منذ ألف وأربعمائة سنة ، وذلك دليل على صدق القرآن ، وأنه من لدن عليم خبير ، وعلى صدق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنه من رسل الله تعالى.

* * *

٤٥٧

١٣٦٧ ـ (رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها)٢ الرعد

الآية حجة كونية مرئية على وجود الله ، فالسماء نراها مرفوعة ، ووصفها الله تعالى فقال : «بغير عمد ترونها» ، ولم يقل : «ترونها بغير عمد» ، والأولى إثبات للعمد ترفع السماء دون أن يراها الإنسان ، والثانية إثبات بأن السماء مرفوعة كما يراها الإنسان بغير عمد ، وفارق بين المعنيين ، والآية القرآنية أثبتها العلم الحديث ، وأكد أن السماء ترتفع بالجاذبية ، وأن الجاذبية تمسكها أن تقع ، وأن ينهدم بناؤها الشاسع ، كقوله : (وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٦٥) (الحج) ، والأولون قالوا : إن العمد هى الضرورة ، وهى غاية علمهم ؛ والمحدثون قالوا : إنها «الجاذبية العظمى» ، وتتألف من قوى ، منها القوى النووية الشديدة : التى تربط جزئيات المادة ، وتدمج وتلحم نوى الذرات مع بعضها البعض ، والقوى النووية التى تتحكم فى فناء العناصر حيث أن لكل عنصر أجلا مسمى ؛ والقوى الكهر ومغناطيسية التى تربط الذرات ببعضها البعض داخل جزئيات المادة ، وأخيرا قوة الجاذبية ، وهى القوة العظمى ، وتمسك بكافة أجزاء السماء بمختلف تجمعاتها ، وتنتشر موجاتها فى أرجاء الكون كله بسرعة الضوء دون أن ترى. وهذه القوى هى العمد التى ترفع السماء وتمسكها أن تقع ولا نراها. وترتبط الجاذبية بكتل الأجرام ومواقعها ، وكلما تقاربت زادت كتلها ، وزادت قوة الجذب بينها ، فالأكبر منها يمسك بالأصغر بواسطة قوى الجاذبية ، ومع دورانها حول نفسها تنشأ القوة الطاردة المركزية ، وتدفع الأجرام الصغيرة بعيدا عن الكبيرة ، إلى أن تتساوى القوتان المتضادتان ـ قوة الجذب إلى الداخل ، وقوة الطرد إلى الخارج ـ فتتحدد بذلك مدارات النجوم كافة دون اصطدام. وهذه القوى الأربع هى القوى الخفية التى يقوم بها بناء السماوات ، وتتوحّد جميعها فى قوة جاذبية عظمى تنتشر فى كافة أرجاء الكون ، وتظهر فى صورة الطاقة ، والطاقة هى الوحدة الأساسية فى الكون ، والمادة مظهر من مظاهرها ، والكون عبارة عن المادة والطاقة ، وبدون الجاذبية فلا وجود للكون ، وهى التى تربط أجزاءه ببعضها البعض ، وتمسكها أن تنفرط وأن تقع ، وتكوّر كافة النجوم والأرض ، وتحكم دوران الأجرام وتخلّقها ، وتمنعها أن تصطدم فى مداراتها ، وتحدّب الكون وتجعل لمسارات الطاقة والمادة خطوطا متعرجة ، وتمسك بالأغلفة الغازية والمائية ، فهذه هى العمد التى ترفع السماء ولا نراها ، وأخبرنا بها ربّنا فى القرآن ، وهى دليل صدق أن القرآن لا يتصادم مع العلم ، وأنه كتاب منزل من عند الله ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذى تنزّل عليه وبلّغه للناس ، هو فعلا رسول من عنده تعالى.

* * *

٤٥٨

١٣٦٨ ـ (وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ)٧ الذاريات

هذا الوصف للسماء يأتى فى القرآن مرة واحدة ، وكلمة الحبك لم تتكرر فيه ، وأكثر استخدامنا لها فى اللغة بمعنى الثبات ، ونقول ثوب محبوك أى لابس على صاحبه فلا زيادات فيه ، والخياط حبك الثواب أى فصّله على الجسم حسنا ، والقصّاص حبك القصة أى أجادها وأحكمها. وقيل فى السماء ذات الحبك : أنها أحسنت صنعتها ، وأحكمت أطرافها ، واحتبكت ما فيها ، أى احتوته واستوعبته ، وفى الحديث أن عائشة كانت تحتبك تحت الدرع فى الصلاة ، أى تشدّ الإزار وتحكمه ، وعلى ذلك فالسماء ذات الحبك هى المشدودة الأطراف على نفسها. والحباك هو الطريقة فى الرمل إذا أصابته الريح فيكون جعدا ، وجمع الحباك حبك ، وجمع الحبيكة حبائك ، وقرئ والسماء ذات الحبك ، والحبك. وقيل ذات الحبك : المراد ذات الزينة ، أو ذات النجوم ، أو ذات الطرائق. والطّرق هى المجرات التى فى السماء ، سميت بذلك لأنها كأثر الجرّ ، وقد أقسم بها لأنها قد خلقت على هيئة عظيمة ، والعلم أثبت لها هذه العظمة ، فهذه السماء مصنوعة بشكل محكم دقيق ، والجزء الذى ندركه منها ونستطيع أن نتحدث عنه يتكون من مائتى بليون مجرة على الأقل! وما خفى كان أعظم! وتختلف أشكال مجراتها وأحجامها وكتلتها وسرعتها ، ومنها مجرات عملاقة يصل طول قطرها ٠٠٠ ، ٧٥٠ سنة ضوئية ، وتتجمع فى مجموعات محلية ، ثم فى مجموعات مجرية أكبر ، ثم فى مجموعات أعظم وأضخم ، «والتجمّع الأعظم» الذى تنتسب إليه مجرتنا به مائة من التجمعات المجرية على هيئة قرص ، قطره نحو مائة مليون سنة ضوئية ، وتشكل هذه التجمعات ما يسمى «الحائط الأعظم» ، وتحيط بمركز الانفجار العظيم نطق ، منها «نطاق الانفجار العظيم» أو «نطاق كرة النار» ، وقطره حوالى بليون سنة ضوئية ، و «نطاق السحب البيضاء» حول الانفجار العظيم ، وسمكه نحو بليونى سنة ضوئية ، ونطاق سحابى آخر سمكه نحو الثلاثة بلايين من السنين الضوئية ، «ونطاق أشباه النجوم السحيقة» وسمكه نحو خمسة بلايين سنة ضوئية ، «ونطاق أشباه النجوم القديمة» ، وسمكه حوالى سبعة بلايين سنة ضوئية ، و «نطاق المجرات» وسمكه نحو أربعة بلايين سنة ضوئية ، وبذلك يبلغ قطر هذا الجزء المدرك من السماء نحو ٢٣ بليون سنة ضوئية! فكأن مجرّتنا ـ مجرة درب اللبّانة ـ وسط هذه المتاهة من السماء التى ندركها لا تعتبر شيئا مذكورا ، وكأنها ذرة وسط هذا الاتساع الهائل والمجرات العظمى ، ومع ذلك فإنها تضم نحو تريليون نجم تتباين أعمارها! ومنها «الشمس» ، وما يسمى «العماليق الحمر» ، «والعماليق الكبار» ، و «النجوم الزرقاء» ، «والأقزام البيض» ، و «النجوم النيوترونية» ، و «النجوم الخانسة» التى هى «الثقوب

٤٥٩

السوداء» إلخ. ويبلغ طول قطر قرص مجرتنا نحو مائة ألف سنة ضوئية ، وسمكها عشرة آلاف سنة ضوئية ، ولها توابع من الكواكب والأقمار والمذنبات ، لها أقطارها المهولة ، ولها توابعها هى الأخرى إلخ. وتبلغ كتلة مجرتنا قدر كتلة الأرض بحوالى ٠٠٠ ، ٣٣٣ مرة ، ودورانها حول مركزها يستغرق ٢٥٠ مليون سنة من سنينا ، وهى بالنسبة لها كاليوم بالنسبة لنا! فهذا وغيره هو صورة السماء التى ندركها ، وهو بناؤها المحكم المشدود المتين المقصود بقوله تعالى : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ) (٧) ، وما يمسك هذا النظام ، وهذا الملك الكبير الضخم إلا الله ؛ وما يقدره ويحفظه إلا هو ، سبحانه ، كقوله : (وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٦٥) (الحج).

* * *

١٣٧٠ ـ (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ)١ البروج

يقسم الله تعالى بالسماوات ذات البروج ، والبروج هى منازل الكواكب والشمس والقمر ، وهى اثنا عشر برجا ، وسير القمر فى كل برج يومين وثلث يوم ، فذلك ثمانية وعشرون يوما ، ثم يستسر لليلتين ؛ وتسير الشمس فى كل برج منها شهرا ، وهى : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والعذراء ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، والدلو ، والحوت. والعرب ببركة القرآن وتنبيهاته المستمرة لعظمة السماء وما فيها هم الذين أبطلوا خرافات علم الفلك وجعلوه علما استقرائيا يعتمد على المقايس والحسابات الرياضية والهندسية ، وعرفوا منازل الشمس بالنسبة للبروج ، وقسموها إلى أربعة منازل تمثل فصول السنة : الربيع ، والصيف ، والخريف ، والشتاء ، وخصّصوا لكل منزل ثلاثة بروج : الحمل والثور والجوزاء للربيع ؛ والسرطان والأسد والعذراء للصيف ؛ والميزان والعقرب والقوس للخريف ؛ والجدى والدلو والحوت للشتاء ، والقرآن هو أول كتاب سماوى ينبّه إلى أهمية البروج ، فيقول تعالى : (وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ) (١٦) (الحجر) ، فهى لعمارة السماء ، وبرزت فيها الناحية الجمالية ، ومن ثم ارتبط فن العمارة بفن الجمال. والبروج نجوم رتبت فى مجموعات من الكواكب ، وبها تتحدد الاتجاهات الأربع الأصلية كقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (٩٧) (الأنعام) ، ومن ذلك النجم القطبى ، وهو نجم ثلاثى ، وألمع نجم فى كوكبه الدّبّ الأصغر ، ويبعد عنا مسافة ٦٥٠ سنة ضوئية ، وبالنظر إلى دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق ، فإن القبة السماوية تبدو وكأنها تتحرك من الشرق إلى الغرب فى حركة ظاهرية

٤٦٠

بكافها نجومها ، إلا النجم القطبى الذى مكانه الامتداد الشمالى لمحور دوران الأرض ، فيبدو لنا ساكنا ، ويحدد بموقعه اتجاه الشمال الحقيقى ، ولهذا يعين على تحديد الجهات الأصلية ، ويساعد الناس فى ظلمات البرّ والبحر ، وفى تحديد القبلة إلخ ، ولو لا ذلك ما استطاع الإنسان أن يحدد مكانه فى ظلمات البر والبحر. والبروج مصابيح ، تنير السماء وإلا لكان ليل الأرض شديد السواد ، وتحفظها من تسمّع الشياطين بالشهب ترصدهم كقوله : (وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً) (١٢) (فصلت) وقوله : (وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) (٥) (الملك) وتصنع الشهب من مادة البروج. والبروج مصدر الرزق للأرض ، كقوله : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) (٢٢) (الذاريات) ، فكل العناصر الأرضية منها وأنزلت على الأرض. ومن ذلك نرى أهمية البروج ، ولما ذا أقسم الله تعالى بها : فقال : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) (١) (البروج). سبحانه!

* * *

١٣٧١ ـ (وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ)١٢ النحل

النجوم آية من آياته تعالى تدل على عظمة الخالق وأنه واحد لا شريك له ، وعالم قادر ، ولم يرد فى التوراة والأناجيل أى قسم بالنجوم ، وليس فيهما من آيات الكون شىء ، إلا القرآن فيحفل بالآيات الكونية ، ومنها النجوم ، ولم تعرف عظمة النجوم إلا مؤخرا ، وبعد أن نبّه إليها القرآن بأربعة عشر قرنا ، فقيل إنها أجرام سماوية تنتشر بالسماء الدنيا ، وشكلها كروى ، أو شبه كروى ، وهى غازية وملتهبة ومضيئة بذاتها ، ومتماسكة بقوة الجاذبية على رغم بنائها الغازى ، وكتلتها هائلة ، وتشع أضواء مرئية وغير مرئية بجميع الموجات ، ويهتدى بأضوائها ، وفى ذلك قال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (الأنعام ٩٧) ، وسخّرها كما سخّر الشمس والقمر ، كقوله تعالى : (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) (٥٤) (الأعراف). ومن أضواء النجوم عرف العلماء صفاتها الطبيعية والكيميائية ، ودرجة لمعانها ، وشدة إضاءاتها ، ودرجات حراراتها ، وأحجامها ، وكتلتها ، ومواقعها ، وسرعة دورانها حول محورها وفى مداراتها ، وتفاعلاتها النووية. والنجوم بحسب درجة حرارة أسطحها تنقسم إلى «نجوم حمراء» وهى أقل النجوم حرارة ـ ودرجة حرارتها ٣٢٠٠ ، «ونجوم برتقالية» ، وصفراء ، وبيضاء تميل إلى الصفرة ، وبيضاء تميل إلى الزرقة ـ وهى أشدها حرارة ـ ٠٠٠ ، ٣٠ درجة. والشمس من النجوم الصفراء متوسطة الحرارة ـ ٦٠٠٠ درجة. وبعض النجوم عادية ، وبعضها فى مرحلة الطمس أو الانفجار والتلاشى. وتمر النجوم بمراحل من الميلاد والشباب والشيخوخة قبل أن

٤٦١

تنفجر ، وتتولد من الدخان الكونى ، وتصبح نجوما ابتدائية ، ثم عادية ، ثم تنتفخ وتصبح من «العماليق الحمر» ، فإذا فقدت هالاتها الغازية تحولت إلى سدم كوكبية ، ثم تنكمش إلى ما يعرف باسم «الأقزام البيض» ، وقد يصبح النجم عملاقا أحمر ، ثم قزما أبيض ، ومع تكرار ذلك قد ينفجر وتتولد منه النجوم النيوترونية النابضة ، وغير النابضة ، أو الثقوب السوداء ، أو النجوم الخانسة ، أو بعض النجوم العادية المفردة ، ومنها الشمس ، وبعضها مزدوج ، وبعضها متعدد ، وأغلبها مزدوج ومتعدد. والنجوم أفران كونية بفعل التفاعلات النووية ، وتصبح بها نجوما مستعرة أو عمالقة حمرا ، ويتحول قلب النجم إلى حديد يستهلك طاقة النجم ، فتتوقف عملية الاندماج النووى وينفجر النجم إلى قزم أبيض ، أو إلى نجم نيوترونى ، أو ثقب أسود ، بحسب كتلته.

وأقرب النجوم إلينا بعد الشمس : القنطورى ـ ٤٢٠ سنة ضوئية ، ثم النجم القطبى ـ ٤٠٠ سنة ضوئية ، ثم منكب الجوزاء ـ ١٦٠٠ سنة ضوئية. وتحتوى مجرتنا ـ درب اللبانة ـ على مليون مليون نجم ، وبالجزء المدرك من السماء الدنيا ٠٠٠ ، ٢٠٠ مليون مجرة ، تسبح فى ركن من هذه السماء الدنيا ، ويقدّر قطره بأكثر من عشرين ألف مليون سنة ضوئية. والمجرات تجمّعات للنجوم ، وهناك أشباه نجوم وهى أجسام ضعيفة الإضاءة كالمصابيح وزينة ، كقوله تعالى : (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) (٥) (الملك) ، وقوله : (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها) (٦) (ق) ، فسبحان الخالق المبدع ولا إله إلا هو.

* * *

١٣٧٢ ـ آية مواقع النجوم

لا يقسم الله تعالى بشيء إلا تعظيما لأمر هذا الشيء المقسوم به ، وإظهارا لآية خلقه ، وبديع صنعه. ولقد أقسم تعالى بمواقع النجوم ، وهى مواقعها فى السماء أثناء دورانها ، إظهارا لعظمة الخالق سبحانه ، قال : (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) (٧٦) (الواقعة) ، وكانت الآية القرآنية سبقا علميا يدل على إعجاز القرآن ، ويثبت أن هذا الكتاب من عند الله ، وأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مبلّغ عنه تعالى. والإنسان على الأرض لا يتسنّى له فى الواقع أن يرى النجوم ، وإنما هو يرى «مواقع النجوم» ، لأنها مواقع متغيّرة وغير ثابتة ، وكلها نسبية وليست مطلقة ، وثبت علميا أن هناك نجوما اندرست وخبت وتلاشت من قديم الزمان ، إلا أن الضوء الذى صدر عنها فى عدد من المواقع التى كانت لها ، لا يزال يصلنا عبر السنين ، ولا يزال يتلألأ فى السماء فى ظلمة الليل ، بالإضافة إلى

٤٦٢

حقيقة ظاهرة انحناء الضوء فى السماء ، ومن ثم تبدو لنا النجوم فى مواقع غير مواقعها الحقيقية ، وذلك دليل على أن ما نراه فى السماء ليس النجوم على الحقيقة وإنما هو مواقع النجوم كما يقول القرآن ، ولذلك كان هذا القسم العظيم بمواقع النجوم لأنها من آيات إعجاز الله تعالى فى كتابه القرآن.

* * *

١٣٧٣ ـ آية النجم الطارق

فى الآية : (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ) (١) (وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ) (٣) (الطارق) : الطارق اسم فاعل من الطّرق بمعنى الضرب بشدّة ، وهو الدّق ، والمطرقة التى يطرق بها ، والنجم الطارق من مجموعة النجوم النابضة أو «النوابض Pulsating stars» ، وتتميز بكثافتها وجاذبيتها الشديدة وحجمها الصغير ، فتدور حول محورها بسرعات يقال لها النوابض الراديويةRadio Pulsars ، لأنها ترسل نبضات منتظمة من الأشعة الراديوية فى كل جزء من الثانية بحسب سرعة دورانها حول محورها وحجمها ، وكذلك تطلق بعض «أشباه النجوم Quasars» موجات راديوية تطرق السماء وتثقب صمتها بنبضاتها السريعة وموجاتها الخاطفة ، وتميّزها فى مرحلة من مراحل احتضارها وانكدارها التى تسبق مراحل طمسها وخنسها كما فى قوله : (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) (٢) (التكوير) ، وقوله : (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) (٨) (المرسلات) ، وقوله : (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ) (١٦) (التكوير) وهو معنى القسم بالطارق النجم الثاقب ، من آيات الله تعالى الكبرى.

* * *

١٣٧٤ ـ آية النجوم الخنّس

لا يقسم الله تعالى فى القرآن إلا للتنبيه إلى عظمة المقسوم به وأهميته فى حركة الكون ، ويشهد العلم الحديث بصدق القرآن ودقة التعبير العلمى فيه ، ومن ذلك وصفه تعالى للنجوم بالخنّس الجوارى الكنّس ، يقول : (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ) (١٦) (التكوير) وكان التفسير السائد هو التفسير اللغوى ، والخنّس فى اللغة من خنس بمعنى استتر وخفى ، ووصفه تعالى للشيطان بأنه خنّاس ، لأنه يخنس ، أى يختفى إذا ذكر اسم الله ؛ والجوارى تعنى الجاريات فى أفلاكها ، والكنّس من كناس الظبى الذى يختفى فيه ، فيكون القسم فى الآيات : (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ) (١٦) هو قسم مؤكد بالنجوم المضيئة التى تختفى بالنهار وتظهر فى الليل ، والتى تجرى فى أفلاكها لتختفى وتستتر وقت غروبها كما تستتر الظباء فى كناسها. غير أن التفسير العلمى الذى قيل به مؤخرا هو

٤٦٣

الأصدق ، وهو الذى يوضح بجلاء الإعجاز العلمى فى الآية ، فالخنس الجوارى الكنس : هى النجوم التى اكتشفت مؤخرا وأطلق عليها العلماء اسم «الثقوب السوداءHoles The Black» ، وهى أجرام سماوية لها كثافتها الكبيرة وجاذبيتها الشديدة ، فلا تفلت منها أى مادة كونية ، ولا أى من صور الطاقة ، ومنها الضوء ، فإنها تجذبها إليها وتبتلعها فلا تستطيع أن تخرج منها ، ولا أن ترسل أية إشارات عنها ، فهى كالثقوب أو كالهاوية ، ووصفت بأنها سوداء لشدة عتمتها ، لعدم قدرة الضوء على الإفلات من مجال جاذبيتها ، وقيل فيها إنها نجوم نيوترونية فى مرحلة الشيخوخة ، وهى المرحلة التى تسبق انفجارها وتحوّل مادتها إلى دخان ، وليس هناك أبلغ من وصف القرآن لها ، بأنها خنس وجوار كنس ، فأما أنها خنّس فلأنها معتمة وحالكة السواد ، وأما أنها جارية : فلأن لها أفلاكها المحددة التى تجرى فيها ، وأما أنها كنّس : فلأنها تبلع كل شىء وتكنسه كنسا ، حتى أن العلماء قالوا عنها فعلا أنها أشبه فى عملها بالمكانس العملاقة التى تشفط كل ما يمر بها من المادة المنتشرة بين النجوم. وهذه الحقائق عنها قال بها القرآن منذ حوالى ألف وأربعمائة سنة ، فى حين أن اكتشافها حديثا لم يتحقق إلا فى القرن العشرين ، فكيف تسنى لنبىّ أمّى ، فى أمة غالبيتها من الأميّين ، أن ينبّه إليها ويشيد بها ، ويقسم بصدقها ، لو لم يكن ما ذكر فيها علما موحى به ليبلّغه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ففهم الناس منها ما فهموه لغويا ، كما هو ، إلى أن تغيّر الزمن وحان وقت التفسير العلمى الصحيح للآية ، وصدق الله تعالى ، وصدق القرآن ، وصدق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٣٧٥ ـ آية رجع السماء

يصف القرآن السماء بأنها «ذات الرجع» يقول : (وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ) (١١) (الطارق) والرجع : يعنى أن من خواصها أن ترجّع الأشياء ، أى تردّها ، والسماء فى القرآن هى ما حول الأرض ، وقوله تعالى : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً) (٢٧) (ص) المقصود به الغلاف الغازى بين السماء والأرض ؛ والسماء خلقها سبع سماوات يعنى سبع طبقات ، والجزء السفلى من الغلاف الغازى يسمى نطاق المناخ ، وسمكه لا يزيد عن ١٦ كيلومترا فوق مستوى سطح البحر عند خط الاستواء. والمقصود بالسماء ذات الرجع : السماء الدنيا التى تحفل بالأجرام ، وهذه الأجرام تكونت من دخان السماء الذى نتج عن عملية الانفجار العظيم ، وهو قوله تعالى : (أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) (الأنبياء ٣٠) ، والرتق : أنهما كانت شيئا واحدا ففتقهما أى فصل بينهما ، وقوله : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ

٤٦٤

(١١) (فصلت) ، دليل أن الدخان هو الأصل إذن ، وكل ما فى الكون يمر فى دورات حياة تنتهى بالعودة إلى الأصل ـ وهو الدخان فى السماء ـ فى صور ما يسمى بالرجع ، أى بالعودة الدائمة ، وتتمثل هذه العودة أو ذلك الارتداد ، فى ترجيعات متعددة ، فالسماء ترجّع الاهتزازات الصوتية فتتحرك فى شكل أمواج فى هواء الغلاف الغازى للأرض ، فالصوت لا ينتقل فى فراغ ، والرجع الاهتزاز للهواء على هيئة الأصوات ، وصداها هو صورة من صور رجع السماء. وأيضا فإن السماء ترجع الماء ، حيث يتبخر من الأرض من أسطح المحيطات والبحار وسطح اليابسة ، وتدفع السحب البخار وتحمله إلى الطبقة الدنيا من الغلاف الغازى للأرض ، فيتكثف ويعود إلى الأرض مطرا. وهذه الدورة للمياه حول الأرض هى من رجع السماء. وهناك الرجع الحرارى ، فالغلاف الغازى يقى الأرض من حرارة الشمس أثناء النهار ، ويمسك على الأرض حرارتها أثناء الليل ؛ والرجع الغازى بأن يحمل الهواء الغازات والأبخرة والغبار إلى منطقة المناخ ، غير أن الضغط الجوى يضعف كلما زاد ارتفاع الهواء حتى إذا وصل إلى ارتفاع ألف كيلومتر فوق سطح البحر ، عاد كل ذلك إلى الأرض ، وأعيد توزيعه على يابستها ؛ ورجع الأشعة فوق البنفسجية بواسطة طبقة الأوزون ، بأن تردّ هذه الطبقة جزءا كبيرا منها إلى خارج نطاق الأرض ؛ ورجع الإشارات الراديوية بواسطة النطاق المتأيّن ؛ ورجع الأشعة الكونية بواسطة النطاق المغناطيسى للأرض وأحزمة الإشعاع ، فلا يصل منها إلى سطح الأرض شىء. وذلك كله ، وربما أكثر منه ، هو معنى قسمه تعالى بالسماء ذات الرجع ، فهذه الخاصية ـ الرجع ـ آية كبرى من آياته تعالى نبّه إليها القرآن فدلّل على إعجازه العلمى ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو رسوله الذى بلّغ عنه كتابه العظيم.

* * *

١٣٧٦ ـ آية تمدّد الكون

التفكير فى خلق الكون وما فيه من عجائب وآيات ، فريضة إسلامية ، والقرآن دائما وأبدا يذكّر بضرورة التفكير فى خلق السموات والأرض ، لأن التفكير فيهما عبادة من أجلّ العبادات ، والمعرفة بالله لا تكون إلا بالإحاطة بأسبابه وقوانينه فى الخلق والحياة ، وفى الإفناء والبعث. ومن آيات القرآن المبهرات هذه الآية : (وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (٤٧) (الذاريات) التى اختلف المفسرون حولها ولم يفسّرها التفسير الصحيح إلا العلم الحديث ، فقد لاحظ علماء الفلك فى القرن العشرين ، أن معظم المجرات تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات كبيرة ، واستنتجوا : أن الكون إذن يتمدد باستمرار ويتوسّع ، وأن

٤٦٥

المسافات بين الأجرام تمتلئ بالغازات والجسيمات الصلبة المتناهية فى الصغر ، وتنتشر بالمجالات المغنطيسية بين كل أجرام السماء ، وتربط بينها فى بناء محكم متماسك ، وهو تفسير قوله تعالى عن السماء : «بنيناها بأيد» ، يعنى بإحكام ودقة فلا تتصدع ولا تنهار. ومعنى السماء فى اللغة ما يعلو الأرض ، وفى الاصطلاح هى كل ما حول الأرض من أجرام ومادة وطاقة ، والعلم لم يدرك كل ذلك إلا بعد دراسة السماء الدنيا ، وقال عنها إنها الجزء المدرك من السماء بالمعنى الشامل ، وفى هذا الجزء المدرك تبيّن أن هناك مائتى بليون من المجرات ، وبعضها أكبر كثيرا من مجرتنا المسماة درب التبّانة أو اللبّانة ، وبعضها أصغر ، وأن أعداد النجوم فى المجرات تتراوح بين المليون والعشرة ملايين الملايين ، وأن لها أعمارا ومراحل عمرية ، وتوابع وأقمارا ، وأن الكون لذلك شاسع لا يتصوره عقل ولا يحيط به ، وما يزال يتوسّع ، وما تزال تتخلّق فيه المواد بكثافات كانت متقاربة لتملأ المساحات الناتجة عن التوسع ، وأنه مثلما كان تخلّق الكون بعملية «انفجار عظيم» من نقطة واحدة ، فمن المؤكد أن الكون له بداية ، ولا بد أن تكون له نهاية ، وهذا كله تضمنته الآية التى سبق بها القرآن قبل أربعة عشر قرنا ، فلا بد أن هذا القرآن إذن من لدن الخالق للكون ، العالم به ، وأن هذا الرسول الذى بلّغ بالقرآن موحى إليه من عند الله ، ومكلّف بالرسالة ، فكما صدق العلم الآية ؛ فإنه يصدق أن القرآن كتاب الله ، وأن محمدا رسول الله لا شك فى ذلك.

* * *

١٣٧٧ ـ الشهب ، وما ذكره القرآن فيها ، هل هو من العلم؟

يأتى عن الشهب فى القرآن ست مرات فى سور الحجر والنمل والصافات والجن ، وهى من آيات قدرته تعالى ووحدانيته. والشهب والأشهب جمع شهاب ، وهو كل مضىء متولد من النار ، ومنه يقول موسى عليه‌السلام : (سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (٧) (النمل) ، و «الشهاب القبس» هو شعلة من النار التى رآها تضطرم وتتأجج ويمكن استخدامها للاستدفاء وأن تكون نورا. والشهب من الظواهر الجوية ، وهى كما يصفها موسى «أقباس» من جسيمات صلبة صغيرة جدا لا يتجاوز قطرها المليمتر الواحد ، تجذبها الأرض فتخترق الغلاف الجوى بسرعة هائلة عبّر عنها القرآن بقوله : (فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ) (١٨) (الحجر) ، وبقوله : (شِهابٌ ثاقِبٌ) (١٠) (الصافات) ، وهو «مبين» لأن حركته السريعة المذهلة التى قد تتراوح بين ١٢ و ٧٢ كيلومترا فى الثانية الواحدة ، تتسبب فى احتكاكه بذرات الغلاف الجوى فترفع من حرارتها لدرجة التوهج والاشتعال ، فترسم خطا لامعا فى السماء ؛ وهو «ثاقب» لأنه بارتفاع درجة حرارة الهواء الذى يمر خلاله تتبخر معظم مكوناته

٤٦٦

قبل وصول الشهاب إلى الأرض بمسافة تتراوح من ٧٠ إلى ١٠٠ كيلومتر ، فيحدث فى الغلاف الجوى كما «الثقب». والشهاب الواحد يتألف من عدد من هذه الجسيمات الصلبة ، وخلال الأربع والعشرين ساعة التى تصنع اليوم ، يمكن رصد نحو ٢٥ مليون شهاب فى جميع الكرة الأرضة ، وكأنها بوصف القرآن «أرصاد ،» والواحد الرّصد ، يقال (شِهاباً رَصَداً) (٩) (الجن) ، يرصدها ، أى يرقب السماء ويحرسها أن تدنو منها الشياطين والجن ، فإذا فعلت أحرقها ، وتكون الشهب فى مجموعات كبيرة تسمى «رخّات الشهب Meteor» showers ، ومنها المئات فى الدقيقة الواحدة ، وتحدث إذا مرت أجسام غريبة بالقرب من الشمس أو أعماق الفضاء الكونى أو عند مرور المذنبات ، وتطلق هذه المذنبات الآلاف من الجسيمات الصلبة الصغيرة التى تنفصل عنها وتتناثر محدثة تلك الرخّات عند اختراقها للغلاف الجوى أثناء مرور الأرض فى مسار المذنب ، وكأن «السماء المحروسة» فى سورة الجن هى السماء الدنيا.

* * *

١٣٧٨ ـ الحديد فيه بأس شديد

فى قوله تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (٢٥) (الحديد) فعند ما لا يتبع الناس الرسل فيما أخبروا به عن ربّهم ، ولا يطيعون فيما أمروا به ، فإن فى الحديد رادع لمن يأبى الحق ويعانده بعد قيام الحجة عليه ، ولهذا ظل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو الناس بالحسنى فى مكة ثلاث عشرة سنة ، وفى أثنائها كان يناقشهم ويجادلهم ، ويبيّن لهم ، وينبّه إلى الأدلة ، ويسوق البراهين ، حتى قامت الحجة على المخالفين ، ثم شرع القتال لمن ينتصر بعد ظلم ، والقتال أداته الحديد ، وبأسه أن السيوف والحراب والسنان وغيرها تصنع منه ، ومنافعه كثيرة بخلاف القتال ، فمنه تصنع الآلات والعدد التى يستعان بها فى كل مناحى الحياة وأنواع النشاط الإنسانى ، فى الزراعة والصناعة والصيد ، وفى البر والبحر والجو. والجهاد مشروع فى الحرب والسلم ، والجهاد يكون ببذل النفس ، أو مجاهدة الهوى ، أو السعى للرزق ، ولذا قال الله تعالى «إن الله قوى عزيز» ، يعنى يؤتى القوة رسله وعمّاله فى الأرض ، ويعزّهم بكتبه كما يعزّهم بالحديد ، يريد به جنسه من المعادن ، «والقوة» فى رسالات الرسل هى قوة القيم ، وفى «الحديد» هى قوة الآلة. وللحديد خواصه المتعددة ، فى مقاومة الصدأ والبلى. ولأن الأرض قد تكونت فى البدء بانفصالها عن الشمس ، والحديد أحد العناصر الموجودة فى الشمس بوفرة ، فإن

٤٦٧

قوله تعالى «أنزلنا» فيه إعجاز علمى لا شك فيه ، وتؤكد البحوث النووية أن الحديد هو العنصر المستقر الذى تنتهى عنده التفاعلات النووية الاندماجية فى باطن النجوم ، ويعتبر لذلك المكوّن الرئيسى فى رماد النجوم ، ولذا تتكون الشهب والنيازك من الحديد والنيكل. كما أن جوف الأرض يحتوى على الحديد ، وتتكون طبقة اللّب فيها من الحديد والنيكل أساسا ، ولذلك كان لكوكب الأرض مجاله المغنطيسى ، ويمتد تأثيره إلى الفضاء الخارجى. ويتألف كوكب عطارد الأقرب إلى الشمس فى المجموعة الشمسية فى الأغلب من الحديد ، ولذا يطلقون عليه اسم الكوكب الحديدى ... ويمثل الحديد نقطة تحوّل مهمة فى دورة حياة النجوم منذ ولادتها ، وخاصة «النجوم العملاقة» التى يتألف لبّها من الحديد ، ويؤدى انفجارها إلى تكوين ما يسمى «المستسعر الأعظم» أو «السوبر نوفا».

وللحديد منافع كثيرة بكافة الكائنات الحية سواء للنبات أو الحيوان أو الإنسان ، ويدخل فى تركيب مادة الخلية الحية فى النبات والحيوان ، ويتحد بالبروتين ويكون هيموجلوبين الدم ، وهبوط نسبة الحديد فى دم الإنسان يصيبه بالاعتلال بما يسمى فقر الدم ، وهو من أخطر الأمراض. وحتى الآن لم يكتشف العلم عنصرا من العناصر له مثل كل هذه الخصائص الفريدة التى تجعل الحديد ذا بأس شديد ومنافع للناس كما يذكر القرآن ، فتبارك الله ربّ العالمين ، والحمد لله على نعمة القرآن والإسلام.

* * *

١٣٧٩ ـ إتيان السماء والأرض

«الإتيان» فى الآية : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) (١١) (فصلت) هو التسخير ، أى قال لهما الله تعالى كونا ـ فكانتا ، كقوله : (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٤٠) (النحل) ،. وفى الآية : «قالتا أتينا طائعين» لم يقل طائعين على اللفظ ، أو طائعات على المعنى ، حيث أن السماء سماوات والأرض أرضون ، وإنما قال «طائعين» بحسب ما فيهما من كل شىء ؛ و «استواؤه إلى السماء» صدوعها للأمر ؛ و «قضاؤه لهن سبع سماوات فى يومين» يعنى أنه أكمل خلقها وفرغ منه ، وأوحى إلى كل سماء أمرها ، وخلق لها خلقها ونجومها وشموسها. ويصدق العلم الحديث الآية ، وكانوا يقولون قديما إن الكون ثابت لا يتغير ، وفى التوراة فى سفر التكوين ـ أن الكون ثابت! وثبت حديثا زيف هذا الزعم ، وأنه كما جاء فى القرآن يتوسّع ويتمدّد ، وتتباعد مجراته بمعدلات تقترب أحيانا من سرعة الضوء المقدّرة بنحو ثلاثمائة ألف كيلومتر فى الثانية ، فإذا عدنا بهذا الاتساع الكونى إلى بدايته مع الزمن ، فلا بد أن تجتمع كل صور المادة والطاقة فى الكون ، وتتكدّس على بعضها البعض فى نقطة تتناهى فى الصغر إلى ما يقرب من الصفر أو العدم ، وتنكمش فى هذه النقطة أبعاد المكان والزمان ، حتى تتلاشى

٤٦٨

فلا يكون مكان ولا زمان ، ولا مادة ولا طاقة ، ولا شىء إلا العدم ، ويسمى القرآن ذلك «الرتق» ، كما فى قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) (الأنبياء ٣٠) ، والرتق : يعنى أن تكون كل الأشياء جسما واحدا ، وضده «الفتق» : وهو أن تنفصل الأشياء عن بعضها. وفى مرحلة الرتق تكون المادة والطاقة وكل شىء مؤتلفة فى شىء واحد ، أو جرم ابتدائى متناه فى الكثافة والحرارة ، ففتقه الله تعالى ، والفتق يسمونه فى العلم الحديث «الانفجار الكبيرThe Big Bang» ، وذلك أن تكدّس المادة والطاقة من شأنه أن يحدث تضاغطا هائلا فيكون الانفجار ، فيتحول كل شىء دخانا ، وما تزال لهذا الدخان الكونى الأول بقايا عالقة على أطراف الجزء المدرك من الكون ، وعلى أبعاد تصل إلى عشرة مليارات من السنين الضوئية ، لتثبت صدق القرآن ودقة مصطلح الدخان الذى استخدمه تعبيرا عن هذه الحالة. وبانفجار هذه النقطة ، أو هذا الجرم الصغير المتناهى فى الصغر لدرجة العدم ، تحول إلى كرة من الإشعاع والجسيمات الأولية أخذت تتمدد نتيجة الحرارة الشديدة ، ولكنها تبرد بسرعة هائلة أيضا ومن ثم تحولت إلى هذا الدخان الذى يتركب من فوتونات Photones ، وإلكترونات ، ونيوترينوات Neutrinos ، وأضداد لها مع بروتونات ونيوترونات Neutrons ، ولو لا عملية تمدّد الكون وتوسّعه ، لأفنت الجسيمات الأولية وأضدادها بعضها بعضا وانتهى الكون ، ولكنه حفظ بحفظ الله ، واستمر فى التمدّد ، وانخفاض درجة حرارته حتى ألف مليون درجة مطلقة ، فاتّحدت النيوترونات والبروتونات ، وكوّنت الإيدروجين والهليوم وعناصر أخرى ، ومع انخفاض درجة الحرارة إلى آلاف قليلة ، بدأت ذرات العناصر فى التكوّن والتجمّع ، وتكدس الدخان الكونى على هيئة سدم كونية هائلة ، تكثّفت على ذاتها بفعل الجاذبية والدوران حول نفسها بسرعات متزايدة تدريجيا ، جعلت الغازات تتجمع فى كتل وتتضاغط ، فتزيد حرارتها ، فبدأت الاندماجات النووية للإيدروجين والهيليوم ، فتكونت النجوم ، واستمرت الاندماجات النووية فيها فتخلّقت العناصر الأعلى فى وزنها الذرّى ، مثل الكربون ، والأوكسجين وما يليهما ، إلى أن تحول لبّ بعض النجوم بالكامل إلى الحديد ، وتحوّل بعضها الآخر من نجوم مستعرة إلى فوق مستعرة ، انفجرت لتتكون مما تناثر منها من عناصر ثقيلة ، الكواكب والكويكبات ، وشمسنا هذه. وعلى الرغم من الانفجارات فى الكون وعدم التجانس فيه ، فإنه يبدو لنا من الأرض متجانسا ، وتحدّه خلفية إشعاعية متساوية ، ولم يصل التوسع به إلى الحدّ الحرج الذى يمكن أن يؤدى إلى انهياره على ذاته ، الأمر الذى يثبت أنه محكم البناء ، ومضبوط بقوانين بالغة الإحكام ، وهذا ما تقصد إليه الآية من قوله تعالى : (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا

٤٦٩

أَتَيْنا طائِعِينَ) (١١) (فصلت) ، يعنى أنه تعالى خلق الكون فى يسر ولم يعسر عليه شىء سبحانه ، وما كان يمكن لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعلم بهذا كله فى زمنه ، وليس من ذلك شىء فى كتاب الخلق Genesis فى التوراة مثلا ، وهو الذى كتبه عزرا الأمر ، الذى يثبت أن القرآن وقد صدقه العلم هو كتاب من عند الله ، وأن محمدا رسوله تعالى حقا ليبلّغه للناس. وما علمنا بما نعلم به عن الكون إلا مؤخّرا ، وما علم به الأقدمون ، كقوله تعالى : (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) (٥١) (الكهف) ، وسبحانه القادر العليم.

* * *

١٣٨٠ ـ لأهلة مواقيت للناس والحج

سأل اليهود النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الأهلّة ، واعترضوا بسؤالهم عليه : لما ذا يبدو الهلال دقيقا ثم يزيد حتى يستوى ويستدير ، ثم ينتقص حتى يعود كما كان؟ فأنزل الله هذه الآية : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ) (البقرة) ، والأهلة جمع هلال ، والمراد بالأهلة شهور السنة ، فقد يعبّر عن الهلال بالشهر لحلوله فيه. والهلال غرّة القمر ، ويسمى «هلالا» لليلتين من أول الشهر ، أو إلى ثلاث أو إلى سبع ، ولليلتين من آخر الشهر ، أى ست وعشرين وسبع وعشرين ، وفى غير ذلك هو «القمر». وقيل إنما سمى هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه ، وزيادة القمر ونقصانه للتذكير بالآجال والمعاملات ، ولبيان الأيمان ، والحج ، والعدد ، والصوم ، والفطر ، ومدة الحمل ، وغير ذلك من مصالح العباد ، عند ما لم تكن هناك مثل ما لدينا الآن من وسائل الحساب. والهلال ظاهرة طبيعية سببها اختلاف موقع الأرض بين القمر والشمس. وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام ، ولذا كانت مواقيت للناس ، وخاصة للحج ، لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت ، ولا يجوز النسيء فيه عن وقته ، بينما كان العرب يحجّون بالعدد وتبدّل الشهور ، فأبطل الله قولهم وفعلهم.

* * *

١٣٨١ ـ الشمس فى القرآن وتوافق آياتها مع العلم

الشمس أكبر كواكبنا ، وإليها تنسب مجموعة الكواكب التى منها الأرض فيقال المجموعة الشمسية ، وكانوا يعدّونها مركز الكون the heliocentre ، وقدّسوها وجعلوها إلها ، كان اسمه Helios عند الإغريق ، وعند المصريين رع Re ، وعند الشعوب الأوروبية الهنديةSun ، يكتبونهاSunne ، وعند التيوتون Sunnon ، وعند الفرس Zend ، وكان الإغريق يسمونه أحيانا أبوللوApollo ، وفى سفر ملاخى أن اليهود ألّهوا الشمس.

٤٧٠

ويأتى عن الشمس فى القرآن ٣٣ مرة ، وهى من آيات الله ، جعلها ضياء وسراجا ، والقمر نورا (يونس ٥ ، ونوح ١٦) ، وسخّرها بأمره دائبة (الأعراف ٥٤) ، وجعل لها اثنى عشر برجا فى السماء (البروج ١) ، تسير الشمس فى كل برج منها شهرا ، وهى أبراج : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبل ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، والدلو ، والحوت (يونس ٥) ، وأجراها لأجل مسمى (الرعد ٢٢) ، ولأجل لا تعدوه (يس ٣٨) ، وفى جريانها لا يدركها دارك (يس ٤٠) ، وجريانها بحسبان (الرحمن ٥) ، يعنى بحساب دقيق ، وبه تضبط ساعات النهار وأوقات الصلاة.

والشمس تمدّنا بالدفء والضوء ، وبسببها تتخالف الفصول ، وتنزل الأمطار ، ويكون الحر والبرد ، وينبت الزرع ، فكانت بلا منازع أهم الكواكب الأرضية ، وأقسم بها الله فقال (وَالشَّمْسِ وَضُحاها) (١) (الشمس) لعظمها وعظم هيئتها ووظائفها ، فكتلتها تفوق كتلة الكواكب السيّارة جميعها التى تدور حولها ، وهى مثلا قدر كتلة الأرض ٣٣ مرة ، وقوامها غازات ساخنة هائلة ، تكونت عن الدخان الذى كان ملء الكون (فصلت ١١) ، ويبلغ قطرها ١٠٩ مرات قدر قطر الأرض ، وكثافتها ٤ ، ١ جرام لكل سنتيمتر مكعب ، وتدور حول نفسها حوال ٢٦ مرة عند خط الوسط للشمس ، وتبلغ الطاقة التى تشعّها فى الفضاء ٩ ، ٣ ألف مليون مليون مليون مليون أرج ، وهو ما يوازى ٥٢٣ ألف مليون مليون مليون حصانا ميكانيكيا! وهذه الطاقة الهائلة تنتج من اندماج الهيدروجين ـ وهو الغاز المكوّن الأساسى للكون وللشمس ـ نتيجة الاندماج النووى داخل بطن الشمس ، حيث تبلغ درجة حرارة مركز باطن الشمس ١٥ مليون درجة ، بالإضافة إلى الضغط والكثافة المرتفعين فى باطنها ، وكأن باطن الشمس مفاعل نووى طبيعى أو ربّانى ، تنتج عنه أشعة جاما وأشعة إكس المهلكة ، إلا أن هذه الأشعة عند انتقالها من باطن الشمس حتى سطح الشمس تكون قد تحولت نتيجة لعمليات امتصاصها ثم إعادة بثها عبر طبقات الشمس المختلفة فى شكل أشعة مرئية لها أطوال موجية يمكن الإحساس بها بالعين ، وهى المصدر الأساسى للطاقة الشمسية.

وتبلغ درجة حرارة سطح الشمس نحو ستة آلاف درجة ، وتوجد عند السطح دوّامات حمل لنقل الحرارة العالية من أسفل السطح إلى أعلى السطح ، وتنتج عنها فرقعة صوتية وفوق صوتية كفرقعات الصوت عند تجاوز الطائرات لحاجز الصوت وزيادة سرعتها على واحد ماخ فما أكثر ، وتسرى الفرقعات داخل الغلاف الجوى الشمسى كمجموعات صوتية لها طاقة ميكانيكية ، تتكسّر فى طبقة إكليل الشمس (الكوروناCorona) ، وتتحول طاقتها

٤٧١

إلى طاقة حرارية ترفع درجة الإكليل إلى أكثر من مليون درجة ، ليصبح الإكليل مصدرا للأشعة الراديوية على الأطوال الموجية المختلفة ، ابتداء من الموجات المليمترية حتى الموجات الكيلومترية ، بما فى ذلك أشعة الميكروويف. وكذلك يصبح الإكليل مصدرا لأشعة إكس ، والأشعة فوق البنفسجية المهلكة والقاتلة ذات الطاقة العالية ، لو لا أن الله تعالى خلق طبقة الأيونوسفير فوق سطح الأرض بنحو مائة كيلومتر لامتصاص أشعة إكس القادمة من الشمس ، وكذلك خلق طبقة الأوزونوسفير فى طبقات الجو العليا ، والاستراسفوسفير ليقوم الأوزون بامتصاص الأشعة فوق البنفسجية ذات الطاقة العالية من النوع C ، ولو لا الأوزونوسفير لهلكت الأحياء على الأرض فى دقائق. فإذا قامت الساعة كوّرت الشمس (التكوير ١) ، أى انكمشت وتضاءلت فيذهب ضوؤها ، وتزول حرارتها ، وتجمع والقمر فلا ضوء للشمس ولا نور للقمر (القيامة ٩) ، ويسقطان وينتهى أمرهما. وفى الآية : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (١٨) (الحج) ، تنصيص استلزمه أن الشمس كانت تعبد من دون الله ، فبيّن أنها مربوبة ومسخّرة لله ، والإسلام أبطل عبادة الشمس بقوله تعالى : (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَ) (٣٧) (فصلت) ، وفى الحديث : «إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجة ، وعبادة الشمس كانت مع ذلك إقرارا بمخلوقيتها لله ، كقوله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (٦١) (العنكبوت) ، فجعلوا الشمس دليلا على وجوده تعالى وكانت الشمس ربّ إبراهيم فى مرحلته الأولى من البحث عن الله ، فهاله منها عظمها وإشراقها على الكون (الأنعام ٧٨) ، فلما آمن أنها لا تعدو أن تكون جرما ولا بد لها من خالق ، جعلها من أدلته على وجوده تعالى لمّا حاور «الذى كفر ، أى النمرود : (قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) (٢٥٨) (البقرة).

وكانت الشمس من شدة تبجيل الناس لها كآية من آياته تعالى رمزا من رموز لغة الأحلام ، وفى رؤيا يوسف رأى الشمس والقمر ساجدين له (يوسف ٤) ، والشمس رمز الأبوة ، وهذه الرمزية مفطور عليها الإنسان وكانت فى عبادة القدماء لها ، وهى قوة من قوى الله وتقديسهم لها بهذا الاعتبار ،. والثابت أن الشمس فى الآخرة ينتهى أمرها تماما ، وفى الجنة لا شمس ولا زمهرير (الإنسان ١٣) ، والزمهرير هو المقابل للشمس فى الدفء. وكانت الشمس تزّاور عن أهل الكهف فى مرقدهم حتى لا تفسد أجسامهم بحرارتها (الكهف ١٧).

٤٧٢

وفى قصة ذى القرنين كانت الشمس عذابا لأصحاب العين الحمئة لا ستر لهم دونها (الكهف ٩٠). وفى قصة ملكة سبأ كانوا يسجدون للشمس من دون الله (النمل ٢٤). والشمس فى الإسلام دليل على أوقات الصلاة ، والمسلمون يصلّون لدلوك الشمس أى زوالها (الإسراء ٧٨) ، ويسبحون بحمد ربّهم قبل طلوع الشمس وقبل غروبها (طه ١٣٠). فلكل ذلك أقسم الله تعالى بالشمس ، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم.

* * *

١٣٨٢ ـ الليل والنهار آيتان

الليل والنهار آيتان على وجوده تعالى ووحدانيته وكمال علمه وقدرته ، والليل والنهار يقبلان ويدبران ، وينقص منهما ويزاد بحسب تقديره تعالى. وآية الليل هى القمر ، محاه الله تعالى ـ أى طمس ضوءه وترك نوره ، وجعل آية النهار ـ وهى الشمس ـ مبصرة أى مضيئة للأبصار ، لينام الناس فى الليل فيجدّدوا نشاطهم ، ويشتغلوا بالنهار. وأفضل نوم للإنسان هو نومه فى الليل ، وأفضل عمل هو عمله بالنهار. وبتوالى الليل والنهار يكون حساب الأيام ، والأسابيع ، والشهور ، والسنين ، ولو لا هذا التوالى لرفلت الأرض فى الظلام أو فى النور دوما ، ولما كان اختلاف الحرارة والمناخ والرطوبة ، والنتح فى النبات ، والتمثيل الضوئى ، ولما نزلت الأمطار ، وكان الصيف والشتاء ، والسحاب فى السماء ، والمدّ والجزر ، والرياح ، وتفتيت الصخور والتربة ، كقوله تعالى : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً) (١٢) (الإسراء). وقوله تعالى : (وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ) (٣) (الفلق) هى ظلمة الليل تأتى بالمجهول ، ويسفر الشرّ فيها عن نفسه ، وانكماش الطبقة الحامية من الغلاف الجوى يكون للأرض ليلا ، فيكون توقّع الدواهى ، وتنفذ الإشعاعات المهلكة ، فتقضى على من يتعرّض لها ، وهذه الطبقة الحامية هى التى تحمل سكان الأرض من الظواهر الضوئية ليلا فتصلح الأرض كسكن للإنسان. وجعل الليل سكنا والنهار للسعى فى الأرض ، كقوله تعالى : (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٧٣) (القصص) فسبحانه هو القدير ، وهو الكبير المتعال.

ويذهب العلم الحديث إلى تفسير لآية اختلاف الليل والنهار ، جديد تماما ، فيما يسمى ظاهرة الفجر القطبى ، وكانت هذه الظاهرة مصدر حيرة للعلماء حتى تبين أمرها بعد رحلات الفضاء ، فإنه تعالى قد جعل للأرض غلافا غازيا عبارة عن حزامين لحماية الحياة فيها يسميان «حزاما الإشعاع» ، وهما يرقّان رقّة شديدة عند القطبين ، ويسمكان سمكا

٤٧٣

شديدا عند خط الاستواء ، وتبيّن للعلماء ، أن الوهج الذى يرى فى ظلمة الليل هو نتيجة لارتطام الأشعة الكونية بالغلاف الغازى فيرى هذا الوهج عند القطبين وما جاورهما حيث يرقّ الغلاف ، ولا يرى فى أجزاء الأرض لأن سمك حزامىّ الإشعاع فيها يردّ تلك الأشعة فلا يظهر لها الوهج الذى يرى عند القطبين ، والغالب أن هذين الحزامين تكوّنا للأرض على مرّ الزمن ، وقبل ذلك كانت الأرض تضاء ليلا بارتطام الأشعة الكونية بالغلاف الغازى ، وتضاء نهارا بالشمس ، ثم إن الله لمّا خلق الحياة على الأرض خلق معها حزامىّ الإشعاع لحماية الحياة فيها ، ويفسر ذلك الآية : (فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً) (١٢) (الإسراء).

١٣٨٣ ـ الليل والنهار الآن وعند بداية الخلق

قال تعالى ينبّه إلى ظاهرة الليل والنهار : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٧٣) (القصص) ، وقال : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً) (١١) (النبأ) ، وهذه جميعها آيات تثبتها المشاهدة ، غير أنه فى الآية : (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) (٥٤) (الأعراف) يلفت الانتباه إلى معنى جديد غير مشاهد ، كان يحتاج إلى العلم الحديث ، وهذا المعنى يرتبط بمراحل الخلق الأولى دون بقية المراحل ، ويصف الليل والنهار فى هذه المراحل الأولى دون غيرها ، والسبب عبارة «يطلبه حثيثا» ، وتعنى سريعا ، وهذه السرعة تصف حالة تتابع الليل والنهار فى الأزمان الغابرة ، وتصف بالتالى حركة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس ، وأنها كانت حركة سريعة بمعدلات أسرع منها الآن ، واستوجبت لذلك وصفها بلفظة «حثيثا» ، ولو لا أن سرعتها كانت أكبر لما غشى الليل النهار يطلبه حثيثا» وثبت أخيرا من دراسة هياكل الحيوانات وجذوع الأشجار المعمرة ، وما مرّ بها من ظروف معاشية ، وأعمارها ، ومقادير الأزمان فى السنة والشهر واليوم فى الأزمان الغابرة ، أن عدد الأيام فى السنة كان يتزايد باستمرار مع تقادم عمر العينة المدروسة ، ومعنى ذلك أن سرعة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس كانت قديما أسرع منها الآن ، ويتضح بذلك المعنى الرائع والمعجزة الباهرة فى التعبير القرآنى «يطلبه حثيثا» ، وصفا للزمن فى الماضى البعيد عند بداية الخلق ، ولقد اتضح من هذه الدراسات أن عدد أيام السنة فى العصر الكمبرى Cambrian ، أى منذ حوالى ٦٠٠ مليون سنة ، كان ٤٢٥ يوما ، ثم أنه صار ٤١٥ يوما فى منتصف العصر الأوردوفيشى

٤٧٤

Ordovician أى منذ حوالى ٤٥٠ مليون سنة ، وآل إلى ٣٨٥ يوما بنهاية العصر التراياسى Triassic ، أى منذ حوالى ٢٠٠ مليون سنة ، وظل هذا التناقص فى عدد أيام السنة يتزايد بالتدريج إلى أن وصل فى زماننا إلى ٣٦٥ يوما و ٥ ساعات ، و ٤٩ دقيقة ، و ١٢ ثانية ، أى صارت أيام السنة تقريبا ٣٦٥ يوما وربعا ، ويعكس ذلك بالتالى التناقص التدريجى فى سرعة دوران الأرض حول محورها ، أى أن الأرض تفقد من سرعة دورانها واحدا من الألف من الثانية فى كل قرن منذ خلقها الله حتى الآن ، وأرجعوا السبب فى ذلك إلى عمليتى المدّ والجزر ، وتأثير الرياح المعاكسة لاتجاه دوران الأرض ، بمعنى أنها تعمل عمل الفرامل لسرعة دوران الأرض. ولو أننا طبّقنا هذا الكلام حتى فترة تيبّس القشرة الأرضية الخارجية عند بداية الخلق ، أى منذ حوالى ٤٦٠٠ مليون سنة مضت ، لوجدنا أن عدد الأيام فى السنة كان وقتها ٢٢٠٠ يوما تقريبا ، وأن طول الليل والنهار معا كان حوالى أربع ساعات ، وهذا يفسر أن عمر نوح كان ألف سنة إلا خمسين ، مقدّرا بزمن ذلك الوقت ، فيكون عمره بتقدير الزمن الآن نحو ١٥٨ سنة ، وبذلك ينتهى وجه العجب فى عمر نوح ، ونعرف أن الأرض كانت تدور فى ذلك الزمن البعيد بسرعة تفوق سرعتها الآن ستة أضعاف ، فسبحان من قال منذ ألف وأربعمائة سنة : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) (٥٤) (الأعراف).

* * *

١٣٨٤ ـ فى معنى الجبال رواسى وأوتاد

أنّ القرآن معجز علميا ، حقيقة تثبتها آياته ، وحقائق القرآن ردّ على المتخرّصين الذين قالوا إن القرآن إفك افتراه محمد. ومن هذه الآيات قوله تعالى : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً) (١٦) (النبأ) فهذه إحدى عشرة معجزة قد نبّه إليها القرآن ولم يسبق أن نبّه إليها التوراة ولا الأناجيل ، وفيها حتى الآن ملاحاة لأهل الكتاب والمستشرقين خاصة ، وكانوا فى زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ينكرون البعث ، وما يزالون حتى اليوم ، فوصفه تعالى بالنبإ العظيم ـ أى الخبر أو الأمر الجلل ، لأنهم جادلوا فيه وأكثروا الجدل ، وكانوا بين مصدّق مؤمن ، ومنكر كافر ، فهو قول بالنسبة لهم عظيم ، فذكر لهم أن من يأتى بهذه المعجزات قادر على أن يبعثهم يوم الدين ، ومن ذلك هذه الجبال الراسيات التى قد تبهرنا ولا ندرى لها وظيفة ، فقال إنها أوتاد الأرض ، تقرّها

٤٧٥

وتثبّتها ، وقال : (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ) (٣) (الرعد) ، وقال : (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ) (١٩) (الحجر) ، وقال : (وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) (٣١) (الأنبياء) ، وقال : (وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً) (٢٧) (المرسلات) ، يذكّر أن الأرض قد مدّها وبسطها ومهّدها ، وألقى فيها الجبال راسيات ، مستقرة عليها ، تحفظها أن تميد ، وكلما تذكر الجبال تذكر الأمطار ، لأنها مقرونة بها ، لأن الجبال تناطح السحاب ، وتتولد طاقة كهربية ، تنزل الأمطار وينحدر ماؤها فراتا إلى الأرض ، ينساب أنهارا ، ويتدفق ينابيع ، فيسقى الزرع والأنعام والناس ، وتذكر الجبال كراوسى تسع مرات ، وتذكر كأوتاد مرة واحدة ، وقولنا الجبل راس ، والجمع رواسى ، أى مستقرة ، وأما الأوتاد فهى جمع وتد ، وهو الشيء الصلب المغروس فى العمق. ويكشف العلم الحديث أن الظاهر من الجبال فوق سطح الأرض لا يمثل إلا جزءا بسيطا منها ، وأما بقية الجبل فهى تحت الأرض ، ولذلك كانت الجبال أوتاد الأرض ورواسيها ، ومن شأن وتد الخيمة مثلا أن يتوغل فى الأرض فيحفظها أن تقع ، وكلما زاد توغله فى الأرض كلما لم تقو الريح أن تعصف بالخيمة ، وأوتاد الجبال إذن كأنها الجذور المتعمقة ، تمتد داخل الأرض مسافات تتراوح بين ضعفى الجبل إلى ثلاثة أضعاف حجمه ، غير أن ما يظهر منه للعيان نحو الربع فقط ، أو الثلث. ولو لا أن الجبال راسية وثابتة لانهارت القشرة الأرضية وتآكلت فى مواجهة المحيطات ، وحيثما كانت الجبال على الشواطئ كانت المحيطات خطرة على الأرض تلطمها بمياهها وتكاد تغرقها وتبتلعها ، فتظهر الجبال بأمر ربّها على نقاط التماس بين المحيطات وبين اليابسة ، لتحفظ الأرض من أن تتآكل ، مثلما تفعل جبال اليابان ، وجبال الأنذير ، فإذا لم تشكل المحيطات خطورة على اليابسة ، كما فى إفريقيا الغربية ، لم تكن ثمة ضرورة للجبال بمناطقها فنفتقدها ، فتكون الأرض ممتدة منبسطة ممهدة لا جبال فيها ، وذلك من دلائل قدرته تعالى ، ومن دلائل أن القرآن من لدنّه تعالى ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يفتره كما زعموا ، وما كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم عالما لينتحل العلم ، وإنما العلم من العالم وهو الله ، وما كان تذكيره تعالى بالجبال الرواسى إلا مثلا لعل المنكرين يتّعظون.

* * *

١٣٨٥ ـ (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ)٢٠ الذاريات

فى القرآن حقائق علمية عن الأرض لم تكن معروفة قبل هذه الثورة العلمية التى نعيشها ، ومنها حقائق لم يكتشفها أحد إلا مؤخرا ، وسبق القرآن إليها وطرحها وذكّر بها بأسلوب آية فى البلاغة والدقة ، وهو جانب من الإعجاز العلمى يستوجب الالتفات إليه

٤٧٦

وتنبيه الناس ليتبينوه ، ولو فعلنا ذلك لكان منهجنا فيه من أنجح أساليب الدعوة إلى الله وإلى الإسلام فى عصر العلم. والأرض ـ كمثال ـ فيها آيات وعجائب يعددها القرآن ويأتى ذكرها فيه ٤٦١ مرة ، وجميعها حقائق أثبتها العلم ، ومنها آيات تشير إلى شكل وحركة الأرض ، وكرويتها ودورانها ، ومواقع النجوم منها ، واتساع الكون الذى يشملها ، وبدئه دخانا ، ثم تخلّقه جرما ، ثم انفجاره فكانت السماء والأرض ، وتطابقتا ، وانتشرت المادة بينهما وبين النجوم والمجرات ، ونزل الحديد فى الأرض من السماء ، وتصدّعت الأرض ، وكانت ظلمات البحار والمحيطات فيها ، وتسجير القيعان ، وتمايز المياه ، وكانت الجبال أوتادا لتثبيتها ، ولاتزان دورانها حول محورها ، كما كانت أشكال الجبال وألوان صخورها ، وكان دورها فى نزول الأمطار وتغذية الأنهار ؛ ونشوء الغلافين المائى والهوائى للأرض ، ودورة المياه حول الأرض وتخبرنا الآيات أن ذلك كله مصيره إلى الفناء بعملية معاكسة للخلق ، ويخلق الله من جديد أرضا غير الأرض ، وسماوات غير السموات ، وسبحان من خلق الأرض والسموات ، وأحكم كل ذلك وأتقنه ، وسبحان من خلق الأرض صالحة للحياة وللعمران ، وباعد بينها وبين الشمس بحوالى ١٥٠ مليونا من الكيلوات ، فأمّنها حرارة الشمس ولم يحرمها دفأها ولا نورها ، وأدارها حول الشمس فى ٣٦٥ يوما وربع تقريبا ، وحول نفسها فى ٢٤ ساعة تقريبا ، فكان الليل والنهار ، وكانت الفصول ، والدورات الزراعية ، وهبوب الرياح ، وهطول الأمطار ، وفيضان الأنهار ، وتمايز أشكال الناس ، وجميعها آيات تشهد لخالقها بطلاقة القدرة ، وإحكام الصنعة ، والتفرّد بالوحدانية.

وسبحان الذى أنزل هذه الآية الكريمة : (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ) (٢٠) (الذاريات ٢٠) منذ ألف وأربعمائة سنة! ليدل دلالة قاطعة على أن القرآن من عند الله ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو نبىّ مرسل لا شك فى ذلك.

* * *

١٣٨٦ ـ القرآن يقول بكروية الأرض ودورانها حول نفسها

تقول التوراة بثبات الأرض والسماء ولا تذكر شيئا بالمرة عن ظواهر الأرض الطبيعية وصفاتها ، على عكس القرآن الذى يحفل بالآيات العلمية والبراهين العقلية ، تأكيدا لما أثبته العلم وبيّنه بجلاء ، فلم يتعارض العلم مع القرآن ، ولا تناقض القرآن مع العلم ، وكانت عبارات القرآن فى ذلك دقيقة غاية الدقة ، بالغة البيان ، تنبّه إلى أن الأرض كروية ، وأنها تدور حول نفسها أمام الشمس ، ودليل القرآن على ذلك اختلاف الليل والنهار ، وأنهما خلقة ، وأنه تعالى يقلّبهما ويولجهما الواحد فى الآخر ، ويسلخهما من بعضهما البعض ، وأن الليل والنهار ، والشمس والقمر ، كلّ يسبح فى فلكه ، أى كلّ يتحرك ويدور ، ومن دلائل هذا

٤٧٧

الدوران مرور الجبال مرّ السحاب ، يقول تعالى : (إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) (٦) (يونس) ، ويقول : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً) (٦٢) (الفرقان) ويقول : (يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ) (٤٤) (النور) ويقول : (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) (٢٩) (لقمان) ويقول : (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ) (٣٧) (يس) ، وفى كل ذلك إشارة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس. و «الولوج» هو الدخول ، أى أن : نصف الأرض الذى يخيم عليه الظلام يحلّ بالتدريج محل النصف الذى يعمّه النهار ؛ كما أن نصف الأرض الذى يعمّه النهار يحلّ بالتدريج محل النصف الذى يخيّم عليه الظلام ، وهو برهان على أن الأرض كروية ، وأنها تدور حول محورها أمام الشمس. ومعنى قوله «يسلخ النهار من الليل» : أنه تعالى ينزع نور النهار من أماكن الأرض التى يتغشّاها الليل بالتدريج ، كما ينزع جلد الذبيحة عن كامل بدنها عند سلخها ، ولا يكون ذلك إلا بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس. وجاء تشبيه انحسار طبقة النهار عن ظلمة الليل بسلخ جلد الذبيحة إشارة علمية لم نعرف معناها إلا مؤخرا ، وتنبّه إلى رقّة طبقة النهار فى نصف الكرة المواجهة للشمس ، فثبت أن سمك طبقة النهار حول الأرض لا يزيد عن المائتى كيلومتر ، فإذا قارنا ذلك بالمسافة التى تفصل بيننا وبين الشمس وهى نحو مائة وخمسين مليونا من الكيلومترات ، لأدركنا ضآلة هذه الطبقة ، فهى لا تتجاوز ، بالنسبة لبعد الشمس ، الواحد إلى السبعمائة والخمسين ألفا تقريبا ، وبالنسبة لنصف قطر الجزء المدرك من الكون ، والمقدّر بأكثر من عشرة آلاف مليونا من السنين الضوئية ٥ ، ٩ مليون مليون كيلومتر ، فإنها تكون تافهة جدا والتعبير القرآنى بأن النهار كأنما هو جلد ذبيحة ينسلخ عنها هو تعبير معجز غاية الإعجاز ، وفيه أن الظلمة هى أصل الكون ، وأن النهار لا يعدو ظاهرة عارضة متهافتة فيه ، ولا يظهر إلا فى الطبقات الدنيا من الغلاف الجوى للأرض فى نصفها المواجه للشمس. وفى قوله : (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (٤٠) (يس) ، وقوله : (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) (٨٨) (النمل) ، دليل أكيد على أن لكلّ مداراته ، وأن السحاب يمرّ مع الجبال فى حركة الأرض ، لارتباط الجبال بالأرض ، وارتباط الغلاف الغازى الذى منه السحاب بالأرض برباط الجاذبية ، فتنضبط حركة السحاب بحركتها. ونفس المعنى تؤكده آيات غشيان الليل والنهار ، كقوله تعالى : (وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها

٤٧٨

(٤)) (الشمس) ، وقوله تعالى : (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) (٥٤) (الأعراف) ، ومعنى «يغشى» يغطّى ، فالنهار يغطيه الليل بالظلمة بالتدريج ، فيحلّ الليل ، ثم يغطّى نور النهار ظلمة الليل بالتدريج فيحلّ النهار ، وهذا دليل على كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس دورة كاملة فى كل يوم مدته ٢٤ ساعة ، يتقاسمها الليل والنهار بتفاوت قليل ، وفى تعاقب تدريجى ينطق بطلاقة قدرة الله ، ولو لم تكن الأرض كروية ما استطاعت الدوران حول محورها أمام الشمس ، وما تبادل الليل والنهار ، فسبحان الله الذى أطلعنا على ذلك فى كتابه ، ثم أمكن أهل العلم من اكتشافه ، لتثبت صحة كتابه ، وأنه الكتاب المنزّل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم من لدن عليم خبير قدير ، منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة ، فلم يختلف ما فيه من حقائق عمّا أثبته العلم منها.

* * *

١٣٨٧ ـ معجزة تنبيه القرآن إلى أن الأرض تنقص من أطرافها

«سورة الرعد» من السور التى تحفل بالظواهر الكونية ، وهى الوحيدة التى تحمل اسم ظاهرة جوية : الرعد ، ومن آياتها قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) (٤١) (الرعد) ، وإنقاص الأرض من أطرافها ظاهرة فريدة وعجيبة ينبّه إليها القرآن ، ويتكرر ذكر القرآن لها فى الآية : (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) (٤٤) (الأنبياء) ، ولم يكن التنبّه إلى هذه الظاهرة إلا مؤخرا ، ويأتى ذكرها فى القرآن كدليل مادى على أن الله تعالى هو الغالب ، وأن من يكفرون به مهما طالت أعمارهم فإنهم فى النهاية إلى الموت ثم البعث ، ونقص أعمارهم دليل مادى على صدقه فى قوله تعالى إن الأرض تنقض فى أطرافها ، ومن ثم فى عمرها ، فالكون كله محكوم بأمره تعالى ، والقيامة على ذلك حق ، فما معنى أن تنقص الأرض من أطرافها؟ يقول أهل العلم : إن الأرض تنكمش على نفسها باستمرار ، ويتناقص من ثمّ حجمها ، وثبت أنها كانت فى بداية الخلق مائة ضعف حجمها الحالى على الأقل ، ثم تكونت منها «الأرض الابتدائية» التى تمايزت إلى «سبع أرضين» ، هى : لبّ الأرض الصلب من الحديد والنيكل وغير ذلك من العناصر ، ويبلغ قطره حاليا ٢٤٠٢ كيلومتر ؛ ونطاق اللّب من العناصر المنصهرة السائلة ، ويقدّر سمكه بحوالى ٢٢٧٥ كيلومتر ؛ وبين اللّب ونطاق اللب منطقة شبه منصهرة يبلغ سمكها ٤٥٠ كيلومتر ؛ ثم «وشاح الأرض» ، وهو ثلاثة أجزاء : الجزء السفلى : وهو صلب ، ويحيط بلب الأرض السائل ، وسمكه نحو ٢٢١٥ كيلومتر ؛ والجزء الأوسط : وهو صلب ، ويبلغ سمكه ٢٧٠ كيلومتر ، ثم الجزء الأعلى : وهو لدن شبه منصهر ، ويسمى

٤٧٩

نطاق الضعف الأرضى ، ويتراوح سمكه بين ٣٣٥ كيلومتر إلى ٣٨٠ كيلومتر. والمعتقد أن وشاح الأرض بأجزائه الثلاثة كان فى البداية منصهرا ، ثم أخذ فى التصلب بالتدريج. ثم بعد ذلك يأتى النطاق السفلى من الغلاف الصخرى للأرض : وسمكه من ٤٠ إلى ٦٠ كيلومتر ، فالنطاق العلوى : وهو قشرة الأرض ، وسمكها من ٦٠ إلى ٨٠ كيلومتر. وهذا التمايز فى التركيب تسبب فى تفاوت فى التفاعلات ، نشأ عن تمزق فى الغلاف الصخرى للأرض ، وترتب عليه ظهور البراكين والزلازل ، وبروز الجبال ، ودحو الأرض فى مناطق دون مناطق. ومن شأن ذلك أن يحدث انكماش فى حجم الأرض ، وكان لا بدّ منه طالما الشمس أيضا تنكمش ، وبانكماش الأرض تظل العلاقة النسبية بين كتلتى الأرض والشمس ثابتة ، وتظل المسافة بينهما ثابتة ، وكذلك كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلينا ، ولو لم تكن هذه العلاقة النسبية ثابتة لانجذبت الأرض اكثر إلى الشمس فاحترق كل شىء فيها ، واحترقت كل الأحياء ، أو لابتعدت الأرض عن الشمس ، فتتوه فى الكون ، ويموت كل الأحياء فيها أيضا. والأرض تنقص أيضا بما يخرج منها من أفواه البراكين من غازات وأبخرة وهباءات ، يضل بعضها ويفلت من جاذبية الأرض وينطلق إلى السماء. وتلعب النيازك والشهب دورا أساسيا فى تعويض الأرض عما تفقده ، والمحافظة على العلاقة بين كتلتى الأرض والشمس. وأيضا فإن من أسباب نقصان الأرض من أطرافها : تأثرها بالقوة الطاردة المركزية لحركة الأرض حول محورها ، وتزداد هذه القوة حتى الذروة عند خط الاستواء ، وتقل إلى أدنى مستوى عند القطبين ، فيحدث انبعاج للأرض عند خط الاستواء وتتفلطح عند القطبين. ونتيجة اختلاف القوة الطاردة عند القطبين ، يكون القطب الجنوبى أكثر تفلطحا من القطب الشمالى ، ومعنى ذلك أن الأرض تنقص حقيقة من أطرافها. وأيضا فإن قيعان المحيطات والبحار بسبب تصدّعها الكثير ، تتّسع وترتفع فيها المياه بسبب زيادة الصهارة الصخرية ، وتندفع المياه يمنه ويسره فتغرق أجزاء من الشواطئ عدة سينتميترات كل سنة ، وهى صورة من صور إنقاص الأرض من أطرافها. وأيضا فإن إنقاص الأرض من أطرافها تستحدثه عوامل التعرية المختلفة ، فتنبرى الصخور فى المرتفعات ، ويلقى بها فى المنخفضات ، وتحتّ مياه الأنهار فى الصخور ، ويتحوّل التحات بعد ذلك إلى نحر ، وتتكون من ثمّ السهول أو السهوب ، ثم تبدأ الدورة من جديد ، ودورة تكوين السهوب هذه صورة من صور إنقاص الأرض من أطرافها ، ولهذا تنخفض القارة الأمريكية مثلا بمعدل يصل إلى ٠٣ ، ملليمتر فى السنة. ومن أسباب هذا النقص فى أطراف الأرض : ظاهرة طغيان مياه البحار والمحيطات على اليابسة ، ومن ذلك مثلا تكوين البحر الأحمر ، وخليج

٤٨٠

كاليفورنيا. والثابت أن غالبية الماء العذب على الأرض مجمّد على هيئة جبال جليد فى القطبين الشمالى والجنوبى ، وارتفاع درجة حرارة الأرض يتسبب فى انصهار هذا الجليد بمعدلات أكبر ، فيرتفع منسوب المياه فى المحيطات والبحار ، ومع استمرار هذا الوضع ستغرق معظم مساحات اليابسة ذات التضاريس المنبسطة مثل دلتا نهر النيل ، وهى صورة من صور إنقاص الأرض من أطرافها. وكذلك فإن من ظواهر هذا الإنقاص زحف الصحراء على المناطق الزراعية ، وهى الظاهرة المسماة بالتصحّر. وهذا جميعه معنى الآية أن الأرض تنقص من أطرافها ، صاغها القرآن صياغة بلاغية وعلمية كانت معجزة فى دقتها وشمولها وكمالها.

* * *

١٣٨٨ ـ الإعجاز العلمى فى آية : (وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ)١٢ الطارق

يخبر القرآن منذ ما يزيد على الألف والأربعمائة عام أن الأرض ذات صدع كما فى الآية ، ويقسم بها الله تعالى بصفتها هذه ، وهو دليل أهمية هذه الظاهرة. ومعنى «الصدع» أنها مشقوقة ، وتكثر بها الصدوع ، وأثبت العلم مؤخرا أن الأرض محاطة بصدوع عملاقة إحاطة كاملة ، تمتد لآلاف الكيلومترات فى جميع الاتجاهات ، وبأعماق تتراوح بين ٦٥ و ٧٠ كيلومترا تحت قيعان كل محيطات الأرض وعدد من بحارها ، وبين ١٠٠ إلى ١٥٠ كيلومترا تحت القارات ، وينصدع بها الغلاف الصخرى للأرض إلى عدد من الألواح التى تطفو فوق نطاق الضعف الأرضى ، وهو شبه منصهر ، عالى الكثافة ، وتندفع فيه تيارات الحمل من أسفل إلى أعلى ، فتباعد بين الألواح وتصادمها ببعضها البعض ، وبذلك تتسع قيعان البحار والمحيطات ، وتتجدد صخورها ، وتتكون الجزر البركانية وسط المحيطات ، وتعلوها سلاسل الجبال ، ويصاحب ذلك هزات أرضية وطفوح بركانية ، وتزحف القارات أو تجتمع ، وقد تنقسم قارة ببحر طولى مثل البحر الأحمر ، أو تصطدم كتلة أرضية من المحيط بقارة ، مكونة أعلى سلاسل الجبال مثل الهملايا. وتعمل الصدوع العملاقة المحيطة بالأرض كمراكز تتحرك عبرها ألواح الغلاف الصخرى ، وتندفع ملايين الأطنان من الصهارة البركانية على هيئة طفوح بركانية تثرى سطح الأرض بالصخور والمعادن ، وتجدّد شباب التربة الزراعية ، وتنطلق الغازات والأبخرة التى تكوّن غلاف الأرض المائى والغازى ، وبمقدار ما تفقد الشمس من كتلتها بالاحتراق ، تفقد الأرض من كتلتها كذلك فتتناسب مع ما تفقده الشمس ، وبذلك تظل المسافة بينهما ثابتة ، فلا تنقص فتحرقنا أشعة الشمس بحرارتها التى تصل إلى ١٥ مليون درجة مئوية ، أو تبتلعنا بجاذبيتها ، ولا تزيد المسافة

٤٨١

بابتعاد الأرض فتتجمد ، وتتجمد عليها كل مظاهر الحياة ، أو أنها تنفلت من عقال جاذبية الشمس فتضيع فى فضاء الكون. ومن فوائد انصداع الأرض : أن تتكون التربة من حبيبات تتشرب ماء المطر فتنتفش وترقّ وتنشقّ ، وبذلك ينفسح المجال لجذر النبات أن يشقّ طريقه إلى أسفل ، ولساقه أن يشقّ طريقه إلى أعلى ، وللماء أن يجد لنفسه مكانا تتكون به الخزانات الجوفية والمجارى المائية. ولو لا انصداع التربة لما نبت النبات ، ولا كان الحبّ والثمر ، ولا اختزن الماء للاستعمال عند الحاجة ، ولهذا كان قسمه تعالى بالأرض ذات الصدع ، كآية كبرى من آياته تعالى ، تثبت قدرته وعلمه ووحدانيته. ثم إن التربة تتعرض لعمليات التعرية ، فتنزاح كميات من الصخور عن السطح ، ويخفّ الضغط على الصخور أسفلها ، فتستجيب بالتمدد ، فتنشق وتتصدّع ، فتندفع الصهارة الصخرية من باطن الأرض كطفوح بركانية ، تتعرض للتبريد عند سطح التربة وتتشقق ، ويتكون بها المزيد من التربة ، ومن خلال هذه الشقوق تكون تجوية الصخور تحت التربة وتعريتها ، وتكوين الرسوبيات. والتربة لازمة للزراعة ؛ والصخور الرسوبية لازمة لتكوين النفط ، والغاز الطبيعى ، والفحم ، والفوسفات إلخ ، وتتحدد بها ركازات الذهب ، والفضة والنحاس ، والرصاص ، والقصدير إلخ ، وتتكون مجارى الأنهار وبعض الكهوف. والقرآن سبق إلى التنبيه إلى هذه الصدوع وأقسم بها الله تعالى ، وذلك دليل على أنه كتاب من لدن الله ، وأنّ من بشّر به وبلّغ آياته هو نبىّ حقا أرسله الله تعالى بالحق.

* * *

١٣٨٩ ـ إعجاز آيات خلق السموات والأرض فى ستة أيام

ينبّه القرآن إلى خلق السموات والأرض فى ستة أيام فى ثمانى آيات من القرآن ، كقوله تعالى : (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) (٧) (هود) ، وقوله : (وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (١٢) (فصلت). وهذه الأيام المشار إليها فى الآيتين ليست من «أيام الأرض» ، لأن الأرض لم تكن قد خلقت بعد. واليوم نسبى فى كل كوكب من الكواكب التى خلقها الله ، فيوم الأرض الشمسى مثلا هو الفترة التى تتم فيها للأرض دورة كاملة حول محورها أمام الشمس ، وتقدّر حاليا بأربع وعشرين ساعة. وأما يوم الأرض النجمى فيقدر بالفترة بين رؤية أحد النجوم الثابتة من فوق نقطة محددة من الأرض ، ثم رؤيته من جديد بعد دوران الأرض

٤٨٢

حول محورها ، وهذه المدة تزيد عن يوم الأرض الشمسى بثلاث دقائق وستة وخمسين ثانية. ولما كان لكل جرم من أجرام الكون سرعته ودورته المحورية الكاملة ، فإنه يترتب على ذلك اختلاف طول اليوم فى كل منها ، واختلاف مدة السنة ، فيوم عطارد مثلا : ٨٨ يوما أرضيا ؛ ويوم المريخ : ٩ ساعات و ٥٣ دقيقة ؛ ويوم المشترى : ١٠ ساعات و ١٤ دقيقة و ٢٤ ثانية ؛ ويوم زحل : ١٠ ساعات و ٤٨ دقيقة ؛ ويوم يورانوس : ١٥ ساعة و ٤٠ دقيقة. والسنة فى الزهرة : ٧ ، ٢٢٤ يوما أرضيا ، وفى المريخ : ٩٨ ، ٦٨٦ يوما أرضيا ، وفى المشترى : ٨٦ ، ١١ يوما أرضيا ؛ وفى يورانوس : ٠٧ ، ٨٤ يوما أرضيا ، وفى الشمس : ٢٢٥ مليون سنة من سنى الأرض. وكل ذلك ضمن المجموعة الشمسية ، وهى جزء ضئيل من مجرة درب التبّانة ، التى تشكل بدورها جزءا ضئيلا من التجمّع المجرّى الأعظم ، وصدق الله العظيم عند ما قال : (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (٤٧) (الحج) ، وقال : (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (٤) (المعارج). وفى النظرية النسبية : أن كل زمن فى الجزء المدرك من الكون هو زمن نسبى ، يعتمد على سرعة تحرّك الجسم ، وكلما زادت سرعته بالنسبة إلى جسم آخر قلّ إحساسه بالزمن ، فإذا وصلت سرعته إلى سرعة الضوء تصبح السنة بالنسبة لهذا الجسم تعادل مائة سنة من سنى الأرض ، ومعنى ذلك أننا إذا حوّلنا معلومات السور الكونية فى اليوم والسنة والسرعة ، إلى معادلات رياضية ، لثبت لنا أن القرآن سبق إلى سرعة الضوء كما أكدها العلم. وتشير الآيات من سورتى هود وفصلت إلى أنه تعالى بدأ بخلق الأرض ثم السموات ، واستغرق ذلك يومين ، واستكمل الأرض فى أربعة أيام ، فيصير المجموع ستة أيام : يومان فى خلق السموات السبع وتخليق الأرض وباقى أجرام السماء ، وأربعة أيام فى دحو الأرض وخلق الحياة عليها. وكان خلق السماء والكون بحسب تقدير علماء الفلك والفيزياء الفلكية منذ عشر إلى خمس عشرة بليون سنة ، بينما خلقت الأرض منذ نحو ٦ ، ٤ بليون سنة ، وهذا كله قال به العلم الحديث مؤخرا وأثبته ، وسبق إليه القرآن بألف وأربعمائة سنة ونبّه إليه ، وفى ذلك إثبات أن القرآن من لدن الله ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو رسول الله ، وإلا لكان القرآن متناقضا مع العلم ومخالفا له.

* * *

١٣٩٠ ـ البحر المسجور

من آيات القرآن المبهرة فى أوصاف البحار والمحيطات قوله تعالى : (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) (٦) (الطور) يقسم به لعباده ؛ والمسجور فى اللغة هو الذى أوقد عليه حتى حمى ، وكان أهل التفسير والبيان قد حاروا فى معنى المسجور ، وكيف يكون البحر مسجورا ، وكيف

٤٨٣

يجتمع الماء والنار؟ ولم يحلّ هذا الطلسم إلا علماء البحار فى القرن العشرين ، فقالوا إن جميع المحيطات والعديد من البحار قيعانها مسجّرة بالنيران ، وهى الحقيقة التى ذكرها القرآن منذ أكثر من ١٤٠٠ سنة! وقوله تعالى : (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) (٦) (التكوير) قسم آخر يبيّن أن البحار يوم القيامة تسجّر ، أى تزداد نيرانها ، وتغلى حتى لتفيض على بعضها البعض فتصير بحرا واحدا ، فيرتفع الحاجز الذى ذكره الله يفصل بين البحار بعضها البعض ، وبينها وبين المحيطات والأنهار ، فهذا عذب ، وذاك مالح ، وذاك أكثر ملوحة ، فالبحر الأسود مثلا من أقل البحار ملوحة ، والبحر المتوسط أشد ملوحة ، ويوم القيامة تختلط الأمور إذا سجّرت القيعان وغلت المياه وفارت. ولفظ «سجّرت» من قولنا : «سجرت التنور» أى أحميته ، إذا سلط عليه الإيقاد ، فتجفّ رطوبته ، وهكذا البحار ، تجف رطوبتها وتشتعل نيرانا ، وهو ما نعرفه الآن عن قيعانها ، فسبحانه ما أقدره! ولو لا العلم الحديث ما عرفنا ما بهذه الآيات من علم كثير ، وذلك دليل على أن القرآن من عند الله ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم رسوله حقا. والحمد لله على نعمة القرآن ، ونعمة الإيمان.

* * *

١٣٩١ ـ حواجز البحار

من الإعجاز العلمى للقرآن قوله تعالى : (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً) (٦١) (النمل) ، والمفسرون أوّلوا الحاجز بأن الأنهار عند ما تصب فى البحار فإن ماء النهر العذب لا يختلط به ماء البحر الأجاج ، وهذه ظاهرة نجدها عند مصبات الأنهار ، ولكن العلم الحديث ذهب مذهبا آخر ، فبيّن أنه فى البحر الواحد تكون عدة بحار بعدة ألوان ، وظهر ذلك من تصوير البحار من الجو ، وحلّل العلماء تلك المياه فوجدوا أنها قطع مياه متجاورة منعزلة عن بعضها البعض ، وبرغم تجاورها ، إلا أن كل بقعة منها لها من الصفات الطبيعية والكيميائية والبيولوجية ما يجعلها تشكّل وسطا منفصلا من المياه ، وتبين أن ذلك يصدق على المياه فى المستويين الأفقى والرأسى ، وسبب ذلك أن أملاح البحار توجد متأيّنة ، فتتكون عند حدود كل ماء شحنات متنافرة ، من شأنها أن تكون فاصلا بين هذه المياه ، فتتغير بذلك البيئات البحرية ، فتصلح أحوالها لأنماط مختلفة من الحياة فى الوسط المائى الواحد ، فسبحان ربّ العرش العظيم! وهذه الحقيقة العلمية أثبتها القرآن قبل الكشوف العلمية بألف وأربعمائة سنة ، وهو دليل على أن القرآن كتاب الله ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم نبىّ الله حقا وصدقا.

* * *

١٣٩٢ ـ يوم الله مقداره ألف سنة بحسابنا

فى الآيتين : (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (٤٧) (الحج) ، (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (٥) (السجدة) ، أن اليوم الواحد عند الله بألف سنة قمرية ،

٤٨٤

لأن الحساب الفلكى عند العرب هو حساب قمرى ، فلم يكونوا يعرفون السنة الشمسية ، وإذا تساوى قدران من الزمان غير متكافئين فإن ذلك يدل على اختلاف السرعة فى أحدهما ، والسنة القمرية اثنا عشر شهرا قمريا ، وطول الشهر القمرى هو مدار القمر حول الأرض ، وهو مسافة ٤ ، ٢ مليون كيلومتر ، فإذا ضربنا هذا الرقم فى اثنى عشر شهرا وهى السنة القمرية ، ثم ضربنا الناتج فى ألف سنة قمرية ، ثم قسمنا ذلك على ٢٤ ساعة٦٠ دقيقة٦٠ ثانية ، فإننا نصل إلى السرعة التى ينبغى أن تكون عليها الرحلة فى يوم الله ، وهى أعلى من سرعة الضوء ، وهذه حقيقة جديدة ، وتفسير علمى محض لآية من آيات القرآن لم يكن معروفا تفسيرها من قبل ، وسبحان الله الخالق العليم! والآية دليل آخر على أن القرآن كتاب الله ، وأن محمدا الذى بلّغه هو نبىّ الله ، وإلا ما كان يمكن أن يسبق إلى هذه الحقائق المذهلة والمعجزة.

* * *

١٣٩٣ ـ آية الرياح والمطر والسحاب

السحاب جمع سحب ، والواحدة سحابة ، وهى الغيم ، ويقال سحب ، وانسحب ، وسحّب أى تسلل وانقشع فى خفّه ؛ والسّحبة فضلة الماء ؛ والمطر هو ماء السحاب.

والآية : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ) (٤٣) (النور) من الإعجاز العلمى فى كيفية تكوين السحاب ليكون منه المطر ، وهى حجة من حججه تعالى على وحدانيته وكمال قدرته ، و «الرؤية» فى الآية هى الرؤية بالفهم ، و «إزجاء السحاب» يعنى سوقه إلى حيث يشاء ، والسحاب يتكون من بخار الماء المتصاعد من الأرض ، فتدفعه الرياح ، وتجمعه ، وتؤلف بينه : (حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ) (٥٧) (الأعراف) ، وبتراكمه يصطدم ببعضه فتتواصل شحناته من الطاقة ، فيخرج منها البرق ، وينزل المطر مدرارا أو ودقا ، يفرغ ما فى السحاب من البخار ، وبعضه يكون بردا كالجبال ، تسوقه الرياح كسوقها للسحاب ، فإذا صادف الطبقة المحيطة بالأرض وهى أعلى حرارة تحوّل إلى ماء. والريح هى الهواء ، والجمع أرياح ، وهى أربع : الجنوب وهى القبلية ، والشمال وهى الشمالية ، والصبا وهى الشرقية ، والدبور وهى الغربية ؛ ومنها الريح الطيبة وهى الرخاء المطيرة ، وضدها الريح القاصف العاصف الصرصر العقيم ، وعلم ذلك هو علم تصريف الرياح : (وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ) (١٦٤) (البقرة) ؛ وريح النشور : التى تنشر السحاب المثقل بالماء فتمطره على مختلف البلاد ،

٤٨٥

والسحاب آلة لإنزال الماء. ونزول المطر من السحاب من المعجزات الكبرى ، والأرض بما ينزل عليها من الماء أغنى كواكب المجموعة الشمسية به ، وماء المطر : (ماءً طَهُوراً) (الفرقان) وفيه قال ربّ العزة : (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) (الأنبياء ٣٠) ، وخلق منه البشر (الفرقان ٥٤) ، وخلق كل دابة (النور ٤٥) ، وكانت المراعى (النازعات ٣١) ، وسلكه ينابيع فى الأرض وأنهارا (الزمر ٢١). وتقدّر كمية الماء فى الأرض : بحوالى ١٣٦٠ إلى ١٣٨٥ مليون مليون كيلومتر مكعب ، أغلبه فى البحار والمحيطات : ٢ ، ٩٧ خ ، وأقلّه ماء عذب : من ٠٥٢ ، ٢ إلى ١٥ ، ٢ خ على هيئة جليد فوق القطبين وعلى قمم الجبال ، والباقى مختزن فى الصخور : ٢٧ ، ٠ خ ، وفى البحيرات : ٣٣ ، ٠ خ ، وعلى هيئة رطوبة فى التربة : ١٨ ، ٠ خ ، وفى الغلاف الغازى للأرض : ٣٦ ، ٠ خ ، وأقل الماء فى الأنهار والجداول : ٠٠٤٧ ، ٠ خ. وهذا الماء الأرضى يخرج منها بالبراكين ، ويتوزع بحكمة بين الأرض والغلاف الغازى ، ولو لا دورة مياه المطر والسحاب والرياح لفسد ماء الأرض ، لوجود البلايين من الكائنات الحيّة فيه ، وكل ذلك يتم بقدر منضبط ، كقوله : (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ) (١١) (الزخرف) يفى بمتطلبات الأرض والناس والدواب ، ويحفظ التوازن الحرارى على سطح الأرض فى مختلف الأماكن والفصول ، ولو زاد قليلا لغمر الماء الأرض وغطّى سطحها ، ولو قلّ لقصر دون متطلبات الحياة. ويتصاعد بخار الماء من أسطح البحار والأنهار والبرك وجليد الجبال ، ومن تنفّس الإنسان والحيوان ، ونتح النبات ، إلى الغلاف الغازى للأرض ، فتتناقص فيه الحرارة ، ويقل الضغط فيتكثّف البخار الصاعد على نوى الغبار العالق بالهواء ، ويتكون منه السحاب ، ثم يتكون المطر ، وهكذا يعود الماء إلى الأرض بعد أن يكون قد تطهّر وتصفّى. ويتبخّر من ماء الأرض ٣٨٠ ألف كيلومتر مكعب فى كل سنة ، أغلبها ـ قيل ٣٢٠ ألف كيلومتر مكعب ـ من أسطح البحار والمحيطات ، وأقلّها ـ قيل ٦٠ ألف كيلومتر مكعب ـ من أسطح اليابسة ، ثم تعود هذه الكمية إلى الأرض بمعدلات مختلفة ، قيل ٢٨٤ ألف كيلومتر مكعب تتنزل على البحار والمحيطات ، و ٩٦ ألف كيلومتر مكعب على اليابسة ، والفارق بين ما يتبخّر من الأرض وما يعود إليها ـ وهو ٣٦ ألف كيلومتر مكعب ـ يفيض منها إلى البحار والمحيطات. وقيل إن معظم المطر لا يأتى من السحاب ، إذ أن نسبة الماء فى السحاب لا تتعدى ٢ خ من الماء الموجود فى الغلاف الجوى للأرض (النطاق المناخى) ، وأن كمية الماء فى هذا الغلاف تقدّر بنحو ١٥ ألف كيلومتر مكعب ، ويوجد على شكل قطرات صغيرة أكبر من واحد ميكرون ، وتلتصق بالهواء للزوجتها ، ولا تسقط مطرا إلا بعد تلقيحها بامتزاج سحابتين ، إحداهما ساخنة والأخرى

٤٨٦

باردة ، أو أن إحداهما تحمل شحنة كهربية موجبة والأخرى سالبة ، أو أن ما تحمله الريح من جسيمات عالقة تتداخل فى السحب فتعين على تكثف بخار الماء ، فينزل المطر بقطرات دقيقة أو كبيرة قد يزيد قطرها أحيانا حتى يبلغ من ٤ إلى ٨ ملليمتر ، وسبب هذه الضخامة أن الماء يعلق بالجسيمات السابحة وينمو بالتدريج عليها حتى يصل إلى تلك الأحجام.

* * *

١٣٩٤ ـ كل شىء حىّ من الماء

الماء ضرورة من ضرورات الحياة ، وهذه حقيقة معروفة قبل نزول القرآن وبعده ، فلو لا الماء لما كانت الأحياء. والماء جعله الفلاسفة الأولون عنصرا من العناصر الأربعة التى هى أصل الحياة ، لكن الغريب أن التوراة لم تشر إلى ذلك ، ولم يذكره المسيح ، ولا أوردت شيئا الأناجيل عنه ، إلا القرآن فإنه نوّه بالماء ثلاثا وستين مرة ، وأثبت أن السماء هى مصدر الماء ، إشارة إلى المطر ، وأن الله تعالى هو منزّل المطر بما هيأ له من الأسباب ، وفى القرآن عن الإحياء بالماء ، والإنبات به والإثمار ، والاغتسال ، قوله : (فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) (البقرة ١٦٤) ، وقوله : (فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) (٩٩) (الأنعام) ، وقوله : (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ) (٢٢) (البقرة) ، وقوله : (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) (١١) (الأنفال) ، وقوله : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ) (١٠) (النحل) إشارة إلى الرى والسقيا ؛ ومن الماء المني الذى به التناسل ، كقوله : (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ) (٤٥) (النور) ، وقوله : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) (٥٤) (الفرقان) ؛ وقال : (أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً) (٢٢) (الحجر) إشارة إلى دورة الماء بين السماء والأرض وتحوّله إلى سحاب تدفعه الرياح ، كقوله : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ) (٢٧) (السجدة) ، وقوله : (فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ) (٢١) (الزمر) ، وقوله : (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ) (١١) (الزخرف) إشارة إلى تفاوت كمية الأمطار والأرزاق تبعا لذلك ، بحسب تقدير الله تعالى. ويأتى وصف الماء بأوصاف عدة : فهو الماء المنهمر (القمر ١١) يعنى الذى ينزل مطرا بكثرة ؛ والماء المسكوب (الواقعة ٣١) أى المصبوب ؛ والماء الغور (الملك ٣٠) أى الذاهب فى الأرض ؛ والماء الغدق (الجن ١٦) كثير القطر ؛ والماء المهين (المرسلات ٢٠) أى الضعيف وهو النطفة ؛ والماء الفرات (المرسلات ٢٠) أى العذب ؛ والماء الثجّاج (النبأ ١٤) وهو الضباب المتتابع ؛ والماء الدافق (الطارق ٦) أى المتدفق بشدة. وكما ترى أن الماء معجزة بيّنها القرآن خير بيان ، ويحتوى جنين الإنسان على ٩٧ خ من

٤٨٧

وزنه ماء ، وتقل هذه النسبة إلى ٩١ خ فى جسد الطفل الوليد ، ثم إلى ٦٦ خ فى جسد الفرد البالغ ، وتختلف نسبة الماء فى كل عضو من أعضاء جسم الإنسان باختلاف وظيفته ، وهى فى الرئتين ٩٠ خ ، وفى الدم ٨٢ خ ، وفى خلايا الدماغ ٧٠ خ ، فإلى هذا الحد تبلغ أهمية الماء للإنسان ، وبالمثل للحيوان والزروع ، ويستطيع الإنسان أن يعيش أسابيع عديدة بدون طعام ولكنه لا يستطيع العيش بدون ماء إلا بضعة أيام ، لأن الماء يدخل فى كل عملياته الحيوية : فى الهضم ، والإخراج ، والتنفّس ، وتجديد الدم ؛ ولا يفيد النبات من عناصر التربة بامتصاصها بدون عملية نتح وتنفّس ، أى بدون ماء. ولذا كانت هذه الآية المعجزة علميا والتى تلخص كل ذلك : (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) (الأنبياء ٣٠). والماء سائل عجيب يوجد صلبا وسائلا وغازيا ، وله قدرة على إذابة الكثير من العناصر ، وعلى التماسك بسرعة ، والتكوّر على هيئة قطرات ، وعلى تسلق جدران الأوعية ، وهى الخاصية المعروفة باسم الخاصة الشعرية ، وبدونها ما كانت العصارات تصل إلى أعلى الأشجار ، ولا الدماء تصل إلى الرأس. وحرارة الماء النوعية عشرة أضعاف الحرارة النوعية للحديد ، وخمسة أضعاف الحرارة النوعية لرمال الشاطئ ، وله منحنى كثافة فريد ، فإذا ارتفعت درجة حرارته إلى أربع درجات مئوية يصل إلى أقل حجم له وأعلى كثافة ، وإذا انخفضت حرارته دون ذلك يتمدّد الحجم وتقل الكثافة ، ويفسّر هذا طفو الجليد على سطح المحيطات والبحار ، فيمنع تجمد الماء أسفله ، فتستطيع الكائنات البحرية أن تعيش فى الأعماق دون أن تتجمد. فهذا هو الماء الذى تنبّه إليه الآيات ، وخاصة الآية الجامعة : (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) (الأنبياء ٣٠) ، وما كنا نعرف قدر ما فى هذه الآية من إعجاز لو لا العلم الحديث ، وسبحان الله الخالق العليم.

* * *

١٣٩٥ ـ لإعجاز العلمى فى قسمه تعالى بالهواء

يقسم الله تعالى بآياته المعجزة فى الكون ، ومن ذلك قوله : (وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) (١٨) (التكوير) ، والتنفّس هو : إدخال الهواء إلى الرئتين وإخراجه منهما ، والنفس : الهواء يدخل ويخرج من فم الحىّ فى الإنسان والحيوان ، وكذلك يتنفس النبات وكل شىء فى الوجود ، فليس هناك شىء إلا ويتنفس الهواء ، فحتى الجماد له عملية تنفس وإذا انبلج الصبح يقال إنه تنفّس ، فينقشع الظلام وينشق عن النور ؛ ويتنفس البحر فيزيد فى المدّ ، وينقص فى الجزر. والهواء غاز خفيف ، وفى الآية : (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ) (٤٣) (إبراهيم) لأن الهواء لا ثقل له ، وهو معروف وشائع ، فضرب به المثل دليلا على تفاهة تفكيرهم. والهواء نعمة كبرى

٤٨٨

من نعم الله ، ومثله مثل الماء ، فهو من الضرورات ، بل إنه أشد ضرورة من الماء ، فالماء أهم من الطعام ، لأننا يمكن أن نستغنى طويلا عن الطعام ولا نستغنى عن الماء إلا أياما ، والهواء أهم من الماء ، لأننا لا نستغنى عن الهواء إلا لبضع دقائق لا غير ، وكذلك يمكن أن نستغنى عن كل شىء فى الوجود إلا الهواء والماء ، ومثل الماء فإن الهواء يغلب فى تركيبه الأكسجين وثانى أكسيد الكربون ، ولأنه أهم شىء بمعايير الحياة فقد استكثر منه الله عن الماء ، وجعله مجانا للجميع ، ويقدّر وزنه على سطح الأرض بنحو خمسة ملايين بليون طن ، ويستهلك منها الإنسان أكثر مما يتناوله من طعام وشراب ، والإنسان العادى يستهلك نحو ثلاثة كيلوجرامات من الطعام والشراب ، إلا أنه يستنشق من الهواء نحو تسعة كيلوجرامات ، أى ثلاثة وثلاثين ألف لتر يوميا ؛ أو ما يزيد على ٣٢٩٥ كيلوجرامات سنويا ، أى أكثر من اثنى عشر مليون لتر سنويا!

ويرتبط الهواء بالأرض بالجاذبية ، وتتخلله جسيمات متناهية فى الصغر من المواد الصلبة والسائلة ، وليس له طعم ولا لون ولا رائحة ، ونعرف حركته إذا كان رياحا أو إعصارا ، ولو لا الهواء لما استطاع الإنسان أن يطير ، ولما فارق بخار الماء سطح البحار ، ولما تكونت السحب وهطل المطر ، وبدونه يستحيل أن تتحرك السحب إلى بلاد دون بلاد ، وهو الذى يعوق النيازك وتحترق فيه ، ولو لاه لكان لنزولها على الأرض دوىّ ، ولاحترق كل شىء. وبالهواء تتحدد الزراعات والمحاصيل ، وتتأثر أحوال العمل ، وتنشط الأمراض أو تمتنع ، وتتفشى الجراثيم ، وتتوطن الأوبئة ، وتتأثر طبائع الناس وأخلاقهم ، ويشكل الهواء فى الغلاف الجوى تأثيرا أساسيا على الغطاء النباتى ، وتقلّبات الطقس والمناخ ، وعلى زيادة الأمطار أو قلّتها ، وسرعة الرياح ، وارتفاع الرطوبة والحرارة ، فليس عجيبا إذن أن يقسم الله تعالى بالهواء ، وأن ينبّه إليه كمعجزة إلهية ، ما نبّهنا إليها كتاب آخر كالتوراة والإنجيل ، وهذه هى عظمة القرآن!

* * *

١٣٩٦ ـ أرزاقنا من الأرض والسماء

آيات الرزق فى القرآن ، كقوله تعالى : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) (٢٢) (الذاريات) ، وقوله : (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (٧) (المنافقون) ، وقوله : (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) (٣١) (يونس) ، وفى هذه الآيات ، ومنها الكثير ، نعلم أن الرزق مصدره السماء والأرض ، وأكثره من السماء ، أو أن السماء هى الأصل فى رزق الأرض ، وخزائن الرزق فيهما. والرزق فى اللغة : هو ما ينتفع به من النّعم ، والجمع أرزاق ، وهو

٤٨٩

العطاء الجارى دنيويا أو أخرويا ، والنصيب المقسوم للإنسان من الطعام والشراب واللباس ، والمال والأولاد ، والصفات الشخصية ، وفرص الحياة ؛ والرازق أو الرزّاق هو الله ، واهب الرزق ، ومعطيه ، ومقدّره ، ومسبّبه ، وموزّعه. والسماء : من سما يسمو أى يعلو ، فهى كل ما فيه العلو ، وكل ما يظلّك. والرزق الذى يأتى من السماء قد فهمه الأولون على أنه المطر الذى يسقى الزروع والحيوان والإنسان ، وهو يأتينا من الغلاف الموسوم باسم «نطاق التغيرات الجويةThe troposphere» ، ولم نعلم عن الإعجاز فى آيات «الرزق من السماء» إلا من العلم الحديث ، وصادق التفسير العلمى على أقوال القرآن ، فمثل ما الماء منه كل شىء حىّ ، فكذلك الهواء ضمن نطاق التغيّرات الجوية ، ويشتمل على غاز الأكسجين الذى نتنفسه ويتنفسه الحيوان والزرع ، وغاز ثانى أكسيد الكربون الذى تتنفسه النباتات ، وغير ذلك من الغازات. ويمتد هذا النطاق من سطح البحر إلى ارتفاع ستة عشر كيلومترات فوق خط الاستواء ، ويتناقص إلى نحو عشرة كيلومترات فوق القطبين ، وإلى أقل من سبعة أو ثمانية كيلومترات فوق خطوط العرض الوسطى. وتؤثر حركة دوران الأرض فى دورة الهواء ، وتنخفض درجة حرارته كلما ارتفعنا حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر فى القمة ، ولو لا انخفاض درجة الحرارة هذا لفقدت الأرض مياهها بمجرد اندماج أبخرة الماء إلى أعلى ليتكثف بالبرودة وينزل مطرا ، فيصنع فى الأرض البحار والأنهار والمحيطات ، ولو لا حركة التبخر والتكثيف لركد الماء فى الأرض وتعفّن ، ونزول المطر على الأرض يفتت صخورها ، ويسوّى سطح تربتها ويمهدها ، ويباين أنواعها ، ويركّز معادنها ، فتكثر الأرزاق وتتنوّع. ويغطى الماء ٧١ خ من مساحة الأرض ، وتبلغ كميته فيها نحو ٣٦ ، ١ مليار كيلومتر مكعب ، منها ٢ ، ٩٧ خ محيطات وبحار ، و ١٥ ، ٢ خ جليد فى القطبين وفوق الجبال ، و ٦٥ ، خ فى الأنهار والبرك والبحيرات. ومن هذا الماء يتبخّر سنويا ٠٠٠ ، ٣٨٠ كيلومتر مكعب ، تعود إلى الأرض أرزاقا من الأمطار العذبة النقية طاهرة ، أو تعود ثلجا وبردا. وتستمر دورة مياه الأرض كمعجزة من المعجزات فى دقتها وكمالها ، فيكون الزرع والحرث والحصاد ، ويكون الطعام والعمران والتكاثر ، ولو لا ذلك لقحلت الأرض وصارت جرداء. وكذلك الهواء الذى مصدره السماء فهو كالمطر ، والسماء المقصود بها السماء الدنيا ، ورزق السماء هو كل صور المادة والطاقة المتولّدة داخل النجوم بفعل الاندماجات النووية فيها ، فتتكون بها مختلف العناصر : كالبريليوم ، والحديد ، والفضة ، والذهب ، واليورانيوم ، والكربون ، والصوديوم ، والبوتاسيوم ، فإذا انفجر النجم تناثرت شظايا العناصر وتخلّفت فى الكون ، فتحملها الشهب والنيازك إلى الأرض ، ويصل منها إلى الأرض يوميا بين الألف

٤٩٠

والعشرة آلاف طن ، من مادة الشهب والنيازك لتجدد إثراء الأرض بالعناصر المختلفة ، وتمثل هذه العناصر صورا من صور الأرزاق التى وعدنا بها من السماء ، وتوزع على الأرض بتقدير من الله ، موزّع الأرزاق سبحانه. فكم هى معجزة الآية : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) (٢٢) (الذاريات).

* * *

١٣٩٧ ـ معجزة الطير فى القرآن

يذكر الطير فى القرآن ٢٩ مرة ، ولا يوجد فى التوراة ولا فى الأناجيل أى ذكر لمعجزة خلق الطير ، ولم ينبّه إلى هذه المعجزة إلا القرآن ، وما ذكره القرآن فى الطير هو معجزة علمية عن حق ، وفى الآية : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) (٣٨) (الأنعام) إشارة إلى أصناف الطيور والحيوان ، والدابة هى الحيوان ، والأمم العائلات التى تنتمى إليها ، وتخصيص الطيور بالأجنحة تأكيد وإزالة للإبهام ، فإن العرب تستعمل الطيران لغير الطيور ، فتقول للرجل : طر فى حاجتى ، أى أسرع ، فذكّر الله تعالى الطيران بالجناحين ليتمحض القول فى الطير ، وقيل إن فى أمريكا وحدها أكثر من ألف وأربعمائة نوع من الطيور ، وفى أوروبا أكثر من ألف نوع ، وفى الروسيا أكثر من ألف وخمسمائة نوع ، ولكل نوع خواصه ، وصفاته ، وعاداته ، وطرق تكاثره ، وهذا التصنيف نبّه إليه القرآن قبل ألف وأربعمائة سنة ، وقوله تعالى إن الطيران بالجناحين يلفت الانتباه إلى هذا الإعجاز فيها ، فالطيور مكيّفة للطيران ، سواء فى بنيتها ، أو فى وظائف أعضائها ، أو فى سلوكها ، وهى سيدة الأجواء لا شك فى ذلك ، وكان تطورها على مدى مائة مليون سنة وخمسين ، وقيل إن منها نحو تسعة آلاف نوع تنقسم إلى نويعات ، وتنتمى إلى نحو مائة وثمانين فصيلة ، تتبع نحو ثلاثين رتبة ، وتتفاوت فى أحجامها من أصغر الطيور وهو الطائر الطنّان ، ولا يزن سوى كيلوجرام واحد وثمانية من عشر من الكيلو جرامات ، وأكبر الطيور وهو النعام ، ويبلغ وزن الواحدة مائة وخمسة وثلاثين كيلوجراما. والطيور هى الأسرع فى المخلوقات ، فالفهد مثلا وهو أسرع الثدييات يعدو ثمانية عشر مثلا لطول جسمه فى الثانية ، بينما الزرزور الأوروبى يطير ثمانين مثلا ، وهو ما يقارب سرعة الطائرة عند ما تتجاوز الصوت! وينقض صقر الشاهين على فريسته بسرعة سبعين كيلومترا فى الثانية ، وتقطع العصافير المهاجرة ألف كيلومتر فى اليوم الواحد دون توقف!! وهذه الإشارة إلى إعجاز الطيران فى القرآن لم يكتشفه العلم إلا بعد تقدم علم الديناميكا الهوائية وصناعة الطائرات ، وتتفوق الطيور على الطائرات ، لأن مهمة الطيران فى الطائرات تؤديها آلتان ، الأولى

٤٩١

محركاتها الدافعة إلى الأمام ، والثانية هى الجناحان يرفعانها إلى أعلى ؛ وأما فى الطيور فالجناحان يقومان بهذين العملين معا ، فالجزء الأمامى منها يقوم بالدفع ، والقوادم ، وهو الريش الكبير يحرك الطائر ، ولكل ريشة عضلة تغير وضع الريشة وزاويتها لحظة بلحظة وفقا لمتطلبات الطائر ومناوراته ، والجزء الداخلى للجناح مستدير الحافة لا يقاوم الهواء ، والحافة الخلفية مستدقة وسطحها العلوى محدّب ، والسفلى مقعر ، فييسر ذلك مرور الهواء على السطح السفلى ، فيزيد ضغط الهواء ، فتتولد قوة عمودية ترفع الجسم إلى أعلى ، وكلما زادت سرعة الطائر زادت القوة الرافعة له ، فإذا أراد الطيران ضرب بجناحيه المبسوطين إلى الأسفل والأمام ثم يرفعهما إلى أعلى والخلف وهو يضمهما قريبا من جسمه استعدادا للضربة التالية ، ويساعد على الرفع مجموعة الريش القصير فى الجناح ، وميلان حافة الجناح الأمامية إلى أعلى قليلا ، وانفراج الريشات القوادم. ويتحكم الطائر بذيله فى اتجاه الطيران ، ويبسطه لزيادة قوة الرفع فى الطيران البطىء ، أو لكبح الاندفاع عند الحطّ.

ومن الإعجاز العلمى فى القرآن فيما يخصّ الطيور تصنيفه لطرق الطيران ، وخصّ منها «طريقة الصف والقبض» ، قال : (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) (١٩) (الملك) ، فالطائر إما يستخدم «طريقة الانزلاق» وهى أن يسقط نفسه من مرتفع ، فإذا أراد أن يتقدم إلى الإمام وهو يهبط بسط جناحيه دون حراك ، فإذا أراد أن يكون سقوطه عموديا قبضهما ولم يبسطهما إلا عند الأرض ؛ وإما يستخدم «الرفيف» ، هو أن يرفّ بجناحيه ويخفقهما ، وهذه الطريقة مكلّفة للطاقة لكثرة الحركة فيها ، بينما لا تكلّفه طريقة الانزلاق إلا القليل. وأكثر الطيور خفقا هو الطائر الطنّان ، ويبلغ معدل خفق الجناحين عنده ثمانين خفقة فى الثانية ، وأقلها خفقا العصافير ، ومعدلها خمس عشرة خفقة فى الثانية ، والبوم والبلشون والنسر ، ومعدلها من خفقة إلى خفقتين فى الثانية. وأمّا «الصّف» فهو أعجب الطرق جميعها ، وفيه يبسط الطائر جناحيه لا يكاد يحركهما إلا للتوازن ، ووجه العجب أن هذا الطائر المستدق الرأس ، الصغير المخ ، لديه الإدراك والبصيرة بتيارات الهواء الساخن الصاعدة ، فيحلّق حول حافتها فتصعد به ، فإذا دفعت الريح الهواء إلى الأمام حملته إلى الأمام فى مستوى أفقى ، وإذا صادف الطائر تلا ارتفع مع الهواء الصاعد إلى أن يتجاوز التل ، وإذا أبصر سفينة تبع تيار الهواء المتخلف من اندفاعها ، وأكثر ما يفعل ذلك الطيور كبيرة الحجم ، كالنوارس ، لتوفر الجهد والطاقة ، وتساعدها خفة هياكلها ، وانتشار الأكياس الهوائية بأجسامها حتى أصابع القدمين ، وقوة

٤٩٢

الأوتار فى الجناحين. وتتراوح مناورات الطيور بين الانزلاق إذا أرادت الهبوط ، والرفيف إذا أرادت الارتفاع ، والبسط والقبض أثناء التحليق. ويعبر القرآن عن هذا الإعجاز فيقول : (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٧٩) (النحل) ، «والمسخّر» : هو المذلّل لأمر الله بقوانين الله ، وأنفذها بالقدرة ؛ و «جو السماء» : هو الجو بين السماء والأرض ، نسبة إلى السماء لارتفاعها عن الأرض ، والعلماء يسمونه «نطاق الأرض» أو «نطاق المناخ» ؛ و «إمساك الله» : يكون فى حال قبضها وبسطها واصطفافها ، وهذه دلائل على علمه تعالى وقدرته ، وأنه واحد لا إله إلا هو ، وأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو المبلّغ لرسالته ، وصدق فى تبليغه ، فجاء مطابقا للواقع ولا يخالف العلم والكشوف فى شىء. والتنبيه فى الآية إلى أن الطيور ، وهى من الفقاريات البيوض ، أمكنها الله الطيران ـ وهو هذا الفعل المعجز ـ بالريش يكسو جسمها ، بل إن الريش نفسه معجز ، ومنه يصنع الناس زينة الملابس كقوله : (يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً) (٢٦) (الأعراف) ، أو أن اللباس بالنسبة للإنسان كالريش بالنسبة للطيور ، وهو ستر وحفظ وزينة ، وكالوبر والأصواف بالنسبة للحيوان ، والله تعالى أمر بالتزيّن فقال : (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (٣١) (الأعراف) ، فلكل شىء ، ولكل مناسبة ، ولكل مخلوق زينة ، وضرب الله تعالى لنا المثل بالطيور ، والزينة يحضّ عليها ولا يحرّمها : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ) (٣٢) (الأعراف) ، وريش الطيور مختلف ألوانه ، واختلاف الألوان فى كل المخلوقات آية كما قال : (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) (٢٢) (الروم) ، وقال : (وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ) (١٣) (النحل) ، وقال : (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ) (٢١) (الزمر) ، وقال : (فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها) (٢٧) (فاطر) ، وقال : (وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ) (٢٧) (فاطر). فالألوان آية : والطيور هى أجمل مخلوقات الله فى الألوان ، والذكور أجملها فى تلك الألوان ، وتزهو هذه الألوان فى فصل التزاوج. وأصوات الطيور آية كالألوان ، وتغريدها أنغامه من أمتع الأنغام ، وأصواتها تتباين ، فلكل جنس من الطيور لغة كأجناس البشر ، والقرآن يسمّى لغة الطير «منطق الطير» ، فقال : (عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) (١٦) (النمل) ، لأن ما يأتيه الطير من الأصوات ينطق به ، أى يصدر عنه صدورا فهو ليس كلغة الإنسان أو أى من أجناس البشر ، غير أن منه الأصوات للتحذير ، وللغزل ، وللتزاوج ، ولطلب الطعام ، بل إن الطائر ليعبر عن نفسه بأن يجعل لجسمه هيئة معينة ، ويشكّل ريشه بأشكال معينة ، عند الغضب ، والغزل ، والقتال ، وله أصوات يصدرها بأعضائه ، كالأصوات بالجناحين ،

٤٩٣

وبالذيل ، ومنها أصوات كالتسبيح ، كقوله تعالى : (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) (٧٩) (الأنبياء) وهو تغريدها ، قيل تقول : (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) (١) (التغابن) ، وتسخيرها أى أنه جعل التغريد من دأبها. والتسبيح مأخوذ من السباحة ، أو أن تنصاع لمطلوبات الله ، وهذا التغريد تأتيه كما الألوان فيها عند ما تزهو ، وكما يتجدد الريش ويغزر فى موسم التزاوج. وهذا التغريد هو تأويبها أيضا ، وهو التسبيح فى قوله تعالى : (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) (١٠) (سبأ) ، ومعنى تسبيح الجبال أنه تعالى خلق فيها مثلما يسمع من المسبّح ، وهو الصدى ، وكذلك فى الطيور ، وهو نوع منها يسمى الطيور المغرّدة ، وكان داود من دأبه أن ينفخ فى المزمار من فوق قمم الجبال ، فكانت الطيور تجتمع إلى الزمر وتصدح بأصواتها كما لو كانت تردد أنغامه. ومن الطيور ما هو عنيف ، وصوته حاد كالنفير فى الحرب ، كالنسور والصقور ، ويميل إلى القتال ، ويلجأ إلى الافتراس ، ولذا قال تعالى : (وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) (٤١) (يوسف) ، وهذه هى الطيور الجارحة ، وتمثّل بها الله تعالى فقال : (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ) (٣١) (الحج) فجعل من الجوارح طائر الخطّاف الذى يتخطّف الأشياء ، وهو نوع هجّام ذو مخالب كالكلاليب ، ومنقار حاد ، ومن طبعه الشراسة والغدر ؛ وعلى عكس ذلك الطيور الداجنة ، أحلّها الله للإنسان وأفردها القرآن بالآية : (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) (٢١) (الواقعة) ، أى أنها تؤكل ، ولحمها حلال ، على عكس الطيور الجارحة. وينبّه القرآن إلى صنف رابع من الطير يسميه الأبابيل كقوله تعالى : (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) (٤) (الفيل) ، قيل هى خطاطيف الجبال ، وهى نوع كالوطاويط تعيش جماعات ، وقيل أبابيل يعنى جماعات ، وقيل مأخوذة من الإبل المؤبلة ، وهى الأقاطع ، أى الجماعات الكثيرة منها. والطيور رغم دقة تكوينها إلا أنها فى الأصل تطورت من الديناصورات منذ نحو مائة وخمسين مليونا من السنوات ، وأقدم حفرية لها هى الأركيوبتيريكس Archaeopteryx ، وكانت له بعض خصائص الزواحف مثل الأسنان ، والطيور الآن بلا أسنان ، وتقوم القانصة المستقرة قريبا من مركز ثقل الطائر بهذا الدور. وربما الطير الأبابيل التى تقذف بحجارة من سجيل هى من أمثال هذا الأركيوبتيريكس العملاق. وليس لحم الطير وحده هو المفيد للإنسان ، والمطلوب منه ، فالبيض أيضا مطلوب كغذاء ، والبيضة الواحدة من الدجاج تغنى عن عشرة جرامات من اللحم. ومن فوائد الطيور بخلاف ريش الزينة كما فى الطاوس ، الزرق ويستخدم كسماد ، وأشهره سماد الجوانو بسواحل بيرو ، من الطيور البرية ، وينتج منه سنويا نحو ٠٠٠ ، ٣٠ طن. ومن الطيور ما يربّى للزينة كالببغاوات ، ومنها ما يستمتع

٤٩٤

بصيده كالبط والحمام ، وما يربّى للاستعانة به فى الصيد كالصقور ، أو فى الاستدلال على أماكن الأسماك ، وبعضها يستعمل فى جمع الأسماك ، والبعض كالحمام الزاجل كان يستخدم فى إرسال الرسائل ، والبعض ـ كطائر البلشون ـ يفيد الفلاح فى الخلاص من الآفات الزراعية كالديدان والجرذان ، وبعضها يضرّ بالحاصلات ويستهلك منها الكثير كالعصافير ، وبعضها يصطدم بالطائرات ، وكانت العرب تتطيّر بالطيور : كقوله تعالى : (قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) (٤٧) (النمل) ، والطّيرة تعنى التفاؤل والتشاؤم بالطير ، فكانوا يزجرون الطير ، فإن طار إلى اليمين تفاءلوا ، وإن طار إلى اليسار تشاءموا ، فنهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك وقال : «الطيرة شرك» ، وقال : «من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» ، وفى القرآن : (أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) (١٣١) (الأعراف) ، أى أن ما لهم وما عليهم إنما هو من قدر الله تعالى وليس بالتيامن أو التياسر للطير. ولعل أشهر الطيور فى القرآن هو «الهدهد» فى قصة سليمان ، كما فى قوله تعالى : (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ) (٢٠) (النمل) ، واسمه من هدهدة أو قرقرة صوته ، ويعرف بشدة البصر ، ولذا يقال فى الأمثال : «أبصر من هدهد» ، بزعم أنه يرى الماء تحت الأرض! وقصة الهدهد مع سليمان وملكة سبأ من أعاجيب القصص فى القرآن ، ومن أكثرها تعليما ودروسا مستفادة. وسبحان الخالق الذى تنوعت مخلوقاته كل هذا التنوع فى نوع واحد منها وهو الطيور ، فأكثر من أصنافها ، وعدّد فوائدها ، وهو الواحد الأحد لا شريك له فى خلقه وفى ملكوته ، وصدق قرآنه ونبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٣٩٨ ـ اختلاف الألوان كدليل ومعجزة

اللون من معجزاته تعالى ، وينبّه القرآن إلى تكوين الألوان وتميّزها ووظائفها فى آيات ينفرد بها عن التوراة والأناجيل ، حتى أننا لنلحظ ذلك بشدّة مما يوحى بأن كتبة التوراة والأناجيل ما كانت لهم دراية كلية بهذا الفرع من العلوم ، على عكس القرآن ، مما يجزم بأنه من لدن عزيز حكيم. وتظهر الألوان فى النباتات والطيور خاصة ، وعند الحيوان والإنسان ، وفى صخور الجبال ، ويخضع تكوينها لما يسمى بالصبغيات Pigments ، وهى موجودة فى الحيوان والأسماك والزواحف والإنسان تحت الجلد ، وفى الشعر ، وفى ريش الطيور ، وأصداف السلاحف والبحريات ، وفى قشريات الأسماك ، وصفاتها موروثة كما فى الزهور ، ويمكن التحكم فيها فسيولوجيا ، وللبيئة وتغيّر الفصول والمناخ آثارها الحتمية فيها كما فى الصخور ، وقد تتغاير الألوان بتغاير المزاج النفسى ومع الانفعالات ، وكل ذلك وغيره تشير إليه آيات القرآن ، كما فى قوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ

٤٩٥

وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) (٢٢) (الروم) ، وقوله : (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) (٢٨) (فاطر) ، وقوله : (وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ) (١٣) (النحل) ، وقوله : (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا) (٢١) (الزمر) ، وقوله : (فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها) (٢٧) (فاطر) ، وقوله : (وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ) (٢٧) (فاطر) وفى ذلك آيات لمن يعقل ويفهم حجج الله تعالى ودلائله على قدرته ، وأن القرآن هو كتابه ، وفيما سبق هذه الآيات نبّه تعالى إلى ما فى السماء من معالم ، وانثنى إلى الأرض يلفت إلى ما خلق فيها من مختلف المعجزات ، من حيوان ومعادن ونباتات وجماد وإنسان ، على اختلاف ألوانها وأشكالها ، ومن الجبال جدد بيض وحمر وغرابيب سود ، والجدد هى الطرائق فى الجبال تعكس ألوانها التركيب الكيميائى والمعدنى لصخورها ، فالصخور الحامضية وفوق الحامضية منها الجرانيت الأبيض ، والفولسبار الأحمر ، والبايوتايت الأصفر والبنى ، وصخور الدايورايت البيضاء والحمراء والسوداء شديدة السواد ، ولو لم يكن القرآن كتاب الله فمن أين يأتى محمد بهذه المعلومات العلمية إن لم يكن موصولا بوحى السماء ، وما فى هذه الاختلافات من بدائع لا يستطيعها إلا إله ، وفى ذلك ذكرى لمن يذكّر ، ومن ذلك عسل النحل ، جعل منه الأبيض ، والأصفر ، والأحمر ، وغير ذلك من الألوان الحسنة على اختلاف مراعيها ومآكلها. وهو الذى ينزل الماء من السماء ، فيخرج به الثمرات المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد ، فيأتى الثمر أصفر ، أو أحمر ، أو أخضر ، أو أبيض ، إلى غير ذلك من الألوان ، وتتغير بها الطعوم والروائح. والألوان تتخالف فى نطاق الأطوال الموجية التى تحسّها عين الرائى ، من البنفسجى ، إلى الأزرق ، فالأخضر ، فالأصفر ، فالبرتقالى ، فالأحمر. واللون يتحدد ، بحسب درجة التشبّع ودرجة الزهاء. وفى الجبال صخور تتخالف ألوانها بحسب اختلاف ترتيب ذراتها ، ومن الصخور تتكون المعادن ، ولكل معدن بصمته اللونية كما للإنسان بصمة تميزه بين البشر ، وما يميز الصخور والمعادن والعناصر هو ألوانها ، وكذلك الإنسان ، فمن الناس الزنوج والأحباش ، ولونهم فى غاية السواد ، والأوروبيون فى غاية البياض ، والصينيون واليابانيون صفر الجلود ، والشماليون حمر الوجوه ، وكذلك الدواب والأنعام ، حتى فى الجنس الواحد ، والنوع الواحد ، وفى الحيوان الواحد قد تجتمع عدة ألوان. وقد يأتى الزرع على لون فى نضارته ، ثم يكتهل فيصفر ، فنعرف فى الحالين عن عمره كما عرفنا عن شكله ، وطعومه ، وروائحه ، ومنافعه ، من سابق لونه. وكل ذلك يذكره القرآن فى تفرّد ينشرح به صدر الذين آمنوا ، وويل للقاسية قلوبهم لا تلين لمشاهد الإيمان ،

٤٩٦

ولا تخشع لدلائل القدرة. ولو كان اللون وحده دليلا وبرهانا على القادر ، وعلى معجزة القرآن العلمية ، لكفى به دليلا وبرهانا ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

١٣٩٩ ـ لغة الطير والحيوان وتسبيح الرعد والجبال

فى القرآن أن لغة الطير والحيوان هو منطقها ، ولم يقل لغة ، لأن اللغة للإنسان ، ولكن الطير والحيوان له منطق ، وهو ما ينطق به بالأصوات ، أو بالإشارات ، أو بالروائح ، وكلها ناطقة بحال الطير أو الحيوان ، وتعلّم سليمان هذا المنطق كما فى سورة النمل ، وعرف ما يقول النمل ، وما قاله الهدهد ، وسخّرت الجبال تسبّح مع داود والطير ، فكلما رتّل مزاميره فوق الجبال كان يسمع لها صدى ، وكانت الطيور تجتمع إلى عزفة على المزمار ، كما جاء فى سورة الأنبياء ، وحتى الرعد يسبّح ، وصوته هو تسبيحه ، ومعنى التسبيح الخضوع لقوانين الله والسّبح فى الكون بمقتضاها ، ولذا قال تعالى : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (٤٤) (الإسراء) ، وقال : (يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) (١) (التغابن) فاستخدمت الآية «ما» ولم تستخدم «من» ، لأن أغلب ما فى الذسموات والأرض أشياء وليس بشرا أو ملائكة أو جانا ، فكان الأنسب لها «ما» وليس «من». وقد أثبت العلم الحديث ، أن الأصوات التى تصدر من الحيوان والطير ، ومن الحجارة والصخور ، ومن الماء ، وحتى الهواء ، لها معان وتفسيرات ، وللجبال مثلا أحوال تكون الأصوات منها على منوال معين ولا تكون على منوال آخر ، وكذلك السّحب فى السماء ، والأشجار وحفيفها ، والحشرات برفرفة أجنحتها وما تصدره من روائح ، وتتفاهم مع بعضها بوسائل مختلفة لها دلالاتها ، فبعضها يتحاور بطريق الإشارات الضوئية مثلا ؛ ويضرب جنود النمل الأبيض برءوسهم الكبيرة جدارن الإنفاق إذا شعروا بهجوم على عشّهم ، فيفهم هذا التحذير باقى أفراد النوع ؛ ولبعض الخنافس خاصية إصدار أضواء من الخلف كالبطاريات الصغيرة ، تتحكم الأنثى فى إضاءتها وإطفائها بأحبالها العصبية ، فتأتى إليها الذكور ؛ وللذكور كذلك نفس هذه البطاريات وإن كانت دائمة ، لتعلن عن مكانها للإناث ، وهذه هى لغة أو منطق هذه الأنواع. واللغة الكيميائية أكثر ذيوعا بين الحيوان والطير ، وتستخدمها مثلا الكلاب والقطط ، وتصدر هذه الروائح الكيميائية أو تفرزها ، مواد تخلّفها فى الأماكن لتنبئ عن وجودها. وللحيوان أو الطير شعيرات حسيّة كأجهزة الإرسال والاستقبال ، وتكون بالنسبة للحيوان أو الطير كالشفرة ، وتسمى الإفرازات الكيميائية «فرمونات» ، وتتنوع فى تركيبها ، وتتعدد أغراضها ، ومنها الفرمونات الجنسية

٤٩٧

تفرزها الأنثى فى الحشرات ، لتدل الذكور على مكانها ، فتتجه نحوها فلا تخطئها إلى غيرها حتى فى الظلام. ويفرز النحل موادا متطايرة فى مكان اللدغ لتمييز الشخص الذى تمّت مهاجمته ، فتطارده باقى أفراد الخلية. ولكل «خلية نحل» رائحتها المميزة فلا تضل عنها الشّغالات عند خروجها لجلب الغذاء ، فإذا عادت رقصت رقصات معينة تدل بها زميلاتها على مكان الغذاء. وكذلك يفعل النمل فيفرز إفرازات مميزة يحدد بها لزملائه خطوط سيره ويحذرهم بها ، وتتنوع الروائح وإشارات الحشرات والطيور والحيوان بتنوع أجناسها وأصنافها ، وفى العلم الحديث أمكنهم تصنيع بعض هذه الإفرازات لاستخدامها فى التمويه على الحشرات وتضليلها والقضاء عليها. والقرآن قد سبق العلم فى التنبيه إلى لغة الطير والحيوان والجماد ، فدلّ على أنه كتاب الله ، وأن من بلّغه هو النبىّ المرسل حقا من عنده تعالى.

* * *

١٤٠٠ ـ العيافة والطيرة والطرق شأنها شأن الحسد

الاعتقاد فى هذه الأمور ليس من الإسلام ، ولم تتنزّل المعوذتان إلا للحثّ على ترك الاعتقاد والعمل بهذه الخرافات ، ومنها «النفث فى العقد» ، و «السحر» ، فهذه أمور من باب الشّرك الخفى ، لأنها تجعل لله شركاء بوسعهم التأثير فى مقادير الناس. و «العيافة» : من عاف الطير أى حام ، والعيافة هى تردّده بين اليمين واليسار ، وهى زجر الطير بقصد التيمن أو التياسر أو التشاؤم أو التفاؤل ، فإن طار الطير إلى جهة اليمين تفاءلوا ، وإن طار جهة اليسار تشاءموا ، والطّيرة هى العيافة ، من طار وطائر ، فهى استخدام الطيور للتكهّن ؛ و «الطّرق» من ذلك ، وهو ضرب الحصى على سبيل التكهن ، كضرب الودع ، وضرب الرّمل ، وفى الحديث : «العيافة والطيرة والطرق من الجبت» ، وكل ما عبد من دون الله هو من الجبت ، ولذلك كان الاعتقاد فى ذلك من الشرك الخفى ، وكل هذه الطرق كالكهانة والعرافة ، ضد التوكل على الله والإيمان بالقضاء والقدر ، وفى الحديث : «من أتى عرافا فصدّقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما» ، ومثل ذلك تحضير الجان والأرواح ، وقراءة الفنجان والكفّ ، وقراءة النجوم ، وكلها من أعمال الشعوذة ، وقيل فى قراءة النجوم أنها علم وهى خرافة ، والعلم المتصل بالنجوم حقا هو علم الفلك ، وهو علم مندوب إليه ويقوم على الملاحظة والتجربة والاستنتاج ، وقد نهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن إتيان الكهّان أو تحضير الجان والأرواح. والعلم الحديث ينكر كل ما أنكره الإسلام من هذه الممارسات ، والنجوم يستحيل أن تؤثر فى الإنسان ، وكذلك الجان ، كقوله تعالى : (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) (٤٢) (الحجر) ، وكل ذلك ضد المنهج العلمى وهو منهج

٤٩٨

القرآن ، والقاعدة فى القرآن : أن كل ما وافق العقل والعلم فهو من الشرع والدين ، وكل ما هو من الدين فلا بد أن يوافق عليه العقل والعلم.

* * *

١٤٠١ ـ التنجيم؟

يقول تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) (الجن) ، والغيب هو ما غاب عن العباد ، فإنه يظهره على من يشاء ، وهم الرسل ، ومنهم جبريل من الملائكة ، ومن البشر ، فعن عيسى ابن مريم قال : (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) (آل عمران ٤٩) ، ويوسف قال : (إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) (يوسف ٣٧) ، وهؤلاء يودعهم الله تعالى من غيبه ما يشاء بطريق الوحى ، وجعله دلالة على صدق نبوّتهم ، وليس من ذلك المنجّم ، ومن ضاهاه ممن يضرب الودع والرمل والحصى ، وينظر فى الكتب ، ويقرأ الفنجان والكفّ ، ويطالع النجوم ، ويزجر الطير ، ويستخدم التنويم ، فهؤلاء جميعا لا يطلعهم على غيبه. والمنجمون قوم فيهم حاسة الحدس والتخمين قوية ، ومن شأنها أن تجمّع ما يسمع المنجّم من أقوال وأفعال وتعتبرها علامات وإشارات ، ويسمون ذلك قراءة الغيب أو الطالع ، وليس من ذلك أن يتحدث المنجّم بما يمكن أن يتحدث به نبىّ كعيسى أو كيوسف ، وأقوال المنجّمين افتراءات واختلاقات وتخرّصات ، كقول القائل :

حكم المنجّم أن طالع مولدى

يقضى علىّ بميتة الغرق

قل للمنجم صبحة الطوفان

ولد الجميع بكوكب الغرق؟

يعنى هل لو صدق تخمينه على واحد ، فهل يصدق على الجميع؟ وإذا كان أحدهم مكتوب أنه من أهل كوكب الغرق ، فهل كان مكتوبا أن أهل الطوفان جميعا سيغرقون دفعة واحدة؟ وعن علىّ بن أبى طالب لمّا اعتزم لقاء الخوارج أنهم سألوه : أتلقاهم والقمر فى العقرب؟ فقال : فأين قمرهم؟ ـ يعنى إن كان قمرنا فى العقرب فأين قمرهم؟ فالقمر واحد ، فإن كان فى العقرب ، فما سيلحق بعلىّ وجماعته هو نفس ما سيلحق بالخوارج! ولمّا قيل له : لا تسر فى هذه الساعة ، وسر فى ثلاث ساعات يمضين من النهار ، سأل : ولم؟ قيل له : إنك إن سرت فى هذه الساعة أصابك وأصحابك بلاء وضرّ. قال : ما كان لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم منجّم ، ولا لنا من بعده. ومن يصدّق هذا القول لم آمن عليه ، كمن اتخذ من دون الله ندا أو ضدا. ثم قال : اللهم لا طير إلا طيرك ، ولا خير إلا خيرك. ثم قال لمن يدّعى التنجيم : نكذّبك ونخالفك ونسير فى الساعة التى تنهانا عنها! ـ ثم قال للناس : أيها

٤٩٩

الناس! إياكم وتعلّم النجوم إلا ما تهتدون به فى ظلمات البرّ والبحر! إنما المنجّم كالساحر ، والساحر كالكافر ، والكافر فى النار ، ثم قال لمن يشير عليه من المنجّمين : والله لئن بلغنى أنك تنظر فى النجوم وتعمل بها ، لأخلدنّك فى الحبس ما بقيت وبقيت ، ولأحرمنك العطاء ما كان لى من سلطان! وموقف علىّ هو موقف العلم وأهله ، ويزيد عليه بعد أن يأخذ بالأسباب ، أن يذكر المسبّب وهو الله ، ولذا فقد استدار علىّ إلى النار وقال : يأيها الناس! توكّلوا على الله وثقوا به ، فإنه يكفر من اعتقد فى سواه!

* * *

١٤٠٢ ـ الإبل آية من آياته تعالى

لمّا ذكر الله تعالى أوصافا للجنّة عجب لها الناس واحتجوا بأنهم لم يروها فلن يستطيعوا أن يجزموا بشيء حيالها ، فذكّرهم الله تعالى بقدرته بحيوان هم أكثر الناس دراية به ، وأمرهم فيه عجب العجاب ، فقال تعالى : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (١٧) (الغاشية) ، فمن قدر على خلق الإبل فهو قادر على خلق أى شىء آخر ولو كان الجنة! والعرب لم يعرفوا الفيل ولكنهم عرفوا الإبل ، وحديث القرآن فى الإعجاز فيما يعرفون ، وخصّ الله تعالى الإبل بالذكر لأنها رغم ضخامتها مذللة للصغير ، وبوسعه أن يقودها ، وينيخها ، وينهضها ، ويحمل عليها الأحمال الثقال وهى باركة ، فتنهض بها ، وليس من حيوان آخر يقدر على ذلك سواها. والإبل هى الجمال ، لا واحد لها من لفظها ، وربما تنطق إبل ، والجمع آبال. ولمّا ذكر الله تعالى السّرر المرفوعة من أوصاف الجنة (الغاشية ١٣) قالوا : كيف نصعدها؟ قيل فأنزل الله هذه الآية ، وبيّن أن الإبل تبرك حتى يحمل عليها ثم تقوم ، فكذلك تلك السّرر ، تتطامن ثم ترتفع. والإبل تجتمع فيها المنافع لسائر خلق الله ، وهى من النّعم ، وتفوقها جميعا ، فهى : حلوبة ، وركوبة ، وأكولة ، وحمولة ، واجتماع هذه الخلال الأربع فيها يجعل النعمة بها أعمّ ، وظهور القدرة فيها أتمّ ، وفى الحديث : «الإبل عزّ لأهلها» ؛ وكل ما فيها من المنافع ، سواء اللحم ، أو اللبن ؛ ومن وبرها تصنع العباءات والأكلمة والخيام ؛ وحتى الروث يستخدم كوقود ، وليست له أدخنة إذا استخدم وقودا للتدفئة داخل الخيام. واقتناء الإبل غير مكلّف ، فهى تأكل أى نباتات فى الصحراء ، والعربى يأكل التمر ويلقى بالنوى للإبل فتأكله ، وتعيش على القتّ وهو أخسّ الأعشاب التى تكثر بالبادية.

والإبل من رتبة الخفّيات زوجية الأصابع ، ومن المجترات ، ومنها نوعان : الإبل العربية أو العراب ذات السنام الواحد ، والإبل الفوالج أو العوامل ذات السنامين ، ونحو ٩٠ خ من إبل العالم من ذات السنام الواحد. والفوالج : وبرها أطول وأقتم ، وأرجلها أقصر ، وأجسامها أغلظ. وكل صفات الإبل لتتكيّف بها مع الأجواء التى تعيش فيها ، فطول قوائم البعير يرفع

٥٠٠

جسمه عن الأرض الساخنة ، ويحميه الكلكل تحت صدره ، والوسائد على مفاصل أرجله من حرارة الرمل وخشونته إذا برك ، وبوسعه أن يغلق عينيه ومنخريه ، ويلصق ذيله بجسمه ، ويسير كالدبابة لا يبالى الرياح الذاريات ، ومن أجل ذلك أطلقوا على الإبل أنها «سفن الصحراء» ، ويسمح لها طول أعناقها أن تقتات من نبات الأرض وفروع الشجر العالية ، وتمكّنها شفتاها المتحركتان والقابضتان ، وانشقاق شفتها العليا ، من لمملمة الأوراق من بين الأشواك ، وتساعدها أخفافها على السير فوق الرمل الناعم من غير أن تغوص أرجلها فيه ، ولا تتلف بها التربة كحوافر الماعز والبقر. وأعجب ما فى الإبل صبرها على العطش أكثر من أسبوعين فى الصيف ، وأكثر من شهرين فى الشتاء ، وبوسع الجمل أن يقطع ألف كيلومتر دون أن يشرب ، وإذا طال حرمانه من الماء فإن عملياته الفسيولوجية والمناخ من حوله قد يفقدان من المياه فى جسمه ما يعادل نحو ثلث وزنه ، ومع ذلك يستمر صامدا ، وهو شىء خارق ومذهل معا! ولذلك فإنه إن وجد الماء ظل يشرب منه كمية هائلة فى زمن قصير ، حتى أنه لينتهى من شرب مائتى لتر من الماء فى ثلاث دقائق! وصدق الله تعالى وهو يصف شرب الناس فى الجحيم فيقول : (فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) (٥٥) (الواقع) ، والهيم والهيام (بالكسر) هى الإبل العطاش. وأعجب ما فى الإبل قلّة عرقها إلى أدنى حدّ ، لأن كبر حجم الجسم يقلل من حرارته ، ووجود الدهن فى السنام ، يرقّق الجلد ويسهم بتبدّد حرارة الجسم فى الليل ، وفى الصيف يسقط الوبر ولا يبقى منه إلا ما يحمى الجسم من الحرارة الأسخن ، وللعرق بالتبخر ، وتبخّره فى الإبل من الجلد لا من أطراف الشعر كالثدييات ، وذلك أجدى لها ، فإذا اشتد الحر زاد العرق لتبريد الجسم ، ولا تعمل أجهزة ضبط حرارة الجسم فى الإبل طالما الحرارة لا تزيد عن ٤١ درجة مئوية ، فإذا زادت دفعت غدد العرق إلى العمل لتتوازن حرارة الجسم. والماء الذى يسحبه البعير عند اشتداد درجة الحرارة يسحبه من أنسجة الجسم وليس من الدم ، وبذلك يظل الدم سائلا فى العروق فى دورته المعتادة ، فينجو البعير من ضربة الشمس ومن الموت عطشا. ومن أجل ذلك لمّا حدث الجفاف فى إفريقيا الشرقية عامى ١٩٨٤ و ١٩٨٥ هلكت القبائل التى تعيش على الأبقار ، لأن الأبقار نفقت ولم تقو على العطش ، وعاشت الإبل لأنها استطاعت أن تصمد الشهور الطوال ، وكانت تجود مع ذلك بألبانها ، ولم يقتل الجفاف القبائل التى تعيش على تربية الإبل. ومن هذا يتبين سرّ تنبيه الله تعالى إلى الإعجاز فى الإبل ، ولما ذا جعل الناقة معجزة النبىّ صالح ، وكانت تكفى قومه كلهم وتعيشهم ، واشتهرت لهذا أيضا ناقة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «القصواء» كما لم يشتهر حيوان لنبىّ أو لواحد من المشاهير ، ولهذا فإن الناس لمّا نزلت الآية الكريمة تلفت النظر إلى

٥٠١

الإبل : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (١٧) (الغاشية) ، صار الناس يعاودون النظر إلى الإبل ويتأملون عظيم قدرة الله تعالى فيها ويدعون بعضهم البعض يقولون : هيا بنا ننظر إلى الإبل كيف خلقت! وسبحان الله العظيم الذى أنزل عن ذلك فى كتابه الكريم من قبل ألف وأربعمائة سنة ، يذكّر بمعجزة لم يكشف سرّ عظمتها إلا العلم الحديث.

* * *

١٤٠٣ ـ لأنعام وجلودها وأصوافها

الأنعام : النّعم هى الإبل ؛ والأنعام ، هى الإبل وكل ما يرعى ، أى كل المواشى من الإبل والبقر والغنم ، وفى الآية : (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ) (٨٠) (النحل) أن الأنعام يستفاد منها على خير وجه ، فبالإضافة إلى لحومها وألبانها ، فإن جلودها تصنع منها الخيام والقباب والأحذية والحقائب التى يخفّ حملها ، ومن أصوافها تصنع الملابس والعباءات والأغطية والأكلمة والسجاجيد ، وكانت للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبّة من الأدم أى الجلد ، وكان يستظل بها. وأشهر الأصواف من الغنم ، ومن وبر الإبل وشعر المعز. وفى الآية جواز الانتفاع بجلود الأنعام وأوبارها وأصوافها وأشعارها ، وكذلك قرنها ، وأسنانها ، وعظامها ينتفع بها كالانتفاع بجلودها ، ولم تخصّ الآية جلود الميتة من المذكّاة ، وهى عامة فى جلد الحىّ والميت ، فيجوز الانتفاع بجلود الميتة بعد دبغها ومعاملتها بالأملاح والشبّ أو غير ذلك من المطهّرات ، وكان الشبّ والملح هو المشهور أيام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٤٠٤ ـ المرض

المرض فى القرآن مرضان : المرض البدنى والمرض النفسى ، والأول : كقوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (١٧) (الفتح) ، فأسقط الحرج على المريض فى بدنه فى مسائل كثيرة ؛ والثانى وهو : المرض النفسى : كقوله تعالى : (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) (٣٢) (الأحزاب) ، ومرض القلوب : نفسى ، وهو التشوّف للفجور والخنا والفسق ، وقوله : (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) (٦٠) (الأحزاب) ، فهؤلاء ثلاثة أصناف من المرضى النفسانيين : فأما المنافقون : فهم الذين يظهرون بخلاف ما يضمرون ، تشبيها باليربوع له حجر يقال له النافقاء ، وآخر يقال له القاعصاء ، وظاهر حجره تراب وباطنه حفر ، وكذلك المنافق ، ظاهرة إيمان ، وباطنه كفر ، أو ظاهره الصداقة وباطنه العداوة ؛ وأما «الذين فى قلوبهم

٥٠٢

مرض» : فهم الذين يضمرون الفسق والزنا ؛ وأما «المرجفون» : فهم الكذّابون ، والإرجاف هو إشاعة الكذب والباطل للاغتمام به ، فتسود الكآبة الناس لسماعهم ما يسوؤهم. وفى وصف «الذين فى قلوبهم مرض» يقول تعالى : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ) (٢٩) (محمد) ، والضّغن والضغينة : الحقد ، وهو من شرّ ما يبتلى به المرضى النفسانيون. والمرض النفسى من الإنسان بسوء طويته والمرض البدنى من الإنسان بإهماله وتلويثه لطعامه وبيئته. وفى الحديث عن التداوى من المرض البدنى والنفسى ، قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا عباد الله تداووا ، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء ، إلا داء واحدا ـ الهرم» ، والهرم يعنى الشيخوخة. والدواء للأمراض من قدر الله ، وإباحة التداوى من الإسلام. ومنه التداوى بالماء ، بشرب المزيد منه ، وكان معروفا عند العرب ، وقال به الطب الحديث ، وفى التنزيل : (وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً) (٩) (ق) ، وبركته فى شفائه ولزومه للحياة كقوله تعالى فى زيت الزيتون : (مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ) (النور) ، وبركة شجرة الزيتون أن الشفاء يكون بزيتها ، وبركة النحل أن الشفاء فى عسله ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أوصى بزيت الزيتون فقال : «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه مبارك» ، وأقسم الله تعالى بالزيتون وبالتين ، (سورة التين) وكلاهما طعام ودواء ، ودهن الزيتون هو زيته ، وشجرته معمرة قد تستمر لألف عام ، ونسبة الأحماض فى زيتها قليلة جدا ودهنها مشبع ، وقيمته الصحية عالية ، وتناوله باستمرار يقى من تصلب الشرايين ، وانسداد شرايين القلب التاجيّة ، وارتفاع ضغط الدم ، والبول السكرى ، وسرطانات المعدة والقولون ، والثدى ، والرحم ، والجلد ، وقرحات الجهاز الهضمى ، وأكسدة الكولسترول ، ويفيد الزيت فى ذلك من طريق فيتامين ه ومركبات الفينولات ، ويمنع زيادة الكولسترول الضار المعروف باسم LDL ، ويمنع أكاسيد الشحوم.

وفى المرض البدنى والنفسى معا يقول تعالى : (وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (٨٠) (الشعراء) ، والشفاء يتم بالدواء الذى جعله تعالى لكل داء ، والإيمان من طرق العلاج ، وفى الإسلام ، هو الإيمان بالقرآن ـ وبكلامه تعالى ، وبقدره ، كقوله : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٨١) (الإسراء) ، وشفاؤه شفاء القلوب بإزالة الريب والخلاص من التهافت النفسى المضعف للمناعة ، والمسبب للمرض النفسى. والشفاء من المرض البدنى : بالعلاج. ومن نعمه تعالى على المريض رخصه فى المرض ورفعه الحرج عن المرضى ، بقوله : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) (٩١) (التوبة) ، فالمريض من المعذورين ، ولا عليه أن يكون فى الجهاد من الخوالف ، وهو من المعذورين فى الصيام ، بقوله : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (١٨٤) (البقرة) ، ومن المعذورين فى قيام الليل بقوله : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ

٥٠٣

مِنْكُمْ مَرْضى) (٢٠) (المزمل). والمريض له أن يصلى ما تيسّر له لمرضه ، والقرآن فى الآية : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) (٧٨) (الإسراء) هو صلاة الفجر ، أو أن قراءة القرآن فى الفجر المقصود بها التلاوة فى وقته ، فعند المرض له أن يختصر فيها ، وفى الحديث : «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ..».

والتداوى فى المرض مأمور به ، إلا ما كان من محرّم كالخمر ، وما كان فيه سمّ ويرجى منه شفاء لا يحرم. ومن الأدوية الشافية فى القرآن عسل النحل : (شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ) (٦٩) (النحل) ، وعن علىّ قال : «أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ، وأشرف شرابه رجيع نحلة». ـ يقصد بالدودة دودة القز ، والحرير من لعابها ، وشراب النحلة هو العسل ، ومنه أكثر الأشربة والمعاجين ، ويكتحل ويستمشى به ويتداوى ، ويخلط بالماء والخل ويطبخ فيكون شرابا ناجعا. وكما ترى فإن القرآن لا يتصادم والطب الحديث ، على عكس التوراة والإنجيل.

* * *

١٤٠٥ ـ الإنسان آخر ما خلق الله من أصناف الخليقة

أثبت العلم أن الإنسان عند ما يموت ويتحلل ، فإن عناصره هى نفس عناصر التراب ، وكما كانت نهايته كانت بدايته ، بقوله تعالى : (كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) (٥٩) (آل عمران) ، وقوله : (فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ) (٥) (الحج) ، وقوله : (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً) (٣) (ق) ، وقيل عناصر التراب ستة عشر عنصرا ، والعناصر التى ينحل إليها جسم الإنسان ستة عشر عنصرا. وفى قوله تعالى : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) (١) (الإنسان) تأريخ لتطور الإنسان فى الخلقة ، وتطوره الحضارى ، فلما خلقه الله كان على الفطرة ولم يكن شيئا مذكورا ، وظل كذلك حينا من الدهر ، لا تعرف له الخلائق قدرا ، ثم إنه عرف الله ، وجعله الله تعالى خليفة فى الأرض ، وحمّله الأمانة لمّا ظهر فضله على الكل. وكان آخر ما خلق من أصناف الخليقة ، فكان على قمة السلّم الحضارى ، وخلقه بعد خلق الحيوان كله ، ولم يخلق بعده حيوانا. والإنسان هو جنس بنى آدم. وقيل «الحين» فى الآية هو التسعة أشهر مدة الحمل ، وفيها لا يكون شيئا مذكورا ، وفى النظرية التلخيصية فإن الإنسان وهو يتخلّق فى الرحم يلخّص ويوجز قصة خلقه من البداية ، وكما يتخلّق الجنين كان تخلّق آدم ، وكذلك كل جنس الإنسان ، وتطوّر كتطور الجنين ، ومرّ تاريخه بأطوار ودورات وأطباق ، طورا بعد طور ، ودورة إثر دورة ، وطبقا فى عقب طبق ، ولم يصبح الإنسان مذكورا إلا بعد أن صار له تاريخ وحضارة ومعرفة. وسبحان من جعل كل هذه الحضارة بمخلوق لم يكن شيئا مذكورا!

* * *

٥٠٤

١٤٠٦ ـ معجزة إعادة الخلق من عظام الميت

يقول الله تعالى : (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (٧٨) (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (٧٩) (يس) ، والرميم من رمّ العظم أى بلى وصار رمّة ، مع ذلك فهو تعالى يعيده حيا فى النشأة الثانية ؛ وشرح ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : إن الإعادة تكون بما يسمّى عجب الذّنب ، وهو أصل الذنب عند رأس العصعص من العمود الفقرى ، وفى الحديث : «كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب ، منه خلق ، وفيه يركّب» أخرجه أبو داود والنسائى وأحمد وابن ماجة ، وفى رواية أخرى : «يأكل التراب كل شىء من الإنسان إلا عجب ذنبه» قيل : ما هو يا رسول الله؟ قال : «مثل حبة خردل منه نشأ» ، وفى رواية أخرى ، قال : «ليس من الإنسان شىء إلا يبلى ، إلا عظما واحدا هو عجب الذنب ، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة» قالوا : أى عظم يا رسول الله؟ قال : «عجب الذنب». وهذه الأحاديث حول تفسير الآية يؤكدها العلم الحديث بعد ألف وأربعمائة سنة من نزول القرآن ، فقد ذكر علماء الأجنة أن تخليق الجسد فى الإنسان يأتى وفق شريط دقيق للغاية يسمى الشريط الأولى ، يتخلّق فى الأسبوع الثانى من تلقيح البويضة وانغراسها فى جدار الرحم ، وتتكون به كل التعليمات حول شكل الجنين ، وأوامر تنشيط الخلايا للانقسام وتكوين أجهزة الجسم ، وتخصّصها ، وتمايزها ، وتكاملها ، وتناسقها ، فإذا تمّ التخلّق اندثر الشريط إلا من جزء صغير للغاية يبقى فى نهاية العصعص ، وهو المسمّى عجب الذنب ، فإذا مات الإنسان بلى إلا عجب الذنب يكون رفاتا ، كقوله تعالى : (وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) (٤٩) (الإسراء) ، والرفات : ما تكسّر وبلى ، كالفتات والحطام والرّضاض ، وعجب الذنب من هذا الفتات ، ويبقى ولا يندثر ، وبه يعاد الخلق : بما يحتوى من أوامر ، كما فى الحديث : «ثم ينزّل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل» ، والذى ينبت هو عجب الذنب ، كما ينبت النبت من البذرة ، يعنى تكون به النشأة الثانية ، وثبت علميا أنه يستحيل فناء عجب الذنب هذا أو الشريط الأولى ولو بأقوى الأحماض ، أو بحرقه ، أو سحقه ، أو إبطال مفعوله بالأشعة. والآيات والأحاديث فى ذلك من المعجزات العلمية التى سبق بها الإسلام ، دليلا على صدق ما جاء به ومن جاء به.

* * *

١٤٠٧ ـ الخلق فى ظلمات ثلاث

لفتت الآية : (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ) (٦) (الزمر) انتباه علماء الأجنة من غير المسلمين لمّا نبههم إليها علماء المسلمين ، وكانت الآية

٥٠٥

سببا فى إسلام بعض من العلماء غير المسلمين ، منهم العالم الكندى كيث مور وله كتاب مشهور فى علم الأجنة ، وقد بهر بالآية وفسّرها بأن الظلمات الثلاث من واقع دراساته هى : ظلمة جدار البطن ، وظلمة الرحم ، ثم ظلمة الأغشية المحيطة بالجنين. وكان مفسرو القرآن من المسلمين يقولون عنها بأنها ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة. وقال بعضهم بما سمّاه ظلمة الليل فى البطن.

* * *

١٤٠٨ ـ الخلق من نطفة أمشاج

إعجاز هذه الآية : (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (٢) (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (٣) (الإنسان) ، أن العلم الحديث كشف عن صدق ما جاء بها ، ولم يعارضها علم الأجنّة فى شىء مما ذكرته ، فالنطفة التى يخلق منها الجنين هى نطفة أمشاج أى أخلاط ، والمشج فى اللغة هو الخلط ، والممشوج المخلوط ، والجنين هو جماع منىّ الرجل وبويضة الأنثى ، ولم يكتشف أمر البويضة إلا سنة ١٨٢٧ ، وقبل ذلك كان الاعتقاد أن الجنين يتكون من ماء الرجل ، أى منيّه ، ومن ماء المرأة ـ وهو السائل اللزج الذى يسهّل عملية الجماع ، وذلك خطأ صحّحه العلم مؤخرا فقط ، وكان المظنون أن ماء الرجل أبيض غليظ ، وماء المرأة أصفر رقيق ، فما كان من عصب وعظم وقوة فهو من ماء الرجل ، وما كان من لحم ودم وشعر فهو من ماء المرأة ، ولكن الآية أكدت نظرية الأمشاج وهى التخلّق من المنى والبويضة ، وهو قوله تعالى : (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ) ، وأثبت العلم أن خلق السمع يأتى قبل خلق البصر كما فى الآية ، وأن الطفل حين يولد فإن سمعه يسبق بصره ، والسمع طريق الهداية ، ولذلك يكون الإنسان إما مقتنعا بما يتلقى من العلم ويتحصّل من الخبرات ، فيكون شاكرا لله عارفا به وبفضله ، وإما أنه لا يقتنع ويجحد ، ويمارى ، ويكابر ، وينكر ، فيكون كفورا بنعمه تعالى وبأنه خالقه جلّ وعزّ.

* * *

١٤٠٩ ـ إعجاز آيات أطوار تخلق الإنسان

فى قوله تعالى : (فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) (٥) (الحج) ، وقوله : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ

٥٠٦

فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) (١٤) (المؤمنون) ، تلخّصت أطوار تخلّق الإنسان ، وكان انبهار علماء الأجنة من الأوروبيين بهذه الآيات انبهارا كبيرا ، لدقة وصف هذه الآيات للرحم كقرار مكين ، بما فيه من أربطة وعوامل استقرار ، وبالتخلّق عبر مراحل ، وتطابق الوصف لواقع التخلّق ، ولقوله تعالى بأن العظام تتكون قبل اللحم وليس العكس ، وأن الخلق من تراب كان فى البداية مع آدم ، والإنسان عند ما يموت يتحلل إلى تراب يتكون من نفس عناصر التراب الذى نعرفه ، بالإضافة إلى ماء يتبخر ، وغازات متصاعدة ، والماء أضيف إلى التراب عند خلق آدم فكان طينا ، وفيه قال تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) (١٢) (المؤمنون) ، وأما الغازات فهى نتيجة تخمّر بقايا الأغذية فى الجسم ، وإنما الأصل فى الخلق ، هو ما يتبقى بعد الممات ، وهو هذا التراب لا غير ، وبعد آدم كان التخلّق من المنى من الإنسان المخلوق من تراب ، فكان أيضا أن تخلّق الإنسان من منىّ أى من تراب ؛ ثم كانت النطفة من المنى والبويضة ، ثم كانت العلقة وهى التخلّق الطرى الأحمر الذى تتطور إليه النطفة إثر التلقيح ، وسميت كذلك لأنها تشبه الدم الجامد أو الدم العالق ، ثم تكون المضغة سمّاها كذلك لأنها تشبه اللحم قدر ما يمضغ ، وهذه الأطوار تستغرق أربعة أشهر ، ثم تدبّ الحياة فى الجنين بعد هذه الشهور الأربعة ، فى الأيام العشر الأولى ؛ ومثل ما دبّت الحياة فى الجنين فى أربعة أشهر وعشرة أيام ، فكذلك جعلت عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام ، فإذا دخلت المرأة فى الشهر الخامس ولم يظهر لها حمل برئت منه ، وبرىء رحمها. وفى الحديث : «يجمع خلق أحدكم فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم أربعين يوما علقة ، ثم أربعين يوما مضغة». فهذه أربعة أشهر ، ثم تدبّ الحياة فيه فى الأيام العشرة التالية. والنطفة لا تستقر فى الرحم إلا إذا صارت علقة ، وهذا هو سبب تسميتها كذلك : أنها تعلق بالرحم ، ويكون وضعها فيه وضع حمل ، والمضغة المخلّقة فى الآية تكون كذلك عند ما يظهر شكل الجنين ويكون له الرأس واليدان والرجلان إلخ. والمضغة غير المخلّقة هى التى لم تصوّر بعد. والتخليق من الخلق تتابعت عليه الأطوار ، فقد خلق خلقا بعد خلق ، وفى الآية أن بيان ذلك متاح للناس مما يظهر كمال قدرة الله بتصريفه هذا العجيب لأطوار خلق الإنسان. والاستقرار فى الرحم آية ، لأن الجنين يثقل ويمكن أن يبلغ وزنه من ٥ ، ٢ كيلو إلى ٤ كيلوات ، وأحيانا خمسة ، فما لم يكن الرحم متينا غاية المتانة فلن يقدر على استيعاب الحمل مدة الشهور التسعة ، وسيسقط الجنين ؛ ثم يكون الميلاد. «والطفل» يصدق عليه هذا الاسم من وقت انفصال الولد بالولادة حتى البلوغ ؛ «وبلوغ الأشدّ» هو بلوغ الحلم واكتمال النضوج البدنى والعقلى والنفسى ، ومن الناس من يموت فى ميعة الصبا ، ومنهم

٥٠٧

من يشيخ ويكبر حتى الهرم والخرف. والإعجاز البلاغى فى هذه الآيات نوع آخر من الإعجاز بالإضافة إلى الإعجاز العلمى ، فقد اختصرت وأوجزت الحياة بكاملها من البداية حتى النهاية فى بضع عبارات كانت قمة فى التعبير والوفاء بالمعنى فى جمال واتساق.

* * *

١٤١٠ ـ الإعجاز العلمى فى آية البنان

البنان عند العرب هى الأصابع ، واحدتها البنانة ، والإشارة فى الآية : (بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) (٤) (القيامة) إلى بصمات الأصابع ، والآية القرآنية لم يكتشف الإعجاز فيها إلا العالم الباحث فى السمات «فرنسيس جالتون» ، واستخدم البصمات فى تحقيق الشخصية ، بعد أن ثبت بغير منازع أنه لا يوجد اثنان يتشابهان فى هذه البصمات ، وأتم عمله ووافق عليه إدوارد هنرى من اسكتلنديارد. ويتوقف تحقيق الشخصية عن طريق البصمات على تميّز كل عقلة من الأصابع بالجلد الذى يغطى خلايا الأصابع ، وبالمسام التى لهذا الجلد. وتختلف أشكال البصمات فى كل إنسان عن غيره ، حتى عند التوائم ، ولا يوجد مطلقا شخصان متشابهان. ولنا أن نتساءل : أليست الآية دليلا على أن القرآن من عند الله تعالى؟ لأنه لو كان من عند محمد فمن علّمه هذا العلم المتقدّم جدا ، إن لم يكن موحى به إليه من الله ليبلّغه إلى الناس؟!

* * *

١٤١١ ـ البلوغ

البلوغ : هو الإدراك ، والبالغ : هو المدرك ، ويقال : غلام بالغ ، وجارية بالغ وبالغة. وفى الآية : (وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا) (٥٩) (النور) ، أن بلوغ الطفل الحلم يعنى أن يبلغ مبلغ الرجال ، والفعل حلم حلما ، واحتلم ، ومن مظاهر هذا البلوغ : أن يخط شارب الولد ، ويخشوشن صوته ، ويكبر ثديا البنت ويمتلئ حوضها ، ويظهر شعر العانة عند الأولاد والبنات ، وبلوغ الذكور يسبق بلوغ الإناث بنحو السنتين ، وتختلف سن البلوغ بحسب البلاد والمجتمعات ، وباختلاف الظروف الاجتماعية والصحية والبنيوية والنفسية لكل ولد وبنت ، ولا يعنى ظهور الصفات الجنسية الثانوية السابقة تمام البلوغ وإنما هى إرهاصات به ، فإذا حاضت البنت وانتظمت دورة الحيض عندها فى أول كل شهر حيضى ، ونزل المنى من الولد بالاحتلام أو بغيره ، فإن ذلك يعنى النضج ، وبذلك يعامل الطفل كفرد مسئول ، وتراعى تربيته والتعامل معه على هذا الأساس. وفترة بلوغ البنت تقع بين الحادية عشرة والثالثة عشرة ، وفترة بلوغ الولد بين التاسعة والحادية عشرة ، وقيل إن السيدة عائشة بلغت فى التاسعة عند ما تزوجت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومعنى البلوغ : أن الطفل صار يدرك ، فيتوجّب عليه أن يستأذن على أهله وعلى غيرهم ، كلّما عنّ له أن يدخل عليهم ، فى

٥٠٨

الأوقات التى من عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعرّى. وقوله تعالى : «وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم» كقوله : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) (١٤) (القصص) ، وكقوله : (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) (٦) (النساء) ؛ والأشدّ : تعنى القوة فى البدن ، وفى المعرفة والخبرة ؛ وبلوغ النكاح : يعنى أن يكون الولد أو البنت قادرين على الزواج وإنجاب مثلهما. وقيل إن حدّ البلوغ لمن لم يحتلم هو خمس عشرة سنة ، وإنما تجب الأحكام والفرائض بحدّ البلوغ ، وفى هذه السن يكون الإقبال على التعلّم أقوى ما يمكن فى المراهق ، ويظهر حبّه للعلم والحكمة ، ويكون أرشد فى إنفاق المال ، فيمكن أن يعهد إليه بماله إن كان ذا مال.

* * *

١٤١٢ ـ التصنيف الحركى للكائنات

فى الآية : (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٤٥) (النور) : تنبيه إلى تنوع الحركة فى الدواب ، وتصنيفها بحسب حركتها ثلاثة أصناف رئيسية ، وهو نوع من التصنيف جديد فى بابه ولم نعهده فى العلوم ، وخصّ الدواب بهذا التصنيف ، وهى كل ما دبّ على وجه الأرض من الحيوان ، ويشمل ذلك من يعقل وما لا يعقل ، ولمّا كان الإنسان هو الغالب على انتباه الناس دون سائر المخلوقات ، لشرفه وعلوّه فى سلّم الأنواع والأجناس ، غلب استعمال «من» وهى للعاقل ، ولم يستعمل «ما» وهى لغير العاقل ، وقصر الحركة فى الآية على ما خلق من ماء ، أى من أمنية الذكور ، فلم يتعرض لحركة الأجرام والضوء والطاقة ، واقتصر على الحيوان ، والنبات ، والحشرات ، والطيور ، دون الفيروسات والميكروبات ، وجعل خلق الماء سابقا على خلق الحيوان ، كقوله تعالى : (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) (٣٠) (الأنبياء) فلو لا الماء ما كانت الحياة ، والحياة نقيض الممات ، والحيوان من الحياة ، وآية حياته «الحركة» ، ومن تعريفاته أنه الكائن الحىّ الذى يتحرك ، والحركة هى دبيب الحياة ، ومن الحيوان ما يمشى على بطنه ، مثل الحيّات والثعابين والأفاعى ، ورغم أنها لا أرجل لها ولا أقدام ، إلا أنها سريعة الحركة والتنقّل ، بما لها من عضلات بطنية وضلوع كثيرة تمتد من كل فقرات الجسم ، فكأنها الأرجل الباطنة تندفع بها إلى الأمام والخلف ، واليمين واليسار ، وتحت وفوق ؛ ومنها ما يمشى على رجلين ، وأقومها جميعا الإنسان ، وبسبب ذلك كان تميّزه بارتفاع القامة ؛ وأما بقية الحيوانات فأغلبها يمشى على أربع ، ومنها الطيور إلا أن الرجلين الأماميين تحوّرتا إلى جناحين ، كما أنه فى الأسماك تحوّرت الأرجل

٥٠٩

إلى زعانف ، واكتفت الآية بذكر ما يمشى على أربع على ذكر ما يمشى على أكثر من ذلك ، لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع ، والأربع قوام مشيه وحركته ، وما زاد على ذلك كما فى الحشرات ليس من باب الإضافة التى لا داعى لها ، فنبّه بالاختلاف إلى ثبوت الصانع ، فلو لا أن للجميع صانعا واحدا لما اختلفوا بل كانوا من جنس واحد ، وعلى الهيئة الواحدة ، ولكنه يخلق ما يشاء ، على أية صورة يشاء ، وفى ذلك دليل على طلاقة قدرته.

* * *

١٤١٣ ـ الزراعة من أعلى الحرف

فى الآية : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) (٢٦١) (البقرة) دليل على أن اتخاذ الفلاحة والزراعة حرفة من أعلى الحرف التى يمكن أن يمتهنها إنسان ، ولذلك ضرب بها هذا المثل ، وفى الحديث الصحيح : «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة» ، وعن عائشة قال : «التمسوا الرزق فى خبايا الأرض» يعنى فى الزرع.

* * *

١٤١٤ ـ التين والزيتون آيتان

أقسم الله تعالى بالتين والزيتون ، فقال : (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (١) (التين) فكان قسمه بهما عظيما ، ودلّ على أنه قد أقسم بعظيمين. و «التين» جاء مرة واحدة فى القرآن ، وأما «الزيتون» فجاء عنه أربع عشرة مرة ، وقال تعالى فى شجرة الزيتون : (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) (٢٠) (المؤمنون) ، وقال : (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ) (٣٥) (النور) ، وهى مباركة كشجرة التين ، لقلة تعاهدها بالسقى والحفر والعزق والفلاحة ، وغير ذلك من المراعاة التى تكون للأشجار ، وتصلح لهما الأراضى الرملية ويجودا فيها ؛ ويستخرج من شجرة الزيتون زيت الزيتون ، وهو أغلى الزيوت وأنفعها وأرقاها ، وتنبّه الآية إلى أن نعمة هذا الزيت من أفاضل النعم التى لا غنى للصحة عنها ، وسمّى الزيت «صبغا» لأنه يصبغ به الأكل ، أى يطيّب ، وفى الحديث : «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة» أخرجه الترمذى. وقيل إن أول شجرة نبتت فى الأرض بعد الطوفان كانت شجرة الزيتون. ولمّا ضرب الله تعالى المثل بنوره ، شبّهه بنور مصباح يوقد بزيت الشجرة المباركة التى هى شجرة الزيتون ، لأنه زيتها صاف رائق مطهّر ، ويسمونه فى الاصطلاح الآن «الزيت البكر» ، وكان العرب يطلقون عليه اسم «الزيت الطيّب» ، وثمره من أشهى

٥١٠

الثمار ، ويفوق ثمر التين. واستخدام زيت الزيتون الطبيعى يوميا بمعدل ملعقة ينقص من حدوث سرطان الثدى والمعدة والقولون ، ويخفض مستوى الكوليسترول فى الدم ، ويحمى من الجلطة ، ومن تصلب الشرايين ، ويقوّي الجهاز المناعى ، ويقاوم الالتهابات ويمنع تقرّح المعدة ، ويلين التبرّز ، ويدر الصفراء ، ويفتت الحصى.

ويفيد زيت الزيتون فى علاج السكر ، ويشرب لذلك ملعقتان من الزيت مرة كل صباح ، ومثلهما فى المساء قبل النوم ، ويمكن إضافة عصير الليمون إليه. ولعلاج الروماتيزم والتهاب الأعصاب يصنع مرهم من رأس ثوم يبشر فى كوب زيت زيتون ويترك ثلاثة أيام ، ثم يدهن به مكان الألم عدد مرات مع الدعك. وبالنسبة للنساء فإن زيت الزيتون يعالج تشقق الجلد ، ويزيل التجاعيد فى الوجه والرقبة ، فيطلى الوجه والرقبة بمزيج مكون من نصف ملعقة صغيرة من الزيت ، زائد صفار بيض وبضع نقاط من عصير الليمون ، ويترك على الوجه والرقبة ثلث ساعة ، ثم يزال بالماء الفاتر ، ويدهن به الجسم حفاظا عليه من خطر أشعة الشمس خاصة فى المصايف. وبالنسبة للشعر فهو يساعد على وقف تساقطه ويعذّيه ويعطيه لمعة وبريقا وطراوة ونعومة ، وتدلك به فروة الرأس كل مساء ، ويغطى لمدة عشر ساعات ، ويغسل فى الصباح. ويعالج تشقق الجلد بزيت الزيتون ، وخاصة خشونة الأيدى والكعوب ، ويضاف إلى الزيت الجليسرين بنسب متساوية. وزيت الزيتون أصحّ من السمن والزبد والدهون النباتية فى الطبخ ، ويضاف طازجا إلى طبق الفول مع عصر الليمون ليصبح وجبة غذائية كاملة. وفى المجال الصناعى يستخدم زيت الزيتون فى صناعة الصابون الفاخر والشامبوهات المغذية. والزيتون منه الأخضر التفاحى الكبير ، والعزيزى صغير الحجم الذى يصلح للتخزين ، والأسود بأنواعه المختلفة.

وأما التين فكان ستر آدم وحواء فى الجنة ، كقوله تعالى : (يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) (٢٢) (الأعراف) ، وكان ذلك بورق التين ، وشجرته جميلة ، ومخبرها طيب ، ورائحتها زكية ، ويسهل جنيها. والتين غذاء كامل ، ويحبه كبار السن لأنه لا يحتاج لأسنان قوية ، ويلطّف الأمعاء ، ويليّن الإخراج ، ويؤكل طازجا وجافا ، ومذاقه حلو ، ولا يستغنى عنه الصائم ، وهو علاج لأمراض الدورة الدموية والكبد والكلى ، فحقّ له تعالى أن يقسم (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (١) (التين) لأنهما من نعم الله الكبرى.

* * *

١٤١٥ ـ الإنجاب فى القرآن وفى العلم

الإنجاب من الأمور العلمية ، والإحاطة به مجاله العلوم ، وفى القرآن إشارات إلى وضعية الإنجاب فى الدين ، كقوله تعالى : (لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ

٥١١

لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً) (٥٠) (الشورى) ، فبدأ بالإناث لأن أكثر الإنجاب بحسب الإحصائيات للإناث. ومعنى الآية أن مسألة الإنجاب هى من مشيئة الله ، فقد تلد المرأة : الإناث ، وقد تلد الذكور ، وقد تلد الإناث والذكور ، وقد لا يولد للأبوين. والأنبياء مثل وقدوة ، فلوط رزق الإناث فقط ، وإبراهيم رزق الذكور فقط ، وآدم ومحمد رزقا الإناث والذكور ، ويحيى وعيسى كانا عقيمين. ومن الطب النبوى أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لليهودى : «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا فعلا ماؤها ماء الرجل ، أشبه الولد أخواله ، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه» ، فباعتبار هذا الحديث فإن العلو يقتضى الشبه. وقال : «ماء الرجل أبيض ، وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا فعلا منىّ الرجل منىّ المرأة ، أذكرا بإذن الله ، وإذا علا منىّ المرأة منى الرجل آنثا بإذن الله» ، فجعل فى هذا الحديث أيضا العلو يقتضى الذكورة والأنوثة ، ويقتضى الشبه ؛ غير أنه لا علو فى الماء فى الرحم وإنما هو غلبة ماء أى من الزوجين ، يعنى غلبة «الصفات الوراثية» لأيهما ، بأن تكون هى الأقوى ، فيكون الشبه لها أو له ، فسبحان مسبّب الأسباب ، وله فى خلقه شئون ، وليس أدلّ على أن القرآن من لدن الله من هذه الآية التى نبّهت إلى الإنجاب وتصاريفه تعالى فيه.

* * *

١٤١٦ ـ اللبن طعام معجز

فى القرآن آيات كثيرة عن الأغذية للحيوان والإنسان ، منها قوله تعالى : (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (٦٧) (النحل) ، فقد ذكر من هذه الأغذية اللبن ، وناسب إعجاز هذه الأغذية أن يذكّر بها العقلاء ، والعقل أشرف ما فى الإنسان ، والعبرة التى يستخلصها العقل من طعام اللبن ، هى الدلالة على قدرة الله ووحدانيته وعظمته ، والعبر فى الأنعام تسخيرها ، وفى اللبن أنه خالص البياض ، ومع ذلك فاللبن من الفرث والدم ، والفرث هو بقايا الطعام التى يخرجها الجسم بعد الاستفادة مما بالطعام وتصنيعه دما يتحول فى الثدى إلى اللبن ، وما تأكله كل أنثى من حيوان أو إنسان يهضم فيكون أسفله فرثا ، وأوسطه دما ، وأعلاه لبنا ، فاللبن أعلى من الدم ، وينتجه الضرع أو الثدى. والمنى يشبه اللبن إلا أنه : (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ) (٧) (الطارق) ، ومنفذه مخرج البول ، ومع ذلك فهو الطاهر طهر اللبن المستساغ. واللبن من المحاليل المركبة ويحتوى على جميع العناصر الغذائية التى يحتاجها الجسم ، ولا ترتبط بمركبات تمنع الجسم من الاستفادة منها رغم تزاحمها فيه ، ولا تتداخل مع بعضها بصورة

٥١٢

سلبية ، ولا تعوق الجسم من امتصاصها ، ولا تمنع من الاستفادة من كافة ما فيها ، والإعجاز أن يستطيع الجسم أن يصنع طعاما هو اللبن يناسب الإنسان والحيوان ، ويحوى كل العناصر الغذائية اللازمة ، والإعجاز الأعظم فى اللبن أن تتواجد فيه هذه العناصر بنسب محسوبة دقيقة ، تخلق بينها توازنا مثاليا ، يشجّع على امتصاصها فى الجسم ويخلق فيما بينها تداخلا إيجابيا ، يستحيل أن يوجد مثله فى أية أغذية حيوانية أو نباتية أخرى ، وبذلك يكون اللبن «معجزة غذائية» بكل المقاييس العلمية. ثم إن وجود هذه العناصر فى حالة ذائبة ممتزجة فى محلول واحد ، يشكل إعجازا علميا آخر ، لأن كل العناصر الغذائية لا تقبل الامتزاج فى محلول واحد ، ولا يمكن علميا تخليق محلول غذائى يشمل كل العناصر الغذائية دون ترسيب جزء منها ، إلا فى اللبن وهو المحلول الوحيد الذى يتضمن كل أنواع وصور المحاليل المعروفة الذائبة ، والغروية ، والدهنية المستحلبة ، والسكرية ، والبروتينية ، والعناصر المعدنية والفيتامينات المختلفة ، وكل من هذه المواد له صفاته وأنظمته المستقلة ، وبعضها من صفاته الذوبان ، وبعضها لا يذوب ، وبعضها لا يتفق مع غيره ولا ينسجم ولا يمتزج فى حالة خلطه. ونظام تركيب اللبن لذلك من أعقد الأنظمة ، وهو المزيج الوحيد الذى يتميّز بهذا التآلف الفريد ، والانسجام المعجز ، ومن صور إعجازه أنه متغيّر التركيب وليس ثابتا ، فمكوناته تتغير خلال فصول السنة ، متوافقة مع حاجات الرضيع من الإنسان أو الحيوان ، وهى حاجات تختلف فى الصيف عنها فى الشتاء ، ففي الشتاء تزداد نسبة الدهون فى اللبن حيث يحتاج الكائن الرضيع إلى نسبة من الدهون أكبر ، عنه فى الصيف الذى تزداد فيه الحاجة إلى نسبة بروتين وأملاح معدنية أكبر ، وبذلك يكون اللبن غذاء مثاليا للصيف والشتاء ، وهذا التغير فى المكونات بحسب المناخ واختلاف الفصول هو إعجاز لا يمكن أن يكون تنظيمه وبرمجته وإنتاجه إلا بتدبير إله عظيم ، وينفرد الإنسان بأنه المخلوق الوحيد الذى يحتاج للبن طوال مراحل عمره كلها فيناسب حاجاته كغذاء دائم. وسبحانه ربّ العزة تعالى عمّا يشركون ، لا علم لنا إلا ما علمنا ، وقد سبق القرآن ونبّهنا إلى آية اللبن قبل الكشوف الحديثة التى أثبتت صدقه ، فكان ذلك دليلا على أنه كتاب من عند الله ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

١٤١٧ ـ الخلق قبل التصوير

الخلق هو الاختراع والإيجاد بعد العدم ، وينسب لله تعالى ، وقد يقال للإنسان خلق عند إنشائه شيئا ، وفى الآية : (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) (الأعراف) : أن الخلق يأتى أولا ، فتكون النطفة ، ثم يصورنا خلقا آخر. وهناك النظرية الأخرى فى القرآن : أن الخلق كان

٥١٣

فى ظهر آدم ، ثم كان التصوير لمّا أخذ على بنى آدم الميثاق : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (١٧٢) (الأعراف) ، يعنى أن الخلق كانوا فى ظهر آدم بالإمكان ، وصار الإمكان تعيينا عند الميثاق ، فجعلهم مثل الذّر ، وفى الحديث : «أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق» ، وقيل إن الخلق كان فى ظهر آدم إمكانا ، ثم كان تصويرا وتعيينا فى الأرحام. وقيل إن الخلق كان خلق آدم من التراب ، ثم حواء من ضلع لآدم ، ثم كان التصوير لاحقا ، ويؤيد ذلك قوله : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) (١٢) (المؤمنون) يعنى آدم ، (وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها) (النساء ١) يعنى حواء : (ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ) (١٣) (المؤمنون) ، فآدم خلق من طين ، ثم صوّرت ذريته فى أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فى أصلاب الآباء. وكل إنسان مخلوق من تراب ونطفة ، وفى سورة الأعراف قال : (خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) (١١) ، وفى آخر سورة الحشر قال : (هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ) (٢٤) ، فذكر التصوير بعد البرء ، أى أنه خلق الأرواح أولا ، ثم صوّرها أشباحا آخرا.

* * *

١٤١٨ ـ تسخيره تعالى للطبيعة فى خدمة الإنسان

الطبيعية جميعها كما فى القرآن ـ مسخّرة للإنسان ، فالسماوات والأرض مسخرة ، كقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) (٢٠) (لقمان) ، وقوله : (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) (١٣) (الجاثية) ، وقوله : (سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) (١٢) (الجاثية) ، وقوله : (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا) (١٤) (النحل) ، وقوله : (سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٦٥) (الحج) ، وقوله : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) (٣٢) (إبراهيم) ، وقوله : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ) (٣٢) (إبراهيم) ، وقوله : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ) (٣٣) (إبراهيم) ، وقوله : (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) (٣٣) (إبراهيم) ، أى أنه تعالى جعل كل شىء فى الأرض وفى السماء فى خدمة الإنسان ، فله أن يتواصل بهذه الأشياء فى الأرض وفى السماء ، وأن يجرى عليها تجاربه ، ويعرف قوانينها ، ويفيد من أسبابها ، ولا شىء يحول بينه وبين أن يفعل ذلك ، وبالأولى فإن العلم بهذه الأسباب مسخر أيضا للإنسان.

* * *

٥١٤

ثانيا : علم النفس فى القرآن

* * *

١٤١٩ ـ التربية ودورها فى التنشئة

الآيات كثيرة فى التنبيه إلى دور التربية فى التنشئة ، فكل نبت يخرج منه شبيهه ، ولمّا عادت مريم تحمل ابنها عيسى قال لها أهلها : (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ) (٢٨) (مريم) يعنى كان المتوقع أنه تكون كأبويها ، وهى من بيت هارون ، أى من أرومة طيبة ، فكيف خالفت الموروث العائلى؟ والنعمة التى قصدها يعقوب فى دعائه ليوسف : (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ) (٦) (يوسف) هى الصلاح الذى كان عليه آباؤه وتوارثه عنهم. واتّباع الآباء فى قوله تعالى : (بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا) (١٧٠) (البقرة) هو ما يسميه علماء النفس والطب النفسى «اللاشعور الجمعى» ، وهو الذى يشكّل السلوك ويطبع الإنسان بطابع أهله. والضلال والهدى يورثان : (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) (٧٠) (الصافات) ، يعنى يفعلون فعلهم بدافع غريزى داخلى يدفعهم إلى تقليدهم ، ومعنى يهرعون يسرعون ، والإهراع هو الإسراع ، والمهرع هو المستحثّ. والسلوك الغريزى سلوك مستحثّ ، الأداء فيه طبعى سريع.

* * *

١٤٢٠ ـ عقوق الوالدين فى علم النفس التربوى الإسلامى

فى القرآن يقرن الله حقّ الوالدين على الأبناء بالتوحيد ، لأن النشأة الأولى من عند الله ، ثم تكون النشأة الثانية أو التنشئة أو التربية من جهة الوالدين ، فجعل الإحسان للوالدين ميثاقا ، مثلما جعل عبادته تعالى ميثاقا ، وربط بينهما ، وجعلهما ميثاقا واحدا ، فقال : (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) (٨٣) (البقرة) ، وقرن الشّكر لهما بشكره تعالى ، فقال : (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) (١٤) (لقمان) ، وجعل «عقوق الوالدين» من المحرّمات فقال : (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) (١٥١) (الأنعام) ، وجعل البرّ بالوالدين من الإيمان ، فجاء فى وصف تقوى النبىّ يحيى : (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ) (١٤) (مريم) ، وفى وصف الرحمة عند النبىّ عيسى قال : (وَبَرًّا بِوالِدَتِي) (٣٢) (مريم) ، فالبرّ بالوالدين من التقوى ، ومن الرحمة. والتوصية بالوالدين فى قوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) (٨) (العنكبوت) هى توصية بأحسن المعاملة ، وأخلص الطاعة ، وأوفى الخدمة ، فى حدود عدم مخالفة الله ، وعدم الشك به ، فإن جاهداه على الشرك ، واختلفا معه عليه ، فلا يطعهما ولو بلغ خلافهما حدّ المنازعة. والفرق بين معاملة الوالدين بالإحسان

٥١٥

ومعاملتهما بالحسن ، أن المعاملة بالإحسان هى المعاملة بالفضل ، والإحسان ضد الإساءة ، وأما المعاملة بالحسن ، فالحسن ضد القبح ، ومعاملة الحسن هى التى توصف بأنها المعاملة الكريمة. وفى قوله : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (١٥) (الأحقاف) أن هذه المعاملة ليست مجرد وصية ، وإنما هى مترتبات على كرم الوالدين مع ابنهما ، فالأم حملته قسرا عنها ، ووضعته برغمها ، ونما فى بطنها وعانت ثقله وإطعامه ، وانزعج نومها به واضطرب ، وشكت أوجاعا بسببه لم تعرفها من قبل ، وانشقّت نفسها نفسين فى ولادته ، وانفصل عنها جسما مستقلا عن جسمها ، ثم تعهدته ، وأرضعته ، ونظّفته ، وعلّمته الكلام ، وحمته من الأغيار ، ومن الظروف حولها ، والآية تسمّى ذلك حملا وفصالا ، والفصال هو الانفصال ، وإنما رعاية الأم لا تتوقف أبدا ، وحماية الوالد لابنهما لا تنتهى ، فإذا نضج الابن وبلغ أشدّه ، أى رشده ، لم تنقطع رعايتهما مع ذلك ، وينضج عقليا وانفعاليا فيبلغ الأربعين وما يزال يحتاج إليهما ، فلا عجب أن يسأله الله أن يظل يشكر نعمه تعالى عليه ، وعلى والديه ، أن مكّنهما من تربيته ، وأن يسأله الصلاح الذى يرضاه ، وهو أن يرحم والديه فى شيخوختيهما ، كما رحماه صغيرا ، ولقد رأى كيف يكون الأبوان معه ، وهو الآن أب مثلهما ، فيسأل ربّه أن ينبت أولاده صالحين برعايته ، كما أنبته صالحا برعاية والديه. ولعل أمثل وأكمل الآيات فى معاملة الوالدين هى الآيات : (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً) (٢٥) (الإسراء). والقضاء فى السورة ليس قضاء حكم ، ولكنه قضاء أمر ، وقضى بمعنى وصىّ ، والوصية واجبة ، وفى الحديث عند ما سأله أحدهم : أىّ العمل أحبّ إلى الله عزوجل؟ قال «الصلاة على وقتها» ، فسأله : ثم أىّ؟ قال : «ثم برّ الوالدين» فسأله : ثم أى؟ قال : «الجهاد فى سبيل الله» أخرجه البخارى ، فجعل برّ الوالدين بعد الصلاة التى هى أعظم أركان الإسلام ، وقبل الجهاد الذى هو أعظم مدافعة عن الإسلام ، وجعل بين ذلك «ثم» التى تعطى الترتيب والمهلة ، فبرّ الوالدين عبادة مستمرة كالصلاة ، وهو أيضا جهاد موقوت كالجهاد ، ونقيض البرّ العقوق ، أى المخالفة ، وإذن فالبرّ هو الموافقة ، ومن برّهما ألّا تتعرّض لسبّهما ، فذلك من الكبائر ، ففي الحديث فى صحيح

٥١٦

مسلم : «إن من الكبائر شتم الرجل (أو المرأة) والديه» ، ومن ذلك : «أن يسبّ الرجل (أو المرأة) أبا الرجل ، فيسبّ أباه ، ويسبّ أمه فيسبّ أمه». وفى الحديث ، لمّا سأل الرجل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من أحقّ الناس بحسن صحابتى؟ قال : «أمّك» قال : ثم من؟ قال : «ثم أمك»؟ ، قال : ثم من؟ قال : «ثم أمّك» ، قال : ثم من؟ قال : «ثم أبوك» ، وهذا دليل على أن المحبة للأم ، والشفقة عليها ، ينبغى أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب ، لأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكرها ثلاث مرات ، وذكر الأب مرة واحدة ، فكأن جهد الأم فى تنشئة ابنها ثلاث مرات جهد الأب ، فهى التى حملت تسعة أشهر ، وعانت مشقة الوضع ، ومشقة الرضاع ، ومشقة التربية ، فهذه ثلاثة أمور تنفرد بها الأم دون الأب ، ثم بعد ذلك تتشارك والأب ، وعلماء النفس على القول بأن للأم ثلاثة أرباع البرّ ، وللأب الربع. ومن الإحسان إليهما ألا يجاهد الابن إلا بإذنهما ، وفى قوانين التجنيد فى مصر يعفى الابن الوحيد لرعاية أبويه المسنين. ولمّا سأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أن يصحبه للجهاد ، قال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أحييّ والداك؟» قال : نعم. قال : «ففيهما فجاهد» ، قال : لقد تركتهما يبكيان! قال : «اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما» ، وفى رواية قال : «نومك مع أبويك على فراشهما ، يضاحكانك ويلاعبانك ، أفضل لك من الجهاد معى» ، وفى الحديث : «من أبرّ البرّ : صلة الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولّى» وسأله أحدهم : هل بقى من برّ الوالدين بعد موتهما شىء أبرّهما به؟ قال : «نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما بعدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحمن التى لا رحم لك إلا من قبلهما ، فهذا الذى بقى عليك».

وخصّ الله تعالى حالة الكبر فى قوله : (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) (الإسراء ٢٤) ، لأنها الحالة التى يحتاجان فيها إلى برّه ، لتغيّر الحال عليهما بالضعف ، فألزم هذه الحالة بالمراعاة أكثر مما ألزمه من قبل. وفى الكبر يكون الوالدان كلّا على ابنهما ، فيحتاجان أن يلى منهما فى الكبر ما كان يحتاجه فى الصغر ، وأمره أن يقول لهما ما فيه الإكرام بهما ، فقال : (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً) (الإسراء ٢٣) وسمع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «رغم أنفه ، رغم أنفه ، رغم أنفه» ، فقيل له : من يا رسول الله؟ قال : «من أدرك والديه عند الكبر ، أحدهما أو كليهما ، ثم لم يدخل الجنة.» ومعنى (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) (الإسراء ٢٣) لا تظهر لهما أدنى تبرّم ، والأفّ الكلام القذر الردىء ، فلو رأى منهما فى حال المشيخ الغائط والبول اللذين رأياهما منه فى الصغر ، فلا يقذّرهما ويقل أفّ. والأف والتّفّ : كلاهما الشيء المستقذر ، ولو علم الله شيئا أردأ من «أف» لذكره ، وصارت قولة : «أفّ» بمعنى الشيء الأردأ ، لأن فيها كفر النعمة التى أنعم الله عليه وعليهما بها ، وهى نعمة البنوة

٥١٧

والأبوة ، وفيها جحد التربية التى اختصّاه بها ، وكذلك ردّ الوصية كما أنزلها الله تعالى فى كتابه. وأفّ كلمة مقولة لكل شىء مرفوض ، ولذلك قالها إبراهيم لقومه : (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) (٦٧) (الأنبياء). وقوله تعالى : (وَلا تَنْهَرْهُما) (الإسراء ٢٣) ، النّهر هو الزجر ؛ (وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً) (الإسراء ٢٣) أى ليّنا ، مثل أبتاه ، وأمّاه ؛ (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (الإسراء ٢٤) : استعارة فى الشفقة والرحمة ، شبّه الرحمة بخفض جناح الطائر حين ينتصب به لولده ؛ والذل : الانكسار ، والانقياد ، والتواضع ، والرقة ، وكأنك الخادم مع السيد ، أو الرعية مع الأمير ، وفى الحديث : «لا يجزى ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» ؛ وقوله : (كَما رَبَّيانِي) (الإسراء ٢٣) ، خصّ التربية ليتذكر الولد مشقة الوالدين وتعبهما فى التربية ، فيزداد إشفاقا لهما ، وحنانا عليهما ؛ «وقل ربّ ارحمهما» ، هو دعاء لهما ، وفى الحديث : «ومن أمسى وأصبح مرضيا لوالديه ، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى الجنة ، وإن واحدا فواحدا ؛ ومن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه ، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار ، وإن واحدا فواحدا» ، فقال رجل : يا رسول الله ، وإن ظلماه؟ قال : «وإن ظلماه ، وإن ظلماه ، وإن ظلماه». أخرجه الدارقطنى. ولمّا اشتكى الابن أباه أنه يأخذ ماله ، أحضره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وسأله لما ذا يشكوه ابنه؟ ولما ذا يأخذ ماله؟ فقال الأب أبياتا من الشعر منها :

فلمّا بلغت السن والغاية التى

إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل

جعلت جزائى غلظة وفظاظة

كأنك أنت المنعم المتفضّل

فليتك إذ لم ترع حقّ أبوّتى

فعلت كما الجار المصاقب يفعل

فأوليتنى حقّ الجوار ولم تكن

علىّ بمال دون مالك تبخل

فحينئذ أخذ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بتلابيب ابنه : وقال : «أنت ومالك لأبيك». وأما قوله تعالى : (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) (الإسراء ٢٥) ، أى من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما ، أو من غير ذلك من العقوق ، أو من جعل ظاهر برّهما رياء ، كقوله تعالى : (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً) (٢٥) (الإسراء) يعنى إن صدقتم فى نية البرّ بالوالدين فإن الله يغفر البادرة ، ووعد بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة.

فهذه من الوصايا التربوية للقرآن فى معاملة الابن لوالديه ، ولا عقوبة على الابن العاق ؛ وفى اليهودية لا نصائح ، ولا وعظ ، ولا وصايا بخصوص ذلك ، وإنما تعنى شريعتهم بالأحكام ، وفى سفر تثنيه الاشتراع يأتى عن ذلك : إذا كان لرجل ابن عاق مارد لا يطيع

٥١٨

أمر أبيه ولا أمر أمه وهما يؤدّبانه فلا يسمع لهما ، فليقبض عليه أبوه وأمه ويخرجاه إلى شيوخ مدينته ، ويقولا للشيوخ : إن ابننا هذا عاق مارد لا يطيع أمرنا ، وهو أكول شريب ، فيرجمه جميع رجال مدينته بالحجارة حتى يموت ، وحتى ينقلع الشرّ من بين إسرائيل فيسمعوا ويخافوا» (الفصل ٢١ / ١٨ ـ ٢١)!! فالعقوق إذن فى اليهودية جزاؤه الرجم!! فشتّان بين التربية الإسلامية التى عمادها إعادة التعليم والتأثير بالقدوة ، والتربية اليهودية القائمة على الردع العنيف والتخويف والترهيب!

* * *

١٤٢١ ـ التربية الجنسية والإسلام

فى القرآن والسنّة الكثير من التربية الجنسية ، وفى أسفار اليهود الكثير من الحكايات عن الجنس ، وفى نشيد الإنشاد يكثر التغنّي به ، ومن مشاهد الجنس فى القرآن مشهد الغواية فى سورة يوسف ، ورفض الخوارج اعتبار السورة من سور القرآن بسبب هذا المشهد ، ومع ذلك فالمشهد موظّف فى القرآن للتربية الجنسية ، وجمالية المشهد مما به من دعوات أخلاقية ، وليس كذلك الأدب الفاضح ، فمشاهد الجنس فيه لترويجه تجاريا ، ولاسترضاء الجمهور من أقوى غرائزه وهى غريزة الجنس. والتربية الجنسية فى القرآن : لتعليم الأطفال فى البلوغ ، ولتوعية الفتيان والفتيات فى المراهقة ، ولتدريب الأزواج فى علاقاتهم ببعضهم البعض ، ولترشيد الشيوخ عند ما تتغير بهم الأحوال ويبلغون سن الإياس. ومن سور القرآن فى ذلك سورة النور ، وفى الحديث عن عائشة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال فى تعليم النساء : «علّموهن سورة النور» ، ومن التربية فيها : استئذان الذين لم يبلغوا الحلم ثلاث مرات على والديهم ، وقد تظهر فى هذه المرات عورة الوالدين (النور ٦٠). وعن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان فى العورات الثلاث التى أمر الله بها فى القرآن؟ فقال : إن الله ستّير يحب الستر. كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ، ولا حجال (أى ستر أو حجاب) فى بيوتهم ، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده ، أو يتيمه فى حجره ، وهو على أهله ، فأمرهم الله أن يستأذنوا فى تلك العورات التى سمّى الله. ثم جاء الله بعد بالستور ، فبسط الله عليهم الرزق ، فاتخذوا الستور ، واتخذوا الحجال ، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذى أمروا به». وفى قوله تعالى : (وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (٥٩) (النور) أنه إذا بلغ الأطفال الذين كانوا يستأذنون فى العورات الثلاث ـ إذا بلغو الحلم ، وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال وإن لم يكن فى الأحوال الثلاث. فالتربية الجنسية الإسلامية تعليم عال ، وتدريب سام ، من شأن الأخذ بها تهذيب الجنس عند المرأة والرجل

٥١٩

على السواء. وهناك الكثير من الدروس فى الدين تعطى للأطفال فى المدارس ، وتتناول بالشرح آيات القرآن التى لها علاقة بالمسائل الجنسية ، كالحيض ، والغسل ، والجنابة ، والتفريق بين الجنسين فى المضاجع ، واحتلام الصبية. والأحاديث التى تخوض فى هذه الأمور كثيرة ، ينفرد بها الإسلام عن اليهودية والنصرانية ، وجميع ذلك يتاح للأولاد فى السن التى تقارب البلوغ. غير أنه تتبقى مسائل حيوية ليس فى المناهج ما يمسّها عن قريب أو بعيد ، فبينما يحرص التعليم فى البلاد الصناعية على أن يضم فى برامجه بعضا من الدروس المتّسمة بالجرأة ، فإن التعليم فى مدارسنا الإسلامية يخلو من ذلك ، وما أحرانا أن ننهج نهج نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلا نخجل مما يتصل بالجنس بسبب ، وعن عائشة فيما يرويه مسلم أن أحدهم جاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فسأله عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل (أى يضعف عن الإنزال) ـ هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنى لأفعل ذلك أنا وهذه (أى عائشة) ، ثم نغتسل». وكما ترى لا حياء فى العلم وفى الدين ، وما من شك أن الدروس فى التربية الجنسية تعمل على التوعية الصحيحة بمضار الاستمناء عند المراهقين ، وتقلل من حوادث الإجهاض بين البنات ، وتحول دون ارتكاب الفحشاء ، وتخلق الشباب المسلم الواعى الذى يعرف عن الانحرافات الجنسية وإتيان الخطيئة ويمتنع عنها عن علم وبصيرة ، وليس عن خوف من عقاب. وتؤكد التربية الجنسية الإسلامية على تصحيح المسار الجنسى لكى يؤتى داخل إطار الزواج وليس خارجه. ومن أهداف التعليم الجنسى الذى اضطلع به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واضطلعت به أمهات المؤمنين كعائشة ، وأم سلمة من بعده ، تزويد الناس بالمعلومات الجنسية التى تناسب كلا بحسب ثقافته وعمره ، وتساعد على تطوير نضجه الذهنى والنفسى ، بالإحاطة بكل ما يهم حياته من مسائل الجنس الحيوية ، وعملياته الجسمية وغير الجسمية. ومن هذه الأهداف التقليل من الخوف من الجنس ، ومطامنة قلق الشباب إزاء المستحدث من التطورات والتغيرات الجسمية ، وأن تتنامى بهم الاتجاهات الجنسية السليمة والفهم العلمى للموضوعات الجنسية ، فتكون لهم البصيرة بطبيعة العلاقات بين الجنسين ، والفهم للواجبات والمسئوليات التى لكل من الجنسين إزاء بعضهم البعض ، والتذوق لمزايا السلوك الجنسى الصحيح ، والوعى بأهدافه وغاياته ومراميه ، والمردود الطيب الذى يمكن أن يعود على البيت والأسرة ، وعلى المدرسة والمصنع والشارع ، باحترام كل جنس للآخر. ومن أهداف التربية الجنسية الإسلامية تعميم القيم المرتبطة بالجنس ، وأن يعى الشباب أن الفضيلة أساس كل تعامل صحيح ، وبدون الوعى بالفضيلة والقيم الأخلاقية لن يستطيع المسلم أن تكون له بالناس علاقات بنّاءة

٥٢٠

صحيحة. وتقوم التربية الجنسية فى الإسلام على كثير من الحوارات الدينية بين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والشباب المسلم ، ثقيفا لهم ولإعطائهم الفكرة الملائمة عن الانحرافات الجنسية ومضارها ، ومعنى «سوء الاستخدام الجنسى» ، فيكونون قادرين على حماية أنفسهم من التردّى فى الرذيلة ، وأن يتّقوا مزالق الأذى الذى يمكن أن يلحق بصحتهم نتيجة الممارسات الخاطئة.

* * *

١٤٢٢ ـ الزواج فى علم النفس الإسلامى

فى القرآن يقول الله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) (٢٠) (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٢١) (الروم) ، فالزواج فى الإسلام آية من آيات الله ، وأصل من أصول الخلق ، ومبدأ من المبادئ الأولية التى ترتكز عليها الحياة والاجتماع. وآية الزواج دلالتها عظمة الله وكمال قدرته ، فكل إنسان يهوى من جنسه الموافق له ، والذى يسكن إليه ، وتتوفر له معه راحة البال ، وتكون له به طمأنينة النفس. والتوافق فى الزواج علاقة موائمة وتكيّف بين الزوجين. وعدم التوافق قد يدفع إلى الانتحار ، وسوء التوافق هو المسئول عن انهيار الأسرة ، واضطراب سلوك أفرادها ، ومن التوافق بين الأزواج أن يتعين الواحد منهما بالآخر ، وبأهدافه وتقاليده وأعرافه ، والزواج الناجح يقوم على الفهم المتبادل ، والإخفاق فى الفهم يؤدى إلى اللجوء إلى وسائل تعويضية لإنجاح الزواج ، والطلاق وسيلة متطرفة ضد الإخفاق فى التعويض عن التوافق ، وقد يلجأ الزوج سيّئ التوافق إلى سلوكيات يغالى فى إتيانها ويظهر بها أنه متوتر وعصبى ، وقد يؤدى سوء التوافق إلى أن تتحول وسائل الزوج أو الزوجة الدفاعية إلى دفاعات ذهانية ، فيشك فى زوجته ، أو يتهمها بالخيانة. والزوجة إن لم تجد الحب والفهم قد يصيبها الإنهاك النفسى. وإذن تكون السكينة مطلبا أساسيا فى الزواج ، وهى قوامه ، ولا تتأتى إلا على المودة وهى الآصرة التى تجمع بين الأزواج فى شبابهم ، وقد يقع المرض لأحد الزوجين ، أو قد تلحقهما الشيخوخة ، وعندئذ فقد تذهب المودة فتبقى الرحمة ، كقوله تعالى : (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (٢١) (الروم) فعند ما يولىّ الحب فالرحمة تتكفل بأن يحنو الزوج على زوجته ، أو الزوجة على زوجها ، والمودة والرحمة على ذلك من آيات الله التى توجب على الناس التفكير فى الخالق وتدبيره وحكمته ، وقوله تعالى : (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها) (١) (النساء) له معنى الحديث : «النساء شقائق الرجال» ، وكل واحد له من يهوى ، والهوى يكون مع الشبيه ، وكأن الزوجين المتوافقين نواة قد انفلقت نصفين ، والله تعالى يقول : (هُنَ

٥٢١

لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ) (١٨٧) (البقرة) فالزوجان متكاملان ، وكلاهما ناقص حتى يكمله شريكه. والأمر ليس كذلك فى اليهودية ، فالرجل يشترى المرأة بالمهر ، ومهر الزوجة ليس لها وإنما لأبيها (الخروج ٢٢ / ١٧) ، والمرأة الحائض والمستحاضة نجس لا يقربها زوجها ولا الناس (الأحبار ١٥ / ١٩). وفى الإسلام المهر عطية للمرأة كقوله تعالى : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) (٤) (النساء) ، وهو هبة ورمز للمحبة ، ويأتى فى عقد الزواج تعبير «الزواج «على مهر» لا «بمهر» ، لأن الباء تعطى معنى العوضية ، والمهر ليس عوضا وإنما شرط ضمن العقد ، وفى الحديث : «شؤم المرأة غلاء مهرها». ولو كانت الأوضاع المادية هى التى تحدد الزواج فى الإسلام كما فى اليهودية ، لما كان قوله تعالى : (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (٢٢١) (البقرة) ، وقوله : (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (٢٢١) (البقرة). وعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ، وانكحوهن على الدين ، فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل». والنساء فى المحيض لا يقربن حتى يطهرن ولكنهن لسن بنجس ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يؤاكل عائشة ويشاربها ويشاركها الضجاع ويقبّلها وهى حائض ، وكان يصنع كل شىء معها وهى حائض إلا النكاح ، وكانت تغسل رأسه وهى حائض ، ويتّكئ فى حجرها ويقرأ القرآن. وفى النصرانية المرأة كالأمة عليها الخضوع (بولس رسالته الأولى إلى أهل كورنتس ١٤ / ٢٤). وفارق بين الطاعة والخضوع ، فالطاعة للزوج فى غير معصية ، وهى علاقة حميمة بين ندّين أو توأمين ، ولكن الخضوع علاقة متدنية بين سيد ومسود ، وفى رسالة بولس إلى أهل أفسس يأتى : «لتخضع النساء لرجالهن كما للربّ» (٥ / ٢٢) ، ويأتى أيضا بأن المرأة جسد وعلى الرجل أن يحبها كجسده ـ ولا يقول بولس كروحه (٥ / ٢٨). وكلها تعاليم فجّة وشتّان بينها وبين ما يدعو إليه الإسلام ، وفيه حكمة وتسام وعلم وحضارة.

* * *

١٤٢٣ ـ الرّشد والرشاد والراشدون

يقال رشد : أى اهتدى واستقام ، كقوله تعالى : (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (١٨٦) (البقرة) ، والرّشد : هو الهدى والاستقامة ، كقوله تعالى : (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ) (البقرة) ، فالغىّ نقيض الرّشد ، والغىّ هو الضلال ، كقوله تعالى : (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً) (الأعراف). ويقال سبيل الرشد ، وسبيل الرشاد أيضا ، كقوله تعالى : (اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ) (٣٨) (غافر). والرشد

٥٢٢

بخلاف البلوغ ، وسن الرشد adulthood هو الحادية والعشرون ، بينما سن البلوغ أو الحلم puberty هو الثانية عشرة ، وقيل حتى سن الخامسة عشرة ، وهى السن التى يبلغ فيها الصبى مبلغ الرجال ، ويحتلم ويمنى ويمكن أن ينجب مثله. والرّشد فى الآية : (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) (٦) (النساء) ليس مجرد العقل ولكنه صلاح العقل ، وشرط الحادية والعشرين إذن من تعريفات الرشد كمصطلح قانونى ، وإنما المصطلح الشرعى ينصرف إلى صلاح العقل. والآية خاصة باليتامى ومعناها إن بلغوا هذه السن أى الحادية والعشرين ، وكان بهم صلاح فى العقل وحفظ للمال ، فادفعوا إليهم أموالهم. وفى الإسلام لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن بلغ مائة سنة ، حتى يعلم عنه صلاح عقله. والرشد إذن كمصطلح نفسانى ، لا يتحقق للفتى أو الفتاة بالبلوغ ، فإذا لم يرشد بعد بلوغ الحلم ، وإن شاخ ، لا يزول الحجر عنه. وقيل إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يحجر على حبّان بن منقذ ، وكان به ضعف فى العقل ، غير أن حبّان لم يكن ضعفه غبنا فى تصرفاته ، والأمر فى الإسلام أن السفيه يحجر عليه ، ولم يكن حبّان سفيها. وشرطا الرشد والبلوغ هما إذن شرطا أن يكون للفرد المسلم كيانه القانونى المستقل. وأبو حنيفة جعل بلوغ الخامسة والعشرين شرط هذه السن. والأولى إذن فى القوانين الوضعية أن لا يحكم ببلوغ المرء الرشد إلا باختباره ، وأن يمهل لفترة يفوّض فيها التصرفات التى يتصرّف فيها أمثاله ، فإن كان من أولاد التجار ، فوّض إليه البيع والشراء ، فإذا تكرر منه فلم يغبن أى يخدع ، ولم يضيّع ما فى يديه ، فهو رشيد. وإن كان من أولاد الكبراء رفعت إليه نفقة لينفقها لمدة فى مصالحه ، فإن كان قيّما بذلك ، وصرفها فى مواقعها ، فهو رشيد. ويفوّض إلى المرأة بالمثل فإن كانت ربّه بيت ، وكانت ضابطة لما فى يديها ، فهى رشيدة. ولا يتم هذا الاختبار إلا بعد بلوغ السن القانونية ، فيأذن له وليّه بهذا التصرّف إلى حين. وتسقط الحضانة عن الرشيد ، فيصحّ له أن يقيم عند من يشاء من أبويه ، وله أن ينفرد بمعيشته. على أن ذلك لا يمنع أن تظهر مخايل الرشد على المراهق قبل هذه السن ، كقوله تعالى فى إبراهيم : (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ) (٥١) (الأنبياء) ، فقد عرف بصلاح العقل فى سن مبكرة ـ قيل كان فتى فى السادسة عشرة ، وكذلك عرف «يحيى» بصلاح الحكم كما قال تعالى فيه : (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (١٢) (مريم) ـ فإذا بلغ المرء رشده سقطت عنه الحضانة ، وصار له أن يقيم عند أىّ من الأبوين إن كانا مطلّقين ، أو تكون له معيشته المستقلة إن أراد. والرشيد : فى الآية : (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) (٧٨) (هود) هو الراشد أى الصالح ، وهو المرشد أى المصلح ، والرجل الرشيد : هو العاقل غير المضيّع للدين ، وهو الذى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وجاء قوله تعالى فى وصف

٥٢٣

شعيب : (لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (٨٧) (هود) ، فقرن الرشد بالحلم وهو ضد الطيش والجهل والسفه. وفى الآية : (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً) (١٧) (الكهف) فقرن الولاية بالإرشاد ، وقال فى الولىّ ، وهو الصديق ، والنصير ، والحليف ، أنه المرشد ، أى من يدلّ على الطريق الصحيح ، وينصح بالحق ، وفى الدعاء يقال : «الله وليّك» يعنى مرشدك وناصرك. والراشد مثل ذلك ، وهو العاقل والمرشد إلى الخير ، وفى تعريف الراشدين يقول تعالى : (وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (٧) (الحجرات) ، أى أنهم من وفّقهم الله فحبب إليهم الإيمان ، وكرّه إليهم الكفر ، وهو معنى المصطلح «الخلفاء الراشدون» ؛ «والرّشد هو الالتزام بطريق الحقّ والتصلّب فيه ، من الرّشاد وهى الصخرة.

* * *

١٤٢٤ ـ الفطرة من فلسفة القرآن

الفطرة نزل عنها فى سورة الروم وهى مكية : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (٣٠) ، والحنيفية هى هذا الدين القيم ، أضاف الدين إلى القيمة ، ومعنى الحنيفية : الميل عن كل ما ليس حق ، والتوجه بالاعتدال وبمقصد قويم وقوة على الجدّ إلى عبادة الله ، والعبادة معرفة ، والمعرفة لم تتولد كزعم التوراة نتيجة أن آدم عصى الله وأكل من شجرة المعرفة ، فعرف نفسه وشاهد عريه ، فصارت لديه الرغبة أن يعرف كل شىء ، وأن يحصّل المعرفة أنّى كانت!! وإنما فى القرآن أن الله خلق الإنسان ليعرف ، وهو المخلوق الوحيد العارف ، فإذا عرف انتهى إلى ربّه وذلك مقصود العبادة أى تحصيل المعرفة ، أو مقصود العيش عموما والوجود : أن يعرف الله ، فيعبد. والمعرفة وتحصيلها فطرة فى الإنسان ، فهكذا هو مجبول. والقول بالفطرة من فلسفة القرآن ، والعودة إلى الفطرة من تربية القرآن ، فليس صحيحا إذن أن چان چاك روسو سبق إلى القول بالفطرة أو بتربية الفطرة ، ولا أن المدرسة الاسكتلندية فى الفلسفة سبقت إلى القول بالإدراك الفطرى Common sense ، وإنما القرآن كان الأسبق ، وسمى الدين «فطرة» ، و «الفطرة» دينا : وهى أن يعود الإنسان إلى طبيعته التى خلقه الله عليها ، كقوله : (أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (٤) (التين). والفطرة باعتبار القرآن هى «ملكة الفهم» التى يتم بها الإدراك العادى ، أو هى «ملكة الحقائق الأولية» ، وهى الحقائق التى تحظى بالموافقة الضمنية العامة. والاعتقاد فى الله مغروس innate فى فطرة الإنسان ، وهو حقيقة أولية فى إدراكه ، وإنكار الدين ضد الفطرة ، وليس استمرار الأديان من بداية التاريخ إلا من باب ما يسمى «البرهان الفطرى فى

٥٢٤

إثبات وجود الله». وفى القرآن أنه تعالى الفاطر ، والفاطر من أسمائه الحسنى ، فطر الناس وكل شىء ، والسموات والأرض ، وفى القرآن سورة «باسم فاطر» هى السورة الخامسة والثلاثون. وكان الفيلسوف توماس ريد مؤسس مدرسة الفطرة الاسكتلندية (توفى ١٧٩٦ م) ، وعرّفها وليام هاملتون (١٨٥٦ م) بأنها الفطرة النافذة ، وعلى ذلك يصبح أرسطو أول الفطريين ، لأنه القائل بأن الأفكار الفطرية هى الأفكار الناقدة الأكثر تسلطا ، وقال عنها برتراند رسل : إنها أساس الأفكار العلمية ، ونقطة الانطلاق التى يبدأ منها العلم. فهذه هى الفطرة فى الحكمة المغربية ، فلنتعرف إليها فى الحكمة المشرقية الإسلامية : ففي الحديث عن أبى هريرة : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، أبواه يهوّدانه ، أو ينصّرانه ، أو يمجّسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (أى سليمة) ، هل تحسّون فيها من جدعاء؟» ، أو قال : «حتى تكونوا أنتم تجدعونها» وقال : «واقرءا إن شئتم : (فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) (الروم ٣٠). ومعنى «تجدعونها» أن تفسدوا هذه الفطرة بتعليم ومعتقدات وأفكار خاطئة أو مضلة أو منحرفة ، ويسمى علماء الطب النفسى وعلم النفس ما يجرى من الإفساد للفطرة بأنه بمثابة البتر للشخصية amputation of personality ، أى الإفساد لها والانحراف بها. وفى القرآن أن الفطرة هى البداءة ، وهى الخلقة ، ويروى ابن عباس أنه لم يكن يعرف معنى «فاطر السموات والأرض» كما فى سورة الأنعام ، الآية ١٤ مثلا ، إلى أن اختصم إليه أعرابيان فى بئر ، يدّعى كلّ ملكيته ، فقال كل واحد : أنا الذى فطرته ـ يعنى بدأته ، فعرف ابن عباس معنى أن الله هو الفاطر ، أى أنه المبدئ ، ومن كان مبدئا فهو أيضا المعيد ، فذلك من براهين البعث. واحتجت فرقة من فرق الفلاسفة على القول : بأنه تعالى قد فطر الناس على الدين ، فلو كانوا كذلك فلم يجحدون وينكرون ويختلفون؟ ولم لم يكونوا جميعا على الإسلام؟ والجواب : أن الفطرة هى خميرة الاعتقاد ، والميل إليه ، فالإنسان مفطور بالتفكير فى خالق لهذا الكون ، وحتى وهو يجحد ، فإن الجحود نوع من التفكير فى خالق الكون. ومن قال إن الفطرة هى الخلقة ، قصد إلى أن الله خلق كل مولود وبه جهاز للاعتقاد يعرف به ربّه ، قال فرويد إنه الضمير ، أو الأنا الأعلى ، وقال كنط إنه الآمر الخلقى ، والمعنى فى القرآن أن الله قد ميّز البشر عن البهائم بإرادة للاعتقاد هى فطرة فطر عليها الإنسان دون البهائم : (وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) (٢٢) (يس) ، يعنى الذى خلقنى. والفطرة استعداد للإيمان وليست الإيمان نفسه ، والأطفال يولدون ليس بهم كفر ولا إيمان ، كالبهائم تولد سليمة ، ثم يحدث لها «الجدع» من بعد ، يعنى يحدث الإفساد للفطرة السليمة. ومثل الفطرة مثل الأبجدية الجينية G.C.A.T فى الخلية البشرية ، فكل الخلايا فيها هذه الأبجدية ، ولكن

٥٢٥

التآليف من هذه الحروف تختلف بحسب كل شخصية ، ويدخل فى ذلك الوراثة والبيئة. والطفل حين يولد يستحيل أن يعى الكفر والإيمان كما فى الحديث ، وإنما الكفر والإيمان يحدثان من بعد ، كقوله تعالى : (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) (٧٨) (النحل) ، ومن لا يعلم يستحيل منه كفر أو إيمان ، ولا يتأتى منه موافقة أو إنكار ، ولا حساب له أو جزاء ، كقوله تعالى : (إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٦) (الطور) ، وقوله : (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (٣٨) (المدثر) ، فمن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء ، كقوله : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١٥) (الإسراء). والإيمان قول باللسان ، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، وهذا معدوم فى الطفل. وفى الحديث : «إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم» ، والمعنى أن قسمة الإيمان والكفران فطرة ، وبهذا الاعتبار فلا بد أن تكون جنة ونار ، طالما سيكون هناك مؤمنون وكافرون. وفى الحديث : «... هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار ، وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ...» تثبيت للمعنى السابق : وهو سبق العلم لله foreknowledge. وفى الحديث : «ألا إن بنى آدم خلقوا طبقات شتى ، فمنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا ، ومنهم من يولد كافرا ، ويحيا كافرا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا ، ومنهم حسن القضاء حسن الطلب» فصنّف الناس طبقات بحسب الاعتقاد ، كما هم طبقات بحسب الفهم والذكاء والرزق والعلم والوضع الاجتماعى. وقوله «يولد مؤمنا» يعنى يولد ليكون مؤمنا ، أو يولد ليكون كافرا بحسب العوامل الوراثية فيه ، والعوامل الاجتماعية المهيئة للإيمان أو للكفر ، وبحسب مجاهداته الشخصية ، وكل ذلك يجرى بسابق علم الله فى خلقه ، وليس قوله فى الحديث : «خلقت هؤلاء للجنة وخلقت هؤلاء للنار» إلا للتنويه بالمحصّلة النهائية : أن البعض للجنة والبعض للنار ، وليس أنه قد خلقهم من البداية باستحقاق النار أو باستحقاق الجنة ، أو أن الكفر والإيمان مما يخلق به الإنسان ، كخلقة سائر أعضائه ، فالقرآن على القول بأن الإنسان حرّ ومخيّر ، ومن ثم هو مكلّف ومسئول.

* * *

١٤٢٥ ـ الحلم فى علم النفس الإسلامى

يفرّق فى علم النفس الإسلامى بين الرؤيا والحلم (بضم الحاء وإسكان اللام) ، ومذهب المسلمين أن الله تعالى جعل من آليات النفس الإنسانية للإنسان النائم أن ترى

٥٢٦

صورا يتحصّل لها بها علم عن أمور أخر قد مضت من حياة صاحبها وتتعلق بأحداث من حاضره يهتم بها أو يخشى عواقبها ، والله تعالى قد اختص الحلم بلغة كاللغات ، فيها التشبيهات والاستعارات ، ومنها ما يبيّن ويكشف ، ومنها ما يغمض ويلغز. ولغة الحلم إشارية ، فإذا رأى الحالم الغيم مثلا فلربما يشير ذلك إلى ما يراه من كدورات فى واقعه ، أو ما يتوقعه منها فى مستقبله ، ولربما يكون الغيم علما على المطر ، أو سابقة لانفراج وشيك ، وإنما التفسير تحدده بقية الحلم ، والحالة المزاجية للحالم ، وشخصيته ، وما يعانى فى حياته أو يطمح إليه فى لاحق أيامه. والله تعالى قد جعل من صفات النفس الإنسانية أن ترى تهاويم الحياة فى المنام واليقظة ، وأن تراها كما تحب ، وذلك ما يسميه الإسلاميون الرؤيا ، أو تراها كما تكره وهو ما يطلقون عليه اسم الحلم ، فالرؤيا اسم للمحبوب ، والحلم اسم للمكروه ، والمحبوب والمكروه كلاهما من صنع الله ، ومما اختص به تعالى الإنسان. وفى الحديث مما رواه أبو قتادة عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان» أخرجه مسلم ، وإضافة الرؤيا إلى الله إضافة تشريف ، بخلاف المكروهة فإن إضافتها إلى الشيطان مجازا ، فلا فعل للشيطان فيها على الحقيقة ، فإنما الأحلام مصدرها اللاشعور ، وهو مخزون الرغبات الشريرة ، والحاجات اللامعقولة ، والأمانى والآمال المستحوذة ، وكل ذلك علم على الشيطان ، وفى الإسلام ، بل وفى كل الأديان فإن الله موجود فى الإنسان ويمثله الضمير أو وازع الخير ، وفى المصطلح العلمى هو الأنا الأعلى أو الأنا الأخلاقى ؛ وكذلك الشيطان مكانه فى الإنسان وازع الشر ، وله وسوسات ، وفى المصطلح العلمى هو اللاشعور ، سمى كذلك لأنه يفعل فعله فى الإنسان دون وعى منه ، متسترا بصور شتى. وفى الحديث عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى رواية أخرى : «الرؤيا الصالحة من الله ، والرؤيا السوء من الشيطان» ، وإضافة الصلاح والسوء للرؤيا يراد بها حسن ظاهرها أو سوء هذا الظاهر ، وقد ينصرف المعنى إلى حسن تأويلها أو سوء هذا التأويل. وفى الحديث عن أبى هريرة ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب ، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءا من النبوة. والرؤيا ثلاثة : فرؤيا صالحة بشرى من الله ، ورؤيا تحزين من الشيطان ، ورؤيا مما يحدّث المرء نفسه ، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصلّ ، ولا يحدّث بها الناس» أخرجه أبو داود. ومعنى «إذا اقترب الزمان» أى إذا أوغل وساءت الأحوال ، فالإيمان يكشف المستور ، ويرفع الحجاب عن الغيب ، فيرى المؤمن بنور الإيمان ، ويتوقع ما لا يكذبه قابل الأيام. وقوله : «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا» هو كما يقول علم الأحلام : أن الإنسان الصادق فى حديثه ، ومع نفسه والناس ، صادق كذلك فى

٥٢٧

رؤياه ، فالإنسان فى الرؤيا كما هو فى الواقع ، والكاذب فى الواقع يتطرق الخلل فى شخصيته إلى رؤياه ، وإلى سرده للرؤيا وتأويله لها جميعا. ولربما يكون المعنى أن صدق الرؤيا لا يتحقق للناس إلا فى آخر الزمان عند انقطاع العلم ، وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بأقوالهم وأعمالهم ، فيجعل الله تعالى للمؤمن جابرا وعوضا ومنبّها له وهو الرؤيا. وقوله «ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة» ، وفى رواية : «جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» ، وفى رواية : «رؤيا الرجل الصالح جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة ، وفى رواية : «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة» ، وفى رواية : «من أربعين جزءا» ، وفى رواية : «من تسعة وأربعين» وقيل خمسين ، وستة وعشرين ، وأربعة وأربعين ، وهذا الاختلاف مقصود ، فهو اختلاف بحسب حال الرائى من الإيمان والصلاح. والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ظل يوحى إليه ثلاثا وعشرين سنة ، منها عشر سنين بالمدينة ، وثلاث عشرة بمكة ، وكان قبل ذلك ولمدة ستة أشهر يرى الوحى فى المنام. وربما المراد أن ذلك ما كان معه صلى‌الله‌عليه‌وسلم خصيصا ، فكانت مناماته شبيهة بما كان يحصل له وحيا ، والفرق بين الرؤيا والوحى ، أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من الوحى. غير أنه من ناحية أخرى لم يثبت أن أمد الرؤيا قبل الوحى أو النبوة كان ستة أشهر ، وثبت أنه رأى بعد النبوة أو المبعث منامات كثيرة ، ولهذا تغيرت النسبة. وقيل هذا استنتاج باطل ، لأن كل مناماته صلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما كان يوحى بها. والمراد برؤى النبوة أنها منامات فيها إخبار بالغيب ، وهو إحدى ثمرات النبوة ، ولكنه ليس فى حدّ النبوة ، فليس شرطا أن يبعث الله نبيّا ويخبره بالغيب ، ولا يقدح ذلك فى نبوته ولا يؤثر فى مقصودها. وهذا الجزء من النبوة وهو الإخبار بالغيب إذا وقع لا يكون إلّا صدقا ، وبذلك يكون مضمون الحديث مقصورا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيه وصف لأحواله من النبوة والغيب والأحلام ، وبذلك يفرد اسم «الرؤيا» لأحلام الأنبياء دون غيرهم ، وكان وصفها بأنها «جزء من النبوة» فيما يتعلق بأحلام الأنبياء دون غيرهم ، والأنبياء بلا استثناء هذا دأبهم : يوحى إليهم فى منامهم كما يوحى إليهم فى يقظتهم ، وقال البعض لذلك أن الإسراء والمعراج كانا رؤيا ، والرؤيا تأتى على موافقة النبوة ، أى مقيّدة بها وفى حدودها ، وهى لذلك جزء من النبوة. وفى رواية لأبى هريرة أدرجت فى الحديث : «... فيعجبنى القيد وأكره الغلّ ، والقيد ثبات فى الدين» أو قال : «وأحب القيد ، وأكره الغلّ» ، وحبّه للقيد فى الأحلام لأن القيد يكون فى الأرجل يكفّها عن المعاصى والشرور ، بينما الغلّ موضعه العنق ، وهو صفة أهل النار ، والله تعالى يقول : (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً) (٨) (يس) ، وقال : (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) (٧١) (غافر). وتأويل

٥٢٨

الحلم فى علم النفس الإسلامى يقال له أحيانا «علم تعبير الرؤيا» ، و «أهل العبارة أو التعبير» يأوّلون لفظتى القيد والغل تأويلات شتّى ، فيقولون : إذا رأى القيد فى رجليه وهو فى مشهد خير كالمسجد مثلا ، أو على حال حسنة عموما ، فهو دليل ثباته على هذه الحال الحسنة. ولو رآه مريض ، أو مسجون ، أو مسافر ، أو مكروب ، كان دليلا على ثباته على حال المرض ، أو السجن ، أو السفر ، أو الكرب إلخ. وقالوا : ولو قارن القيد مكروه ، بأن يكون مع القيد غلّ ، غلب المكروه ، لأن الغلّ أداة تعذيب يختص به المعذّبون. والغلّ مذموم إذا كان فى العنق ، فإذا كان فى اليدين فهو كفّهما عن الشرّ وهو حسن. وهكذا فى كل رموز الأحلام. وفى القرآن عن يوسف عليه‌السلام : (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) (٤) (يوسف) ، والكواكب والشمس والقمر فى الحلم رموز ، والرمزية فى حلم يوسف هى لغة بسيطة وعالمية ، وهى لغة الفطرة ، واللغة التى تناسب العقل الباطن ، وهو العقل البدائى أو الفطرى فى الإنسان. ومدارس التفسير للأحلام مدرستان ، واحدة تقول بالتفسير المادى للرمز ، فالرمز له معنى ثابت كرمز الثعبان مثلا للتشابه بين الثعبان والشرير ، فنرى الشرير فى الحلم فى شكل ثعبان ؛ ومدرسة تقول بالتفسير الوظيفى للحلم ، بأن لا نرى مشابهة بين الشمس والأب ، والقمر والأم كما فى حلم يوسف ، ولكن الشمس والقمر والكواكب فى الحلم لمعنى وظيفى ، فالأب وظيفته التنوير ، كما أن الشمس وظيفتها التنوير ، والمشابهة بين الأم والقمر ربما فى الجمال ، وربما لملازمة القمر للشمس واعتماده عليها كاعتماد الأم على الأب فى الحياة. والقرآن فى أحلام يوسف التزم التفسير الوظيفى ، وعلم التأويل أو تعبير الرؤيا الإسلامى هو علم يؤسس للمدرسة الوظيفية للأحلام ، ورمز القمر فى حلم يوسف يجمع فى نفسه عددا من الصور عن المرموز ، فالقمر مثلا ينتظم به للمرأة الطمث والحمل والولادة ، ودورة الحيض والولادة دورة قمرية تحسب بالشهور القمرية. والمرأة إذا اكتمل حملها نعرفه باستدارة بطنها كالقمر إذا اكتمل. والقمر كالمرأة أوهن من الشمس كالرجل ، والشمس تصور الذكورة من حيث قوتها وعنفها وثبات عواطفها ورسوخها ، بينما القمر قد تصور به عواطف الأنثى من حيث سرعة تغييرها. والقمر يبدأ وليدا ضعيفا كالحب ، ويكبر إلى أن يصبح بدرا ، وكل ذلك فى الشهر يعود بعده إلى الأفول ، وما أسرع ما تتقلب المرأة فى عواطفها وكأنها القمر ، بل ما أسرع ما يتغير جمالها كالقمر فيصيبه الأفول والاضمحلال إلخ. ونلاحظ أن حلم يوسف كان ويوسف طفلا بعد ، والأطفال يحلمون كما يحلم الكبار ، وينفّس الأطفال عن أنفسهم ما يعانون ويكابدون ، ويصبّون فى الأحلام آمالهم ومخاوفهم ، وتعكس الأحلام إحباطاتهم

٥٢٩

وفشلهم وعداواتهم ، غير أنه للفارق بين التركيب النفسى للطفل والتركيب النفسى للبالغ ، فإن أحلام الأطفال تتسم بالمباشرة والبساطة والوضوح. وفى القصص اليهودى أن يوسف حلم وهو فى الرابعة من عمره ، وكان نائما فى حجر أحد إخوته. وكان ليوسف فى الواقع ـ كإخوته ـ قضيب أو عصى صغيرة مثله ، يتوكأ عليها ويهش بها على الغنم ، ومن عادة الرعاة عند ما يداهمهم النوم يغرسون العصى فى الأرض إلى جانبهم وينامون ، ويوسف فعل مثلهم ونام ، فحلم أن عصاه غرسها إلى جانب عصىّ إخوته الأكبر منه ، فما لبثت عصاه أن استطالت ونمت حتى بلغ طولها أطوال عصى إخوته ، وتثبّتت فى الأرض وصارت لها جذور تشعبت ، وغلظت حتى أزاحت عصى إخوته ، وانتصبت قائمة فى شموخ ، فلما استيقظ ذكر لإخوته حلمه ، فقالوا : يوشك ابن راحيل أن يقول أنتم عبيدى وأنا سيدكم! والحلم كما ترى رمزى ، ومضمونه التنافس بين الإخوة ، وخاصة أنهم إخوة غير أشقاء. وهو تعبير عن عجز يوسف وهو طفل وانعكاس لتصور يوسف العالى عن ذاته ، فهو يرى أنه سيتفوق على إخوته. والحلم من أحلام الطموح ، ويعبر عن رغبة فى التفوق ، ورموز الحلم كلها من البيئة ، وتصور حقيقة العلاقة بين يوسف وإخوته ، ومردوده سرعان ما نجده فى قصة إلقائهم له فى البئر. وكذلك كان حلمه بالشمس والقمر والكواكب تسجد له ، فهو حلم لطفل تحتدم به الرغبات الطموحة ، وكأن ما يستشعره يوسف ولا يستطيع أن يفصح به لسانه مباشرة يجد التعبير عنه تعبيرا غير مباشر فى الحلم الذى تفسيره ما قاله إخوته فى الحلم الآخر «يوشك ابن راحيل أن يستعبدنا». والحلمان معا من أحلام القدرة المطلقة. وقد صدق الحلمان لأن يوسف من الصدّيقين ، وفى الحديث عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم برواية أبى هريرة وأخرجه البخارى قال : «فخياركم فى الجاهلية خياركم فى الإسلام إذا فقهوا» ، والجاهلية قد تكون ما نعرف مما كان قبل الإسلام ، وقد تعنى أيضا الطفولة ، فخير الناس فى طفولته هو أيضا خيرهم فى رجولته. ويوسف كان من أتقى الناس ، ولذا قال فيه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «فأكرم الناس يوسف نبىّ الله ، ابن نبىّ الله ، ابن خليل الله» أخرجه البخارى. ولمّا قصّ يوسف حلمه على أبيه قال له : (لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً) (٥) (يوسف) ، ولذا قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا رأى أحدكم ما يجب فلا يحدّث به ، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر ، وليتفل عن يساره ثلاثا ، وليستعذ بالله من شرّها ، ولا يحدّث بها أحدا فإنها لا تضرّه» ، وهو نفس المعنى فى الحديث الآخر : «استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها ، فإن كل ذى نعمة محسود» ، والحديث : «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبّر ، فإن عبّرت وقعت» ، ولهذا جاء فى الحديث : «لا يحدثن أحدكم بتلعّب الشيطان به فى منامه»

٥٣٠

رواه مسلم ، فلم يكن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يميل إلى تأويل أضغاث الأحلام ، ومذهبه فى ذلك دلالة الحلم ذاته ، ويرى أن أمثال هذه الأحلام من نوع أحلام التحزين. وفى الحديث عن أبى هريرة قال : «من رآنى فى المنام فقد رآنى» ، وفى رواية أخرى : «من رآني فى المنام فقد رأى الحق» ، يعنى أن الرؤيا ليست أضغاث أحلام ، وصحيحة ، والمراد من رآه فقد أدرك الحقّ ، ولا تعنى رؤيته أنه يراه عيانا ، فالرؤية فى الأحلام تكون للصفات المتخيلة لا المرئية ، والرؤيا هى رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة. ورؤية الله تعالى فى المنام جائزة رغم أنه لا يجوز التجسيم على الله ، وتأويلها أنها خواطر فى القلب ، ودلالات على أمور مما كان أو يكون. والعلم بالأحلام يقوم على أن الأحلام تأتى على شخصية الحالم ، والذى يحلم بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو بالله تعالى إنما لاشتغاله بالتقوى ، وخوفه من العقاب ، أو رجائه فى الثواب ، أو طلبا للعون ، وكلها من الأمور التى تعنّ للشخص المتديّن ولا تأتى غير المتدين. وقد حثّنا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على التزوّد من علم الرؤيا ، والسؤال فيها ، وتأويلها فقال : «من رأى منكم رؤيا فليقصّها أعبّرها له» رواه مسلم ، والحديث محمول على أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلمهم تأويل الأحلام ، وفضيلة التأويل بالخير ، واشتمال الأحلام على ما شاء الله من الإخبار بالغيب. والتعجيل بسرد الرؤيا أو تسجيلها من أصول علم التأويل. وعن سمرة بن جندب قال : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا صلى الصبح أقبل عليهم بوجهه فقال : «هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا»؟ فالمبادرة الى تأويل الرؤيا مستحب ، وتعجيلها فى أول النهار بعد اليقظة مباشرة ، لصفاء الذهن من الاشتغال بمسائل اليوم إلا منها ، ولأن عهد الرائى بالحلم قريب لم يطرأ عليه ما يهوّشه عليه ، ولأنه قد يكون فى الحلم ما يستحب تعجيله كالحثّ على الخير ، أو التحذير من معصية. ومن الأحلام المهددة الحلمان اللذان رآهما صاحبا يوسف فى السجن : (قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (٣٦) (يوسف) ، وأوّلهما يوسف قال : (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ) (٤١) (يوسف) ، ومعنى «قضى الأمر» أنه قد فرغ من التأويل وهو واقع لا محالة ، لأن الرؤيا كما سبق فى حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «على رجل طائر ما لم تعبّر ، فإذا عبّرت وقعت. ومن شروط تأويل الحلم اعتبار مكانة الحالم الاجتماعية ، ومعنى الرمز محليا ، والحالم الأول كان ساقى خمر الملك وسجن لسبب ما ، ومن الطبيعى أن يفرج عنه طالما أنه برىء ، ويوسف علم بسبب سجن الحالمين ، ويعرف جيدا أن الأول برىء مما روى له من حكايته. والحالم من اشتغاله بأمر نفسه حلم انه يعصر الخمر ، فبديهى أن يعنى ذلك أنه

٥٣١

يعود إلى عمله الأول. وأما الثانى فمصيبته أكبر لأنه رأى أنه يحمل الخبز فوق رأسه تأكله الطير ، وحلمه من نوع ما يسمونه فى علم التأويل بالأحلام المكشوفة ، وهى التى تفسّر نفسها ، ولم يكن هناك من تفسير للحلم إلا أنه سيدان ويصلب ويترك فى العراء لتأكل الطير من رأسه. وأما حلم فرعون كما يرويه الملك : (إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) (٤٣) (يوسف) ، فهو من الأحلام الكاشفة ، أى التى تكشف عن المستقبل ، ولقد صدقت فكانت رؤيا صادقة ، والصدق المستقبلى دليل على صحة التفسير ، والإنباء طريقة من طرق التحقق من صدق التفسير ، وهذا الحلم تجتمع فيه كل حيل الأحلام من التكثيف ، والإبدال ، والقلب ، والنكوص ، والترميز ، والإخراج الدرامى. ولو حلم بهذا الحلم فلاح أو عامى لكان تفسيره تفسيرا آخر ، ولكن الذى حلم به هو الملك نفسه ، فما شأن الملك بالبقر وبالسنابل إلا أن يكون مشغولا بأمر الزراعة فى مصر كلها من حصاد وتربية ماشية إلخ ... ومصر بلد ترتبط الزراعة فيها بالنيل ، والنيل قد يفيض وقد لا يفيض ، وعهد المصريين به أن يفيض سبع سنوات متتاليات ، ثم لا يفيض سبع سنوات أخرى عجافا. ولا يمكن تفسير الحلم إلا بما فسّره به يوسف : (قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (٤٩) (يوسف). وشبيه بهذا الحلم حلم فرعون موسى الذى تقصّه التوراة ، فقد رأى حلما فظع به وهاله : كأن نارا خرجت من الشام ثم أقبلت حتى انتهت إلى مصر فلم تدع شيئا إلّا أحرقته ، وأحرقت بيوت مصر كلها ومدائنها وحصونها. ـ فاستيقظ الفرعون من نومه فزعا فجمع لها ملأ عظيما من قومه فقصّها عليهم ، فقالوا له : لئن صدقت رؤياك ليخرجن من الشام رجل من ولد يعقوب يكون هلاك مصر وهلاك أهلها على يديه ، وهلاكك أيها الملك. وتقول الميثولوجيا اليهودية : فعند ذلك أمر فرعون بذبح الصبيان حتى أظهر الله تأويل رؤياه ، ولم تغن عنه حيلته شيئا ، وربّى موسى فى حجره ، ثم أهلكه على يديه. ـ والحلم واضح أنه من وضع الأحبار ، أو أنهم قد زادوا فيه ، لأن حكاية أن محدث الفتنة من ولد يعقوب ، وعلى يديه يكون هلاك مصر ، ملفقة ولا تأتى فى تفاصيل الحلم. وموسى ولد بمصر ، وعاش بها قومه مدة ربما تزيد على الأربعمائة سنة أو تقل عن ذلك ، حتى اندثرت قوميتهم ، وصارت لهم عادات ولغة المصريين. ويقول فرويد ـ وهو يهودى ـ فى كتابه «موسى والتوحيد» : (ترجمة الدكتور الحفنى) أن العىّ بلسان موسى كان عجزه عن التحدّث

٥٣٢

بالعبرانية ، وأن الختان اليهودى هو عادة مصرية لها ما يبررها عند المصريين وليس لها ما يبررها عند اليهود ، وأن تحريم لحم الخنزير لأن المصريين حرّموه على أنفسهم ، فقد كان شكل الخنزير من الصور التى اتخذها الإله ست فى عراكه مع أخيه أوزيريس ، فكان الخنزير نجسا عند المصريين لهذا السبب ، وحرّمه اليهود عندهم بلا سبب. وتحريم اليهود للتماثيل كان لأن المصريين تعبّدوا التماثيل ، فكأن الديانة اليهودية مصرية المنشأ والطابع ، وليس فى الحلم ثمة ما ينبئ بأن الفتنة أو الغزو يمكن أن يرتبط بقوم موسى من نسل يعقوب. والحلم يصور على العكس هموم الملك بمشاكل بلده ، وكان يخاف من الغزو من ناحية الشام ، فرأى النار تأتى من هذه الناحية. والحلم هو رأى الملك الشخصى فيما يشهد من غزو فكرى قد اجتاح بلده ومصدره الشام ، وكان ذلك وقت أن غزا الهكسوس وليس اليهود أرض مصر واستولوا على إقليم جاسان. والحلم بالنار من الأحلام النمطية ، والنار رمز للحرب ، وللفتنة ، والوباء ينتشر انتشار النار فى الهشيم ، والنار من دلالات الهدى فقد اهتدى بها موسى ، وهذا الذى أوردناه عن بعض الأحلام من القرآن هو قليل من كثير ، وعلم الأحلام الإسلامى علم متفرّد أساسه الشخصية الحالمة ، فطالما هى شخصية مؤمنة فإنها لصدقها تصدق أحلامها ، وإلا كانت كوابيس وأضغاث أحلام. والمؤمن فى القرآن أحلامه رؤى وليست أحلاما عادية ، وهو ما ننبّه إليه كمقولة مهمة من مقولات الحلم فى علم النفس الإسلامى.

* * *

١٤٢٦ ـ ضرب الرّمل

فى القرآن اسمه : (أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) (الأحقاف ٤) ، وكان العرب يخطون خطوطا فى الرمل ويقرءونها ، وهو نوع مما كانوا يسمونه علوم الغيب ، أو الباراسيكولوجياParapsychology الآن ، ومنها الطّيرة ، والزجر ، والفأل ، والرؤيا ، وكل ذلك ممنوع تربويا بالنصّ القرآنى ، وينبغى أن يربّى المسلم وينشّأ على الأخذ بالأسباب ، وبالاستدلال ، والنظر إلى الأمور بواقعية وموضوعية ، وهو ما يدأب القرآن على الدعوة إليه.

* * *

١٤٢٧ ـ النفاق : مرض نفسى

يقول الله تعالى : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (٢٩) (محمد) وهؤلاء هم أدنى المنافقين ؛ والنفاق يكون فى القلوب ، يعنى يظهر على المشاعر ؛ والناس فيه على مراتب ، فمنهم من يكون أشد نفاقا (التوبة ٩٧) ، ومنهم من يمرد على النفاق (التوبة ١٠١) ، يعنى يتمرّس به حتى ليعدّونه من خبرائهم فيه ، كقوله تعالى : (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ

٥٣٣

بَعْضٍ) (٦٧) (التوبة). وقيل الفرق بين المنافق الذى يمكن أن يتسمّى منافقا وبين : (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أن الأخيرين عهدهم حديث بالنفاق ، وخبرتهم فيه بسيطة ، وفيهم ضعف نيّة. وأما المنافقون فهم الذين يوصفون فى القرآن بأنهم فاسقون (التوبة ٦٧) ، وكاذبون (المنافقون ١). وفى القرآن المقصود بهم عبد الله بن أبىّ وأصحابه ، وأمثالهم.

* * *

١٤٢٨ ـ النفاق والمنافقون

ثلاث فرق كانت معادية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وللإسلام ، الأولى : مشركو مكة ، والثانية يهود المدينة ، والثالثة المنافقون ، وتناولت النفاق والمنافقين اثنتا عشرة سورة من القرآن ، وكانت سورتا «المنافقون» ، و «التوبة» أكثرها خوضا فى موضوع النفاق ، وصفات المنافقين ، ومن كان منهم يعادى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما هم عليه من أخلاق وصفات ، أظهرها الكذب والخداع ، وأن يقولوا ما لا يفعلون ، وما لا تعتقده قلوبهم. ولمّا فضحتهما السورتان قيل فيهما إنهما السورتان الفاضحتان ، فقد نبهتا إلى تخاذل المنافقين وتعلّلهم بالعلل السقيمة ؛ وتآمرهم على المسلمين ، وصدّهم عن الإسلام ، وتوهينهم للروح المعنوية للمجاهدين. والمنافق لا أمان له ولا إيمان ولا عهد ، ويقول بلسانه ما يرضى ظاهره ، وهو المنتقض للدين والمستخف به بباطنه ، أو المعرّض له ظاهرا ، وأمثالهم حاليا فى مصر كتبة الروايات المشهورة الأربع التى أصدرتها قصور الثقافة وكلها سبّ فى الدين ، وسرد للفحش ، وتوصيف للعهر ، ومن يتولهم فهو منهم ، وآية النفاق فيهم أن : (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٦٧) (التوبة) ، أى هم متشابهون فى الشرّ ، ولا يؤدّون الحق ، ويتركون ما أمر الله ، ويحلفون أنهم مؤمنون وهم ليسوا على الإيمان ، والأمر معهم كما قال تعالى : (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (٧٣) (التوبة) ، ومجاهدتهم لسانا بلسان ، وإن اشتد زجرهم فليشتد زجر المؤمنين لهم ، وليغلظوا لهم القول. وفى أيامنا لا أقل من مقاطعة أمثالهم وعزلهم ، والعبوس فى وجوههم ، وإقامة الحجّة عليهم باللسان ، مع ملاحظة أن العاصى ليس منافقا ، وإنما المنافق بما يكون فى قلبه من النفاق كامنا ، لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا. وما أيسر على المنافق أن يتبرأ مما يقول ، أو يسحبه ، أو يؤوّله ، وما أكثر ما يلجأ الى التآمر ، ولقد تآمر المنافقون على قتله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة العقبة فى غزوة تبوك ، وكانوا اثنى عشر رجلا ، وصفهم القرآن فقال : (وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) (٧٤) (التوبة) ، أى أغنى المؤمنين. والمنافق به شحّ يتعلل بأنه لا مال له ، ويتعهد

٥٣٤

إن أفاء الله عليه من فضله ليتصدقن ويكونن من الصالحين ، فإذا أتاه الله من فضله بخل به وتولى وأعرض ، فالله يعقبه نفاقا فى قلبه إلى يوم يلقاه.

وفى القرآن فإن النفاق إذا كان فى القلب فهو كفر ، وإذا كان فى الأعمال فهو معصية ، وفى الحديث : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهم ، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر» ، وفى رواية : «وإذا وعد أخلف» ، وشرحه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «المنافق إذا حدّث وهو يحدّث نفسه أنه يكذب ، وإذا وعد وهو يحدّث نفسه أنه يخلف ، وإذا ائتمن وهو يحدث نفسه أنه يخون». ولمّا رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الحيرة فى وجوه أصحابه وتخوّفهم أن تكون بهم خصال من المنافقين ، قال : «ما لكم ولهن؟ إنما خصصت بهن المنافقين كما خصّهم الله فى كتابه. أما قولى «إذا حدث كذب» فذلك قوله عزوجل : (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) (١) (المنافقون) ، قال : «أفأنتم كذلك»؟ قالوا : لا. قال : «لا عليكم! أنتم من ذلك برآء. وأما قولى «إذا وعد أخلف» فذلك فيما أنزل الله علىّ : (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ) (٧٧) (التوبة) ، قال : «أفأنتم كذلك»؟ قالوا : لا. قال : «لا عليكم! أنتم من ذلك برآء. وأما قولى «وإذا ائتمن خان» ، فذلك فيما أنزل الله علىّ : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (٧٢) (الأحزاب). وقال : «فكل إنسان مؤتمن على دينه ، فالمؤمن يغتسل من الجنابة فى السرّ والعلانية ، والمنافق لا يفعل ذلك إلا فى العلانية .. أفأنتم كذلك»؟ قالوا : لا. قال : «لا عليكم! أنتم من ذلك برآء». ونتبين أن النفاق نفاقان : أحدهما نفاق الكذب ، وهذا أخف أنواع النفاق وطأة وضررا ، كالآية : (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) (٢) (المنافقون) ، وجنّة يعنى سترة ، كمن يقول أقسم بالله ، وأشهد بالله ، أو أحلف بالله ، أو أقسمت بالله ، أو كما فى الآية (يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا) (٧٤) (التوبة). والنفاق الثانى نفاق العمل : وهو أخطرهما وأكثرهما أذى وشرا ، لأنه لا يكون مجرد كذبة وتنتهى ، وإنما تترتب عليه أعمال ، ويجر إلى مشاكل ومصائب وربما حروب. وكما ترى فإن نفاق البعض من المفكرين والصحفيين والسياسيين فى أيامنا من نوع نفاق العمل ، وينطلى على الكثير من سواد الناس ، ويخدمهم أنهم من أصحاب السلطان أو الجاه ، ولهم حول وطول ، وهؤلاء هم المعنيون بالآية : (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ

٥٣٥

فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٤) (المنافقون) ، فوصفهم بجمال الصورة والسمت والهيئة ، وحسن الإبانة ، إلا أنهم أجساد بلا أرواح ولا أحلام ، يعيشون فى قلق وشك وريبة ، ويظنون أنهم انكشفوا ، وتعرّت أسرارهم ، وافتضح نفاقهم ، وأن الناس يتناجون فيهم ويتآمرون عليهم ، ولذلك كانت خطورتهم ، فقد يلجئون إلى وسائل أعنف ، فاحذروهم لأنهم العدو. والآية نزلت فى عبد الله بن أبىّ رأس المنافقين ، وفى وجدّ بن قيس ، ومصعب بن قشير ، فلما قالت لهم عشائرهم توبوا ، لووا رءوسهم استهزاء وإباء ، فوصفتهم الآية التالية وصفا أدق فقالت : (وَإِذا) (قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (٥) (المنافقون) ، وقال عبد الله بن أبىّ لمّا لوى رأسه : أمرتمونى أن أو من فقد آمنت ، وأن أعطى زكاة فقد أعطيت ، فما بقى إلا أن أسجد لمحمد! ولعمرى إنه لسيد المنافقين عن حق!

* * *

١٤٢٩ ـ علامات النفاق

علامات النفاق كما ينبّه إليها القرآن ، تدلّ عليها الآيات : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ) (١٠) (البقرة) ، فالتمويه على الناس من أولى العلامات : وهو أن يضمروا خلاف ما يظهرون ، وأن يسلكوا كمؤمنين خلاف ما يبطنون ككافرين ، يريدون أن يحفظوا أنفسهم من أن ينزل بهم عقاب ، وليحقنوا دماءهم ، ويصونوا أموالهم. والإيمان من أعمال الله ، والتمويه بالإيمان فيه مخادعة لله ، وأصل الخداع الإفساد ، وهم يفسدون اعتبارهم عند الله والناس بالرياء ، وما تحل عاقبة الخداع إلا بهم ، وفى المأثورات : من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه. وخداع الله هو أن يعملوا ما يأمر به ويطلبوا به غيره ، ولا تنطلى حيلتهم عليه تعالى ، ويصدقون بها أنفسهم ولا يفطنون لغفلتهم وغبائهم وجهلهم ، ولا يفكرون فى وبال خداعهم. والنفاق بهم مرض فى القلوب ، يخلف فسادا فى العقيدة ، وشكا وجحدا وتكذيبا ، فكان أن زادهم الله مرضا على مرضهم ، كقوله : (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ) (١٢٥) (التوبة). وعلل القلوب من اتباع الهوى ، والنفاق هوى.

* * *

١٤٣٠ ـ من سمات المنافق

النفاق : إظهار خلاف الباطن ، والمنافقون لهم سماتهم ، يقول تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) (١١) (الحج) ، فالمنافق لا إيمان له ولا دين ولا معتقد ،

٥٣٦

وإن أظهر شيئا من ذلك فلغرض ، ودليلنا إليه أنه شكّاك ، وضعيف فى اعتقاده ، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه ، وحرف كل شىء طرفه وشفيره وحده ، ومنه حرف الجبل وهو أعلاه ، والتزامه بمعتقده طالما فيه منفعة له ، ففي الدين هو يعبد الله فى السرّاء دون الضرّاء ، ولو عبد الله على الشكر فى السرّاء ، والصبر فى الضرّاء لما كانت عبادته له على حرف. وقيل : المنافق يعبد الله على حرف ، يعنى بشرط ، وكان شيبة بن ربيعة يسأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الدعوة له ليرزقه الله المال والولد ليؤمن به ، وليعدل إلى دينه ، فدعا له فآمن ، ثم أراد الله أن يفتنه فأخذ منه ما رزقه ، فارتد عن الإسلام ، فذلك إذن الذى يؤمن على حرف ، وتلك علامته.

* * *

١٤٣١ ـ ومن الناس من يعجبك قوله

قيل فى الآية : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ) (٢٠٤) (البقرة) أن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمرّ من الصبر ، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ، ويشترون الدنيا بالدين ، ويغترّون بالله ، ويجترئون عليه. ويعلمنا علم النفس الإسلامى الاحتياط فى أمور الدين والدنيا ، واستبراء الناس إلا ان يكونوا من نوع هؤلاء الذين تحذّر منهم الآية ، ولهؤلاء سيكولوجية خاصة ينبغى العلم بها ، والحصيف من لا يأخذ بظاهر أحوال الناس ، وما يبدون من الإيمان والصلاح ، الى أن يبحث عن بواطنهم ، والآية وغيرها تحذّر من هذا النمط من أنماط النفاق ؛ وهو النمط الذى يظهر الأقوال الجميلة وهو ينوى الأفعال القبيحة وفى قلبه ألد الخصام ، وفى الحديث : «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».

* * *

١٤٣٢ ـ المنافق تأخذه العزة بالإثم

المنافق لا يسمع لنصح ، وآية نفاقه الكبر والزهو ، كقوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) (٢٠٦) (البقرة) ، وكفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه : اتّق الله ، فيقول : عليك بنفسك ، مثلك يوصينى! واعتزازه بنفسه يوقعه فى الإثم.

* * *

١٤٣٣ ـ رأس النفاق عبد الله بن أبىّ بن سلول : دراسة فى شخصية المنافق

هو عبد الله بن أبىّ بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجى ، وكنيته أبو الحباب ، وشهرته ابن سلول ، وسلول هى جدته لأبيه ، وكان سيد الخزرج فى آخر جاهليتهم ، ورأس المنافقين

٥٣٧

فى المدينة زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأظهر الإسلام بعد بدر ، ولكن إسلامه كان تقية ، ولما تهيأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأحد ، انخذل عنه ومعه ثلاثمائة رجل ، وعاد إلى المدينة ، ثم كرر فعلته يوم تبوك ، وكلما حلّت بالمسلمين نازلة أبدى الشماتة فيهم ، وإذا سمع سيئة تروى عنهم أو تنسب إليهم أذاعها ونشرها ، وله فى ذلك أخبار ، ومنها حديث الإفك المشهور ، وما روّجوا على عائشة أم المؤمنين حتى اتهموها فى صفوان بن المعطل ، وكان عبد الله بن أبىّ رأس المنافقين المروّجين للإفك ، ولذا وصفه القرآن فقال : (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ) (١١) (النور) ، ولقد قيل إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حدّه ثمانين جلدة ، والصحيح أنه لم يحدّ ، لا هو ولا أى من أصحاب الإفك ، لأن الحدود لا تقام إلا بالإقرار أو البينة ، ولم يكن هناك إقرار ولا بينة ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يتعبّده الله أن يقيم الحدود بإخباره عنها ، كما لم يتعبّده بقتل المنافقين وقد أخبره بكفرهم كما جاء فى سورة التوبة ، يقول : (يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (٧٤) (التوبة) ، قيل نزلت فى عبد الله بن أبىّ ، قال : ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال قائل : تسمّن كلبك يأكلك! ولئن رجعنا الى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ!» وفى رواية أخرى : أن عبد الله أبىّ قال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا ؛ وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ ، فلمّا واجههم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنكر وجحد وأقسم أنه ما قاله ، فنزلت الآية : (لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) (٧) (المنافقون) ، والآية : (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ) (٨) (المنافقون) ، وفضحت سورتا «التوبة» ، و «المنافقون» عبد الله بن أبى ومن ذهب مذهبه فى النفاق. و «كلمة الكفر» فى الآية هى قول عبد الله بن أبى : (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ) (٨) ؛ وقوله تعالى : «كفروا بعد إسلامهم» أى ارتدوا ، فدلّ على أن المنافق كافر ، والكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة ، بالمقارنة إلى الإيمان الذى لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال ، وقوله تعالى : (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) (التوبة ٧٤) يعنى المنافقين وكبيرهم عبد الله بن أبىّ ، فقد دبّروا لقتل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة العقبة ـ فى غزوة تبوك ، وكانوا اثنى عشر رجلا سمّاهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأسمائهم ، ولمّا سأله حذيفة : ألا تبعث إليهم لتقتلهم؟ قال : «أكره أن تقول العرب لمّا ظفر محمد بأصحابه أقبل يقتلهم». وقال :

«بل يكفيهم لله بالدّبيلة» ، سأله : ما الدبيلة؟ قال : «شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه» أخرجه مسلم ، يعنى : أنه ترك عقاب نفاقهم إلى الله : (فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً

٥٣٨

فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) (التوبة ٧٧) ، يعنى زادهم نفاقا وثبّتهم عليه إلى يوم مماتهم ، فلما مات عبد الله بن أبىّ جاء ابنه إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وسأله قميصه ليكفنّ فيه أباه تبركا ، فأعطاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قميصه ، قيل إكراما للابن وتطييبا لقلبه ، وقيل لأن عبد الله فى حياته أعطى قميصه للعباس عمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم بدر ، لمّا أسر العباس وأتى به وسلبوا ثوبه ، ورآه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بلا قميص ولا ثوب ، فأشفق عليه وطلب له قميصا ؛ فلم يجدوا له ما يقدر عليه إلا قميص عبد الله بن أبىّ ، فكساه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إياه ، فلذلك نزع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قميصه ليكفّن فيه عبد الله ، فبذلك يرفع اليد التى كانت لعبد الله عنده ، فلا يكون له شىء عليه يوم القيامة. والصحيح أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعطى القميص عن طواعية ، يفعل به خيرا ، فذلك هو مطلوب دينه ، وقال لعمر حين عاتبه : «إن قميصى لا يغنى عنه من الله شيئا ، وإنى لأرجو أن يسلم بفعلى هذا ألف رجل من قومه» ، ويبدو أنه بسبب ذلك فعلا تاب وأسلم ألف رجل من الخزرج. ثم إن ابن عبد الله بن أبىّ أراد أن يصلى النبىّ على أبيه ، فقام رسول الله يصلى عليه ، فنزلت الآية : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ) (٨٤) (التوبة) ، وقيل إنه استغفر لعبد الله بن أبىّ أو كان بسبيله إلى أن يستغفر له ، فنزلت : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (٨٠) (التوبة) وقيل لما عاتبه عمر ، قال : «إنما خيّرنى الله تعالى فقال : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) (٨٠) (التوبة)». وقال : «سأزيد على سبعين». وقيل : إنما استغفر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على عبد الله بن أبىّ وصلى عليه بناء على الظاهر من لفظ إسلامه. وقيل إن عمر بن الخطاب لمّا عاتبه لم تكن هذه الآية قد نزلت بعد ، وإنما كان فى باله الآية الأخرى التى نزلت فى مكة عند موت أبى طالب ، تقول : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) (١١٣) (التوبة) ، ففهم منها النهى عن الاستغفار لمن مات كافرا ، وعبد الله بن أبىّ باعتباره منافقا كان من الكافرين. وقيل الفرق بين استغفار النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعمّه أبى طالب ، واستغفاره لعبد الله بن أبىّ ، أن الأول كان استغفارا مرجو الإجابة ، يعنى من القلب ، بينما استغفاره لابن أبىّ كان استغفارا باللسان وليس من القلب ، فذلك هو نوع الاستغفار للمنافقين الذى أملته مصلحة الدعوة والإسلام على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشأن عبد الله بن أبىّ بن سلول رأس المنافقين فى المدينة وكبيرهم ، وكانت رئاسته للمنافقين عن جدارة ، وفيه قال ابن عباس ، كان وسيما صبيحا جسيما صحيحا ذلق اللسان ، فإذا قال سمع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مقالته ، ووصفه الله بتمام الصورة

٥٣٩

وحسن الإبانة فقال : (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٤) (المنافقون) ، فرغم هيئته ومنظره وذلاقة لسانه ، إلا أنه كان كالخشبة المسندة ، أى كان جسما بلا روح ولا عقل ، وأحمق يظن كل كلام هو المعنىّ به ، ويرتاب فى كل الناس ويعاديهم من ثم بلا سبب ، ومثله يحذر منه ـ قاتله الله ـ أى لعنه ، طالما عدل عن الحق وصرف عن الرشد.

* * *

١٤٣٤ ـ النفاق والادّهان

من المصطلحات الجديدة الخاصة بالقرآن مصطلح «الادّهان» ، وهو نوع من النفاق يشمل ظاهر المرء وكلامه ، والفرق بينه وبين النفاق : أن النفاق يختص بالباطن وهو مشتق من نافقاء اليربوع ، أى جحره ، لأن صاحبه يخفى خلاف ما يظهر ؛ وأما الادّهان : فهو أن يظهر خلاف ما يبطن ، ويزيّن كلامه ، تقول دهنه أى خدعه وختله وأظهر له خلاف ما يبطن. يأتى ذلك فى القرآن مرتين ، الأولى : فى قوله تعالى : (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (٩) (القلم) ، والادّهان : التليين لمن لا ينبغى له التليين لمن لا ينبغى له التليين ، ودّوا لو تصانعهم فى دينك فيصانعونك فى دينهم ، وأن تنافق وترائى فينافقون ويراءون. والادّهان : هو اللين والمصانعة ، ومجاملة العدو وممايلته ، والمقاربة فى الكلام والتليين فى القول. يقال : أدهن فى دينه ، وداهن أمره ، أى خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر. وداهنت بمعنى واريت ، وأدهنت بمعنى غششت ؛ وفى قوله : (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (٨٢) (الواقعة) ، والمدهن هو الكاذب الذى ظاهره خلاف باطنه ، كأنه شبّه بالدّهن فى سهولة ظاهره وعسر باطنه. والمدهن : المنافق أو الكافر الذى يلين جانبه ليخفى كفره. والادّهان والمداهنة : النفاق والتكذيب والكفر ، وأصله اللين ، وأن يسرّ خلاف ما يظهر ، ويغشّ ، ويعرض ، ويمالئ الكفّار على الكفر ؛ والمدهن : الذى لا يعقل ما حقّ الله عليه ويدفعه بالعلل ، ولذلك قال : (تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (الواقعة ٨٢) ، يعنى بدلا من الشكر لله على ما أنعم ورزق ، فأنتم تكذّبون أنه أنعم ورزق.

* * *

١٤٣٥ ـ الصمم والبكم والعمى النفسى

الصمّ والبكم والعمى : هؤلاء ثلاثة أنماط من أنماط الشخصية فى القرآن ، والأصم : هو الذى انسدت خروق مسامعه ؛ والأبكم : الأخرس بيّن الخرس والبكم ، والأعمى هو ذاهب البصر ؛ وفى الآية : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (١٨) (البقرة) : أن صمم هؤلاء وبكمهم

٥٤٠

وعماهم هو : صمم نفسى ، وبكم نفسى ، وعمى نفسى ، وفى الاصطلاح يقال صمم نفسى المنشأpsychogenic deafness ، أى أنه ظاهرة مرضية نفسية وليست عضوية ، والمرضى بالأمراض نفسية المنشأ يتداعون بها لعجز عن احتمال مواقفهم ، أو لهوى فى نفوسهم فلا يريدون أن يروا الحق أو يسمعوا به ، فيفقدون أسماعهم وأبصارهم وقدراتهم على الكلام ، وفى الخبر أن حكيما انتهت به حكمته إلى أن «لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم» بما يعرف ، فتحول واقعا أو مجازا فصار قردا. وفى القرآن يأتى عن ذلك اثنتى عشرة مرة ، وفى الآية لم تنف الإدراكات عن حواسهم جملة وإنما الغرض نفيها عن رؤية أو سماع أو التحدّث بالحق ؛ وقوله «لا يرجعون» يعنى إلى الحق ، وفى الآية : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (١٧١) (البقرة) لأن من أصمّ أذنيه ، وأعمى عينيه ، وأبكم فمه ، لن يعقل من أى أمر شيئا ، ويصفهم القرآن يقول : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (٢٢) (الأنفال) ، فجعلهم كالدواب ، أى الحيوانات ، وزاد فقال فيهم إنهم من شرّ الدواب ، وفى آية أخرى حدّد شرّ الدواب فقال : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (الأنفال ٥٥) ويوم القيامة يحشرون كما كانوا فى الدنيا (عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا) (٩٧) (الإسراء).

* * *

١٤٣٦ ـ علم السيما

السيما ـ مقصورة ـ : هى العلامة ، وقد تمدّ فيقال السيماء ؛ وتأتى فى القرآن ست مرات ؛ والسيما فى الآية : (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (٢٩) (الفتح) هى سيما التديّن ، تكون علامة بالجبهة مما يعلق بها من الأرض عند السجود ، دليل كثرة الصلاة واللجوء إلى الله ، والشخصية التى لها هذه السيما من النمط المتدين ، ويوصف بأنه نمط غيبى ، وقيل : سيما التديّن حسن يكون بالوجه وضاءة ونورا ، ويعكس طمأنينة نفس صاحبه ؛ وقيل : هى الخشوع والتواضع اللذان يميزان الشخصية الدينية ؛ وقيل : سيما التدين هى علامة على توجّه صاحب السيما إلى الله ، وأن مرجعيته دوما ليست نفسه ولكنها كتاب الله ، بمعنى أنه «إنسان مرجعى» لا يفعل من نفسه ، ولكنه بحسب النّص الذى يستند إليه. وفى الآية (وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ) (٣٠) (محمد) ، والسيما هنا من نوع آخر مناقض ، هى سيما النفاق ، وأصحابها هم المنافقون ، وأبرز سمات النفاق «لحن القول» ، كقوله تعالى : (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (٣٠) (محمد) وهو أن نقول ما لا نفكر فيه ولا نشعر به ، وأن نتكلم بالشىء ونريد غيره.

٥٤١

وللمجرمين سمات هى تعلّق «علم النفس الإجرامى» ، والقرآن سابق فى تحديد الصفات النفسية للمجرم قبل أن ينبّه إليها أمثال توبينارد ، وسيزار بيكاريا ، وچيريمى بنتام فى القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، ولعل أكبر العلماء فى هذا الميدان سيزار لمبروزو (المتوفى سنة ١٩٠٩) ، زعيم المدرسة الوصفية ، وما يذكره القرآن عن سمات المجرمين ضمن المدرسة الوصفية ، وكنموذج للمجرمين كما يعدّدهم القرآن : فرعون موسى : وكان جبّارا عصيا ، متضخم الذات ، ومتمركز التفكير فى نفسه ؛ وهامان : وكان من الإمّعات ، يوظّف علمه للأقوى ، ويقيم الصروح وفق طلب المستبدّين ؛ وقارون : وكان من ملوك المال ، ويظن بنفسه الألوهية. والمجرمون الذين يحفل القرآن بتوصيفهم كثيرون ، ومنهم الكفرة ، والمكذبين ، والمعاندين ، والمتآمرين ، ولصوص المال ، والمصابون بالشذوذ النفسى الجنسى كاللواط ، والزنا ، والنمامون والغمّازون ... إلخ ، ولكل هؤلاء صفات بدنية ونفسية واجتماعية إجرامية. والملائكة ، كما يرد عنهم من أهل الفراسة المتضلّعين فى علم السيما ، وفى ذلك يأتى فى القرآن : (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ) (٤١) (الرحمن) ، ومثل الملائكة : أصحاب الأعراف ، يقول فيهم ربّهم : (وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ) (٤٨) (الأعراف) ، فهؤلاء الذين على الأعراف يطالعون سيما الناس ويتعاملون معهم بحسبها. وكما أن السيما فى الدين والجريمة ، فهى فى غير ذلك من النواحى الاجتماعية ، وفى مجال علم الاجتماع الاقتصادى مثلا تأتى هذه الآية : (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) (٢٧٣) (البقرة) ، وهؤلاء هم الفقراء ، أو صنف منهم ، يستحون أن يسألوا الناس ، ومن السهل اكتشافهم مع ذلك بالنظر إلى رقّة مظهرهم ، ونظرة الذلّ فى عيونهم ، واستطالة وجوههم ، وصفرتها ، وارتعاش أصواتهم ، وتلعثمهم الكثير خشية الناس.

* * *

١٤٣٧ ـ الصراع بين الأفراد كما هو بين المجتمعات

دليل ذلك الآية : (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها) (١١١) (النحل) أى تخاصم وتحاجّ عن نفسها ، وكل واحد فى يوم البعث لا يقول إلا نفسى! نفسى! وكل أمة تشهد لنفسها ، وتتصارع الأمم من شدّة هول القيامة ، وما تزال الخصومة بالناس حتى أن الروح لتخاصم الجسد ، فالروح تلقى المسئولية على الجسد ، والجسد يلقى المسئولية على الروح ، والصحيح أنهما مسئولان معا ، كأعمى ومقعد فى بستان ، يطلبان ثمرا على شجرة ، فالمقعد يستعين بالأعمى ليحمله ، فيقطف المقعد ويأكل ويعطى الأعمى ، فأيهما مسئول؟

٥٤٢

هل هو الأعمى الذى حمل ، أم المقعد الذى قطف؟ والصحيح أنهما معا مسئولان ، والعقاب لهما معا ، فكذلك الروح والجسد.

* * *

١٤٣٨ ـ الصراع مقدور على الناس إلا من رحم ربّه

لما عصى آدم وغوى ، طرد من الجنّة وزوجته حواء وإبليس : (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (١٢٣) (طه) ، يعنى آدم وزوجته من ناحية ، وإبليس من ناحية ، وكلّ منهم سيكون له النسل ، وسيجتهد بنوهم الرأى ، وسيلجئون مثل آدم وإبليس إلى التأويل ، وراثة عنهما ، وسينشب بينهم النزاع ، وتتولد العداوة وتزيد البغضاء ، واستثنى الله تعالى فقال : (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) (١٢٤) (طه) ، والهدى : يعنى الرسل والكتب ، فكأن الصراع والحرب والعداء قد كتبوا على مخلوقات الله فى الأرض ، فجميعها فى تناحر ، وكلها فى صراع ، والبقاء للأصلح ولكنه ليس الأصلح باعتبار الموائمة مع ظروف الحياة ، إنما الأصلح باعتبار الأخذ بناموس الله ، وأن يكون الإنسان عبدا صالحا حقا ، وخليفة الله فى الكون صدقا ، جديرا بالخلافة ، وحقيقا بالإعمار. والقول بالمعايشة بين الحضارات أو الثقافات وهم ، لأنه لا وجود للباطل مع الحق ، والباطل والحق لا يتماشيان ، وأصحاب الحق يريدون أن يسود الحق بالحوار والمحاجاة ، وأصحاب الباطل يريدون للباطل أن يسود بالقوة والجبر والطغيان. والله تعالى جعل مع الحق التسليم والقناعة والتوكل عليه تعالى ، وصاحب الحق سمح النفس ، وعيشه سهل ورافع (يعنى به سعة) ، كما قال تعالى (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) (٩٧) (النحل) ؛ والمعرض عن الحق مستول عليه الحرص الذى لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا ، مسلّط عليه الشحّ الذى يجعله دائم الاعتراك مع الغير ، فعيشه ضنك ، وحاله مظلمة ، وستبقى الحروب ما دام هناك حق وباطل ، وما لم تكن الحرب السجال بينهما بالحوار لا بالقتال.

* * *

١٤٣٩ ـ القنوط من الكبائر

القنوط عرض نفسىّ صنو الإحباط واليأس ، إلا أن القنوطDespondence يأتى فى البداية ، والإحباطFrustration يكون فى النهاية ، واليأس Despair هو محصلة الاثنين معا ، كقوله تعالى : (وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) (٣٦) (الروم) ، والقنوط والبطر صفتا الكافر ، يقنط عند الشدّة ، ويبطر عند النعمة ،

٥٤٣

وقنوطه يصيبه منه اليأس أن تأتيه رحمة الله وفرجه ، والقانط قد يبلغ به حدّ اليأس أن ينسى الفرائض ولا يأتيها ، لاعتقاده فقد الأمل ، كقوله : (فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ) (٥٥) (الحجر) أى من الآيسين. وقد يأتيه القنوط إذا كثرت ذنوبه ، وفى الخبر أن الآية : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) (٥٣) (الزمر) نزلت فى قوم أسرفوا على أنفسهم ، قيل نزلت فى «وحشىّ» قاتل حمزة عمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، سأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أشركت بالله ، وقتلت النفس التى حرّم الله ، وزنيت ، هل يقبل الله منى؟ فنزلت : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٧٠) (الفرقان) ، تبيّن أن التوبة تجبّ ما قبلها إذا عمل صاحبها صالحا ، وهنا قال وحشىّ : فلعلى لا أعمل صالحا؟ فنزلت : (إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٥٣) (الزمر) ، فدلّ على أن التائب تغفر له ذنوبه جميعا ، حتى «وإن لم يعمل صالحا» ، فيكفيه من الصلاح الامتناع عن الشرّ ، واستبشر أصحاب الذنوب الكثيرة بالآية ، ولذلك قال فيها علىّ بن أبى طالب : ما فى القرآن آية أوسع من هذه الآية : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٥٣). وقال عبد الله بن عمر : هذه أرجى آية فى القرآن. ونعود إلى القنوط واليأس والفرق بينهما ، وفى الآية : (وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ) (٤٩) (فصلت) يأتى اليأس أولا ثم يترتب عليه القنوط ، وربما من السياق كله أن اليأس يكون من روح الله ، وأما القنوط فمن رحمته تعالى ، وأما فى هذه الآية فإن اليأس يكون من زوال ما به المكروه ، بينما القنوط أن يظن أنه يدوم.

* * *

١٤٤٠ ـ المستضعفون والمستكبرون من أنماط الشخصية

الناس صنفان فى الحق : إما مستضعفون وإما مستكبرون ، ويوم القيامة يبرزون لله جميعا ، يقول المستضعفون للمستكبرين : (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) (٢١) (إبراهيم) ، ذلك لأن علامة المستضعف أو الضعيف نفسيا واجتماعيا : أنه تابع يأتمر بأمر القوى أو المستقوى ، والمجتمعات فيها من الفئتين ، والمستقوون من دأبهم الاستكبار ، واستكبارهم يجعلهم فى المقدمة ، وينحّى من أمامهم الضعفاء ، ولذلك تؤول الأمور فى المجتمعات إلى المستقويين المستكبرين ، وهؤلاء خارجون على القوانين ، وهم ترزية

٥٤٤

القوانين ، والقوانين فى مجتمعات المستقويين لتطبيقها على المستضعفين ؛ والمستضعفون يأتمرون بأمر المستقويين ، وكان قولهم لهم فى الدنيا : افعلوا ونحن المسئولون ، فلما كان الحساب فى الآخرة ، سألوهم : هل ستتحملون عنا عذاب ما كنتم تأمروننا به؟ وهذا تحذير للمستضعفين المؤتمرين بأمر المستقويين ، فلو كان هؤلاء ناجين من النار لأنجوهم معهم ، والإحباط هو الشعور السائد يومئذ ، ويدفع إلى الجزع ، والجزع هو المحبط اليائس ، وما كان يمكن أن يصبر ، فالمحبط الجزع لا يصبر وكلما فكر فى العذاب زاد به الإحباط والجزع ، فلا مهرب ولا فكاك من العذاب ، وبقدر الجرم يكون العقاب ، وجرم المستقويين أكبر من جرم المستضعفين ، وجرم الاستقواء هو أبشع الجرم. وفى الجزع يكون الصراخ ، وهو عكس الصمت فى الصبر ، وسواء جزعوا أم صبروا لا محيص ـ أى لا منجى. (انظر أيضا الكبر ليس من شيم الإسلام ضمن باب القرآن والفنون والصنائع والآداب واللباس).

* * *

١٤٤١ ـ المخادع يخدع نفسه

من أنماط الشخصية فى القرآن نمط المخادع ، وأصل الخداع فى كلام العرب الفساد ، والمخادع فى الدين يخدع الرسول ، ويخدع الله والمؤمنين ، كقوله تعالى : (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ) (٦٢) (الأنفال) ، وقوله : (يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) (٩) (البقرة) ، وقوله : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) (١٤٥) (النساء) ، وخداعهم لله ولرسوله وللمؤمنين بإظهار الإيمان خلاف ما أبطنوه من الكفر ، ليحقنوا دماءهم وأموالهم ، ويظنوا أنهم نجوا وخدعوا ، وهم فى الحقيقة أفسدوا إيمانهم وأعمالهم بالرياء ، والمراءاة هى الإخفاء. ومن الأمثال فى الخداع قولهم : انخدع الضب فى حجره ؛ وما تحل عاقبة الخداع إلا بصاحبه ؛ ومن كلام أهل الإسلام : من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه» ، وهذا صحيح ، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن ، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه فى الخداع فإنما يخدع نفسه ، ودلّ ذلك على أن المنافقين لم يعرفوا الله ، ولو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع ، وفى الحديث : «لا تخادع الله فإن من يخادع الله يخدعه الله ، ونفسه يخدع لا يشعر» ، قالوا : يا رسول الله كيف يخادع الله؟ قال : «تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره». وليس القول الله يخدعهم ، أنه تعالى مخادع ، وإنما هذه هى عادة العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ، ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له فى معناه ، وعلى ذلك جاء قوله : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ)

٥٤٥

(١٩٤) (البقرة) ، والجزاء لا يكون سيئة ، والقصاص لا يكون اعتداء ، لأنه حقّ وجب ، ومثله ، وقوله : (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (٥٤) (آل عمران) ، وقوله : (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) (١٥) (البقرة) ، وليس منه تعالى مكر ، ولا هزء ، ولا كيد ، ولا خداع ، وإنما هو جزاء مكرهم واستهزائهم وخداعهم ، وكلها صفات غالبة على شخصية المنافق.

* * *

١٤٤٢ ـ الهمزة واللمزة

الهمزة واللّمزة : نمطان من الأنماط النفسية للشخصية ، ينفرد بهما القرآن ضمن ما نسميه بعلم النفس الإسلامى ، يقول تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (١) (الهمزة) ؛ والهمزة : الفتّان ؛ واللمزة ، العيّاب ؛ أو أن الهمزة : الذى يغتاب ويطعن الناس فى وجوههم ، واللمزة : الذى يغتابهم من خلفهم ، كقوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ) (٥٨) (التوبة). وقيل إن الهمزة : الطعّان فى الناس ، واللّمزة : الطعّان فى أنسابهم. والهمزة والهامز أيضا : الذى يزغدنا باليد ، يعنى بالدفع ؛ واللّمزة : يزغد باللسان ، يعنى يسيء به. وقيل : الهمّاز : باللسان ؛ واللمّاز : بالعينين ، أو بالعينين والحاجبين.

والهمزة اسم وضع للمبالغة ، كما يقال ضحكة للذى يضحك بالناس. وأصل «الهمزة واللمزة» الضرب والدفع. ومثل «الهمزة اللمزة» : الوليد بن المغيرة ، الذى كان يغتاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من ورائه ، ويقدح فيه فى وجهه ، وكذلك أبىّ بن خلف ، وجميل بن عامر الثقفى.

* * *

١٤٤٣ ـ القرين فى القرآن وعلم النفس

القرين Peer : فى علم النفس هو الصاحب أو الزميل ، وهو الذى يقرن به دوما للمشابهة بينهما. والقرين فى «جماعة اللعب» بين الأطفال ، فهو الملازم لقرينه ، وفى «جماعة الأصحاب» توزّع الأدوار بين القرناء بحسب الوسع والقدرات والزعامة. والقرناء يكونون منذ الطفولة ، وتكون لهم تخيّلاتهم وطموحاتهم المتشابهة. والقرين فى اللغة : المقرون بآخر ، والمصاحب ، والعشير ، والزوج ، والنفس ؛ والمؤنث القرينة ، والجمع أقران وقرناء. والفرق بين القرين والصاحب ، أن القرين ألصق بالصفات النفسية المشتركة بين اثنين من الأقران ، بينما الصاحب Companion هو المرافق ، يقال صحبه أى رافقه ، والصاحب لا ينافر صاحبه وهما لذلك يتلازمان. والرفيق Comrade هو الصاحب أيضا ، ومن صفته أن يرفق بصاحبه فينفعه ويعينه ، والجمع رفقاء.

والقرين : مصطلح قرآنى ، وينصرف إلى ثلاثة معان ، فقد يعنى الملك الموكل بالمرء كما فى قوله تعالى : (وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) (٢٤)

٥٤٦

(ق) ، وما لديه هو كتاب عمله ، وقوله ألقيا مثنّى ، لأن كل امرئ ليس له قرين واحد من الملائكة ولكنهما «قرينان» : السائل والحافظ. والملك بالطبع يتجاوز مجالى الخير والشرّAmorality ، ولا يحكم بهما على ما يفعل أو يقول.

وقد يعنى القرين «الصاحب من البشر» ، كقوله تعالى (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) (٥٦) (الصافات) ، وكان قرينه هذا يوعز إليه بالكفر ، فلما كانت الآخرة سأل عنه ووجده فى النار ، فقال مقالته فيه : أنه كاد يضله لو لا ستر الله.

وقد يعنى القرين الشيطان ، كقوله تعالى : (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (٣٦) (الزخرف) ، والعشا هو العمى الليلى ، وهو فى الآية العمى إطلاقا ، والشيطان إذا قيّض كقرين يصاحب قرينه فى الدنيا فيمنعه من الحلال ، ويبعثه على الحرام ، وينهاه عن الطاعة. وفى الخبر أن الكافر يشفع بشيطان ، والمؤمن يشفع بملك ، فهما للكافر والمؤمن قرينان. والقرين إذن يمكن أن يكون قرين سوء أو قرين خير ، ويأتى فى التنزيل ثمانى مرات بمعنى قرين السوء : (فَساءَ قَرِيناً) (٣٨) (النساء). وفى علم النفس كذلك يأتى القرين غالبا فى مجال الشر ، والقرناء هم الشلّة أو العصابة ، والأمر بينهم على السواسية ، وهم جميعا على الآخرين عصبة.

* * *

١٤٤٤ ـ الإنسان بفطرته هلوع جزوع وللخير منوع

من صفات الإنسان الدنيّة : الهلع ، والجزع ، ومنع الخير ، كقوله تعالى : (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) (٢١) (المعارج) ، وهذه صفات مركوزة فى النفس ، قال أهل التحليل النفسى : إنها من مخلّفات مراحل النمو النفسى الجنسى ؛ وقال أهل علم النفس الجينى : إنها صفات فى الفطرة أو الجبلّة ؛ وقال أهل الطب النفسى إنها من آثار اللاشعور الجمعى والوراثة والبيئة. والهلع فى اللغة أشد الحرص ، وهو أسوأ الجزع وأفحشه ، ولا يصبر الهلوع على خير ولا على شر ؛ لأنه جزوع ، أو أنه يصيبه الجزع من الهلع ؛ والجزوع هو الضّجور وهو شديد الضجر ، والضجر القلق من الغمّ وضيق النفس ؛ والمنوع الذى يمنع الخير عن الناس وينازع عليه ويحرمهم منه. وقيل الهلوع هو الذى إذا مسّه ما يكره انتابه الجزع الشديد ، وإذا ناله الخير بخل به ومنعه الناس ، وفى الحديث : «شرّ ما أعطى العبد شحّ هالع وجبن خالع» ، وهذه علامات غير سوية لنفس غير

٥٤٧

الحديث : «شرّ ما أعطى العبد شحّ هالع وجبن خالع» ، وهذه علامات غير سوية لنفس غير مطمئنة ، وقلقة ، تتوجس الشر ، وتبدأ به ، ونقيضها فى القرآن ضمن بقية السورة : النفس السوية ، وعلاماتها تقوى الله ، ودوام الصلاة ، وإعطاء الزكاة ، والإيمان بالآخرة ، والالتزام بالأخلاق الحميدة (المعارج ٢٢ / ٣٤).

* * *

١٤٤٥ ـ البغض والكره والمقت

البغض : نقيض الحب ؛ والبغيض : المكروه كراهية شديدة ؛ والبغضاء : شدّة الكراهية ، كقوله تعالى : (فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ) (١٤) (المائدة). فالبغضاء وليدة العداوة ، والعداوة هى الخصومة والمباعدة ، فكلاهما متلازمان ، ولذا قال تعالى : (فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ) أى ألصقنا بهم ، مأخوذ من الغراء ، وهو ما يلصق الشيء بالشىء كالصمغ وشبهه ، يريد بذلك طوائف اليهود ، فكأن العداوة والبغضاء صفتان ملتصقتان بهم ، وكأنهما الطبع فيهم ، ومن يلازمه الشيء فكأنه قد التصق به ، مثل قوله تعالى : (وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) (٦٤) (المائدة) ، فهم متخاصمون متباغضون ، كما قال : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (١٤) (الحشر) ، وهم أبغض خلق الله إلى الناس : (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (٦٤) (المائدة) ، فما من حرب إلا وراءها اليهود ، وما من فساد فى الأرض إلا وكان المروّج له اليهود ، وما كانت رذيلة إلا واتصفوا بها ، وهم أساتذة النفاق ، وأستاذهم جميعا «السامرى» فى قصة موسى ، كقوله تعالى : (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ) (٨٥) (طه) ، ثم «يهوذا الأسخريوطى» فى قصة المسيح ، فكان السامرى أول تلميذ يخون معلمه ، ويوقع بقومه. وكان الاسخريوطى أول تلميذ يسلم معلمه إلى أعدائه بثلاثين من الفضة (يوحنا ٦ / ١٥). والسامرى عادى موسى وأبغضه ، وكذلك الاسخريوطى عادى المسيح وأبغضه ، وكانا فى ذلك مثلا للبغض الذى أودى بصاحبه ، وكلاهما كان إذا تكلم بدت البغضاء فى كلامه ، وكذلك كان اليهود كافة ، كلما تحدّثوا إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ظهر بغضهم ، وفيهم قال تعالى : (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (١١٨) (آل عمران) ، وفى الآية أن خروج الكلام من الأفواه وليس بالألسنة ، إشارة الى تشدّقهم وثرثرتهم فى أقوالهم ، ومن هذا التشدّق أن يقول قائل اليهود فى سلامه على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «السام عليك» بدلا من أن يقول «السلام عليك» ، فإما أنه قالها عن عمد ، وإما أنها خرجت منه زلّة لسان ، وزلّات اللسان هى المعبر عن المشاعر المكبوتة ، وفى الحالتين أفصح اليهودى عن بغضه وبغض قومه

٥٤٨

للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى هذه الآية تنبيه إلى أن الصدور مكان المشاعر المكبوتة ، ولكنها لا تجد طريقها للتعبير من طريق اللسان ، فاللسان للمشاعر الظاهرة ، وأما المشاعر المكبوتة فتظهر فلتات من خلال الثرثرة والتشدق ، وعبّر القرآن عن ذلك بقصر التعبير عن البغضاء على الأفواه ، وهى حالة فوق حالة المتستر الذى تبدو البغضاء فى عينيه ، ومن هذا المعنى نهيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يشتحي الرجل فاهه فى عرض أخيه ، والاشتحاء هو أن يفتح فاهه ، يقال شحى الحمار أى فاه بالنهيق ، وجاءت الخيل شواح ، أى فاتحة أفواهها ، والشحو فى الحديث إشارة إلى معنى التشدّق فى الآية.

والكره ضد الحب ، وهو أقل من البغض ، فإذا اشتد الكره واستحكم تحوّل إلى بغض ، وإذا زاد البغض صار مقتا. والكره والكراهية من كره ، فهو كاره ، والشيء مكروه. وتقول الكره بالفتح وتقصد ما تكره عليه ، كقوله تعالى (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٨٣) (آل عمران) أى رغبة أو اضطرارا ، والمسلم يؤمن طوعا ، وغير المسلم قد يظهر الإيمان اضطرارا وخوفا كالمنافقين ، والإيمان على المؤمنين غير ثقيل ، ولكنه على غيرهم مستثقل وله وطأة وشدّة ، لأن التزام التكليف مشقة ، فمن آمن تحمّلها إخلاصا ، ومن لم يؤمن اضطر أن يألفها ويمرن عليها ، وإسلام المؤمن لذلك إسلام عبادة ، بينما إسلام الآخر إسلام دلالة ، كقوله تعالى : (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) (١١) (فصلت) فإتيانهما بكره هو إتيانهما بتسخير ، كما قال : (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٤٠) (النحل) ، وأما الكره بالضم : فهو ما أكرهت نفسك عليه ، كقوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) (١٥) (الأحقاف) ، فالكره بالضمة المشقة ، وفى كل القرآن فإن لفظ الكره بالفتح ، إلا فى آية الأحقاف ، والآية الأخرى فى سورة البقرة ، وفيهما أن المشاعر فى الكره بالضم هى مشاعر قهر وكبت وغضب ، فالكره بالضم للمخبر ، بينما الكره بالفتح للمظهر ، وكلاهما من الكراهية. والكره بالضم للمشقة ، والكره بالفتح ما أكرهت عليه. وفى الآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٢١٦) (البقرة) ، فإن القتال هو الجهاد ، فكان كرها لأن فيه إخراج المال ، ومفارقة الأوطان والأهل ، والتعرّض بالجسد للقتل والجراح وقطع الأطراف ، فكانت الكراهية له لذلك ، ومثله الذى يتألم ويخاف مع ذلك أن يخلع ضرسه ، أو يبتر الجزء من جسمه المسبب للألم والذى يخشى منه على حياته. فمعنى الكره إذن : أن تأتى الشيء عن اضطرار. وربّ أمر نكرهه وفيه نجاتنا ،

٥٤٩

والإكراه : هو أن تحمل الناس على الشيء يكرهونه ، كقوله تعالى (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) (١٠٦) (النحل) ، ولا يؤاخذ المكره ، وفى الحديث : «يرفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ، ومن استكره على الشرك كان مرتدا فى الظاهر ، وطلاق المكره لا يعتد به ، وكذلك بيع المكره ظلما أو قهرا لا يجوز ، ويبطل نكاح المكره والمكرهة. وإذا استكرهت المرأة الى الزنا فلا حدّ عليها ، ويمين المكره تسقط إذا كانت فى معصية. وفى الآية : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) (٢٥٦) (البقرة) ، أى لا إجبار ، كقوله : (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) (٤) (الشعراء) ، أى أنه تعالى لم يشأ أن يجعل إيمانهم إجبارا ولكن عن طواعية ، ولم يرد لنفسه أعناقا خاضعة ولكن قلوبا خاشعة ، وإذا ذلت الرقاب ذلّوا ، والإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها ، وقوله تعالى : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) قطع بأن الأمر فى العقائد موكول بأصحابها ، وكيف يصبح ما نكرهه وتخضع له الرقاب عقيدة تنشرح لها الصدور ، وتستنير بها العقول؟ وهو تعالى القائل : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (٩٩) (يونس) فالدين اختيار ، والإنسان حرّ أن يؤمن أو يكفر ، وعلى ذلك تترتب المسئولية ، وليس أشق على النفس من الانصياع لما نكره ، والإنسان الصحيح هو من يكره ما ينبغى أن يكره ، ويحب ما يتوجب عليه محبته.

والمقت : أشد البغض ، وكان زواج الابن من امرأة أبيه المتوفى ممقوتا ، وأطلقوا عليه زواج المقت ، لأنه بنى على الكراهية من المجتمع والناس ، ومن الابن الكاره أساسا لزوجة أبيه ، وألغى الإسلام هذا الزواج ونزلت فيه الآية : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً) (٢٢) (النساء) فذمه الله ذما بالغا متتابعا ، لقيامه على المصلحة الخالصة وعلى الكراهية غير المصرّح بها بين أفراد هذا النوع من الزواج ، واعتبره القرآن من الزنا ، وبغّض فيه المسلمين وحرّمه عليهم ، ووصفه بما يجعله من القبح فى الغاية ، وكان العرب رغم إقرارهم به يكرهونه ويتأففون ممن يفعله ، وأطلقوا لذلك اسم «الضّيزن» على الابن الذى يتزوج امرأة أبيه ، ويوازى فى المعنى اسم الزانى بامرأة أبيه ، وأعطوا الوليد من هذا الزواج اسم المقتىّ ، أى ولد الزنا بامرأة الأب.

ولأن المقت صفة نفسية ، فإن الله قد وصف به الأعمال النفسية التى تتنافى مع الآداب ، فقال تعالى (لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) (١٠) (غافر) وهؤلاء المقصودون بالآية هم الذى يتّبعون هواهم ، فلما زال عنهم تأثير نفوسهم وعلموا أنها التى أبقتهم فى المعاصى مقتوها ، ومقت النفوس أبشع المقت ، ويؤدى إلى اليأس والانتحار ، ومقت الله فى الآية هو غضبه.

٥٥٠

الآية هو غضبه.

والنفس اللّوامة من كثرة لومها لنفسها تنتهى بأن تمقت نفسها ، «وكاره نفسه» نمط من أنماط الناس فى الحياة ، ويقابل «نمط المحب لنفسه» الأنانى ، والمحب لغيره ، والفرق بين المحب لغيره وكاره نفسه ، أن الأول لا يعنى حبه لغيره أنه يكره نفسه ، وأما الثانى فبغضه للآخرين يتحوّل عنده حتما إلى بغض لنفسه ، ولا يوجد انسان يبغض نفسه ويحب غيره ، ونمط المنتحر من أنماط المبغض لنفسه ، ولو لا أنه مبغض لنفسه ما حاول الانتحار ، أو ما انتحر فعلا ، وفى الاكتئاب ـ يبغض المصاب به ـ نفسه والناس جميعا. ومقت الله له تصوير لتدنّى منزلته عند ربّه لمّا كفر به ، وللكافر الذى يمقت نفسه أن يتصوّر مقت الله له حينئذ.

والإكراه فى الشرع من شروطه : أن يكون من قادر بسلطان ، كاللص المسلّح ونحوه ، وأن يغلب على المكره الظن أن وعيد الآخرة سينزل به حتما إن لم يجبه إليه طلبه ؛ وأن يكون ما يهدده به مما يلحق به الضرر لو تحقق ، كالضرب الشديد ، أو القتل. وأما الشتم والسبّ فليس بإكراه ، وكذلك أخذ المال اليسير. وأما الضرب اليسير ، فإن كان فى حق من لا يبالى به فليس بإكراه ، وإن كان من ذوى المروءات فهو كالضرب الكثير فى حقّ غيره.

وإن أقرّ الرجل بحقّ ، ثمّ ادّعى أنه كان مكرها لم يقبل قوله إلا ببيّنة.

* * *

١٤٤٦ ـ من علامات المؤمن الطيّب من الأقوال

المؤمن له سماته النفسية ، والقول من هذه السمات ، وهو كالفعل ، ومن سمات المؤمنين كما يقول الله تعالى : (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ) (٢٤) (الحج) ، فلأنهم طيبون فكلامهم طيب ، وصراطهم هو الصراط المحمود ، أى الصراط الطيب ، فالطيبة سمة عامة لها مظاهرها فى السلوك والكلام ، ولا يكون المرء طيبا إلا إذا عمر قلبه بالإيمان ، وإلا فالقلب الفارغ لا يكون طيبا ، ولكنه بالقطع سيكون خبيثا ، فحتى لو كان محايدا ، فالحياد تفكير وسلوك سلبيان ، وكل ما هو سلبى فهو خبيث.

* * *

١٤٤٧ ـ عمى القلب

الأعمى من العمى ، ومنه العمى الوظيفى : وهو ذهاب البصر بالكلية ، ويقال له عمى العين ، كقوله تعالى (أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) (٢) (عبس) ، والمقصود به فى الآية عبد الله بن أم مكتوم ، وفيه نزلت أكثر من آية ، وعاتب الله رسوله بسببه ، ومن ذلك قوله : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) (٦١) (النور) فجعل الأعمى من أهل الأعذار ، واعتذر عنه إن قصر عن درجة

٥٥١

الأصحاء فى الأكل أو فى غيره ، وكانوا قبل الآية يتقذّرون الأعمى ويتجنّبون الأكل معه ، لجولان يده فى الطعام ، وظاهر الآية يدل على أن الحرج مرفوع عنه فى كل ما يضطره إليه العذر ، كالغزو ، وكل ما يتعلق بالتكليف الذى يشترط فيه البصر.

ومن العمى ما يسمى عمى القلب ، وهو عمى يتعلق بالإيمان ، وأعمى القلب يعمه فى الضلالة ، كقوله : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (٤٦) (الحج) فأثبت للمكذّبين إبصار العيون ، ونفى عنهم أن يدركوا الحق والاعتبار ، وجعل البصر الناظر للمنفعة ، وأما بصر القلب فهو البصر النافع حقا ، وقيل : إن لكل إنسان أربع أعين : عينان فى رأسه للدنيا ، وعينان فى قلبه للآخرة ، فإن عميت عينا رأسه ، وأبصرت عينا قلبه ، لم يضرّه عماه شيئا ؛ وإن أبصرت عينا رأسه ، وعميت عينا قلبه لم ينفعه نظره شيئا ، ويروى أن ابن أم مكتوم سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن كان سيبعث يوم القيامة أعمى كما هو فى الدنيا ، فنزلت الآية : (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) (٧٢) (الإسراء) ، و «هذه» المقصود بها الدنيا ، فمن يعمى عن الحق فى الدنيا فهو فى الآخرة أعمى ، كقوله : (قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) (١٢٦) (طه) ، فإنه لمّا اختار عمى القلب فى الدنيا ، جعله الله تعالى أعمى البصر فى الآخرة ، ومن يعمى عن دلالات الله فى وحدانيته وقدرته فى الدنيا ، يعاقب يوم القيامة بعمى البصر (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) (١٢٧) (طه) ، وأما من آمن فى الدنيا كحال ابن أم مكتوم ـ فهو بصير القلب فيها ، وبصير العينين والقلب فى الآخرة.

وإمامة الأعمى جائزة ، وكذلك أذانه ، وكان ابن ام مكتوم يؤذّن ويؤم النّاس ، وولّاه النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم على المدينة فى خروجه لغزوة من الغزوات ، والصلاة فى المسجد واجبة على الأعمى ، وقد أوجبها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ابن أم مكتوم. ويصحّ بيعه وشراؤه إن أمكنه معرفة المبيع بالذوق إن كان مطعوما ، أو بالشم إن كان مشموما ، وإن لم يمكنه ذلك جاز بيعه على أى الأحوال. ولا تجوز شهادته إلا إذا تيقن الصوت وعلم المشهود عليه يقينا ؛ فإن تحمل الشهادة على فعل ثم عمى ، جاز أن يشهد بما أبصر. ولا يجوز قتل الأعمى فى الحرب ، إلا إذا كان حاملا لسلاح ويقاتل مع المقاتلين ، وكانوا قديما يسقطون عنه الجزية ، ولم يكن عليه أن يتحمل شيئا من الدية عن عصبته.

* * *

١٤٤٨ ـ من سمات الكافر

٥٥٢

يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ) (٩) (الحج) ، والآية فى الذى يجادل فى الحق اجتهادا من عند نفسه ، ويتّبع هواه ، ومن أوصافه هذه السمة البارزة : إنه إذا تكلم أو أصغى يلوى عنقه ويميل بجانبه صدّا واستكبارا ، كقوله تعالى : (لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (٥) (المنافقون) ، أو كأنه لم يسمع ، كقوله : (وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها) (٧) (لقمان) ، أو أنه يعرض وينأى كقوله : (أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ) (٨٣) (الإسراء) ، ثم إنه فى النهاية ينصرف لحال سبيله وكأنه لم يحدث شىء ولم يقع أمر ، كقوله : (ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) (٣٣) (القيامة) ، فهذه سماته غالبا ، وكل من ليس على الحق له طرقه فى السلوك ، يسميها علماء النفس والطب النفسى mannerisms ، لا خلاص له منها إلا بالخلاص أولا من داء المعاندة والمكابرة.

* * *

١٤٤٩ ـ قلوب الكفار لها عشرة أوصاف فى القرآن

وصفها تعالى : بالختم ، وبالطبع ، والضيق ، والمرض ، والرّين ، والموت ، والقساوة ، والانصراف ، والحمية ، والإنكار. فهذه عشرة أوصاف ، ففي الإنكار : (قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ) (٢٢) (النحل) ؛ وفى الحمية : (فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ) (٢٦) (الفتح) ؛ وفى الانصراف : (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) (١٢٧) (التوبة) ؛ وفى القساوة : (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) (٢٢) (الزمر) ؛ وفى الموت : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) (١٢٢) (الأنعام) يعنى ميت القلب ؛ وفى الرّين : (رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ) (١٤) (المطففين) ؛ وفى المرض : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (١٠) (البقرة) ؛ وفى الضيق : (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً) (١٢٥) (الأنعام) ؛ وفى الطبع : (فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ) (٣) (المنافقون) ؛ وفى الختم : (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) (٧) (البقرة).

* * *

١٤٥٠ ـ الشكّ مرض القلوب

(الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) من اصطلاحات القرآن فى علم النفس ، وتتكرر فى القرآن عشر مرات ، ويأتى ترتيبهم بعد المنافقين ، يقول تعالى : (إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (٤٩) (الأنفال) ، ومرض القلوب هو الشك ، والمنافقون هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، وأما «الذين فى قلوبهم مرض» فهم دون المنافقين ، وفى قوله : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ) (١٠) (البقرة) نفهم أن الشك يورث الجحد والتكذيب ، والمرض عبارة مستعارة للفساد الذى فى عقائدهم ، والمعنى

٥٥٣

الشك يورث الجحد والتكذيب ، والمرض عبارة مستعارة للفساد الذى فى عقائدهم ، والمعنى أن قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد. والمرض كل ما خرج به الإنسان عن حدّ الصحة ، وأخطر الأمراض ما كان نفسيا ، والقلب المريض لا يعنى أن مرضه عضوى ولكنه نفسى ، فإذا اعتلت النفس لم تر الأمور كما هى وارتابت فيها ، فيزيد مرضها ، ويزيد الشك بها ، وهو الذى يقعد بصاحبه عن أى عمل ، فيضعف عن الانتصار ، ويعجز عن القدرة ، ويكله الله إلى نفسه ، فيجمع عليه هموم الدنيا فلا يتفرغ إلى الاهتمام بدينه. وعلل القلوب من اتّباع الهوى ، كما أن علل الجوارح من أمراض البدن.

* * *

١٤٥١ ـ القلب وفضله على الجوارح

تأتى مادة قلب فى القرآن ١٣٢ مرة ، ويوصف بصفات فيقال : القلب الغليظ ، والسليم ، والمنيب ، والذاكر ، والمختوم عليه ، والمخاصم اللدود ، والآثم ، والمؤمن ، والمريض ، والمهدى ، والمربوط عليه ، والمطمئن ، والمطبوع ، والمرعوب ، والكافر ، والذى لا يفقه ، والزائغ ، والمعتدى ، والمجرم ، والتّقى ، والعاقل ، والأعمى ، والمتقلّب ، وغير العالم ، وبالغ الحنجرة ، والمشمئز ، والكاظم ، والمقفل ، والساكن ، والرائف الرحيم ، والصاغى ، والقاسى ، والمتألّف ، والممحّص ، والخيّر ، والمتعمّد ، والمطهّر ، والمزيّن له ، والأغلف ، والمغلول ، والمشرب العجل ، والمحسور ، وغير المؤمن ، والمغيظ ، والمنافق ، والمصروف ، والمشدود عليه ، والمنكر ، والمكنون ، واللاهى ، والوجل ، والمخبوت ، والمغمور ، والمفزوع ، والليّن ، والجاهل ، والخاشع ، والمشتّت ، والطاهر ، والمريّن. فهذه ستون صفة للقلب ، وذلك دليل على فضل القلب على كل الجوارح. وهو للإنسان ولغير الإنسان ، وخالص كل شىء وأشرفه قلبه ، فهو موضع الفكر ، وأصله مصدر قلبت الشيء إذا رددته على بداءته ، ونقل اللفظ وسمى به العضو الذى هو أشرف الأعضاء ، لسرعة ما يرد إليه من الخواطر وترددها عليه ، كقول القائل :

ما سمى القلب إلا من تقلّبه

فاحذر على القلب من قلب وتحويل

وفى الحديث : «مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة» ، وفى الدعاء : «اللهم يا مثبّت القلوب ، ثبّت قلوبنا على طاعتك» ، وفى القرآن : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (٢٤) (الأنفال). ورغم أن الجوارح تابعة للقلب وهو رئيسها ، إلا أنه يتأثر بها للارتباط بين الظاهر والباطن ، وفى الحديث : «إن الرجل ليصدق فتنكت فى قلبه نكتة بيضاء. وإن الرجل ليكذب الكذبة فيسوّد قلبه» رواه الترمذى ، وسواد القلب هو الرّين فى

٥٥٤

قوله : (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٤) (المطففين) ، وفى الحديث : «إن فى الجسد مضغة ؛ إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهى القلب» أخرجه مسلم.

والقلب قد يعبّر عنه بالفؤاد ، وبالصدر ، كقوله : (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) (٣٢) (الفرقان) ، وقوله : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (١) (الشرح) ؛ وقد يعبّر به عن العقل ، كقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) (٣٧) (ق).

* * *

١٤٥٢ ـ لقرآن واللواط

اللواطSodomy هو فعل قوم لوط ، أخبرت بهم التوراة لأول مرة فى سفر التكوين ، الفصل الثامن عشر ، العبارات من ٢٠ حتى ٣٣ ، ثم فى الفصل التاسع عشر ، العبارات من ١ إلى ٢٠ ، وجاء تحريم اللواط فى سفر الأحبار ، الفصل الثانى عشر ، العبارة ٢٢ : «والذكر فلا تضاجعه مضاجعة النساء إنها رجاسة» ، ثم العبارة ٢٩ : «لأن من ارتكب هذه الرجاسات تقطع تلك النفوس المرتكبة من بين شعبها ...» يعنى حكمه العزل. وكان اللواط كما تحكى التوراة فى أهل سدوم وعمورة ، وتفشّى فيهم فأمطرهما الله كبريتا ونارا ، سماهما كما جاء فى القرآن رجزا من السماء ، وأحرقت المدينتان وجميع سكانهما بما كانوا يفسقون ، وما تزال آثار مساكنهم باقية فى فلسطين ، وحكى القرآن عن ذلك فقال : (وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (٨٤) (الأعراف) ، وقال : (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) (٨٣) (هود). وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أمر بقتل اللوطى والمأبون ، وفيما رواه ابن عباس أنه قال : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ، فاقتلوا الفاعل والمفعول به» ،

٥٥٥

قالها ثلاثا. غير أن ذلك لم يقل به القرآن حيث قال فى جزاء اللواط فى الذكور : أن يؤذى الفاعلان إلى أن يتركا هذه العادة الرذيلة ، وفى الإناث : أن تحبس النساء حتى يتزوجن أو ينتهى أجلهن ، قال : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً) (١٦) (النساء). ولوط فى آيات اللواط أرّخ له فقال إن قومه كانوا أول من فعل ذلك من العالمين ، وعرّفه : أنه إتيان الرجال شهوة من دون النساء ، ووصف ذلك باسم الإسراف الاخلاقى ، ونقيضهم أن لوطا وأهل بيته كانوا متطهرين ، فالمتطهر فى المصطلح القرآنى كالسوى فى المصطلح النفسانى. وشخّص لوط حالة المصابين باللواط بأنه ناتج عن اضطراب فى الشخصية ، والرشد عنده فى قوله (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) (٧٨) (هود) : هو سلامة الشخصية وخلوّها من الاضطرابات كأمثال اللواط. وفى سورة الأنبياء صنّف الله تعالى اللواط ضمن الخبائث ، وسمّى الممارسين له فاسقين (٧٤) ، وفى سورة النمل ردّ ذلك فيهم إلى الجهل ووصفهم بأنهم قوم يجهلون (٥٥) ، وفى سورة العنكبوت أطلق على ناديهم الذى يجتمعون فيه ويأتون ما يأتون اسم «النادى المنكر» (٢٩).

واللواط فى الطب النفسى يطلق عليه اسم الجنسية المثليةHomosexuality ، وهو من اضطرابات الشخصية ، ومن الانحرافات الجنسية الشائعة ، وعقوبته فى القرآن توردها الآية : (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً) (١٦) (النساء) ، والإيذاء على تفسير ابن عباس يكون بالشتم والضرب ، وقوله تعالى بعد الأذى : (فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا) أى إن أقلع الفاعل والمفعول به ، ونزعا عمّا كانا عليه ، وصلحت أعمالهما وحسنت : (فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) أى لا تعنفوهما بعد ذلك ، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له (إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً) ، فلا يعيّرهما أحد بما كانا يصنعان قبل التوبة.

واللواط يكون بين الذكر والذكر ، كما يكون بين الانثى والانثى homosexuality Female. والإنسان منذ أن يكون جنينا اثنينى الجنسية ، أى يجمع فى نفسه بين الميل إلى الذكور والميل الى الإناث ، وبه عضوا الذكورة والأنوثة معا ؛ وله من الهرمونات ما هو ذكرى وما هو أنثوى بنسب تختلف من فرد لآخر ، فإذا اكتمل الجنين انفرقت فيه الجنسية الذكرية عن الجنسية الأنثوية ، وغلب عليه إما الطابع الذكرى أو الطابع الأنثوى ، وتكون له اتجاهات وتفكير هذا أو ذاك ، إلا أن كل جنس يظل به شوق إلى الآخر ، وأن

٥٥٦

يتحد أو يكتمل فى وحدة اثنينية ، إلا اللوطى مثلىّ الجنسية ، فإنه يهفو إلى مثله وليس للجنس الآخر ، وينشأ ذلك الميل عن اضطرابات فى شخصيته أو فى تكوينه. وبعض الممارسين للواط تكون ممارستهم له بحكم الظروف كما هو الشأن مع المساجين والرهبان ، وبعضهم يجمع بين ممارسته وممارسة الجنسية الغيريةheterosexuality وهى الجنسية السوية. وبعضهم يكون به هذا الميل باعتباره فاعلا ، وبعضهم يأتيه باعتباره مفعولا به وهو المأبون. والجنسية عند الأول تسمى اللواطة ، وعند المأبون تسمى الإبانة. وقد تكون اللواطة والإبانة كامنتين أو مستورتين لا يدرى بهما اللوطى أو المأبون ، وقد تكونا ظاهرتين ومفضوحتين. وبعض المصابين بالجنسية المثلية يعانون من اضطرابات نفسية واضحة ، وبعضهم قد يبدو فى أكمل صحة نفسية ، والجنسى المثلى فى كل الأحوال إنسان مريض لا شك فى مرضه ، سواء فى توافقه أو فى تقديره لنفسه ، أو فى دفاعاته الشخصية. ولبعض هؤلاء مظهر الإناث الضعيف ، وبعضهم قد يبدو على فحولة واضحة ، ولا دخل للمظاهر البدنية فى الدور الجنسى الذى يفضله هذا أو ذاك ، ويذكر التاريخ من المشهورين من المصابين باللواط أصحاب الغزوات والفتوحات والجبروت والسلطان : نيرون ، ويوليوس قيصر ، والإسكندر الأكبر ، وفيليب المقدونى ، وإدوارد الثانى ملك انجلترا الذى كانوا يلقبونه عن جدارة الملك اللوطى.

واللوطى sodomite أوhomosexual أنانى ، ويكبت الكراهية للناس ، ويضمر لهم العداء ، ويشكو الاضطهاد ، وكثيرا ما تأتيه نوبات من الاكتئاب والقلق. وكان ابتلاؤه بالجنسية المثلية منذ الطفولة نتيجة تعيّن فاشل بأحد الأبوين ، فبدلا من أن يتعين الولد بأبيه فإنه يتعيّن بأمه ، وبدلا من أن تتعين البنت بأمها فإنها تتعين بأبيها ، وينشأ على ذلك حتى النضوج فيسعى لإشباع الجنس فيه إلى شريك من جنسه ، فالرجل ينجذب إلى الرجال ، والمرأة تنجذب إلى النساء. وللبيئة دور فى تأمين التربية والتنشئة السليمة للطفل منذ ولادته ، وللوراثة دور فى أن يكون إنجاب الطفل بلا عيوب خلقية أو خلقية. وعلاج الجنسية المثلية المعروفة باسم اللواط تجاوزا لا يختلف عن العلاج الذى وصفه ربّ العزة له فى سورة النساء الآيتين ١٥ و ١٦ ، وذلك شىء ينفرد به القرآن ، والأذى الموصوف فى القرآن يقابله بلغة العصر عن أهل الطب النفسى ما يسمى بالعلاج بالتنفير ، بالإشراط المنفر ، لإطفاء الاستجابات الجنسية المثلية غير المرغوب فيها وإنشاء استجابات بديلة غيرية الجنسية وهى الاستجابات المطلوبة. والعلاج القرآنى يتوافق مع العلاج الحديث ولا يتعارض معه البتة ، والقرآن لا يتناقض والعلم أبدا ، وكل قضية علمية وردت فى القرآن يثبتها العلم الحديث

٥٥٧

ويدلل عليها ، ونحن مطالبون بالأخذ بالعلم لما فيه من فوائد ومزايا ، ولأنه الدليل البرهانى على صدق قرآننا وأنه من لدن عزيز حكيم ، ولله الحمد والمنة.

* * *

١٤٥٣ ـ القرآن واللواط الأنثوى

اللواط الأنثوى Female homosexuality لم تذكره التوراة ، ولا الإنجيل ، وانفرد القرآن بالتحذير منه ، ووصمه بالفحش ، فيقول : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) (١٥) (النساء) ، فجعل ممارسة هذه الفاحشة عند النساء جماعية لأنها فى الغالب تتم جماعية ، بينما جعل اللواط الذكرى عند الذكور بين كل اثنين منهم فقال : (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) (النساء ١٦).

واللواط الأنثوى من اضطرابات السلوك الشاذ ، وينبئ عن علّة نفسية فى المرأتين اللتين تمارسانه ، وتقوم إحداهما بدور الذكر ، بينما الأخرى تقوم بدور الأنثى. والمرأة الذكر لها مواصفات الذكورة ، وتمتاز ببسطة فى الجسم ، وجرأة ، وفيها الكثير من العنف ، وصوتها كالرجال ، وتعلو المرأة الأخرى فى الفعل الجنسى ، وتنفق عليها من مالها ، وتدرأ عنها العدوان من الآخرين ، وتغار عليها ، بينما الأخرى لها سمت الإناث المستدق ، وسلوكها أنثوى يتسم بالسلبية ، وتنشد من زميلتها الرعاية والحماية والمحبة ، وتتلقى عنها وتأتمر بأمرها ، وتغار عليها إذا انصرفت عنها الى أخرى. وفى اللواط الأنثوى تفرك المرأة عورتها فى عورة الأخرى ، وتدعكها بها ، وتدعسها ، وتهيج بظرها ، وتداعبها أثناء ذلك ، باللعق والتقبيل والتحضين والتحنين حتى تمام بلوغ الهزة من كلتيهما. وقد تعاود اللوطية الذكر الفعل كالرجال وتنهك اللوطية الأنثى. ويطلق الأخصائيون على ممارساتهما اسم السحاق ، من السحق وهو الدقّ الشديد فى الفعل الجنسى. وبلغة الطب النفسى هو اللزبيانيةLesbianism ، نسبة الى جزيرة لزبوس الإغريقية ، وكانت فيها النساء من أتباع الشاعرة سافوSapho يمارسنه ، فيسمى السحاق أيضا باسم هذه الشاعرةSaphism.

وشرط القرآن فى المساحقة أن يشهد على المرأتين أربعة ، أنهما كانتا تمارسانه مع بعضهما ، وعلاج القرآن لذلك هو العزل فى البيوت ، وإبعاد المرأتين عن زميلات السوء ، والعزل أو الاستبعاد هو أقصى ما يقدمه القرآن منذ ألف وخمسمائة سنة ، واستنته التوراة كذلك (الأحبار ١٨ / ٢٩). ويوازى العزل الآن الإيداع فى مستشفى للعلاج. ويستمر هذا الإيداع إلى ما شاء الله ، إلى أن تشفى المرأة مما بها ، ويتغير سلوكها ، وتقبل الزواج ممن يرضى بها. والقرآن بالعزل يصادق على العلاج الطبى النفسى المعاصر ، ويؤيده ويسبقه ، وعلينا أن نبنى على هذه الآية بما نقترحه من أساليب العلاج ، وأن نطوّر هذه الأساليب

٥٥٨

باستمرار كلما منّ الله علينا بكشوف علمية ونظريات نفسية جديدة. والله المستعان ، وله الحمد والمنّة.

* * *

١٤٥٤ ـ إتيان المرأة فى دبرها لواط

نهى الله عن اللواط (الأعراف ٨٠ / ٨٤) ، وفى التعريف فإن اللواط هو أن يأتى الذكران الذكران فى الدّبر ، ومنه لواط آخر يأتى فيه الرجال النساء فى الدبر ؛ وهذا اللواط كان جماعة من المهاجرين أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يمارسونه ، ولم يكن يفعله الأنصار ، فقد كان اليهود يسكنون إلى جوارهم ، وفى التوراة اللواط بصنوفه حرام ، وكذلك فى الإسلام وفى النصرانية ، واستهجن الأنصار لواط هذا النفر من المهاجرين ، قال ابن عباس فيما أخرج الحاكم والبيهقى وأبو داود : كان الأنصار يساكنون اليهود ويرون لهم فضلا عليهم فى العلم ، ويقتدون بكثير من فعلهم ، وكان من أمر اليهود ألّا يأتوا النساء إلّا على حرف ـ يعنى على جنوبهن ، فكان الأنصار يفعلون مثلهم ، بينما كان المهاجرون يشرحون النساء شرحا منكرا ، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، وحدث أن تزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار ، فذهب يصنع بها ذلك ، فأنكرته عليه وقالت : إنما كنا نؤتى على حرف ، فاصنع ذلك وإلا فاجتنبنى ، حتى شرى أمرها ـ أى عظم واشتد ، فبلغ ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزل قوله تعالى : (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (البقرة ٢٢٣).

وقالت أم سلمة زوجة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما أخرج أحمد والبيهقى : لمّا قدم المهاجرون المدينة على الأنصار تزوّجوا من نسائهم ، وكان المهاجرون يحبون نساءهم ـ من التحبية وهى أن تضع المرأة يديها على الأرض وتنكبّ على وجهها وتقوم على ركبتيها. وكان الأنصار لا يحبون ، فأراد رجل من المهاجرين امرأته على ذلك ، فأبت عليه حتى تسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأتته ، فاستحت أن تسأله ، فسألت أم سلمة ، فنزلت الآية : (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) ، والحرث فى قوله (حَرْثٌ لَكُمْ) هو موضع الولد ، وقوله (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أى كيف شئتم مقبلة ، أو مدبرة ، فى صمام واحد ، فعن جابر قال : كان اليهود تقول : إذا جامع الرجل امرأته من ورائها جاء الولد أحول ، فنزلت : (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) ، وعن جابر أيضا : أن اليهود قالوا للمسلمين : من أتى امرأة وهى مدبرة ، جاء الولد أحول فأنزل الله الآية ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك فى الفرج» ، وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «تأتيها على كل حال إذا

٥٥٩

كان فى الفرج». وعن عبد الله بن سابط دخل على عمّته حفصة بنت عبد الرحمن بن أبى بكر وسألها فى استحياء عن إتيان النساء فى أدبارهن فقال : حدثتنى أم سلمة ان الأنصار كانوا يحبون النساء ، وكانت اليهود تقول : إنه من أحبى امرأته كان ولده أحول ، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا نساء الأنصار ، فأحبوهن ، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت : لن تفعل ذلك حتى آتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك فقالت : اجلسى حتى يأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فلما جاء استحت الأنصارية ، فخرجت ، فسألته أم سلمة ، فقال : ادعى الأنصارية ، فدعتها ، فتلا عليها هذه الآية : (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) وقال : «صماما واحدا» ـ يعنى فى مكان واحد هو الفرج. وعن ابن عباس أن رجلا جاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله هلكت! قال ««ما الذى أهلكك؟» قال : حوّلت رحلى البارحة ـ يعنى أنه لم يأت امرأته فى قبلها ، فلم يردّ عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأوحى الله إليه هذه الآية : (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) ، وقال له : «أقبل وأدبر ، واتق الدبر والحيضة» رواه أحمد. وعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «استحوا إن الله لا يستحى من الحق : لا يحل أن تأتوا النساء فى حشوشهن» ، وفى رواية أخرى قال : «لا تأتوا النساء فى أعجازهن» ، وشرحه ابن عباس : يعنى والمرأة قائمة ، وقاعدة ، ومقبلة ومدبرة ، فى قبلها ـ أو فى أقبالهن ـ ولا تعدوا ذلك الى غيره». وعن أبى جويرة قال : سأل رجل عليا عن إتيان المرأة فى دبرها فقال : سفلت سفل الله بك! ألم تسمع قول الله عزوجل : (أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) (الأعراف ٨٠). وسئل ابن عمر : ما تقول فى الجوارى : أيحمّض لهن؟ قال : ما التحميض؟ فذكر الدبر ، فقال : وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟!! وهو قول حقّ أى أخى المسلم وأختى المسلمة ، ولمّا سئل مالك بن أنس : ما تقول فى إتيان النساء من أدبارهن؟ قال : ما أنتم إلا قوم عرب! هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟! لا تعدوا الفرج!

* * *

١٤٥٥ ـ القرآن يعزر المتشبّه والمتخنث بالإخراج والنفى

التشبّه والتخنث : من الانحرافات الجنسية ، وشأنهما شأن اللواط والسحاق ، وفى الصحيح عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء ، والمتشبّهات من النساء بالرجال» ، وعند أبى داود برواية أبى هريرة قال : «لعن الله الرجل يلبس لبسة المرأة ، والمرأة تلبس لبسة الرجل» ، وعن ابن عباس فيما أخرج البخارى قال : «لعن الله المخنّث من الرجال ، والمترجّلة من النساء» ، وعن ابن عمرو بإخراج أحمد قال : «ليس منا من تشبّه

٥٦٠

بالرجال من النساء ، ولا من تشبّه بالنساء من الرجال». والتشبّه : هو أن يتخذ الرجل هيئة النساء ، أو أن تتخذ المرأة هيئة الرجال ، ويغلب ذلك على اللباس. واللذة المتحصّلة للمتشبه أو المتشبهة تتأتّى عن توهّمه أنه من الجنس الآخر. وقد يتخنّث المتشبّه إلا أن التشبّه بخلاف التخنّث ، وغالبا ما يتشبّه المتشبّه دون أن يتخنّث. ومعنى التخنّث : أن يتوهّم المخنث أنه من الجنس الآخر ، فيسلك على أنه كذلك ، ويتسمى باسم من الأسماء التى لأفراد الجنس الآخر ، ويطلب أن يتحوّل نهائيا إلى الجنس الآخر ، بالعقاقير أو بالجراحة ، أو بالاثنين معا. وليس شرطا أن يرتدى المتخنّث ملابس الجنس الآخر ، وأما فى التشبّه فالمتشبّه لا يفعل سوى أن يرتدى ملابس الجنس الآخر ، فإن كان ذكرا فإنه لا يستثار إلا إذا وضع على جسمه ثيابا تخصّ النساء ، فعندئذ يمكن أن ينتصب ويضاجع النساء ، ولذلك كان أكثر المتشبهين متزوجين. والزوجة التى تقبل أن يفعل زوجها ذلك لا بد أن تكون لها ميول جنسية مثلية ، طالما أنها ترضى أن يكون المضاجع لها له هيئة النساء ، ويؤثر أن يأتيها بإحساس أنه امرأة وأنها ذكر. ومن ناحية أخرى فقد تكون للمتشبّه طبيعة جنسية مزدوجة ، إذ يغلب عليه التشبّه فى مرحلة المراهقة بالذات ، والمراهق المتشبه ربما يرضيه أن يمارس العادة السريّة فيكون ذكرا فى الممارسة وأنثى فى المشاركة فى هذه الممارسة ، ويقوم بالدورين الذكرى والأنثوى معا ، وهو ما يسمى الازدواجية الجنسية. ولا شك أن للتربية والتعيّن بأحد الوالدين من الجنس الآخر دورهما الكبير فى الانحراف إلى التشبّه الذى لعنه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واللعن هو إبداء للسخط وعدم الرضا ، وهو نهىّ عن ذلك ، وتنبيه للآباء أن يكونوا أكثر حذرا فى معاملاتهم مع أطفالهم. والتشبه فى المجتمعات الأوروبية ظاهرة واضحة ، وفى الإحصاءات أنه من بين كل مائة من الإناث هناك ٢٦ متشبّهة ، ومن بين كل مائة من الذكور هناك ١١ متشبها. ولا توجد إحصاءات من ذلك فى بلاد الإسلام ، وإن كان الملاحظ أن التشبه أكثر بين الإناث منه بين الذكور ، ويكاد ينعدم عند الطبقات الفقيرة والتى تشكو الأمية ، ويكثر عند الطبقات المترفة ، وبين تلاميذ المدارس الأجنبية الذين يتلقون تربية أوروبية. وفى مصر لوحظ أن التشبه بالذكور أكثر بين البنات المسلمات فى المدارس الأمريكية ، بينما التشبه بالإناث أكثر بين تلاميذ المدارس الفرنسية. ويتمشى بروز ظاهرة التشبه فى المدارس الأجنبية فى مصر مع إهمال المسلمين للتربية الدينية ، وترك الآباء للفرائض ، وإقبالهم على تقليد الحضارة الغربية. وكلما زاد الغزو الحضارى الغربى للبلاد الإسلامية زاد ظهور أمراض وعلل هذه الحضارة فى المجتمعات الموسرة للمسلمين ، وبين أولاد وبنات أصحاب السلطة والمتبوءين للمناصب العليا. والمسلم الذكى هو الذى

٥٦١

يأخذ من الحضارة الغربية ما يتفق وحاجات أمّته ، وينبذ ما سوى ذلك مما يلحق به وبأولاده وبناته الضرر وهم من شباب أمة الإسلام ، والمعوّل عليهم أكثر من غيرهم فى إعادة بناء الدولة الإسلامية البناء الصحيح القائم على العلم الخالص وسلامة الاعتقاد. وعن أم المؤمنين أم سلمة : أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى عن دخول المتشبّهين بيوت المسلمين. وروى المستغفرى عن ابن المنكدر أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اشتد غضب الله على قوم رغبوا عن خلق الله وتشبّهوا بالنساء» ونحن بدورنا ننهى عن دخول المتشبهين مدارس المسلمين.

وخطورة دخول المتشبّه او المتشبهة بيوت المسلمين أن يقلّده أو يقلّدها الأولاد والبنات ، وكانت المتشبهات والمتشبهون ممنوعين من دخول بيوت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبيوت أصحابه. وفى الحديث أيضا أن المخنثين كانوا ممنوعين ضمنا. والمخنث أو المتخنث هو الذى يتكلف سلوك النساء ، ويشبه خلقه النساء فى حركاته وكلامه وغير ذلك ، وأخرج أبو داود عن أبى هريرة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أتى بمخنث قد خضّب يديه ورجليه ، فقيل له : يا رسول الله! إن هذا يتشبّه بالنساء ، فنفاه الى النقيع ، فقيل ألا تقتله؟ فقال : «إنى نهيت عن قتل المصلّين» ، ويستفاد من ذلك أن التشبه والتخنث لا عقوبة عليهما طالما لم تعرف عمّن يأتيها فاحشة ، ويتوجب إبعادهما عن مجتمعات المسلمين حتى لا يكونا مثلين يقتدى بهما الشباب.

* * *

١٤٥٦ ـ إتيان البهائم ليس زنا

إتيان البهائم bestiality شذوذ جنسى لم يرد صراحة فى القرآن ، لكن الفقهاء تناولوه ضمن ما تناولوه من شذوذ قوم لوط وهو المسمى اللواط ، وشذوذ التشبّه والتخنث وإتيان النساء فى الدبر ، وإتيان الصبية ، وقالوا عن إتيان البهائم : إن الذى يأتى البهيمة مثلا ، أو التى تأتى ذكرا من البهائم ، يقتل والبهيمة ، وتعللوا بحديث وضعوه : «من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه» ، والأسخف قولهم إن البهيمة تقتل حتى لا تحمل وتلد مخلوقا مشوها! وهذا مستحيل طبعا لأن كروموسومات الإنسان لا تجانس كروموسومات الحيوان فلا يمكن أن يتلاقحا. والبعض ممن اعتبر غشيان البهائم زنا قال بالجلد مائة ، أحصن أو لم يحصن ، والصحيح أن هذا الفعل من الشذوذ لا عقاب بدنى عليه ، فلا هو يقتل ولا يجلد ، ولا تقتل البهيمة ، لأنه وطء فى غير محل الوطء ، ولا يتعلق به إحلال ، ولا إحصان ، ولا حدّ.

* * *

٥٦٢

١٤٥٧ ـ اللوم والنفس اللوامة

هى نفس المؤمن الذى لا تراه إلا يلومها ويعاتبها ، وتلومه بدورها ، على ما فات ، وما ارتكب ، وتلوم نفسها على ما فعلت من شرّ ، وما لم يستكثر من الخير ، وتلوم غيرها على ما تلومه به نفسها. واللوّامة إذن هى اللائمة ، وفى قوله تعالى : (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (٢) (القيامة) : اللوّامة صفة مدح يستساغ القسم بها. وقيل هى صفة ذم ، لأن التى لا يقسم بها هى نفس الكافر الدائم اللوم لنفسه ، يتحسّر فى الآخرة على ما فرّط فى جنب الله. وقيل ليس من نفس محسنة أو مسيئة إلا وهى تلوم نفسها ، فالمحسن يلوم نفسه لو كان ازداد إحسانا ، والمسيء يلوم نفسه ألّا يكون ارعوى عن إساءاته. والنفس اللوامة تقابل فى الطب النفسى الأنا الأعلى Super ego. واللوم دافع عدوانى قد يتجه نحو الآخرين أو نحو الذات ، وتكوين النفس اللوامة ، أو الأنا الأعلى ، أو الضمير ، يرجع الى نوع التربية التى كان عليها الطفل منذ صغره. ودور النفس اللوامة هو نفس دور الأب أو المربّى ، وتتشكل هذه النفس بحسب استدخالات واستدماجات الطفولة. وبعض الناس يشكون من شدة وقسوة النفس اللوامة معهم ، وعلاجها يكون بإجراء تعديلات فى بنائها النفسى بحيث تتعلم التسامح والنظر الى الأمور بواقعية. وتجنب اللوم avoidance Blame آلية نفسية للتقليل من لوم الشخص لنفسه وذلك بنقل اللوم إلى آخرين. والخوف من اللوم قد ينكص بالشخص الى سلوك لا يناسب عمره الزمنى ، وفى الآية : (وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) (٥٤) (المائدة) فإن عدم الخوف من اللوم علامة ثقة نفسية. ومليم فى الآية : (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) (١٤٢) (الصافات) تعنى ملوما ، والملوم مقابل الملام. والتلاوم هو تكلّف اللوم. واللائمة هى اللوم أيضا ولكنها مؤنثة ، تقول استحق اللائمة ، يعنى استحق أن يلام. واللوّام الكثير اللوم. واللوم بخلاف العتاب : وهو الإنكار على بعض فعل الآخرين ؛ والفرق بين اللوم والعتاب ، أن اللوم اتهام للآخرين ، وأما العتاب فهو لوم بأدب وليس فيه عنف اللوم. وفى الآية : (فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) (٢٩) (الإسراء) ، والآية : (فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) (٣٩) (الإسراء) أن اللوم يستحدث مشاعر حسرة واندحار فى النفس ، فيها اتّهام للذات وتقليل من شأن النفس.

* * *

١٤٥٨ ـ نزغ الشيطان

فى قوله تعالى : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٠٠) (الأعراف) ، النزغ : هو الطعن ، يكون نفسيا ، تقول : نزغ الشيطان بينهم ، يعنى أغرى

٥٦٣

بعضهم ببعض ، ونزغه الشيطان إلى المعاصى ، يعنى حثّه ، فالنزغ نفسى ، وهو كالوسوسة ، والاستعاذة بالله تنجى من النزغ أيا كان مصدره ، فلما كان نزغ النفس يقدر الإنسان عليه ، فإن نزغ الشيطان لا بد فيه من عون الله. وفى الرواية أن السلف قال لتلميذه : ما تصنع بالشيطان إذا سوّل لك الخطايا؟ قال : أجاهده. قال : فإن عاد؟ قال : أجاهده. قال : فإن عاد؟ قال : أجاهده. قال : هذا يطول! أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ، ومنعك من العبور ، ما تصنع؟ قال : أكابده وأردّه جهدى. قال : هذا يطول عليك ، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفّه عنك ـ يعنى استعذ بالله واستنجد به يعنك.

* * *

١٤٥٩ ـ الطائف من الشيطان يمسّ النفس

الطائف فى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ) (٢٠١) (الأعراف) ، هو ما يتخيّل فى القلب أو يرى فى النوم ، والمعنى : أن الذين اتقوا المعاصى ، إذا لحقهم شىء تفكّروا فى قدرة الله وفى إنعامه عليهم فتركوا المعصية. والطيف والطائف بمعنى واحد ، قيل هو ، التخيّل ، وما تتخيله قد يظل فى النفس ، أو تخرجه فيكون الشيطان ويسمى طائفا ، اسم فاعل من طاف يطيف ، فكأن الطائف الذى يطوف بالنفس إما أن يكون نفسانى ويحبس داخلها ، أو يكون شيطانى ويخرج عن إطارها. والطائف يكون أيضا ملاكا ، كقوله : (فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ) (١٩) (القلم) ، مثلما نقول لمة النفس ، ولمة الشيطان ، ولمة الملك ، واللّمة : هى التى تلم بصاحبها. والجنون ، والغضب ، والوسوسة ، جميعها تسمى طيفا ، لأنها لمة وتشبّه بلمّة الخيال.

* * *

١٤٦٠ ـ المس من الشيطان

تذكر الآية فى المرابين أنهم : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ) (٢٧٥) (البقرة) ، والشيطان لا يتخبّط أحدا من المس ، كقوله تعالى : (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) (٤٢) (الحجر) وإنما هو مثل مما يعرفه الناس ، ولا يعنى أن ذلك حقيقة علمية ، فالشيطان جنس ، والإنسان جنس آخر ، ولا تماس بينهما ، والممسوس فى الطب الشعبى هو ـ علميا ـ المريض المصاب بالهستيريا ، ولكن العامة ترد ذلك الى فعل الشيطان ، وكل إنسان له شيطان يوسوس إليه أن يحيد عن الصواب ، وذلك هو نزغ الشيطان ، ولكنه لا يجبر أحدا على شىء ، وليس بوسعه ذلك. والأمراض أسبابها نفسية بدنية وليس من أسبابها مسّ الشيطان.

* * *

٥٦٤

١٤٦١ ـ إخوان الشياطين

يقول تعالى : (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ) (٢٠٢) (الأعراف) ، والمقصود إخوان الشياطين ، كقوله تعالى : (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) (٢٧) (الإسراء) ، والتبذير غىّ ، والغىّ عموما هو الشرّ والضلال ، وإخوان الشياطين هم أولياؤهم كقوله : (وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ) (١٢١) (الأنعام) ، وقوله : (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ) (١٩) (المجادلة). ومعنى «يمدّونهم فى الغىّ» : يزيدونهم فيه ، ومعنى «ولا يقصرون» : لا يتوبون ولا يرجعون ، والمعنى : أن المؤمن إذا مسّه طيف من الشيطان تنبّه عن قرب ، فأما المشركون فيمدّهم الشيطان ولا يقصر عنهم ولا يرحمهم ، والإقصار : هو الانتهاء عن الشيء.

* * *

وينتهى بحمد الله ومنّته الباب الثالث عشر ، ويبدأ إن شاء الله

الباب الرابع عشر ، بعنوان «القرآن والفنون والصنائع والآداب والأخلاق».

* * *

٥٦٥
٥٦٦

الباب الرابع عشر

القرآن والفنون والصنائع والآداب والأخلاق

* * *

أولا : الآداب والفنون والصنائع

* * *

١٤٦١ ـ نحو نظرية للجمال فى القرآن

قال تعالى : (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) (٧) (السجدة) ، يعنى أنه تعالى أحكم خلق كل شىء ، وجاء به وفق إرادته لم يحد عنها ، فكان خلقه حسنا ، ويدل على الخالق الذى هو الله ، وأنه بالهيئة التى خلقه عليها كان على أحسن ما يكون ، وهو أحسن من جهة ما هو لمقاصده التى أريد لها ، لأنه متناسب مع بعضه البعض شكلا كما تقول نظريات الجمال الشكلى ، باعتبار أن الجمال هو ميزة الشيء الجميل ككل ، وهو خاصة صورية كما وصفها أرسطو ، وقال إنها الوحدة التى يتبدّى عليها الشيء الجميل على كثرة ما يحتويه من تفاصيل وعناصر ، فرغم أنها وحدة إلا أنها تجمع فى داخلها كل ضروب التنوّع والاختلاف ، ألّفت بينها هذه الوحدة فى كلّ منسجم ، والجمال إذن هو هذا الانسجام الحاصل والمتبدّى فى وحدتها ككل. وأما نظرية الجمال عند أفلاطون فإنها تقول بأن خاصة الجمال ليست خاصة صورية ولكنها ما وهبه الله للمخلوقات ونفخ فيها من روحه ، ومن ثم فالشىء الجميل هو الذى يشعّ بالحياة ، والوجه الحىّ يكون مشرقا ، والوجه الميت يكون منطفئا ، ونحن نصف المشرق بالجمال وأما الميت فلا نصفه بشيء. وأما نظرية الجمال فى القرآن فإنها تدخل القبح كنقيض للجمال ضمن التذوق الجمالى ، والجميل هو المعبّر وإن كان قبيحا ، طالما أنه قد أحسن التعبير عما قصد إليه ، والقبح قيمة جمالية ، وإن كانت سالبة مثلما الجمال قيمة جمالية موجبة. والجمال والقبح قطبا قيمة واحدة ، كالصواب والخطأ فى الأخلاق ، والحق والباطل فى المعرفة. وفى النظرية اليهودية ومن ثم المسيحية ، فإن القبح فى الوجود نقص فى الشكل عن الشكل الواجب للنوع ككل. وليس كذلك الأمر فى القرآن ، فالجميل له موضعه ، والقبيح له أيضا موضعه ، وكلاهما مطلوبان. فالقرد مثلا ليس حسن المنظر ، ولكنه متقن محكم. ولو أننا تصورنا أن للفيل مثل رأس الجمل ، وأن للأرنب مثل رأس الأسد ، وأن للإنسان مثل رأس الحمار ، فبحسب نظريات أرسطو وأفلاطون ، والنظرية اليهودية أو اليهودية النصرانية ، يكون ذلك تشويها فى خلقة أىّ من هذه المخلوقات ، ولا ينسجم معها ، ولا يناسبها. وأما بحسب القرآن ، فإن طول عنق

٥٦٧

الجمل ، والشق فى شفته ، إنما ليسهلا عليه تناول الكلأ أثناء السير ، وكذلك الفيل ، فلو لا خرطومه الطويل لما استطاع أن يبرك بجسمه الكبير كى يتمكن أن يتناول طعامه ، فالخرطوم يقوم له بذلك دون أن يبرك ، وذلك هو صنع الله ومن أحسن من الله صنعا ، ومن أتقن منه وهو يصنع ويخلق ويبدع؟ وعند ما نتأمل الثعبان وهو يزحف ، ويثير قشعريرة الخوف فى الإنسان والحيوان ، فإننا دون الحيوان لا يسعنا مع شدة الخوف إلا أن نعجب لإحكام خلق الله له ، وهذا الإحكام هو ما اصطلح عليه المسلمون بأنه الجمال ، وهو الذى يثيرنا أن نهتف حال مشاهدته وإدراك عظمته : (فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) (١٤) (المؤمنون) ، وما يبدعه أحسن من الحسن ، وهو الأجمل ، وهو تعالى خالق الجمال. وفى الآية : (وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (٦) (النحل) : أن الجمال ما يتجمّل به ويتزيّن ، فهو النافع اقتصاديا ، وله أيضا وظيفة التزيّن والتجمّل ؛ تقول جمل الرجل جمالا فهو جميل ، والمرأة جميلة ، وجملاء أيضا. والجمال فى الأنعام ، كما هو فى الطير والحيوان والشجر والزروع والجماد والطبيعة ، وهو فى الصورة وتركيب الخلقة ، ويكون فى الأخلاق الباطنة وفى الأفعال. فأما جمال الخلقة : فيدركه البصر ويلقيه إلى القلب متلائما ، فتتعلق به النفس من غير معرفة. وأما جمال الأخلاق ؛ فكونها على الصفات المحمودة من العلم ، والحكمة ، والعدل ، والعفة ، وكظم الغيظ ، وإرادة الخير. وجمال الأفعال هو وجودها ملائمة لمصالح الخلق ، وقاضية لجلب المنافع فيهم ، وصرف الشرّ عنهم. والجمال فى الصياغة عموما ، وفى نسب الألوان ، واتساق الأشكال والخطوط ، وانسجام الإيقاعات والأنغام إلى بعضها البعض ، وتنظر بالعين ، وينصت إليها بالأذن ، وتلمس باليد ، وتوافق الحسّ والطبع والفهم.

* * *

١٤٦٢ ـ الله جميل يحب الجمال

فى الحديث : «إنّ الله جميل يحب الجمال» ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتحرّى الجمال فى كل شىء : فى القول الحسن ، والعبارة البديعة ، والشّعر الداعى للخلق ، والمشية المهذبة ، والنظرة الوقور ، والأفعال الحميدة. وحسن الهيئة عنده من حسن المخبر. والمسلمون على التجمّل بالمعنويات كتجمّلهم بالماديات ، وتجمّلهم أكثر فى الأعياد وأيام الجمع ، وفى الزيارات ولقاء الناس ، ومن أقوال أبى العالية : كان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا. وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسافر بالمشط ، والمرآة ، وزيت الشعر ، والسواك ، وما يصلح عينيه كالكحل ، وعن أنس أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يضع زيت الشعر على رأسه ويسرّح لحيته بالماء ، وكانت له مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا فى كل عين. والجمال مطلوب حتى فى البهيمة ، وفى الأسماء ، وفى كل منتج من صنعة ، وفى كل شىء.

* * *

٥٦٨

١٤٦٣ ـ لا سرف ولا مخيلة

يلخّص الحديث : «كلوا واشربوا والبسوا وتصّدقوا فى غير إسراف ولا مخيلة ، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» فلسفة الإسلام فى الزينة واللباس والطعام والشراب ، والإسراف : مجاوزة الحد فى كل فعل وقول ، كقوله تعالى : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) (٥٣) (الزمر) ، على أن الإسراف فى الإنفاق أشهر. والمخيلة : هى الخيلاء والتكبّر ، والإسراف قد يستلزم المخيلة. والحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان لنفسه ، وتدبير مصالح النفس والجسد فى الدنيا والآخرة ، فإن السرف فى كل شىء يضر بالجسد ، ويضر بالمعيشة ، فيؤدى إلى الإتلاف ، ويضر بالنفس إذا كانت تابعة للجسد فى أكثر الأحوال والمخيلة تضر بالنفس فتكسبها العجب وهو إثم ، والمقت من الناس. وفى الحديث : «كل ما شئت ، واشرب ما شئت ، ما أخطأتك اثنتان : سرف أو مخيلة». ومجمل الإسلام فى أمور الطعام والشراب واللباس والزينة : التنعّم بطيّبات الله. ومن قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه ، يستحضرها ، ويشكر عليها ، ولا يحتقر من ليس له مثلها ، لا يضره ما لبس وشرب وتزيّن من المباحات. ولمّا قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى ذلك : «لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر» ، قال أحدهم : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق ، وغمط الناس» ، وغمطهم يعنى احتقارهم. ولمّا رأى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أحدهم رثّ الثياب قال له : «إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك» ، أى يلبس ثيابا تليق ، مع مراعاة القصد وترك الإسراف.

* * *

١٤٦٤ ـ جماليات الزينة والتزيّن

الزينة : على قسمين ، خلقية ومكتسبة ، فالخلقية : ما كانت فى الفطرة والخلقة ، فريش الطاوس زينة وهو مخلوق به ، وكذلك عرف الديك ، ولبدة الأسد ، والمكتسبة : كتزيّن المرأة والرجل ليكونا على صورة أبهى وأجمل ، كما فى قوله تعالى : (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) (القصص ٧٩) ، وقوله : (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ) (٢٤) (يونس) وزخرف الأرض وزينتها مكتسبتان بما يهيئه الإنسان لها من هندسة معمارية ، وإصلاحات وتحسينات ، وما يضفيه عليها من زخارف وزينات. والزينة هى الأبهة تصنعها الأموال ، كقوله تعالى : (إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) (٨٨) (يونس) ، وقوله : (أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ) (الحديد). ومن الزينة الملبس الحسن والثياب الرفيعة ، كقوله تعالى : (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (٣١) (الأعراف) ، أى تزيّنوا وارتدوا

٥٦٩

أحسن ما عندكم من ثياب ، ومشّطوا رءوسكم ، والبسوا النعال ، وليكن المؤمن فى أبهى صورة ، وليكن شامة بين الناس ، كقوله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) (٣٢) (الأعراف). وكان اليهود والنصارى يحرّمون ما لم يحرّم الله ، فقال عمر : «إذا وسّع الله عليكم فأوسعوا». وطيبات الرزق : هى أطايب الأطعمة ، وهى زينة وجمال ، وكان علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب يلبس الكساء الغالى فى الصيف ، فيجىء الشتاء فيتصدّق به ، وكان يقول : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ) (٣٢) (الأعراف) ، ومعنى الزينة عند ابن حنبل لا ينصرف إلى الغالى من الثياب ، فالرخيص يمكن أيضا أن يكون زينة : (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) (٢٦) (الأعراف) ، وقيل : ولما ذا لا يكون معنى لباس التقوى هو هذا اللباس الجميل ، فالمهم الإنسان داخل اللباس ، فإذا كان جميلا فى خلقه وخلقه ، فلما ذا لا يجعل ثيابه جميلة مثله ، والخطاب يعرف بعنوانه ، وتجويد اللباس أمرنا به ، وأمرنا أن تكون أفعالنا لله وللخلق ، وكل إنسان يجب أن يرى جميلا ، ولا يلام عليه إن فعل ، فهذّب شعره ، ونظر فى المرآة ، وسوّى هندامه ، ولمّع حذاءه ، وغسل وجهه ، وطامن من مشيته وكلامه ، ورآه الناس جميلا. والتزيّن ليس فيه ما يكره أو يذم. والمرأة زينتها مكتسبة منذ بداية التاريخ ، وفى فطرتها أن تتزين وتتجمّل ، وتختلف زينتها باختلاف العصور والثقافات والأمصار والقدرات المالية ، وعموما فإنه منذ القدم فالقرط عند المرأة الفقيرة والغنية مكانه الأذنان ، والعقد مكانه الصدر ، والخلخال مكانه الساقان. وتهتم النساء كثيرا بملابسهن ، غير أنهن يملن إلى تعرية أطرافهن والاستعراض بأجسامهن. ومن زينة المرأة الكحل والخضاب. ومن الزينة ظاهر وباطن ، وما ظهر مباح لكل الناس من المحارم والأجانب إلا أن تظهر المرأة ما هو باطن ، فما بطن لا يحل إبداؤه ، وليس من الحكمة إبداؤه ، ولم تزدد حوادث الاغتصاب إلا بسبب إبداء ما هو باطن. والسوار من الزينة الظاهرة لأنها فى اليدين. والزينة فى الرجال لا تقل عنها فى النساء ، وعن عائشة : أن نفرا كانوا ينتظرون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الباب ، فخرج يريدهم ، وكانت فى الدار ركوة فيها ماء ، فجعل ينظر فى الماء ويسوى لحيته وشعره ، فسألته : أأنت تفعل هذا؟ قال : «نعم ، إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيّئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال». والخيل والبغال والحمير زينة عند الركوب ، وكذلك المنازل والأثاث ، وعرفت الزينة خطوط الكتابة ، وزخارف المساجد ، وفن الأرابيسك من مآثر فلسفة القرآن فى الجمال.

* * *

١٤٦٥ ـ الشّعر وحلقه ونتفه ووصله

الشعر زينة لم يحرّمها الله تعالى ، قال : (وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى

٥٧٠

حِينٍ) (٨٠) (النحل) والزينة أمر بها الله تعالى عند المساجد فقال : (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (٣١) (الأعراف) ، وزينة الشعر عند المساجد وغيرها توفيره وترجيله وإكرامه. وكانت عائشة ترجّل شعره صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان يضع عليه الدهن. وشعر المرأة من آيات حسنها ، وأمرت ألا تظهره إلا لزوجها ، وجعل له الخمار فى قوله تعالى : (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَ) (٣١) (النور) ، والخمار جمع خمر ، وهو ما تغطى بها النساء شعورهن. وفى الغسل يفيض الرجل على شعره ثلاثا ، وتنفض المرأة شعرها لتروى أصوله ، ويستحب نقضه من الحيض والجنابة على السواء. ولا يجوز لها وصله بشعر آخر تدليسا ، إلا أن يكون لمصلحة تحسين شكلها لزوجها من غير مضرة. وقد لعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الواصلة والمستوصلة. ويكره حلق شعر المرأة ، وتقصيره للرجل أفضل ، ويكره حفّ الوجه ونتف شعره للرجال والنساء تزيّنا لا تجمّلا ، وقد لعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم النامصة والمتنمّصة ، وهى التى تنتف شعر وجهها للتبرّج ، أو التى عملها نتف الشعر للنساء وتحفيفهن ، إلا أن يكون ذلك لصالح أن يراها زوجها أجمل. ويكره للرجال القزع مثلما الموضة ، وهو أن يحلق الصبى بعض الرأس ويترك البعض تشبّها وتخنّثا ؛ ويكره نتف الشيب للرجال بقصد التصابى. ومن السنة والصحة معا نتف شعر الإبط ، لأنه من الفطرة ، ويفحش بتركه ، ويجوز إزالته بالحلق أو بالنورة. ويستحب حلق شعر العانة ، وهو المسمى بالاستحداد ، من حدّ ، أى شحذ أداة حلق الشعر. ويمنع المحرم من حلق شعر رأسه أو لحيته أو شعر جسده إلا لعذر ، كى لا يلتفت إلا لطقوس العبادة ، وعليه فدية إن حلقه عقابا له حتى لا يفعل ذلك : صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، أو ذبح شاة. ويستوى فى ذلك شعر الرأس والجسد ، وإن حلق الاثنين فعليه بدنة. ويستحب صحيا دفن ما أزيل من الشعر أو التخلص منه بطريقة صحية ، ويجوز خضاب الشعر للزينة والتجمّل. ولا تزول طهارة شعر الآدمى والحيوان الطاهر بالموت ، ولا يحلق أىّ من شعر الميت عند تغسيله. ويجب الدية ـ أى التعويض ـ فى الشعر إذا زال ولم يرج عوده.

* * *

١٤٦٦ ـ الحلية زينة وحق

الحلية نحلة الله تعالى للبشر ، ومن حقّ كل إنسان أن يتحلّى ، وفى التنزيل عن البحر : (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) (١٤) (النحل) ، يشير به إلى اللؤلؤ والمرجان والأصداف ، وأنه تعالى لم يحرّم على الإنسان أن يتحلّى ، وأن يلبس الحلية ، وكل حلية تلبس بحسبها ، فالخاتم فى الإصبع ، والسوار فى الذراع ، والقلادة فى العنق ، والخلخال فى

٥٧١

الرّجل. وفى التنزيل : (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ) (١٧) (الرعد) أن الحلية هى حلية الذهب والفضة وسائر المعادن ، تلبس ويستمتع بها ، وفيها إبداعات الإنسان بالصياغة بالرسوم والزخارف ، ولذا كان الوعد بها فى الآخرة ، فقال : (وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) (٢١) (الإنسان) ، وقال : (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) (٢٣) (الحج) فلم يفرّق بين الأنثى والذكر فى لبس الذهب واللؤلؤ والحرير ، غير أنه من أصول التربية أن الذكور لا يصلح لهم أن يبالغوا فى استعمال الملذ وذات لكون ذلك من صفات الإناث ، وفى القرآن : (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (١٨) (الزخرف) يقصد الإناث ، فهن يربين من صغرهن على لبس الأقراط والحلى ، ولذا قيل إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أحلّ الذهب والحرير للإناث دون الذكور ، إلا أنه كان مع ذلك يمنع أهله الحرير والحلىّ لأنهم قدوة. والإسلام مع التوسط فى كل شىء إلا فى الأزمات الاقتصادية ، وحديثه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى ذلك : «وتمعددوا واخشوشنوا واخلولقوا» بمعنى واحد وهو الدعوة للتقشف ، وفى الخبر أن عمر أرسل إلى واليه لما رآه يلبس الحرير ، يسأله : أيشبع المسلمون من هذا؟ ـ يعنى سأله هل الناس جميعا سواء ويلبسون الذهب والحرير كما تفعل؟ فما لم يكن الناس فى نعمة من العيش ، فلا يكون بينهم هذا التفاوت الكبير فى المظاهر ، بين من يلبس الحرير ويتحلّى بالذهب والفضة ، أو يركب المطهّم من السيارات ، ويسكن الفاخر المترف من المنازل ، وبين من لا يجد قوت يومه ، ولا ما يردّ به عن نفسه غائلة البرد! وهذه هى اشتراكية الإسلام ، وهى اشتراكية تعاونية تكافلية. والتزيّن الشديد مكروه ومثله الترف ، وهو ليس من الجماليات ، وأقرب إلى القبح ، وليس من العقل ولا الدين أن يلبس الناس كبرا وخيلاء! وأبيح الحرير عند اللزوم كما فى حالة عبد الرحمن بن عوف ، فقد كانت به حساسية لأنواع اللباس من الصوف ، وفهم عبد الرحمن من إذن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم له فى لبس الحرير نسخ التحريم ، ولم ير تقييد الإباحة. غير أن الذهب والفضة واللؤلؤ والماس والحرائر وإن كانت زينة ، والله لم يحرّم الزينة ، إلا أنها من الرفاهية ، وللمترفين خاصة ، ولم يحرّم الله الترف ، إلا أنه كان سبيلا إلى غلظ القلب ، وسوء القصد ، وفساد العقل والذوق ، والترف ذكر فى القرآن ثمانى مرات ، وفيها جميعا يتوعد الله تعالى المترفين ، كقوله : (حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ) (٦٤) (المؤمنون). ويتأتى فساد الحكم فى بلد ما من استغراق أصحاب الحلّ والعقد والصفوة من أبنائه فى الترف ، كقوله تعالى : (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) (١٦) (الإسراء). ولباس الحرير والتحلّى بالفضة والذهب وغيرهما يليق بالنساء دون شهامة

٥٧٢

الرجال ، لأن النساء قليلات الصبر عن التزين ، فلطف بهن فى إباحته ، ولأن تزينهن غالبا للأزواج ، وفى الحديث : «حسن التبعّل من الإيمان». والنهى عن لبس الحرير والتحلّى بالذهب وغيره ليس لنجاسة بعين أىّ منها ، بل لأن ذلك ليس من لباس المتقين ، كقوله : (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) (٢٦) (الأعراف) ، وأما عين هذه الأشياء فهى طاهرة ، وعلى ذلك يجوز مسّها وبيعها والانتفاع بثمنها ، وقد ثبت لبس الخز عن جماعة من الصحابة ، ولبسه منهم أكثر من عشرين نفسا ، واتخذ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاتما من ذهب عليه «محمد رسول الله» ، فمحمد على سطر ، ورسول على سطر ، والله على سطر ، نقش هكذا حتى لا يستطيل ، وكان يختم به مراسلاته ، ووضعه فى إصبع الخنصر من يده اليمنى ، واستمر ذلك ثلاثة أيام ، ثم ألقى به واتخذ خاتما من فضة لنفس الغرض ، وكان يجعل فصّه ناحية كفّه حتى لا يبدو أنه للزينة ، ونهى عن تختيم الذهب إلا للنساء ، واتخذ كل من أبى بكر ، وعمر ، وعثمان خواتم ، أو أنهم استعملوا نفس خاتم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لختم الأوراق به. وقيل كان خاتم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من حديد ملويا عليه فضة. والتمس لمن أراد أن يزوّجه التى وهبت نفسها خاتما ولو من حديد يمهر به المرأة. وفى بعض الروايات أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لبس الخاتم فى يده اليسرى ، والأرجح أنه كان يلبسه فى اليمين ، لأن اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إن كان فى اليمين. وكانت النساء يتختمن بالذهب ويلبسن المعصفر ، ويتحلين بالقلائد ، يفوح منها الطيب والسك ، ويطلق عليها السّخاب جمع سخب (وهى القلائد ليس فيها لؤلؤ ولا جوهر ، والسّك نوع من الطيب) ، وكن يلبسن الخرص وهى الحلقان الصغيرة من الذهب أو الفضة.

* * *

١٤٦٧ ـ لباس المسلم فى الحياة والصلاة

يقال لبس الثوب أى استتر به ، وألبسه الثوب بمعنى جعله يلبسه ، وفى القرآن : (يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (٢٦) (الأعراف) ، أى جعل لكم لباسا ، فأنزل المطر الذى ينبت القطن والكتان ومنها تصنع ألبسة عظيمة ، والمطر يقيت البهائم التى منها الأصواف والأوبار والأشعار ، ويقيت الطير التى منها الريش ، ومن ذلك كله تصنع الرياش ـ أى المترف الفاخر من الأثاث واللباس ، وكل ذلك مادى ، ولباس التقوى معنوى وهو العمل الصالح ، وبدونه لا يبقى الإنسان إنسانا ، كقول القائل :

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى

تقلّب عريانا وإن كان كاسيا

وخير لباس المرء طاعة ربّه

ولا خير فيمن كان لله عاصيا

٥٧٣

والصوفية يجعلون لباس تقواهم الصوف الخشن من الثياب ، يتواضعون به لله ، ويتعبدون به خيرا من غيره ، ولباس تقواهم خشية الله. وفى الآية : (يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (٢٧) (الأعراف) أن اللباس هو لباس التقوى ، ومن لا يتقى الله فهو الكاسى العارى ، والعرى البدنى مظهر للعرى الخلقى ، والشيطان وقبيله يرى غير المؤمن عاريا ، لأنه ينفذ إلى أعماقه : (يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) (٥) (الناس) ، وفى الحديث : «وللشيطان لمّة» (أى بالقلب) ، : «وأما لمّة الشيطان فإبعاد بالشرّ وتكذيب بالحق». والمؤمن بعكس الشيطان ، فهو لباس لأخيه المؤمن ، كقوله تعالى عن الأزواج والزوجات : (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ) (البقرة ١٨٧) ، فسمّى الله تعالى امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا ، لانضمام جسديهما ، وامتزاج نفسيهما ، وتلازم عقليهما وحاجاتهما ، تشبيها بالثوب يلاصق البدن ، وكل ما يستر فهو لباس ، والزوجات والأزواج ستر لبعضهما البعض عما لا يحلّ ، ويقال للمرأة : هى لباسك وإزارك. وفى الآية : (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) (١١٢) (النحل) سمّى الجوع والخوف لباسا ، لأن من يصاب بهما يظهر عليه من الهزال والشحوب وسوء الحال ما هو كاللباس ، ومن ذلك قوله : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً) (١٠) (النبأ) ، واللباس ما يكون به الستر وسكينة النفس ، والليل بظلمته ستّار. واللبوس فى الآية : (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ) (الأنبياء ٨٠) هو كل ما يلبس ، فالثياب لبوس ، والدروع لبوس كذلك. وفى الآية : (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) (النحل ١٤) : أن الحلىّ المستخرجة من البحر ـ كاللؤلؤ والمرجان والأصداف هى ألبسة للزينة. واللباس من حلىّ وثياب ، كقوله : (مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) (٣٣) (فاطر) ، وقوله : (وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) (الكهف ٣١) ، ونعلم أن اللون المفضل فى الثياب فى الجنة هو الأخضر ، وأن خير الألبسة ما كان من الحرير السّندسى ـ أى الرقيق ، والإستبرق هو الديباج ، وخصّ الله تعالى اللون الأخضر لأنه اللون الموافق للبصر ، لأن البياض يبدّد النظر ويؤلم العين ، والسواد مذموم ، والخضرة على عكس البياض والسواد ، تجمع الشعاع ولا تبدده ، فتظهر الصورة وتزهو. ولما سألوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ثياب الجنة : أهي تخلق أم تنسج؟ قال : «لا ، بل تشقّق عنها ثمر الجنة». ومن أجل ذلك حرّم الحرير والذهب فى الدنيا على الرجال ليكونا لباسهما فى الجنة ، وتحرّم الصلاة بهما ، ويحرّم الافتراش على الحرير والديباج ، وأجاز النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعبد الرحمن بن عوف لبس الحرير على

٥٧٤

جسده لحكة به أو مرض على الصحيح ، وعموما فالحرير مباح عند الحاجة ، وكذلك الأعلام من الحرير ، ولا بأس بلبس الخزّ ، وهو الحرير يخالطه الصوف ، فهو ليس حريرا خالصا ، ولا يجوز لولى الصبى أن يلبسه الحرير. ويباح للنساء من الحلى ما جرت عادتهن بلبسه ، وقليلها وكثيرها لهن سواء ، ولا يباح للرجال إلا الخاتم من الفضة ، واليسير من الذهب مطلقا ، وتكره الثياب التى عليها تصاوير أو صليب. ويجزئ من الثياب فى الصلاة ما يستر العورة عن نفس صاحبها وعن غيره ؛ ويجزئ المرأة ما يسترها الستر الواجب ، ولها أن تكشف وجهها وكفّيها ، وعليها أن تخمّر رأسها. ويكره للرجل إسبال ملابسه خيلاء ، والتلثّم بلا سبب ، وأن يكون ثوبه بألوان زاهية. ولا تستحب الزينة للمرأة فى الحداد.

* * *

١٤٦٨ ـ الإنسان فى أحسن صورة

خلق الله تعالى الإنسان فى أحسن صورة ، فقال : (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (٣) (التغابن) والتصوير هو التشكيل ، والله صوّر الإنسان والحيوان ، والإنسان من جنس الحيوان ، وقد جعله الله أحسن الحيوانات كلها ، وأبهاها صورة ، ولا يتمنى إنسان أن يكون على شكل حيوان من الحيوانات ، ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا كما قال : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (٤) (التين) ، أى لم يخلقه منكبا على وجهه ، وجعله مستويا ، وزيّنه بالعقل والحكمة ، ووهبه اللسان الذلق ، واليد والأصابع التى يقبض بها ، وخصّه مهديا بالتمييز ، مديد القامة ، حيا ، عالما ، قادرا ، مريدا ، متكلما ، سميعا بصيرا ، مدبّرا ، وهذه صفات الربّ ، ولذا كان هذا الحديث المنسوب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله خلق آدم على صورته» أى على صفاته تعالى لا على هيئة الله سبحانه ، فالصورة هنا هى المعانى ، والإنسان أحسن خلق الله باطنا وظاهرا ، بجمال الهيئة ، وبديع التركيب ، فالرأس بما فيه ، والصدر بما جمعه ، والبطن بما حواه ، والرجلان وما احتملتاه ، فالإنسان هو العالم الأصغر ، وكل المخلوقات مجتمعة فيه ، ولذلك فإن من يشوّه خلقة الله ، ويفسد صورة الإنسان بالقذارة والثياب الرثة ، واللفظ القبيح ، فإنه يرتكب أكبر الجرم فى حقّ نفسه وحقّ ربّه ، والإنسان لكى يحافظ على هذه الصورة عليه أن يتعهد نفسه بالنظافة والتجميل ، وهما فطرة فى الإنسان ، وطرق المحافظة عليها فطرة فيه ، وفى الحديث : «الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظافر ، وقصّ الشارب» ، وبعضهم جعل هذه الخصال ثلاثين ، وبعضهم روى أنها عشر ، ومنها بخلاف ما سبق : إعفاء اللحية ، والسواك ، والمضمضة ، والاستنشاق ، وغسل البراجم والرواجب ، والاستنجاء ، والانتضاح ، والحياء ،

٥٧٥

والتعطّر ، والنكاح ، والحلم ، وغسل الجمعة ، والحجامة. والختان : هو قطع جلدة الذكر التى تغطى الحشفة لتنكشف الحشفة ، وعند النساء قطع الجلدة التى تكون فى أعلى الفرج فوق مدخل الذكر كالنواة أو كعرف الديك ، والأصل أن لا تنهك المرأة ، أى لا تزيد الخاتنة فى القطع ، ويسمى ختان الذكر أعذارا ، وختان الأنثى خفضا ، ويختلف حول ختان الإناث. والقصّ المقصود به قطع الشعر النابت فى الرأس ، وعلى الشفة العليا ؛ وقصّ الظفر أخذه من أعلاه. والبراجم والرواجب هى مفاصل الأصابع كلها. وتغسل اليدان عقب كل طعام وفى الوضوء ، لإزالة الوسخ العالق بها ، ويلحق بها إزالة ما يجتمع من وسخ فى معاطف الأذن وقعر الصماخ. والانتضاح : أن يأخذ قليلا من الماء فينضح به مذاكيره ، وهو أيضا الاستنجاء. وهذه الخصال مما فرضه الله على أنبيائه ، وهى من موروث إبراهيم ، وفى التنزيل : (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ) (١٢٤) (البقرة) ، قيل : ابتلاه بالطهارة ، وهى خمس فى الرأس ، وخمس فى الجسد. وهذه الخصال تتعلق بها مصالح دينية ودنيوية ، منها تحسين الهيئة ، وتنظيم البدن جملة وتفصيلا ، والاحتياط للطهارتين ، والإحسان إلى المخالطين ، وكفّ ما يمكن أن يتأذّى به الناس من روائح كريهة ، ومخالفة لقذر الكفار والمشركين ، وامتثال أمر الشارع ، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى : (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (٣) (التغابن) ، وكأنه يقال : حسّنوا صوركم فلا تشوّهوها بما يقبّحها ، فالله قد خلقكم على هيئة جميلة وصورة كريمة ، والإنسان إذا نظر فى المرآة فرأى نفسه جميلا ، وإذا لمس ذلك فى نظرة الآخرين إليه ، أدرك على الفور ما امتنّه الله على الإنسان عند ما قال إنه صوّره فى أحسن صورة ، والإنسان إذا بدا فى الهيئة الجميلة كان ادعى للانبساط ، فالجمال له فوائد نفسية كما له فوائد اجتماعية وبدنية ودينية. والفطرة التى فطر الله الناس عليها هى خلقة الله التى خلقه بها وقت أن كان فى رحم أمه ، فكان على أحسن حال ، وهذه الخصال هى التى بها يكون إقامة الفطرة ، أو العودة إلى الفطرة. ومن الفطرة الحياء ، وبالحياء كان اختيار لفظ «الاستحداد» لعملية حلق العانة ، وهى مشتقة من الحديد وهى الموسى. ومثل الاستحداد : النتف ، والقصّ ، والتنوّر أى معالجة العانة. وغسل الأرفاغ من خصال الفطرة ، وهى مغابن الجسم ، كالإبط ، وما بين الخصيتين ، والفخذين ، وكل موضع يجتمع فيه الوسخ ، وكل ذلك من باب إتمام الجمال فى الشكل والهيئة والسمت والمظهر. والخضاب يتغيّر به الشيب ، وكان أبو بكر وعمر يختضبان ، وتركه علىّ ، وأبىّ بن كعب ، وأنس ، وجماعة. فهذه هى جماليات الشكل فى المسلم فأين منها ذلك فى التوراة أو الإنجيل؟ وأين منها التقذّر الذى عليه الغربيون واليهود خاصة؟ وبعد ذلك يقول بيرلسكونى رئيس وزراء إيطاليا : إن

٥٧٦

المسلمين برابرة! ويوافقه تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا ، والرئيس الألمانى شرويدر ، ويؤمّن على كلامه شارون رئيس وزراء إسرائيل ، مع أن هذا الأخير ينضح عرقا منتنا بشهادة كل من التقوه من الصحفيين!

* * *

١٤٦٩ ـ فلسفة الألوان فى القرآن

فى قوله تعالى فى أهل الجنة : (وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) (٣١) (الكهف) خصّ الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر ، لأن البياض يبدد النظر ويؤلم العين ، والسواد مذموم مكروه ، والخضرة بين البياض والسواد فتجمع الشعاع. والله تعالى جعل اللونين الأخضر والأبيض من الفطرة الجميلة فى الإنسان ، ولذا غلبت الخضرة على النبات ، فتمتد الأراضى بها مبسوطة تسرّ الناظرين ، وأنزل المطر منة منه تعالى : (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) (الحج ٦٣). والأخضر اللون المفضل فى الجنة ، وهو لون لباس المؤمنين وفرشهم ، كقوله : (مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ) (الرحمن ٧٦) ، والرفرف فضول الفرش والبسط والزرابى ، وحواشى الثياب ، وجوانب الدروع. وأما الأبيض فنقيضه الأسود ، ويوم القيامة ، كقوله تعالى : (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) (آل عمران ١٠٦) ، والوجوه المبيضة وجوه المؤمنين ، وعكسها وجوه الكافرين. والسواد صنو الحزن ، وعلامة أهل الزيغ والأهواء والبدع. وفى الطب النفسى فإن السواد يستحدث الاكتئاب ، ويقال للشخصية المكتئبة «السوداوية» ؛ والبياض فيه سعة للنفس ، وفرحة وبهجة ، واختاره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لون ثياب المسلمين ، ولون أكفانهم ، وكانت خمر الجنة : (بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) (٤٦) (الصافات) ، وأعلى الخمور وأبهجها البيضاء ؛ وأجمل البنات البيض ؛ والعامة تجعل البياض مثلا للصلاح ، والسواد مثلا للفساد ؛ والخيط الأبيض فى آية الصيام يكنّى به عن الفجر ؛ والبيض من الليالى هى المقمرة ؛ والأيام البيض أيامها ؛ والأبيضان : الماء واللبن ؛ والبيضاء النعمة ، ومن ذلك ترى أن البياض صنو كل ما هو جميل.

* * *

١٤٧٠ ـ هل الإسلام ضد الشعر؟ أو ضد أىّ من فروع الأدب أو الفن؟

الشعر كلام موزون مقفّى ، قصد إلى وزنه وتقفيته ، والمتكلم به هو الشاعر ، ومع ذلك فإن من يصدر عنه كلام موزون مقفّى لم يقصد أن يكون شعرا فهو ليس بشاعر ، وكلامه ليس شعرا ، وفى القرآن كثير من الآيات الموزونة المقفّاة ، كقوله تعالى : (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (٩٢) (آل عمران) وقوله تعالى : (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا

٥٧٧

لَكَ ذِكْرَكَ) (٤) (الشرح) ، ولكنها ليست بشعر ، لأن الإتيان بها موزونا ليس على سبيل القصد ، يعنى أن الله تعالى لم يكن مقصوده أن يكون هذا الكلام شعرا بحسب اصطلاح الشعراء ، ولذا قال عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم (وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ) (٤١) (الحاقة) ، وقال : (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ) (٦٩) (يس) ، فأخبر أن الشعر ليس من طبعه ، ولا يحسنه ، ولم يتعلمه عن الله وإنما تعلم عنه القرآن العظيم ، وفى ذلك قيل : «ما ولد عبد المطلب ذكرا ولا أنثى إلّا يقول الشعر ، إلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم» ، ومع ذلك فلم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكره الشعر ، وكان يستحسنه إن كان فيه الخير ، ويذكر الحسن البصرى : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان كثيرا ما يتمثّل بهذا البيت ويخطئ فيه : «كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا» ، فكان أبو بكر يصلحه له ويقول : يا رسول الله : «كفى بالشيب والإسلام للمرء ناهيا» ، ثم يقول : أشهد أنك رسول الله ، وصفك فقال : (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ) ؛ فلم تكن سجيته تقبل صناعة الشعر طبعا وشرعا. والشاعر الحق هو الذى يكون المعنى منه تابعا للفظ ، لأنه لا يقصد إلا إلى الألفاظ التى يصحّ بها وزن الشعر وقافيته ، فيحتاج من ثم إلى التخيّل للمعانى يأتى بها من أجل اللفظ ، وليس كذلك قول الله تعالى ، ولا قول نبيّه ، فالمعانى فى القرآن تسبق اللفظ ، وكذلك تجىء الألفاظ فى كلام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تبعا للمعانى. ومن كلامه صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذى يبدو كالشعر ، أنه لمّا أصيبت إصبعه وجرحت ، وكان يقوم بعمل من أعمال الجهاد ، قال تحسرا وحزنا : «هل أنت إلا إصبع دميت ، وفى سبيل الله ما لقيت؟» ، وهو كلام كالشعر ولكنه ليس شعرا ، لأنه لم يقصد إلى أن يقول شعرا ؛ وقيل هو رجز ، والرجز شعر يكون كل مصراع منه مفردا ، ويبدو أنه لم يجر على لسان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من ضروب الرجز إلا ضربان : المنهوك ، والمشطور ، كقوله هذا السابق «هل أنت إلا إصبع». والله تعالى قد نفى الشعر عن القرآن ، ونفى وصف الشاعر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ) (٤١) (الحاقة) ، وقوله : (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) (يس). وقيل إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد نزول آية : (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ) لم يقدر على قراءة الشعر موزونا. ونفى الله تعالى أن تكون آياته تخييلات شاعر ، ونفى عنه جنون الشعر فى قولهم : (أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) (٣٦) (الصافات) ، وردّ عليهم الردّ المفحم فقال : (بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) (٣٧) (الصافات) ، فلم يكن ما جاء به إلا ما أرسل به المرسلون من قبله كموسى وعيسى ، ولفته إلى اتهاماتهم وفحواها فقال : (ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) (٤٣) (فصلت) ، وتمنوا له الردى خلاصا منه كشاعر : (يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) (٣٠) (الطور). وإذن فلم تكن الآيات التى

٥٧٨

ورد بها عن الشعر إلا ردودا استوجبها ما قالوه عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعن القرآن. ولمّا نزل قوله : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) (٢٢٤) (الشعراء) ، وقوله : (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا) (٢٧) (الشعراء) ، قال ابن عباس : المقصود «بالشعراء يتبعهم الغاوون» هؤلاء النفر من الشعراء الضالين يتبعهم من الناس ضالون مثلهم ، وكان على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجلان أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين ، وأنهما تهاجيا ، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء». وقيل : كان الشاعران فى الجاهلية يتناجيان ، فينتصر لهذا فئام من الناس ، وينتصر لهذا فئام من الناس. وقيل : بينما كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسير مع أصحابه بالعرج ، إذ عرض شاعر ينشد ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أمسكوا الشيطان! لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» رواه البخارى. وفى قوله تعالى : «ألم ترى أنهم فى كل واد يهيمون» قال الحسن البصرى : قد والله رأينا أوديتهم التى يخوضون فيها مرة فى شتيمة فلان ، ومرة فى مديحة فلان! وقال قتادة : الشاعر يمدح قوما بباطل ، ويذم قوما بباطل». وقال علىّ بن أبى طلحة عن ابن عباس : أكثر قولهم يكذبون فيه ، فإن الشعراء يتبجّحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ، ولا عنهم ، فيتكثّرون بما ليس لهم ، ولهذا جاء الحديث «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا». وكان المراد بهذا الطعن نوعا من الشعر استهجنه كل من سمعه أو يسمعه ، ونفى ابن عباس أن يكون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم شاعرا ، فحاله مناف لحال الشعراء. وكان حسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، من الشعراء ، ولمّا نزلت هذه الآيات القادحة فى الشعر والشعراء ، جاءوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يبكون ، وقالوا : قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنّا شعراء ، فتلا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) (الشعراء ٢٢٧) وأشار إليهم وقال : «أنتم» رواه ابن أبى حاتم ، ثم قرأ (وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً) (الشعراء ٢٢٧) وأشار إليهم وقال : «أنتم» ، وقرأ (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا) (الشعراء ٢٢٧)» وأشار إليهم وقال : «أنتم». وقيل : لمّا نزلت : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) (٢٢٤) (الشعراء) إلى قوله : (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) (٢٢٦) (الشعراء) ، قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله! قد علم الله أنى منهم. فأنزل الله : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً) (٢٢٧) (الشعراء) ، ومعنى «ذكروا الله كثيرا» ، ذكروه كشعراء فى شعرهم. وقيل عن قوله تعالى : وانتصروا من بعد ما ظلموا» ، يردّون على الكفار الذين كانوا يهجون بشعرهم المؤمنين. وإذن فالمقصود بالآيات نقد نوع من الشعر وليس الشعر نفسه. وقد ثبت فى

٥٧٩

الصحيح أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لحسّان : «أهجهم» ـ أو «هاجهم وجبريل معك». وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه ، أنه قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن الله عزوجل قد أنزل فى الشعراء ما أنزل. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه. والذى نفسى بيده ، لكأن ما ترمونهم به نضح النبل» ، يقصد به الشعر يستخدمه المسلمون فى ردّ هجاء أعدائهم. وروى : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جعل يمشى بين القتلى يوم بدر وهو يقول : «نفلّق هاما» ، فيقول الصدّيق رضى الله عنه متمما للبيت :

 ... من رجال أعزّة

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

وعن عائشة رضى الله عنها قالت : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا استراب الخبر تمثّل فيه ببيت طرفة : «ويأتيك بالأخبار من لم تزود» أخرجه أحمد والنسائى والترمذى ، وهو من شعر طرفة بن العبد فى معلقته المشهورة :

ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا

ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد

وثبت فى الصحيح أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم تمثّل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة ، فكان أصحابه صلى‌الله‌عليه‌وسلم يرتجزون وهم يحفرون ويقولون :

لا هم ، لو لا أنت ما اهتدينا

ولا تصدّقنا ولا صلّينا

فأنزلنّ سكينة علينا

وثبّت الأقدام إن لاقينا

إن أولاء قد بغوا علينا

إذا أرادوا فتنة أبينا

فكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يرفع صوته ويردد خلفهم قولهم : «أبينا» ويمدّها. وروى هذا بزحاف فى الصحيحين أيضا. وكذا ثبت أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال يوم حنين ، وهو راكب البغلة يقدم بها فى نحور العدو :

أنا النبىّ لا كذب

أنا ابن عبد المطلب

وإذن فالشعر ليس كله مرفوضا ، بل إن فيه الحكم ، والمواعظ والآداب ، ومن الشعراء الذين أجادوا فى ذلك أمية بن الصلت ، وهو الذى قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «آمن شعره ، وكفر قلبه». وقال : «إن كاد ليسلم» ، أو قال : «فلقد كاد يسلم فى شعره». وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يطلب أن يسمع شعر أمية من أصحابه ـ أصحاب النبىّ ، وروى مسلم بطريق عمرو بن الشريد عن أمه قال : ردفت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوما فقال : «هل معك من شعر أمية بن أبى الصلت شيئا»؟ قلت : نعم ، قال : «هيه» فأنشدته بيتا فقال : «هيه» ، ثم أنشدته بيتا فقال : «هيه» ، حتى أنشدته مائة بيت». ولذا كان يقول عن الشعر : «إن من البيان سحرا ، وإن من الشعر حكما» أخرجه أبو داود. وفيما أخرجه مسلم بطريق أبى هريرة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم

٥٨٠

قال : «أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد : ألا كل شىء ما خلا الله باطل» ، وفى رواية قال : «وأصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ألا كل شىء ما خلا الله باطل». ولبيد هو لبيد بن ربيعة ، وكان صحابيا ، والحديث فيه منقبة له باعتباره شاعرا. والإسلام على هذا ليس ضد الشعر ، وإنما ضد إساءة استخدامه ، ومثل الشعر فى ذلك كمثل فروع الأدب الأخرى ، كالرواية ، والقصة ، والمسرحية ، وفروع الفنون كالتصوير ، والباليه ، والأوبرا ، والموسيقى والغناء ، ولقد رأينا أن النبىّ والصحابة كانوا يقولون الشعر ويتغنون به ، ويكافئون الشعراء مثل حسّان بن ثابت.

* * *

١٤٧١ ـ هل الإسلام ضد الغناء أو الموسيقى؟

القرآن ضد اللهو لأنه مفسدة وضياع وقت ، كقوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً) (٦) (لقمان) ، ولهو الحديث : هو ما يتلهى به من الأحاديث كما فى مجالس السمّار ، واللهو أصلا هو ما يلهى من الباطل ويشغل صاحبه به ، يقال فلان لهوّ عن الخير أى كثير اللها عنه ؛ والإلهية ما يتلاهى به ؛ والملهى اللهو ، أو موضع اللهو ، والمفسرون للآية قالوا : إن لهو الحديث هو الغناء ، وهذا غير صحيح لأن من الغناء ما يعدّ من لهو الحديث ، ولكنه ليس كل لهو الحديث ، ومن الغناء ما لا يكون لهوا ولا هزلا ، وقوله : «من يشترى لهو الحديث» ، يعنى يدفع فيه الأجر ، ولذلك أصرّ هؤلاء على أنه الغناء لأنه الحديث الوحيد الذى يدفع أجر للاستماع إليه ، والذى يشترى هذا اللهو ذو لهو أو ذات لهو ، واستدل هؤلاء بهذه الآية ضمن ثلاث آيات على كراهة الغناء والمنع منه. والآية الثانية : هى قوله تعالى : (وَأَنْتُمْ سامِدُونَ) (٦١) (النجم) ، تقول للمغنية : اسمدى لنا أى غنىّ لنا. والسمود هو الغناء ، وتقول : سمّده أى ألهاه. والآية الثالثة : هى قوله تعالى : (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ) (٦٤) (الإسراء) ، والاستفزاز هو الاستخفاف ، فإذا كان بالصوت فهو الغناء الآدمى ، أو العزف بالمزامير ، أو هو لهو الحديث عموما ـ والكلام لإبليس يفعل ذلك لإلهاء المؤمنين ، ومن ثم فقد حرّموا الغناء ، واللهو ، والمزمار لهذا السبب ، لأنّها من عمل الشيطان ، ومن الواضح أن السياق فى هذا التفسير ، يحمّل الآيات ما لا تحتمل ، ومن ذلك أنهم وضعوا حديثا يناسب هذا التفسير ، يقول : «لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلّموهن ، ولا خير فى تجارة فيهن ، وثمنهن حرام». والحديث مضعّف وغريب ، ونسبوا إلى ابن مسعود وابن عمر وآخرين أن لهو الحديث هو الغناء ، أو الاستماع إلى الغناء ، وأن الغناء باطل ، والباطل فى

٥٨١

النار ، وترجم البخارى ذلك فقال : كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله. وهذا حسن من البخارى ، لأنه شرط البطلان بأن يشغل الغناء عن طاعة الله ، ولكن الغناء مطلقا ليس باطلا. ورأى آخر قال : إن هذه الآية نزلت فى النضر بن الحارث ، لأنه اشترى قصص الأعاجم ، وكان يجلس بمكة ويحدّث بأحاديث ملوك الفرس ، ويقول : قصصى أحسن من قصص محمد! واشترى القينات ، وكان يرسل مستمعيه إليهن ، يؤاكلنهم ويغنين لهم ، ويسقونهم ، وكان يقول : هذا خير مما يدعوكم إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه! والصحيح أن الآية نزلت فى أحاديث قريش التى كانت تلهيهم عن تحرّى صدق الإسلام ، وكانوا بها يخوضون فى الباطل ، فهؤلاء بتضييع وقتهم والاستماع للباطل اشتروا الكفر بالإيمان. ولهو الحديث هو استحبابه ، ولعله لا ينفق فيه المال ، ولكن سماعه كشرائه ، لأنه مضيعة للوقت ، والوقت مال. والأحاديث كقوله : «ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين ...» ، وقوله : «صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما : صوت مزمار ورنّة شيطان عند نعمة ، وعند مصيبة لطم خدود وشق جيوب» ، وقوله : «بعثت بكسر المزامير» ، وقوله : «بعثت بهدم المزامير والطبل» ، وقوله : «إذا فعلت أمتى خمس عشرة خصلة حلّ بها البلاء ...» فذكر منها : «إذا اتّخذت القينات والمعازف» ، وقوله : «من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلّوا عليه» إلخ ، وكلها مردودة ، فالدين والعقل والتربية والعلم ضد الغناء العابث ، ولا يقرّه عاقل ولا سياسى ، ولا حزب من الأحزاب أو حاكم من الحكّام ، ولكن الأناشيد العسكرية ، وطبول الحرب ، وأصوات الآلات النحاسية مما يحمّس الجنود ويرفع روحهم المعنوية ، والأغانى الحماسية وقت الحروب والأزمات ، والأغانى التى تدعو إلى مكارم الأخلاق وفيها الحكمة ، والأغانى والأناشيد الدينية ، وأغانى أم كلثوم مثلا التى تحضّ على حبّ الحياة والأوطان ، والحب الشريف العفيف ، من أمثال قصائد شوقى ، ونهج البردة ـ فكل ذلك مستحسن ومطلوب فى التربية السياسية والوطنية والاجتماعية ، وكذلك الموسيقى الخالصة كالسوناتات والسمفونيات ، وكذلك الأوبرات ، وكلها من الفنون الراقية والسامية ، والإسلام يدعو إلى الرقى والسمو ، ويحرّم الإسفاف والمجون ، ونحن مع الإسلام ، ومع العلم والعقل ، ومع ما تعلّم الجامعات والمدارس ، وما تنصح به أفراد العائلات ، وما يدعو إليه المجتمع المدنى. والآلات الموسيقية لا شىء فيها محرّم ، وإنما المستحسن والمستهجن هو ما يمكن أن توظّف فيه. ولقد ضربت المغنيات بالدف بين يدىّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم دخل المدينة ، فهم أبو بكر أن يزجرهن فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح» ، فكنّ يضربن ويقلن : نحن بنات النجّار ، حبذا محمد من جار! ـ ورقص الأحباش

٥٨٢

فى المسجد رقصا إيقاعيا ، ومكّن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عائشة أن تشهدهم حتى ملّت ؛ وكانت عندها جاريتان تغنيان فى العيد ، وأمر أبا بكر أن يتركهما لأن لكل أمة عيدا وهذا عيدنا. وطلب من عائشة أن تغنى النسوة فى فرح إحدى بنات الأنصار. والخلاصة : أن المباح من الغناء والموسيقى هو ما كانت له أهداف نبيلة وأغراض متسامية. وأما غير ذلك فإن فقهاء كمالك بن أنس ، وأبى حنيفة ، وابن حنبل ، والشافعى قصدوا بتحريم الغناء هذا الضرب الفاسق والموسيقى الداعرة ، ولذا سمّوا الممتهنين لهذين الفنين «الفسّاق». والعلم يقول نفس الشيء ، وكذلك العقل ، وهو ما تقضى به الحكمة. وفى الحديث : «عليكم بالسواد الأعظم ، ومن فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية» ، والسواد الأعظم مع الغناء لأنه من الفطرة ، وكل أمة الإسلام ، وطبقات الناس فيها ، وأعيانها وعقلاؤها ضد الإسفاف فى أى مجال من مجالات الفنون والآداب. والإسلام مع الحضارة والرقى دائما.

* * *

١٤٧٢ ـ فن القصّ فى القرآن

القصص من مصطلحات القرآن ، وأصله القصّ وهو تتبّع الأثر ، تقول قصّ ، وتقصّص ، واقتصّ أثره ، والقصة والأقصوصة هى الرواية والحديث ، والقاص من يأتى بالقصة ، ومنه قوله تعالى : (وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) (١١) (القصص) أى تتبعى أثره ، فالقاصّ يتبع الآثار فيخبر بها. وقوله تعالى : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (٣) (يوسف) فإن الحسن هو حسن القصّ وهو فن الرواية ، فيقال فلان حسن الاقتصاص للحديث ، أى جيد السياقة له. وجمال القصة فى جمال وحبكة صياغتها وسردها. وقيل : القصص تعنى الأخبار ، كقوله تعالى : (فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ) (٢٥) (القصص) ، فأحسن القصص : أحسن الأخبار ، وأحسنها ما كان عن حق وبعلم. والقصة حكاية من الماضى ، كقوله : (كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ) (٩٩) (طه) والقصّاص نوعان ، فنوع نفّاج كذّاب ، ونوع يقصّ بالحق ، كقصص القرآن ، كقوله تعالى : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ) (١٣) (الكهف) ، وقوله : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) (٥٧) (الأنعام) ، والحق لا يعلمه إلا عليم ، كقوله : (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ) (٧) (الأعراف) ، وعلّة القصص فى القرآن العبرة والعظة ، كقوله : (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ) (١١١) (يوسف). والقصص القرآنى تحكى عن الأنبياء ، ومجاهداتهم ، ومعاناتهم ، وصبرهم ، وعن مصارع الجبابرة ، ومهالك الأمم الظالمة ، ودمار الدول الغاشمة ، وفى القصص القرآنى عن الإنس والجن ، والملائكة والشياطين ، والجنة والنار ، والحيوان والطير ، وغرائب المخلوقات ، وأساطين الجبروت ، وأماثل الصالحين والمتّقين

٥٨٣

والمؤمنين ، وسير الملوك والممالك ، وجهابذة التجار والعلماء ، وأسافل الجهّال ، وأكابر الرجال والنساء ، والبنات والولدان ، وفيها عن الأسوياء من الناس والشذّاذ ، من الأفاقين والممروضين ، وحيل هؤلاء وهؤلاء ، ومكايد الأشرار ، وأحاييل قطّاع الطرق والسرّاق ، ومخازى الزناة ، وفيها ذكر التوحيد ، والفقه ، وتعبير الأحلام ، والسياسة ، والاقتصاد ، والمال ، وتدبير الأمم والمعاشات ، والحروب وأوضارها ، وقادتها وضحاياها وخسائرها ، والسلم وفوائده ، والسلام ونعمه ، والصلح وجناه ، والزهد فى الدنيا والإقبال عليها ، والعزوف عنها والسعى إليها ، وعن الزواج والطلاق وعشق العشاق ، ومحبة المحبين ، وبغض المبغضين. وسورة يوسف هى بلا شك أحسن القصص القرآنى ، لتجاوز يوسف عن إخوته ، وصبره على أذاهم ، وعفوه عنهم ، وكرمه معهم حتى قال : (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ) (٩٢) (يوسف) ، فالدرس الذى تعلّمه عظيم ، وعائدها عميم.

* * *

١٤٧٣ ـ الأخلاقية فى القصص القرآنى

للقصص القرآنى وظيفة أخلاقية ، كما فى قوله تعالى : (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (١٠١) (هود) ، ومن شأن القصص أن تعيد إلى الذاكرة ما قد نسيته ، وتبيّن عواقب الأحداث ، وهذه القصص فى القرآن عن أشياء وقعت ، بعضها ما تزال آثاره تشهد على وقوعه ، وبعضها درس وصار أطلالا لا تكاد تبين ، كحصيد الزرع لا يتبقى منه إلا الجذور العالقة بالتربة. وفائدة هذه القصص ليعرف الناس أن الله لم يظلم السابقين ، ولكنهم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصى ، فما أغنت عنهم عقائدهم الباطلة ومذاهبهم الفاسدة لمّا كفروا وعصوا وجاء أمر الله ، فالحق حقّ والباطل باطل ، والله يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، وهذه هى رسالة القصص القرآنى ، فللأدب دوره فى تشكيل الشخصية القرآنية ، وفى الجدل القرآنى ، ولم يكن القصص فى القرآن إلا لإعلاء الحق وإبطال الباطل ، ورسالته لذلك فلسفية أخلاقية ، وليس من فراغ أن يسمّى الأدب فى العربية «أدبا» ، والأدب هو الأخلاق ، وتنفرد بهذه الخصيصة قصص القرآن ، كما ينفرد بهذا المعنى الأدب القرآنى والإسلامى بعامة ، دون بقية الكتب الدينية عند اليهود والنصارى ، ودون الثقافات الأجنبية عموما ، والقصص فى اللغة العربية هو الذى يتتبع آثار الشيء ليصل إلى الحقيقة والحق ، والأديب صنوه المؤدّب ، وكلاهما يعلّم الفضيلة ويعلى الحقّ.

* * *

٥٨٤

١٤٧٤ ـ الكتاب والكتابة

مصطلح «الكتاب» يأتى فى القرآن ٢٣٠ مرة ، والكتاب فى اللغة وريقات تتناول موضوعا وتخطه حروفا وكلمات وعبارات ومعان مجتمعة ، وتسمى كتابا ، لأنها مكتوبة ، كقوله : (كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) (٣) (فصلت) ، يعنى الآيات جمعت فيه بشكل مفصّل وفى لغة هى لغة العرب ؛ وقوله : فى كتاب موسى : (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) (الإسراء ٢) فإن الكتاب هو التوراة ، وهى مجموعة الشرائع مكتوبة ، وما زاد عن ذلك فهو ليس من التوراة ؛ وفى قوله : (آتانِيَ الْكِتابَ) (٣٠) (مريم) ، أن الكتاب هو الإنجيل آتاه الله عيسى ، وهو مجموع الأمثال كما أوحى الله بها إلى عيسى ، وما زاد عليها فهو ليس من الإنجيل. وقد يكون الكتاب إشارة إلى اللوح المحفوظ ، كقوله : (أُمُّ الْكِتابِ) (٣٩) (الرعد) ، وهو القدر والأحكام ، كقوله : (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً) (١٤٥) (آل عمران) ؛ أو هو الحساب ، كقوله : (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (١٤) (الإسراء) ؛ أو هو المكتوب ، كقوله : (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ) (٢٨) (النمل). و «أهل الكتاب» هم اليهود والنصارى ، كقوله : (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ) (١٥٣) (النساء) ، سمّوا كذلك لأنهم : (أُوتُوا الْكِتابَ) (٤) (البينة) ، والكتاب هو التوراة لليهود ، والإنجيل للنصارى ، والمسلمون بالقرآن صاروا «أهل كتاب» ، والمقابل لهؤلاء هم «الأميّون» ، أى من ليس لهم كتاب. ويوصف كتاب الله بأنه «كتاب عزيز» (فصلت ٤١) ، و «كتاب مبين» (الزخرف ٢) ، و «كتاب مستبين» (الصافات ١١٧) ، و «كتاب منير» (آل عمران ١٨٤) ، وهو «الكتاب» أى الحاوى لكل شىء بين دفتيه ، كقوله : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (٨٩) (النحل) ، وهو النور والهدى للناس (الأنعام ٨١) ، والبشرى (النحل ٨٩) ، كقوله : (نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ) (٩١) (الأنعام) ، ويوصف بأنه الهدى والرحمة (النحل ٨٩) ، والإمام والرحمة (هود ١٧) ، والكتاب المعلوم (الحجر ٤). وعند اليهود يقال لمعلم الكتاب «الربّانى» (آل عمران ٧٩).

والقرآن ككتاب كان مخطوطا على الرقاع ـ أى قطع الجلد ، والأكتاف ـ أى قطع العظم العريضة من هياكل الحيوانات ، والعسب ـ أى جريد النخل. وأصل الكتابة كانت فى القراطيس ، ولكن لقلتها استعيض عنها بهذه الأشياء. وكان المصريون يكتبون على أوراق البردى ، وكتب اليهود كتابهم على اللفائف Scrolls ، وأطلقوا عليها اسم المخطوطات codices ، والأسفارSephers جمع سفر وهو المكتوب يسفر عن مهارات الكاتب أو يسافر بها إلى المعنىّ من الناس.

والكتابة مصدر كتب يكتب ، وهى من جملة البيان ، والبيان اختص به الإنسان ، كقوله تعالى : (خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ) (٤) (الرحمن). ولم يكن للعرب كتاب ، وقيل كانوا أقل الخلق معرفة بالكتاب ، وأقل العرب معرفة به كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى ذلك قوله

٥٨٥

تعالى : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) (٤٨) (العنكبوت) ، فصرفه الله عن العلم بكتب اليهود والنصارى ليكون ذلك أثبت لمعجزته ، وأقوى فى حجته. ومن الأحاديث الموضوعة : «لا تعلموا نساءكم الكتابة» باعتبار تعليم الكتابة قد يكون سببا للفتنة ، إلا أن الحضّ على تعلّم الكتابة من أدبيات الإسلام ، وبذلك أمر الله تعالى فى خمسة وأربعين موضعا من القرآن ، يستوى فى ذلك أن يكون الكاتب من النساء أو الرجال ، والكتابة كما يروى عنها القرآن عين من العيون ، وبها يبصر الشاهد الغائب ، والكتابة خط هو آثار يد الكاتب ، فكأن الإنسان يصبح حاضرا رغم أنه بالفعل غائب ، والكتابة تعبير عن ضمير الكتبة بما لا ينطق به اللسان أو يخشى عليه من النسيان ، ومنه القرآن ، فالكتابة على ذلك أبلغ من اللسان.

* * *

١٤٧٥ ـ الكتابة قديمة فى العرب قبل التاريخ اليهودى والنصرانى

المفسرون يصرّون على تفسير الأميين فى الآية : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ) (٢) (الجمعة) بأنهم الذين لا يعرفون الكتابة ولا الخط ، ونحن نقول إن «أميين» نقيض «أهل الكتاب» ، ومعنى ذلك أن العرب لم يكن لهم كتاب كما كان لليهود وللنصارى ، فاستحق هؤلاء أن يقال لهم «أهل كتاب» بينما العرب «أميون» لا كتاب لهم ، وساعد على ذلك أن اصطلاح «أميين» كان يهوديا ، فكل من لم يكن يهوديا فهو «أمى» ـ أى من «الأغراب» ، وهؤلاء أحط وأدنى ، لأنهم لا يطالعون التوراة ، ومعنى أميون : أنهم على حال البداوة والفطرة كما ولدتهم أمّهاتهم. وكان كل الرسل من العبرانيين ، بينما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس منهم ، وبعث لغير العبرانيين أو للأميين ، لينقلهم نقلة حضارية ، بأن يجعل لهم كتابا مثل اليهود والنصارى ، فيكونوا بدورهم «أهل كتاب». وأما «الكتابة» نفسها فالعرب تعرفها من قديم ، وهم يؤرخون أخذهم بالكتابة على يد حرب بن أمية بن عبد شمس ، وقالوا إن حربا تعلّمها من عبد الله بن جدعان ، وهذا تعلّمها من أهل الأنبار ، وهؤلاء تعلموها من أهل اليمن من كندة ، وهؤلاء تعلموها من كاتب كان للنبىّ هود ، وهود كان من أنبياء العرب. فالكتابة إذن قديمة عند العرب أقدم من الكتابة العبرية. وقيل : إن حربا تعلمها من بشر بن عبد الملك ، وكان الخط العربى جزما ـ أى قطعا ، من الخط المسمى بالمسند وهو خط حمير ، وأول من كتب به ثلاثة هم : مرامر بن مرة ، وأسلم بن سدرة ، وعامر بن جدرة ، وهم من عرب طىّ ، وتعلموها على كاتب النبىّ هود ، ثم علّموها أهل الأنبار ، ومنهم انتشرت الكتابة بالعراق ، وكانت الآرامية ، نسبة لأرام ، قيل هو النبىّ هود. وتعلّمها حرب من بشر ، ثم ارتحل معه بشر فتزوج الصهباء بنت حرب

٥٨٦

أخت أبى سفيان ، وعلّمها عرب مكة. ويجوز أن يكون مؤلفو هذه الرواية هم الأمويون ، لأسباب سياسية ، وليرجعوا الفضل إليهم. وإلا فإذا كان فضل تعليم الكتابة لأهل مكة يعود إليهم ، فمن علّم أهل المدينة؟ قيل : اليهود! فهل اليهود كانوا يعلّمون الكتابة العربية للعرب؟! والصحيح أن كل أمة فيها من يكتب ، ولم توجد أمة لا تكتب أبدا ، حتى فى الأدغال وقمم الجبال ، فمثل ما يتكلم الإنسان بطريقة ما ، وبألفاظ مفهومة من الآخرين ، فهو أيضا يكتب برسوم ونقوش يعرف رموزها الآخرون. والمهم أنه فى عصر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان هناك كثيرون يكتبون ويقرءون ـ حتى من بين العبيد ، وكذلك كان من النساء من يكتب ويقرأ مثل عائشة. وفى المدينة اشتهر من الكتّاب : المنذر بن عمرو ، وأبىّ بن وهب ، وعمرو بن سعيد ، وزيد بن ثابت. وجعل الإسلام للكتابة والقراءة شأنا وأى شأن ، وإلا فكيف سيقرأ القرآن؟ وما كان اسمه «القرآن» إلا ليقرأ. ونزلت أول آية : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (١) (العلق) تحضّ على القراءة والكتابة ، والآية دليل على أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقرأ ويكتب ، ولم يكن أميا بمعنى «أمية القراءة والكتابة» ، ولكنه «أمى» بمعنى أنه من «الأمم» وليس عبرانيا ، وليس من «أهل الكتاب» ، وليس قوله تعالى : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) (٤٨) (العنكبوت) أنه كان يجهل الكتابة والقراءة ، وإنما الآية تنفى عنه أنه كان يقرأ الكتب أو يخطها وخاصة كتابىّ التوراة والإنجيل ، وما كان قد ترجما إلى العربية ليقرأهما. غير أن تقديره للكتابة والقراءة كان عاليا ، ففرض على الأسرى فى غزوة بدر ـ كفداء لهم ـ أن يعلّم كل واحد منهم عشرة من المسلمين ممن يجهلون القراءة والكتابة. وفى صلح الحديبية لما رفض علىّ أن يكتب ما أملاه عليهم المشرك ، أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الكتاب فكتب ـ وإن كان خطه ليس حسنا. وروى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه ليلة أسرى به رأى مكتوبا على باب الجنة : الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر ـ يعنى أنه كان يقرأ! وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنّا أمّة أمية ، لا نكتب ولا نحسب» كان كلاما عن العرب إجمالا وليس عن نفسه. وكان أعظم اختبار للكتابة عند العرب كتابتهم للقرآن ، وجمعهم لآياته وسوره فى كتاب القرآن ، وبالقرآن ككتاب صار العرب «أهل كتاب» ، وارتقوا حتى أصبحوا أعلاما للحضارة ، وآلت إليهم سيادة الفكر فى العالم ، وأصبحت الثقافة العربية أعظم الثقافات ، وتألّفت حول القرآن علوم لم تسبق إليها أمة من الأمم ، لا قديما ولا حديثا.

* * *

١٤٧٦ ـ الحضّ على تقييد العلم بالكتابة

تدوين العلوم وكتابتها ضرورة وواجب ، والحفظ الشفهى قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان ، وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع ، فالأولى به أن يقيّده لئلا يذهب عنه. ولما سئل أحدهم : أنكتب ما نسمع من أئمتنا؟ قال : وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك الله تعالى :

٥٨٧

(عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى) (٥٢) (طه). وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لمّا قضى الله الخلق كتب فى كتابه على نفسه ـ فهو موضوع عنده : إن رحمتى تغلب غضبى» أخرجه مسلم. وشكا أنصارىّ أنه يستمع الحديث فيعجبه ولا يستطيع أن يحفظه ، فقال له : «استعن بيمينك» وأومأ إلى الخط. وأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بكتابة خطبته فى الحج ، وعهد ذلك إلى أبى شاه اليمنى ، وقال : «قيّدوا العلم بالكتابة» فصار هذا الحديث شعارا إسلاميا. وفى الأمثال : من لم يكتب العلم لم يعدّ علمه علما. ولم يتخوّف العرب من كتابة أى علم إلا الحديث ، لئلا يختلط بالقرآن ، أو حتى لا يجعل قرآنا ، ولذا كان بعضهم يؤثر الحفظ الشفهى ، وكان بعضهم يكتب الحديث إلى أن يحفظه ، فإذا حفظه محاه ، وبعضهم قال ما كتبت إلا حديث الأعماق ثم محوته ، وحديث الأعماق أخرجه مسلم قال : «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق» ، وكتب بعضهم وحفظ فى نفس الوقت. وعن الكتابة جاء فى القرآن قوله تعالى : (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) (١٤٥) (الأعراف) ، وقوله : (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) (١٠٥) (الأنبياء) ، وقوله : (وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً) (١٥٦) (الأعراف) ، إلى غير ذلك من الآيات. ولا يضبط العلم إلا بكتابته : ومن طريقها تتيسر المقابلة بين العلوم ، وتسهل المدارسة ، ويكون التعهّد والحفظ والمذاكرة ، والسؤال والفحص عن الناقلين والكاتبين والقائلين. وتقييد العلم بالكتابة أولى وأكمل ، ووجوبه أقوى. وعند ما قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تكتبوا عنى ومن كتب غير القرآن فليمحه» ، كان المقصود الحديث ، وكان ذلك فى بداية الدعوة ، فلما كثرت الأحاديث وكثر القرآن ، كان لا بد من كتابة كل شىء. وفى المجال الدينى كانت الكتابة ضرورة لئلا يخلط بالقرآن ما ليس منه ، وميّز الحديث عن القرآن ، فكان الحديث يكتب بالسواد أو المداد الأسود ، والسواد أصبغ الألوان ، والحبر أبقاها. والقلم آلة ذوى العلم فى الكتابة ، وهو عدّة أهل المعرفة. وقيل فى الحبر وقتها هو سواد فى الأبصار ، وبياض فى البصائر ، وحبر الكاتب على يديه وثوبه مثل الطيب فى ثوب العروس ، كقول القائل :

مداد المحابر طيب الرجال

وطيب النساء من الزعفران

* * *

١٤٧٧ ـ القلم والكتابة

القلم والأقلام يأتيان فى القرآن أربع مرات ، والقلم اسم سورة هى سورة القلم ، وترتيبها فى المصحف ٦٨ ، وهى مكية إلا من الآية ١٧ إلى الآية ٣٣ ، ومن الآية ٤٨ إلى الآية ٥٠ فمدنية ، وآياتها ٥٢ آية ، وكان نزولها بعد العلق. وفى قوله : (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (٤) (القلم) فإن «ن» هى الدواة ، وفى الحديث : «أول ما خلق الله القلم ، ثم خلق النون

٥٨٨

وهى الدواة ، ثم قال له (أى للقلم) اكتب ، قال : ما أكتب؟ قال : ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، من عمل ، أو أجل ، أو رزق ، أو أثر ، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة». قال : «ثم ختم فم القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة ..» رواه ابن كثير وابن عساكر ، وهو حديث رمزى ، وفى الغالب موضوع ، لأسباب سنذكرها لاحقا. والحديث فى رواية أخرى قال : «إن أول ما خلق الله القلم ، فقال له اكتب ، فقال : يا ربّ ، وما أكتب؟ فقال : اكتب القدر ، فجرى القلم فى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد». فالقلم نعمة من الله ، وهو فى السورة يقسم به لما فيه من البيان ، كما فى اللسان من بيان ، والقلم المعنىّ هو أى قلم ، سواء كان ربّانيا أو إنسيا. والقلم للكتابة : وفى قوله «وما يسطرون» أى ما يكتبون ويصطلحون عليه من لغات وخطوط ، فيسجل القلم الأحداث والحاجات والمخابرات والمعلومات ، ويرصد العلوم والآداب والمفاهيم والصنائع والفنون. والقلم للاقتراع : كقوله : (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (٤٤) (آل عمران) ، والأقلام هى القداح والسهام ، وكانوا يلقونها فى الماء ، فمن لم يجرف الماء قلمه كان هو حاضن مريم. ومن ثم فإن الأقلام تكون ثلاثة : القلم الأول ، الذى خلقه الله بيده وأمره ـ كما قيل ـ أن يكتب ما هو كائن وسيكون ؛ والقلم الثانى هو قلم الملائكة يسجلون به أعمال الناس ؛ والقلم الثالث ، أقلام الناس يكتبون بها كلامهم ، ويصلون بها مآربهم.

وفى آية القلم فإن وجه القسم بالقلم النفى أن يكون محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم مجنونا كما يشيعون ، فالمجنون لا يعى ما يقول الوحى ، ولا يحفظ منه شيئا ، ولا يهمه إن حفظ أو ضاع ، ولا يعنيه أن يسجله ويكتبه فى الدفاتر ويمليه على الأصحاب يحفظونه فى الصدور ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد فعل كل ذلك يستحق الثناء والثواب ، وما فعله ينبئ عن صفات أخلاقية عالية ، وأنه أعقل العقلاء. والدرس المستفاد من الآية : أن أصحاب الأقلام مطلوب منهم أن يكونوا القدوة فى الأخلاق ، وأن يكون لنا فيهم أسوة حسنة ، وحقيقة الخلق أن يأخذ الإنسان نفسه بالأدب ، ونظرية الإسلام فى الأدب أساسها هذه المقولة القرآنية : أن القلم أشرف الأدوات ، وأنه مخلوق ربّانى ، وأن العالم فى بدايته استلزمه كأول شىء من أدواته ، وأن صاحب القلم هو صاحب خلق عظيم ، وأن الأدب ـ أى هذا الفرع من المعرفة ، فيه من الأدب الذى هو علم السلوك ، فلا أدب literature بدون أدب good conduct. والحديث السابق فى القلم أنه كتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة ، يتعارض مع الآية : (لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢٧) (لقمان) وورود هذه الآية فى سورة لقمان دليل على أنها من مصاف الحكم ، فقدرة الله تعالى ليست لها حدود ، وإبداعه وخلقه لا يتوقفان وليست لهما نهاية ، ولو كانت الأقلام التى يمكن استخراجها من كل أشجار الأرض ،

٥٨٩

ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، تتفرغ لكتابة ما هو كائن من مخلوقات ومصنوعات الله ، وما سيكون ، والبحر كمداد تمدّه سبعة أبحر ، لعجزت الأقلام والبحار أن تستوفى ما يخلقه تعالى ، لأن صنعه تعالى أبدى ، ومفتوح على الأبدية ، وهو المعبّر عنه بكلماته ، حيث الأشياء أسماء يقول للاسم منها كن فيكون شيئا ، وناسب أن يسمّى الله تعالى مخلوقاته ومصنوعاته «كلمات» لمناسبة الكلمات للأقلام والمداد والكتابة ، ولأن الكلمات يتكلم بها فى أقواله للأشياء أن تكون فتكون.

والقلم فى القرآن هو الأليق والألصق بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى سورة العلق أن الله خلق الإنسان من علقة مهينة وتعهّده إلى أن صار بشرا سويا عاقلا ومميزا ، فحينئذ قال له «اقرأ» ، واختص نبيّه محمدا بالأمر أن يقرأ ، ولم لا وقد صار لديه كتاب كأهل الكتاب؟ والأمر مع ذلك للعموم ، ومعنى : (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) (العلق) ، أن الإنسان عليه أن يتعلم القراءة والكتابة ، وسيكرمه الله ويعينه ، والقراءة تسبق الكتابة ، فإذا تعلم القراءة فعليه أن يثنّيها بتعلّم الكتابة وهى فعل التعلم ، والكتابة والقراءة هما باب الإحاطة بالعلوم ، والله تعالى هو المعلّم الأول ، علّم آدم أسماء الأنبياء وعرّفه بهم فصار عالما وعارفا ، والمقصود بآدم الإنسان بالمعنى العام ، والقلم ألزم أدوات الحضارة للإنسان دون سائر المخلوقات ، وهو أساس القراءة والكتابة ، والتعلّم وتحصيل العلوم والمعارف ، وبدون القلم لا علوم ، ولا آداب ، ولا معارف ، ولا حضارة. فذلك إذن قدر القلم فى القرآن أو فى الإسلام ، وقدر القراءة والكتابة والتعلّم. فإذا سألتم : فلما ذا تخلّف المسلمون؟ لكان الجواب : لأنهم نسوا تعاليم القرآن ولم يأخذوا بما أوصى ، فتفشّت الأمية وانتشرت ، بحسب مخططات الحكام والاستعمار ، لأن الشعوب الأمية أسلس قيادة وأسهل فى الإقناع ، فإذا قرروا الدّين كمادة للتعليم ، كانت دروسهم فيه فى الصبر والمثابرة ، وانتظار أن تأتى العدالة من السماء ، والرضا بالمقسوم ، وليس فى واجبات الحكّام والأفراد و (الدولة) وفى ضرورة التغيير ، وإصلاح المفاسد ، والترقّى بنشر العلم ، والله تعالى لا يرضى بالظلم الاجتماعى ، وصدق من قال : «الدين أفيون الشعوب» ، لأنه بالدين ترضخ وتستسلم ، وفى بلادنا العربية والإسلامية ، وخاصة مصر ، يخصصون للدين أكبر أبواب الميزانية ، دون عائد اجتماعى سوى تدجين الناس لما يخطّط له الحكام. وحسبنا الله.

* * *

١٤٧٨ ـ الكتابة أمانة والكاتب مؤتمن

مهنة الكتابة أمانة ، والكاتب مؤتمن ، وأمانة الكاتب أن يكتب بالعدل ، كقوله تعالى : (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ) (٢٨٢) (البقرة) ، ومن كتّاب الإسلام زيد بن ثابت ، وصفه أبو بكر فقال : «شاب عاقل ، لا نتهمك» ، فوصفه بالعقل لثبوت أمانته وكفايته وعقله لما كان يكتبه ، وليت كل صحيفة ومجلة تصدّر بالآية الكريمة ، وليت كل كاتب يتحلّى بما كان يتحلى به أمثال زيد بن ثابت ، وعبد الله بن الأرقم ،

٥٩٠

وجعفر بن أبى طالب ، وهؤلاء كانوا كتّابا لقومهم فلم يعرف أنهم باعوا أقلامهم ، واتّهموا فى ضمائرهم ، أو خانوا عهودهم. وليتنا نذكر باستمرار أن أكبر كاتب محرّف كان عزيز أو عزرا الذى كتب التوراة ، فأضاع أمته ، وتسبب فى الفتن والخراب والدمار بين الشعوب بما رسّخ من العنصرية ووجوه الاستعلاء العنصرى ، والاستكبار ، وشارك عزرا آخرون ، قيل بلغوا الأربعين ، واستمروا يعملون فى تحريف كتابة التوراة ألفا وستمائة سنة!!! ثم واصل النصارى التحريف والتزوير فى كتابهم الإنجيل حتى تجاوز ما كتبوه منه الثلاثين كتابا ، لم تقر الكنيسة إلا بأربعة منها فقط!! وهذه الأربعة توفر عليها متّى ، ومرقس ، ولوقا ، ويوحنا ، فكانوا أساتذة فى التحريف والتزوير!

* * *

١٤٧٩ ـ المترجم شاهد

الترجمة كالكتابة أمانة ، والمترجم أو الترجمان شاهد ومؤتمن ، والرسول حثّ على تعلّم اللغات والترجمة منها وإليها ، وقال لزيد بن ثابت : «تعلّم لغة اليهود» ، فتعلّمها زيد فى خمس عشرة ليلة ، وفى رواية أمره أن يتعلم السريانية ، وقال فى تبرير تعلّم اللغات : «إنى أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علىّ وينقصوا» ، والألسنة كثيرة وتحتاج إلى تكثير المترجمين ، ومن تعلّم لغة قوم أمن شرّهم. وعند الأمم كان المترجم أو الترجمان يجرى مجرى الخبر لا مجرى الشهادة ، ووضع الإسلام أساس أن يكون المترجم للنصّ اثنين وليس واحدا ، لترقى ترجمتهما لمستوى الشهادة ، وليس حكم الواحد كحكم الاثنين ، والواحد لا يصنع بيّنة كاملة ، ولا يحتج بأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان له مترجم واحد ، لأن ما كان يغيب عنه بسوء الترجمة أو نقصها يكمله الوحى ، وإنما الأمر مختلف مع الحكام والمحافل العلمية والأدبية ، فلا ينبغى أن يعوّل إلا على اثنين من المترجمين ، كما جرى العرف بذلك فى الإسلام ، ولا يكتفى بالواحد.

* * *

ثانيا : الأدب والأخلاق

* * *

١٤٨٠ ـ النظرية الأخلاقية فى القرآن

فى سورة الكهف ، وفى قصة الخضر مع موسى : أن المتعلّم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب ، وقد يشذّ عن الفاضل ما يعلمه المفضول ، والفضل فى القصة لمن فضّله الله ، والخضر كان وليا ، وموسى أفضل منه لأنه نبىّ ، والنبى أفضل من الولى. ولقد خرق الخضر السفينة وهو عمل باطل ، وقتل الغلام وهو جرم مستشنع ، وأقام الجدار فى قرية رفض

٥٩١

أهلها أن يطعموهما وليس ذلك من العقل ولا من الحكمة ، وكلها أعمال كانت فى حاجة إلى تفسير ، وفى الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن علم موسى والخضر ، وعلم الله تعالى ، أن الخضر قال : «ما علمى وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر» ، يريد أن الله تعالى له علمه ، والخضر له علمه ، وموسى له علمه ، وعلمه تعالى هو مطلق العلم ، وبعلمه تعالى فطر الإنسان على الأخلاق ، فالأخلاق من عند الله ، والأخلاق هى لبّ كل العلوم ، والأخلاق تترجم عن قيم ، والقيم جميعها خلقها الله ووضع ناموسها ، وعلم الخضر بها هو العلم الذى يتجاوز الأخلاق الإنسانية إلى الأخلاق المطلقة ، ولذلك قتل الخضر الغلام ، وخرق السفينة ، ولم يعتبر أيا من ذلك عملا لا أخلاقيا ، واعتبره موسى من الأعمال اللاأخلاقية ، وعلم الخضر لذلك هو علم لدنّى ، أى من لدنّ الله ، أى علم يتجاوز العلم ، وهو الحكمة الإلهية ، بينما علم موسى هو العلم التكليفى الشرعى : افعل ولا تفعل ، والله تعالى قد كلف الناس أن لا يقتلوا ، وأن لا يسعوا فى الأرض فسادا. ونفهم من آيات سورة الكهف وغيرها من السور ، أن فلسفة القرآن ، أو فلسفة الإسلام ، فلسفة مثالية أخلاقية ، تفترض أن للإنسان ملكة أخلاقيةmoral faculty ، له بها الحدس المباشر بالحقائق والصفات الأخلاقية التى تنبه إليها تكليفاته تعالى ، وبالتربية القرآنية يتقوّى النزوع الفطرى الباطن فى الإنسان نحو استحسان بعض الأفعال ، واستهجان البعض الآخر ، والقدرة على تقويم الأفعال ببواعثها ، وليس بنتائجها. ومن مجمل سور القرآن : أن الفعل الأخلاقى هو الفعل الحرّ الذى يقوم على الإرادة الحرّة الإنسانية ، ومجال حرية الإنسان وجوهره كأعظم مخلوقات الله هى فى ممارسة إرادته الحرة ، كما أن الطبيعة والكون كله هما مسرح الإرادة الحرّة لله تعالى. والأفعال التى تصدر عن الإنسان إما أنها أفعال تلقائية لا إرادية فطره الله بها ، وأداؤها موكول إلى الله تعالى ، كالتنفّس ، وضربات القلب ، والنمو ، والحزن ، والفرح ، والرغبة ، والطموح ، وكل منها يدفع إليه دافع فطرى واحد ، إلا الأفعال الإرادية ، وهى النوع الثانى من الأفعال الصادرة عن البشر ، وشرطها أن يكون لها أكثر من باعث ، وتكون هناك مفاضلة حرة بين البواعث ، ويختار الإنسان من بينها ما يناسبه فى حرية ، وهو مسئول عن اختياره تماما ، والخير هو اختيار الباعث الأسمى نسبيا. وكذلك لم يكن هناك أدنى تثريب على ما فعل الخضر ، لأن ما فعله هو اختياره. بناء على الباعث الأسمى بالنسبة له. والباعث الأسمى فى سلّم الدوافع عند موسى ، وعند بنى البشر ، هو الباعث الأخلاقى ، ويتلو ذلك بواعث أخرى أقل أهمية فأقل. ولما وصف القرآن فعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (٤) (القلم) ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسوة وقدوة ، كقوله تعالى : (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (٢١) (الأحزاب) ، يعنى أنه هكذا ينبغى أن يكون خلق المسلم ، وقالت عائشة : «إن خلقه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان القرآن» ، وقال علىّ : «إن أدبه صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو

٥٩٢

علىّ : «إن أدبه صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو أدب القرآن» ، والخلق فى القرآن هو أوامره تعالى ونواهيه ، وأدب القرآن هو السلوكيات التى دعا الناس أن يأتوها ، والتى بإتيانها يتشكّل طبع المسلم ، ويصبح ما كان خلقا مدعوا إليه ، طبعا متأصّلا فيه. وحقيقة الخلق فى اللغة : أنها ما يأخذ به الإنسان نفسه من الأدب ، فيصير باستمرار الأخذ به كالخلقة فيه. والإنسان مجبول على حبّ الخير ، وخلقة الخير فيه هى ما نسميه الطبيعة أو السجية ، والسجية السيئة أو الطبيعة الشريرة هى خلق متكلّف ، كقوله تعالى : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) (٦) (التين) ، أى أن خلقته كانت أحسن الخلق ، فلم يكن له تعالى خلق أحسن من الإنسان ، فخلقه تعالى عالما ، قادرا ، مريدا ، متكلما ، سميعا ، بصيرا ، مدبّرا ، حكيما ، وهذه صفات الربّ سبحانه ، ولذا جاء القول المشهور : «إن الله خلق آدم على صورته» ، يعنى على صفاته ، وفى رواية «على صورة الرحمن» ، وهو صورة معنوية وليست متشخّصة ، ومن أين تكون صورته تعالى متشخّصة؟ وأنّى لنا أن نحيط علما بشيء كهذا؟ فلم يبق إلا أن تكون هذه الصورة «معان». والإنسان هو أحسن ما خلقه تعالى باطنا وظاهرا ، لجمال هيئته ، وبديع تركيبه ، فالرأس بما فيه ، والصدر بما جمعه ، والبطن بما حواه ، واليدان وما تصنعان ، والرّجلان وما تحتملان ، ولذلك قال الفلاسفة فيه : «الإنسان هو العالم الأصغر ، وهذا الكون جميعه هو العالم الأكبر. فهذا ما نعنى به جبلّة الإنسان وسجيته وفطرته وطبيعته ، وأما شرّه ، وفساده ، وعصيانه وفسوقه ، وذنوبه وآثامه وخطاياه وضلاله ، فكل ذلك كان له خلقا متكلّفا ، لمّا هجر العقل الذى يعقله عن النقائص ، وتابع الهوى الذى يردى النفس ، وهو قوله تعالى : (رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) (٥) (التين) ، فلما خرج عن الصراط ضلّ وأضلّ ، إلا من تاب وأناب إلى ربّه وعمل صالحا ، وهو قوله : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) (٦) (التين) ، وفى ذلك المعنى الأخير قوله : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) (٣) (العصر) ، فالعودة بالإنسان إلى خلقته الجبلّية لا بدّ فيها من العودة إلى الله ، وهذا مضمون الدعوة الإسلامية ، وما اشتملت عليه رسالة القرآن ، فقوام الحياة بالأخلاق ، وقوام الأخلاق بالدين ، ونظرية الأخلاق فى القرآن نظرية فى الدين.

* * *

١٤٨١ ـ وصيته تعالى بالوالدين

شدّد الله تعالى فى التوصية بالوالدين فى ثلاثة مواضع ، فى الأول قال : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٨) (العنكبوت) ؛ وفى الثانى قال : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ

٥٩٣

تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٥) (لقمان) ، وفى الثالث قال : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (١٥) (الأحقاف). وفى الآيات الثلاث الوصية بالوالدين عامة لكل الناس ، وكل آية لها مجالها وأسبابها للتوصية بهما. والحسن فى الآية الأولى نقيض القبح ؛ والإحسان فى الآية الثالثة نقيض الإساءة ، وشرط معاملة الأبوين أن تجمع بين الحسن والإحسان ، وأسباب هذه التوصية يعدّدها الله تعالى فى الآيتين الثانية والثالثة ، فالأم فى الآية الثانية تحمل فى طفلها ـ وهى أصلا ضعيفة البنيان ، وكلما كبر الجنين فى بطنها زاد أخذه من غذائها فازداد ضعفها. وفى الآية الثانية تحمله الأم كرها وغصبا ، وتقاسى المشقة من الوحم ، والتعب من الغثيان ، والكرب من الثقل ، وتضعه كرها عنها ، وفى مشقة ، وتعانى الطلق وآلام وعسر الولادة ، ويذكر الوهن فى الآية الثانية مرتين ، والكره فى الآية الثالثة مرتين ، تأكيدا على ما تقاسيه الأم ، فحقّت التوصية بها ؛ ثم إنها فى الآيتين تتعهده بالرضاعة فلا يفطم عنها مدة عامين أو أقل من ذلك أو أكثر ، وتحمله وترضعه مدة ثلاثين شهرا ، فأى عناء تتحمل الأم ، وأى مشقة تبتلى بها! وفى الآية الثالثة تنبيه إلى ما يسمى فى علم النفس بالرضاع النفسى ، ولو اعتقدنا أن علاقة الإنسان بأمه هى علاقة حمل ورضاع ، وأنها إذا ولدته وقطع الحبل السرّى بينهما ، انقطعت صلة الأم بطفلها ، فإننا تخطئ أيّما خطأ ، فالحبل السّرى النفسى مستمر ، والعلاقة النفسية بين الأم وطفلها قائمة وعلى أشدّها وإن اختلفت نوعيتها ، ولا تضعف هذه العلاقة إلا وابنها قد بلغ الأربعين وأنجب الأولاد ، وعندئذ تلتفت الأم إلى أحفادها توليهم رعايتها كرعايتها لابنها طفلا. والأب أثناء ذلك يشارك الأم فى أعباء التنشئة والتربية ، ويتعهدها بالنفقة ، فهذا هو فضل الأبوين بعامة ، والأم بخاصة ، فاستحقا أن يوصى الله تعالى بهما. ولا يدرك الإنسان هذا الفضل لهما ولله تعالى إلا فى سن تمام النضج ـ فى الأربعين ، فيشكر لهما والله ، ويدعو لأولاده أن تكون لهم الرعاية التى كانت له من أبويه ومنه تعالى ، فكأن الإنسان يدرك ربّه ويدين له بالفضل ، لو أدرك دور أبويه وشكر لهما ، ومن لم يحمد لأبويه فلن يحمد لربّه ، إلا أن يجاهده الأبوان فى إيمانه بالله فعندئذ لا طاعة لهما ولا حمد ، وذلك ما تضمنته الآيتان الأولى والثانية دون الثالثة. والآيات الثلاث فيها التنبيه لدور الأسرة باعتبارها وحدة المجتمع ونواته ، ويجعل لها مرجعية تعليم الطفل ، بأن له إله خالق يرعاه وأبويه ، وفى الآيات الثلاث تأكيد على دور الأبوين معا فى التنشئة والتربية ، وأن يكونا على وفاق حتى ينمو الطفل عارفا بفضلهما وفضل ربّه ، ويتعين بدوريهما التعين

٥٩٤

النفسى والاجتماعى السليم. وفى الآيتين الأولى والثانية تحذير للأبوين من الإفراط أو التفريط فى دوريهما ، وتحذير للأبناء أن يقصّروا ، لأنه فى النهاية مرجعنا إلى الله ، فيكون حسابنا على ما أسلفنا فى حق كلّ.

ووصايا الآيات الثلاث ، من أعظم الوصايا ، ومن عيون الحكمة فى مجال علوم النفس والتربية والاجتماع ، وطب الأطفال ، والفقه ، وفيها جماع تعاليم هذه العلوم وخلاصتها.

* * *

١٤٨٢ ـ الأم لا تعق أبدا

فى التوصية بالأم قوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ) (١٤) (لقمان) فذكر ضعف الأم وحاجتها للرعاية دائما ، وسوّى بين الأم والأب فى الوصاية ، وخصّ الأم بالأمور الثلاثة : الحمل والولادة والرضاعة. وفى قصة موسى كانت الأم هى القلقة على ابنها ، والمتألمة والملتاعة ، ولذا قال فيها : (فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ) (١٣) (القصص) فلم يقل أن لا تحزن أخته ، أو أبوه ، أو جدّه ، أو خاله إلخ ، وإنما اختصّ أمه : (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) (١٥) (الأحقاف) لأنه تكوّن من عظمها ولحمها ، وشقت فى حمله أيما شقاء ، وتعبت فى ولادته ورضاعته أيّما تعب ، ولذا قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند ما سئل : من أحق بحسن صحابتى؟ قال : «أمك ، ثم أمك ، ثم أمك ، ثم أبوك ، ثم الأقرب فالأقرب» ، فكرر الأم ثلاثا ، وذكر الأب فى الرابعة ، والمراد أن الأم تستحق من أولادها الحظ الأوفر من البرّ ، وحقّها فى ذلك مقدّم على حق الأب عند المزاحمة. وفى الرواية أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد الأم والأب ، ذكر الأخت ثم الأخ ، وقدّم الجدّ على الأخ ، وتقدّم القرابة من ذوى الرحم ، ويقدّم منها المحارم على من ليس بمحرم ، ثم سائر العصبات ، ثم المصاهرة ، ثم الولاء ، ثم الجار. ومن الأدب مع الأبوين : أن لا يخرج الولد مجاهدا ، أو يقبل التجنيد فى الجيش إلا بإذنهما ، ومن وصاياه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى ذلك قال : «ففيهما فجاهد» ، ومن الأدب أن لا يسبّ الرجل والديه ، وعقوقهما من الكبائر ، وفى الحديث : «إن الله حرّم عليكم عقوق الأمهات» ، والعقوق مشتق من العق وهو القطع ، والمراد به صدور ما يتأذّى به الوالدان من ولدهما من قول أو فعل ، ووجوب طاعتهما فى المباحات ، فعلا وتركا ، واستحبابها فى المندوبات وفروض الكفاية ، كما لو تعارض الأمران إذا دعته أمه ليمرّضها مثلا ، فتضيع عليه فضيلة الصلاة أول الوقت أو فى الجماعة. ولمّا استفتت أسماء بنت أبى بكر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أمها ـ وكانت مشركة ووفدت لتزور ابنتها ، أمرها أن تصلها ، ونزل القرآن يقول : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) (٨) (الممتحنة). وفضل صلة الرحم عظيم ، لأنه من فضل صلة الأم ، وواصل الرحم يعيد

٥٩٥

الحبل السرّى إلى ما كان عليه وإنما نفسيا ، وقاطع الرحم هو قاطع لهذا الحبل وجزاؤه أن لا يدخل الجنة ، وفى الحديث : «إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع الرحم» ، وذلك أن الرحمة من الرحم ، فمن قطع الرحم قطع عن نفسه الرحمة ، وقوله : «لا تنزل على قوم» يقصد بالقوم من يساعدون قاطع الرحم على قطعها ولا ينكرون عليه. والأرحام هم الأقارب من جهة الأم ، وخاصة الأخوات والإخوة ، وفى التنزيل : (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) (٢٢) (محمد) يقصد بها من يسعى فى قطع الأرحام ، وفى الحديث : «ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذى إذا قطعت رحمه وصلها» ، والمكافئ يعنى الذى إذا زاره أقاربه زارهم ، واحدة بواحدة ، والوصل ليس أن تصل من وصلك ، ولكنه أن تصل من قطعك. فهذا من أصول علم الاجتماع الإسلامى ، وهو بعض بركات الأم ، وأن يرتبط الناس بالحبال السرّية التى كانوا يرتبطون بها وهم فى بطون أمهاتهم ، ومن الأحاديث العظيمة فى صلة الأرحام الحديث : «بلّوا أرحامكم ولو بالسلام» وقوله «بلّوا» من «البلل» أى السقى ، شبّه الرحم بالأرض التى إذا وقع عليها الماء وسقاها ، أزهرت ورؤيت فيها النضارة ، فأثمرت المحبة والصفاء ، وإذا تركت بغير سقى يبست وبطلت منفعتها فلا تثمر إلا البغضاء والجفاء.

* * *

١٤٨٣ ـ الوصية بالأهل والجيران والأصحاب والزملاء والشغيلة

أجمع أهل العلم على أن الآية : (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً) (٣٦) (النساء) من المحكم المتفق عليه ، وفيها الإعلان بانقضاء العبودية لغير الله ، والآية على ذلك أصل فى خلوص الأعمال لله ، ومنها الإحسان للوالدين : وفى الحديث : «رضى الربّ فى رضى الوالدين ، وسخطه فى سخط الوالدين» ؛ ولذى القربى : أى القربات بصلة أرحامهم ؛ ولليتامى : جمع يتيم ، ويقال عن الطفل عند فقد الأب أو الأم أو فقدهما معا ، وفى الحديث : «كافل اليتيم ، له أو لغيره ، أنا وهو كهاتين فى الجنة» وأشار بالسبابة والوسطى ؛ وللمساكين : وهم الذى أسكنتهم الحاجة وأذلّتهم ، وفى الحديث : «الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله أو القائم لا يفتر ، وكالصائم لا يفطر» ؛ وللجار ذى القربى والجار الجنب : والأول هو الجار القريب ، والثانى هو الجار الغريب أو البعيد ، وقيل الأول هو الجار المسلم ، والثانى هو الجار غير المسلم ، والإحسان إلى الجار مأمور بها ، ومندوب إليها ، مسلما كان أو غير مسلم ؛ بالمواساة ، وحسن العشرة ، وكفّ الأذى ، والمحاماة دونه ، وفى الحديث : «ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» أخرجه البخارى ، وفى رواية : «حتى ظننت أنه يجعل

٥٩٦

له ميراثا» ، والتوريث فعلا لم يقع للجار ، إلا أن الميراث قسمان : حسّى ومعنوى ، والحسّى هو المشاركة فى المال بفرض سهم ، ولم يفرضه الله للجار ؛ والمعنوى هو ميراث العلم ، ومن حق الجار على الجار أن يعلّمه إن احتاج إلى التعليم ، وأن يعلمه إن احتاج للإعلام. والجيران مراتب ، فمنهم الفاسق والعابد ، والصديق والعدو ، والأجنبى والقريب ، والغريب وابن البلد ، والنافع والضار ، والأقرب دارا والأبعد ، ومنهم من تجتمع فيه صفات أكثر من الباقين ، والأجدى معهم أن يعطى كلّ حقه بحسب حاله. وفى الحديث : «الجيران ثلاثة : جار له حق ـ وهو المشرك له حقّ الجوار ؛ وجار له حقّان ـ وهو المسلم له حقّ الجوار وحقّ الإسلام ؛ وجار له ثلاثة حقوق ـ وهو المسلم ذو القرابة ـ له حقّ الجوار ، وحقّ الإسلام ، وحقّ الرحم». والجار يطلق يراد به الداخل فى الجوار ، ويطلق ويراد به المجاور فى الدار وهو الأغلب. وحفظ الجار من كمال الإيمان ، وكان أهل الجاهلية يحفظون للجار حقّه ، وأنزل الله فى هذا الحق الآيات ، وأوصى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالإحسان إليه بحسب الطاقة ، كالهدية ، والسلام ، وطلاقة الوجه عند اللقاء ، وتفقّد الحال ، والمعاونة عند الحاجة ، وكفّ أسباب الأذى ، ونفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم الإيمان عمّن لا يأمن جاره أذاه فقال ثلاث مرات : «والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن» ، فسئل : من يا رسول الله؟ قال : «الذى لا يأمن جاره بوائقه» أخرجه البخارى. وفى الحديث تأكيد لحق الجار ، لقسمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتكرير اليمين ثلاث مرات ، ونفيه الإيمان عمّن يؤذى جاره بالقول أو الفعل. ولمّا سألت عائشة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمّن تبدأ به من جيرانها فى الهدية ، أخبرها أن من قرب بابه فإنه أولى من غيره. وحدّ الجيرة الذى قال به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أربعون دارا ، وفى الآية : (ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلاً) (٦٠) (الأحزاب) أن المدينة التى يسكن فيها المسلم كلها جوار ، غير أن الألصق هو الأولى ، ومن يصلى معك صلاة الصبح فى المسجد فهو جار ، وفى الحديث : «يا نساء المسلمات : لا تحقّرن جارة لجارتها» ، أى لا تحقرن أن تهدى الجارة إلى جارتها شيئا ، وهو كناية عن التحابب والتوادد ، وخصّ النساء لأنهن موارد المودة والبغضاء ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى حقوق الجار : «إن استقرضك أقرضته ، وإن استعانك أعنته ، وإن احتاج أعطيته ، وإن مرض عدته ، وإن مات تبعت جنازته ، وإن أصابه خير سرّك وهنّيته ، وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزّيته ، ولا تؤذه بقتار قدرك (رائحة الطبخ لطعامك) إلا أن تغرف له منها ، ولا تستطل عليه بالبناء لتشرف عليه وتسدّ عليه الريح إلا بإذنه ، وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها ، وإلا فأدخلها سرّا ، ولا يخرج ولدك بشيء منه يغيظون به ولده ـ هل تفقهون ما أقول لكم؟ لن يؤدّى حقّ الجار إلا القليل ممن رحم الله!». ويستوى فى ذلك الصاحب بالجنب ، وهو زميل العمل ، ومثلهما ابن السبيل ، وما ملكت اليمين ، وهم الآن الشغّيلة والعمّال والخدم ، وفى الحديث : «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فأطعموهم مما تأكلون ، وألبسوهم مما تلبسون ، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم» يحضّ على

٥٩٧

عدالة الأجور وكفايتها ، وحسن المعاملة ، والتكليف بما فى الوسع من العمل ، والمساعدة عليه ، وهذا درس آخر مستفاد من دروس الاشتراكية فى الإسلام ، فمن يعمل بهذه الوصايا فهو المؤمن حقا ، ومن لا يعمل بها فإنما لصفات سيئة فيه أبرزها : الخيلاء والتفاخر ، والأولى تدفع إلى التكبّر عن الإحسان ، والثانية تجعله يتعاظم على الناس ويرى فى الإحسان حطة له لا تليق به ، والصفتان لا يحبهما الله ولا يحب من كانت فيه.

* * *

١٤٨٤ ـ السلوك مع اليتيم

يأتى عن اليتيم واليتامى فى القرآن ٢٢ مرة ، كقوله تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) (١٥٢) (الأنعام) ، أى لا تستعملوه إلا بما فيه صلاحه ويكون به استثماره أحسن استثمار ، إلى أن يبلغ اليتيم رشده فيدفع إليه المال ، كقوله : (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) (٦) (النساء) ، والآية بيان لكيفية دفع أموال اليتامى إليهم باختبار نجابتهم ومعرفتهم بما فيه مصالحهم ، ويجب على الوصى تسليم اليتيم جميع ماله بارتفاع الولاية عنه ، إلا السفهاء لقوله تعالى : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (٥) (النساء). وللوصى أن يصنع فى مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارة وشراء وبيع بموافقة المجلس الحسبى ، وعليه أن يؤدى الزكاة من سائر أمواله. ولمّا سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن اليتامى أتاه الجواب : (قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) (٢٢٠) (البقرة) يعنى يجوز للكفيل أو الوصى التصرف فى مال اليتيم بما فيه صلاحه ؛ ومخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم مال ويشقّ على وصيّه أو كافله أن يفرد معيشته بمعزل عن عياله ، فيضمه إليهم ، فيأخذ من ماله ما يرى أنه كافيه ، ويجعله مع نفقة أهله. وفى الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (١٠) (النساء) ، وهؤلاء هم الذين دأبوا على أن لا يورثوا البنات ولا الصبيان ، وسمّى الله تعالى أخذهم لمال اليتامى بأنه «أكل» وخصّ البطون بالذكر لتبيين نقصهم والتشنيع عليهم ، وسمّى المأكول نارا بما يئول إليه. والآية من آيات الوعيد.

وخصّ الله اليتامى بالإنفاق من مال الدولة حينما لا يكون لهم مال ، فجعلهم ضمن المصارف الاجتماعية لما تتحصله الدولة من ضرائب ، وفى الآية خصّهم بالخمس ، قال : (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (٤١) (الأنفال) وإلا كان المال دولة ـ أى وقفا ـ على الأغنياء دون الفقراء. والضرائب مغانم للحكومة تعيد بها

٥٩٨

توزيع الثروة القومية فى وجوه الإنفاق الاجتماعى المختلفة كالتعليم والصحة إلخ ، فهذه بحسب أوامره تعالى وفى إطار الفلسفة الاجتماعية للإسلام مصارف إجبارية على الدولة للفقراء والمحتاجين. وحتى عند تقسيم ميراث أحد الأغنياء فإن للفقراء نصيبا فيه ، ومنهم اليتامى : (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) (٨) (النساء). ومن علامات الإيمان العناية بالأيتام وإطعامهم وخاصة ذوى القربى ، كقوله : (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ) (١٥) (البلد). وخصّ الله تعالى اليتيم بكل هذه العناية لأنه لا نصير له ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتيم الأبوين فآواه عمه أبو طالب وكفله ، ونزلت فى ذلك الآية : (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى) (٦) (الضحى) ، والله يأمر بالإحسان إلى اليتيم : (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) (٩) (الضحى) ومع أن الخطاب للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا أنه لعموم الأمّة ، وفى الأمثال : كن لليتيم كالأب الرحيم» ، ولمّا شكا أبو هريرة إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قسوة قلبه قال له : «إن أردت أن يلين ، فامسح رأس اليتيم ، وأطعم المسكين» ، وقال : «أنا وكافل اليتيم كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى.

* * *

١٤٨٥ ـ من أدب المسلمين مع بعضهم البعض

من السور المعنية بالأخلاق سورة الحجرات ، وفيها الكثير من أدب المسلمين مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأدبهم مع بعضهم البعض ، والآيات : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (١٢) (الحجرات) فيها النهى عن السخرية من الآخرين ، ومن اللمز والتنابز بالألقاب ، والظن بالسوء ، والتجسّس والغيبة. والسخرية : هى الاستهزاء ، وتخصيصها للنساء لأن السخرية منهن أكثر ؛ واللمز من السخرية ، ويكون بالعين والإشارة ، ومثله الهمز ويكون باللسان ، والمعنى نهىّ العيّاب عن ذكر الناس بما يكرهون ، فربما كانوا خيرا منه ، والمسلم لا يعيب ، وإذا أردت أن تنظر العيوب جمّة فتأمّل العيّاب ، فإنه إنما يعيب الناس بدافع ما فيه من العيب ، وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يبصر أحدكم القذاة (الشظية) فى عين أخيه ويدع الجذع فى عينه». والعاقل من اشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره. وفى الآية : «النهى عن التنابز بألقاب السوء» ، يقال نبزه أى لقّبه بما يكره ، ولبئس أن تقول مثلا لأخيك : يا فاسق ، أو تصفه فتقول : إنه فاسق ، وفى الصحيح : «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال ، وإلا رجعت عليه» أخرجه البخارى ، وفى الرواية أن أبا ذرّ تنازع ورجل فقال له : «يا ابن اليهودية»! فقال النبىّ

٥٩٩

صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما ترى هاهنا ـ أحمر وأسود! ما أنت بأفضل منه»! يعنى كما أنه لا أفضلية لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر ، فكذلك لا أفضلية لأحد على أحد إلا بالتقوى. وقيل التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب ، فنهى الله أن يعيّر بما سلف ، وفى الحديث : «من عيّر مؤمنا بذنب تاب منه كان حقا على الله أن يبتليه به ويفضحه فيه فى الدنيا والآخرة» أخرجه الترمذى. ومع ذلك يجوز أن يلقّب المرء بما يحب ، وقد لقب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمر : بالفاروق ، وأبا بكر : بالصدّيق ، وعثمان : بذى النورين ، وخزيمة : بذى الشهادتين ، وأبا هريرة : بذى الشمالين ، وبذى اليدين ، وروى عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «من حقّ المؤمن على المؤمن أن يسميه بأحب أسمائه إليه» ، ولهذا كانت التّكنية من السنّة والأدب الحسن ، وعن عمر قال : أشيعوا الكنى.

والظن فى الآية هو التهمة ، ومحل التحذير والنهى أن تظن فى إنسان ظنونا لا موجب لها ، وللظن حالتان : حالة يتوافر بها الدليل فيجوز الحكم بها ، وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن ، كالقياس ؛ والحالة الثانية الظن فيها من غير دليل ، فهذا هو الشك ، فلا يجوز الحكم به ، وهو المنهىّ عنه ، والأول هو الظن المحمود ، والثانى هو الظن المذموم ، كقوله تعالى : (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) (١٢) (النور) ؛ وقوله : (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) (١٢) (الفتح). والظن المذموم هو المعنىّ بقوله تعالى : فى الآية : (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات ١٢). وأما التجسّس : فهو البحث عمّا يكتم عنك ، وهو بخلاف التحسّس : وهو طلب الأخبار والبحث عنها ؛ والجاسوس هو الذى يبحث عن الأمور المخبوءة فيكشفها. والغيبة : هى أن تذكر الرجل بما فيه من عيوب ، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان. والغيبة ثلاثة أوجه هى : الغيبة ، والإفك ، والبهتان ؛ فأما الغيبة : فهو أن تقول فى أخيك ما هو فيه ؛ وأما الإفك : فأن تقول فيه ما بلغك عنه ؛ وأما البهتان : فأن تقول فيه ما ليس فيه. وقد مثّل الله تعالى الغيبة بأكل الميتة فقال : (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (الحجرات ١٢) ، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه ، كما أن الحىّ لا يعلم بغيبة من اغتابه ، فكما أكل لحم الميت حرام مستقذر ، وفكذلك الغيبة حرام وقبيحة ، وفى الحديث : «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس» وليس من ذلك غيبة الفاسق المعلن به المجاهر ، وفى الخبر : «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له» ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اذكروا الفاجر بما فيه كى يحذره الناس» وقيل : لا حرمة لثلاثة : صاحب الهوى ، والفاسق المعلن ، والحاكم الجائر.

* * *

١٤٨٦ ـ المسلم أخو المسلم

فى التنزيل : (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (١٠) (الحجرات) ، وأخوّتهم فى الدين والحرمة لا فى النسب ، وأخوّة الدين أثبت من أخوة النسب ، وتنقطع أخوة النسب وما تنقطع أخوة الدين ،

٦٠٠

ولذا كان الصلح أوجب بينهم وأحرى بهم. وقوله : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (١٠) (الحجرات) خبر عن الحالة التى شرّعت للمؤمنين ، فهو بمعنى الأمر أن يكونوا كالإخوة ، والذى يمنع الأخوّة رذائل حصرها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا ، ولا تناجشوا (يزايد بعضكم على بعض) ، وكونوا عباد الله إخوانا» ، أخرجه البخارى ، وفى رواية قال : «ولا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بعض وكونوا عباد الله إخوانا» ، وقال : «المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره. التقوى هاهنا (وأشار إلى صدره ثلاث مرات). بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام ، دمه ، وماله ، وعرضه» أخرجه مسلم ، وقال : «المؤمنون كجسد واحد ، إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».

* * *

١٤٨٧ ـ «المعروف» من مكارم الأخلاق

المعروف : اسم لكل فعل يعرف حسنه بالشرع والعرف والعقل معا ، ويأتى ذكره فى القرآن ٣٩ مرة ، والأمر بالمعروف يلازمه النهى عن المنكر ، كقوله تعالى فى صفة المؤمنين : (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (١١٠) (آل عمران) وقوله نقيض ذلك فى صفة العاصين : (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) (٦٧) (التوبة) ، وقوله : (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (١١٢) (التوبة) ، وصف لأمة الإسلام ، ما أقاموا على ذلك واتصفوا به ، فإذا تركوا المعروف ، وتواطئوا على المنكر ، زالت عنهم هذه الصفة ولحقهم الذم. وفى الحديث : «كل معروف صدقة» ، و «على كل مسلم صدقة» ، قالوا : فإن لم يجد يا رسول الله؟ قال : «فيعمل بيديه ، فينفع نفسه ويتصدّق» ، وقالوا : فإن لم يستطع؟ قال : «فيعين ذا الحاجة الملهوف» ، قالوا : فإن لم يستطع؟ قال : «فليأمر بالمعروف» ، قالوا : فإن لم يستطع؟ قال : «فليمسك عن الشرّ فإنه له صدقة». والحديث من عيون الحكمة ، وأصل من أصول الخلق الإسلامى ، وفى الحديث أن الصدقة : هى الثواب ، ولا تنحصر فى الأمر المحسوس ، ولا تختص بأهل اليسار ، وكل واحد بوسعه أن يفعلها فى أكثر الأحوال ، وبغير مشقة. وأصل الصدقة : ما يخرجه المسلم من ماله متطوعا به ، وقد تطلق على الواجب لأن صاحبه يتحرّى الصدق بفعله. والآية والحديث من جملة ما يعرف به المسلم ، فمن أراد أن يعرف ما هو الإسلام ، فليتأملهما ليدرك توا أن هذا الدين يدعو إلى العمل والتكسّب ، ليجد المرء ما ينفق به على نفسه ، وما يتصدّق به ، وما يغنيه عن ذلّ السؤال ؛ وأنه دين يحثّ على فعل الخير كلما أمكن ، وأن من قصد بابا من أبواب الخير فتعسّر عليه فلينتقل إلى غيره. وكان المتكلمون يقولون : إن ترك فعل الشر ليس من العمل ، وفى الحديث أنه عمل ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم :

٦٠١

«من همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة» ، وقوله : «إن الحسنة إنما تكتب لمن همّ بالسيئة فلم يعملها ، إذا قصد بتركها الله تعالى» ، وفى الحديث عن الكلمة أو الفعل الطيب قوله : «الكلمة الطيبة صدقة» ، وقوله : «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة ، فإن لم يكن فبكلمة طيبة» ، وأصل الطيب ما تستلذه الحواس ، ويختلف باختلاف متعلقه ، وطيب الكلام من جليل عمل البرّ ، لقوله تعالى : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (٣٤) (فصلت) ، والدفع قد يكون بكلمة ، وقد يكون دفعا بالفعل والعمل.

* * *

١٤٨٨ ـ الدفع بالتى هى أحسن

الدفع بالتى هى أحسن من مكارم أخلاق المسلم ، وفى التنزيل قوله : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) (٩٦) (المؤمنون) ، وقوله : (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (٣٤) (فصلت) ، والحسنة ضد السيئة ؛ ومن الحسنات : المداراة ، والعفو ، والعلم ، والتحية ؛ ومن السيئات : الغلظة ، والانتصار ، والفحش ، والمخاصمة. وفى الأثر قوله : «تصافحوا يذهب الغلّ» ، وقوله : «من تمام المحبة الأخذ باليدين» ؛ وفى الحديث : «ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة ، إلا ألقيت ذنوبهما بينهما» ، والآية تأمر بالصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل ، والعفو عند الإساءة. والدفع قد يكون بالقول أو بالفعل.

* * *

١٤٨٩ ـ الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة

الشفاعة من الخلق الإسلامى ، وأصل الشفاعة من الشفع ، وهو الزوج فى العدد ، ضد الوتر ، ومنه الشفيع سمى كذلك لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا ؛ والشفعة ضمّ ملك الشريك إلى ملك الآخر ، والشفاعة مثلها ، وهى ضمّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك ، وفى التنزيل : (مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها) (٨٥) (النساء) ، والشفاعة الحسنة لا يفعلها إلا المتّقون ، والشفاعة السيئة لا يفعلها إلا الأشرار ، والأولى فى البرّ والطاعة ، والثانية فى المعاصى ، وكل من يشفع سواء بالحسنة أو بالسيئة له أجره أو وزره ، ومن الشفاعة الحسنة أن تدعو للناس ، ومن الشفاعة السيئة أن تدعو عليهم ، وكان اليهود يدعون على المسلمين. والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم تتحقق شفاعته ، والشفاعة قد لا تنجز ، لأنه تعالى قال : «من يشفع» ولم يقل «ومن يشفّع» ، وفى الحديث : «اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان رسوله ما شاء» ، والأجر على الخصوص وليس على العموم ، وهو فى الشفاعة الحسنة ما تجوز فيه الشفاعة ، وضابطها ما أذن فيه الشرع دون ما لم يأذن فيه ، ومن شفع بالباطل كان له نصيب من وزره ، والرسول شفيع

٦٠٢

للمسلمين ، والله تعالى يقضى الحاجة بشفاعته إن شاء ، وكل الحاجات يشفع فيها إلا الحدود ، وما تجوز الشفاعة فيها ، ولمّا تشفّعوا فى السارقة أنكر عليهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يشفعوا فى حدّ من حدود الله ، وما كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقبل شفاعة إلا ممن وقعت منهم الهفوة من أهل الستر والعفاف ، وأما المصرّون على فسادهم ، المشتهرون فى باطلهم ، فلا يشفع فيهم ، ليزجروا عن ذلك. وكان إذا جاءه السائلون أو طالبوا الحاجة أقبل عليهم بوجهه يقول : «اشفعوا» ، وفى الحديث : «إنى أوتى فأسأل أو تطلب إلى الحاجة وأنتم عندى فاشفعوا».

* * *

١٤٩٠ ـ الابتداء بالسلام سنّة

إذا كان الابتداء بالسلام سنّة فإن ردّه فريضة ، كقوله تعالى : (وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها) (٨٦) (النساء) ، والتحية هى السلام ، وهى خلاف الردّ. والابتداء بالتحية تطوّع ، وردّها من الفروض المتعيّنة ، ويلزم كل إنسان بعينه ، غير أنه فى الحديث : «يجزئ من الجماعة إذا مرّوا أن يسلّم أحدهم ، ويجزئ عن الجلوس أن يردّ أحدهم» أخرجه أبو داود ، يعنى الواحد يسلّم على الجماعة وينوب عن الباقين كفروض الكفاية. وردّ السلام يكون بردّ المثل لا ردّ العين ، بقول : «وعليك» أو «وعليكم السلام» ؛ وحسن السلام بأن يقال : «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» ، فزيدت ورحمة الله وبركاته. والسلام مأمور به بقوله تعالى : (فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) (٥٤) (الأنعام) ، وبقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أفشوا السلام تسلموا» ، وإفشاء السلام ابتداء يقتضى إفشاءه جوابا ، وقد يقال فى الجواب «وعليكم» أو «السلام» فقط ، وقد يقال فى السلام : (سَلامٌ) (يونس ١٠) ، أو «سلام عليكم (الأنعام ٥٤) ، وفى الردّ عليه : (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) (هود ٦٩) وأكثر ما يأتى فى القرآن سواء فى التحية أو فى الردّ «سلام» أو «سلاما» (هود ٦٩) ، أو «سلام عليكم» (الرعد ٢٤). وكان المسلمون يدعون فى الصلاة فيقولون : «السلام على الله قبل عباده ، والسلام على جبريل ، وعلى ميكائيل ، وعلى فلان وفلان» ، فعلّمهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى التشهّد أن يقولوا : التحيات لله والصلوات والطيبات. السلام عليك أيها النبىّ ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». وقال : «فإن الله هو السلام» ، وفى القرآن أن من أسمائه تعالى : (السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ) (٢٣) (الحشر) ، ومعنى السلام أنه السالم من النقائص. وفى الحديث عن السلام قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وضعه الله فى الأرض ، فأفشوه بينكم» أخرجه الطبرانى. والسلام تحية أهل الجنة لبعضهم لبعض : (تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ) (٢٣) (إبراهيم) ، وتحية الملائكة لهم : (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ) (الزمر ٧٣) ، وتحيتهم لله تعالى : (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ) (٤٤) (الأحزاب) ، وتقرن أسماء النبيين بالسلام ، كقوله : (سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ) (١٠٩) (الصافات) ، و (وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) (١٨١)

٦٠٣

طلب السلامة لهم ، كقوله تعالى : (فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) (٩١) (الواقعة). وفلسفة السلام وإفشائه فى قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أفشوا السلام» أن المسلم يعلم من يسلّم عليه أنه سالم منه ، ويدعو له بالسلامة. وقيل فى التحية فى الآية : (وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها) (٨٦) (النساء) أن التحية هى تشميت العاطس والردّ على المشمّت ، وهذا قول بعيد. ولا يجزئ فى السلام إلا الردّ بالسلام ، وليس بأن يقال «صبّحت بالخير» أو «بالسعادة» ونحو ذلك ، وفى الحديث : «لا تسلّموا تسليم اليهود» لأن اليهودى ضنين بقول السلام. والتحية للنساء تجوز برفع اليد ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ألوى لهن بيده بالتسليم ، وما منعه من إزجاء السلام إلا بعدهن ، ولمّا جاء الولد يقول للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن أبى يقرئك السلام. قال : «وعليك وعلى أبيك السلام» ، والسنّة فى السلام : أن القليل يسلم على الكثير ، والصغير على الكبير ، والمار على القاعد ، والراكب على الماشى ، والماشى على القاعد ، فإذا تساوى المتلاقيان فمن يبدأ بالسلام أفضل ، وأولى الناس بالله من بدأ بالسلام. والفلسفة فى السلام من تسليم القليل على الكثير ، أن حق الكثير أعظم ، ومن تسليم المار على الجالس ، لأن المار يشبه الداخل على أهل المنزل ، ومن تسليم الراكب ، لئلا يتكبّر بركوبه فيرجع إلى التواضع. والجهر واجب فى السلام والردّ ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا سلمتم فاسمعوا ، وإذا رددتم فاسمعوا». ولا يسلّم على المصلّى ، ولا قارئ القرآن ، وأثناء خطبة الجمعة ، ولمن يشتغل بالدعاء ، أو بالأذان ، أو بالتلبية فى الحج ، وبعد الفراغ من ذلك يمكن الردّ. والسلام على النفس : لمن دخل مكانا ليس فيه أحد ، لقوله تعالى : (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) (٦١) (النور) فيقول الداخل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». ويكره إذا لقى المسلم جماعة أن يخص بعضهم بالتحية ، لأن القصد من التحية تحصيل الألفة ، وفى تخصيص التحية إيحاش (أى تحريك الغل) لمن أهمل أمره فى التحية. وفى الحديث : «وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف» ، فلما ذا لمن لم نعرف؟ يقول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنه سيأتى على الناس زمان يكون السلام فيه للمعرفة» أى لمن نعرفهم فقط ونترك الباقين ، ويقول : «إن من أشراط الساعة السلام للمعرفة».

* * *

١٤٩١ ـ دخول البيوت بالاستئذان والسلام على أهلها

الاستئذان هو طلب الإذن فى الدخول لمحل لا يملكه المستأذن ، وفى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (٢٧) (النور) تأديب للمؤمنين بما يرجع إلى الستر عليهم لئلا يطّلع أحد على عورة

٦٠٤

لهم ؛ والاستئناس هو الاستئذان ، وهو أن يفعل الزائر أو يقول قدر ما يعلم أن أصحاب البيت قد شعروا به : (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) (٦) (النساء) فادخلوا. ولمّا سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الاستئذان قال : «يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ، وينحنح ويؤذن أهل البيت» أخرجه ابن ماجة. والسنّة فى الاستئذان ثلاث مرات إلا لو علم المستأذن أنه لم يسمع ، وفى الحديث : «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع» أخرجه البخارى. والاستئذان ترك الناس العمل به لاتخاذهم الأبواب والأجراس وسمّاعات الصوت. وإذا سئلت : من بالباب؟ فلا تقل أنا ، بل قل اسمك وحاجتك ، وابدأ بالسلام ، وفى الحديث : «من لم يبدأ بالسلام فلا تأذنوا له».

* * *

١٤٩٢ ـ السلام عند دخول البيوت

البيوت أنواع : فهناك بيوت الله ، والبيوت المسكونة من الغير ، والبيوت المسكونة بالأهل ، والبيوت غير المسكونة. ويقول الله تعالى : (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٦١) (النور). قيل : إذا دخلت المسجد فقل : السلام عليكم تحية مباركة طيبة من عند الله. السلام على رسول الله. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وإذا دخلت البيوت غير المسكونة يسلم المرء على نفسه بأن يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وإذا دخلت البيوت المسكونة فقل : السلام عليكم ، تحية من عند الله. وإذا دخلت بيتك فقل : ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وهذا عام فى دخول كل بيت. فإذا كان بالبيت ساكن مسلم فليقل : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تحية من عند الله. وإن كان فى البيت غير مسلم فليقل : السلام على من اتبع الهدى ، أو : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وفى الحديث : «إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أهلها ، واذكروا اسم الله ، فإن أحدكم إذا سلّم حين يدخل بيته وذكر اسم الله تعالى على طعامه يقول الشيطان لأصحابه : لا مبيت لكم هاهنا ولا عشاء. وإذا لم يسلّم أحدكم إذا دخل ، ولم يذكر اسم الله على طعامه ، قال الشيطان لأصحابه : أدركتم المبيت والعشاء». والكلام رمزى بطبيعة الحال.

* * *

١٤٩٣ ـ السلام كتحية لغير المسلمين

السلام من أدب السلوك الإسلامى ، وكذلك من حسن السياسة. واليهود يسلمون فيقولون : شالوم أو سلام ، وليس ذلك السلوك من أدبيات التوراة ولكنه من تعليم الأحبار والسلام بمعنى التحية خصّت به أمة الإسلام ، فيجوز السلام على غير المسلم ، وفى القرآن

٦٠٥

سلم إبراهيم على أبيه آزر لمّا أعلنه آزر بالكفر وبادأه بالخصام والهجر ، فقال له إبراهيم : (سَلامٌ عَلَيْكَ) (٤٧) (مريم) ، وفى أدب ذلك قال تعالى فى المؤمنين : (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) (٦٣) (الفرقان) ، وفى حكمته وفلسفته قال تعالى : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (٨) (الممتحنة). وفى الحديث : «إن الله تعالى أعطى أمتى ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم : السلام وهو تحية أهل الجنة» الحديث ، ذكره الترمذى. وروى عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب ، وكانوا لا يمرون بمسلم ولا نصرانى ، ولا صغير ولا كبير ، إلا سلّموا عليه ، فهكذا أمر المسلمون : أن يفشوا السلام. والذين يسلّمون هم الصالحون ، وعن الحسن البصرى قال : إذا مررت بمجلس وفيه مسلمون وكفّار فسلّم عليهم ، فهكذا كان يفعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفعله نبىّ الله إبراهيم ، والله يقول : (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ) (٤) (الممتحنة).

* * *

١٤٩٤ ـ لا حرج أن يأكل الناس من بيوت أقاربهم

القرابة إذن للقريب أن يأكل من بيت قريبه ، ولا حرج على من يفعل ذلك : (أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ) (٦١) (النور) ، والآية كلها فى المطاعم ، وفى القرابة عطف تسمح النفوس به ، أن يأكل القريب من أشياء أقربائه إذا دعوه وكانوا به أحفياء ، فإذا كان الطعام مبذولا فلا حرج أن نأكل منه بلا استئذان ، فإذا كان محرزا لم يكن لنا أخذه ، وإذا دعينا فلا يجوز أن نزيد على ما نتناوله عادة من كميات ، وأن لا نحتفظ ببعضه ، أو تمتد أيدينا إلى ما لم يبذل لنا. وبيت الابن من بيوت الأقارب ولو أنه لم يذكر فى الآية ، وفى الحديث : «أنت ومالك لأبيك» ، ويباح للرجل إذا وكل آخر فى ضيعته أن يأكل من ثمرها ، وهو معنى (أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ) ، ومالك المفتاح يسمى الخازن ، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير ، وله أن يأكل مما يخزن إذا لم تكن له أجرة ، فإذا كانت له أجرة حرم عليه الأكل. وكذلك يباح الأكل عند الصديق ، وهو من يصدقك فى مودته ، يشرط أن يجيزه الصديق ، وفى الحديث : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه» أخرجه أحمد.

* * *

١٤٩٥ ـ رفع الحرج عن المعوق

رفع الله الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذى يشترط فيه البصر ، وعن الأعرج فيما يشترط فى التكليف به من المشى ، وما يتعذر من الأفعال مع وجود العرج ،

٦٠٦

وعن المريض فيما يؤثّر المرض فى إسقاطه ، كالصوم ، والصلاة ، والجهاد ونحو ذلك ، قال : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (٦١) (النور). والحرج عن هؤلاء وأمثالهم مرفوع فى كل ما يضطرهم إليه العذر ، وتقتضى نيتهم فيه الإتيان بالأكمل ، فيقع منهم الأنقص. ويعذر أمثال الأعمى إذا جالت يده فى الطعام ، والأعرج إذا انبسطت جلسته ، والمريض إذا كانت له رائحة ، وهؤلاء يعذرون عن درجة الأصحاء ، فنزلت الآية تبيح الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض رغم عجز الأعمى عن الرؤية ، والأعرج عن المزاحمة ، والمريض لضعفه.

* * *

١٤٩٦ ـ دعاء الأكابر بالأدب

كان المؤمنون يصيحون على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من بعيد : يا أبا القاسم! فنزلت الآية : (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) (٦٣) (النور) يعنى عظّموه ، كقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) (٣) (الحجرات) أى الذين كانوا يرفعون أصواتهم فى محضره. والدرس المستفاد أن يكون ذلك هو سلوك المسلمين مع كبرائهم وأعيانهم.

* * *

١٤٩٧ ـ النميمة من الكبائر

النّم : إظهار الحديث بالوشاية ، وأصل النميمة الهمس والحركة ، وفى الاصطلاح : النّم هو نقل القول إلى المقول فيه ، وكشف ما يكره كشفه ، سواء كرهه المنقول عنه ، أو المنقول إليه ، أو غيرهما ، وسواء كان المنقول قولا أو فعلا ، والنّم بخلاف الغيبة ، ومع ذلك يتشابهان ، فبينهما عموم وخصوص ، لأن النميمة : هى نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد ، وبغير رضاه ، سواء كان بعلمه أم بغير علمه ؛ والغيبة ذكره فى غيبته بما لا يرضيه ، فامتازت النميمة بقصد الإفساد ، ولا يشترط ذلك فى الغيبة. وامتازت الغيبة بكونها فى غيبة المقول فيه ، واشتركت فيما عدا ذلك. وكلاهما الغيبة والنميمة من الكبائر ، وفى التنزيل : (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ) (١٣) (القلم) وجميع هذه الصفات وجوه لشخصية النّمام ، فمن كانت صفته النّم لن يعدم أن يكون كل ذلك ، فلأنه نمّام فهو إنسان حقير وواش مهين وضيع ، والنّم يكون همزا أى باغتياب الناس ، والنمام على ذلك همّاز وهمزة ، ومنّاع للخير يسعى للإفساد ، ومعتد أثيم ، لأن كل ما يقوله أو يفعله ظلم ومن الإثم ، وهو عتل فاجر فى الخصومة ، وفاحش زنيم ـ أى دعىّ وابن زنا لا أصل له. والآية أصل من أصول علم نفس السمات ، وتصف النّمام وصفا محيطا آية فى الشمول ، وهى من الإعجاز العلمى فى هذا المجال ، وفى الطب النفسى ، وفى الأدب وما ينبغى أن ينأى عنه المسلم خلقيا.

٦٠٧

١٤٩٨ ـ المسلم لا يحسد

الحسد : تمنّى الشخص زوال النعمة عن مستحق لها وإن لم يصر للحاسد مثلها ؛ والمنافسة : تمنى الشخص مثل النعمة وإن لم تزل ؛ والحسد لذلك شرّ مذموم : (وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ) (٥) (الفلق). والمنافسة مباحة وهى الغبطة ، وفى الحديث : «المؤمن يغبط ، والمنافق يحسد» ، واليهود والنصارى يحسدون المسلمين على نبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعلى كتابهم القرآن ، وعلى لغتهم العربية. والحسود عدو ينقم على الله ، ويسخط لقضائه ، ولا يرضى بقسمته. والحسد أول ذنب عصى الله به فى السماء ، وأول ذنب عصى به فى الأرض ، فأما فى السماء فحسد إبليس لآدم ، وأما فى الأرض فحسد قابيل لهابيل. والحاسد لا ينال فى المجالس إلا الندامة ، ولا ينال من الناس إلا اللعنة والبغضاء ، ولا ينال عند ما يخلو إلى نفسه إلا الجزع والغم ، ولا ينال فى الآخرة إلا غضب الله وعقابه ، ولا ينال من الله إلا البعد والمقت ، وروى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم : آكل الحرام ، ومكثر الغيبة ، ومن كان فى قلبه غل أو حسد للمسلمين» ، وقال : «ثلاث لا يسلم منها أحد : الطّيرة ، والظن والحسد» ، قيل : فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال : «إذا تطيّرت فلا ترجع ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا حسدت فلا تبغ» ، ومضمون الحديث أنه ما من آدمى إلا وفيه الحسد ، إلا أن المسلم لا ينبغى أن يجاوز ذلك إلى البغى والظلم ، فحينئذ لا يضرّه إن اعتمل فيه حسد.

* * *

١٤٩٩ ـ اجتناب قول الزور

من الأدب فى الإسلام اجتناب قول الزور ، وفى الآية : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (٣٠) (الحج) قرنه الله تعالى بالشرك بالله ، وقال اجتنبوا أى تحاشوا ، والنهى بالاجتناب أشد من النهى بعدم التعبّد للأوثان أو قول الزور ، لأن الاجتناب فيه الحظر من إتيان أى شىء يشتمّ فيه أنه من رجس الوثنية أو من رجس الزور ، ومثلما أن الوثنية رجس أى نجس ، فقول الزور أيضا رجس ، والرجس نجس حكما ، وليست النجاسة وصفا ذاتيا للأعيان ، وإنما هى وصف شرعى من أحكام الإيمان ، فلا تزال إلا بالإيمان ، كما لا تجوز الطهارة إلا بالماء ، فكذلك قول الزور ضد الحق ، وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل ، وفى الحديث : «عدلت شهادة الزور الشرك بالله» ، والشرك أعظم الزور ، ولذا كان قول الزور ، وشهادة الزور ، من الكبائر ، وحدّها فى الإسلام أربعون جلدة ، وليس فى القرآن شىء من ذلك ، وقيل إن عمر بن الخطاب كان يأمر بأن يسخّم وجه قائل الزور ، وتحلق رأسه ، ويطاف به فى الأسواق! ولا تقبل شهادته إلا بعد إصلاح وصلاح.

* * *

٦٠٨

١٥٠٠ ـ إدهان ذى الوجهين

المدهن هو المصانع ، كقوله تعالى : (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (٩) (القلم) ، أى لو تصانع ، والمدهن ذو وجهين ، وظاهرة خلاف باطنه ، وفى الحديث : «من أشرّ الناس ذو الوجهين يأتى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» ، وهو المنافق المتملق بالباطل وبالكذب ، ومدخل الفساد بين الناس ، ومصانعته للأطراف المتضادة خصوصا ، يتحايل عليهما ليطّلع على أحوالهما ، والمداهنة محرّمة. وقيل الادّهان أو المصانعة وأن يكون المرء بوجهين ، منه المحمود ومنه المذموم ؛ والمحمود : ما كان بهدف الإصلاح بين المتخاصمين أو المتعادين ، وشأنه كشأن الكذب الأبيض ؛ والمذموم : ما زيّن لكل طائفة عملها ، وقبّحه عند الأخرى ، وما ذمّ كل طائفة. والعميل المزدوج : هو الجاسوس الذى يعمل للطرفين ، ويصانع الفريقين ، وله وجه مع كلّ ، وفى الحديث : «من كان له وجهان فى الدنيا ، كان له فى الآخرة لسانان من نار».

* * *

١٥٠١ ـ العدل والإحسان من أعظم الأخلاق

العدل والإحسان من أدب الإسلام ، قال تعالى : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (٩٠) (النحل) ، وهذه الآية لمّا سمعها أبو طالب عمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : اتّبعوه تفلحوا. والله إن الله أرسله ـ أى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ليأمركم بمكارم الأخلاق. وقال : اتّبعوا ابن أخى ، فو الله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق. وقيل : هذه أجمع آية فى القرآن لخير يمتثل ، ولشرّ يجتنب. وقيل : ما فى القرآن آية أجمع لحلال وحرام ، وأمر ونهىّ من هذه الآية». ـ والعدل فى الآية إنزال العقاب بالجانى بما يستحق ، والإحسان ترك العقوبة. والعدل إنصاف ، والإحسان تفضّل. والعدل ضربان : مطلق : يقتضى العقل حسنه ولا يوصف بالاعتداء بوجه ، نحو أن تحسن لمن أحسن إليك ، وتكفّ الأذى عمّن كفّ أذاه عنك ؛ وعدل يعرف بالشرع : ويوصف بالاعتداء مقابلة ، كالقصاص ، وأرش الجنايات (أى الدية) ، وأخذ مال المرتد ، كقوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (١٩٤) (البقرة) ، فالعدل : هو المساواة فى المكافأة فى الخير أو الشر ؛ بينما الإحسان : مقابلة الخير بأكثر منه ، والشر بالترك أو بأقل منه ، وفى الآية أن إيتاء ذى القربى إحسان ، وترك الفحشاء والمنكر والبغى عدل.

* * *

١٥٠٢ ـ من بغى فإنما يبغى على نفسه

البغى من الرذائل ، وهو مجاوزة القصد فى الشيء ، ومن سنّته تعالى فى الكون تأنيسا لعباده أن جعل وبال البغى يعود على الباغى ، فقال : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ

٦٠٩

(٢٣) (يونس) ، ووعد من بغى عليه بالنصر فقال : (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ) (٦٠) (الحج) ، فكان على من بغى عليه أن يشكره تعالى ويقابل ذلك بالعفو عمن بغى عليه ، كقوله : (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (٤٣) (الشورى) ، والله تعالى : (يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) (٩٠) (النحل) ، والعدل هو الإنصاف ، والإحسان هو التفضّل ، وفى نفس الآية أمر تعالى بالنهى عن البغى ، فجعل حدّ الإجزاء فى البغى ضمن العدل ، وجعل التكميل الزائد على الإجزاء ضمن الإحسان. والبغى مع ذلك منه ما يحمد ، ومنه ما يذمّ ، والبغى المحمود : ما جاوز العدل إلى الإحسان ، والبغى المذموم : ما جاوز العدل إلى الجور ، وما جاوز الحق إلى الباطل. غير أن أكثر ما يطلق البغى على المذموم ، كقوله تعالى : (إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ) (٧٦) (القصص) ، وقوله : (قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ) (٢٢) (ص) ، وقوله : (فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) (٩) (الحجرات) ، وإذا أطلق البغى وأريد به المحمود يزاد فيه غالبا التاء ، كقوله تعالى : (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ) (١٧) (العنكبوت).

* * *

١٥٠٣ ـ الكبر ليس من شيم المسلم

الكبر والتكبّر والاستكبار متقاربة المعنى ؛ فالكبر الحالة التى يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه ، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم ؛ والمتكبّر هو الذى يتصرّف باستكبار ؛ والتكبّر على وجهين ، أحدهما : أن تكون الأفعال حسنة زائدة على محاسن الغير ، ولذلك وصف الله تعالى نفسه بالمتكبّر فقال : (السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) (٢٣) (الحشر) ، لأنه تكبّر بربوبيته فلا شىء مثله ، وهو المتكبّر عن كل سوء ، والمتعظّم عمّا لا يليق من صفات الحدث والذم. وأصل الكبر والكبرياء الامتناع وقلة الانقياد. والكبرياء فى الإنسان صفة ذم ، وفى الله صفة مدح ؛ والوجه الثانى : أن يكون المتكبّر متكلفا لذلك ، كقوله تعالى : (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (٣٥) (غافر) ، والمستكبر مثله ، والمستكبرون فى كل أمة هم المترفون أصحاب الجاه والسلطان يعتون ويستضعفون الناس ؛ والمستضعفون هم المقابل للمستكبرين ، كقوله تعالى : (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) (٧٥) (الأعراف) ، وقوله : (فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) (٢٢) (إبراهيم). وقيل : إن الكبر إن ظهر على الجوارح فهو التكبّر ، وإلا قيل : فى نفسه كبر ، والكبر فى النفس هو أصل الكبر ، وهو الاسترواح إلى رؤية النفس. والكبر يستدعى مستكبرا عليه يرى نفسه فوقه ، ومتكبّرا به ، وبه ينفصل الكبر عن العجب ، فمن يظن أنه ليس فى الدنيا سواه يعجب بنفسه ولا يكون متكبّرا. والكبر يبدأ بالعجب. ولذلك لم يكن الكبر من شيم المسلم. والمستكبرون لهم علامات ، كقوله : (لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ

٦١٠

وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) (٥) (المنافقون) وقوله : (قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ) (٢٢) (النحل) ، وقوله : (وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً) (٢١) (الفرقان) ، وكلها صفات مستهجنة تصف المستكبر ، وكان إبليس ـ أول مرتكب لأول رذيلة فى الكون ـ وهى الكبر ؛ وكان رئيس المستكبرين فى الدنيا فرعون موسى ، وفيه قال ربّ العالمين : (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) (٣٩) (القصص) ، وفى التنزيل أن أبرز صفات المتكبّر أنه : (ثانِيَ عِطْفِهِ) (٩) (الحج) ، والعطف هو الرقبة ، والمعنى أنه معرض من العظمة. وفى الحديث عن الضعفاء قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبرّه» ، وقال : «ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتلّ جوّاظ مستكبر» ، والعتلّ هو الجافى الغليظ ، والجوّاظ المختال فى مشيه. وفى الأحاديث عن الكبر والمتكبّرين قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الكبر بطر الحق وغمط الناس» ، والغمط هو الازدراء والاحتقار. وقوله : «الكبر السفه عن الحق وغمص الناس» ، والسفه عن الحق إنكاره ، وغمص الناس تحقيرهم. والتواضع نقيض الكبر. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم شديد التواضع ، ولمّا سئل فى ذلك قال : «إن الله أوحى إلىّ أن تواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد» ، لأن القبر طريق البغى ، والأمر بالتواضع نهىّ عن الكبر ، وفى الحديث عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من تواضع لله درجة ، رفعه درجة ، حتى يجعله الله فى علّيين ، ومن تكبّر على الله درجة وضعه الله درجة حتى يجعله فى أسفل سافلين» أخرجه أحمد.

* * *

١٥٠٤ ـ المسلمون معافون إلا المجاهدين

المسلم مأمور بالستر على نفسه ، وفى الحديث : «اجتنبوا هذه القاذورات التى نهى الله عنها ، فمن ألمّ بشيء منها فليستتر بستر الله». أخرجه الحاكم ، وفى التنزيل : (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) (١٤٨) (النساء) ، ومنه الجهر بالمعاصى ، وهو الذى يفعلها العاصى جهارا ، أو يتحدث بها ويكشف عما ستره الله عليه منها ، ومن يجاهر بفسقه أو ببدعته يسمى مجاهرا. وفى الحديث : «كل أمتى معافى إلا المجاهرين» ، وفى الجهر بالمعصية استخفاف. والمعاصى تذل مرتكبها ، وتقيم الحدّ عليه إن كان فيها حدّ ، أو التعزير له إن لم توجب حدا. وإذا ستر الله الفاسق فى الدنيا لم يفضحه فى الآخرة ، والذى يجاهر يفوته عفو الله ورحمته. والمجاهرون بالمعاصى لا يعانون ولا يسترون. والحال مع العصاة من المسلمين يوم القيامة على قسمين : أحدهما من معصيته بينه وبين ربّه ، وهذا القسم على قسمين : قسم معصيته مستورة فى الدنيا فيسترها الله عليه يوم القيامة ؛ وقسم معصيته مجاهرة فيفضحه الله يوم القيامة ؛ والقسم الثانى : من تكون معصيته بينه وبين العباد فهم على قسمين أيضا : قسم ترجح سيئاتهم على حسناتهم ، فهؤلاء يقعون فى النار ثم يخرجون بالشفاعة ، وقسم تتساوى سيئاتهم وحسناتهم فهؤلاء لا يدخلون الجنة حتى يقع بينهم التقاص.

* * *

٦١١

١٥٠٥ ـ المؤمن لا يكذب

فى الحديث : «آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان» ، وهو الكاذب عند ما يحدّث ، وعند ما يعد ، وعند ما يؤتمن. والكذب : من قبائح الذنوب ، ويجانب الإيمان. والصدق ضد الكذب ؛ والصدق : مطابقة القول للمخبر عنه ، فإن لم يطابقه فإنه إما أن يكون كذبا ، أو مترددا بين الصدق والكذب ، كقول المنافق محمد رسول الله ، فإنه يصحّ أن يقال صدق ، إذا كان يعتقد ذلك حقا ، فعندئذ يكون صادقا ؛ ويصحّ أيضا أن يقال كذب ، إذا كان قوله يخالف ضميره ، وفى التنزيل قال المنافقون : (قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) (١) (المنافقون) ، وقال تعالى في الصادقين : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (١١٩) (التوبة) يعنى أن الصدق قرين الإيمان ، والصادقون هم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم ، كقوله تعالى : (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ) (٢٣) (الأحزاب) يعنى أوفوا بما عاهدوا ، وبالصدق ينتفى النفاق فى العقيدة ، والمخالفة فى الفعل ، وصاحب هذه الصفة يقال له الصادق ، فإذا كثر منه الصدق يقال له الصدّيق ، كأبى بكر. والمسلم حقّ أن يلازم الصدق فى الأقوال ، والإخلاص فى العمل ، لو فهم الإسلام ، ووعى القرآن ، وفى الحديث : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البرّ ، وإن البرّ يهدى إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا. وإياكم والكذب ، فإن الكذب يهدى إلى الفجور ، وإن الفجور يهدى إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا» أخرجه مسلم. وقد ردّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شهادة رجل فى كذبة كذبها ، فالكذب لا يصلح منه جدّ ولا هزل ، وقبول شهادة الشاهد مرتبة شريفة لا تكون إلا لمن كملت خصاله وعرف عنه الصدق ، ولا خصلة أشرّ من الكذب.

* * *

١٥٠٦ ـ مدار الإسلام على الحياء

أصل الحياء الامتناع ، وهو فى الاصطلاح الامتناع عن فعل ما يعاب. ومنه الاستحياء يعنى الاحتشام والخجل ، كقوله تعالى : (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ) (٥٣) (الأحزاب) ، وقوله : (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً) (٢٦) (البقرة) يعنى لا يمتنع ، ولمّا سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : الحياء من الدين؟ قال : «بل الدين كله» : وقال «الحياء من الإيمان» ، يقصد الحياء الشرعى المكتسب بالدين ، فذلك هو الذى جعله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الدين ، وأما الحياء بمعنى الخجل من المطالبة بالحق ورفع الظلم ، ومواجهة من يرتكب المنكرات ، فذلك عجز ومهانة. والمسلم حياؤه غالبا غريزى ومكتسب ، يعنى أن الحياء فيه غريزة ومن ثم يعينه على المكتسب. وقد ينطبع المسلم

٦١٢

بالمكتسب حتى يصير غريزيا فيه ، وكانت فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الخصلتان : الحياء الغريزى والحياء المكتسب ، وكذلك الصحابة كأبى بكر ، وكانوا فى الحياء الغريزى والمكتسب فى الذروة. وفى الحديث : «الحياء لا يأتى إلا بخير» ، لكونه إذا صار عادة وتخلّق به صاحبه ، يكون سببا لجلب الخير ، فيأتى منه الخير بالذات وبالسبب. ومن الأقوال الإسلامية المأثورة : «إن من الحياء وقارا ، وإن من الحياء سكينة» ، والمعنى أن من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار عند ما يوقّر غيره ويستحى منهم ، ويتوقّر هو فى نفسه ، ويستحى من نفسه ، ومنه ما يحمله على أن يسكن عن كثير مما ينشده الناس ويسعون إليه من الأمور التى لا تليق بذى المروءة. والقول بأن الحياء من الإيمان ، لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم ، وفى الحديث : إذا لم تستحى فاصنع ما شئت» ، قيل هو من كلام النبوة الأولى ، وأنه آخر ما تعلّق به أهل الجاهلية من كلام الأنبياء الأوّل ، والمعنى أن الذى لا يكفّ الإنسان عن مواقعة الشرّ هو الحياء ، فإذا تركه صار كالمأمور بطبيعته على ارتكاب الشرّ ، فإذا أراد فعل شىء ، فإن كان مما لا يستحى إذا فعله من الله ولا من الناس فليفعله ، وإلا فلا. ومدار الإسلام على هذا الحياء : وهو أن المأمور به ، والواجب والمندوب ، يستحى من تركه ، والمنهى عنه إلى الحرام والمكروه ، يستحى من فعله ، وأما المباح فالحياء من فعله جائز ، وكذا من تركه ، مثلما فعلت أم سليم عند ما سألت بلا حياء عن غسل المرأة إذا احتلمت ، فهال سؤالها أم سلمة ظنا أنه كان عليها أن تستحى ، غير أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أفهمها أنه لا حياء فى الدين ، يعنى أن لها تسأل فيما تجهله وإن كان يوجب عليها أن تستحى أن تسأل فيه ، وهذا يثبت أن الحياء المقصود فى الإسلام هو الحياء الشرعى وليس اللغوى ، وحياء المسلم هو هذا الحياء ، لأن غير الشرعى يعوق عن تحصيل الحقوق وقول الحق ، وذلك منهىّ عنه.

* * *

١٥٠٧ ـ المسلم مضياف

حسن الضيافة من مكارم الأخلاق فى الإسلام ، والضيافة : هى القرى ؛ والضيف : هو النزيل ؛ والفعل ضاف أى نزل به ضيفا ؛ وأضافه واستضافه : أنزله عليه ضيفا ؛ والمضياف : كثير الضيوف ، وفى التنزيل أن إبراهيم ولوطا كانا مضيافين ، فعن إبراهيم يقول القرآن : (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ) (٥١) (الحجر) ، ووصفهم فقال : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) (٢٤) (الذاريات ٢٤) ، فأكد لإبراهيم صفة الكرم. وعن لوط يقول : (فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) (٧٨) (هود) ، وفى الحديث عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وإنّ لزورك عليك حقا» ، والزور هو الزائر ، يقال للواحد وللجمع ، وكذلك ضيف ، وتقول أيضا أضيافا وزوّارا ، وقرن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حسن الضيافة بالإيمان ، فقال : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، جائزته يوم وليلة ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما بعد ذلك فهو صدقة ، ولا يحل

٦١٣

(أى الضيف) أن يثوى (أى يقيم) عنده حتى يحرجه» ، وفى الحديث تشريع جديد : أن الضيافة ثلاثة أيام ، قيل يتكلف المضيف للضيف فى اليوم الأول ، ثم فى الثانى والثالث يقدّم له ما يحضره ولا يزيد على عادته ، فإن زاد على الأيام الثلاثة فهو صدقة ، سمّاها كذلك لتنفير الضيف أن يمكث بعد الأيام الثلاثة. وأما الجائزة : فهى المئونة التى تمكن المسافر العابر إذا نزل ضيفا أن يجوز بها مقدار يوم وليلة من هذا البلد إلى البلد الآخر الذى يقصده ، وتسمى لذلك الجيزة أيضا. واستدل بجعل ما زاد على الأيام الثلاثة صدقة ، على أن هذه الأيام الثلاثة ، وكذلك الجائزة ، واجبة ، ولا يحلّ للضيف أن يستمر فى الإقامة بعد الأيام الثلاثة ، وهو معنى الثواء ، إلا لو قبل ذلك المضيف وطلبه منه ، وهو معنى «حتى يحرجه» ، لأنه إذا ارتفع الحرج عن الضيف والمضيف فإن الإقامة تجوز. وفى رواية لمسلم «حتى يؤثّمه» أى يوقع المضيف فى الإثم ، لأن إقامة الضيف أكثر من الأيام الثلاثة ، تجعل المضيف يغتاب الضيف ، أو يغلظ له فى القول ، أو يظن به السوء ، وكل ذلك إثم. وفى الرواية أن الصحابى سلمان نزل ضيفا على أبى الدرداء ، وأقام أكثر من الأيام الثلاثة حتى اضطر أبو الدرداء أن يرهن شيئا من بيته ليحصل على المال لضيفه ، وقال سلمان يوما يشكر لأبى الدرداء حسن ضيافته : الحمد لله الذى قنعنا بما رزقنا. فقال أبو الدرداء غاضبا : لو قنعت ما رهنت بعض ملكى كى أضيفك! ـ ويكره للمضيف والضيف أن يظهر الغضب أو الجزع لشىء يقع من أحدهما.

* * *

١٥٠٨ ـ المسلم غير مسرف

أحلّ الله الأكل والشّرب واللبس للناس جميعا بلا تمييز ، فقال : (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (٣١) (الأعراف) ، والخطاب فى الآية لبنى الإنسان ولكل العالم ، وقوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) قاله كل حكماء الطب كأبقراط وغيره. والزينة فى اللباس هى التجمّل ، وهى حالة لا تكون إلا فى المناسبات ، كالذهاب إلى المساجد ، فلا يذهب المسلم بملابس العمل ، واستن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم غسل الجمعة لهذا السبب ، والله تعالى جميل يحب الجمال ، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ، والتجمّل فى اللباس من غير إسراف ـ من العبادة ، مثلما الاقتصاد فى الأكل والشرب. وفى الإسلام لا سرف ولا مخيلة ، وما يستر الجسم وتدعو إليه الحاجة ، ويسدّ الجوع ، ويسكن الظمأ ، فهو مندوب إليه عقلا وشرعا ، لما فيه من حفظ النفس ، ولذلك ورد الشرع بالنهى عن الإسراف فى كل شىء ، ويختلف ذلك باختلاف البلدان والأزمان

٦١٤

والأعمار ؛ وفى الاقتصاد منافع كثيرة ، والبهرجة فى الثياب محل نقد ومضيعة للمال ، وكثرة الأكل كظّ المعدة ونتن التّخمة ، وفى الأثر : «جوعوا تصحّوا» ، والجوع بمعنى أن لا نأكل إلا عن جوع ، لأن من الناس من يأكل عن شره ، وقلّة الأكل يصحّ بها الجسم ، ويجود بها الحفظ ، ويزكو بها الفهم ، ويعتدل بها النوم ، وينصلح المزاج ، ومن الأقوال المأثورة عند أهل الإسلام : «أكبر الدواء تقدير الغذاء» ، لأن الأكل الكثير تتولد منه الأمراض ، ومن أقوال أهل الطب فى الإسلام : قل لى ما ذا تأكل ، أقل لك ما الذى سيصيبك من أمراض» ، وفى حديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يغنى عن كل كلام للأطباء ، قال : «ما ملأ آدمىّ وعاء شرا من بطن ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه» ، ولو سمع أبو الطب أبقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة ، والعلم علمان : علم الأديان وعلم الأبدان ، وعند المسلمين لا تعارض بين العلمين ، ومن أقوال علىّ بن أبى طالب : إن الله تعالى قد جمع الطب كله فى نصف آية من القرآن ، قال : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف ٣١) ، وجمع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الطب كله فى ألفاظ يسيرة فقال : «المعدة بيت الداء ، والحمية رأس كل دواء» ، والحمية من حمى المريض إذا منعه عما يضرّه. وفى الطب الإسلامى : معالجة المريض نصفان ، نصف دواء ، ونصف حمية» ، فإذا اجتمع النصفان برأ المريض وصحّ ، وإلا فالحمية به أولى ، لأنه لا ينفع دواء مع ترك الحمية ، وعلى العكس ـ قد تنفع الحمية مع ترك الدواء ، ومن أقوال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوجز الطب كله : «أصل كل دواء الحمية» ، يعنى لا تداوى من غير حمية ، والحمية فيها الغناء عن كل دواء ، وأطباء النفس اليوم من أهل الإسلام ، من غير تلاميذ المبشّرين ، كثيرا ما يعالجون الناس بالحمية ، والحمية من الطب الإسلامى البدنى والنفسى : بمنع المريض من الأكل والشرب والكلام عدة أيام أقلها ثلاثة أيام ، غالبا فيبرأ بإذن الله ويصحّ ، والعلاج بالامتناع عن الكلام من تعاليم القرآن مثلما العلاج بحمية الأكل والشرب ، ومن ذلك قوله تعالى لزكريا : (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) (٤١) (آل عمران) ، وقوله تعالى عن مريم : (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) (٢٦) (مريم ٢٦) وفى عدم الكلام اختزان للطاقة النفسية ، وتوفير لها ، وتوجيهها لمطلب العلاج ، وتجنيب للنفس الدخول فى المهاترات ، ثم إنه توطين لها أن تسكن وتطمئن ، وتؤمن بربّها وتسلّم نفسها إليه تعالى. وأقل مدة للصوم عن الكلام من يوم إلى ثلاثة ، ويصحّ أكثر من ذلك ، وقد صام موسى عن الكلام أربعين يوما ، كقوله تعالى : (وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (البقرة ٥١) والحمية إذن تكون من الطعام ومن الكلام. وفى الحديث : «الكافر يأكل فى سبعة أمعاء والمؤمن يأكل فى معى واحد» أخرجه مسلم ، والمعنى : أن المؤمن يتناول الطعام دون شبع ، وقد يوجد

٦١٥

الكافر الأقل أكلا من المؤمن ، غير أن القلب إذا تنوّر بنور الإيمان ، نظر إلى الطعام بعين التقوى ، فأخذ منه قدر الحاجة ، بينما الكافر إذا أظلم قلبه بالكفر ، كان أكله كالبهيمة. وفى الحديث : «من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت» أخرجه ابن ماجة ورواه أنس بن مالك. ومن حكم لقمان : يا بنىّ ، لا تأكل شبعا فوق شبع ، فإنك إن تنبذه للكلب ـ يعنى تطرحه ـ خير من أن تأكله.

* * *

١٥٠٩ ـ المسلم يسبّح لله ويكبّر إذا تعجّب لأمر

التسبيح هو أن تقول : «سبحان الله» ، والمسلم يقولها إذا لم يعجبه أمر ، ويتكرر ذلك فى القرآن ست مرات ، وإذا استعظم أمرا قال : «الله أكبر» ، وفى الرواية أن أبا هريرة لمّا اعتذر بجنابته للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس» ؛ وفى قصة المرأة التى نذرت أن تنحر ناقة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «سبحان الله! بئسما جزيتها» ، ولمّا تأكد عمر أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يطلّق نساءه سرّ لذلك وقال : «الله أكبر».

و «سبحان الله» اسم موضوع موضع المصدر ، ومعناه التنزيه والبراءة لله من كل نقص. وسئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن معنى «سبحان الله»؟ فقال : «تنزيه الله من كل سوء» ، فكأنه عند سماع الشيء لا يعجبه ، يسبّح لله ، تذكيرا لنفسه بكماله تعالى ، وتنزيها له من كل نقص مقارنة بالبشر. وأما تكبيره تعالى كقوله : (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ) (١٨٥) (البقرة) وهو أن نقول الله أكبر الله أكبر هكذا ، كما فى ليلة الفطر ، وعند ذبح الأضحية (الحج ٣٧) ، مثل قوله : (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (١١١) (الإسراء) أى عظّمه عظمة تامة. وأبلغ ما قاله العرب فى معنى التعظيم والإجلال لفظة : «الله أكبر» ، أى أنه تعالى أكبر من كل شىء ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا بدأ فى الصلاة يقولها.

* * *

١٥١٠ ـ المسلم يتوكل على الله

التوكّل على الله : هو الاعتماد عليه ، والتفويض إليه ، والاكتفاء به ، وهو بخلاف التواكل : وهو أن يتّكل بعضنا على بعض ، ولا يفعل أىّ منا شيئا ، ولا يبذل جهدا ، وحقيقة التوكل : أن تأخذ بالأسباب ، وتدع النتائج إلى الله ، كقوله تعالى فى الدعاء : (رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (١٠) (الشورى) ، وقوله فى أسباب التوكل : (وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا) (٨٩) (الأعراف) وقوله : (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١٢٢) (آل عمران) ، وقوله : (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (٤٢) (النحل) ، وقوله : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (٦٧) (يوسف). وفى أسباب اختياره تعالى وكيلا

٦١٦

قال : (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) (٥٨) (الفرقان) ، وقال : (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (٢١٧) (الشعراء) ، وقال : (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (٦٢) (الزمر) ، فالله كل شىء فى حياة المسلم وتفكيره ، فكان هو وكيله : (وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً) (٨١) (النساء) ، ويبدو أن غير المسلمين لن يفهموا هذه الحقيقة ، أو أنهم سيظلون يكابرون ويصرّون على المكابرة وعلى الخطأ ، كما فى حادث الطيّار المصرى فى الطائرة التى أسقطوها عمدا ، عند ما قال : توكلت على الله» ففسّروا توكّله بأنه إقبال على الانتحار!! وحسبنا الله!

* * *

١٥١١ ـ غضّ البصر والصوت واجب

البصر هو الباب الأكبر إلى القلب ، وهو أرهف حاسة من حواس الإدراك للجمال ، ومدخل الشهوات ، فوجب التحذير منه ، وغضّه واجب عن جميع المحرّمات وما يخشى فتنته ، وفى الحديث : «إياكم والجلوس على الطرقات ، فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقّه» ، قالوا : وما حقّ الطريق يا رسول الله؟ قال : «غضّ البصر ، وكفّ الأذى ، وردّ السلام ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» أخرجه البخارى. وكان الجلوس على الطرقات فى القديم ، وهو الآن الوقوف على الطرقات ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تتبع النظرة النظرة ، فإنما لك الأولى ، وليست لك الثانية» أخرجه أبو داود ، ويقال للذى ينظر إلى النساء البصّاص ، واللّحاظ. وتسمى النظرة الأولى نظرة الفجاءة. وفى التنزيل : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٣١) (النور) ، والغضّ : هو خفض الطرف استحياء وخزيا ، وغضّ الصوت من ذلك أيضا ، وهو عدم تكلّف رفع الصوت كقوله تعالى : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (١٩) (لقمان) ، والقصد فى المشى : هو التوسّط فيه ، وهو بين الإسراع والبطء ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أسوتنا فى ذلك ، وتروى عائشة أنه كان إذا مشى أسرع ، أرادت بالسرعة أنها نوع المشى المرتفع عن دبيب التماوت ، والمشى المتكلّف كالتكلّف فى الصوت ، وتشبّه الآية الصوت العالى بصوت الحمار وما أنكره! فلما كان الجهر من مساوئ الأدب ذكر الحمار

٦١٧

مثلا فى الذمّ البليغ ، ويقال لصوته النهيق. وهذه الآيات أدب من الله تعالى بترك الجهر بالصوت والتنظّر على الخلق ، وكلاهما يدرجان ضمن اضطرابات السلوك من أبواب الطب النفسى. وحفظ الفرج : ستره ، والمراد ما لا يحل رؤيته من جسم المرأة ، والخطاب فى الآيات عام للرجال وللنساء ، وفيها الحضّ على الغضّ من الأبصار عمّا لا يحلّ ، وفى ذلك قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فالعينان تزنيان وزناهما النظر ..» أخرجه مسلم ، وقال : «الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق» ، والمذاء (بالكسر) هو المخالطة بين الرجال والنساء ، والمذّاء (بالفتح) هو المخالط من الرجال أو النساء ، والمرأة مأمورة أن تغضّ بصرها كالرجل ، وأن لا تبدى زينتها إلا ما ظهر منها ، ولا تبدى من جسمها إلا ما ظهر منه ، وقيل هو الوجه والكفّان ، وذلك ليس انتقاصا من شأنها ، ولكنه إعلاء لقدرها ، وحفظ لها ، وإكرام لمكانتها ، فلا تنتهب بالأنظار ، ولا يغتال جسمها من حيث لا تدرى ، وزينة المرأة ظاهرة وباطنة ، فما ظهر مباح لكل الناس ، وما بطن لا يحل إبداؤه إلا لمن سمّاهم فى الآية. والخمار : واجب لتغطية الرأس والصدر ؛ والبعل : هو الزوج ، وله أن يرى كل زينة المرأة ، ولا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف بدنها بين غير المسلمات ، ولها أن تظهر على خادمتها والماشطة أو البلّانة. وأما التابعون أولو الإربة من الرجال أو الطفل : فهؤلاء ذوو الحاجة من الأطفال والصبيان والشيوخ وليس لهم طاقة على التنظّر الجنسى.

* * *

١٥١٢ ـ أوصاف عباد الرحمن

«عباد الرحمن» من مصطلحات القرآن ، وتأتى أوصافهم فى سورة الفرقان ، فى الآيات من ٦٣ حتى ٧٣ ، وهى اثنتا عشرة صفة تميزهم عن باقى المؤمنين ، وينسبون بها للرحمن ، قيل هو اسم الله الأعظم ، ووصفهم بأنهم «عباد الرحمن» ، وأنهم المتخلقون ، أى كرام الأخلاق ، فهم أولا : (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) (الفرقان ٦٣) أى فى قصد وتؤده ، وحسن سمت ، وحلم ، وتواضع ، وفى الحديث : «أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البرّ ليس فى الإيضاع ـ أى سرعة السير». وسرعة السير أو المشى تخل بالوقار ، والخير فى التوسط ، ونظير ذلك : (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) (١٨) (لقمان) ، وكان الرسول يتكفّأ فى مشيه ؛ وثانيا : (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) (٦٣) (الفرقان) ، وكان عليه الصلاة والسلام يقف على أندية أعدائه ويدانيهم ويحييهم ولا يداهنهم ؛ وثالثا : (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً) (٦٤) (الفرقان) ؛ ورابعا : (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) (٦٦) (الفرقان) فمع طاعتهم يشفقون على أنفسهم ، ويخافون ، ويدعون ربّهم سجودا وقياما ؛ وخامسا : (وَالَّذِينَ إِذا

٦١٨

أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) (٦٧) (الفرقان) ، والإسراف : ما كان فى غير طاعة الله ، والإقتار : هو الإمساك عن طاعة الله ، والقوام : هو الإنفاق فى طاعة الله ، وهو فى كل مسلم بحسب عياله وحاله ، وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب ، وخير الأمور أوساطها ، ونظير ذلك الآية : (لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) (٢٩) (الإسراء) ؛ وسادسا وسابعا وثامنا : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) (الفرقان) ، وهذه الصفات الثمانية صفات تحلّى ، وبدأ بها تشريفا لهم ، ثم أعقبها بصفات التخلّى تبعيدا لها ؛ وتاسعا وعاشرا : (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) (٧٢) (الفرقان) ، والزور هو الكذب ، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد ؛ واللغو : كل سقط من قول أو فعل ؛ وحادى عشر : (وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً) (٧٣) (الفرقان) يعنى لم يعرضوا عنها ؛ وثانى عشر : (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) (٧٤) (الفرقان) فهذه الصفات الاثنتى عشرة تجعلهم من مصاف المؤمنين أخلاقا ، ولذا قال تعالى فيهم : (أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) (٧٦) (الفرقان) ، والغرفة هى الدرجة الرفيعة ، وأعلى منازل الجنة وأفضلها ، كما قال : (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) (٦٠) (الرحمن).

* * *

١٥١٣ ـ لا تبتذل اليمين فى كل حقّ وباطل

فى حديث الإفك لمّا أشاع مسطح أكاذيبه عن عائشة ، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ـ وكان يساعده فى معيشته ، فنزلت الآية : (وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) (٢٢٤) (البقرة) ، تنهى أن يحلف الناس ألّا يصلوا أرحامهم ، ولا يتصدّقوا ، ولا يصلحوا ، وأشباه ذلك ، ونزلت : (وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ) (٨٩) (المائدة) تنهى الذى يستكثر من اليمين ، وذمة الله تعالى فقال : (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) (١٠) (القلم). والأيمان جمع يمين ، واليمين الحلف وفى اليمين اللغو نزلت الآية : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢٢٥) (البقرة) ، واللغو : مصدر لغا يلغو ويلغى ، وفى الحديث : «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» أخرجه الشيخان. واليمين اللغو : هو القول فى الكلام العادى : لا والله ؛ وبلى والله ، دون قصد لليمين ولا يعتقدها ، ولا يريدها. وفى قول عائشة : «أيمان اللغو فى المراء والهزل والمزاحة ،

٦١٩

وفى الحديث الذى لا ينعقد عليه القلب». واللغو ما يحلف على الظن فيكون بخلافه ، والرجل إذا حلف على الشيء لا يظن إلا أنه إياه ، فإذا ليس هو ، فهو اللغو ، وليس فيه كفّارة. وإنما الكفّارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم لم يفعله. وقيل لغو اليمين هى أن تحلف وأنت غضبان. وفى الحديث : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها ، فإنّ تركها كفّارتها» أخرجه ابن ماجة. وقيل : لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه. ويمين المكره بمثابة يمين لغو. وقوله : (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة ٢٢٥) مثل قوله : (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) (٨٩) (المائدة).

* * *

١٥١٤ ـ أقسام الأيمان

الأيمان : من اليمن وهو البركة ، سمّاها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق. وفى الآية : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ) (٨٩) (المائدة) أن اليمين قسمان : لغو ، ويمين كفّارة أو منعقدة ؛ وقيل : الأيمان على أربعة أقسام : قسمان فيهما كفّارة ، وقسمان لا كفّارة فيهما ، فاليمينان اللذان يكفّران : الرجل يحلف والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل ، والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله. واليمين المنعقدة : هى عقد القلب فى المستقبل ألا يفعل ففعل ، أو ليفعلن فلا يفعل ، فهذه هى التى تحلّها الكفّارة. وقوله : (يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) معناه : بما تعمدتم ، والتعمّد يقتضى التكرار ، غير أنه فى الحديث : «إنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير وكفّرت عن يمينى» فإنه يوجب كفارة اليمين الواحدة.

واليمين الغموس : هى يمين مكر وخديعة وكذب ، فلا تنعقد ، ولا كفّارة فيها. وفى الحديث عن الكبائر قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنها : «الإشراك بالله» ، قيل : ثم ما ذا؟ قال : «عقوق الوالدين» ، قيل : ثم ما ذا؟ قال : «اليمين الغموس» ، وسئل : وما اليمين الغموس؟ قال : «التى يقتطع بها مال امرئ مسلم ، هو فيها كاذب» ، وقال : «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة» ، وقال له رجل : «وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال : «وإن كان قضيبا من أراك» ، أو قال : «من حلف على يمين صبر (أى ألزم بها وحبس عليها) يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر ، لقى الله وهو عليه غضبان» ، فنزلت : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً) (٧٧) (آل عمران) ، فاليمين الغموس إذن هى : أن يستخف الحالف باليمين بالله ، ويحلف كذبا ، ليستحل بذلك مال الغير. وسميت اليمين

٦٢٠

الغموس غموسا ، لأنها تغمس صاحبها فى النار.

والمحلوف به هو الله وأسماؤه الحسنى وسائر صفاته ، كأن يقال : وعزة الله ، وجلال الله ، وحقّ الله إلخ. وقد يحلف الحالف بالقرآن ، أو بالمصحف ، أو بأبويه ، أو بالكعبة ، أو بالنبىّ ، وقيل : لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته. والكفّارة إنما لرفع الإثم ، وهى على التخيير ، إمّا إطعام عشرة مساكين مما يطعمه الحالف ، أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة ، أو صيام ثلاثة أيام ، ويجزئ أن تعطيهم قيمة ذلك ، لأن الغرض سدّ الخلّة ورفع الحاجة ، ولا يهم أن تعطى الكفارة لذمّى أو لمسلم طالما هو مسكين. وفى الحديث : «اليمين على نية المستحلف» ، فمن يحلف فى حق عليه واستثنى فى يمينه لم ينفعه ذلك ، لأن النية نية المحلوف له ، وفى الحديث : «يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك». وأما صيام الكفّارة فيمكن أن يكون متتابعا أو متفرقا ، وعموما فمن يحلف على خير ، فكفّارته على هذا الخير ، ومن يحلف على شرّ ، فكفّارته أن لا يفعل الشر.

* * *

١٥١٥ ـ النجوى التى لا خير فيها

النجوى هى السرّ بين اثنين ، تقول : ناجيت فلانا مناجاة ، وفى قوله تعالى : (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (١١٤) (النساء) ، ميّز بين النجوى فى الشر والنجوى فى الخير ، وقصر الثانية على ثلاثة أشياء : الأمر بالصدقة ، أو الأمر بالمعروف ، أو الإصلاح بين الناس ، وكل ذلك من «المعروف» وفى الحديث : «كل معروف صدقة». وقيل : المعروف لا يتم إلا بثلاث خصال : تعجيله ، وتصغيره ، وستره ، فإذا عجلته هنأته ، وإذا صغّرته عظّمته ، وإذا سترته أتممته.

* * *

١٥١٦ ـ البغض ليس مدعاة للاعتداء

فى الحديث : «ولا تخن من خانك» ، وفى الآية : (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (٢) (المائدة) ، يعنى لا يحملنكم بغض بعض الناس أن تعتدوا الحق إلى الباطل ، والعدل إلى الظلم. والشنآن : هو البغض.

* * *

١٥١٧ ـ تعاون المسلمين على البرّ والتقوى

ينهى الله تعالى عن الإثم والعدوان ويأمر بأن نتعاون على البرّ والتقوى ، ونتحاثّ على ما أمر ونعمل به ، وأن ننتهى عمّا نهى عنه ونمتنع ، وفى الحديث : «الدّال على الخير كفاعله» أخرجه الطبرانى فى الكبير ، وقيل : الدّال على الشر كصانعه. والبرّ والتقوى بمعنى ،

٦٢١

وكل برّ تقوى ، وكل تقوى برّ ، والبرّ يتناول الواجب والمندوب إليه ، والتقوى رعاية الواجب ، وفى التقوى رضا الله ، وفى البرّ رضى الناس ، وبالجمع بين الاثنين تتم السعادة وتعمّ النعمة. والعالم عند ما يتعاون على البرّ فبعلمه ، والغنىّ بماله ، والقوىّ بقوته ، ليكون المسلمون جميعا متظاهرين كاليد الواحدة كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم». والمعتدى من المسلمين لا ينصر ، ويردّ عما هو عليه ، ويعرض عنه.

* * *

١٥١٨ ـ واجب المسلم الصلح بين الناس

الصلح نقيض الخصام ، والصلح هو السلم ، وهو اسم من المصالحة ، فيقال : هم لنا صلح أى مصالحون ؛ وعند أرباب السياسة الصلح هو رفع الحرب على شروط تعرف بشروط الصلح. وقوله تعالى : (الصُّلْحُ خَيْرٌ) (١٢٨) (النساء) عام مطلق يقتضى الصلح الحقيقى الذى تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف ، وهو خير على الإطلاق.

والصلح أقسام : منها صلح المسلم مع الكافر ، والصلح بين الزوجين ، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة ، والصلح فى المعاملات كالعفو على المال ، والصلح لقطع الخصومات القضائية. وقوله تعالى : (إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (١١٤) (النساء) عام فى الدماء والأموال والأعراض ، وفى كل شىء يقع التداعى والاختلاف فيه بين الناس ، وفى كل كلام يراد به وجه الله. وفى الخبر : «كلام ابن آدم كله عليه لا له ، إلا ما كان من أمر بمعروف ، أو نهىّ عن منكر ، أو ذكر لله تعالى». وردّ الخصوم من الإصلاح بين الناس ، وفى الحديث : «ألا أدلك على صدقة يحبّها الله ورسوله؟ تصلح بين الناس إذا تفاسدوا ، وتقرّب بينهم إذا تباعدوا» ، وفى التنزيل : (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) (١) (الأنفال). والصلح بين الناس من البرّ والتقوى ، كقوله : (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) (٢٢٤) (البقرة). والصلح بين المؤمنين من أعلى مراتب البرّ ، والمؤمنون إخوة ، وأخوّتهم أخوّة دين وليست أخوّة نسب ، وأخوة الدين أثبت من أخوة النسب : «فأصلحوا بين أخويكم» يريد بالأخوين أفراد المؤمنين أو جماعاتهم ، والبغى بينهم لا يزيل أخوّتهم ، ولمّا سئل علىّ عن أهل الجمل وصفّين : أمشركون هم؟ قال : لا ، إخواننا بغوا علينا.

والكذب قد يعقد صلحا ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حذّر من الكذّاب يريد الإصلاح بين الناس ، فقال : «ليس الكذّاب الذى يصلح بين الناس فينمى خيرا (أى ينقل الحديث على وجه الإصلاح وطلب الخير) أو يقول خيرا». ويذهب بعض أهل الحكمة من المسلمين إلى جواز

٦٢٢

الكذب بقصد الإصلاح ، وقالوا : الكذب المذموم هو الذى يزيد الخصومة ولا يصلح بين الخصوم ، ولا يجوز الكذب مطلقا لا لصلح ولا لغيره. وقالت جماعة : الكذب مباح للإصلاح بين الرجل وامرأته ، وفى الحرب ، وعند الاضطرار ، كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده ، فله أن ينفى كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم.

ولو اصطلح الخصوم على صلح جور فالصلح مردود ، وفى الحديث : «من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» ومعناه : أن من يخترع فى الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه ، والحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع ، وفيه : ردّ المحدثات ، وأن الصلح الفاسد منتقض. وصلح المسلمين مع غير المسلمين جائز ، وكذلك الصلح على الدّية ، والصلح بالدّين.

* * *

انتهى الباب الرابع عشر بحمد الله وبعونه ، ويبدأ إن شاء الله

الباب الخامس عشر عن الإسلام الحربى.

* * *

٦٢٣
٦٢٤

الباب الخامس عشر

الإسلام الحربى

* * *

السلم والحرب والجهاد والشهادة والهجرة والفيء فى القرآن

* * *

١٥١٩ ـ القرآن يحضّ على السلم وأمّة الإسلام أمة سلام

يأتى فى القرآن عن الحرب : ست مرات ؛ وعن السّلم (بكسر السين وفتحها وسكون اللام وفتحها) والسلام : تسع وأربعون مرة. وموضوعات مادة الحرب : تتناول الحضّ على قتال المعتدين أعداء الله والخير والإنسانية ، والذين يسعون فى الأرض فسادا ، واتّباع السياسات التى من شأنها تقوية المسلمين ، وحماية بلادهم ، وتطوير عدة الحرب وأساليبها ، وتوحيد أمة الإسلام وتقوية الجبهة الداخلية ، وردّ الشائعات ، وتحديد أعداء الأمة ، ومن الآيات عن الحرب آية تخصّ اليهود وتصفهم بأنهم أهل فتنة يؤلبون الشعوب على بعضهم البعض ، ويوقدون بينهم نار الحروب ، والله يطفؤها.

وموضوعات مادة السلم : الدعوة إلى أن تكون مجتمعات المسلمين مجتمعات سلام ، فإذا مال أعداؤهم للسلم فليجنح المسلمون لها ، وأن لا تنطلى على المسلمين دعوة الأعداء للسلم كلما بدا أن عدوهم سينهزم ، فالأولى أن يستمروا فى القتال حينئذ وإلا كان ذلك تخاذلا منهم وتفريطا ، فإذا أبدوا الاستسلام وانصاعوا وتركوا القتال ، فليتركوهم لحال سبيلهم ، وإن لم يجنحوا للسلم فليستمروا فى قتالهم ، ولتحتر المعركة حتى النصر. والإسلام من السلم والسلام ، والجنة هى دار السلام ، وتحية أهلها السلام ، ولا يسمعون فيها إلا السلام ، وأمة الإسلام أمة السلام.

* * *

١٥٢٠ ـ الأمر بالدخول كافة فى السلم

المسلمون مأمورون بالدخول فى السلم إذا جنح عدوهم له كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (٢٠٨) (البقرة) ، والسّلم والسّلم بمعنى واحد ، وقيل السلم هو الإسلام ، فمن كان إسلامه بلسانه فليدخله بقلبه. وقيل السلم هو المسالمة والصّلح.

* * *

١٥٢١ ـ الردّ على من يجادل تعنتا

الآية : (وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ

٦٢٥

فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (٦٩) (الحج) من الأدب الحسن يعلّمه الله عباده فى الردّ على من يجادل تعنتا ومراء ، ألا يجيبوا ولا يناظروا ، وأن يدفعوا بهذا القول الذى علّمه الله لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : وقيل إن هذه الآية منسوخة بآية السيف ، وهو قول ضعيف فلا يوجد تعارض بين هذه الآية وآية السيف التى تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (٥) (التوبة) ، حيث الآية الأولى فى آداب الجدال ، والآية الثانية فى القتال والحرب.

* * *

١٥٢٢ ـ الحرب ومشروعيتها : نظرية الإسلام وفلسفته

الحرب : هى المقاتلة والمنازلة بالسلاح أو بغيره ، والسلم : نقيض الحرب : وهو المصالحة والموادعة ، والحرب المشروعة فى الإسلام تبيّنها آية القتال ، قيل هى أول آية نزلت بهذا الشأن فى المدينة ، يقول تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (١٩٣) (البقرة) فكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقاتل من يقاتله ، ويكفّ عمن كفّ عنه ، والآية ملزمة لكل مسلم ، وقوله : «الذين يقاتلونكم» من باب التحديد لمن يقاتله المسلمون ، وفيها تهييج وإغراء بالأعداء الذين همّتهم قتال الإسلام وأهله ، وقوله : «وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة» : معناها أنهم كما يقاتلونكم جميعا فقاتلوهم جميعا ، ولهذا قال : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) وفى ذلك حثّ للهمة على قتالهم ، كانبعاث همّتهم على قتال المسلمين ، وليكن الغرض من قتالهم هو إخراجهم من بلاد الإسلام التى أخرجوا المسلمين منها.

وكان الإسلام أسبق من الاتفاقات الدولية على حظر الأعمال العدوانية غير الإنسانية فى حالة الحرب فى قوله تعالى : (وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (١٩٠) (البقرة) ، والمسلمون بهذه الآية منهيون عن المثلة (العقوبة والتنكيل) ، وعن الغلول (الغدر) ، وقتل النساء والصبيان والشيوخ ، وقتل أصحاب الصوامع ، وعن تحريق الأشجار ، وقتل الحيوان لغير مصلحة ، وفى الحديث : «اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ، ولا تمثلوا (يعنى تجدعوا وتنكّلوا) ، ولا تقتلوا الوليد ، ولا أصحاب الصوامع» (أى الرهبان فى الأديرة) ، وفى رواية أخرى : «لا تعتدوا ، ولا تغلوا ، ولا تمثّلوا ، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع. رواه أحمد. وعن ابن عمر كما جاء فى الصحيحين قال : لما وجدت امرأة فى بعض المغازى مقتولة أنكر

٦٢٦

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقوله تعالى «الفتنة أشد من القتل» : أن الفتنة مطلقا هى الظلم ، فأن يظلموكم لجرم أشد من جرم القتل ، ومع ذلك فأنتم لا تقتلونهم عدوانا ، وإنما منعا لعدوانهم ، وحتى فى المساجد والأماكن المقدسة ، لو بدءوكم بالقتال فقاتلوهم دفعا للمفاسد ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بايعه أصحابه على القتال يوم الحديبية تحت الشجرة دفعا لشرّ الحروب التى شنّها المشركون واليهود عليه ، فلمّا كفّوا كفّ عنهم : (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ) (٢٤) (الفتح) ، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ، يعنى أن قتال المسلمين هو عن حق مغتصب ، أو لردّ عدوان سافر ، والمسلم لا يقاتل إلا من يقاتله ، كقوله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (١٩٤) (البقرة) ، وقوله : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (٤٠) (الشورى) ، وقوله : (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) (١٢٦) (النحل). وفرق بين من يقاتل حتى لا تكون فتنة كما فى الآية ، وبين الذى يقاتل لتكون فتنة!

والخلاصة : أن الحرب المشروعة فى الإسلام ـ كما ورد عنها فى القرآن ـ هى الحرب الدفاعية ضد المعتدى ، وتعريف المعتدى أنه : الذى يخرج المسلمين من ديارهم وأرضهم ، أو يمنعهم من إقامة شعائر الله ، أو يعتدى على أعراضهم وأموالهم ، أو يشنّع عليهم ويكيد لهم ويوقع بينهم وبين غيرهم الخصومات والفتن والعداوات ، فهذه كلها أعمال عدوانية تستوجب الردّ عليها بمثلها ، وليس أفضل من السياسة أولا لتفريق شمل العدو ، وكسر وحدتهم ، وتشتيت كلمتهم ، وتوهين عزمهم ، ودفعهم إلى أن يحارب بعضهم البعض ، والله يقول : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (٢٥١) (البقرة) ، ويقول : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ) (٤٠) (الحج) ، والدفع والدفاع واحد ، والله يقيّض الفاجر ليحدّ من غلواء الفاجر ، ويوعز للباغى أن يبغى على الباغى مثله ، وهذا هو دفعه تعالى الناس ليخلصوا الأبرار من الفجار ، وفى الحديث : «إن لله ملائكة (يعنى قوى) تنادى كل يوم : لو لا عباد ركّع ، وأطفال رضّع ، وبهائم رتّع لصبّ عليكم العذاب صبّا» ، وفى رواية أخرى : «لو لا فيكم رجال خشّع ، وبهائم رتّع ، وصبيان رضّع ، لصبّ العذاب على المؤمنين صبّا» ، وأخذ بعضهم هذا المعنى فقال :

لو لا عباد للإله ركّع

وصبية من اليتامى رضّع

ومهملات فى الصلاة رتّع

صبّ عليكم العذاب الأوجع

ولما أوذى المسلمون نزلت الآية : (إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (٣٨) (الحج) فكانت وعدا من الله بالمدافعة عن المسلمين ، وتضمّنت أفصح النهى عن

٦٢٧

أن يرتكبوا فى الحرب أية خيانة أو غدر ، وفى الحديث : «ينصب للغادر لواء بقدر غدرته» ، يعنى يفتضح أمره. ودفاعه تعالى عن المسلمين بأن يسلّط الفجّار على الفاجر ، والبغاة والطغاة على المعتدى ، ويسلّط عليهم من أنفسهم ، ثم إنه تعالى ينصف المسلمين ليتمكن الإيمان من القلوب ، لو اشتد العدو فى إلحاق الظلم بهم كما يحدث الآن من اليهود والأمريكان ، فإن الله يعصم المسلمين حتى لا يرتدّوا بقلوبهم ، أو أنه تعالى يدفع عن المؤمنين بأن يقبضهم إلى رحمته. وقد أذن الله لكل المسلمين إن قوتلوا أن يقاتلوا فقال : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (٣٩) (الحج) ، وقيل إن هذه الآية هى أول آية نزلت فى القتال للتشريع للحرب الدفاعية ، فأن يقاتل الباغى من الشرع. لأن معنى «أذن» أبيح. وفى الآية : (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) (٤٠) (الحج) فلأننا مسلمون ، يخرجوننا من فلسطين ، والشيشان ، وكوسوفا ، والبوسنة والهرسك ، وجنوب السودان ، ولو لا إسلامنا ربما ما كانوا أخرجونا. وقبل بيعة العقبة لم يكن المسلمون مأذونين بردّ القتال ، وإنما أمروا بالدعاء إلى الله ، والصبر على الأذى ، والصفح عن الجاهل ، وظل ذلك مدة عشرة أعوام طويلة ؛ فقامت على المعتدين حجة الله ، فلما عتوا أذن بالقتال والامتناع والانتصار من الظلمة. وقوله (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ) هو هذا القتال ، أى لو لا القتال والجهاد لصارت الغلبة للظلم فى كل أمّة وفى العالم قاطبة.

ويكذب المستشرقون عند ما يتهمون الإسلام بأنه دين قتال ، ويستبشعون الجهاد كركن من أركان الإسلام ، ودعواهم تتنافى مع تواريخهم ، وتناقض مذاهبهم فى الاستعلاء العنصرى والحضارى ، ولو لا أن الله شرّع الحرب الدفاعية والثورات الأممية ، والانتفاضات الاجتماعية ، لهدّمت المعابد والكنائس من قديم الأزمان ، ولما كانت يهودية ولا نصرانية ، ولا كانت أمم وشعوب أصلا ، ولو لا أنه دفع قوما بقوم لساد الظلم وعمّ الفساد ، وهو تعالى يدفع ظلم الظلمة بعدل هيئات كالهيئات الدولية ، وبالتوجّهات الحضارية لأهل الحكمة وأولى النهى والألباب ، وكفاح الصالحين فى كل الأمم ، والآية تتضمن مدفوعا من الناس ، ومدفوعا عنه ، والظلمة هم الأولون ، بينما المضطهدون ، والمستعمرون ، والمسحوقون ، والفقراء ـ هم الآخرون. ونفهم من الآية : أن المسلمين ممنوعون من هدم الكنائس والبيع والصوامع ، وحتى بيوت الأوثان عند البوذيين والهندوس ، على عكس ما يفعل هؤلاء بنا فى كل مكان ، ولم يحدث أن نقض المسلمون بيتا من بيوت العبادة لهم ، وإنما جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التى عاهدوا عليها فى الصيانة. وفى الآية قدّمت بيوت الله لغير المسلمين على مساجد المسلمين.

٦٢٨

فهذه إذن هى الحرب التى قالوا فيها إن الإسلام انتشر بسبب عدوانيته ، وأنه دين يقوم على السيف. وقد نزلت الآيات تعتب على المسلمين تخلّفهم عن الحرب : (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) (٣٨) (التوبة) ، فما كانوا يسعون حثيثا إذا دعوا إلى الجهاد ، وكانوا يتكاسلون ويميلون إلى المقام فى الدعة والخفض ، فأنذرهم : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) (٣٩) (التوبة) ، فلم يكن المسلمون من أهل العدوان ، ونبّه القرآن لذلك فقال : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) (البقرة ٢١٦). وحبّ المسلمين للسلام من أركان دينهم بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة ٢٠٨) ، وكانوا كلما أوقدت نار الحرب ، يستحبون أن يتمثّلوا بهذه الأبيات لعمرو بن معديكرب :

الحرب أول ما تكون فتيّة

تسعى بزينتها لكل جهول

حتى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها

ولّت عجوزا غير ذات حليل

شمطاء ينكر لونها وتغيّرت

مكروهة للشّمّ والتقبيل

والمعنى أن الحرب فى أول أحوالها ووقت وقوعها ، فتيّة ، تزيّن لمن لم يجربها ، حتى يدخل فيها فتهلكه ، ويصعب الخروج منها ولا تنتهى إلا بعد لأى ، فتكون كالعجوز الشمطاء بعد أن كانت فى أولها فتية أو صبية. وقوله «ينكر لونها» أى يبدّل حسنها بقبح ؛ وفى قوله «شمطاء ينكر لونها ، ومكروهة للشم والتقبيل» : يصف فاها بالنتن مبالغة فى التنفير منها. والمراد بهذه الأبيات التمثّل بها استحضارا لما يشاهده المسلمون ويسمعون به من أحوال الحروب ، فإنهم بإنشادها كانوا يتذاكرون أهوالها فيصدّهم تذاكرها عن الدخول فيها ، فلا يغتروا بظاهر أمرها أولا.

* * *

١٥٢٣ ـ الجهاد لا يكون إلا فى سبيل الله

«فى سبيل الله» مصطلح قرآنى يتكرر نحو ٦٧ مرة ، كقوله تعالى : (فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ) (آل عمران ١٣). والناس فى التصنيف القرآنى إما مؤمنون وإما كافرون ، والمؤمنون قتالهم فى سبيل الله ، والكافرون قتالهم فى سبيل الطاغوت ، فنقيض «فى سبيل الله» ، هو «فى سبيل الطاغوت» ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) (النساء ٧٦). والسبيل فى اللغة هو الطريق أو ما وضح منها ، و «فى سبيل الله» : هو كل ما أمر به الله تعالى من الخير ، كالجهاد ، والغزو ، وطلب العلم ، والإنفاق فى وجوه الخير إلخ ، يفعله المؤمن طلبا لرضا الله تعالى ومن أجل ثوابه ، كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ

٦٢٩

آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) (٧٢) (الأنفال) فهؤلاء جميعا إخوة يناصرون بعضهم البعض ، وهم المؤمنون حقا ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) (٧٤) (الأنفال) ، وسبيل هؤلاء فى المصطلح القرآنى هو «سبيل المؤمنين» ، كقوله : (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى) (النساء ١١٥) ، والمؤمنون أعظم درجة عند الله ، وهم الفائزون ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) (٢٠) (التوبة) ، والجهاد فى سبيل الله بالنفس والمال من أعظم الدرجات. ويعطى الغزاة والمرابطون من الزكاة حتى لو كانوا أغنياء ، كما يعطى الحجّاج والعمّار ، والحج والعمرة فى سبيل الله ، وأفضل الزكاة ما كان لهؤلاء ، لأنهم وفد الرحمن جاءوا فى سبيل الله. ويعطى المغازى من الصدقة ، فى السلاح ، وما يحتاج إليه من آلة الحرب ، وكفّ العدو عن الحوزة ، لأنه جميعه فى سبيل الله وإعلاء كلمة الله. وقيل تحلّ الصدقة لغاز فى سبيل الله قد احتاج فى غزوته وغاب عنه غناؤه ووفره ، كقوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) (٦٠) (التوبة). والنّفر كذلك كالغزو ـ لا يكون إلا فى سبيل الله ، ولا يكون لغير الله ، وهو فى اللغة : التنقّل بسرعة من مكان إلى مكان لحادث جلل ، فيقال نفر إلى الأمر ، وقوم نفور ، وفى الاصطلاح النّفر : تلبية داعى الجهاد بالنفس والمال كقوله تعالى : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) (٣٩) (التوبة) ، والعذاب الأليم هو استيلاء العدو على أرض الوطن وطردهم منها ، والنفير فرض كفاية ، كقوله : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (١٢٢) (التوبة) ، والمراد بالآية : وجوب النفير على وجه «الاستدعاء» فى سبيل الله ، عند الحاجة وظهور الأعداء واشتداد شوكتهم. وكانت الآية : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (١٩٠) (البقرة) : أول ما نزل فى الأمر بالقتال فى سبيل الله ، كما كانت الآية : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١٩٥) (البقرة) : أول ما نزل فى الإنفاق فى سبيل الله فى الجهاد ، وأن لا يتركوا ذلك أبدا ، وفى ترك الجهاد والإنفاق عليه هلاك وأى هلاك ، ويسميه الله تعالى : «الإلقاء باليد إلى التهلكة» ، والآية نزلت تحضّ على هذا الإنفاق ، وفى الحديث : «الجهاد رهبانية الإسلام» ، ورهبان الإسلام إذن : هم الذين أوقفوا أنفسهم على البذل فى سبيل الله ، والجهاد بالنفس والمال ، والاصطلاح القرآنى لذلك هو : «الإحصار فى سبيل الله» ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) (٢٧٣) (البقرة) : وهو أن يحبس المؤمن

٦٣٠

نفسه على هذه الرسالة ويكرّس لها حياته. و «الإصابة فى سبيل الله» كقوله تعالى : (فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (١٤٦) (آل عمران) ، هى أن يلحق المؤمن الأذى من جرّاء إيمانه وجهاده ، فيهن ويضعف ، ومن أخطر ما يصاب به المؤمن فى الجهاد «الوهن النفسى» أو ما يسمى اصطلاحا «وهن المعركة» ، والوهن هو الضعف ، وانكسار الحماس بالخوف ؛ والاستكانة : هى الذلّ والخضوع ، وهى حال ضعيفى الإيمان ، وأما الصادق الإيمان فلا يستكين ، فالمؤمن الحق دائما فى رباط ، وصابر لا يضعف لعدو ، ولا يذلّ ، ولا يوهنه جهاد ، وكان شعار بعض الفلاسفة : «أنا أفكر فأنا موجود» ، وشعار المؤمن حقا : «أنا أجاهد فأنا موجود» ، والجهاد الحقّ لا يكون إلا فى سبيل الله ، والمجاهدون لهم درجة الإحسان وهى أعلى الدرجات ، وكل ما يصيبهم مجازون عليه ، كقوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٢١) (التوبة).

* * *

١٥٢٤ ـ القتال مما امتحن به المسلمون

القتال : هو الجهاد ، تقول قتله أى أماته ، وهى كلمة نستعملها يوميا ، والقتال مكروه لأن الإنسان فيه إما قاتل وإما مقتول وكلاهما شرّ ، وأمّا الجهاد فهو مصطلح قرآنى ، من جهد مجاهدة وجهادا ، أى قاتل فى سبيل الله دفاعا عن الدين ، يفعله المرء طواعية وعن رضا ، وفى الآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٢١٦) (البقرة) ، ذكر القتال ولم يذكر الجهاد ، لأن تخوّفنا من القتل وليس من الجهاد. والقتال مما امتحن به المسلمون ، والمراد قتال الأعداء المعتدين ، ولم يؤذن للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى القتال مدة إقامته فى مكة ، فلما هاجر واستمر أذى أعداء الإسلام للمسلمين ، رغم تركهم مكة ، أذن لهم فى قتال من يقاتلهم ، فقال تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) (٣٩) (الحج) ، فلما تبيّنوا أن العدوان يأتيهم دوما من المشركين وأهل الكتاب دون غيرهم ، وبصرف النظر عن أى سبب ، أذن لهم فى قتالهم عموما دون انتظار أن يهاجمهم هؤلاء أو أولئك. والقتال فى الطوارئ وأثناء الحرب فرض عين على كل مسلم ، وفى أوقات السلم فإن الانضمام للجيش وقضاء فترة التدريب ، يكونان على الكفاية ، إلا أن ينزل العدو ببلاد الإسلام فهو حينئذ فرض عين. ويذهب

٦٣١

البعض إلى أن الجهاد تطوع فى السلم ، وأما فى الحرب فهو فرض. والقتال مكروه لأن فيه مشقة ، وإخراج مال ، ومفارقة وطن وأهل ، والتعرّض للأذى ، وأن تقطّع الأطراف ، وتذهب النفس ، فكانت الكراهية له لهذا السبب ، ووصفه تعالى فقال : «وهو كره لكم» لأننا نكره عليه. والمسلمون فى أول الأمر كرهوه ، لأن امتثاله فيه مشقة ، فلمّا عرفوا الثواب فيه هان فى جنبه مقاساة المشقات فأحبوه وطلبوه. ومثاله فى الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ، فيخاف حتى من خلع الضرس ، إلا أنه يرضخ ابتغاء للعافية ودواما للصحة ، وعسى أن يكره الجهاد لمشقته وهو خير وبركة ، لأن المجاهدين إذا غلبوا ظفروا وغنموا وأجروا ، ومن مات منهم مات شهيدا ، وإيثار الدعة فى النفرة ، وترك القتال عند داعى الحرب ، هما شرّ مستطير ، لأن تارك النفرة والقتال يغلب ويذلّ ويذهب أمره ، والأندلس مثال ، فلما ترك المسلمون فى الأندلس الجهاد ، وجبنوا عن القتال ، وأكثروا من الفرار ، استولى العدو على البلاد ، وأسر وقتل وسبى واسترق ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فذلك بما قدّمت أيدينا. وعموما فالملمات عند ما تقع ، فلا يجب أن نبتئس لها ، فلربّ أمر نكرهه وفيه نجاتنا ، ولربّ أمر نحبه وفيه عطبنا.

* * *

١٥٢٥ ـ لو لا القتال لاندحر الحق فى كل أمة

شرّع الله تعالى للمؤمنين والأنبياء أن يقاتلوا أعداءهم فقال : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) (٤٠) (الحج) ، فلو لم يشرّع القتال للمؤمنين ، لاستولى أهل الشرك على بيوت الله ، وأزالوا مواضع العبادات ، وهو تعالى قد دفع بأن أوجب القتال ليتفرّغ أهل الدين للعبادة ، فالجهاد أمر متقدم فى الأمم ، وبه صلحت الشرائع ، واجتمعت المتعبّدات ، فكأنه تعالى قال : أذن بالقتال ، فليقاتل المؤمنون ، ثم قوّى هذا الأمر فيهم فقال : «لو لا دفع الله الناس» الآية ، أى لو لا القتال والجهاد لاندحر الحقّ فى كل أمّة ، ولما بقى الدين ، ولهدّمت كنائس وبيع وصلوات ؛ والكنائس والبيع للنصارى ، والبيع (بكسر الباء) هى المعابد ، مفردها بيعة ، وأما الصلوات فهى لليهود ، وهى معابدهم ، والصوامع جمع صومعة ، وهى أعلى الجبل أو المكان المرتفع يسكنه الراهب بقصد العزلة والانفراد ، وصوامع الرهبان هى صياصيهم ، والمساجد هى مواضع السجود ، والمقصود بها مساجد المسلمين أو جوامعهم ، وقدّمت كنائس وبيع أهل الذمة على المساجد لأنها الأقدم بناء.

* * *

٦٣٢

١٥٢٦ ـ النّفر

يقال نفر ينفر ـ بكسر الفاء ـ نفيرا ؛ ونفرت الدابة تنفر ـ بضم الفاء ـ نفورا ؛ والنفير : اسم للقوم الذين ينفرون ، وأصله من النفار ؛ والنفور هو الفزع. والنفير : هو النّفر أيضا. ويوم النّفر هو يوم ينفر الناس عن منى. وفى القرآن يأتى عن النفر تسع مرات ، يقول تعالى : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) (٣٩) (التوبة) ، وهذا تهديد شديد ، ووعيد مؤكد فى ترك النفير. والنفير هو النفير للجهاد ، والخروج لمقاتلة المعتدين على المسلمين ، لإعلاء كلمة الله ، وفى الآية : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (١٢٢) (التوبة) أن فرض النفر للجهاد هو فرض كفاية ، وأن الجهاد ليس على الأعيان. وظاهر الآيتين أن النفور يكون على وجه الاستدعاء ، فإذا الدولة عيّنت المستدعين للجهاد يصير التعيين فرضا على من عيّن. وفى الآية اعتراض المخلّفين على النفر فى الحرّ ، قالوا : (لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) (٨١) (التوبة) ، مع أن النفير ليس له وقت دون وقت ، بل بحسب الضرورة ، وللتكتيك الإسلامى فيه طريقتان ؛ الأولى : الوحدات الصغيرة للهجوم المباغت المتكرر ، والثانية : الجيش بأكمله ، أو ما يسمى بالهجوم العام والحرب الشاملة ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) (٧١) (النساء) ، وأخذ الحذر يسمى الخداع الاستراتيجي ، ويكون قبل القتال بالتمويه على العدو والهجوم على الجيوب من خلال سرايا مفردة ، وهو معنى الثبات ، أى الجماعات المتفرقة. وأصل النفر : عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة ، ويصلح ذلك للتجسس ، ويقابله النفر الجماعى ، أى بالجيش الكثيف. والتثاقل عن النفر ضد الدين والإيمان بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) (٣٨) (التوبة) ، والآية نزلت فيمن تخلّف عن غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام. ومن تكتيكات النفر : التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث ، ولذا يناقضه التثاقل. وفى الحديث لعائشة «أجرك على قدر نصبك» أخرجه البخارى. ويقول تعالى : (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً) (٤١) (التوبة) ، قيل قديما : الخفيف الشاب ، والثقيل الشيخ ، أو أن الخفيف الفقير ، والثقيل الغنى ، وقيل حديثا : أن الخفيف جندى المشاة ، والثقيل جندى الفرسان ، أو أن الخفيف طليعة الجيش ، والثقيل الجيش بأسره ، والمعنى العام أن النفر ليس للكافة ولكنه لجميع القادرين ، كقوله : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (١٢٢) (التوبة) ، أى أن الجهاد على الأعيان ، أى القادرين ، وأنه فرض كفاية ، إلا فى حالة الاحتلال فيكون النفر عاما ، وعلى الجميع خفاقا وثقالا ، شبابا وشيوخا ، نساء ورجالا. وفى هذا المعنى عن الخفة والثقل سأل ابن أم مكتوم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أعليّ أن

٦٣٣

أنفر؟ قال : «نعم» ، فأنزل الله الآية : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (النور ٦١) ، والآية : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) (التوبة ٩١) فكانتا أصلا فى سقوط التكليف عن العاجز ، فتارة يقوم العجزة بعمل مدنى خلف خطوط القتال ، وذلك فعل بدل فعل ، وتارة يدفعون بدلا ماليا ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة وبين العجز من جهة المال ، ونظيرهما قوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (البقرة ٢٨٦) ، فلا يعفى إذن من النفير إلا المعذّرون ، وهم الذين يعرف عذرهم ، كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج إلخ. وقد فهم المسلمون الأوائل ذلك فلم يكونوا يتخلفون عن الجهاد ، وفى الحديث : «وإذا استنفرتم فانفروا» ، فإذا تعيّن الجهاد بغلبة العدو على قطر من أقطار الإسلام ، وجب على كل الدول الإسلامية أن تنفر وتخرج للمساعدة ، وإذا عجز قطر إسلامى عن ردّ عدو غاز ، فعلى الأقطار المجاورة استنفار أهلها للمدافعة عن المهزوم ، فكما أن احتلال مدينة يستوجب استنفار شعب القطر كله ، فكذلك سقوط قطر فى يد العدو يستوجب استنفار أقطار المسلمين جميعها ، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم ، حتى إذا قامت بدفع العدو شعوب الأقطار الإسلامية المجاورة ، سقط الفرض عن شعوب أخرى إسلامية فى أقطار أبعد. ولو قارب العدو دارا من دور الإسلام ، وهدد دولة من دوله ، وإن لم يدخل الدار ولا أعلن الحرب على الدولة ، لزم أيضا على الجميع الخروج إليه ، لتحفظ الحوزة ، وتصان بيضة الإسلام ، ويخزى العدو ، وذلك من أصول الفكر الإسلامى ، ومن المبادئ الثابتة فى سياسة الدولة الإسلامية.

ومن النفر ما هو نافلة ، وهو أن يخرج المسلمون جماعة بعد جماعة ، ومن نفير الثبات كما فى الآية : إعداد المخابرات ، وإيفاد البعوث والوفود إلى بلاد العدو ، لرصد دفاعاته ومواطن قوته وضعفه ؛ والتبرع للقوات المسلحة زمن الحرب منصرف للزكاة له الأولوية ، والعاجز عن الجهاد بنفسه بوسعه أن يجاهد بماله ، بتجهيز الجيش ، ومن يجهّز مجاهدا فقد جاهد ، والجهاد يكون بالمال كما يكون بالنفس ، وفى الحديث : «جاهدوا بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» ، والجهاد باللسان يعنى بالكلمة ؛ وتوظيف الأقلام والإذاعات المسموعة والمرئية ، والسينما ، والمسرح ، والمدرسة ، والجامع ، فى خدمة التعبئة ـ من الجهاد ، وهذا وصف لأكمل ما يكون النفير والجهاد ؛ والجهاد بالمال واللسان صنو الجهاد بالنفس ، وفى الحديث : «من جهّز غازيا فقد غزا ، ومن خلفه فى أهله فقد غزا» ، يعنى من انفق على المقاتلين فهو مقاتل ، ومن أعال أهل المجاهدين فقد جاهد. والجهاد باللسان كالجهاد بالقلم ، والمقصود به الجهاد الإعلامى.

* * *

٦٣٤

١٥٢٧ ـ حرب المؤمنين وحرب الكافرين

المؤمنون إذا دخلوا حربا تفرض عليهم ؛ والكافرون يشنون الحروب ، ويؤلّبون الناس على بعضهم البعض ، ويوقعون بين الدول. والمؤمنون يسعون فى الخير ؛ والكافرون سعيهم فى الشر. وقضية المؤمنين يكسبونها فى مناخ السلم ؛ وقضية الكافرين يخسرونها فى السلم ويكسبونها بالحرب الضروس ، وفى القرآن عن الاختلاف بين الفئتين فى الحرب : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) (٧٦) (النساء) ، والطاغوت : هو النقيض للحق والعدل والخير والجمال ، وهو صنو الباطل والشرّ والقبح ، والقرآن يستنصر المؤمنين أن يقاتلوا الكافرين إذا فرض عليهم القتال ، ويسمى الأفراد والمجتمعات والدول الباغية المعتدية أولياء الشيطان ، وهذا هو الاسم الذى أطلقه الخومينى أبو الثورة الإسلامية الإيرانية رحمة الله عليه ، على الأمريكيين وحلفائهم ، وكان يقول : أمريكا هى الشيطان. وقانون الله وكلمته هما الحق : أن كيد الشيطان ضعيف ، وكيد أمريكا ـ مهما كانت ـ هو الضعيف ، ولذلك قيل فى أمريكا : إنها من ورق! فلا يخشى المؤمنون أولياء الشيطان ـ ولا الشيطان نفسه ـ أمريكا!

* * *

١٥٢٨ ـ لن يرضى اليهود ولا النصارى عن الإسلام

فى الآية : (وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا) (٢١٧) (البقرة) ، والآية : (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (١٢٠) (البقرة) ، تحذير دائم للمؤمنين من نوايا أعداء الإسلام ، فطالما هناك إسلام فلا يزال اليهود والنصارى يبذلون جهودهم لإدخال المسلمين فى معامع ، وينصبون لهم الشراك ، ويوقعون بين بعضهم البعض ، وبينهم وبين غيرهم ، حتى يحيلوا حياة المسلمين إلى جحيم ، فيتمنون لو هجروا الإسلام ، وهذه هى غايتهم إن استطاعوا ؛ فالمستهدف هو الدين ، وشهادة المسلمين «لا إله إلا الله» ، كقوله تعالى : (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (٣٢) (التوبة) ، فهى إذن «حرب دائمة» وإن لم تكن معلنة ، و «حرب شاملة» وإن بدت على فترات وفى بلاد دون بلاد!

* * *

١٥٢٩ ـ أول آية فى القتال

هى الآية : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (١٩٠) (البقرة) ، وكانت أول آية تنزل فى القتال بالمدينة ، فلما نزلت كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم

٦٣٥

يقاتل من يقاتله ويكفّ عمّن كفّ عنه. والمسلم أصلا لا يعتدى ، ولكن إذا قوتل وأخرج من دياره وحورب فى دينه ومنع من القيام به ، فله أن يقاتل ، وقوله «الّذين يقاتلونكم» هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همّتهم قتال الإسلام وأهله ، أى كما يقاتلونكم فقاتلوهم كقوله تعالى : (فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) (١٩١) (البقرة) ، وقوله : (اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (١٩١) (البقرة) ، يعنى إلى أن يخرجوا مما استولوا عليه من دوركم وأراضيكم. ولا خلاف أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (٣٤) (فصلت) ، وقوله : (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) (١٣) (المائدة) ، وقوله : (وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) (١٠) (المزمل) ، وقوله : (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (٢٢) (الغاشية) ، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة إخراجا من ديارهم ، أمروا بالقتال لأول مرة. وروى عن أبى بكر الصدّيق : أن أول آية نزلت فى القتال قوله تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) (٣٩) (الحج) ، والأصحّ أن أول آية فى القتال هى الآية : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) (١٩٠) (البقرة).

* * *

١٥٣٠ ـ آية السيف المزعومة فى القرآن

قيل هى الآية : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) (التوبة) ، اطلقوا عليها هذا الاسم ، وقالوا : إنها نسخت كل عهد بين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين أحد من المشركين ، وكل عقد ، وكل مدة ، وقال ابن عباس فى هذه الآية : أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا فى الإسلام ، وأن ينقض ما كان سمّى لهم من العهد والميثاق.

والمفسرون على اختلاف فى هذه الآية التى قالوا فيها إنها آية السيف ، فأولا الآية ليست مطلقة فيقتل المسلمون كل سكان العالم من غير المسلمين ، فهذا جنون لو أخذنا بهذا التفسير ، وإنما الآية نزلت فى أهل مكة الذين نقضوا العهد ومالئوا بنى بكر حلفاءهم ، على خزاعة أحلاف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقتلوهم فى الحرم ، فعندئذ غزاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى رمضان سنة ثمان ، ففتح مكة ومكّنه من نواصيهم ، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم ، فسمّوا الطلقاء ، وكانوا قريبا من ألفين ، ومن استمر على كفره وفرّ ، بعث إليه بالأمان والإذن بالتسيير لأربعة أشهر يذهب فيها حيث يشاء ، ومنهم صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبى جهل ، وغيرهما. ولم يصدر الأمر بالقتل اعتباطا وإنما لأنهم قوم لا أمان

٦٣٦

لهم ، كقوله تعالى : (وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) (٨) (التوبة) ، وقال فيهم : (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (١٠) (التوبة) ، واشترط لقتالهم شرطين : (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (١٢) (التوبة) ، فقصر القتال أولا مع الأئمة منهم ، أى الزعماء الكبار ، كأبى جهل ، وعتبة ، وشيبة ، وأمية بن خلف وأضرابهم. وعدّد مبررات قتالهم فقال : (أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (١٣) (التوبة) فهذه ثلاث مبررات مادية ، ثم هناك المبررات المعنوية : (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) (١٥) (التوبة) ، وفى حالة مشركى مكة فإن هناك المبرر القوى لقتالهم وهو تخليص المسجد الحرام من أيديهم ، لأنهم كقوله تعالى : (نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا) (٢٨) (التوبة) فهذه هى آية السيف إذن ، وهى خاصة بأحداث معينة ، والملاحظ أنه بعد نزول هذه الآية ما استحرّ قتال ، وكان دخول المسلمين مكة بلا قتال ونودى بالعفو عن أهلها. ولم يكن الإسلام دين عدوانى ، وهو الذى يدعو بالموعظة ، واسمه الإسلام من السلام ، ولو شاء الله ورسوله أن يكرهوا الناس على الإسلام لأنزل الله من السماء آية : (فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) (٤) (الشعراء) ، غير أن إيمان المكره لا نفع فيه ، كقوله : (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) (٥٨) (غافر) ، وقوله : (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) (١٥٨) (الأنعام) ، وفى القرآن قد يكره المؤمن على الكفر ، كقوله : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) (١٠٧) (النحل) ، فما ذا لو حدث العكس وأكره الكافر على الإسلام وقلبه مطمئن بالكفر؟ والناس قد تنطق الشهادتين نجاة بأنفسهم ، وتؤمن باللسان وتوافق المسلمين لفظا ، وقلوبهم تأبى ما يقولون ، وهم مطمئنون بالكفر ، فهل ذلك مطلب الإسلام : أن يكون هناك مسلمون اسما؟ والأصل فى طبقة المنافقين ـ سواء فى اليهودية أو فى النصرانية أو الإسلام ـ هو هؤلاء الذين يتهوّدون أن يتنصّرون أو يسلمون رياء. والقرآن بنصّه وروحه ضد الإقرار بالإسلام بلا إيمان ، والإيمان ما وقر فى القلب وصدقه اللسان. والحق أن الذى ارتبطت دعوته بالسيف هو موسى ، ويشوع ، وطالوت ، وداود ، وسليمان ؛ وللمسيح قول صريح فى الدعوة بالسيف ، قال : «لا تظنوا أنى جئت لألقى على الأرض سلاما. لم آت لألقى على الأرض سلاما ولكن سيفا» (متى ١٠ / ٣٤).

* * *

١٥٣١ ـ الإذن فى القتال

تبيّن الآية : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (٣٩) (الحج) الآية الأخرى : (إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) (٣٨) (الحج) ، أى يدفع عنهم غوائل الأعداء ، بأن

٦٣٧

أباح لهم القتال ، ووعدهم بالنصر. والآية فيها إضمار ، أى أذن للذين يصلحون للقتال فى القتال ، فالصلاحية واللياقة للجندية تكليف من الله ، ثم يأتى النصر بإذن الله.

* * *

١٥٣٢ ـ لمن الإذن بالقتال؟

الإخراج من الديار ومن الأوطان بغير حق هو أحد المظالم التى يؤذن القتال بسببها للمسلمين ، فى قوله تعالى : (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) (٤٠) (الحج) ، وهذا هو ما يحدث الآن فى فلسطين ، وفى السودان ، وإندونيسيا وشيشانيا ، والعراق ، فعمليات الإخراج مستمرة ، والترويع بقصد الدفع إلى ترك البلاد على قدم وساق ، وذنب المسلمين أنهم يقولون «ربّنا الله» ، وأنه «واحد لا شريك له ، لم يتخذ له ولدا ، ولا صاحبة» ولأنهم متمسكون بالقيم ، ويأخذون بأخلاق الصفوة. ولم يؤذن للمسلمين بالقتال قبل بيعة العقبة ، وإنما كان الأمر لنبىّ الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدعو إلى الله ، ويصبر على الأذى ، ويصفح عن الجاهل ، وظل ذلك مدة عشرة أعوام ، لإقامة حجة الله على الناس ، ووفاء بوعده الذى امتنّ بفضله فى قوله : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١٥) (الإسراء). ولما شرع العقاب وجعل من جنس العمل ، وكان إخراج الكفار للمسلمين هو أهم جرائمهم ضد الإسلام ، أذن لهم بالقتال. والدليل أن الذين أخرجوهم هم الكفار ، أنه تعالى نسب الإخراج إليهم ، قال : (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (٤٠) (التوبة) أى أخرجوا النبىّ والذين معه ، والإذن بالقتال لهؤلاء وحدهم الذين يخرجون من ديارهم.

* * *

١٥٣٣ ـ الأشهر الحرم أربعة

فى قوله تعالى : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (٣٦) (التوبة) ، يعنى أنه منذ خلق الله السموات والأرض وعدة الشهور اثنا عشر شهرا ، هكذا استنّ منذ النشأة الأولى ، ولم يزل حكمها باقيا ، والمقصود اتباع أمر الله فيها ، ومنها أربعة أشهر حرم هى : رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرّم ؛ ثلاثة سرد أى متتابعة ، وهى : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرّم ، وواحد فرد هو رجب ؛ والقتال فيها محرّم ما لم يقاتلوا ولا تستحلّ للغارة ، ولا تستبدل وكانوا يستبدلونها فى الجاهلية ، والاستبدال استحلال ، وكانوا يفعلون ذلك فى النسيء ـ أى يؤخّرونه.

* * *

٦٣٨

١٥٣٤ ـ المسلم لا يقاتل المسلم

عموم القتل محرّم فى الإسلام بقوله تعالى : (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (٣٢) (المائدة). ولا تفرق الآية بين نفس ونفس ، وقتل الواحد كقتل الكل ، وإحياء الواحد كإحياء للكل ، وهذا القول من أعظم الأقوال ، ويعظّم تعاطى القتل ، والأحب أن نحيى الأنفس لا أن نقتلها ، ولذا يجيء : (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِ) (١٥١) (الأنعام) ، فنهى عن القتل تأكيدا ، ومن ذلك أن يقتل المسلم مسلما ، أو يقتل كتابيا فالأمر سواء ، والحق الذى يجوّز القتل هو أن يرتكب ما يستحق عليه أن يقتل ، كأن يهمّ هو نفسه بالقتل فيدفع الآخر عن نفسه فيقتله ، وفى الآية : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) (٩٢) (النساء) يفيد أنه لا يقتل المؤمن أخاه المؤمن بوجه من الوجوه إلا خطئا ، وفى الحديث عند البخارى : «من قتل معاهدا له ذمة الله ورسوله فقد أخفر بذمة الله». ويحفل القرآن والحديث بالنهى عن القتل ، وللقتل العمد أحكام فى الإسلام فى الدنيا والآخرة ، سواء كان المقتول مسلما أو ذميا. وقد يحدث فى بلاد الإسلام أن يرفع المسلم السلاح على المسلم ، كما فى الاضطرابات السياسية ، وعند الغضب أو الثأر ، وفى الحديث : «إذا التقى المسلمان حمل أحدهما على صاحبه السلاح فهما على جرف جهنم ، فإذا قتله وقعا فيها جميعا» أخرجه الطيالسى ، فهل إذا وقع الشر من أحدهما ، أن يستسلم الآخر ولا يدفع عن نفسه؟ وهل إذا أراد أحدهم ولو كان مسلما أن يقتلنى ، أفلا أقاوم ذلك؟ والجواب أن هذا الحديث وأمثاله ورد على من يضعف عن القتال ، وفى الفتن قد يقصر نظرنا عن معرفة صاحب الحق لننضم إليه ونطالب له بحقه بالقوة ، أو نعجز أن ندفع عنه ولو بالسلاح. ولو كان الواجب فى كل اختلاف يقع بين مسلم باغ عات ، وبين مسلم لا حول له ولا قوة ، أو بين دولة إسلامية معتدية وبين دولة إسلامية تجنح للسلم ، أن نهرب من المواجهة وأن نلزم المنازل ، ونكسر السلاح ، لما أقيم حدّ ، ولا أبطل باطل ، ولوجد أهل البغى من غير المسلمين أو الدول غير الإسلامية ، وكذلك أهل الفسوق من المسلمين ، سبيلا إلى الطغيان والعدوان ، وارتكاب المحرّمات ، من أخذ الأموال ، وسفك الدماء ، واغتصاب الحريم. ولو كفّ المسلمون أيديهم عن الظلمة والسفّاحين ، بدعوى أنهم لو قاوموهم لكانت فتنة ، وبدعوى أن الإسلام ينهانا عن القتال فى الفتن ، لكان فى ذلك مخالفة للأمر بالأخذ على أيدى السفهاء سواء ادّعوا الإسلام أو كانوا من غير المسلمين. وهذا الحديث وأمثاله للنهى عن اقتتال المسلمين على الدنيا ، وإنذار القاتل والمقتول أنهما جميعا فى النار. وفى مثل ذلك كان الحديث : «لا تذهب الدنيا حتى يأتى على الناس

٦٣٩

زمان لا يدرى القاتل فيما قتل ، ولا المقتول فيما قتل» فقيل : كيف يكون ذلك؟ قال : «الهرج. القاتل والمقتول فى النار» ، والهرج : هو الاختلاط والفتنة والقتل ، والحديث يعنى أن القتال يندلع بين المسلمين عن جهل وطلب للدنيا ، واتباع للهوى ، فذلك معنى أن يكون القاتل والمقتول فى النار ، فالأول لأنه معتد أثيم ، والثانى لأنه كان ينوى هو الآخر قتله. وأى قتال لا يجيزه الإسلام إن لم يكن عن تقوى الله ، وفى الحديث : «من قاتل تحت راية عمية ، يغضب لعصبة ، أو يدعو إلى عصبة ، أو ينصر عصبة ، فقتل ، فقتلته جاهلية» ، والراية العمية : هى أن يقاتل لضلالة ، أو يقاتل للقتال ولا يعرف لما ذا يقاتل ، فحاله حال الإمّعة.

* * *

١٥٣٥ ـ القوة لازمة للدولة الإسلامية

الآية : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (٦٠) (الأنفال) جامعة فاذة تحث على الإعداد الحربى ، والاستعداد للجهاد ، وملاقاة أعداء يبدءون المسلمين بالقتال ، ويظهرون لهم البغضاء ، وهؤلاء هم الظاهرون ، وغيرهم مستترون ، يعادون المسلمين فى الخفاء لا يعلمهم إلا الله. واستخدام الجيوش لا يكون إلا لردّ العدوان وليس لأن يستأثر الطغاة بها ضد شعوب الإسلام ، أو للفخر والرياء والنواء ، فإن كانت لهذا الغرض فهى وزر على أصحابها. وفى الآية أن المسلمين مهما أنفقوا فى الجهاد فإنه يوفّى إليهم بالتمام والكمال ، والجنية يضاعف ثوابه فى سبيل الله إلى سبعمائة ضعف. وكل ما تعدّه الدول والحكومات والشعوب الإسلامية من جيوش فهو خير للأصدقاء وشرّ للأعداء ، ويدخل ضمن اصطلاح الإعداد فى الآية. والقوة هنا هى القوة الحربية والاقتصادية ، وتماسك الجبهة الداخلية ، وارتفاع مستوى الخدمات التعليمية والصحية ، وأن يجد كل فرد فى الأمة ما يناسبه من التعليم وما يلائمه من السكن ، وما يكفيه من الدخل ، وأن يستشعر الأمن والمساواة والعدل ، وأن يكفل له المعاش عند الشيخوخة ، ويختلف معنى القوة من جيل إلى جيل ، ومن عصر إلى عصر ، وكانت القوة فى الماضى هى الرمى ، ورباط الخيل ، واليوم القوة فى السلاح النووى والجوى والبحرى ، وفى الصواريخ والمدفعية والدبابات ، وأوصى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمة الإسلام : أن تحرص على القوة ، وأن تعلى من قيمة الجندية ، ومن أحاديثه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يا بنى إسماعيل ، ارموا فإن أباكم كان راميا» يعنى كان جنديا ومقاتلا. والجندية فرض كفاية فى السلم ، وفرض عين فى الحرب ، على المرأة والرجل على السواء ، والجهاد يشرع للمرأة كالرجل حسب وسع كل منهما ، وفى الحديث : «كل شىء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله ، فإنه من

٦٤٠

الحق» ، يعنى أن كل ما يتلهى به المسلم والمسلمة مما لا يفيدهما فى العاجل ولا فى الآجل فهو باطل والإعراض عنه أولى. والزواج واجب للإنجاب وإكثار الأمة وليس للتلهى ، وبالأولاد تعمر الدولة بالأفراد ، والرياضة البدنية إن كانت للهو فهى باطل ، وإن كانت من نوع رياضيات القوة الدفاعية كالكاراتية فهى حقّ. ولو كانت الآية اقتصرت على قوله : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) كان يكفى ، ولكنها خصّت الرمى ورباط الخيل لأنهما كانا أصل الحروب وأوزارها ، ويقابلهما الآن معانى للقوة ورباط الخيل مختلفة فى زمن الحرب فيه إلكترونية. ويظل الجندى المدرّب هو أقوى القوة وأشد العدّة ، ويظل إعداد هذا الجندى بالعقيدة هو أفضل الإعداد. وفى الآية فإن الوقف على رباط الخيل جائز ، وكذلك الوقف الآن على إعداد الجيوش ، وتقوية الجبهة الداخلية ، والإنفاق على البحوث ، وإنشاء الجامعات المدنية والعسكرية ، وكل مال ينتفع به فى تقوية الدولة فجائز أن يوقف ، كالأرض الزراعية ، والعمارات السكنية ، واستثمارات الأموال فى الشركات والمصارف وغيرها.

* * *

١٥٣٦ ـ الرباط

فى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٢٠٠) (آل عمران) جمع الله تعالى ثلاث وصايا لا غنى عنها فى الحرب ، فحضّ على الصبر على مكاره الحرب ، وأمر بمصابرة الأعداء ، وبالمرابطة بالعدة والعتاد ، ونظيره قوله تعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال). ورباط الخيل هو كل ما من شأنه تسهيل وتسريع وتفعيل الرمى ، وفى الحديث : «ألا إن القوة الرمى» ، وسلاح المدرّعات ، والطيران ، والسلاح البحرى ، وسلاح الدبابات ، والمدفعية ، كل ذلك حلّ محل الخيل ، والمرابطة بهذا العتاد من الدين. والمرابطة أصلا هى ملازمة المواقع العسكرية على أهبة استعداد لخوض المعركة ، ومنها الرباط المعنوى ، برفع الروح المعنوية ونشر التوعية. والمرابط فى سبيل الله : هو المدافع عن وطنه وعقيدته. وجاء فى فضل الرباط : «رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» ، والرباط هو الجندية ، والمرابطة هى الخدمة العسكرية ، والرباط هو أفضل الأعمال التى يبقى ثوابها بعد الموت ، ويضاعف أجره إلى يوم القيامة ، وكذلك انتظار الصلاة بعد الصلاة فإنه رباط ، والمسلمون لم يؤمروا بالجهاد من غير تقوى ، والرباط أساس كل تقوى وفلاح وبقاء.

* * *

٦٤١

١٥٣٧ ـ الجهاد

الجهاد : فى اللغة بذل الوسع من القول والفعل ، كقوله تعالى : (وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي) (العنكبوت ٨) ؛ وفى الشرع فإن الجهاد هو بذل الوسع فى سبيل الله وخدمة الدين والزود عن حياض الأمة والدعوة إلى الإسلام ، ويقال جهاد فى سبيل الله ، وفى الإسلام يتوجه الجهاد إلى الكفار والمنافقين وأعداء الله والمسلمين ، كقوله تعالى : (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ) (التوبة ٧٣) ، ويأتى الجهاد فى المرتبة بعد الإيمان (تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) (١١) (الصف). والهجرة والجهاد علامتان للإيمان ، كقوله : (وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) (٢١٨) (البقرة). ويأتى عن الجهاد والمجاهدين فى القرآن تسعا وعشرين مرة ، وحقيقة من يجاهد لله إنه يجاهد لخلاص نفسه ونجاتها ، كقوله : (وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ) (٦) (العنكبوت) ، والإخلاص شرط الجهاد ، ومن الجهاد ما هو صغير وما هو كبير ، والجهاد الشرعى هو الجهاد الكبير ، كقوله : (فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً) (٥٢) (الفرقان) ، والمجاهد نقيضه القاعد عن الجهاد ، كقوله : (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٩٥) (النساء). والجهاد جهادان : جهاد عرفى وهو الجهاد فى الحياة ، وجهاد عام فى دين الله وطلب مرضاته ، والردّ على الظالمين ، وأعظمه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ومنه مجاهدة النفس فى طاعة الله وهو الجهاد الأكبر.

* * *

١٥٣٨ ـ الحضّ على الجهاد

الجهاد فرض ، والحض عليه وتحريض المسلمين ليجاهدوا من أولى مهام الداعية ، والله تعالى يقول : (وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (٧٥) (النساء). وفى هذه الآية يتوجه الجهاد ضد الدولة الظالمة كالدولة اليهودية التى تظلم الفلسطينيين ، والدولة الروسية التى يعيش فيها المسلمون مضطهدين ، والدولة الهندية التى يفزّع فيها المسلمون ويقتلون ، وتهدم مساجدهم. ومن البلاد الإسلامية من يضطهد المسلمين ويغلق مساجدهم قسرا ويصادر ملكيتها ، ويمنع دراسة الدين ، ويحكم بالطاغوت. والجهاد فى الآية بغرض تخليص المستضعفين ، أوجبه تعالى لإعلاء كلمة الله وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده ، وإن كان فى الجهاد تلف للنفوس. وإنقاذ المسلمين من أحوالهم المتردّية ، ومظالم الدولة الجائرة والحاكم الظالم ، واجب على جماعة

٦٤٢

المسلمين ، إما بالقتال ، وإما بالأموال ـ وذلك أوجب لكونها دون النفوس ، إذ هى أهون ، فى الحديث : «فكّوا العانى» ، وهو الذى يعانى الظلم والاضطهاد ويحرم من حقوق المواطنة وحقوق الإنسان.

* * *

١٥٣٩ ـ الجهاد وحق الجهاد

تقول صوفية المسلمين : إن الجهاد فى سبيل الله هو «الجهاد الأصغر» ، وعندهم «الجهاد الأكبر» وهو مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء ، والحق أن الجهاد بالمال والنفس فى سبيل الله هو أعلى الجهاد ، وهو «حق الجهاد» ، والجهاد لا يكون جهادا إلا إذا كان جهادا بحق ، كقوله تعالى : (وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ) (٧٨) (الحج) ، ومعنى «حقّ جهاده» أن يمتثل المجاهد جميع ما أمر الله ، وأن ينتهى عن كل ما نهى عنه ، ويجاهد نفسه على طاعته تعالى ، ويردّها عن هواها ، ويجاهد الشيطان ويردّ وسوسته ، ويجاهد الظلمة ويردّ ظلمهم ، ويجاهد الكافرين ويردّ كفرهم ، كقوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١٦) (التغابن) ، وفى الحديث «خير دينكم أيسره» ، والأيسر هو الوسع ، فكأن حق الجهاد هو بذل ما فى الوسع والاستطاعة ، وفى الحديث أيضا : «المجاهد من جاهد نفسه لله عزوجل» أخرجه الترمذى ، أى جعلها فى طاعته ، ولما سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أى الجهاد أفضل؟ قال : «كلمة عدل عند سلطان جائر» أخرجه ابن ماجة ، والحديث عن الجهاد فى دولة الظلم ، ويبقى دائما أن أفضل الجهاد هو الجهاد بالمال والنفس.

* * *

١٥٤٠ ـ فضل الجهاد

لا عمل يفضل الجهاد أبدا ، لقوله تعالى : (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ) (التوبة ١٩) ، فأى عمل مدنى لا يساوى الجهاد عن إيمان ، وقوله : (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) (٢٠) (التوبة) ، وليس أعظم درجة عنده تعالى ممن هاجر مجاهدا وضحّى بنفسه وماله فى سبيل الله ، وفى الحديث : «من ترك الجهاد ألبسه الله ذلا وفقرا فى معيشته ، ومحقّا فى دينه». والجهاد عزّ الإسلام ، وباب من أبواب الجنة ، وهو لباس التقوى ، ودرع الله الحصينة ، وجنته الوثيقة ، ومن تركه يشمله البلاء ، وضرب على قلبه ، وأديل الحق عنه ، وسيم الخسف ، ومنع النّصف. والرباط من الجهاد ، وهو انتظار العدو ، وأن يكون مستعدا دائما للقتال حذر المفاجآت ، كقوله تعالى : (اصْبِرُوا

٦٤٣

وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ) (آل عمران ٢٠٠). والرباط حراسة ، وفى الحديث : «عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس فى سبيل الله» رواه الترمذى.

* * *

١٥٤١ ـ من يجب عليه الجهاد؟

من اجتمعت فيه ست شرائط وجب عليه الجهاد : الإسلام : فلا استعانة بغير مسلم فى القتال ، وقد يستأجر غير المسلم للخدمة لا غير ؛ والبلوغ : فلا يكون صبيا غير مميز ؛ والعقل : فلا يكون مجنونا ؛ والحرية : فلا يكون مسجونا أو متّهما فى شرفه ؛ والسلامة : فلا يكون ضريرا ، أو به عرج شديد ، أو مريضا بمرض مزمن أو شديد ، ومع ذلك فيمكن للضرير والأعرج المشاركة فى التعبئة المدنية. ولا يهم فى الجهاد إن كان المجاهد ذكرا أو أنثى ، فلكل مجاله الذى يجاهد فيه ، ويمكن للنساء القيام بكافة الأعمال خلف خطوط القتال.

* * *

١٥٤٢ ـ زمان الجهاد ومكانه

القتال جائز فى زمان دون زمان ، وفى مكان دون مكان ؛ فأمّا المكان الذى لا يجوز فيه القتال فهو المسجد الحرام ، إلا إذا ابتدأ المعتدى بالقتال ، كقوله تعالى : (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) (البقرة ١٩١) ، و «عند» تفيد المكان والبلد ، وفى الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم فتح مكة «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة» أخرجه مسلم ، ومكة حرام تعظيما للمسجد الحرام ، والقتال عنده حرام ، وقتال المسلم عنده لردّ العدوان ، وهو قتال دفاعى. ويتعيّن على المسلم الجهاد فى ثلاثة مواضع : الأول : التقاء الجيوش ، فلا يهرب من القتال ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (١٦) (الأنفال) ، والأمر بعدم الإدبار مقيّد بالشريطة المنصوصة فى مثلى المؤمنين ، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هى ضعف المؤمنين من الأعداء ، فالفرض ألا يفروا أمامهم ، فمن فرّ من اثنين فهو فار من الزحف ، ومن فرّ من ثلاثة فليس بفار من الزحف ، ولا يتوجّه عليه الوعيد. و «التحرّف» فى القتال هو الانحراف من جانب إلى جانب ، وسرعة نقل القوات ، لمكايد الحرب ، وكذلك «التحيّز» وهو أن يأمر القائد قواته بالتوجه إلى نقاط الضعف لنصرة جماعة المسلمين المحاصرة ؛ والثانى : إذا نزل العدو ببلد تعيّن على

٦٤٤

أهله قتالهم ودفعهم ، كقوله تعالى : (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (البقرة ١٩١) ؛ والثالث : إذا استنفر المسلمون لزمهم النفير ، كقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) (البقرة ٢١٦) ، وقوله : (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) (التوبة ٣٨). والمكان : الذى يجوز القتال فيه ابتداء للدعوة إلى الإسلام هو أى مكان ما عدا المسجد الحرام. وأما الزمان : الذى لا يجوز القتال فيه ، فهو الأشهر الحرم ، وعددها أربعة : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرّم ، ورجب ، إلا إذا ابتدأ المعتدى بالقتال فيها ، فيجوز الدفع حينئذ ، كقوله تعالى : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، وقوله : (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (البقرة ١٩٤) ، فمن استحلّ قتال المسلمين فى الشهر الحرام استحلّوا أيضا قتاله فيه ، قصاصا على اعتدائه.

* * *

١٥٤٣ ـ درجات المجاهدين فى سبيل الله

المجاهدون درجات ومنازل عند الله تعالى ، كقوله : (وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (١٩) (الأحقاف) ، وقوله : (فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى) (٧٥) (طه) ، وفى الحديث : «إن فى الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين فى سبيل الله» ، وفى قوله تعالى : (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) (٢٣) (الأحزاب) ، فالأولون هم الشهداء ، والثانون هم المرابطون. وفى الرواية أن أحدهم قال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر ، والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن فى سبيل الله؟ قال : «من قاتل لتكن كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله» ، وذلك أعلى درجات الجهاد وأسمى درجات المجاهدين.

* * *

١٥٤٤ ـ الحرب إثخان

الجهاد من شريعة الإسلام ، وجهاد الكفر واجب على كل مسلم ، بالحوار دائما وبالقتال لو اقتضت الظروف. والحرب تفرض على المسلم ولا يسعى لها ، وحربه دفاعية ، فما ذا تكون عليه طريقة الحرب كما ينصح بها القرآن؟ وتحدد الآية : (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) (٤) (محمد) من يكون عدو المسلمين؟ وكيف تكون مجاهدته؟ والطريقة التى يحسن اتباعها معه. فأما العدو فهو الكافر الذى يخالف الإسلام ، ويظهر له العداء ، ويكيد للمسلمين ، وهذا لا عهد له ولا ذمة. والمعتدون على دولة مسلمة ، كالشيشان ،

٦٤٥

وفلسطين ، وأفغانستان ، وإيران ، والعراق ، وليبيا ، والسودان ، أو على شعب مسلم كشعب فلسطين ، بلادهم بلاد حرب ، وطريقة القتال معهم أساسها «الضرب فى المليان» حتى الإثخان ، وضرب الرقاب : خصّ به الرقاب بالذكر ، لأن القتل أكثر ما يكون بالرقاب ، وفى الآية لم يقل اقتلوا العدو ، لأن فى عبارة «ضرب الرقاب» تغليظا وشدة ليسا فى لفظ القتل ، وتصويرا للقتل بأشنع صورة ، وهو حزّ العنق وإطارة العضو الذى هو رأس البدن ؛ والإثخان : هو الإكثار من القتل ؛ وشدّ الوثاق : هو الأسر وربط الأسير بالأغلال فلا يفر ؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها ، كان للهيئة الحاكمة التى لها سلطة القرار السياسى أن تختار بين الفدية : وهى إطلاق الأسير لقاء فائدة تعود على المسلمين ، كأن تكون تبادل الأسرى ، أو إعادة الممتلكات والأموال ، أو الجلاء عن الأرض إلخ ؛ وبين المن : وهو إطلاق الأسير دون مقابل ، لأنه من الجرحى أو المعوقين ، أو الزمنى ، أو المرضى ، أو المدنيين الذى لا يحسنون القتال ، وبين العفو عن فئة المستضعفين الذين لا يخشى أن يحملوا السلاح وينبذوا إلى القتال لو عادت جماعتهم لقتال المسلمين.

* * *

١٥٤٥ ـ الحرب مقدّرة بقدرها

الحرب فى النظرية الإسلامية ضرورة ، كتبها الله على المؤمنين وهو يعلم أنهم يكرهونها : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) (٢١٦) (البقرة) ، ولذلك فقد جعلها مقدّرة بقدرها فقال : (فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) (١٩١) (البقرة) ، وقال : (إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٩) (الممتحنة) ، وقال : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) (١٩٠) (البقرة) ، فقصر القتال على المقاتلين ، وأما من تجنّب الحرب فلا يحلّ قتالهم ولا قتلهم ، ولا التعرّض لهم بأى سوء ، ولذلك حرّم الإسلام قتل النساء ، والأطفال ، والمرضى ، والشيوخ ، والرهبان ، والأجراء ، طالما لم يحاربوا ، وحرّم المثلة : وهى أن يمثّل بالقتلى أو بالأحياء ، وحرّم قتل الحيوانات ، واقتلاع الزروع ، وحرث الأرض ، وحرق المحاصيل ، وتلويث الآبار ، وهدم البيوت ، مما يفعله اليهود فى فلسطين ، والأمريكان فى أفغانستان ، وحرّم الإجهاز على الجرحى. وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوصى جنود الإسلام أن يتّقوا الله ، ويقول لهم : «اغزوا باسم الله فى سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثّلوا ، ولا تقتلوا وليدا» ، ومرّ فى إحدى الغزوات فعثر على امرأة مقتولة فاستنكر ذلك وقال : «ما كانت هذه لتقاتل» ، ثم نظر إلى وجوه أصحابه واختار أحدهم وقال له : «الحق بخالد بن

٦٤٦

الوليد : فلا يقتلنّ ذرية ، ولا عسيفا ـ أى أجيرا ـ ولا امرأة» ، ونهى عن النّهبى والمثلة ـ من النهب وهو الاستيلاء عنوة وقهرا ، والمثلة هى التنكيل. وفى وصية أبى بكر لأسامة قال : «لا تخونوا ، ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثّلوا ، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ، ولا شيخا كبيرا ، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلا ، ولا تحرّقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ، ولا بقرة ، ولا بعيرا ، إلا لمأكلة ، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم فى الصوامع (أى الرهبان) فدعوهم لما فرّغوا أنفسهم له». وأصدر عمر أوامره على نفس المنوال ، قال : «لا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تقتلوا وليدا ، واتّقوا الله فى الفلاحين» ، وقال : «ولا تقتلوا هرما ، ولا امرأة ، ولا وليدا ، وتوقّوا قتلهم إذا التقى الزحفان ، وعند شن الغارات».

وبعد ، فهذه هى تعاليم القرآن ، ومبادئ السنّة المشتقة من القرآن ، والتى تمثّلها المسلمون ، وكانت دائما القاعدة السلوكية لهم فى الحرب لا يشذّون عنها ، وهذه هى إملاءات حضارة الإسلام ، فأين منها ما يفعل الآن بالمسلمين باسم صراع الحضارات؟ وأين هذه السلوكيات الراقية من دعواهم فى المسلمين بأنهم برابرة بينما هم المتحضرون؟!

* * *

١٥٤٦ ـ الحرب خدعة

الحديث للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الحرب خدعة» ، بضم الخاء أو فتحها ، والأصح بالفتحة ، والله قد أمر بخداع أعداء الإسلام ، فلأنهم يلجئون للخداع ، فعلينا أن نخدعهم ، وخداعهم باطل ، وخداعنا حق ، والله تعالى ، وهو الحق يخادعهم ، يقول : (يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ) (١٤٢) (النساء) ، ويقول : (وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) (٩) (البقرة) ، ويقول : (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ) (٦٢) (الأنفال) ، والخداع فى الحرب : هو استعمال الحيلة ، وما أمر المسلمون باللجوء للخداع إلا لأن العدو فى طبيعته الخداع ، والحروب أصلا قوامها الخداع ، والخداع إن كان من المسلمين فالآيات والحديث تحضّ عليه ، وإن كان من أعداء الإسلام فكأنه يحذرهم من مكرهم ، فلا ينبغى التهاون بهم ، لأن التهاون مفسدة ولو قلّ. وخداع العدو فى الحرب جائز كيف أمكن ، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز. وفى الآيات والحديث إشارة إلى استعمال الرأى فى الحرب ، فلأنها خدعة وجبت فيها المشورة ، والاحتياج للرأى آكد فى الحرب من الشجاعة ، والمخادعة أفضل فى نتائجها من المواجهة ، لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة ، بشرط أن لا تكون مخادعة ساذجة وإنما جيدة لصاحبها ، كاملة فى مقصودها.

* * *

٦٤٧

١٥٤٧ ـ الكذب فى الحرب

الكذب : من الخداع فى الحرب ، والكذب مطلقا رذيلة ، وهو فى الحرب فضيلة ، وفى الحديث : «لا يحل الكذب إلا فى ثلاث : يتحدث الرجل إلى امرأته فيكذب ليرضيها ؛ والكذب فى الحرب ، وفى الإصلاح بين الناس». والكذب فى الحرب من المستثنى الجائز بالنصّ لحاجة المسلمين إليه ، ردا على كذب أعداء الإسلام ، وصفهم الله تعالى فقال : (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) (٢٨) (الأنعام) ، فالكذب ليس للعقل فيه مجال ، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا ، ومن أمثلته أن النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أذن للحجاج بن علاط أن يقول عنه ما يشاء لأهل مكة لمصلحته فى استخلاص ماله منهم ، وأذن للمسلمين أن يقولوا كذبا عن أنفسهم أن أهل خيبر هزموهم ليوقعوا بأهل مكة. ولا يتعارض ذلك مع القصة مما أخرجه النسائى : أن الأنصارى طلب من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يومئ إليه بعينه ، فقال له : «ما ينبغى لنبىّ أن تكون له خائنة الأعين» ، لأن المأذون به فى الخداع فى حالة الحرب خاصة ، وأما فى غير ذلك فليس بأحوال حرب ، ومنها أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلما أراد أن يغزو وجهة الشرق ، جعل كأنه يهتم بجهة الغرب ، مع أن مراده الشرق. والكذب فى القرآن بالنسبة للمسلم من المعاريض ولا يصرّح به ، ولا يوجد آية فى القرآن تصرّح بالكذب الحقيقى ، الذى هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ، ومحال أن يتضمن القرآن آية تبيح الكذب ، وفيه على العكس أكثر من ٢٠٠ آية تدين الكذب ، ومحال أن يأمر بالكذب من قال : «من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» ، إلّا الكذب فى الحرب فإنه خدعة ، والخداع جائز فى الحرب.

* * *

١٥٤٨ ـ الرّجز فى الحرب

الرّجز : من بحور الشعر ، والعرب كانت تستعمله فى الحرب ليزيد فى النشاط ويستحث الهمم ، والجماعات تنشده طلبا للطمأنينة ، واستئناسا بقومهم ، واستنصارا بالله ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم استنّه للمسلمين ، وارتجز برجز غيره فى غزوة الخندق ، إلا أن يكون فى سماع أصوات الجماعة خطرا داهما عليهم فيجب الصمت والتخفّى ، ومما كان يرتجز به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قوله

اللهم لو لا أنت ما اهتدينا

ولا تصدّقنا ولا صلّينا

فأنزلنّ سكينة علينا

وثبّت الأقدام إن لاقينا

إنّ الأعدا قد بغوا علينا

إذا أرادوا فتنة أبينا

* * *

٦٤٨

١٥٤٩ ـ البيعة فى الحرب أن لا يفروا

المسلمون فى الحرب على البيعة أن يصمدوا فى المعركة ، والصمود يعنى أن لا يفروا ، ويستلزم الصبر ، ويقتضى أن يجاهد المسلم بنفسه وأن يبذلها لنصرة دينه ، وفى الحديث عن بيعة الرضوان فى الحديبية لمّا بايعوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : قال بعضهم إنهم بايعوا على أن لا يفروا ، وقال آخرون : إن البيعة كانت على الموت ؛ وأخبر بعضهم أن البيعة كانت على الصبر ، أو كانت على الإسلام والجهاد ، وأنزل الله تعالى الآية : (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (١٨) (الفتح) ، فهذه الأركان الأربعة إذن هى التى كانت عليها تلك البيعة ، وهى التى كانت رضا الله تعالى عنهم بسببها ، واستوجبت أن ينزل عليهم السكينة ويثيبهم الفتح القريب ، وهى : الثبات وعدم الفرار ، والموت ، والصبر ، والإسلام والجهاد ، وما تزال هذه الأركان هى أركان كل حرب يدخلها المسلمون ، فهم لا يحاربون إلا صونا لبلادهم ودينهم ، وقد أقسموا أن لا يفروا منذ بيعة الرضوان ، ومن لا يفر قد يموت ، والموت لا يخيفهم لأنه يعنى الشهادة ، وهى إحدى الحسنيين ، ولا تنافى بين عدم الفرار والموت ، لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ، وليس المراد أن يقع الموت حتما لمن لا يفر ، والصمود يقتضى الصبر ، وكل حرب لها أهدافها ، وخير أهداف المسلمين فى حروبهم نصرة الإسلام ، ووسيلتهم لتحقيقها الجهاد ، وهو أشرف وسيلة ، لأنه يعنى بذل الوسع لتحقيق النصر.

* * *

١٥٥٠ ـ الحربىّ والذمىّ

الحربى : هو من يعادى الإسلام والمسلمين ، سواء من أهل بلد من بلاد الإسلام ، أو من خارج بلاد الإسلام ، وكل بلد تعادى نظمه الاجتماعية والسياسية والإعلامية الإسلام والمسلمين فهو دار حرب ـ أقول تعادى ولا أقول تناقض أو تخالف أو تعارض ، وفرق بين العداء والمعارضة والنقض والمخالفة .. وقد يصنّف الذين يظهرون الإسلام ويبطنون له العداء من أهل بلد الإسلام باعتبارهم : منافقين ، وهؤلاء كانوا منذ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ضمن أهل المدينة نفسها ، أى من داخل المجتمع الإسلامى ، ومن حول المدينة ، أى ضمن مجتمعات البلاد الإسلامية الأخرى ، وأدرجهم الله تعالى مع الكفار والمشركين ، واتهمهم بالفسوق والكذب ، وشخّص نفاقهم بأنه مرض نفسى من أمراض القلوب وأرجعه إلى جهلهم وسوء طويتهم ، ووصفهم بأنهم لا يعلمون ، ولا يفقهون (الآيات ١٢ و ٧٣ الأحزاب ، والتوبة ٦٧ ، ٦٨ ، ١٠٦ ، والمنافقون ٧ ، ٨) ، وجميعها صفات تصنع منهم ما يسمى بالطابور الخامس.

٦٤٩

وأما الذمّى : فهو الكتابى من اليهود أو النصارى ، وهؤلاء قسمان ، فمنهم الأجنبى المقيم أو العابر ، وهذا له الأمان ، ومنهم المواطن ، من أهل البلد المسلم ، وله ما للمسلمين ، وعليه ما عليهم. وهذه هى شروط الذمّة : أن يلتزم بالمواطنة الصحيحة فلا يمايز أهل ملّته على المسلمين ؛ ولا ينضم لأعدائهم ولو كانوا من أهل ملّته ، وأن يدفع ما عليه من ضرائب كغيره من المواطنين ، ويخضع لقوانين الأغلبية طالما يأخذ بالديموقراطية. والذمّى ليس بحربى ، ولكنه فى ذمة المسلمين وعهدهم ، فلا يتعرضون له ولدينه بسوء ، ويدفعون عنه ، ويمكّنون له أن يعبد الله كما يشاء ، طالما يوفّى بشروط الذمة ـ وهى حسن المواطنة ، وعدم التعرّض للإسلام وللمسلمات ، ولا يبشّر بدينه ، ولا ينكح المحارم ، ولا يظهر ارتكاب المنكرات ، ولا يأوى إليه أعداء الإسلام ، ولا يتجسّس على المسلمين لحساب أعدائهم ، ولا يأكل الربا ، فمن فعل ذلك برئت منه ذمة الله وذمة رسوله.

والحربى الذى يجيء متاجرا ومعه التصريح بذلك من السلطات المحلية المختصة والقنصليات والسفارات المعتمدة ، عليه ضرائب أهل البلد المسلم مثلما الحال فى بلده ، وكانوا قديما يتقاضونه عشر الأرباح فقط كما هو فى دينه. وإذا أسلم الحربى فى دار الإسلام دخل فى ذمة المسلمين. وتجوز هدية أهل الحرب لواحد من المسلمين ، بشرط أن لا تكون على سبيل الرشوة. وأموال أهل الحرب فى حال الحرب المعلنة غنائم حرب ، وما يغنمه المسلمون منهم بلا حرب من الفيء. ولا يدخل فى الغنيمة مال المسلم القاطن بدار الحرب. وتصحّ وصية المسلم للذمّى ، والذمّى للمسلم ، وتصحّ وصية المسلم للحربى فى دار الحرب ، والحربى للمسلم فى دار الإسلام ودار الحرب. والمسلم يقطع بسرقة مال الذمّى ، كما يقطع الذمّى بسرقة مال المسلم ومال الذمى. والحربى إذا دخل بلاد الإسلام مستأمنا وسرق قطع ، ويقطع المسلم والذمى بسرقة مال الحربى المستأمن ، ومعاملة الذمى والحربى المستأمن هى نفس المعاملة للمسلم فى القصاص ، سواء فى السرقة والزنا أو غيرهما. وقيل : يقتل الحربى المستأمن لو زنى بمسلمة أو ذمّية فى دار الإسلام ، وهذا غير صحيح لأن القتل ليس جزاء الزنا ولا يقتل ذمّى ولا مسلم بحربى غير مستأمن ، ولا يقتص منهما لأذى أو جرح يصيبه وإن أسلم قبل أن يموت ، لا تجب له الدية ولا الكفّارة.

* * *

١٥٥١ ـ كل هزيمة أو نصر فبإذن الله

الفرق بين المؤمن وغير المؤمن فى الحرب : أن المؤمن يرى أن الهزيمة والنصر من عند الله ، وغير المؤمن يراهما من عند نفسه ، كقارون قال عن غناه : (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) (٧٨) (القصص) ، فكذلك الظالمون يرون أن النصر يؤتونه على علم عندهم ، والله

٦٥٠

تعالى يقول : (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) (١٠) (الأنفال) ، ويقول : (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ) (البقرة ٢٥١) ، ونصره تعالى إنما لأهل الحق ، فإن بدا أحيانا أن أهل الباطل ينتصرون ، فليس انتصارهم نصرا ولكنه إملاء محفوف بخذلان وسوء عاقبة وخسران ، كقوله تعالى : (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ) (١٨) (الأنبياء) أى يبين الحجة ويظهرها وإن كان بعد لأى ، والنصر من عند الله مرة يكون بالقوة ، ومرة بالحجة ، وفى كل الحالات ينصر الله أهل الحق ، كقوله : (وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (٤٧) (الروم) ، وهذه العبارة هى خلاصة كل حروب الإنسانية من يوم أن خلق الله الخلق.

* * *

١٥٥٢ ـ الاستشهاد فى سبيل الله

الاستشهاد من شهد يعنى أخبر به خبرا قاطعا ؛ واستشهد تعرّض أن يقتل فى سبيل الله ؛ واستشهد : قتل شهيدا ؛ والشهيد والشهيدة من قتل فى سبيل الله ، والجمع شهداء ، والاسم الشهادة ، وسمّى الشهيد بذلك لقيامه بشهادة الحق فى أمر الله ، كقوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (١٧١) (آل عمران) ، وفى الآيات إخبار بأن الاستشهاد أكبر نعمة من الله يمكن أن يرزق بها المؤمن ، وأن الشهداء أحياء فى الجنة يرزقون ، ولا محالة أنهم ماتوا ، وأن أجسادهم فى التراب ، ولكن الله يؤكد لنا أن أرواحهم حيّة كأرواح سائر المؤمنين ، وأنهم فضّلوا بالرزق فى الجنة من وقت القتل ، كأن حياة الدنيا دائمة لهم. وقيل : إن أرواحهم تردّ إليهم فى القبور فينعمون ، كما يحيا الكفار فى قبورهم فيعذّبون. وقيل : الكلام فى الآية على المجاز ، ويعنى أنهم فى حكم الله ، مستحقون للتنعّم فى الجنة ، كما فى قولنا إن فلانا ما مات ، لأن ذكراه باقية ، كقول الشاعر :

موت التّقىّ حياة لا فناء لها

قد مات قوم وهم فى الناس أحياء

فالمعنى أنهم يرزقون الثناء الجميل. والشهيد حاله فى الغسل والصلاة كحال الأحياء ، فهو يغسّل ويصلّى عليه مثلهم ، إلا قتيل المعترك ، وفى الحديث : «ادفنوهم بدمائهم» ، ودفن الشهداء يوم أحد ولم يغسّلوا ولا صلّى عليهم. وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى على حمزة وسائر شهداء أحد ، وقيل : لم يغسّل شهداء أحد ، وكان يجمع بين الشهيدين فى ثوب واحد ، ويدفنان بدمائهما ، ويقدّم الأقرأ للقرآن ، ولم يصلّ على أىّ منهم. وقيل : من يقتل

٦٥١

مظلوما لا يغسّل ، ولكن يصلّى عليه ، ولمّا قتل عمّار بن ياسر فى صفّين لم يغسله علىّ. وقيل : مات مظلوما ، ولا يغسّل قتيل البغاة ، والصحيح أن غسل الموتى ثابت عقلا وبالإجماع ، وهو سنة ثابتة. والآية فيها عظم ثواب القتل فى سبيل الله ، وأن الشهادة تكفّر الذنوب ، وفى الحديث : «القتل فى سبيل الله يكفّر كل شىء إلا الدّين» ، والحديث غير معقول ، فهل الدّين أكبر وأقيم من الشهادة؟! وقيل : المدين وإن قتل شهيدا لا يدخل الجنة حتى يقضى عنه دينه ، فأين يكون إذن؟ وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق ، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا ، وقال : «شهيد البحر مثل شهيد البرّ ؛ والمائد فى البحر (أى الذى يموت من دوار البحر) كالمتشخّط فى دمه فى البرّ (أى الذى يتخبّط فى دمه).

والأولياء عند الله تعالى مراتب ، كقوله تعالى : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) (٦٩) (النساء) ، فأولى المراتب للأنبياء ، ثم للصّديقين ، ثم للشهداء ، ثم للصالحين ؛ فالشهداء فى المرتبة الثالثة. والصالحون هم صالحو أمة الإسلام ، واللفظ يعمّ كل هؤلاء السابقين. والرفيق هو الصاحب يرتفق صاحبه ، ولأنهم يرتفقون بعضهم البعض فإنهم رفقة ، وهؤلاء السابقون أصحاب المراتب الأربع رفقة الشهيد فى الجنة.

* * *

١٥٥٣ ـ دار البغى

البغى : هو الظلم وتجاوز الحدّ فيه ، وأن يقع الرجل فى الرجل فيتكلم فيه ويبغى عليه بغير الحق ، كقوله تعالى : (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِ) (٣٣) (الأعراف) ، فأخرج البغى من الفواحش وهو منها ، لعظم البغى وفحشه ، فنصّ على ذكره وحده ، وقرنه بالإثم تأكيدا لأمره ، وقصدا للزجر عنه. ودار البغى أو أرض البغاة : هى البلاد التى يحكمها البغاة أو أهل البغى ـ أى الطواغيت الظلمة ، وقوانينها قوانين باغية ، وكانت مكة تحت حكم المشركين دار بغى ، بغى أهلها على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وآذوه وأخرجوه وأصحابه. وذكر الله الانتصار فى البغى فقال : (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) (٣٩) (الشورى) ، والآية عامة فى بغى كل باغ ، والمسلم لا يرضى بالظلم ولا يستسلم له ، ومأمور أن يتصدّى للباغى المعلن للفجور ، الوقح فى الجمهور ، والمؤذى للصغير والكبير ، فيكون الانتقام منه أفضل ، والمسلمون يكرهون أن يذلّوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفسّاق ، والآية فيمن تعدّى فى البغى وأصرّ عليه ، ويأتى عقبها : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ

٦٥٢

سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (٤٠) (الشورى) فجعل الانتقام بمثل الإساءة ، فإن اعترف الباغى بالزلّة وسأل المغفرة ، فالعفو أفضل ، وفى ذلك نزل قوله تعالى : (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) (٢٣٧) (البقرة) ، وقوله : (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ) (٢٢) (النور) ، وأكد الله تعالى حق المظلوم فى الانتصار عند تمادى الباغى فى الظلم ، فقال : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٤٢) (الشورى) ، فامتدح من انتصر ممن بغى عليه من غير اعتداء بالزيادة ، وسمّى الجزاء سيئة لأنه فى مقابلتها ، والانتصار من المعتدى غير المسلم حتم ، ومن المسلم مباح ، والعفو مندوب.

والباغى قد يكون فردا ، كما قد يكون جماعة أو دولة ، فأما إن كان فردا فحكمه ما سبق ، وأما إن كان جماعة كالجماعة التى منعت الزكاة وقاتلها أبو بكر ، أو كانت دولة كدولة معاوية التى خرجت على علىّ ، كبغى العراق على الكويت ، فهذه جاء فيها فى التنزيل قوله تعالى : (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٩) (الحجرات). ولا يعامل المسلمون جماعة البغى من المسلمين كأعداء ، وجريحهم ومدبّرهم لا يقتلان ، ولا تغنم أموالهم ، ولا تسبى نساءهم وذراريهم ، ولا يضمنون ما اتلفوا فى الحرب من الأنفس والأموال ، ويغسّل من يقتل منهم ويكفّن ويصلّى عليه. وأهل العدل نقيض أهل البغى ، ولا ينطبق وصف البغاة على الثوار على الحاكم الظالم. ويشترط فى البغاة لكى يصحّ عليهم هذا الاسم أن يكون خروجهم للدنيا ، وللحصول على الحكم ، ومنازعة الشرعية الدستورية ، وهذا الخروج يسمى محاربة. ولا يعدّ من البغاة الخارجون الذين لا يحملون السلاح ، وليست لهم قوة ، وليسوا جماعة سياسية لهم زعامة وقيادة ومطالب ودعاوى. والمحارب يخضع لأحكام آية المحاربة التى تقول : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٤) (المائدة).

* * *

١٥٥٤ ـ دار الإسلام ودار الحرب

يقال دار الإسلام ، ودار إسلام ، وديار الإسلام فى الجمع ؛ والدار هى البلد ، ودار

٦٥٣

الحرب : هى بلاد العدو ؛ ودار القرار : الآخرة ؛ والداران : الدنيا والآخرة ؛ ودار البغى : هى التى يحكمها الطاغوت ، وتجور فيها القوانين ، وأهلها من البغاة المغتصبين. والحربى : هو المنسوب إلى دار الحرب ، وليس لأهل الحرب دخول دار الإسلام بغير أمان ، وإذا دخلوا بأمان فهم على أمانهم ، وإن دخلوا مستوطنين بطل أمانهم فى أنفسهم وبقى فى أموالهم. ولا يخرج المستأمن من دار الإسلام قبل أن تستوفى منه الحقوق التى لزمته فيها ، وإذا سرق أو قتل أو غصب ثم عاد إلى وطنه فى دار الحرب ، ثم خرج مستأمنا مرة أخرى ، استوفى منه ما لزمه فى أمانه الأول ؛ وإذا خرج وترك مالا فى دار الإسلام ، وديعة أو قرضا ، بقى الأمان لماله ، وإن طلبه بعث إليه به ، وإن مات فى دار الحرب انتقل إلى وارثه ولم يبطل الأمان فيه ، وإن كان له وارث فى دار الإسلام على ملّته ورثه ، وإن لم يكن له وارث صار فيئا للخزانة العامة للدولة. وإذا دخلت المستأمنة دار الإسلام فتزوجت ذميّا ، ثم أرادت الرجوع لم تمنع ، ومن دخل من المسلمين ديار الحرب بأمان ، لم يخنهم فى مالهم ولم يعاملهم بالربا ، فإن خانهم أو سرق منهم أو نحو ذلك وجب ردّ ما خانهم فيه ؛ والفرد المسلم له أن يؤمّن الحربى ، مثله مثل الدولة ، بنصّ الحديث : «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم» ، وأما فى الآية : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) (٦) (التوبة) فإن حقّ تأمين الحربيين موكول للدولة وليس للأفراد ، وفى القوانين الحالية فإن اللجوء السياسى لا تأذن به إلا الدولة.

* * *

١٥٥٥ ـ الصلاة فى المعركة

انظر باب الصلاة : «صلاة الخوف».

* * *

١٥٥٦ ـ التسلل فى المعارك فرارا ليس من الإيمان

يقول تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٦٢) (النور) ، والمعنى أن الإيمان لا يتم ولا يكمل إلا بالسماع إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والطاعة له ، وفى أيامنا بالسماع للقائد ، وأوامر الرسول كأوامر القرآن. والأمر الجامع فى الآية هو ما يستلزم جمع الناس له لإذاعة مصلحة أو إقامة سنّة ، أو إعلان حرب ، أو تعبئة للجيش ، وللقائد هذا الحق طالما أن الجمع لصالح الناس ونفعهم ، والتخاذل عنه والفرار من الخدمة العسكرية مخالف

٦٥٤

للدين. وفى كل الجيوش يدأب المنافقون على التسلل لواذا من كتائبهم ، ويخرجون على الجماعة ، وليس لأحد أن يأذن لأصحاب الأعذار إلا قائدهم. وقد كان ذلك فى جيش المسلمين كثيرا يوم الخندق وفى غزوة تبوك.

* * *

١٥٥٧ ـ أحكام التجسّس فى الإسلام

التجسس : هو التبحّث ، من جسّ ، وتجسّس ، واجتسّ الأخبار والأمور ، بمعنى بحث عنها وتفحّصها ؛ والجاسوس الذى يتجسّس الأخبار ثم يأتى بها ، والجمع جواسيس ؛ وأول جاسوس فى الإسلام كان حاطب بن أبى بلتعة ، من المؤمنين ؛ وأول جاسوسة هى سارة ، من موالى قريش وكانت من الكفار. وكان حاطب من أهل اليمن ، وله حلف بمكة فى بنى أسد بن عبد العزّى ، فقدمت من مكة سارة مولاة أبى عروة بن صيفى إلى المدينة ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتجهّز لفتح مكة ، فلما استجوبها : «أمهاجرة جئت يا سارة؟» قالت : لا ، قال : «أمسلمة جئت؟» قالت لا. قال : «فما جاء بك؟» قالت : كنتم الأهل والموالى والأصل والعشيرة وقد ذهب الموالى ـ تعنى قتلوا ببدر. وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطونى وتكسونى. وكانت سارة مغنيّة ، وشكت كساد حالها ، فحثّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المؤمنين ليعطوها ، وأتاها حاطب وأعطاها عشرة دنانير وبردا ، على أن تبلّغ إلى أهل مكة كتابا أعطاه لها ، وكتب فيه أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يريدكم ، فخذوا حذركم ، وضمّن الكتاب أخبار تجهّز النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمكة ، ووقت ذلك ، يعنى كان كتابه نموذجا لكتب الجواسيس ، وخرجت سارة بالكتاب ، وكان طبيعيا أن يشك فيها المسلمون ، فأرسل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خلفها عليا والزبير وأبا مرثد الغنوى ، وكانوا فرسانا ، وأدركوا المرأة واستجوبوها وأمروها أن تخرج ما معها ، وحلفت أن ما معها شىء ، وفتشوا أمتعتها فلم يجدوا شيئا ، وكادوا يرجعون ، لو لا أن عليا استل سيفه وهددها أن يجرّدها ويضرب عنقها ، ورأت الجدّ فى وجهه ، فأخرجت كتاب حاطب من ذؤابتها ، أو حجزتها ـ أى معقد سروالها ، وعادوا بها إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبدءوا استجوابها وحاطبا ، ونزلت الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) (١) (الممتحنة) ، وفيها النهى عن موالاة الأعداء ، ونظيرها قوله تعالى : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (٢٨) (آل عمران) ، وقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ

٦٥٥

(١١٨) (آل عمران) ، وقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) (٥١) (المائدة) ، وتقدير الآية : أن لا يتخذ المسلمون من أعدائهم أصدقاء وإخوانا وأحلافا ، إن كانوا حقا على الإسلام ، فما ينبغى لمسلم أن يوالى عدوا له فى دينه ، ولا أن يلقى إليه بالمودة ، ومن يوافق عدوه فى الدين ، ويسرّ إليه ويكاتبه ، يخطئ قصد السبيل ، لأنه يكون جاسوسا ، وهو أشرّ ما يبتلى به أهل مجتمع من المجتمعات : أن يساكنهم إنسان ويعاشرهم ويضمر فى نفسه الخيانة لهم والغدر بهم ، ويمالئ أعداءهم ، وحتى لو كانت للجاسوس تعلّة ، بأنه من أصول الأعداء ، وله بهم قرابة ، فلا يجيز له ذلك أن يخابرهم ، فالعدو عدو ولو كان قريبا ، كقوله تعالى : (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) (٢) (الممتحنة) ، إشارة إلى ما يناله المسلم من التعذيب ومحاولات غسل المخ إذا اشتغل مع أعداء الله وأعدائه جاسوسا ، ولن يتورعوا أن يسلّطوا عليه فيضرب ويشتم ، ولن يترك لحاله إلا لو كفر ، فهذا هو ما يريدون من المسلمين : أن يكفروا بلا إله إلا الله.

والحكم فى الجاسوس : أنه إن كان لدنيا يصيبها وليس كفرا بالله كما كان حال حاطب ، ولم ينو الرّدة عن الدين ، عفا عنه إذا أظهر التوبة وأقرّ بالذنب ، ويستبعد بعد ذلك عن أية أسرار ، وأما إذا كانت عادته التجسس والخيانة والغدر ، فجزاؤه القتل لإضراره بالمسلمين وسعيه فى الفساد فى الأرض. وحاطب عفى عنه لأنه أخذ فى أول فعلة ، وأقرّ وتاب وأناب. وإذا كان الجاسوس حربيا من الأعداء وعلى غير الإسلام يقتل. وروى علىّ بن أبى طالب : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أتى بعين لأعداء الله اسمه فرات بن حيّان ، فأمر به أن يقتل ، فلما صرخ فى الناس : أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله! أمر به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فخلّوا سبيله وقال : «إنّ منكم من أكله إلى إيمانه ، منهم فرات بن حيّان».

* * *

١٥٥٨ ـ الذين يخاف منهم الخيانة فى الحرب

حكم القرآن عند الخوف من خيانة قوم لنا بهم عهد ، وعلمنا منهم نقضه ، أن لا نوقع بهم إلى النقض حتى نلقى إليهم أننا قد نقضنا العهد والموادعة ، فنكون وإياهم فى علم النقض مستويين ، كقوله تعالى : (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) (٥٨) (الأنفال). وهذا الحكم من معجز ما جاء فى القرآن مما لا يوجد فى الكلام مثله ، لاختصاره وكثرة ما به من المعانى. فأما إذا لم يكن للعدو عهد فينبغى أن يتحيّل عليه بكل حيلة ، وأن تدار عليه كل خديعة ، وفى الحديث : «الحرب خدعة».

* * *

٦٥٦

١٥٥٩ ـ لا تمنّوا لقاء العدو

المسلم على سؤال العافية من الفتن ، ومن أقوال الصدّيق : «لأن أعافى فأشكر ، أحبّ إلىّ من أن أبتلى فأصبر» ، وفى القرآن : (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (١٤٣) (آل عمران) ، والآية عتاب للمسلمين أن تمنّوا المعركة قبل وقوعها ، وفى الحديث : «لا تمنّوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا». وحكمة النهى : أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر ، ولأنه ربما يصدر عن إعجاب ووثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو ، وذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم ، ويحمل النهى على ما إذا وقع الشك فى المصلحة أو حصول الضرر ، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة ، والدعاء عند اللقاء استنصار بالله ، ومراعاة للأدب ، وفى رواية أخرى للحديث : «لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون ، عسى أن تبتلوا بهم» ، لأن لقاء الموت من أشق الأشياء ، ولا نعلم ما يغيب عنا ، ولا نأمن ما يكون عند الوقوع ، فيكره لذلك التمنّى ، فقد يخالف ما يحدث ما نعد به أنفسنا.

* * *

١٥٦٠ ـ اليهود ينقضون العهود فى كل مرة

مثلهم كمثل بنى قريظة والنضير : (يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ) (٥٦) (الأنفال) وقال فيهم لذلك إنهم : (شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ) (٥٥) (الأنفال).

* * *

١٥٦١ ـ فى الحرب مع اليهود شرّد بهم

الآية : (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (٥٧) (الأنفال) ، كالقول المأثور والحكمة الغالية ، وتعنى : إذا لقيتم اليهود فنكّلوا بهم ليكونوا مثلا لغيرهم من قومهم ، فيتّعظون ويفرقون ، والتشريد هو التبديد والتفريق.

* * *

١٥٦٢ ـ الحشر لليهود هو جلاؤهم القسرى

المقصود بالحشر فى سورة الحشر : الإخراج الجماعى وقد حشدوا له كأنهم فى يوم القيامة ، والمقصود بالمخرجين بنو النضير من اليهود ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا قدم المدينة قد هادنهم وأعطاهم عهدا وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه ، فنقضوا العهد فأجلاهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأخرجهم من حصونهم الحصينة التى ظنوا أنها مانعتهم من بأس الله ، فما أغنى عنهم من الله شيئا ، وتفرّقوا بددا ، فذهبت منهم طائفة إلى أذرعات من أعالى الشام ، وذهبت طائفة إلى خيبر. وكانت وقعة بنى النضير بعد وقعة أحد ، وبعد بئر معونة. وقال

٦٥٧

البخارى بطريق عروة : كانت وقعة بنى النضير بعد بدر بستة أشهر. والحشر هو الجلاء القسرى ، وهو خروج الناس من البلد ، وأعطى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كل ثلاثة من بنى النضير بعيرا واحدا وسقاء ، وضرب لهم موعدا لجلائهم لا يتجاوزونه وهو ثلاثة أيام ، والرأى فى اليهود عموما ما صنعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم معهم ، فلنتعلم من ديننا.

* * *

١٥٦٣ ـ التخيير بين القتل أو الإسلام؟!

الآية (تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) (١٦) (الفتح) ضمن سياق فيه خبر عن المستقبل ، أن المسلمين سيدعون إلى قتال قوم أولى بأس ، فهل ستعتذرون وستتخلون مرة أخرى؟ علما بأن هؤلاء الناس لن يكون الحال معهم بالصلح كما فى الحديبية ، بل هى الحرب والموت أو أن يسلموا لو اختاروا الإسلام بلا إكراه ، والآية إذن ليس فيها التخيير بين القتل أو الإسلام ، وليس من معانيها أن من لم يسلم يقتل كما يروّج المستشرقون ، خاصة اليهود.

* * *

١٥٦٤ ـ يراعى الكافر فى حرمة المؤمن

الدليل على ذلك الآية : (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (٢٥) (الفتح) : وهؤلاء هم المستضعفون من المؤمنين وسط الكفار والمشركين ، لم يعرفهم المؤمنون ولم يعلموا بهم ، وإلا لجاز للمؤمنين أن يقاتلوا أهل الكفر وهؤلاء المؤمنون بينهم ، وإنما خشية إلحاق الضرر بالمؤمنين ، وأن يقال المسلمون يتسببون فى قتل المسلمين ، وقد يضار بالقتال من أهل هذا البلد مواطنون يريدون أن يدخلوا فى الإسلام بعد الصلح ، لم يجز الإسلام الرمى وهؤلاء بينهم ، إلا لو تميّز المسلمون بميزة يعرفون بها من غير المسلمين ، وإذن لتيسر مقاتلة غير المسلمين ، وهكذا يدفع الله بالمؤمنين عن الكفّار ، فلا يمكن إلحاق الأذى بالكفار طالما أن ذلك سيؤذى المؤمنين أيضا ، فلو أن أسارى من المسلمين لدى العدو فلا يجوز أن تضرب بلاد العدو بالمدافع والصواريخ وتشن عليها الغارات الجوية. وكذلك لو احتمى كافر بمسلم لم يجز رميه. وإن أصيب مسلم فى عدوان المسلمين على كفرة ، فعلى فاعل ذلك الدّية والكفّارة ، فإن لم يعلم أنه مسلم فلا دية ولا كفّارة ، وذلك لأن المسلمين يعلمون أن من بين صفوف العدو مسلمين فليس لهم أن يرموا ، فإذا رموا صاروا قتلة خطأ ، والدية على عواقلهم ، يعنى على حكوماتهم ، وإذا لم يكن من الممكن أبدا مفاداة قتل المسلمين فى حالة اتخاذ العدو لهم دروعا بشرية ، فإنه

٦٥٨

يغض النظر عن إمكان إصابة مسلمين ، والضرورات تبيح المحظورات ، مع ملاحظة أن المسلمين إذا انتصر العدو سيقتلون أصلا ، وقد يقتلهم انتقاما إذا انهزم. ولو انتهى المسلمون عن حرب الأعداء بدعوى وجود مسلمين بين سكان العدو ، فسينتهى الأمر باندحار كل المسلمين ، وأهون الشرّ أن يموت بعض المسلمين من بلاد العدو ويبقى كل المسلمين الآخرين.

* * *

١٥٦٥ ـ حسنة الجهاد بسبعمائة ضعف

ورد بالقرآن أن الحسنة فى جميع أعمال البرّ بعشر أمثالها ، كقوله تعالى : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) (١٦٠) (الأنعام) ، بينما حسنة نفقة الجهاد بسبعمائة ضعف ، كقوله : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ) (٢٦١) (البقرة) ، وفى قوله «يضاعف لمن يشاء» إعلام بمضاعفة الأجر لأكثر من سبعمائة ضعف ، كالمزارع الذى يحسن الفلاحة ، وانتقاء البذر ، ويختار الأرض الخصبة ، فذلك يكون محصوله أوفر من آخر لم يهتم به ، فكذلك المتصدّق المحسن فإن أجره يزيد عن سبعمائة ضعف إذا كان هو نفسه من الصالحين ، وماله من حلال ، ووضع نفقته فى مكانها الصحيح. وليس من ينفق فى الجهاد ويقيم فى بيته كمن ينفق ويغزو بنفسه ، فعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أن الأول أجره سبعمائة ضعف ، والثانى أجره سبعمائة ألف ضعف.

* * *

١٥٦٦ ـ السائحون والسائحات هم المجاهدون والمجاهدات

السياحة صفة الكمّل من المؤمنين والمؤمنات ، فمن صفات المجاهدين فى سبيل الله أنهم السائحون (التوبة ١١٢) ، ومن صفات الزوجات الصالحات أنهن السائحات (التحريم ٥) ، والسياحة هى التجوال فى الأرض للعبادة والترهّب ، وعن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن سياحة أمتى الجهاد فى سبيل الله» ، أى أن سياحتهم وتجوالهم فى الأرض من أجل إعلاء كلمة الله ؛ فالمهاجرون سيّاح فى سبيل الله ، والسياحة قد تكون تجوالا بقطع المسافات ، وقد تكون تجوالا فكريا ، بالتفكّر فى ملكوت الله ، وكل ذلك جهاد فى سبيل الله ، لأنه من أجل نشر كلمة التوحيد. وأصل السياحة : الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء ، فالزوجة السائحة هى الذاهبة فى طاعته تعالى كالماء إذا ذهب ، وهى المهاجرة تذهب فى الهجرة ، والصائم والصائمة سائح وسائحة ، لأن السائح لا زاد معه ، وإنما يأكل من حيث يجد

٦٥٩

الطعام ، فهو يذهب فى الطعام ويستمر على الطاعة فى ترك ما يترك منه ومن غيره ، فكان مجاهدا كما كانت الزوجة الصالحة مجاهدة.

* * *

١٥٦٧ ـ شروط المجاهدين فى سبيل الله

فى تعريف المجاهدين قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) (١١١) (التوبة) ، وأصل الشراء بين الخلق أن يعوّضوا عمّا خرج من أيديهم ، والله تعالى اشترى من عباده المجاهدين أنفسهم وأموالهم فى طاعته وأوعدهم الجنة عوضا عنها ، وعوضه لا يدانيه المعوض ولا يقاس به. وشروطه تعالى فى المجاهدين أنهم كقوله : (التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (١١٢) (التوبة) ، فلا يدخل تحت المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف يبذلون أنفسهم فى سبيل الله ، وهم الكملة يستبق إلى صفاتهم أهل التوحيد ليكونوا فى أعلى مرتبة.

* * *

١٥٦٨ ـ لا يستوى القاعدون والمجاهدون فى سبيل الله

القاعدون مصطلح قرآنى ، والفعل قعد : أى أقام بالمكان ؛ والقاعد فى الاصطلاح : هو الذى لم يخرج إلى الجهاد ، يقول تعالى : (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) (٦٥) (النساء) ، وأولو الضرر : هم العجزة والمرضى والشيوخ ، أقعدهم المرض والعجز والزمانة عن الخروج للجهاد ، وهؤلاء هم أهل الأعذار ، أضرّت بهم أعذارهم فمنعتهم الجهاد فليست لهم درجة المجاهدين ، والناس عند الله درجات ، وفضّل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر ؛ والدرجة والدرجات : هى العلو ، والمجاهدون يثيبهم ، ويعلى ذكرهم ، ويرفعهم بالثناء ، وفى الحديث : «إن فى الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين فى سبيله» أخرجه البخارى ؛ والمعذّرون والمجاهدون كلّا وعد الله الحسنى ، أى الجنة. والمجاهدون يجاهدون إما بالمال ، أو بالنفس ، أو بهما معا ، وقد يكون الجهاد بالمال أفضل أحيانا عند ما تكون الحاجة للمال لتجهيز الجيوش ، وقد يكون التطوّع بالنفس أفضل أحيانا إذا توفر المال وكانت الحاجة للأفراد ، ومن تغلب عليه‌السلامة فضّل أن يجاهد بالمال ، ومن زهد فى الدنيا فضّل أن يجاهد بالنفس.

* * *

٦٦٠

١٥٦٩ ـ طبقات من يقتلون فى الحرب من النساء والصبيان والضعفاء عموما

الأصل فى الإسلام هو السلم ، والحرب المشروعة هى الحرب الدفاعية ، كقوله تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) (١٩٠) (البقرة) ، والقتال فقط يكون للذين يقاتلون المسلمين ، ولا يعتدى المسلم على النساء والصبيان ومن أشبههم ، فبهذا أوصى أبو بكر يزيد بن أبى سفيان حين أرسله إلى الشام ، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية ، وفى الحديث عن ابن عمر : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى فى بعض مغازيه امرأة مقتولة ، فكره ذلك. أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وأبو داود والنسائى والبيهقى. والنساء إن قاتلن قتلن لعموم قوله تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) (١٩٠) (البقرة) ، وقوله : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) (البقرة) ونساء إسرائيل مقاتلات ، وكذلك نساء الإفرنج عموما ، وينخرطن فى الجيوش ، ويستخدمن فى التجسس ، ويشاركن فى المجهود الحربى ، وذلك يبيح قتلهن. ولا تقتل ربّات البيوت ، والبنات فى المدارس ، والعاملات فى المحلات ، والطبيبات والممرضات ومن فى حكمهن. ولا يقتل الرهبان ، ولا يعتدى على أموالهم ولا كتبهم ، وقد أمر أبو بكر بذلك فى مقالته ليزيد ، قال : وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله ، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له». ولا يقتل الزّمنى والشيوخ ، وهم الذين لا يطيقون القتال ، ولا ينتفع بهم فى رأى ولا مدافعة. ولا يجوز قتل كل من لا يقاتل ولا يعين العدو. والعسفاء لا يقتلون ، وهم الأجراء والفلاحون ، وفى الحديث لرباح بن الربيع قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذريّة ولا عسيفا» أخرجه ابن ماجة وأبو داود. وأحمد ، والذرية هم الأطفال.

* * *

١٥٧٠ ـ النهى عن قتل النساء والصبيان

فى شريعة اليهود : الجزية ، وسبى النساء ، وضرب كل ذكر بحد السيف (سفر تثنية الاشتراع ٢٠ / ١١ ـ ١٤ ، وسفر العدد ٣١ / ١٧ ـ ١٨) ، وفى الإسلام : الجزية تحلّ محل الزكاة. والجزية ضريبة دفاع وليست ضريبة احتلال ، ويحظر قتل النساء والصبيان بحال حتى لو تترّس أهل الحرب بالنساء والصبيان ، أو تحصّنوا بحصن وجعلوا معهم النساء والصبيان ، لم يجز رميهم ولا تحريقهم ، ونهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنهم لأول مرة يوم حنين ، وكانت أوامره : «لا يقتل الذرية ولا العسيف» ، والعسيف هو الأجير ، ولما رأى المرأة المقتولة فى الطائف تحرّى أمرها فقال الذى قتلها : أرادت أن تصرعنى فتقتلنى فقتلتها ، فنعلم أن المرأة إذا قاتلت جاز قتلها ، وكذلك الصبى المراهق. وسبب منع قتل النساء والولدان ،

٦٦١

فلضعف النساء ، ولقصور الولدان عن فهم الكفر ، وهؤلاء هم المستضعفون فى الآية : (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) (٧٥) (النساء) ، والآية : (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (٩٨) (النساء).

* * *

١٥٧١ ـ المسلمون لا يعتدون

فى قوله تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) (١٩٠) (البقرة) أن المسلمين لا يعتدون ، ولا يقاتلون من لم يقاتلهم ، ولا إكراه فى الدين ، وما لم يقاتل المسلمون فإنهم لا يبدءون قتالا.

* * *

١٥٧٢ ـ على كل مسلم أن يجاهد ولو وحده

المسلم لا يدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو وحده ، كقوله تعالى : (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) (٨٤) (النساء) ، لأن الله وعد المجاهدين الأجر العظيم ، قال : (وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (٧٤) (النساء) ، وقال : (وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (٧٥) (النساء) ، فمن أجل تخليص المستضعفين من أيدى العدو الذين يسومونهم سوء العذاب ويفتنونهم فى الدين ، وجب الجهاد لإعلاء كلمة الله وإظهار دينه ، واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده ، وإن كان فى ذلك تلف النفوس. وتخليص الشعوب الإسلامية المستعبدة واجب على كل جماعة المسلمين ، إما بالقتال وإما بالأموال. ولذلك ينبغى على كل مسلم أن يجاهد ولو وحده ، ومن ذلك قول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتى» أى حتى لو بقيت وحدى ، وقال أبو بكر فى الردّة : ولو خالفتنى يمينى لجاهدتها بشمالى.

* * *

١٥٧٣ ـ القتال لتجنب الفتنة

فى قوله تعالى : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (١٩٣) (البقرة) ، والفتنة هى الضلال والزيغ والظلم والجور ، فجعل الغاية من القتال إنهاء ذلك كله وتجنب أن تسود الوقيعة ، وفى التاريخ فإن الدول الاستعمارية من دأبها أن تنشر الفتن فى العالم ، وتنسب إثارة الفتن للمسلمين ، فإن فرض القتال على

٦٦٢

المسلمين ليتجنبوا أن يحيق بهم الأذى فلا ينكصوا ولا ينخذلوا ؛ وأصل الفتنة : الابتلاء والاختبار والامتحان ، تقول فتنت الفضة يعنى أدخلتها النار فتجلى حقيقتها ويبين جيدها من رديئها ، والقتال وإن كان شرّا إلا أنه قد يمنع الفتنة ويميز العدو من الصديق. ولا نهاية للقتال إلا أن يسود الدين ويكون لله ، أى عند ظهور الحق والحقيقة ، وينتهى الظالمون عن ظلمهم ، والغويّون عن غيّهم ، والضالون عن ضلالهم ، ويعود الحق إلى أصحابه ، وتردّ المظالم ، وإلا فالقتال مستمر وهم الظالمون ولا عدوان إلا عليهم ، وتسمى الآية ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء للعدوان ، لأن الظلم يتضمن العدوان ، فسمّى جزاء العدوان عدوانا ، كقوله تعالى : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (٤٠) (الشورى) ، والظالمون هم من بدأ القتال ، ومن أنزل الظلم واستحدث الفتنة والوقيعة.

* * *

١٥٧٤ ـ مشروعية المصالحة مع العدو عند الضرورة

فى الآية : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها) (٦١) (الأنفال) حضّ على موادعة يهود بنى قريظة وقبول الجزية منهم ، وفيها مشروعية المصالحة عموما مع العدو. والسلم : هو الصلح ، وجنحوا : مالوا ، ومعنى الشرط فى الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأصلح للمسلمين المصالحة أم الحرب ، فإذا كان المسلمون ظاهرين على أعدائهم وليست هناك مصلحة فى المصالحة فلا. والمصالحة معهم كانت استئلافا لليهود ، وطمعا فى دخولهم الإسلام ، أو كانت بالمال ، ويحتمل الاثنان. وموادعة أهل الحرب على مكاسب ومغانم أو جزية لا تجب إلا عن ضرورة ، ولا بأس فى الضرورة عن المصالحة على غير شىء سوى المصالحة ، لأن الحرب تشغل عن تنمية المجتمع المسلم ، وقد وقع ذلك فى صلح الحديبية. وإذا ضعف المسلمون عن قتال أعدائهم جازت لهم مهادنتهم على غير مكاسب ، مخافة اصطلام المسلمين لكثرة العدو أو كثرة عتاده ، أو لظروف دولية ، وذلك من معانى الضرورات. ومهادنة الأعداء جائزة للسنة والسنتين والعشر سنوات. وقد هادن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عيينة بن حصن الفزارى ، والحارث بن عوف المرى يوم الأحزاب على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة وينصرفا بما معهما من جنود غطفان ويخذلا قريشا. وكانت فعلته معهما مراوضة ـ أى مداراة ، ولم تكن عقدا. فلما رأى أنهما قد رضيا استشار سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، فسألاه : أهذا أمر تحبه فنصنعه لك ، أو شىء أمرك الله به فنسمع له ونطيع ، أو أمر تصنعه لنا؟ فقال : «بل أمر أصنعه لكم ، فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة» فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك

٦٦٣

وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة ، إلا شراء أو قرى ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له ، وأعزّنا بك ، نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم! فسرّ بذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال : «أنتم وذاك» ، وقال لعيينة والحارث : «انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف» وما أشبه الأمس باليوم ، فهل من مدّكر؟!

* * *

١٥٧٥ ـ فى الإسلام : إعلان الحرب شرطه التبيّن

الحروب مشروعة وغير مشروعة ، والأولى هى الحرب الدفاعية ، والمدافعون لا يقال عنهم إرهابيون ، وقبل إعلان أية حرب لا بد من التبيّن ، وفيه يقول تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا) (٩٤) (النساء) ، والضرب فى سبيل الله هو الحرب الإيمانية ، أى المشروعة التى ليست لمغانم ولدنيا يصيبونها ، وإنما لطرد المعتدين والغاصبين ولإحقاق الحق وإقامة ميزان العدل ، والتبيّن هو التثبّت ولكنه أوكد منه ، لأن الإنسان قد يثبت ولا يتبين. والتبين من فعل بان أى وضح ، ومنه البيان وهو ما يتبيّن به الشيء من الدلالة ، والبيّنة وهى الدليل والحجة ، فلا حرب تشن دون سبب مشروع ، وأن يكون للذى يعلنها الأدلة الدامغة على إدانة الطرف الآخر. والمسلمون ينسب إليهم أنهم إرهابيون ، وبهذه الدعوى تشن عليهم الحروب ويقتلون ، وتدمّر مدنهم وبيوتهم ، والتبيّن واجب ، وإن لم يفعله الكفرة فالمسلمون أحرى أن يقوموا به ويدعوا إليه.

* * *

١٥٧٦ ـ الحذر من الطابور الخامس بين المجاهدين

الجندية شرف لا يعادله شرف آخر ، وأى عمل فى الدولة يستنّ لمن يكلّف به أن يتحرّى عنه ، والواجب أن يستبعد من الجهاد المخذّلون والمرجّفون والجواسيس ، وهم الذين ينشرون الأقاويل والإشاعات بقصد تثبيط الهمم ، وينقلون للعدو أخبار المسلمين ، ومنهم الهمّازون اللمّازون يسعون بالفساد والوقيعة بين المجاهدين.

* * *

١٥٧٧ ـ الاستعانة بأهل الذمة فى الجهاد

تجوز الاستعانة بأهل الذمّة وأهل الكتاب ، فى غير القتال بشرط أن يكون المسلمين فى حاجة إليهم ، وأن يأمنوا شرّهم إذا استعانوا بهم ، وركنوا إلى أمانتهم ، وضمنوا ألا يغدروا بهم. وقد استعان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بصفوان بن أمية قبل إسلامه على حرب

٦٦٤

هوازن ، واستعان بيهود بنى قينقاع وخصّهم بشيء من المال فإذا كان الذمّى أو الكتابى غير مأمون ، أو كان المسلمون فى غنى عنه فلا يجوز الاستعانة به إطلاقا ، كقوله تعالى : (وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً) (٥١) (الكهف) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا أستعين بالمشركين على المشركين» أى مع فقد الشرطين السابقين فلا حاجة للنصرة بهم ، ومع ذلك فإن المشاهد أن الله تعالى ينصر الإسلام بقوم لا خلاق لهم.

* * *

١٥٧٨ ـ لا تنازع واختلاف فى الحرب

لا يصح التنازع والاختلاف بين مقاتلة المسلمين فى ظروف الحرب ، وفى الآية : (وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (٤٦) (الأنفال) ، والريح هى قوة المسلمين ، والتنازع يعطبها ويفرغها من طاقتها فى الاختلافات ، فيكون الفشل ، فأول ما يجب على المسلمين فى حربهم أن يكونوا على قلب رجل واحد ، كما فى الصلاة ، ويأتمروا بإمامهم ، وفى يوم أحد لما اختلفوا ولم يطيعوا ذهبت ريحهم فانهزموا.

* * *

١٥٧٩ ـ لا تضرم الحروب بناء على ظن ولا تؤخذ الأمة بجريرة واحد

فى الحديث عن أبى هريرة : أنه سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «قرصت نملة نبيا من الأنبياء ، فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة ، أحرقت أمّة من الأمم تسبح الله»! ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، أن تؤخذ أمة بجريرة واحد ، وأن يتّهم المسلمون جميعا والإسلام أيضا ، ويضرب شعب كشعب أفغانستان بأعتى أدوات الدمار الشامل ، لظن ظنوه ، فهذا منهىّ عنه فى الإسلام على الأقل ، وفى مثل ذلك يقول تعالى : (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى) (٢٣) (النجم) ، ويقول : (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً) (١٢) (الفتح) ، فالحروب لا تضرم بناء على ظن ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

* * *

١٥٨٠ ـ عمل المسلم إذا مكّن فى الأرض

يقول تعالى : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) (٤١) (الحج) ، والتمكين : هو أن يئول الأمر إلى المسلمين ، وتناط بهم سيادة الناس. والتمكين هو الفتح والنصر لتكون الولاية للمسلمين. وشرط الله على أمة الإسلام إذا فتح الله عليهم ، أن يقيموا هذه الأركان الثلاثة : الصلاة ، والزكاة ، والأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر. وذلك الشرط هو نفسه شرطه تعالى على كل من يؤتيه

٦٦٥

الحكم. والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تخصيصا هو واجب الحكام والشرطة والمحامين وأساتذة الجامعات والمعلمين والصحفيين وأصحاب الفكر والقلم ، وعلى كل هؤلاء أن يستنفروا المشرّعين وأصحاب النفوذ أن يقوموا بهذا الركن من أركان الإسلام.

* * *

١٥٨١ ـ المحارب هو من حمل على الناس

المحارب فى قوله تعالى : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٤) (المائدة) : هو من يحمل على الناس فى الحضر أو السفر ، وفى بيوتهم أو فى الطريق ، وقد يهددهم فى أنفسهم ويحتال على قتلهم ، ويقال له بالمصطلح الحديث «قاطع طريق». واصطلاح المحارب من قوله تعالى (يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) ، وحكم المحارب أن يقام عليه الحدّ بقدر فعله ، وللقاضى أن يحكم عليه بأىّ من الأحكام التى أوجبها الله كعقاب لجرمه ، وأخفها النفى من دار الإسلام ، ومن النفى السجن ، لأنه نفى من سعة الدنيا إلى ضيقها ، وكان عمر بن الخطاب أول من قضى بالحبس فى السجون ، وبرر ذلك بقوله : «أحبسه حتى أعلم منه التوبة ، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم». وأما المجرم المسجل خطر فيغرّب ويسجن بحسب الخوف منه. والحرابة : هى فعل المحارب ، ولشناعتها جاء فى عقابها أن يقتّل المحارب أو يصلّب أو تقطع يداه ورجلاه من خلاف ، وهذا بعض عقاب الدنيا ، ولا تفيد توبته فى إسقاط العقاب بسبب عظم الضرر الذى يخلّفه المحارب ، واسمه المحارب لأن ما يفعله كالحرب يشنها على الناس فى المصر أو فى المنازل والطرق والقرى. وقيل المحاربة لا تكون فى المصر ولكنها خارج المصر ، والمغتال كالمحارب ، وهو الذى يحتال فى قتل إنسان على أخذ ماله. وإذا حكم على المحارب بالتغريب فإنه يسجن حيث يغرّب. ومن المحاربة سدّ سبيل الكسب على الناس ، لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات ، وركنها وعمادها كثرة الأسفار كقوله تعالى : (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ) (المزمل ٢٠) ، فإذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر ، فينسد باب التجارة عليهم ، وتنقطع أكسابهم ، فشرع الله على قطّاع الطرق الحدود المغلّظة ، ولم يجعل جرائمهم من أنواع السرقة ولكنه جعلها جرائم حرب.

* * *

١٥٨٢ ـ أحوال المسلمين مع الأسرى

من قواعد الحرب فى الإسلام أن الأسير يصفّد بالأغلال ، إلى أن يطلق سراحه ، وإلا

٦٦٦

يظل حبيسا إلى أن تنتهى الحرب ، ويفديه قومه ، كقوله تعالى : (فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) (محمد). وإطعام الأسير ، وعلاجه ، حقّ حتى وإن حكم عليه بالموت لغدر غدره ، فإنه ينبغى أن يطعم ، ويسقى ، ويداوى ، ويرفق به على أى ملة كان ، كقوله تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الإنسان ٨) ، والأسير بالمعنى الشامل كما قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو «المملوك والمسجون» ، وإطعامه يشمل كل شىء يحفظ عليه نفسه ، كالطعام ، أو الشراب ، والنوم ، والكسوة ، والعلاج ، وكل ذلك قربة إلى الله ، كقوله : (إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً) (٩) (الإنسان). وأما قوله تعالى : (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) (الأنفال ٦٧) فإنه خاص بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبيوم بدر ، وليس عاما ، وكان المسلمون وقتذاك قليلين ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله تعالى : (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) (محمد ٤) ، وفى نفس المعنى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٧١) (الأنفال) ، والآية خاصة بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعمّه العباس وجماعته يوم بدر ، فتكلّم الأسرى عن الإسلام ولكنهم لم يمضوا فيه جميعا عزيمة ، ولا اعترفوا به اعترافا جازما ، وتلك كانت خيانتهم وكان مكرهم مع أن المسلمين عاملوهم أحسن معاملة. وفى التوراة عكس ذلك تماما ، فكل الذكور من الأسرى والولدان يضربون بحدّ السيف ، وتغنم النساء والأطفال والبهائم ، وأما المدن فيقتل كل من فيها فلا يتبقى منهم نسمة ، وأما الشجر فلا يقطع طالما ينتظرون منه الفائدة (تثنية الاشتراع ٢٠ / ١٣ ـ ٢٠). فشتّان بين أحكام الإسلام مع الأسرى وغيرهم ، وبين أحكام التوراة فيهم.

* * *

١٥٨٣ ـ المعاش للمجاهد للشهيد

من يقتل شهيدا فى الجهاد ، استحق أولاده وزوجته ومن يعولهم من أهله كأخواته البنات ، وأمه وأبيه الشيخين ؛ ويشترط فى المعاش أن يكفيهم كما يشترط أن يخصص للمجاهدين تعويض يدفع لهم فى حالات الإصابة بعاهة بالإضافة إلى المعاش ، ويدفع التعويض لورثته الشرعيين عند استشهاده بحسب استحقاقهم.

* * *

١٥٨٤ ـ الشهداء فى الإسلام لهم أعلى الدرجات

فى اللغة أشهد واستشهد أى قتل فى سبيل الله ، والشهادة : الموت فى سبيل الله ،

٦٦٧

والشهيد : هو القتيل فى سبيل الله ، والجمع شهداء ، والمؤنث شهيدة ، وفى الحديث : «الشهداء أربعة : رجل مؤمن جيد الإيمان لقى العدو فصدق الله فقتل ؛ والثانى : مؤمن لقى العدو فكأنما يضرب ظهره بشوك الطلح ، جاءه سهم غرب فقتله ، فذاك فى الدرجة الثانية ؛ والثالث : رجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا ، لقى العدو فصدق الله حتى قتل ، فذاك فى الدرجة الثالثة ؛ والرابع : رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافا كثيرا ، لقى العدو فصدق الله حتى قتل ، فذاك فى الدرجة الرابعة» أخرجه أحمد والترمذى. وكان عمر يدعو : «اللهم ارزقنى الشهادة» ، والدعاء إنما بقصد الحصول على درجة الشهادة العليا ؛ وتمنّيها إنما لإعلاء كلمة الله حتى يبذل الشهيد نفسه لتحصيل ذلك. وحتى النساء منهن الشهيدات ، وكن يسألن الشهادة ، وسألت أم حرام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يرزقها الشهادة فى سبيل الله ، والشهادة هى الثمرة العظمى الأولى فى أى حرب ، وأى جهاد. وفى الحديث : «إن فى الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين فى سبيل الله» ، وقال : إن فى الجنة دارا هى «دار الشهداء» ، وقال : إنه لا أحد يتمنى ليعود إلى الدنيا من الآخرة : «إلا الشهيد ، لما يرى من فضل الشهادة ، فإنه يسرّه أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى». وفى الحديث : «لا تجف الأرض من دم الشهيد» ، يعنى أن التاريخ لا يهمله ، والناس لا ينسوه ، والإسلام ولّاد ، ولن يحرم المسلمون من شهداء منهم ، وتمنّى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الشهادة فقال : «والذى نفسى بيده لوددت أن أقتل فى سبيل الله ثم أحيا ، ثم أقتل ثم أحيا ، ثم أقتل ثم أحيا ، ثم أقتل» وقال : «من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم يصبها» أى أعطى ثوابها ولو لم يقتل. أخرجه مسلم ، وفى رواية أخرى قال : «من سأل القتل فى سبيل الله صادقا ثم مات ، أعطاه الله أجر شهيد» ، وفى رواية أخرى قال : «من سأل الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» ،. ولمّا أصيب أخو أم سليم فى مقتل وهو يدعو إلى الله قال : «فزت وربّ الكعبة! يعنى فاز بالشهادة ، قالها فرحا. والمسلمون مبتلون ولهم العاقبة ، وفى غلبة المسلمين لهم الفتح والنصرة والدرجة الرفيعة عند الله ، وفى غلبة أعداء الإسلام فللمسلمين الشهادة ، وهذا معنى «إحدى الحسنيين» فى الآية : (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (٥٢) (التوبة) ، فالمسلمون إحدى جماعتين ، كقوله : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (٢٣) (الأحزاب) ، قيل : نزلت الآية فى أنس بن النضر وفى أشباهه الذين قتلوا دفاعا عن الإسلام ، قيل : وجدوا به بعد أحد بضعا وثمانين ضربة بالسيف ، أو طعنة بالرمح ، أو رمية بالسهم ، ومثّل به أعداء الإسلام ، فما عرفه أحد ، إلا أخته عرفته ببنانه! وقال عمر للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أليس قتلانا

٦٦٨

فى الجنة وقتلاهم فى النار؟ قال : «بلى» ، ثم قال : «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» ، يعنى للشهداء فى سبيل الله. وفى الحديث : أن لا نقول عن فلان أنه مات شهيدا : «ولكن قولوا : من مات فى سبيل الله أو قتل فهو شهيد» وقال : «الله أعلم بمن يجاهد فى سبيله». رحم الله شهداءنا وأثابهم عنا خير الثواب.

* * *

١٥٨٥ ـ الشهداء أحياء عند الله

نهى الله أن يقال عن الشهيد أنه ميّت ، قال : (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) (١٥٤) (البقرة) ، وقال : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (١٦٩) (آل عمران). ولا محالة أنهم ماتوا ، وأن أجسادهم فى التراب ، غير أن أرواحهم حية ، وهى حية كأرواح غيرهم من المؤمنين ، إلا أنهم فضّلوا بالرزق فى الجنة من وقت القتل ، بينما المؤمنون موتى حتى يحين الحساب ، فكأن حياة الدنيا ما تزال للشهيد ، مع فارق أنها حياة فى الجنة. قيل : نزلت هذه الآيات فى الشهداء لئلا يزهد الناس فى الجهاد ، ولا ينكلوا عند الحرب. وقيل : نزلت هذه الآيات تنفيسا عن أهل الشهداء وإخبارا عن حالهم عند ربّهم. ومعنى أنهم أحياء يرزقون ، أنهم يجدون ريح الجنة وينعمون ، وقد استحقوا التنعّم ، كقولنا فى الأمثال ما مات فلان ، ـ أى ذكره حىّ ، وكقول الشاعر :

موت التقىّ حياة لا فناء لها

قد مات قوم وهم فى الناس أحياء

ولذلك قيل الشهداء يرزقون فى الدنيا الثناء الجميل ، وعند ربهم حسن الجزاء. وقيل : إن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء ، والمعنى ليس على الحقيقة ولكنه على المجاز : أن ذكراهم باقية لا تفنى ، وأما الأجساد فتفنى ، فذلك قانون الله فى الأرض ، وكذب من قال إن جسد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم تأكله الأرض ، فالرسول بشر من بشر ، وهذا هو قانون الموت لا فكاك منه ، وفى الرواية أن الرسول لمّا مات يوم الاثنين ودفن يوم الأربعاء ، كان جسمه قد انتفخ وعلا صدره ، وانتفخت أصابعه ، وصارت له رائحة ، فذلك لأنه بشر ، وأما عند الله فالأمر مختلف : (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (٦٤) (العنكبوت) ، والجبّانات كفات الأموات ، والبيوت كفات الأحياء ، وأما الشهداء والأنبياء فهؤلاء أحياء حكما. والشهداء يغسّلون لو تيسر ذلك ، ويصلّى عليهم ؛ وقيل : لا يغسّل من مات فى المعترك ، ومن قتله البغاة ، والواجب عقلا غسل كل ميت والصلاة عليه طالما هو مسلم.

* * *

٦٦٩

١٥٨٦ ـ أول شهيد فى الإسلام : مهجع

مهجع بن صالح العكىّ ، مولى عمر بن الخطاب ، أصله من عك ، أصابه ـ سباء ـ أى حرق ، فأعتقه عمر ، وكان من السابقين إلى الإسلام ، وشهد بدرا واستشهد بها ، فكان أول الشهداء فى ذلك اليوم ، وأول شهيد فى الإسلام من الرجال يستشهد فى قتال. وفى الحديث : «سيد الشهداء مهجع ، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة». وجزع عليه أبواه وامرأته ، فنزلت الآية : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (٢) (العنكبوت) وهذه الآيات قيل إنها ضمن آيات عشر نزلت فى المدينة وضمّت إلى سورة العنكبوت. وبدر كانت والمسلمون فى المدينة.

* * *

١٥٨٧ ـ أول شهيدة فى الإسلام : أم عمّار

هى سمية بنت خباط ، أو بنت خبط ، كانت مولاة لأبى حذيفة بن المغيرة. وهى والدة عمّار بن ياسر ، وكانت سابعة سبعة فى الإسلام ، وعذّبها أبو جهل ، واتهمها فى شرفها ، ونسب إليها أنها أسلمت لتكون بغى المسلمين ، ولذلك لمّا ربطها بين بعيرين جاء بحربة وطعنها فى فرجها حتى نفذت الحربة إلى فمها ، فكانت أول شهيدة فى الإسلام ، وقتل معها زوجها ياسر ، فكانا أول قتيلين فى الإسلام.

* * *

١٥٨٨ ـ أول غنيمة وأول أمير وأول قتيل من المشركين

أرسل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى رجب عبد الله بن جحش ومعه ثمانية من المهاجرين أو تسعة إلى نخلة بين مكة والطائف يترصّد قريشا فيعلم من أخبارهم ، ولما نزل بنخلة مرّت بهم عير لقريش تحمل تجارة وفيها عمرو بن الحضرمى ، واسمه بالكامل عبد الله بن عبّاد ، وكان من حضر موت ، وتشاور المسلمون هل يهاجمونهم أم يتركونهم يدخلون مكة؟ واهتدوا أن يهاجموهم ، ورمى أحد المسلمين ـ وهو واقد بن عبد الله التميمى ـ عمرو بن الحضرمى فقتله ، وأسروا اثنين ، وأمر عبد الله بن جحش أن يعزلوا من الغنيمة خمسها للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ففعلوا : فكان أول خمس فى الإسلام ، ونزلت به الآية : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) (٤١) (الأنفال) ، فأقرّ الله ورسوله فعل عبد الله ، ورضيه وسنّه للأمة ، وهى أول غنيمة غنمت فى الإسلام ، وأول أمير هو عبد الله بن جحش ، وأول قتيل من المشركين هو عمرو بن الحضرمى.

* * *

٦٧٠

١٥٨٩ ـ الهجرة كجهاد

الهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع ، بقصد ترك الموضع الأول إيثارا للموضع الثانى. وقيل : الهجرة قسمان : فهى إما هربا ، وإما طلبا ، فالأولى تنقسم إلى ستة أقسام ، وهى : الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام ، كأن يضطهد المسلمون فى أمريكا فيعودون إلى بلادهم الأصلية ، أو يضطهدون فى مصر فيلجئون إلى السعودية ، كقوله تعالى : (قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) (النساء ٩٧) ، وهذا القسم من الهجرة كان فرضا فى أيام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل : وما يزال فرضا إلى يوم القيامة ، وننبّه إلى أنه فى زمن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان فى حاجة إلى المجاهدين ، فكان يدعو المسلمين أن ينضموا إليه ، وأما اليوم فينبغى أما أن لا يبارح مسلم بلدا هو فيه مهما لاقى من الاضطهاد ، وإلا استولى العدو على أرضه وبينه وأسقطوا حقة فى العودة كما حدث فى فلسطين ١٩٤٨ و ١٩٦٧. ؛ والثانية : الخروج من أرض البدعة ، وقيل لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسبّ فيها الإسلام ، وننبّه إلى أنه حتى بأرض الإسلام كثيرا ما يسبّ الإسلام ، فلا ينبغى للمسلم أن يترك بلده لسبب كهذا ، بل عليه أن يصبر ويصابر ويثبت فى مكانه ، وحاله فيه كحال المسلمين فى مكة فى أول الإسلام ، فكان الله يأمرهم بالصبر والحسنى ، وأن يكونوا قدوة ؛ والثالثة : الخروج من أرض غلب عليها الحرام ، وهو عذر واه كما نرى ، لأن الحرام صارت له الغلبة فى كل مكان ، وصحيح أن طلب الحلال فرض على كل مسلم ، وإنما بوسع المسلم أن يطلبه فى أى بلد كان ، وبلده أولى به ؛ والرابعة : الفرار من الأذية فى البدن ، والله تعالى أرخص ذلك للمسلم ، فإذا خشى على نفسه فقد أذن له فى الخروج والفرار بنفسه ، ليخلّصها من المحذور ، وأول من فعل ذلك إبراهيم الخليل ، فلما خاف من قومه قال : (إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي) (٢٦) (العنكبوت) ، وقال : (إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ) (٩٩) (الصافات) وفعل ذلك موسى كقوله تعالى : (فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ) (٢١) (القصص) ، والخامسة : خوف المرض وطلب العلاج إذا كان المناخ لا يناسب حالة المسلم الصحية ، وفى حالات انتشار الأوبئة ، ففي بلد يكثر فيه الإيدز أو التهاب الكبد الوبائى ينبغى على المسلم أن ينأى بنفسه عن العدوى بالهجرة ؛ والسادسة : خوف الأذية فى المال ، كالمصادرة وانتشار السطو المسلح ، فلا تكون للمال ولا للأهل حرمة. وأما الهجرة للطلب ، فتنقسم قسمين : طلب الدين أو طلب الدنيا ؛ وأما طلب الدين فيتعدد ، فهناك السفر للعبرة ، كقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (٩) (الروم) ؛ وهناك السفر للحج ؛ والثالث سفر الجهاد ، والرابع سفر المعاش طلبا

٦٧١

للرزق ، والخامس سفر التجارة والكسب ، والسادس السفر طلبا للعلم ، والسابع السفر لزيارة الأماكن ، والثامن زيارة الإخوان والأهل ، والتاسع الملازمة فى الثغور للرباط وتكثير المدافعين عنه. وفى بعض هؤلاء قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ) (٢١٨) (البقرة) وقال (فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) (١٩٥) (آل عمران) ، وقال : (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ) (٢٠) (التوبة).

* * *

١٥٩٠ ـ أول المهاجرين إلى الله إبراهيم ولوط وسارة

لما دعا إبراهيم قومه ليؤمنوا عذّبوه وحرّقوه ، ولم يجد إبراهيم إلا أن يهاجر ، فترك بلده بالكوفة إلى حران ، ثم إلى الشام ، ومعه لوط ابن أخيه ، وامرأته سارة ، تقول الآية : (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٢٦) (العنكبوت) ، وإيمان لوط به لمّا لم تؤذ النار إبراهيم ، وفى الآية أن إبراهيم ولوطا هاجرا إلى الله ، وفيها أيضا أن الهجرة كانت لهما معا ، فكانا أول من هاجر من أرض الكفر فى التاريخ ، وكانت سارة أول المهاجرات من النساء.

* * *

١٥٩١ ـ أول المهاجرين إلى الله من المسلمين : عثمان ورقية

هو عثمان بن عفان ، وزوجته رقية بنت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، هاجرا إلى الحبشة فى الهجرة الأولى ، وقال فيهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صحبهما الله. إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط».

* * *

١٥٩٢ ـ المهاجر فى سبيل الله والمراغم

فى قوله تعالى : (وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً) (١٠٠) (النساء) : أن المهاجر فى الاصطلاح : هو الذى يهجر بلدا يضطهده بسبب دينه إلى بلد آخر فيه سماحة ، والهجرة فى هذه الحالة تسمى هجرة فى سبيل الله. وأما المراغم : فهو أيضا من المظلومين المجبرين على الهجرة ، لأى سبب من الأسباب سوى أن يكون فى سبيل الله ، يقال أرغمه قومه على الهجرة فهو مراغم أجبر على الهجرة رغما عنه ، ورغم أنفه ، ونحن نسمى المجتمع الذى هذه صفاته ، والذى يستقبل المهاجرين والمراغمين ، مجتمعا مفتوحا ، ولذا جاء أن المهاجر يجد فى مجتمع كهذا سعة ، كقوله تعالى : (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً

٦٧٢

إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ) (١٠٠) (النساء) ، فالهجرة إلى الله لها ثوابها ، والخروج بنية الهجرة يتحصّل به الثواب ، ومن مات فى المهجر أو وهو فى طريقه إليه ، فأجره على الله ، وفى الحديث : «إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» ، والآية دالة على أنه لا يحق لمسلم أن يقيم بأرض لا يعبد فيها الله ، ولا يعلو فيها الحق والعدل والخير.

* * *

١٥٩٣ ـ التحريض على الهجرة

ليس بصواب البقاء فى بقعة يؤذى فيها المسلم من عدو للإسلام ، والصواب أن يتلمس المسلمون أرضا يكونون فيها آمنين مع صالح الناس ، يقول تعالى : (يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (٥٦) (العنكبوت) والكلام ليس للمسلمين جملة ، لأن فى ذلك ترك الوطن للعدو يمرح فيه ويحتله ويستعمره ، ولن توافق دولة من دول الجوار على هجرة شعب بأكمله كالشعب الفلسطينى. وإنما الكلام موجه للمضطهدين من المسلمين أفرادا ، فبوسع هؤلاء أن يهاجروا ، وأن تقبلهم دول أخرى كلاجئين سياسيين. وهذه الآية نزلت فى المسلمين الذى ظلوا بمكة بينما أهاليهم قد هاجروا إلى المدينة ، فالهجرة كانت داخل الوطن الواحد ، وأما الهجرة إلى خارج الوطن فكانت زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الحبشة فى الهجرة الأولى ، ثم فى الهجرة الثانية ، فلما آل الأمر إلى المسلمين فى مكة عاد المهاجرون إلى بلادهم. ولا يجوز الهجرة لشعب كشعب البوسنة ، أو كشعب الشيشان ، أو كالشعب الفلسطينى ، وكان الخطأ كبيرا لمّا هاجرت جموع الفلسطينين سنة ١٩٤٨ وسنة ١٩٦٧ ، ولما هجر أهالى القنال أرضهم ومدنهم فى حرب ١٩٦٧ ، والآن تعلم الشعب الفلسطينى أن لا يترك الأرض وإن استشهد على بكرة أبية. وإذا خرج المسلم من بلده مهاجرا فعليه أن يحافظ على جواز سفره وأوراقه الثبوتية ليعود إذا أمن حاله. وكل مدينة أو قرية أو دولة يتحقق فيها ظلم أو منكر على يد عمدتها ، أو رئيس الدولة الطاغية ، فإن أحكام هذه الآية تسرى على مسلميها ، وتلزمهم على الهجرة عنها إلى بلد فيه العدل. ويقول تعالى : «إن أرضى واسعة» يعنى فهاجروا وجاهدوا. وفى الهجرة ربما يمكن أكثر إزالة العدوان عن بلد المهاجر ، ومعاونة أهله فيها على المحتل ، أو على الحاكم الظالم. والمعنى العام للآية : أن الهجرة واجبة لأسباب قد تكون سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ، فإذا كنت بأرض ركد فيها الاقتصاد مثلا ؛ أو تحكّمت فيها القلة ، فانتقل إلى غيرها حيث الاقتصاد حرّ ، والحكم

٦٧٣

ديمقراطى ، والناس أكثر تسامحا ، وأهدأ طبعا ، والبطالة منعدمة ، والرزق وفير ، والشرف والعرض مصونان ، وهكذا. والهجرة تساعد على الخروج على الحاكم الظالم ، وإعلان الثورة على نظامه. وروى ابن عباس : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال للمؤمنين بمكة حين أذاهم المشركون : «اخرجوا إلى المدينة وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة».

* * *

١٥٩٤ ـ الذمة وأهل الذمة

الذمّة فى الآية : (لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً) (التوبة ٨) هى العهد ، وكل حرمة يلزمك إذا ضيّعتها ذنب. وفى الحديث : «ويسعى بذمتهم أدناهم» أن الذمة الأمان ، والجمع ذمم. والذمّيون أو أهل الذمة مصطلح فقهى قديم عفا عليه الزمن ، وليس من المصطلحات القرآنية ولا النبوية ، وهم المواطنون من غير المسلمين ، ولا يعنى ذلك أن المواطنة فى الدولة الإسلامية تمايز بين المسلمين وغير المسلمين ، أو أن الذميين مواطنون من الدرجة الثانية ، فالدولة الإسلامية تضمن لمواطنيها من غير المسلمين حرية الاعتقاد ، وممارسة طقوسهم الدينية ، والاحتفال بمناسباتهم الاجتماعية ، وتفسح لهم المجال لتكون لهم ثقافتهم الخاصة من داخل إطار الثقافة العامة للدولة. ويدفع أهل الذمة الضرائب ، شأنهم فى ذلك شأن المسلمين ، وكانوا فى الماضى يدفعون الجزية ، من جزى تجزى جزاء ، مقابل زكاة المال التى كان يدفعها المسلمون ، والجزية أقل من زكاة المال (انظر الجزية). ولغير المسلمين كافة الحقوق ، وعليهم كافة الواجبات كالمسلمين ، ويرجع فى تنفيذها إلى قواعد القانون التى تكفل لهم المساواة ، وهم لا يحرمون من الجنسية ولا المواطنة ، ولهم الاختيار بين القضاء الإسلامى أو محاكمهم الطائفية ، ويؤدون الخدمة العسكرية ، ويلحقون بالجامعات المدنية والعسكرية. ولا ينبغى أن نخلط بين أهل الذمة وأهل الكتاب : فالاصطلاح الأول فقهى سياسى ، والاصطلاح الثانى دينى ، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى ، من المواطنين ، أو الأجانب. وكذلك لا ينبغى الخلط بين أهل الذمة والمستأمنين : وهم الأجانب من غير أهل البلاد. وليس عقد الذمة من العقود التى يمكن لأحد الطرفين أن ينكر أيا من بنودها تحت أى دعوى كانت ، وكانوا يطلقون على عقد الذمة اسم عقد الأمان ، أى العقد الذى يعطى أهل الذمة حق الحماية من الدولة لأنفسهم وأملاكهم ، ويتمشى ذلك مع المبدأ الأصولى فى الفقه الإسلامى : بأن نظام الحكم كله قائم على أساس تعاقدى ، فرئيس الدولة يتولى السلطة بناء على البيعة أى الانتخاب ، وهو عقد يخضع بصفة أساسية لأحكام العقود. وفى الدولة الإسلامية فإن علاقة الدولة بالأفراد ـ مسلمين أو ذميين أو مستأمنين ـ تؤكد

٦٧٤

فكرة المساواة بين المواطنين رغم اختلاف دياناتهم ، وتجعل من الممكن تطوير العلاقة بين الدولة ومواطنيها إلى أبعد مدى.

* * *

١٥٩٥ ـ الجزية وأهل الذمة وأهل الصلح

فرضت الزكاة على المسلمين وكانت قديما تجمع إلى بيت المال (وزارة الخزانة أو المالية) ، وليس على غير المسلمين فى بلاد الإسلام زكاة ، وفى مقابل ذلك كانوا يفرضون عليهم الجزية بمواصفات خاصة ، وتدفع طوعا وعن رضا لبيت المال. وفى الآية : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) (٢٩) (التوبة) ، فلما قاتل المشركون المسلمين ، وأخرجوهم من ديارهم ، ومنعوهم من عبادة ربّهم وبدءوهم بالقتال ، كتب الله على المسلمين القتال ردا على من بدءوهم به ، وهم صنفان : المشركون من أهل مكة وأهل الكتاب من يهود المدينة ، والأولون لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ، وأما اليهود فقد ضلوا عن الدين الحق وحرّفوه ، وعادوا المسلمين واعتدوا عليهم ، وألّبوا عليهم القبائل ، إلى أن كتب النصر للمسلمين على هؤلاء وهؤلاء ، وقدّر لهم أن يعايشوهم وأن تجمعهم البلاد فكان على المسلمين ترتيب الحقوق والواجبات ، فلما كانت الزكاة قد فرضت على المسلمين وأعفى منها غير المسلمين ، فرضت الجزية على غير المسلمين كمقابل للزكاة على المسلمين ؛ والزكاة تكون على المال ، وتؤخذ سنويا ، والجزية تكون على الأفراد بأوصافهم ؛ وقد تصل الزكاة إلى عشر المال كما فى المستنبت المقتات ، وقد تصل إلى ربع العشر من المال كما فى الحلىّ والنقود ، وقد تكون أقل من ذلك كما فى زكاة الأنعام. وأما الجزية فيعفى منها الفقير ، وقد يفرض عليه درهم فى العام ، ولا تزيد الجزية فى المتوسط عن دينار واحد ، وأما الأثرياء من أصحاب الذهب فلا تزيد الجزية عليهم على أربعة دنانير عن الفرد ، وفى أوقات المجاعات ، وعند ما يشح الطعام ، تلغى تماما. والجزية سنوية ، وهى على الذكور فقط دون الإناث ، وعلى الراشدين دون الصبية ، وعلى القادرين على القتال ، دون غير القادرين من أصحاب العاهات ، والمجانين ، والمغلوبين على عقولهم ، والشيخ الفانى ، والعبيد ، ويعفى منها الرهبان. ثم إن الذمىّ معفى من الانخراط فى الجيش والقتال عن البلاد ، وهذه الجزية تؤخذ منه نظير حمايته وحماية ماله وعرضه ، دون أن يسهم فى هذه الحماية ، لا بالنفس ولا بالمال ، وتشبه البدل النقدى أو البدلية التى كان الأغنياء يدفعونها للإعفاء من التجنيد. وتحديد هذا البدل أو الجزية كان متروكا لولى الأمر

٦٧٥

بخصوص أهل الذمة ، بشرط الا يتجاوز الحد. وأما أهل الصلح فالجزية التى يدفعونها على ما صولحوا عليه لا غير ، وقد تكون أقل مما يدفعه أهل الذمة بكثير. وقد كانت العادة مع أهل الذمة إذا أدّوا جزيتهم التى ضربت عليهم أو صولحوا عليها ، أن يخلى بينهم وبين أموالهم كلها ، وبين كرومهم وعصرها ، طالما يسترون خمورهم ولم يعلنوا بيعها للمسلمين ، ومنعوا من إظهار الخمر والخنزير فى أسواق المسلمين ، فإن أظهروا شيئا من ذلك أريقت الخمر وأدّب من أظهر الخنزير. وليس من حق المسلم أن يريق خمر الكتابى إن لم يظهرها ، وإذا أراقها فقد تعدّى ويجب عليه الضمان ، ولو غصبها وجب عليه الردّ. ولا يحق للمسلمين أن يعترضوا على أحكام الكتابيين ولا على متاجراتهم فيما بينهم بالربا ، وإن تحاكموا أمام محاكم المسلمين فالحاكم مخيّر ؛ إن شاء حكم لهم بما أنزل الله ، وإن شاء أعرض إذا كان الأمر فيه ربا ، وأما فى المظالم فيحكم بينهم ويأخذ من قويّهم لضعيفهم. وإذا عرض الأمر على الشرطة قاتلت الشرطة عنهم عدوهم. وما صولحوا عليه من الكنائس هو لهم ، ومن لم ينقض منهم العهد لا يؤخذ بجريرة من نقضه ، وفى الحديث : «من ظلم معاهدا أو انتقصه ، أو كلّفه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس ، فأنا حجيجه يوم القيامة» أخرجه أبو داود.

ومن الجزية ضريبة تشبه ضريبة المبيعات ، ويستوى فيها المسلم وغير المسلم من التجار ، وتفرض على السلع التى يتاجرون فيها إذا نقلوها إلى خارج البلاد التى اتخذوها مقرا لهم فحينئذ يؤخذ منهم العشر من ثمن السلعة إذا باعوها وقبضوا الثمن نقدا ، وهذه الجزية تكون لمرة واحدة فى الحول ، إلا ما يخص التجارة فى الطعام والحنطة والزيت من ضروريات الشعب ، فإنه يؤخذ منهم نصف العشر. وإذا أسلم الذمى تسقط عنه الجزية ويعامل كالمسلمين فتجبى منه الزكاة.

* * *

١٥٩٦ ـ الجزية مع أهل الذمة ، والموادعة مع أهل الحرب

الجزية من جزأت الشيء إذا قسمته ، وقيل من الجزاء ، لأنها جزاء ترك أهل الذمة ببلاد الإسلام ، أو من الإجزاء ، لأنها تكفى من تفرض عليه فى عصمة دمه ، وكانت مشروعيتها فى سنة ثمان أو تسع. وأما الموادعة : فهى المتاركة ، والمراد بها متاركة أهل الحرب مدة معينة لمصلحة من المصالح ، ولا جزية فى الموادعة.

* * *

١٥٩٧ ـ حكم الفيء والخراج والجزية

الفيء : كل ما حصل عليه المسلمون مما لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب (الحشر ٦ ـ ٧) ، من فاء أى غنم. والخراج : أصله ما يخرج من غلة الأرض والمال ، ومصرف ذلك كله

٦٧٦

واحد ، وهو حق المسلمين ، يعم به الفقير والغنى ، وتصرف منه أعطية المقاتلين وأرزاق الأرامل واليتامى إلخ. والرأى فى توزيع ذلك هو ما كان يتّبعه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيعطى كلا على قدر حاجته ، تأكيدا لما قلنا إن الإسلام اشتراكى النزعة ، واشتراكية تكافلية ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يعطى الآهل ـ أى الذل يعول حظّين ، ويعطى الأعزب حظا واحدا. وكان عمر لذلك يتّبع التفضيل والتعميم ، وأما أبو بكر فارتأى التسوية بين الجميع ، والكل على أنه : ما على الأرض مسلم إلا وله من هذا المال حق.

* * *

وينتهى بذلك الباب الخامس عشر فى الإسلام الحربى ، ووجوه السلم والحرب فى القرآن ،

ويبدأ إن شاء الله الباب السادس عشر فى الإسلام الاجتماعى ، ولله الحمد والمنّة.

* * *

٦٧٧
٦٧٨

الباب السادس عشر

الإسلام الاجتماعى

* * *

أولا : المرأة فى الإسلام

* * *

١٥٩٨ ـ كذب من قال إن الإسلام يحط من شأن المرأة

فى الآية الكريمة : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) (النساء ١٩) إخبار عمّا كان عليه شأن المرأة فى الجاهلية ، وبرواية البخارى وأبى داود والنسائى عن ابن عباس قال : كان أولياء الرجل إذا مات أحقّ بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوّجوها ، وإن شاءوا لم يزوّجوها ، فهم أحقّ بها من أهلها ، فنزلت هذه الآية. وعن زيد بن أسلم قال : كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم فى الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله ، وكان يعضلها حتى يرثها ، أو يزوّجها من أراد. وكان الرجل من أهل تهامة يسيء صحبة المرأة حتى يطلقها ، ويشترط عليها أن لا تنكح إلّا من أراد حتى تفتدى منه ببعض ما أعطاها ، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. وعن ابن حنيف قال : لمّا توفى عنها أبو قيس بن الأسلت ، أراد ابنه أن يتزوج امرأته ، وكان لهم ذلك فى الجاهلية ، فأنزل الله الآية. وقال ابن جريج : نزلت فى كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس ، توفى عنها أبو قيس بن الأسلت فجنح عليها ابنه ، فجاءت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا رسول الله : لا أنا ورثت زوجى ، ولا أنا تركت فأنكح. فأنزل الله هذه الآية ، فالآية تعمّ ما كان يفعله أهل الجاهلية ، وتعمّ كل ما نحن فيه من نوع ذلك الآن فى ريف خصوصا.

والإسلام رفع من شأن المرأة ، وأثبت لها الاستقلالية ، على عكس اليهودية ، فالأخ فى اليهودية يرث زوجة أخيه المتوفى وتؤول إليه كميراث (تثنية الاشتراع ٢٥ / ٥) ، وإن رفض أن يخلف أخاه عليها أوذى أذى كبيرا (تثنية الاشتراع ٢٥ / ٩ ـ ١٠) فأيهما الصحيح إذن : أن يقال إن الإسلام يحط من شأن المرأة ، أم أن اليهودية هى التى تحط من شأنها!؟ وأيهما يحط من شأنها : الإسلام الذى يعطيها حق الطلاق ، أم النصرانية التى لا تبيح الطلاق بالكلية إلا للزنا؟!

* * *

١٥٩٩ ـ الإسلام يوصى بالنساء

لم يوص موسى ولا عيسى عليهما‌السلام بالنساء ، وعن بولس الرسول (وليس معنى

٦٧٩

الرسول أنه رسول من الله! وإنما هو رسول الكنيسة) فى رسالته الأولى إلى أهل كورنشس قال : على النساء أن يخضعن كما يقول الناموس» (١٤ / ٢٤) ، وأما فى الإسلام فما ينصح به للنساء يبلغ حدّ الكمال ، فعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «فاستوصوا بالنساء خيرا» ، رواه أبو هريرة. والوصاية لغة هى الوصية ، وشرح ابن عمر سلوك المسلمين مع النساء بعد هذه الوصية ، قال : إنهم كانوا يتّقون الكلام والانبساط إلى نسائهم ، فلما كانت هذه الوصية صاروا يتكلمون معهم وينبسطون. ومعنى «استوصوا بالنساء خيرا» أن يحسنوا معاشرتهن كقوله تعالى : (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء ١٩) ، وفى معنى ذلك قول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فاستمتع بها وفيها عوج» ، أى لا يكن من الرجال سوء عشرة مع اعوجاج أحوالهن أحيانا ، فعن سوء العشرة تنشأ المخالفة ، وبها يقع الشقاق.

* * *

١٦٠٠ ـ القرآن لا يحط من شأن المرأة

المستشرقون على القول بأن القرآن فيه الكثير من الآيات التى تحطّ من شأن المرأة ، كقوله تعالى : (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (١٨) (الزخرف) ، غير أن لكل كلام سياقا ومفهوما عاما ، والآية وردت ضمن آيات أخرى تستنكر أقوالا وأفعالا تصدر من البعض رغم ادعائهم بأنهم يؤمنون بالله ، وهى الآيات : (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (٢٠) (الزخرف) وهؤلاء الذين يجادلون فى الله ، يقول فى إيمانهم : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (العنكبوت ٦١) ، ويقول : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ) (العنكبوت ٦٣) ، ويقول : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٨٧) (الزخرف) ، فرغم أنهم يردّون الأمور لله إلا أنهم يفهمونه بطريقتهم ، ويتصورونه تصورا ماديا بحسب معتقداتهم ، وعلى منوال بشريتهم ، وما يجعلونه لله من أوصاف يأخذونها من أوصاف لهم عن أشخاص ظنّوهم أندادا لله ، كقوله تعالى : (أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً) (فصلت ٩) ، وقوله : (إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً) (سبأ ٣٣) ، وقوله : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) (إبراهيم ٣٠) ، وقوله : (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢٢) (البقرة) ، فكذلك جاءت آية : (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ) (١٨) (الزخرف) ضمن آيات

٦٨٠

مضمونها أنهم كفروا بالله فجعلوا له أكفاء ، وخصّوه تعالى بالبنات فقالوا : إن الملائكة بنات الله ، فلما ذا اختاروا له البنات مع أنهم لو أنجبوا البنات اسودّت وجوههم غيظا وكمدا وغضبا ، كقوله : (وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) (٥٩) (النحل) ، وفى آية أخرى قال : (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) (٢٢) (النجم) ، أى أتؤثرون لكم الولدان ، وتجعلون لله البنات؟! وتختارون لأنفسكم الذكور وتختارون له الإناث؟! فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت قسمة ضيزى ، أى باطلة ، فكيف تقاسمون ربّكم هذه القسمة التى لو كانت بين مخلوقين لكانت جورا وسفها!! وفى الآية (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ) (١٨) (الزخرف) عود على منطق هؤلاء أن البنات منكورات منهم ، اعتدتم أن تربّوهن التربية الناعمة ، وأن تلبسوهن الحلى منذ طفولتهن الباكرة ، فينشأن عاجزات عيّيات عن أن يدفعن عن أنفسهن. فهل الملائكة هكذا؟ وهل الملائكة هم بنات الله حقا كما تقولون كذبا وافتراء؟! والنظرة فى الجاهلية للمرأة كانت متدنية ، بدعوى أن النساء ما كن يلبسن الحلى ويسرفن فى الزينة ، إلّا عن شعور بالنقص طبعى وخلقىّ فيهن ، فكيف جعلوا ذلك نفسه هو تصوّرهم للملائكة؟ ومن سوء هذه النظرة من أهل الجاهلية للنساء قول الشاعر فى زينتهن وفى الحلى بخاصة :

وما الحلىّ إلّا زينة من نقيصة

يتمّم من حسن إذا الحسن قصّرا

وأما إذا كان الجمال موقّرا

كحسنك لم يحتج إلى أن يزوّرا

واعتقادهم فى الملائكة أنهم إناث يحطّ من فكرتهم عن الله ، وكأنه سبحانه وتعالى لا يجمع حوله إلا الإناث ، ويحاجيهم الله تعالى فيقول : (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) (١٩) (الزخرف) أى هل شاهدوه وقد خلقهم إناثا ، ويجيب : (سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ) (١٩) (الزخرف) أى يسألون يوم القيامة ، وقال : (وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ) (الزخرف ٢٠) ، أى لو أراد لحال بيننا وبين عبادة الأصنام التى صغناها على هيئة ملائكة ، وجعلناها على شكل الإناث ، اعتقادا منا أن الملائكة إناث ، فأوقعوا أنفسهم فى أخطاء ما يزال يفعلها النصارى حتى اليوم ، وقد أتاها مصورو عصر النهضة بتمثيلهم للملائكة على هيئة الإناث ، بل إنهم ليصورون المسيح على هيئة الأنثى ، فأخطئوا ـ كما جاء فى هذه الآيات ـ بأن جعلوا لله تعالى ولدا ، وادّعوا أنه اصطفى البنات على البنين ، وأنه لذلك جعل ملائكته إناثا ، وهم ليسوا إلا خلقا من خلق الله ، وعبدوا الملائكة وصورهم وأيقوناتهم وتماثيلهم وأصنامهم بلا دليل ولا برهان ، سوى الهوى وتقليد السلف والكبراء ، والخبط فى الجاهلية القديمة والحديثة على السواء.

٦٨١

ويا أخى المسلم ، ويا أختى المسلمة ، الآية : (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (١٨) (الزخرف) ليست حكم الإسلام على المرأة ، وليست حطأ من شأن المرأة فى الإسلام ، وإنما الآية تتحدث عن وضع النساء فى الجاهلية ـ أىّ جاهلية ، سواء القديمة أو الحديثة ، والمستشرقون من اليهود والنصارى هم الذين يروّجون هذه الافتراءات عن الإسلام ، مع أن المرأة فى اليهودية فى حضيض الحضيض الفصل (سفر الأحبار ١٢ / ٢ ، ٥ ـ والفصل ١٩ / ١٥ ـ ٢٦) ، وفى النصرانية المرأة غير مباح لها التعلّم ، وإن أرادت أن تتعلم فلتفعل ذلك وهى ساكتة بكل خضوع (رسالة بولس الأولى إلى تيموتاوس ، الفصل الثانى ١١ ـ ١٢).

وفى الإسلام غير ذلك تماما ، فالمرأة فى السماكين ، وفى الذرى من رفعة الشأن ، وسمو القدر ، والنساء شقائق الرجال كما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى القرآن : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ) (٧٢) (التوبة) فالنساء مكلّفات بالبلاغ كالرجال ، ولا بلاغ بدون علم ، والبلاغ يستلزم أن يمهر المبلّغ ، وتمهر المبلغة ، فى المنطق والجدل والحجاج ، وتكاليف الجميع واحدة ، وهم إخوة وأخوات متآزرون ومتآزرات ، ومتعاضدون ومتعاضدات ، وجزاؤهم واحد ، وموعدهم واحد ، ومساكنهم واحدة ، ورضا الله عليهم واحد. فأى الأديان يعادى إذن النساء ويحط من شأنهن : الإسلام أم اليهودية والنصرانية؟! تفكّر يا أخى ، وتفكرى يا أختى ، وتمعّنا الكلام وافهما. ولتعظّما دينكما : الإسلام ، وليست أكاذيب المستشرقين وافتراءاتهم عليه ، وتخرّصاتهم عنه إلّا حسدا ، وهم يتحالفون على الإسلام ، ويضمّون إليهم العلمانيين فى بلادنا ، ومن يطلقون على أنفسهم اسم التنويريين ، ليطعنوا الإسلام ، وتحالفهم يصنع منهم حزب الشيطان فى مقابل حزب الله وهم جماعة الإسلام ، وفى هؤلاء المستشرقين والتنويريين يقول الله تعالى : (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) (٦٨) (التوبة) ، فحسبنا الله!

* * *

١٦٠١ ـ لما ذا الخطاب فى القرآن للذكور فقط دون الإناث؟

المستشرقون على الدعوى بأن القرآن كتاب أنزل للرجال دون الإناث ، والخطاب فيه

٦٨٢

للذكور ، يقول : «يا أيها الذين آمنوا» ، و «يا أيها الناس» ، و «يا أيها الملأ» ، و «يا أيها العزيز» ، و «يا أيها المرسلون» ، و «يا أيها الضالون» ، و «يا أيها الذين هادوا» ... إلخ ، وليس العيب فى القرآن ، أو فى الخطاب القرآنى ، وإنما كان هذا ما تمليه التكوينات الاجتماعية فى ذلك الزمن وحتى الآن ، فالمجتمعات القديمة ذكورية يقوم عليها الذكور ، وفى الخطاب الحالى للمجتمعات المعاصرة فى أكثر الدول تحضرا فإن التوجه يكون للذكور ، والحديث فيها للمواطنين بعامة ولقائل أن يقول : إن citizen مثلا فى لغة غير العربية تعنى المواطن والمواطنة على السواء ، ولا تخصّ الذكور دون الإناث ، وكذلك الضمائر مثل they ، يعنى «هم وهن أيضا» ، وyou ، وتعنى أنت وأنت ، وأنتم ، وأنتن» ، وI ، وتعنى «أنا» للمذكر والمؤنث على السواء ، وليس الأمر كذلك فى العربية ، فهناك تمييز بين المؤنث والمذكر سواء فى الضمائر أو فى ملحقاتها ، ومع ذلك التباين بين العربية وغيرها ، فالعربية أكثر واقعية وأصدق حالا ، فإنه لا بد فى أية لغة أن تبين هذه الفروق ، وإلا فهو قصور فى اللغة لا ينبئ عن حقيقة الأمر ويضلل السامع أو القارئ. وفى خطاب لكلينتون إلى الشعب الأمريكى سنة ٢٠٠٠ ترد مثلا العبارة الآتية : his committance ، أى التزامه ـ يعنى التزام المواطن ، فلم يذكر النساء وإن فهم أن النص يخاطب المواطن من الذكور والإناث معا ، والحال إذن واحد! وفى التوراة يتوجه الخطاب باستمرار للذكور مع أنه يتوجه ضمنا للإناث ، تماما كالعربية ، كقوله : «وإن ضربه بحجر فهو قاتل» murderer If he smites him he is a ، (سفر العدد ١٧) ، أو قوله : الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده honours his father, and a servant his master A son (ملاخى ١ / ٦) ، والله أو يهوه مذكر دائما. وفى الإنجيل يأتى : «هو أبوك الذى فى السماءis in heavens Your Father which» ، فجعل الله مذكرا ، والخطاب فى العبارة لمذكر. وإذن فكل اللغات سواء فى قائمة الكلام للذكور وإن كان ذلك يشمل الإناث ، وكانت كتابات الحكماء الأصول : بلوتارك ، وزينون ، وصولون ، وهوميروس ، وأبو قراط ، وديموقريطس ، وبطليموس ؛ والحكماء السبعة : طاليس ، وأنكساجوراس ، وأنكسيمانس ، وأنباذوقليس ، وفيثاغورس ، وسقراط ، وأفلاطون ، كلها تخاطب الذكور وليس الإناث وإن قصدوا بها الإناث أيضا ، وكذلك كانت مؤلفات كونفوشيوس ، ومينشيوس ، وأسفار البادجادفيتا ، والدامايادا ، وأيوب ، والأمثال ، والمزامير. فلما ذا إذن التحامل على القرآن واتهامه بما لم يتّهم به أىّ من هذه الكتب؟! ومع ذلك فالقرآن سبق إلى التنبيه إلى هذه الملحوظة من قبل أن يذكرها أىّ من المستشرقين ، ويروى الترمذى عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : ما أرى كل شىء إلا للرجال ،

٦٨٣

وما أرى النساء يذكرن بشيء! ـ يعنى كان فضل السبق لأم عمارة وليس للجمعيات النسائية التى تحفل بها مصر اليوم ، ولا لملاحظات الموتورين والمتخرّصين من العلمانيين ودعاة التبشير ، ويقول الترمذى : فلما قالت أم عمارة مقالتها نزلت الآية : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (٣٥) (الأحزاب) ، فألغت ذلك فورا ، ونبّهت إلى أن الله تعالى لم يقصد أن يفرّق بين الجنسين ، ولا عهد بشيء للذكور لم يعهد بمثله للإناث. ونفس الملحوظة ذكرتها أم سلمة زوجة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالت برواية النسائى : يا نبىّ الله! ما لى أسمع الرجال يذكرون فى القرآن ، والنساء لا يذكرن؟ فأنزل الله «إن المسلمين والمسلمات» الآية. وعن ابن عباس قال : قال النساء : ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟ (يقصد القرآن) فأنزل الله «إن المسلمين والمسلمات» الآية.

وهذه الآية وغيرها تساوى بين الرجال والنساء فى كل شىء ، مع وضع الجنس فى الاعتبار ، كأن تختلف التكاليف كمّا ووسعا باختلاف أعمار الناس وجنسهم ، فالصبى بخلاف الشيخ ، وكذلك المرأة متباينة عن الرجل ، ولكنهم جميعا على التساوى فى الحقوق والواجبات ، فلا عسف ولا جور ولا تبذّل ولا امتهان ، ومن الإنصاف أن يكون لكل وسعه واستطاعته. وفى الآية فإن الجميع ، إناثا وذكورا ، منهم المسلم والمسلمة ، والمؤمن والمؤمنة ، والايمان أخص من الاسلام ، ولذا لزمت التفرقة بين المسلم والمسلمة ، والمؤمن والمؤمنة ، والقنوت فى قوله : (وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ) (٣٥) (الأحزاب) هو الطاعة تأتى بعد الإيمان ، وعندئذ يؤتى الصدق طواعية وعن رضى ؛ والصدق علامة الإيمان كما أن الكذب أمارة النفاق ؛ والصبر وقوف مع البلاء بحسن الأدب ، والغناء فى البلوى بلا ظهور شكوى ، ويكون عند المؤمن والمؤمنة على السواء ؛ والخشوع مقام أهل الوقار والتواضع ومراقبة الله ؛ والصوم زكاة البدن ، وهو أغض للبصر وأحصن للفرج ، ولذا جاء بعد ذلك مباشرة : (وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ) أى عن المحارم والمآثم ، ومحك ذلك كله ذكر الله فى قوله تعالى : (وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ) ، والذكر تختم به الآية ، وفى الحديث عند أحمد : أن الذكر جهاد ، والذكر أكثر أجرا لصاحبه من الصلاة والزكاة والحج والصدقة ، حتى إن أبا بكر قال لعمر تعليقا : ذهب الذاكرون بكل خير! فأمّن على ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحسّن الذكر فى الختام. وكل ذلك للنساء والرجال على حد سواء ،

٦٨٤

والأجر العظيم والمغفرة تلحق الاثنين ولا اختلاف ، ولم تفرق الآية بين الذكر والأنثى إلا بحسب الوسع ، وبذلك تبطل دعوى المكذّبين بأن القرآن للذكور فقط دون الإناث.

* * *

١٦٠٢ ـ غيرة المسلم والمسلمة

الغيرة أمر صحىّ مستحسن فى الإسلام. والغيرة الفطرية الصحية هى الحمية والأنفة ، وقد تفرط فتصبح غيرة مرضية فيتعرض صاحبها أو صاحبتها للمشاكل ، ويستحق بها اللوم ، وعن جابر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن من الغيرة ما يحب الله ، ومنها ما يبغض الله ، فأما الغيرة التى يحب الله فالغيرة فى الريبة ، وأما الغيرة التى يبغض الله فالغيرة فى غير ريبة». والأولى هى الغيرة لحق ، والثانية هى الغيرة لغير الحق. وكان سعد بن عبادة شديد الغيرة على نسائه حتى ليمكن أن تؤدى به ، وأبدى عجبه من آية الاستشهاد بأربعة على الزانى والزانية ، فقال للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أهكذا أنزلت؟ فلو وجدت «لكاعا» متفخّذها رجل ، لم يكن لى أن أحركه ولا أهيّجه حتى آتى بأربعة شهداء!؟ فو الله لا آتى بأربعة شهداء حتى يقضى حاجته! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا معشر الأنصار! ألا تسمعون ما يقول سيدكم»؟ قالوا : يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور! والله ما تزوج امرأة قط إلا عذراء! ولا طلّق امرأة فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته»! ولكاع هو اسم زوجة سعد. وفى رواية أخرى عن المغيرة : أن سعد بن عبادة قال : لو رأيت رجلا مع امرأتى لضربته بالسيف غير مصفح عنه. فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه! والله أغير منى»! وعن ابن مسعود أنه قال : «ما من أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرّم الفواحش» ، وعن عائشة أنها قالت : «يا أمّة محمد! ما أحد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته تزنى»! ، وعن أبى هريرة أنه قال : «إن الله يغار ، وغيرة الله أن يأتى المؤمن ما حرّم الله». وغيرة سعد على امرأته هى الغيرة الحسنة ، وظواهرها إبداء الأنفة. وغيرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أن تؤتى محارمه ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أشد الناس غيرة لله ولدينه. واشتهر بالغيرة الجنسية الزبير بن العوام ، وكانت زوجته أسماء بنت أبى بكر تشكو من شدّة غيرته ، واشتهر بها كذلك عمر بن الخطاب ، وعن أبى هريرة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حكى فقال : «بينما أنا نائم رأيتنى فى الجنة ، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر ، فقلت : لمن هذا؟ قالوا : هذا لعمر. فذكرت غيرته فولّيت مدبرا» ، فبكى عمر ثم قال : أو عليك يا رسول الله أغار؟!!

وفى حديث سعد بن عبادة كان يمكن أن يلجأ سعد إلى قتل من تزنى معه امرأته ، والإسلام منع ذلك وشرّع الطلاق. ولم يفهم سعد وقتها حكمة التشريع فنطق بما قال ،

٦٨٥

واستنصر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصحابه عليه ، واعتذر سعد. وفى الحديث الآخر أن غيرة الله أن يغضب من اجتراء عبده أو أمته على الزنا أو ارتكاب الفواحش. وكانت عائشة رضى الله عنها تغار على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت جلّ غيرتها من خديجة مع أنها توفيت قبل زواج عائشة من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إلا أن غيرتها كانت من مجرد تذكّره لها ونطقه باسمها! وكانت عائشة فى غيرتها تغضب حتى لتهجر اسم محمد فلا تقول كما هى عادتها «وربّ محمد» ، وإنما تستبدل ذلك بقولها «وربّ إبراهيم» ، فدللت على أن العاقل يسلب بالغيرة اختياره وتمييزه وهدوء نفسه ورباطة جأشه ، وإن كانت محبته مع ذلك تظل باقية ، كما يقول الشاعر :

إنى لأمنحك الصدود وإننى

قسما إليك مع الصدود أميل

ومراد عائشة أنها كانت تترك التسمية اللفظية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا يترك قلبها التعلّق بذاته الشريفة وهو محبوبها ، مودة منها ومحبة ، وهذه هى الغيرة الحانية.

* * *

١٦٠٣ ـ معنى قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : اتقوا النساء؟

عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اتّقوا الدنيا واتّقوا النساء ، فإنّ إبليس طلّاع رصّاد ، وما هو بشيء من فخوخه بأوثق لصيده فى الأتقياء من النساء» رواه الديلمى بطريق معاذ ، وغاية الحديث التحذير من شهوات الدنيا ، وأشرّ شهوات الدنيا شهوة الجنس ، فما من غواية لإبليس يمكن أن تنجح مع التقىّ والتقيّة على السواء مثل غواية الجنس ، وقوله : «اتقوا النساء» كقوله : «اتقوا الدنيا» ، ولن نتّقيهما بأن ننفى أنفسنا من الدنيا وننتحر ، أو نعاف الجنس ونترهّب ، وإنما الاتقاء هو التحذير منهما ، ومن ارتياد ملاذهما ، والإقبال عليها ، والاستغراق فيها ، كما فى قوله تعالى : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا) (آل عمران ١٤) ، والجنس من الشهوات ، وهو المشار إليه بالنساء ، وقد ثبت فى الصحيح أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما تركت بعدى فتنة أضرّ على الرجال من النساء» ، يقصد بالنساء الجنس ، وإلا فالنساء هن أمهاتنا ، وعمّاتنا ، وخالاتنا ، وبناتنا ، وأخواتنا ، وهؤلاء لسن فتنة ، والمقصود أن لا نأتى الجنس إلّا إعفافا فى الحلال ، فذاك هو المطلوب المرغوب فيه والمندوب إليه ، كما فى الأحاديث التى ترغّب فى الزواج ، وقد ورد عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ مما أخرجه النسائى ـ قوله : «الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة : إن نظر إليها سرّته ، وإن أمرها أطاعته ، وإن غاب عنها حفظته فى نفسها وماله» ، وقوله فى الحديث الآخر عن أبى هريرة : «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرّتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك فى مالك

٦٨٦

ونفسها» والمقصود بالمرأة الزوجة وليس أية امرأة ، وفى الحديث عن أنس قال : «حبّب إلىّ من الدنيا النساء والطيب ، وجعلت قرة عينى فى الصلاة» رواه النسائى ، ومعنى النساء أن المسلم لا يترهّب ، فذلك هو المحبوب عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٦٠٤ ـ هل فى طاعة النساء ندامة كما يقول الحديث؟

الحديث المشهور عند ابن عدى والعقيلى وابن لال والديلمى وابن عساكر عن عائشة مرفوعا ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «طاعة النساء ندامة» ذهب كالأمثال ، ومع ذلك فهو لا يعتدّ به ، وقال عنه السيوطى إنه حديث باطل ولا أصل له ، وقال الألبانى : الحديث موضوع ، وأخرج العسكرى فى الأمثال عن عمر الحديث الآخر المشابه : «خالفوا النساء فإن فى خلافهن البركة» ، ومثله أيضا حديث أنس : «لا يفعلنّ أحدكم أمرا حتى يستشير ، فإن لم يجد من يستشير فليستشر امرأة ، ثم ليخالفها فإن فى خلافها البركة» ، وفيه ضعف وانقطاع فى سنده ، وفى معناه هذا الحديث : «شاوروهن وخالفوهن» ، وموضوع هذه الأحاديث جميعا الحطّ من شأن المرأة وليس هذا هو شأنها فى الإسلام ، ولنا فى سيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دليل على بطلان هذه الأحاديث ، فقد استشار النبىّ زوجته أم سلمة يوم الحديبية ، وعمل بمشورتها المباركة ، وبرأيها السديد ولم يخالفها. والمرأة كالرجل قد تكون على هدى ، وعلى ضلال ، واستشارة الناصح الأمين ـ سواء كان رجلا أو امرأة ـ أوجب وألزم وأنصح. وكانت ملكة سبأ كما ورد الخبر عنها فى القرآن غاية فى الحكمة ، وكذلك كانت مريم واقتدى بها زكريا. وقد أوصى الله خيرا بالنساء ، فلا نمسكهن إلا بالمعروف (البقرة ٢٣١) ، ولا نعضلهن (البقرة ٢٣٢) ، ووصفهن بعشر صفات هى نفسها أرقى صفات الرجال (الأحزاب ٣٥) فكيف تكون فى مشاورتهن أو طاعتهن ندامة؟ والصحيح فى الحديث أن طاعة شرار النساء ندامة ، وذكر صاحب «تحفة العروس» عن الحسن البصرى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما أطاع رجل امرأة فيما تهواه إلّا كبّه الله فى النار» ، والحديث محمول على طاعة المرأة فيما تهوى من السيئات لا فيما تهوى من المباحات ، والسيئات تجرّ إلى المنكرات. ومن نوع ذلك هذا الحديث الآخر برواية أحمد بطريق القاسم بن محمد ، يخبر عن عائشة : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا خير فى جماعة النساء إلّا فى مسجد أو فى جنازة قتيل» ، وفيه ضعف ، وقيل هو موضوع ، وربما الكلام فيه عن نوع معين من النساء وليس عن النساء على إطلاقهن. وفى الاجتماع ـ كما يقول علماء النفس ـ يميل السلوك العام إلى أن يكون هو سلوك أدنى الناس فى الجماعة ، والسلوك السيئ معد ، والسلوك من

٦٨٧

الأمور المكتسبة ويخضع لعادات الأمم والشعوب ، وهو من أمور الثقافة ، وحيثما كانت الجماعة قد وصلت إلى مستويات معينة من الحضارة فإنها تنبو عن السلوك المستهجن ، سواء كانت الجماعة هى جماعة رجال أم جماعة نساء. والكلام فى الحديث عن الجماعات من عامة النساء. ومن مثل هذه الأحاديث الحديث الآخر : «لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» أخرجه الترمذى وابن أبى شيبة ، فكيف يكون الأمر كذلك والله تعالى قد أسند إلى المرأة إنجاب الأطفال والقيام على تربيتهم؟! وحتى فى المجتمعات الريفية فإن النساء تسند إليهن أعظم الأعمال أثرا فى حياة الأسرة والمجتمع ، فكيف تكون الندامة فى طاعة النساء؟ ـ فاحذر يا أخى المسلم الأحاديث الموضوعة التى تناقض القرآن والسنّة الصحيحة ويستهجنها العقل الواعى المستنير.

* * *

١٦٠٥ ـ كذبوا فقالوا إن للذكر مثل حظ الأنثيين قاعدة مطلقة فى الإسلام

يسيء الناس فهم آية الميراث : (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) (النساء ١١) اعتقادا بأن الفوارق فى الميراث وضعت على أساس اعتبارات الذكورة والأنوثة ، وتفضيل الإسلام للذكر على الأنثى ، وكأن للذكر دائما نصيبا هو ضعف نصيب الأنثى ، وهذا الخطأ من الشيوع حتى ليتردّى فيه الإسلاميون كما يتردّى فيه المستشرقون والعلمانيون سواء بسواء ، وكثير من النساء المسلمات يعتقدنه ، والنساء الغربيات يحسبنه من الحقائق الأساسية فى الإسلام ، وذلك غير صحيح ، لأن النصّ الوارد فى هذا الشأن خاص بأولاد الرجل إذا توفى ، يقول : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ) (النساء ١١) ، أى يأمركم بالعدل فيهم ، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث ، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم بحسب المسئوليات الاجتماعية لكل ، وأن يكون للذكور نصيب كما للنساء نصيب ، يقول : (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) (النساء ٣٢) ، وتوضح ذلك أكثر الآية : (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (٧) (النساء) ، والنصيب المفروض هو حق الرجل والمرأة فى الميراث حقا يتناسب والوضع القانونى لكل ، كأصل من الأصول لا ينازع المرأة فيه منازع ، ولا يقتصر حقّها فيه على ما يتركه الأب ، وإنما يتعدّى ذلك إلى ما يتركه الأقارب ممن لهم بها وشائج قوية كالأخت ، مثلا ، وراعى الشرع أن يأتى حق الذكر من الأولاد ضعف حق الأنثى ، بالنظر إلى مسئولية الابن عن أبويه وعن كلفتهما ، وعن أخواته البنات وتعليمهن وتزويجهن ، وإخوته الصبيان وتعهدهم بالتنشئة والتربية ، فالولد إذا مات أبوه أو

٦٨٨

هرم ، يصبح هو المكلّف شرعا باستمرار بيت أبيه مفتوحا ، واستمرار تجارته قائمة ، وفى ذلك نفقة وكلفة ومشاق يحتملها ، ومعاناة يتكبّدها فى التجارة أو التكسّب ، ولا يناسب ذلك إلّا أن يعطى الولد ضعفى ما تأخذه البنت. وفى قوله تعالى : «يوصيكم» تعليم للآباء ، وإعلام للأبناء ، أنه تعالى أرحم بالجميع من أنفسهم. وقال ابن عباس : «كان المال للولد ، وكانت الوصية للوالدين ، فنسخ الله من ذلك ما أحب ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث ، وجعل للزوجة الثمن والربع ، وللزوج الشطر والربع». وقال ابن عباس : «لمّا نزلت الفرائض التى فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين ، كرهها الناس أو بعضهم ، وقالوا : تعطى المرأة الربع أو الثمن ، وتعطى الابنة النصف ، ويعطى الغلام الصغير ، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة! اسكتوا عن هذا الحديث لعل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ينساه ، أو نقول له فيغيّره! فقالوا : يا رسول الله تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم؟ ويعطى الصبى الميراث وليس يغنى شيئا؟! ـ وكانوا يفعلون ذلك فى الجاهلية ، لا يعطون الميراث إلّا لمن قاتل القوم ، ويعطونه الأكبر فالأكبر ، فنزلت الآية». فالإسلام أصلح الأوضاع ، وراعى الحقوق ، وجعلها بقدر التكاليف ، وبحسب موضع الوارث من المورث ، وذلك وحده هو المعيار ، فلا اعتبار للذكورة والأنوثة ، ولا لأن هذا رجل وتلك امرأة ، وفى القرآن غير آية : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، ستّ وعشرون حالة ترث فيها المرأة نصيبها مماثلا للرجل ، أو تحصل على نصيب أكبر منه ، فمثلا : إذا ترك المتوفى أولادا وأبا وأما ، ورث كل من أبويه سدس التركة وتساويا فى النصيب ، لا فرق بين ذكر وأنثى ؛ وإذا ترك المتوفى أخا لأمه وأختا لأمه ، فإن كلا من الأخ وأخته يرث السدس ، لا فرق بين ذكر وأنثى! وإذا تركت المرأة المتوفاة زوجها وابنتها ، فإن الابنة ترث النصف ، ويرث والدها وهو زوج المتوفاة الربع ، أى أن الأنثى ترث ضعف نصيب الذكر! وإذا ترك المتوفى زوجة وابنتين وشقيقا له ، فإن الزوجة ترث ثمن التركة ، وترث البنتان الثلثين ، وما يتبقى يكون من نصيب العمّ ، أى أن نصيب الأم ثلاثة أسهم من أربعة وعشرين سهما هى مقدار التركة ، ونصيب كل بنت ثمانية أسهم ، ونصيب العم خمسة ، فالبنت أكبر من عمها! ونصيب الأنثى فى هذه الحالة أكبر من نصيب الذكر ، ولا تتساوى البنت والأم وكلاهما أنثى ، فالأنوثة والذكورة غير معوّل عليها ، لا بين الذكور والإناث ، ولا بين الإناث والإناث! وتغيّر الميراث فى هذه الأمثلة بتغير المسئولية القانونية للورثة ، وقد فرض الله للورثة أنصبة مختلفة باختلاف قرابتهم من المورث ، ولكنه ساوى بين الكل فى أصل الميراث ، على خلاف ما كان الأمر عليه فى الجاهلية ، وقال تعالى :

٦٨٩

(آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) (النساء ١١) ، أى إنما فرضنا للأبناء والآباء والأقارب هذه الفرائض لما كان لهم من نفع للمتوفى المورث فى حياته ، أو نفع متوقع أو مرجو منهم له ولعائلته وأولاده وأهله وأقاربه ، لا تعلمونه ولكن الله يعلمه ، والله تعالى هو العليم ، وهو الحكيم ، يضع الأشياء فى محالها ، ويعطى كلا ما يستحقه بحسب قربهم من الميت ، واحتياجهم إليه ، وفقدهم له عند عدمه ، ولم ينقص الله بعضهم ، ولا زاد بعضهم إلا عن استحقاق وجدارة.

* * *

١٦٠٦ ـ فى الإسلام : هل يجوز للرجل والمرأة أن يختليا ببعضهما؟

خلو الرجل بالمرأة لا يقدح فى الدين عند أمن الفتنة ، وفى الحديث عن عقبة بن عامر : «إياكم والدخول على النساء» ، وعن جابر : «لا تدخلوا على المغيبات» ، وعن عبد الله بن عمرو : «لا يدخل رجل على مغيبة إلا معه رجل أو اثنان» ، وعن سعد بن مسعود : «إياكم ومحادثة النساء ، فإنه لا يخلو رجل بامرأة ليس لها محرم إلّا همّ بها» ، ولما سأله رجل من الأنصار : يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال : «الحمو الموت» كلها صحيحة عند حذر الفتنة. والمغيبة : هى التى غاب عنها زوجها. والحمو : أخو الزوج وما أشبه من أقارب الزوج كابن العم ونحوه ، فهؤلاء يحذر أن تختلى بهم المرأة منفردين إذا عرف عنهم سوء الخلق ، وعند الطبرانى عن عمرة ، عن عائشة ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تدخل بيتك إلّا تقيّا». وقوله : «الحمو الموت» كقول العرب الأسد الموت ، والحرب الموت ، أى لقاؤه فيه الموت ، والمعنى أن الخلوة بالحمو قد يكون فيها هلاك الدين إن وقعت المعصية ، وهلاك المرأة بفراق زوجها إذا حملته الغيرة على مفارقتها. وفى أمريكا مثل ذلك ، وفى أوروبا ، وعند أصحاب الديانات كافة ، وفى الهند والصين واليابان ، وفى كوريا ، والروسيا ، فهو شىء عام إذا خشى الفسق مع الخلوة ، والإسلام ليس بدعة فى ذلك. والمرأة الجاهلة غير واعية ومحل آفة ، وأكثر ما يحذر عند عامة الناس أن يخلو رجل بامرأة ، فلا يؤمن سلوك أولاد السوقة والسفلة ، وحتى لو كان المختلى أخا للزوج ، أو ابن عم أو ابن خال ... إلخ ، وفى صحفنا مئات من وقائع كهذه يقضى فيها فى المحاكم ، وتنظر فى أقسام الشرطة. ولربما تكون خلوة المحرم بالمرأة أشد أثرا من خلوة غيره من الأجانب ، لميل المرأة أن تسمع له أكثر ، وقد تثقل على زوجها بما تسمع فتسوء العشرة. ومحرم المرأة هو من يحرم عليه نكاحها.

ودليلنا على إمكان الخلوة لو أمنت الفتنة ، الحديث عن أنس بن مالك قال : «جاءت

٦٩٠

امرأة من الأنصار إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فخلا بها» ، أى طلب أن يكون معها وحدهما ليسمع شكواها ، فذلك إذن جائز ، ومثله الخلوة فى العمل ، وخلوة المحامية مع عميلها ، والمحامى مع عميلته ، وخلوة الضابط مع المتهمة يحقق معها ، وخلوة وكيلة النيابة الإدارية مع الموظف المسيء ، وخلوة الطبيب مع المريضة ، أو الطبيبة مع المريض ... الخ. وفى مدارس الولايات المتحدة ، وهى أكثر بلاد العالم ليبرالية وتحللا من الآداب ، ينبّه على البنات أن لا يخلون إلى البنين وحدهن ، ولا يقال عن ذلك أنه تخلّف أو رجعية ، فلما ذا إذن اتهام الإسلام بالرجعية دون سائر الديانات ، واتهام المسلمين بها دون سائر خلق الله؟

* * *

١٦٠٧ ـ ما معنى قوله تعالى : وقرن فى بيوتكن

الآية : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى) (الأحزاب ٣٣) من الآداب التى أمر الله تعالى بها نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة بقوله : (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) (الأحزاب ٣٢) ، تمييزا لهن ، فإنهن لا يشبهن أحدا من النساء ، ولا يلحقهن أحد فى الفضيلة والمنزلة ، فإنهن أمهات المسلمين ، وزوجات للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فوجب عليهن أن يقرن فى بيوتهن ، أى يلزمنها فلا يخرجن لغير حاجة ، فإن خرجن فلا يتبرّجن مثلما كانت المرأة تفعل قبل الإسلام فى الجاهلية ، فكانت تقصد إلى الخروج قصدا لتمشى بين يدىّ الرجال ، وفى ذلك قال قتادة : كانت للمرأة فى الجاهلية مشية وتكسّر وتغنّج ، فذلك هو خروجها متبرّجة. والآية رغم أنها نزلت فى نساء النبىّ خاصة إلا أنها تعمّ نساء المؤمنين فى التبرّج. والتبرّج منهىّ عنه فى كل الأديان وتمنعه قوانين الآداب فى مختلف البلاد حتى فى أكثرها انحلالا كأمريكا. وما لم تلجئ الحاجة المرأة إلى الخروج بنيّة قضائها فالأحرى بها لزوم دارها ، والخروج لغير حاجة تسكعا واستهتارا وانحلالا يطلقون عليه soliciting ، وهو التبرّج عندنا فى الإسلام ، وهو محرّم عندهم. وليس الإسلام بدعة إذن أن يطلب من المرأة القرور فى البيت ما لم تكن هناك حاجة إلى الخروج.

* * *

١٦٠٨ ـ للمرأة المسلمة أن تخرج لقضاء حاجاتها

للمرأة المسلمة أن تخرج لقضاء حاجاتها ، وفى الصحيح عن عائشة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال للنساء : «قد أذن الله لكنّ أن تخرجن لحوائجكنّ» ، فكل ما يلزم المرأة ، أو يلزم بيتها أو أسرتها ، فلها أن تخرج من أجل قضائه ، استثناء من الآية : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ) (الأحزاب ٣٣) ، إلّا أن يكون خروجها لإثم ، ويستحدث خروجها فتنة. وفى الأخبار عن زوجات

٦٩١

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنهن كن يخرجن إلى المساجد ، وإلى الغائط ، ويحججن ، ويطفن ، فى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبعده. وأيّما امرأة خرجت فى طلب العلم ، أو للعمل ، أو لزيارة تصل بها أرحامها ، أو تتودد بها لجاراتها وزميلاتها ، فذلك مشروع لها ولا حرمانية فيه ، والحاكم فى ذلك كله أمن الفتنة ، وليس لزوجها أن يمنعها ، والساعية إلى العلم أو العمل كالساعية إلى المسجد ، وفى الصحيح عن سالم عن أبيه عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا استأذنت المرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها» ، وطلب العلم عبادة ، والعمل عبادة.

* * *

١٦٠٩ ـ ما معنى الحديث : «خير للنساء أن لا يرين الرجال»؟

ينسب الحديث : «خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال» للسيدة فاطمة بنت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأورده الحسن الطبرسى فى «مكارم الأخلاق» ، ولم ترد صحته مسندا ، ومع ذلك ليس فيه ما يشير إلى حكم شرعى يحرّم على المرأة رؤية الرجال وأن لا يراها الرجال ، وإنما هو تحذير من عواقب الاختلاط وما يستتبعه من فساد فى الأخلاق ، وإثارة للنوازع والغرائز ، والشاعر يقول :

نظرة فابتسامة فسلام

فكلام فموعد فلقاء!

وفى الحديث يقول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «النظرة الأولى لك والثانية عليك» ، ويقول : «النظر سهم من سهام إبليس» ، والوجودية من الفلسفات العصرية ولها كلام كثير فى «النظرة» ، فيه خير وحكمة ، والنظرة المشروعة مطلوبة ، ومن النظر ما يكون انتهابا ، وكان تولستوى فى فلسفته يستهجن النظرة الخلسة إلى النساء ، ويقول إنها مخاتلة ومسالبة. وفاطمة بنت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت ترى الرجال ويراها الرجال ، ولم تقصد إلى تحريم الرؤية وإنما يتوجه تحذيرها إلى ما يتولد عنها ، وتنشد أن تتسم العلاقة بين الجنسين بالطهارة الروحية ، وحديثها تقصد به إلى الكناية ، وأن يغضّ الرجال والنساء من أبصارهم كقوله تعالى : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) (٣٠) (النور) ، وقوله : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ) (٣١) (النور).

والنظر إلى المرأة عند الخطبة مأذون به ، وعن جابر أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا خطب أحدكم المرأة ، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل». وقال جابر : فخطبت امرأة من بنى سلمة ، فكنت أختبئ لها حتى رأيت منها بعض ما دعانى إليها. رواه أبو داود. وفى قوله : «كنت أختبئ لها» ، فيه أن اختلاس النظر بنيّة الزواج وفى غفلة من المرأة ، أمر مشروع. وكان الأعمش يقول : كل تزويج يقع على غير نظر فآخره همّ وغمّ». والنظر هنا هو النظر الصريح وليس الخلسة ، فالمهم فى النظر النيّة ، والناس بنياتّهم ، وطالما أن النظر بنيّة الزواج فهو مشروع ، ولم ينه الإسلام أبدا عن أن ينظر الجنسان إلى بعضهما البعض. كتقدمة للزواج.

* * *

٦٩٢

١٦١٠ ـ غضّ البصر

حرّم الله على المسلمة أن تنظر إلى غير زوجها بشهوة ، وثبت فى الصحيح أن رسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ترك عائشة أم المؤمنين تنظر إلى الجند الأحباش يلعبون بحرابهم فى المسجد يوم العيد ، وظلت تشاهدهم حتى ملّت ورجعت. وغضّ البصر : هو منعه مما لا يحلّ له رؤيته ، وما لم يخش من الرؤية فتنة فهى جائزة ، كرؤية التلميذة لأستاذها ، ورؤية الموظفة لرئيسها. والمهم أن تمارس المسلمة حياتها العامة بلا فتنة ، وتنظر وتطالع لتتعلم وتفهم وليزدد وعيّها ، ولتتناقش فيما يحلّ لها من غير أن يكون فى ذلك تنظّر عن فجر أو دعوة لفسق. وغضّ البصر للمرأة والرجل على السواء ، وفى الآية : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ) (٣٠) (النور) حضّ على عدم النظر إلا بما هو مباح النظر إليه ، وإغماض البصر لا يكون إلا عن المحارم. وفى الحديث عند الطبرانى عن أم سلمة : «أنه يكره للنساء أن ينظرن إلى الرجال ، كما يكره للرجال أن ينظروا إلى النساء» يقصد النظر بشهوة. وفي الحديث الذى رواه جرير بن عبد الله البجلى لمّا سأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن نظرة الفجأة ، قال : «فأمرنى أن أصرف بصرى» ، يعنى يصرفه عن المحارم ، إلا ما كان نظرا شرعيا. وعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعلىّ : «يا علىّ! لا تتبع النظرة النظرة ، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة» أخرجه أبو داود والترمذى ، والنظرة المحرّمة : هى التى على غير مقتضاها ، والتى بها انتهاك لحرمات ، كالذى يفعله المتنطّعون على الطرقات ، ومن حقّ الطريق كما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «غضّ البصر» ، حيث النظر المحرّم ، سواء من الرجل أو المرأة ، داعية إلى فساد القلب ، ولذلك قال : «غضّوا الأبصار ، واهجروا الدعّار» ، والداعر هو الفاسد المفسد ، وهو الناظر المتنطّع ، والداخل على النساء لغير حاجة ، والمحادث عن تطفّل وسوء طوية ، وقرن الله تعالى غضّ البصر بحفظ الفرج فقال : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) (٣٠) (النور) ، وقال : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ) (النور ٣١) فساوى بين الرجال والنساء فى ذلك ، وهو أزكى للجميع ، وأطهر لقلوبهم ، وأنقى لدينهم ، والنظر المفحش كما قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم برواية أحمد ـ «سهم من سهام إبليس مسموم». وأيّما امرأة أظهرت محاسنها لينظرها غير زوجها فدعوتها دعوة شيطان ، وفى الحديث عن أحمد «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغضّ بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها» ، والنظر إلى المحاسن هو النظر الخوّان ، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، وفى الحديث عند ابن أبى الدنيا : «كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا غضّت من محارم الله ..» ، ويتبيّن من ذلك أن غضّ البصر مقصود به كفّه عن المحارم ،

٦٩٣

وإلّا فالمسلم والمسلمة كلاهما كيّس فطن ، يرى بنور الله ، ولم يعطه الله البصر إلا ليتعلم ويفهم ويعى ويتقدم فى الحياة من خلاله ، والبصر من أهم الحواس للإدراك ، والمسلم إن لم ينظر فلن يدرك ، والمطلوب هو النظر الحلال ، وبه يكون الإدراك السليم الذى ليست له غاية الفساد أو الإفساد.

* * *

١٦١١ ـ هل للمرأة أن يطالع عورتها رجل؟

المسلم لا ينظر إلى عورة المسلم أو المسلمة ، وفى الحديث عن أبى سعيد عند أصحاب السنن : «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة» تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل ، والمرأة إلى عورة المرأة ، وكذا الرجل إلى عورة المرأة ، والمرأة إلى عورة الرجل. والعورة : هى كل أمر يستحيا منه ، وكل شىء يستره الإنسان من أعضائه أنفة وحياء. وسترها ـ أى العورة ـ من الفطرة ، فلمّا أكل آدم وحواء من الشجرة المحرّمة : (بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) (الأعراف ٢٢) ، استحياء من بعضهما ، فذلك موجب ستر العورة : أنه فطرة وشرع.

والتنظّر للعورات اضطراب نفسى : وهو أن يختلس الرجل أو المرأة مطالعة العورات بشهوة ، ويعاقب القانون على التنظّر ، ويستثنى من ذلك أن تكون المطالعة من زوجين لبعضهما البعض ، أو أن تكون المرأة فى ولادة وتحتاج أن يراجعها طبيب أو طبيبة ، فمطالعة العورة فى ذلك مما لا حرمة فيه عن ضرورة ، والنظر فيها يتمّ بلا شهوة ، وفيه إحياء للنفس. وعلى عكس ذلك غشيان الشواطئ وحمامات السباحة للتنظّر للعورات ، ويخلّ هذا التنظّر بالآداب العامة ، ويمجّه الذوق ، وتحرّمه الشرائع ، وهو مدعاة لإثارة الشهوات وارتكاب المحرّمات ، وعلى من يغشى أماكن الاستحمام العامة أن يصون نظره عن عورة غيره ، وأن يصون عورته عن بصر غيره ، ويجب الإنكار على من يفعل ذلك لمن يقدر على الإنكار ، ولا يسقط الإنكار بظن عدم القبول إلا أن يخاف المنكر على نفسه أو على غيره الفتنة. والاستئذان مطلوب لضمان عدم مطالعة عورات الناس ، كقوله تعالى : (ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَ) (٥٨) (النور) : من قبل صلاة الفجر ، ووقت الظهيرة عند الراحة ، ومن بعد صلاة العشاء عند النوم. وغضّ البصر ألزم لحفظ العورات ، سواء للرجال أو للنساء بقوله تعالى : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ) (٣٠) (النور) أى أطهر للدين وأبعد عن الدنس ، وهما الغاية من الآية ومن التحريم ، وفى ذلك ترسيخ للفطرة ، وإظهار لحقيقة الإسلام

٦٩٤

والمسلمين. وفى اليهودية طالع اليهود عورة موسى فلعنهم ، وفى التوراة أن حام طالع سوأة أبيه نوح فاستحق اللعن (التكوين ٩ / ٢٣) ، وتروى السيدة عائشة عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنها ما طالعت عورته ولا طالع عورتها. فذلك إذن ليس بدعة فى الإسلام ، وقد حرّم تولستوى مطالعة العورات ، ونهى غاندى عن ذلك بتاتا!

* * *

١٦١٢ ـ هل مطلق اللهو محرّم على المرأة فى الإسلام؟

للنساء أن يلهين لهوا بريئا ، ولا تثريب عليهن فى ذلك ، وفى الصحيح عن عائشة قالت : «رأيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسترنى بردائه ، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون فى المسجد ، حتى أكون أنا التى أسأم ، فأقدروا قدر الجارية الحديثة السن ، الحريصة على اللهو». والحبشة كانوا جندا ، وكانت المناسبة أنهم يلعبون بالحراب والسيوف فى المسجد فى عيد من الأعياد ، وقد عاونها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهى تتفرج ، وأضفى عليها من حنانه ، إلى أن شبعت فرجة وزهدت ولم يقل لها كفى ، ولا تعجّلها. وأيّما لهو ليس فيه فتنة ، ولا يخشى منه مغبة ، فهو حلال أن تراه أو تسمعه المرأة كرؤية الرجل سواء بسواء. وقولها : «أقدروا قدر الجارية حديثة السن الحريصة على اللهو» ، لأنها كانت فى سن المراهقة ، وهو سن اللعب واللهو ، ولا مانع من ذلك طالما هو لعب مفيد ولهو برىء. وفى قولها تنبيه إلى مراعاة حاجات السن التى هى من الأمور الفطرية فى الإنسان ، غير أن الفطرة قد يساء ويحسن استخدامها ، والغرائز فى حدّ ذاتها مفيدة إن حسن استخدامها ، وتصريف الغريزة يتوجه بالتربية إلى المشروعات ويتنكب المحرّمات ، فمن كان توجّهه إلى المشروعات فأيّما لهو أتاه ، أو لعب مارسه فهو حلال ، يستوى فى ذلك الإناث والذكور.

* * *

١٦١٣ ـ الزينة مطلوبة للمسلمة والمسلم

الزينة هى اللباس من جيد الثياب ، وهى ليست محرّمة فى الإسلام كقوله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ) (الأعراف ٣٢) ، ويشارك فيها المسلمون غيرهم فى الدنيا ، وهى للمسلمين خاصة فى الآخرة ، فالزينة إذن فى الدنيا والآخرة ، وفى الإسلام فإن أكثر التزيّن عند الذهاب إلى المساجد ، كقوله : (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (الأعراف ٣١) ، والتجمّل للصلاة خصوصا يوم الجمعة وأيام العيد ، والعطور وغسل الأسنان من السنّة ، ومن تمام التجمّل ، والألوان الفاتحة من خير ألوان الثياب. وعن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ألبسوا من

٦٩٥

ثيابكم البيض» رواه أحمد ، وقال : «عليكم بالثياب البيض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب». وحفّ الشوارب ، والحلق ، والقصر ، من زينة الرجال ؛ وكذلك نتف الإبط ، وحلق العانة ، والغسل ، والتعطّر ، وصبغ الرأس ، والتختّم ـ خاصة للنساء. وكانت عائشة. تنهى المرأة ذات الزوج أن تدع ساقيها لا تجعل فيهما شيئا من ذهب ، وتنصح النساء بصبغ الرأس وتقول : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يكره الرجلة ـ أى المرأة المسترجلة أو المتشبّهة بالرجال ، وكانت فاطمة بنت علىّ تضع فى عنقها عقدا من خرز وتقول : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كره التعطّل للنساء ـ أى أن لا يتحلّين بشيء. وكان يقول : «إن الله تعالى جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ، ويبغض البؤس والتباؤس» ، وكان يقول : «الشعر الحسن أحد الجمالين ، يكسوه الله المرء المسلم» ، فما بالك بالمسلمة!

* * *

١٦١٤ ـ المسلمة لا تبدى زينتها إلا ما ظهر منها

قيل : إن أسماء بنت مرثد كانت فى محل لها فى بنى حارثة ، فجعل النساء يدخلن عليها غير متّزرات ، فيبدو ما فى أرجلهن من الخلاخل ، وتبدو صدورهن وذوائبهن ، فقالت أسماء : ما أقبح هذا! فأنزل الله تعالى : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٣١) (النور). والزينة ـ كما فى الآية ـ غير محرّمة على النساء ، وإنما المحرّم الإسراف فيها ، وأن تأتيها المرأة عن مخيلة ، والله يحب أن يرى نعمته على عبده ، غير أن من السرف للمرأة أن تتزين بكل ما تشتهى ، وكذلك من التزمّت أن تسرف فى التحريم ، كقوله تعالى : (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (٣١) (الأعراف) ، قوله : (وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (٨٧) (المائدة) ، والمعتدون : هم الذين يتجاوزون الحدّ فى الحلال والحرام ، والمطلوب العدل بينهما. ومراد الإسلام من زينة المرأة أن تتوجه بها لزوجها ، وأن تتزيّن ما وسعها فى غير سرف ، لا تبتغى بالزينة غير زوجها ، وأن لا يظهر منها للغير إلّا ما لا يمكن إخفاؤه. ومن حكم ابن مسعود : أن الزينة زينتان ، فزينة لا يراها إلا الزوج ، وزينة يراها الأجانب ، وهذه الأخيرة تبدو على الظاهر من الثياب ومن البدن. والزينة تكون فى الثياب وفى غير الثياب من أجزاء البدن ، وتكون فى الماديات

٦٩٦

الحسيّة وفى المجرّدات المعنوية كالأخلاق ، وكأساليب الكلام ، وآداب التعامل مع الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين المناسبات. ومطلوبات التزيّن للمسلمة فى البدن : أن تحجب صدرها فلا تظهر ثدييها وترائبها كما تفعل الأمريكيات والأوروبيات ، وهن المتابعات للموضة ، يصممها خبثاء الموضة من المنحرفين والشواذ ؛ وأن تضرب الخمار على جيبها : يعنى أن تغطّى النحر والصدر فلا يرى منهما شىء ؛ وأن تحتشم وتقتصد وتلتزم فى تزيّنها ـ وإبداء الزينة لا يكون إلا للزوج وللمحارم ممن ذكرت الآية. والمقصود بالاقتصاد الزينة ـ سواء ظهرت أو لم تظهر ـ أن لا يكون فيها تبرّج ، أى مبالغة. والمرأة إذا دخلها العجب بالزينة مقتها ربّها. وحدّد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مقصود أى لباس عند ما قال فيما رواه الطبرانى : «الحمد لله الذى كسانى ما أوارى به عورتى وأتجمّل به فى حياتى» ، يعنى : الستر والتجمّل. ومن خير ثياب الزينة للمسلمة «السراويل» كالتى تلبسها المسلمات الباكستانيات ، وقد حضّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على لباسها لأنها أستر أنواع الثياب وقال : «وحصّنوا بها نساءكم إذا خرجن» رواه البزار ، وقال : «اللهم ارحم المتسرولات». والنساء لهن أن يتزيّن بالذهب ، وأن يلبسن الحرير ، ولباس الزينة المنهى عنه هو اللباس الفاسق ، وبتعبيره صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لباس من لا خلاق له» ، ومطلوب اللباس كما فى الآية : (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف ٢٦) : أى اللباس الذى يظهر لابسه أنه يخشى الله ، فكل ما يلفت الرجل فى المرأة ـ كلما داراه اللباس ـ كان صدوره عن تقوى ، والسرائر تظهرها الزينة والألبسة ، وهى مظهر للنفوس ، وتفصح عن المكنونات والمقاصد ، وفى الحديث عن عثمان بن عفان : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «والذى نفس محمد بيده ، ما أسرّ أحد سريرة إلّا ألبسه الله رداءها علانية ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر» رواه ابن جرير. فمن كانت غايتها من زينتها ولباسها زوجها فهذه هى المسلمة الذكية ، ومن كانت غايتها أن تبهر الناس وتنال الإعجاب ، فتلك هى المعجبة بنفسها والمستعرضة بجمالها ، والعجب والاستعراض كلاهما من أمراض النفس. وفى الحديث : «الرافلة فى الزينة فى غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها» أخرجه الترمذى.

والمشى فى منتصف الطريق من التزيّن ، وكانت النساء فى الجاهلية يلبسن الخلاخيل ، فإذا مشين ضربن بأرجلهن لينبّهن إلى زينتهن ، فنهى الإسلام عن ذلك ، لما فى معنى الإلفات إلى المرأة من أن تنتهبها العيون ، والعين قد تزنى ، وصاحبها زان ، والمرأة المنبّهة إلى زينتها زانية. ومن كن على مثل تلك الخصال فهن فى جاهلية ، والمسلمة الذكية هى التى تلبّى أمر ربّها فى ثيابها ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) (الأحزاب ٥٩) ، ومناسبة الآية أن

٦٩٧

فسّاق أهل المدينة كانوا يخرجون بالليل إلى الطرق حين يختلط الظلام ، فيعرضون للنساء ، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب عرفوا أنها مسلمة فكفّوا عنها ، وإذا لم يكن عليها جلباب وثبوا عليها. والجلباب فى الحديث عن عمر برواية البزار ـ كان شبرا بعد الركبة ، فطلب النساء من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يطيله أكثر ، بدعوى أن ذلك يعتبر قصيرا ، فأطاله إلى ذراع بعد الركبة فلم يعجبهن أيضا وطلبن أكثر ، بحجة أن القدم ما تزال عارية ، فرفض أن يزيد عن ذلك. وفى الحديث برواية ابن سعد اشترط الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الجلباب أن لا يكون رقيقا كاشفا يصف العظام. وفى الحديث عن أسامة بن زيد قال : «مرها تجعل تحته ـ أى الجلباب ـ شيئا لئلا يصف». وبعض الفقهاء يفسّر الخطاب فى الآية : (قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ) (٥٩) (الأحزاب) أن مضمونه زوجاته وبناته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحرائر النساء دون الإماء ، إلا أن معنى المؤمنين لا ينصرف إلى السادة دون العبيد ، والمؤمن يمكن أن يكون سيدا أو عبدا طالما هو فى طاعة الله وتقواه ، ويلتزم أوامره ونواهيه ، فلما ذا إذن إخراج الإماء من مقصود الخطاب ـ وهن مؤمنات وأزواج لمؤمنين؟ والتفسير إذن خاطئ ، وأخطأ سفيان الثورى عند ما قال : لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة ، وقال إن النهى عن النظر إليهن لخوف الفتنة لا لحرمتهن!!! وهو خطأ شنيع فى التفسير لأنه جعل دافع النظر إلى المسلمات كونهن مسلمات ، فإذا لم يكنّ كذلك ارتفع التحريم!! والدافع فى الآية هو إثم النظر ومخافة الفتنة وليس من يقع به الإثم. ومعيار الثورى فى معنى التحريم مزدوج ، والإسلام لا يعرف المعايير المزدوجة ، فالحرمانية ارتباطها بالجرم نفسه وليس بالأشخاص ، وشبيه بذلك فعل عمر بن الخطاب مع الإماء ، فكان ـ كما تروى صفية بنت أبى عبيدة ـ إذا التقى بأمة مخمرة متجلية يأمرها أن لا تتخمّر ولا تتجلبب حتى لا تكون شبيهة بالمحصنة!! وكأن الأمة المسلمة لا يهمّ أن لا تكون محصنة؟ وهو منطق غريب! وعن أنس بن مالك قال : كان إماء عمر يخدمننا كاشفات عن شعورهن يضرب أثداءهن!! روى ذلك البيهقى. وكأن المطلوب منا أن نصدق أن عمر الذى كان يرقّع ثيابه ولا يجد ما يطعمه كانت عنده إماء!؟ والحديث يصادم الإسلام بشدّة ، فالإسلام هو الدين الذى يساوى بين الجميع ، ويعارض الرقّ ويعمل على تصفيته. ثم إن ما وصفه أنس فيه قبح ولا أعتقد أن عمر كان ذلك مفهومه. وأمثال هذه الأحاديث عند أنس وغيره متهافتة وضعيفة ، ولا يؤيدها المنطق ، وتجافى روح الإسلام ، فكونى ذكية أريبة أختى المسلمة ، واستفتى قلبك ولا تصدّقى كل ما يشاع عن دينك!

* * *

٦٩٨

١٦١٥ ـ تبرّج النساء لم ينفرد الإسلام بالنّهى عنه؟

يرد التبرّج فى القرآن مرتين فى قوله تعالى : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى) (الأحزاب ٣٣) ، وقوله : (الْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَ) (النور ٦٠). وفى التبرّج قال المفسرون : إن المرأة كانت تخرج تمشى بين يدىّ الرجال فذلك هو تبرّج الجاهلية ؛ وقيل : كانت للنساء فى الجاهلية مشية وتكسّر وتغنّج فنهى الله تعالى عن ذلك فى الإسلام. وقيل : التبرّج للمرأة هو أن تلقى الخمار على رأسها ولكنها لا تشدّه ليوارى قلائدها وقرطها وعنقها ، فيبدو ذلك كله منها ، فذلك هو التبرّج ، ثم إن الآية عمّت نساء المؤمنين فى التبرّج. والتبرّج على ذلك لا يليق بالمؤمنة التى تخشى الله ، لأنه من المفاسد فى الأرض ، ودليل فحش فى المرأة التى تفعله ، وأطباء النفس يطلقون على ذلك اسم الاستعراضيةexhibitionism : وهى أن تظهر المرأة مفاتنها لتغوى الرجال ، وإلّا فلأى غرض تتبرج إن لم يكن للفتنة؟! والقواعد من النساء ـ فى الآية ـ هن اللاتى انقطع حيضهن ، وكبرن فى السن ، ولم يعدن محل مطمع من الرجال ، ولم تعد لديهن رغبة فيهم ، واضمحلّ جمالهن فلم يعدن يملن إلى الاستعراض ، فهؤلاء لهن أن ينكشفن على الرجال ، وإنما فى غير تبرّح بزينة ، لأن التبرج منهن مستهجن ممجوج. وعن أم الضياء أنها قالت : دخلت على عائشة فقلت : يا أم المؤمنين! ما تقولين فى : الخضاب ، والنفاض ، والصباغ ، والقرطين ، والخلخال ، وخاتم الذهب ، وثياب الرقاق؟ فقالت : يا معشر النساء! قصتكن كلها واحدة! أحلّ الله لكنّ الزينة غير متبرّجات» ، أى لا يحلّ لكنّ أن يرى منكن محرّم. والخضاب والنفاض والصباغ كلها من تلوين الثياب والشعر واليدين والقدمين للزينة. والزينة فى حدّ ذاتها غير محرّمة ، والله تعالى زيّن السماء للناظرين وقال : (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ) (٣٢) (الأعراف) ، إلا أنه قال أيضا : (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (٧) (الكهف) ، وحذّر من زينة الشهوات (آل عمران ١٤) ، وزينة المال والبنين (الكهف ٤٦) ، وزينة الحياة الدنيا عموما (الحديد ٢٠) ، وحبّب لنا الإيمان وجعله زينة القلوب (الحجرات ٧) ، والتقوى زينة الرجال ، والعفة زينة النساء. والمرأة لها أن تتزين لنفسها ، والمطلوب أن لا تبدى زينتها إلا لخاصة أهلها ولزوجها (النور ٣١) ، والمعقول أن لا تبدى من الزينة إلا ما ظهر منها (النور ٣١) وأن لا تنبّه إلى زينتها ليرى ذلك منها (النور ٣١) ، فإن فعلت ذلك فهو التبرّج المقيت!

والنهى عن التبرّج فى النصرانية كما هو فى الإسلام ، ولا أدرى لم التحامل إذن على

٦٩٩

الإسلام؟! فعن القديس بطرس يقول للنساء ـ كما فى الإسلام : «فلا تكن زينتكن الزينة الظاهرة ، من تجعيد الشعر ، والتحلّى بالذهب ، ولبس الحلل» (الرسالة الأولى ٣ / ٣) ، وكما فى الإسلام يجعل الإيمان زينة القلوب يقول : «بل زينة إنسان القلب المستتر ، أى زكاء الروح الوديع الساكن الذى هو كثير الثمن أمام الله» (الرسالة الأولى ٣ / ٤). وفى أحوال العجائز من النساء ـ وهن بالمصطلح الإسلامى القواعد من النساء ، يقول القديس بولس : «أن تكون العجائز فى هيئة تليق بالقداسة ، غير ملقيات الفتنة ، ولا مستعبدات للإكثار من الخمر» (الرسالة إلى تيطس ٢ / ٢) ؛ وفى النساء وما يحدثن من الفتن قال : «لتكن النساء عفيفات غير ملقيات للفتنة» (الرسالة إلى تيموتاوس ٣ / ١١). فكما ترى أخى المسلم ويا أختى المسلمة ، لم يكن الإسلام سابقا إلى تحريم التبرّج ، فالنصرانية سبقته إلى ذلك بزمان ، فلما ذا التشنيع على الإسلام والمسلمين؟ حسبنا الله.

* * *

١٦١٦ ـ المرأة تجاهد كالرجال ولا فرق

انخرطت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية فى غزاة أحد ، وانضمت إلى صفوف المقاتلين تزود عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يفرض الجهاد على النساء فرض عين ، وإنما هو فرض كفاية تقوم به من تقدر من النساء ، والرجال أفضل من النساء فى حمل أمانة القتال ، والآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) (البقرة ٢١٦) الخطاب فيها للجميع بلا استثناء ، نساء ورجالا ، ولمّا قاتلت أم عمارة لم ينهها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا ردّها إلى بيتها.

وفى الرواية أن أسماء بنت يزيد الأنصارية أتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو بين أصحابه فقالت : بأبى أنت وأمى يا رسول الله! أنا وافدة النساء إليك. إن الله عزوجل بعثك إلى الرجال والنساء كافة ، فآمنا بك وبإلهك. وإنّا معشر النساء محصورات ، قواعد بيوتكم ، وحاملات أولادكم ، وإنكم معشر الرجال فضّلتم علينا بالجمع والجماعات ، وشهود الجنائز ، والجهاد فى سبيل الله عزوجل ، وإن أحدكم إذا خرج حاجا ، أو معتمرا ، أو مجاهدا ، حفظنا لكم أموالكم ، وغزلنا أثوابكم ، وربّينا أولادكم ، أفنشارككم هذا الأجر والخير؟ فالتفت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أصحابه بوجهه كله وقال : «هل سمعتم مسألة امرأة أحسن من مسألتها فى أمر دينها من هذه؟» ، فقالوا : يا رسول الله! ما ظننا أن امرأة تهتدى إلى مثل هذا! فالتفت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «افهمى أيتها المرأة ، واعلمى من خلفك من النساء : أنّ حسن تبعّل المرأة لزوجها ، وطلبها مرضاته ، واتّباعها ما يوافقه ، يعدل ذلك كله» ، فانصرفت وهى متهللة الوجه ، حتى وصلت إلى نساء قومها من العرب ، وعرضت عليهن ما قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ففرحن ،

٧٠٠

وآمنّ به جميعهن. غير أنه فى الحديث لم يقل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن النساء ليس عليهن أن يفعلن مثل الرجال.

وتروى صفية بنت عبد المطلب عمة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عن جهادها فى الغزو : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان إذا خرج لقتال عدوه من المدينة ، يرفع أزواجه ونساءه فى حصن حسّان بن ثابت ، فلما كان يوم الأحزاب ، صعدت صفية معهن ، وتخلّف عندهن حسّان ، فجاء يهودى فلصق بالحصن يتجسّس ، فقالت صفية لحسّان : انزل إليه فاقتله! فتوانى حسّان ، فأخذت صفية عمودا ونزلت ، ففتحت الباب بهدوء وحملت على الجاسوس فقتلته. وصعدت إلى حسّان تطلب منه وهو الرجل أن ينزل لسلب اليهودى ، ورفض حسّان بزعم أنه ما له بسلبه حاجة ، فنزلت صفية فسلبته. ـ فهذه مسلمة مجاهدة ، فهل كانت تقرّ فى مكانها إلى أن يقتل اليهودى النساء والأطفال جميعا؟! بينما كان حسّان وهو الرجل قد جبن وقبع فى مكانه خائفا! ويروى عن صفية أنها يوم أحد رأت المسلمين يتراجعون ، فتقدمت وبيدها رمح ، تضرب فى وجوه الناس وتقول : انهزمتم عن رسول الله! ولم تكفّ إلا بعد أن شاهدها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأشار إلى الزبير بن العوام أن يبعدها عن أخيها حمزة عمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان حمزة قد بقرت بطنه ، فكره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن تراه ، فناداها الزبير أن تتنحّى ، فزجرته ، وأقبلت تحارب حتى وصلت إلى جثة أخيها وقالت فيه شعرا ترثيه يقطّع نياط القلب ، فكانت تجاهد بيديها وبلسانها على السواء ، وسلوكها هو ما يمليه عليها الدين والعقل وإن قال بعكس ذلك البعض.

وفى غزوة حنين حملت هوازن وثقيف على المسلمين حملة رجل واحد ، فانهزم جمهور المسلمين ، وثبت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومعه أبو بكر وعمر ، ومن أهل بيته : علىّ ، والعباس ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وابنه جعفر ، وأسامة بن زيد ، وأيمن بن عبيد ابن أم أيمن ، وربيعة بن الحارث ، والفضل بن عباس ، وقثم بن العباس ، فهؤلاء تسعة والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عاشرهم. وكانت المفاجأة : أم سليم الأنصارية! فإنها كانت فى المعركة ، وثبتت كالرجال ، وأفضل من الرجال ، وقد احتزمت بعيرا لأبى طلحة ، وفى يدها خنجر! وهؤلاء النساء كن قليلا من كثير غيرهن ، بل كانت غالبية النساء المسلمات هكذا ، فهل بعد ذلك يقال إن المرأة لا نصيب لها فى الجهاد؟ وأن الإسلام جعلها من القواعد لا فائدة منها إلا أن يستمتع بها؟!!! حسبنا الله!

* * *

٧٠١

١٦١٧ ـ هل المرأة فى الإسلام شؤم

فى الحديث عن ابن عمر عند البخارى : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الشؤم فى المرأة والدار والفرس» ، وفى رواية أخرى قال : ذكروا الشؤم عند النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن كان الشؤم فى شىء ففي الدار والمرأة والفرس». وفى الرواية عن سهل بن سعد قال : «إن كان الشؤم فى شىء ففي الفرس والمرأة والمسكن». وعن أسامة بن زيد فيما رواه البخارى ، أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما تركت بعدى فتنة أضرّ على الرجال من النساء». وفى القرآن يقول الله تعالى : (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن ١٤). وفى تفسير هذه الأحاديث قالت السيدة عائشة ، برواية أبى حسان فيما نقله أحمد والحاكم ، أن نبىّ الله لم يقل ذلك بالضبط ولكنه قال : «كان أهل الجاهلية يقولون الطّيرة فى المرأة والدار والدابة» ، ثم قرأت عائشة قول الله عزوجل : (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ) (الحديد ٢٢). وفى رواية أخرى عند الطيالسى عن مكحول قالت : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «قاتل الله اليهود! يقولون إن الشؤم فى الدار والمرأة والفرس». ورواية عائشة أصدق لموافقة قولها مع نهيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الطيرة نهيا عاما بقوله : «يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب ، وهم الذين لا يكنزون ، ولا يسترقون ، ولا يتطيّرون ، وعلى ربّهم يتوكلون». والعدد لضرب المثل فقط ، أن الجنة يدخلها كثيرون. وفى الحديث عن أبى هريرة قال : «لا طيرة وخيرها الفأل» ، وأصل التطيّر أنهم كانوا فى الجاهلية يتفاءلون بالطّير تطير يمنة ، ويتشاءمون بها تطير يسرة. وعن عائشة ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الطّيرة شرك» ، ومعنى أنها شرك أن الذى يعتقد فى التطيّر إنما لما يجلبه من نفع أو يدفع من ضرّ ، فكأنهم أشركوا مع الله. والمقصود بهذه الأحاديث فى المرأة والدار أو المسكن ، والدابة أو الفرس أو المركبة ، إنما هى المرأة السوء ، والمسكن السوء ، والمركبة السوء ، وفى رواية للحاكم شرح أكثر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «المرأة تراها فتسوؤك ، وتحمل لسانها عليك ، والدابة تكون قطوفا فإن ضربتها أتعبتك ، وإن تركتها لم تلحق أصحابك ؛ والدار تكون ضيقة قليلة المرافق» ؛ وللطبرانى من حديث أسماء قال : «إن من شقاء المرء فى الدنيا سوء الدار والمرأة والدابة» ، وفيه أن سوء الدار هو ضيق مساحتها وخبث جيرانها ؛ وسوء الدابة : منعها ظهرها وسوء طبعها ؛ وسوء المرأة : عقم رحمها وسوء خلقها. وإذن فتخصيص الشؤم بالمرأة ، ونسبة الفتنة إليها ، إنما المقصود بهما من يحصل منها أو منه ذلك بالفعل ، يستوى فى ذلك الرجال والنساء ، ومن الجهل أن يقال إن المرأة إطلاقا عدو للرجال ، وأنها سبب الفتنة ، وأنها شؤم. والشارع أطلق الكفر على من ينسب المطر إلى النّوى ، فكيف بمن

٧٠٢

ينسب ما يقع من الشرّ إلى المرأة مما ليس لها فيه مدخل؟! وفى الحديث مع ذلك أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن ، وفى علم النفس والطب النفسى : أن فتنة الجنس هى أعظم الفتن ، ولا يعنى ذلك أن المرأة سبب فيها ، والله تعالى يقول : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ) (آل عمران ١٤) فلا دخل للمرأة إذن فى ذلك ، وليست الفتنة هى فتنة المرأة ولكنها «فتنة الجنس» ، يستوى إزاءها الرجال والنساء ، ومن أمثال العامة : النساء شرّ كلهن ، وأشرّ ما فيهن عدم الاستغناء عنهن! وهو قول غريب فيه الجهل المطبق ، فمن النساء من هن أمهاتنا وأخواتنا ، ومنهن عظيمات النساء ، كمريم ، وخديجة ، وعائشة فى الدين ، وفى العلم مدام كورى ، واليهود يعظّمون استير ويهوديت ، وإن كان فى النساء نقص فى العقل والدين ، فإن الرجال أنقص عقلا ودينا إذ يفتنون بهن ، ويشغلون بهن عن الجاد من الأمور ، وعن الدين ، بالإيقاع بهن ، والتهالك على الدنيا إرضاء لهن ، ففساد الرجال أكبر ، فإذا وعظ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم المؤمنين والمؤمنات بقوله ـ برواية أبى سعيد فيما أخرجه مسلم : «واتقوا النساء فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت النساء» ، إنما معناه اتقوا الجنس ، يقول ذلك للنساء والرجال معا.

* * *

١٦١٨ ـ هل شهادة المرأة فى الإسلام نصف شهادة الرجل؟

الذين يقولون بذلك يستدلون عليه بأن الله تعالى قال : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) (البقرة ٢٨٢) ، والآية تنصرف إلى الاستشهاد فى «الأموال» لا غير ، وأقيمت المرأتان مقام الرجل بدعوى أنه إذا ضلت إحداهما أن تذكّرها الأخرى ، وفى سياق الآية معنى أن تضلّ : هو أن تنسى الشهادة ، وتذكير الواحدة للأخرى فيه أن المرأة على إطلاقها لا تنسى دائما ، فهذه واحدة قد تنسى بينما الأخرى لم تنس! فالنسيان ليس شيمة المرأة وليس طبعها ، والنسيان فى الرجل كما هو فى المرأة ، وإلا ما طالبه المولى عزوجل أن يكتب المعاملات ، وأن يستشهد عليها ، وعلّل ذلك بأنه أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا ، أى أعدل وأثبت للاستشهاد به ، فإذا وضع خطّه ثم رآه تذكّر به الشهادة ، لاحتمال أنه لو لم يكتبه لنسيه كما هو الواقع غالبا ، والكتابة والشهادة عليها أقرب إلى عدم الريبة ، ويرجع إليهما عند التنازع فيفصل بين المتنازعين بلا ريبة ، فإن كانت آفة النساء النسيان ، ودرؤه بأن تظاهر المرأة امرأة أخرى وتعينها على التذكّر ، فإن آفة الرجال الريبة ، وإتيان الظلم ، وقول الزور. والنسيان يكون فى الشهادة الشفوية ولكنه لا يكون فى الشهادة

٧٠٣

المكتوبة ، وفى المكتوبة لا تلزم الشهادة المرأة كما لا تلزم الرجل ، والآية تنصرف إلى الشهادة الشفوية ولا تنصرف إلى المكتوبة. وفى زمن الرسول ما كان النساء فى الأغلب والأعم يعرفن القراءة والكتابة ، فما كانت شهادتهن تتيسر لذلك إلا شفوية ، وشهادة المرأتين عن المرأة الواحدة تحرّز لذلك من نسيان إحداهما ، وهو حقّ وعدل ، ولا تثريب على المرأة فى ذلك ولا يهينها ، وليس فيه حط من شأنها ، ولا من قدراتها الذهنية والنفسية. وأكرر أن شهادتى المرأتين تحرّز من النسيان فى الشهادة الشفوية فى الأموال فقط. وقد أخذ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشهادة المرضعة ، وكان عقبة بن الحارث قد تزوّج امرأة ، فجاءته مرضعة وقالت له إنها أرضعتهما ، فذهب عقبة إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقصّ عليه الأمر ويكذّب المرضعة ، فأعرض عنه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما ألحّ عقبة ردّ عليه بحسم وقال : «كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما» رواه البخارى ، وإذن فشهادة المرأة الواحدة تجوز.

* * *

١٦١٩ ـ هل عامة أهل النار نساء؟

فى الصحيح عن عمران أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اطّلعت فى النار فرأيت أكثر أهلها النساء» ؛ وفى الرواية لأسامة جاء : «وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء» ؛ وفى الرواية عن ابن عباس جاء عن النار : «أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء» قيل : لم يا رسول الله؟ قال : بكفرهن» ، قيل : يكفرن بالله؟ قال : «يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان! لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قطّ». وفى رواية عياض بن عبد الله قال للنساء : تصدّقن فإنى رأيتكن أكثر أهل النار» ، فقلن : «ولم يا رسول الله؟ قال : تكثرن اللعن وتكفرن العشير» ، والمرأة تكفر عشيرها يعنى لا تقرّ بفضله ، والعشير الزوج ، قيل له عشير بمعنى معاشر ، مثل أكيل ومؤاكل.

وهذه الأحاديث صيغت للتحذير وليس على الحقيقة ، والكفر الذى من نصيب النساء لا يراد به الكفر المخرج عن الملّة ، ولكنه أراد أن يخوّف النساء أن يرتكبن هذا النهى المذكور ، ومن ثم يكنّ أكثر من يدخل النار ، والإكثار من اللعن وكفران العشير لا يختصّ بهما النساء دون الرجال ، وقوله : «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر» إشارة إلى سبب التعذيب ، لأن المرأة التى تفعل ذلك إنما حالها كحال المصرّ على كفر النعمة ، والإصرار على المعصية من أسباب العذاب ؛ وكذلك قد يقول الرجل لعشيرته : ما رأيت منك خيرا قطّ ، وقد يكثر اللعن وهو الأغلب. والحديث لذلك ضعيف وغير متوازن ، وموضوع غالبا لإغاظة النساء.

* * *

٧٠٤

١٦٢٠ ـ هل النساء ناقصات عقل ودين؟

يقول مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «يا معشر النساء تصدّقن وأكثرن الاستغفار ، فإنى رأيتكن أكثر أهل النار» ، فقالت امرأة منهن جزلة ـ أى ذات رأى : وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال : «تكثرن اللعن ، وتكفرن العشير ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذى لب منكن». قالت : يا رسول الله! ما نقصان العقل والدين؟ قال : «أمّا نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل ، فهذا نقصان العقل ؛ وتمكث الليالى لا تصلّى ، وتفطر فى رمضان ، فهذا نقصان الدين». وفى رواية البخارى عن أبى سعيد الخدرىّ أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يا معشر النساء تصدّقن فإنى رأيتكن أكثر أهل النار» ، فقلن : وبم يا رسول الله؟ قال : «تكثرن اللعن وتكفرن العشير! ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن». قلن : وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال : «أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟» ، قلن : بلى : قال : «فذلك من نقصان عقلها! أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟» قلن : بلى ، قال : فذلك من نقصان دينها».

ومعنى الحديث لا ينصرف إلى ما ينصرف إليه ذهن البعض من تقليل شأن المرأة فى الإسلام ، فقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تكثرن اللعن» فذلك من شأن بذيئة اللسان وحدها ، وبذاءة اللسان تستوي عند الرجال والنساء ؛ وقوله : «تكفرن العشير :» معناه تجحدن نعمة الزوج وتستقللن ما كان منه ، وذلك دأب بعض النساء دون الغالبية ، وكذلك هو دأب بعض الرجال دون الغالبية ؛ واللّب فى الحديث : هو العقل ، واللبيب هو الرجل الحازم الضابط لأمره. وليست المرأة على عمومها ناقصة عقل ودين ، والإسلام والقرآن قد ضربا المثل بملكة سبأ ، وكانت أرجح عقلا من قومها من الرجال بخاصة ، وكانت الأكثر منهم حنكة وكياسة فى أمور السياسة والدين ، ومقالتها : (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً) (النمل ٣٤) جعلها القرآن من الحكم المأثورة ، وبها أوتيت ملكة سبأ جوامع الكلم ، وأتمّ الله تعالى الآية بالتأمين على حكمتها فقال : (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) (٣٥) (النمل) ، أى أن ما قالته عن الملوك هو الصحيح. وبلقيس أو ملكة سبأ فكّرت ودبّرت وانتهت إلى الرأى : فما كان أعقلها فيما ذهبت إليه ، وقد تحصّل لها العلم بأن الهدية تقع موقعا حسنا من الناس ، فسليمان إن قبل الهدية فهو ملك فتنصح بقتاله ، وهم أولو قوة وبأس وسيهزمونه حتما ، وإن لم يقبلها فهو نبىّ حقا وعليهم أن يتّبعوه! فهل رأى الإسلام فى ملكة سبأ أنها ناقصة العقل فيما استنّته لقومها من التريث وإعمال الذهن وتجربة الحيلة ، وفى طلبها المشورة حين قالت : (يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ

٧٠٥

قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (٣٢) (النمل)؟ ولقد بيّن القرآن أن خاصة قومها ممن جمعتهم للمشورة قضوا بأنها الأحكم والأعقل ، وردّوا عليها قائلين : (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ) (٣٣) (النمل) ، فلمّا تأكّد لبلقيس ظنّها فى سليمان قالت : (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٤٤) (النمل) ، وواضح من النصّ القرآنى أن الإسلام يعلى من قدر هذه المرأة ، وقد خلصت إلى ما خلصت إليه ، مما أعوز قومها ، وينبّه إلى كمال عقلها واكتمال دينها معا!

ومريم ابنة عمران قال فيها القرآن أجمل القول ، ووصفها أحسن الوصف ، فقال إنها كانت من القانتين (التحريم ١٢) ، فاستحقت أن تحمل بكلمة الله تعالى ، وكان حملها آية (المؤمنون ٥٠) ، أى حجّة قاطعة على قدرته تعالى قدرة مطلقة ، فلقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى ؛ ونبّهت الآيات فى القرآن إلى ما يقال فى مريم من بهتان عظيم (النساء ١٥٦) ، وإلى أن اختيارها لمهمة الحمل فى المسيح كان اصطفاء لها على العالمين ، ولو لا أنها كانت أطهر العالمين ما اصطفاها لهذه المهمة (آل عمران ٤٢). وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يجيء عن مريم : «كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ، ومريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وهؤلاء جميعا كن ممن جاء فيهن وصف الله تعالى لفضليات النساء عموما : (مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ) (التحريم ٥) فأين نقص العقل ونقص الدين فى هؤلاء وأولئك وهن الكاملات؟ ثم إن الله تعالى وقد ضرب المثل على الكمال فى النساء بامرأة فرعون ، وبمريم (التحريم ١١) ، فقد ضرب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم المثل على الكمال فى النساء المسلمات بخاصة ـ بخديجة ، أعظم امرأة عرفها التاريخ ، ظاهرت زوجها واحتملت معه عذابات الدعوة ، وبعائشة التى وصفها صحابة الرسول فقالوا : إنها كانت أعلم النساء ، ولو جمع علمها إلى علم نساء زمانها لكان علمها الأفضل! بل كانت أفقه وأعلم وأحسن الناس رأيا ، وكانت الأعلم بالحلال والحرام ، وقال فيها المقداد بن الأسود : ما كان أحد من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعلم بالفريضة من عائشة رضى الله عنها»! وعن أبى موسى قال : ما كان أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشكّون فى شىء إلا سألوا عنه عائشة فيجدون عندها من ذلك علما». وروى مسروق : أن مشيخة أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانوا يسألونها» ، وكانت عائشة مدرسة وحدها ، فهل كانت ناقصة عقل ودين؟!! وإنما عنى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذا الحديث صنف النساء اللاتى حذّر منهن ابن لقيط بن صبرة لمّا اشتكى

٧٠٦

له طول لسان زوجته وبذاءها فقال له : «طلّقها» فقال ابن لقيط : إنّ لى منها ولدا! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فعظها ، فإن كان لك فيها خير فستفعل ، ولا تضرب ظعينتك كضربك أمتك». رواه الحاكم. و «الناشز» من المصطلح الإسلامى ، ويقصد بها صنف المرأة التى عناها الحديث ، ونبّهت إليه الآية : (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) (النساء ٣٤). والناشز فى الرجال كما فى النساء لا فرق ، كقوله تعالى : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً) (١٢٨) (النساء) والخطاب فى الآية لجماعة المؤمنين دون غيرهم وليس لسفلة الناس ، والمؤمن ـ من ناحية ـ لا يبغى ، ومن ناحية أخرى لا تصلح له الناشز ، كما أن المؤمنة لا يصلح لها الفاسق ولا الكافر ، والعظة والهجر والضرب وسيلة المؤمن لزجر الناشز وبذيئة اللسان المفحشة ، ولا تعامل هكذا طيبة اللسان عظيمة الخلق. وكان دعاء امرأة فرعون من نشوز وفسق زوجها : (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) (التحريم ١١) ، فالنشوز والفسق كما قد يكون فى المرأة ، قد يكون فى الرجل ، ونقص الدين يترافق مع نقص العقل ، وكلاهما يمكن أن يتواجدا فى الرجال تواجدهما فى النساء ، ويحذر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم النساء والرجال معا منهما ، وإلّا فالنساء لا يمكن أن يكن ناقصات عقل بسبب أن شهادتهن نصف شهادة الرجل!! وموضوع الشهادة جاء فى المعاملات المالية وحدها ، وفى الشهادة الشفوية دون الشهادة المكتوبة مخافة «أن تضل إحداهما» (البقرة ٢٨٢) ، أى أن تنسى ، والنسيان فى الشهادة الشفوية ، وأما المكتوبة فلا نسيان فيها. والنسيان تتميز به المرأة خصوصا نتيجة عوامل القمع والكبت التى تتعرض لها ، وبسبب الضغوط النفسية الهائلة التى تعانى منها حتى فى المجتمعات المتقدمة ؛ وكذلك فإن الحيض ، والإياس ، والحمل ، والرضاعة ، وحتى الجماع نفسه ، فى كل ذلك الكثير من المعاناة بالنسبة للمرأة. وفى البحوث المشهورة لكينزى وچونسون وماسترز فى أمريكا ثبت أن النسيان تتعرض له المرأة خصوصا فى الفترة قبل الحيض ، وأثناء الحيض. والحيض فترة مرض ، وما بعد الحيض فترة نقاهة يفسدها أن يمارس الرجل الجنس مع المرأة. ويلحقها من الجماع بعد الحيض ، وأثناء الحمل ، وبعد الولادة ، وأثناء الرضاعة ـ أذى بالغ ، ربما من ضخامة آلة الرجل ، أو من ثقل وزنه ، أو من تكرار ممارسته للجنس وإرهاقها به ، أو من الشذوذ الذى قد يأتى عليه جماعة بها. وفترة الحمل فترة مرض حقيقى وتستمر تسعة أشهر ، تتلوها الولادة والنفاس ، وتستمر الرضاعة لمدة سنتين ، ثم تكون فترة تنشئة الطفل اجتماعيا ، وإعداده نفسيا ، وموالاته تربويا وتعليميا ، والإشراف على شئون البيت أثناء ذلك ، فإذا كان لدى أغلب النساء ثلاثة أطفال فى المتوسط ، فمعنى ذلك أن المرأة تعيش فى كبد أغلب عمرها! فإذا بدأت تفيق من هذه الشواغل ، كانت مسائل زواج الأولاد ، والقلق على البنات ومستقبلهن ، ويتوج ذلك كله

٧٠٧

الإياس ، وهو مشكلة المشاكل بالنسبة للمرأة ، وأكبر المسببات للنسيان. والنسيان فى الاصطلاح : هو ترك الشيء تهمله الذاكرة أو تغفله عن ذهول ، وهو طبيعى فى الذكور والإناث ، إلا أنه أشد فى الإناث ، وأسبابه عندهن عضوية غالبا ، وقد علمنا دوافع ذلك من الحيض والجماع والحمل والولادة والرضاع ... إلخ ، إلا أن النسيان النفسى عند المرأة يكاد يميّزها عن الرجل ، والفرق بين نسيان المرأة العضوى والنسيان النفسى ، أنها فى النسيان العضوى تتعطل قدرات الذاكرة عندها عن التسجيل والاحتفاظ والاستدعاء معا ، بينما تتعطل فقط قدرة الذاكرة عن استدعاء الخبرة فى النسيان النفسى.

ولكل ما سبق فإن الله تعالى قد فرض فى الشهادة الشفوية أن تكون لرجلين ، فإن لم يكونا رجلين فلرجل وامرأتين ، وجعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ، والسبب علمى محض كما رأينا ، وليس فيه افتئات على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة ، وذلك مفهوم النقص العقلى فى الحديث. ثم إنه بسبب الحيض والحمل والولادة والرضاعة أعفى الله تعالى المرأة من الصلاة والصيام ، وهذا تكريم ما بعده تكريم ، وهذا الإعفاء دوافعه علمية خالصة لا دخل فيه لاعتبارات تمس كرامة المرأة من بعيد أو قريب ، ومثل المرأة فى ذلك مثل المريض الذى يسمح له بالصلاة نائما على ظهره أو جالسا ، أو مثل الذى يؤذن له بالتيمم دون الوضوء ، أو بالإفطار فى رمضان ، ويستحب لكل هؤلاء أن يكثروا من التصدّق ، تعويضا عمّا انتقصهم مما تصلح به صلاتهم أو ينصلح به صيامهم ، فلذلك يعظ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم النساء بأن يكثرن من التصدّق تعويضا عما فاتهن من أجر الصلاة والصيام اللذين اضطررن إلى تركهما غصبا عنهن فى قوله : «تصدّقن وأكثرن» ، وليس فى الحديث ـ كما رأينا ـ أى انتقاص للمرأة من ناحية دينها ، ولا من ناحية ملكاتها الذهنية وذكائها وحقوقها كمواطنة تتساوى فى ذلك مع الرجل عموما ، وساوى القرآن بينهما وقرن ذكر المؤمنين بذكر المؤمنات ، متعادلين فى الحقوق والواجبات إحدى عشرة مرة ، فالمؤمنون أولياء للمؤمنات ، والمؤمنات وليّات المؤمنين (التوبة ٧١) ، ووعد الله الجميع التوبة ، مؤمنات ومؤمنين ، سواء بسواء (الأحزاب ٧٣) ، وتوعّد من يجترئ عليهم أو عليهن (الأحزاب ٥٨) ، وقضى أن لا يصيبهم أو يصيبهن مكروه ، بل إنه تعالى قد ساوى فى الأهمية والقيمة بين تسعة من المؤمنين واثنتين من المؤمنات ، وفى هؤلاء كما يقول جنيد بن سبيع ـ نزلت الآية : (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ) (الفتح ٢٥) ، وكان جزاء من فتنوا المؤمنات والمؤمنين من أصحاب الأخدود العذاب والتحريق (البروج ١٠) ، وحرّض الله تعالى المؤمنين أن لا يرجعوا المؤمنات إلى الكفّار إذا هاجرن من دار الكفر إلى دار الإيمان ، وقال : (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ) (الممتحنة ١٠) ، وأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يستغفر لهم ولهن فلا فرق (محمد ١٩) ؛ وعند الحساب يدخل المؤمنات الجنة كالمؤمنين ولا اختلاف (الفتح ٥) ؛ وفى

٧٠٨

الجنة لكل نوره يسعى بين أيديهم وأيديهن بلا تمييز (الحديد ١٢) ؛ وفى الدعاء لم يفرق نوح بين المؤمنين والمؤمنات ، وأوصى الله تعالى المؤمنين بغض البصر وحفظ الفرج كما أوصى المؤمنات (النور ٣٠ و ٣١) ، وغضّ البصر ليس انشغالا بالمسألة الجنسية كما يزعم العلمانيون وصبية العولمة الأمريكية ، ولكنه بتعبير الله تعالى «أزكى لهم» (البقرة ٢٣٢) ، أى أطهر لنفوسهم ، وأنقى لقلوبهم ، وأصفى لعقولهم ، ولعمرى إنه لأقوى ما عرفت من تعبيرات العلم فى مجال الطب النفسى وعلم النفس وعلم الاجتماع معا ، فالنظر وسيلة الشهوة كما بيّن فرويد والآخرون ، وأطلق الله تعالى على النظر بشهوة هذا التعبير الرائع «خائنة الأعين» (غافر ١٩) ، والنظر يكون به الإدراك ، والإدراك يولّد النزوع ، ومن ثم يقع الفعل ، فإذا هدفنا إلى الوقاية فينبغى أن نلتزمها منذ البداية قبل أن يقع الإدراك ، وذلك هو غض البصر ، يفعله الرجال كالنساء سواء بسواء. وهذا الكلام فى المساواة كلّه علم متقدّم وليس فيه من الأوامر غير المبررة شىء ، حتى استحق القرآن أن يكون كتابا فى العلوم بسائر فروعها ، كما هو كتاب فى الآداب ، وكتاب فى الحقوق والواجبات ، وفى المساواة والعدل بين النساء والرجال ، ولعن الله العلمانية ودعواتها الفجّة ، وشعاراتها السمجة!

* * *

١٦٢١ ـ ما مدى صحة الحديث : إن المرأة خلقت من ضلع أعوج؟

فى الحديث عن أبى هريرة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع ، وإنّ أعوج شىء فى الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء خيرا». ومن أقوال ابن عباس : «أن حواء خلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائم» ، ومفاد حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن المرأة بطبيعتها عوجاء لأنها خلقت فى الأصل من شىء أعوج ، وقوله : «أعوج شىء فى الضلع أعلاه» فيه أن أعلى المرأة وهو رأسها ليس على سواء ، لأن فيه لسانها الذى يحصل منه الأذى. وفى قوله : «وإن ذهبت تقيمه كسرته» ، وفى رواية أخرى عند مسلم : «وإن ذهبت تقيمها كسرتها ، وكسرها طلاقها». وفى رواية : «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ، وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسره ، فدارها تعش بها». وفى رواية لأحمد : «المرأة كالضلع ، إن أقمتها كسرتها ، وهى يستمتع بها على عوج» ، وهذا التشبيه هو الأصح ، فهى لم تخلق من ضلع أعوج وإنما فيها ضعف أو عوج ، كأنما هى كالضلع الأعوج. ومدار كل ذلك الدعوة إلى التقويم برفق ، لا إفراط فيه ولا تفريط ، وأن لا تترك المرأة على اعوجاجها إذا تعدّت طبعها كأنثى ، إلى استخدام الأنوثة فى تعاطى المعاصى ، بمباشرتها ، أو بترك الواجب ، وإنما المراد أن تترك المرأة على اعوجاجها فى الأمور

٧٠٩

المباحة ، أى تكون على طبيعتها كامرأة ، وليس المطلوب منها أن تسلك كالرجال ، وإنما تكون فاضلة كفضليات النساء ، فالفضيلة مطلب الجنسين معا ، وهى محك ومعيار إنسانية الإنسان سواء كان رجلا أو امرأة. ومن سياسة الإسلام مع النساء العفو عنهن ، كقوله تعالى : (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) (٢٣٧) (البقرة) والصبر على عوجهن إن ظهر منهن العوج. وحديث : «المرأة خلقت من ضلع أعوج» ورد عند عبد الرزاق بما ينفى أنه من أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان أحدهم قد جاء إلى عمر بن الخطاب يشكو إليه خلق النساء ، فقال عمر : إنّا لنجد ذلك حتى أنى لأريد الحاجة (يعنى أن يذهب إلى الغائط) فتقول (يقصد زوجته) : ما تذهب إلا إلى فتيات بنى فلان تنظر إليهن! فقال له عبد الله بن مسعود عند ذلك : أما بلغك أن إبراهيم شكا إلى الله رديء خلق سارة فقيل له : إنها خلقت من الضلع. جالسها على ما فيها ما لم تر عليها خربة فى دينها! فقال له عمر : لقد حشا الله فى أضلاعك علما كثيرا! ـ وهذه الأحاديث ـ كما ترى ـ مفتراة ، فليس من خلق عمر ما تقوله عنه زوجته! وليس من خلق زوجات عمر أن يتقولن عليه هكذا! وواضح أنها جميعا أحاديث من الإسرائيليات. وفى حديث الضلع الأعوج مشابهة بالتوراة ، ففي الفصل الثانى من سفر التكوين ، يأتى بدءا من العبارة ١٨ : «وقال الربّ الإله لا يحسن أن يكون الإنسان وحده فأصنع له عونا بإزائه» ، يتحدث عن خلق المرأة وأنها ليسكن إليها الرجل فى وحدته ، ولتعينه على معيشته ، ثم يجيء : «فأوقع الربّ الإله سباتا على آدم فنام ، فاستل إحدى أضلاعه وسدّ مكانها بلحم ، وبنى الربّ الإله الضلع التى أخذها من آدم امرأة ، فأتى بها آدم ، فقال آدم ها هذه المرّة عظم من عظامى ، ولحم من لحمى. هذه تسمى امرأة لأنها من امرئ أخذت ، ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته ، فيصيران جسدا واحدا». فحديث الضلع الأعوج إذن إسرائيلى لا شك فى ذلك. وأما حقيقة خلق حواء فى القرآن فمثلها مثل خلق آدم. وحواء مسئولة كآدم ، على عكس التوراة فقد أسقطت عن آدم مسئوليته وقصرتها على حواء ، ففي الفصل الثالث من سفر التكوين يأكل آدم وحواء من شجرة المعرفة فتظهر لهما سوأتاهما ، فيخصفان عليهما من ورق الجنة ، وسألهما الربّ عن ذلك فقال آدم : «المرأة التى جعلتها معى أعطتنى من الشجرة فأكلت» ، فجعل الغواية من المرأة! وقالت المرأة : «الحيّة أغوتنى فأكلت» ، والحية هى الشيطان. وهذه الحكاية بهذه التفاصيل لم ترد فى القرآن ، ولم يرد فيه اتهام آدم لحواء ولا اتهام حواء للحيّة. وفى التوراة شمل التكليف بعدم الأكل من الشجرة آدم وحواء ، وكذلك القرآن ، فكان التكليف من نصيب الاثنين بلا فرق ، كقوله تعالى : (وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ

٧١٠

فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) (٣٥) (البقرة) ، وكانت الغواية لهما الاثنين معا : (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) (٢١) (الأعراف) ، ومن ثم عثر آدم وحواء معا ، كقوله : (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها) (البقرة ٣٦) ، وأضلهما معا : (فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ) (الأعراف ٢٢) ، واحتملا نتيجة المعصية معا ، وحاولا الإصلاح وسعهما معا : (فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) (الأعراف ٢٢) ، وتوجه لهما اللوم معا ، كقوله : (وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ) (٢٢) (الأعراف) ، واعتذرا معا ، واستغفرا الله معا ، وتابا إليه معا ، كقوله : (قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٢٣) (الأعراف) ، وطردا من الجنة معا ، كقوله : (فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ) (البقرة ٣٦) ، يشقيان معا فى الدنيا : (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (البقرة) ، وفى الدنيا يكون النسيان مرة أخرى للتكليف ، فينزل الله تعالى الرسل والنبيّين مذكّرا لهما معا ، ومحذّرا ومبشّرا ، كقوله : (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٣٩) (البقرة) فهذا هو الفرق بين الحكايتين فى الكتابين ، والنقص فى حواء ألصق بحكاية التوراة ، فأولى بحواء التوراة أن تكون الأقل دينا وعقلا ، وهو ما لا يوجد مثله فى القرآن! وفى حكاية القرآن مساواة تامة بين آدم وحواء ، والخطاب يتوجه إليهما معا ، وكلّ منهما كان حرا ومسئولا مسئولية كاملة ، وعقابه أو ثوابه يحتمله وحده ، وذلك منتهى العدل ، وغاية ما يبلغه التفكير السليم والمنطق القويم. ولذلك فإن هذه الأحاديث عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى اعوجاج المرأة ، وقلّة دينها وعقلها ، أقرب إلى التأثّر بما فى التوراة ، وخاصة حديث ابن عباس ، وإن كان قد زاد على حكاية التوراة أن ضلع آدم الذى خلقت منه حواء كان الأقصر الأيسر. وابن عباس ـ كما نحذّر دائما ـ من مروّجى الإسرائيليات!

وأيضا جاءت التوراة ، فى الفصل الثالث من سفر التكوين ، العبارة ١٥ : «وقال الربّ للمرأة : لأكثرنّ مشقّات حملك ، بالألم تلدين البنين ، وإلى بعلك تنقاد أشواقك ، وهو يسود عليك» ، والسيادة فى التوراة يقابلها القوامة فى القرآن ، فى قوله تعالى : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) (النساء ٣٤) ، وفرق بين السيادة والقوامة ، فى المنشأ ، وفى المعنى ، وفى التبعات. فالسيادة فى التوراة كانت للرجل إطلاقا ، وتأكدت كعقاب للمرأة بغوايتها للرجل ، فكأنما سحبت منها ذاتيتها فصارت أمة للرجل ، تتبعه وتأتمر بأمره ، ويتسيّد عليها. والقوامة فى

٧١١

القرآن أسبابها تعدّدها الآية نفسها ، تقول : (بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) (النساء ٣٤). والقوامة : هى أن ينهض الرجل على أعباء المرأة ، ويتولى تكاليف معيشتها ، وأن يكون فى تعامله معها على حالة رفيعة من الأدب ، وفى الحديث : «خيركم خيركم لأهله» ، فخير الرجال من كان أديبا مع زوجته. وقال الله فى الحقوق والواجبات للنساء : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (البقرة ٢٢٨) ، أى أنه تعالى يساوى بينهما فى الحقوق والواجبات بحسب الزمان والمكان. والدرجة التى خصّ بها الرجال لا تدخل ضمن حقوق الرجال ولكنها فيما خصّ به الله الرجال من الخلق ـ أى «القوة» وما يستتبعها من القيام بالعمل ، والإنفاق على الأسرة ، وتعويض المرأة بحبسها عليه ، وله على ذلك الفضل من الله فى الدنيا وفى الآخرة. وفى حديث معاوية بن حيدة ، عن أبيه ، عن جدّه ، أنه سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما حقّ زوجة أحدنا؟ قال : «أن تطعهما إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبّح ، ولا تهجر إلا فى البيت». وعن جابر أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال فى خطبته فى حجة الوداع : «فاتقوا الله فى النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف». وذلك ما أوصى به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو تفسيره لآية الضرب للنساء فى القرآن. وفى علم النفس ، وعلم الاجتماع ، وعلم الإجرام ، فإن من البديهى أن ينفعل الرجل وقد وطأ آخر امرأته ، أفلا يغار ويستشعر المهانة والعار؟ ذلك أمر من معقولات العلم الحديث ، وتفسير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم للضرب بأنه غير مبرح وكأنما هو للتخفيف من غلواء الرجل الجريح فى كرامته وشرفه ، فلا أقل من أن يعبّر عن غضبه بذلك الضرب الموصوف بأنه غير مبرح ، يعنى لا ضرر منه وإنما هو للتنفيس عن الثورة المحتدمة فى نفس الرجل. ولا ضرب إطلاقا فيما سوى ذلك! ثم إن الضرب لا يكون إلا لبذيئة اللسان ، الناشز ، ولنا فى القصاص حياة! والثواب والعقاب جزاء كل أعمالنا ، فى التربية ، وفى المرور ، وفى السلوك ، وفى الاجتماع. ولا تستقيم الحياة بدون ثواب وعقاب. ثم انظر إلى الاختلاف بين شريعة التوراة وشريعة القرآن فيما هو من سنة المسلمين ، فعن ابن عباس رضى الله عنه قال : إنى لأحب أن أتزيّن للمرأة كما أحب أن تتزيّن لى المرأة ، لأن الله يقول : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة ٢٢٨) ، والقوامة إذن فى القرآن تكليف وتشريف ، ومنهج وسلوك ، ومبدأ وتشريع ، وعلى عكس ذلك كانت فى التوراة بلا مبرر ، فما أسرع ما تعلل آدم عند مساءلته عن خطيئته بأنها من فعل حواء وبغوايتها ، فألقى المسئولية عليها دونه! وهذا لعمرى منتهى الظلم واللامعقول! ونعود إلى

٧١٢

الحديث عن النساء أنهن خلقن من ضلع أعوج ، فلم يرد فى القرآن أن حواء خلقت من آدم ، وإلا لكان الله تعالى قارن خلق المسيح بخلق حواء ولما قارنه بخلق آدم ، كقوله تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) (آل عمران ٥٩) ، فكان الأولى أن يقول : إن مثل عيسى عند الله كمثل حواء ، فحواء جاءت من آدم ، والمسيح جاء من مريم! والذى جاء فى القرآن قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) (الأعراف ١٨٩) ، يعنى أنه فى البدء خلق آدم ، ثم خلق حواء ، وقوله : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) (الذاريات ٤٩) يعنى أن كل المخلوقات من نباتات وحيوانات وإنسان أبدعها الله تعالى أزواجا ، فهذا قضاء الله وقدره منذ البداية : (إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى) (الحجرات ١٣) ، فلما خلق الله آدم جعل خلقه لحواء على نفس المنوال ، ثم كان خلقه للموجودات كلها أزواجا على نفس المنوال : السماء والأرض ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والبرّ والبحر ، والضياء والظلام ، والإيمان والكفر ، والموت والحياة ، والشقاء والسعادة ، والجنة والنار ، فهذا منهج الله وفعله فى الوجود ، ولم يأت أبدا أن حواء كان خلقها من ضلع لآدم ، وإنما جاء قوله : (وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ) (فاطر ١١) ، وقوله : (مِنْ طِينٍ) (الأنعام ٢) ، وقوله : (مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (٣٣) (الحجر) ، وهذه مراتب وما كان من الممكن أن يترك القرآن خبرا كهذا ـ خلق حواء من ضلع آدم ـ من غير أن يورده! والغواية وقصة آدم وحواء من قصص التوراة ولا وجود لها فى القرآن ، ومن يستحضرها فهو متأثر بالغزو الدينى اليهودى. وحتى اسم حواء لا وجود له فى القرآن وهو اسم من التوراة. فيا أخى المسلم ويا أختى المسلمة احذرا ، فإلى هذا الحدّ كان الغزو الدينى اليهودى متغلغلا فى كتب تفسير القرآن عند المسلمين! ولاحظا الفروق بين وضع المرأة المتردّى فى التوراة ، بل ووضع الرجل أيضا ، وبين وضعهما الراقى والمتسامى فى القرآن. والدأب فى القرآن أن الرجل والمرأة كلاهما على سواء ، وعن عائشة ، عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنما النساء شقائق الرجال» ، ومعنى شقائق أنهن نظراؤهم وأمثالهم ، فلا تمايز ولا تباين إلا ما قد فرضه عليهن فى الخلقة ، واستتبعه ما كان لهن من الجبلّة ، فتشابهت المنازع ، وتخالفت الدوافع ، وإلّا فلا سيادة ولا إمارة للرجال ، إلا بقدر تفاضل البعض ، وبما عليهم من فروض وواجبات.

* * *

١٦٢٢ ـ معنى الحديث عن المرأة «فدارها تعش بها»؟

فى الحديث عن سمرة بن رافع عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خلقت المرأة من ضلع ، فإن تقمها تكسرها ، فدارها تعش بها» أخرجه ابن حبان والحاكم والطبرانى فى الأوسط. ومعنى المداراة المجاملة والملاينة ، فالحديث إذن يعظ بمعاملة المرأة بالحسنى ، وليس من ذلك

٧١٣

تقبيحها ، أو إهانتها ، أو ضربها ، وفيه الاعتذار عمّا قد يصدر عنها وفيه ما يخالف سياسة زوجها أو أبيها ، والحديث يحضّ على قبول المرأة على طبيعتها ، فليست الأنثى كالذكر ، ولكلّ تكوينه النفسى والبدنى والفسيولوجي والوظيفى ، وعلى الرجال أن يأخذوا ذلك فى اعتبارهم عند التعامل مع النساء. ومعنى : «إن تقمها تكسرها» هو المعنى نفسه الذى يقصد إليه علماء النفس والطب النفسى بمصطلح إبادة الشخصيةamputation of personality ، فأن نحاول التغيير من طبيعة المرأة لنجعلها تسلك كالرجال فذلك هو التشويه للهوية ، وللدور الجنسى والنفسى والاجتماعى للمرأةgendre ، فتدرج لذلك ضمن الشواذ. فهل نريد نساء من الشواذ؟! سبحان الله!

* * *

تابع الإسلام الاجتماعى

* * *

ثانيا : النكاح والزواج فى القرآن

* * *

النكاح والزواج بمعنى واحد ، وكلاهما من مصطلحات القرآن ؛ والزواج اسم شائع وهو من شرعة الإسلام ، بينما النكاح اسم اصطلاحى ، ويأتى النكاح فى القرآن ٢٣ مرة ، بينما يأتى الزواج ٨٢ مرة. والنكاح فى اللغة : بالضم هو التداخل ، ويقال للفرج نكح ؛ والنكاح بالكسر يقال للوطء ، وسمى به عقد الزواج ، لأن النكاح سبب له ، وكل زواج لا يتم إلا بالنكاح ، لأن الزواج فى اللغة : هو الاقتران ، بمعنى أن يختار المرء لنفسه شريكة حياة ، ويقال للرجل تزوّج ، وللمرأة تزوجت ، أى تأهّلت ، فصار لكل منهما قرين أى زوج ، والزواج على ذلك مشاركة فى الخصال النفسية ، والزوج هو المكمّل لصاحبه ، وذلك معنى : (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) (الأعراف ١٨٣) ، يعنى الذكر والأنثى. وعند ما يقال إن فلانا نكح فلانة : يعنون أنه عقد عليها ، فإذا قالوا : نكح زوجته ، يعنون الوطء. وأصل النكاح لزوم شىء لشىء مستعليا عليه ، ويكون فى المحسوسات والمعانى ، فإن شئت فى المحسوسات فهو الوطء ، وإن شئت فى المعانى فهو الزواج ، أى الاقتران والعقد. والنكاح والزواج فى كل المخلوقات ، تقول : نكح المطر الأرض أى رواها ؛ ونكح النعاس عينيه. والنكاح فى الشرع : هو العقد الذى يجيز الوطء ، ويكثر وروده فى القرآن بهذا المعنى حتى قيل إنه لم يرد منه إلا بمعنى العقد ، إلا فى قوله تعالى : (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا

٧١٤

بَلَغُوا النِّكاحَ) (النساء ٦) فإن المراد به الحلم. واختيار اسم النكاح كناية وهو أليق من اسم الجماع ، ومن ذلك فى القرآن تأتى كثير فى الأسماء بهذا المعنى ، كالملامسة ، تعنى الجماع : كقوله تعالى : (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) (النساء ٤٣) ؛ والمماسة : كقوله : (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ) (الأحزاب ٤٩) ؛ والقرب : كقوله : (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (البقرة ٢٢٢) ؛ والتغشّى ، كقوله : (فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ) (الأعراف ١٨٩) ؛ والإتيان : كقوله : (أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ) (النمل ٥٥).

* * *

١٦٢٣ ـ النكاح من المرغوبات فى الإسلام

فى الرواية عن الرهط من المسلمين الذين اجتمعوا يتذاكرون ، فسألوا عن عبادة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتقالّوها ، وقال أحدهم : أما أنا فأصلى الليل أبدا ؛ وقال آخر : وأنا أصوم الدهر ولا أفطر ؛ وقال آخر : وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ؛ فجاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنى لأخشاكم وأتقاكم له ، ولكنى أصوم وأفطر ، وأصلى وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنّتى فليس منى»! أخرجه البخارى بطريق أنس. «وتقالّوها» يعنى استقلّوها ؛ والرهط الجماعة ، قيل كانوا عشرة وزعموا أنهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلىّ ، وابن مسعود ، وأبو ذرّ ، وسالم مولى أبى حذيفة ، والمقداد ، وسلمان ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، ومعقل بن مقرن ، وبعض هذه الأسماء غير صحيح ، بل إن بعضها أبعد ما تكون عمن يمكن أن يفعلوا ذلك ؛ وقيل : كان اجتماعهم فى بيت عثمان بن مظعون ، والواقع أنه هو الوحيد الذى كان يفعل ذلك. وقيل : أنهم اتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ، ولا ينامون على الفرش ، ولا يأكلون اللحم ، ولا يقربون النساء ، وأن يجبّوا مذاكيرهم! والحديث فيه تعريض بالرهبانية ، وقد عابها الله تعالى عند النصارى ، بأنهم لم يوفّوا بما التزموه بها ؛ والسنّة ـ طريقة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، هى الحنيفية السمحاء ، والمسلم السنّى : يفطر ليتقوّى على الصوم ، وينام ليتقوّى على القيام ، ويتزوّج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل ؛ وقوله «فليس منى» : يعنى قد خرج على سنّتى ولكنه لم يخرج عن الإسلام.

والنكاح : عبادة ، وقد حضّ عليه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الشباب فقال : «يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» أخرجه البخارى بطريق علقمة ، وفى رواية قال : «من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغضّ للبصر ، وأحصن للفرج» والحديث خصّ الشباب بالخطاب ، لأن داعى النكاح فيهم أقوى منه فى الشيوخ ؛ والباءة أو الباهة : هى النكاح أو الجماع ، وهى أيضا لوازم الزواج ومؤنته ، لأن من شأن

٧١٥

من يتزوج أن يبوّئ من يتزوجها منزلا وينفق عليها ، والذى لا يقوى على الجماع ، أو ليس بوسعه مؤنته ، فعليه بالصوم يدفع به شهوته ، ويقطع شرّ منيّه. وقوله من «استطاع منكم الباءة» يقسم الشباب قسمين : أحدهما من يتقدمون إلى الزواج ولهم اقتدار عليه ، فهؤلاء ندبهم إلى أن يتزوّجوا دفعا للمحذور ؛ والآخر الشباب الذين لا قدرة لهم على الوطء ، لفرط حياء ، أو عدم شهوة ، أو بسبب عنّة ، أو لأنهم لا يجدون شيئا يتزوجون به ويعولون به زوجاتهم ، فندبهم إلى التعفّف ، وأن يستمروا على حالهم. والتقوى سبب لغض البصر وتحصين الفرج. والزواج أشد غضّا ، وأشد إحصانا للفرج ، ومنعا للوقوع فى الفاحشة. والصوم الموصوف كعلاج لغير المستطيع من شأنه كسر الشهوة ، والصائم عن النساء يمتلك نفسه ، وبالجوع تقل فرص استثارة شهوته ، وهو المقصود بقوله فإنه «له وجاء» : والوجاء فى اللغة رضّ الأنثيين ، أى الخصيتين ، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة. ومن لا تجتمع له فوائد الزواج ، ولم تنتف آفاته ، فترك الزواج له أفضل. غير أن الأحاديث فى الزواج كثيرة ، ومن ذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا رهبانية فى الإسلام» ، وقوله : «تزوّجوا الودود الولود» ، وقوله : «تناكحوا تكاثروا» ، وقوله : «تزوجوا فإنى مكاثر بكم الأمم ولا تكونوا كرهبان النصارى» ، وقوله : «من لم ينكح فليس منا» ، وقوله : «إنما يمنعك من التزويج عجز أو فجور» ، وقوله : «النكاح سنّتى ، فمن رغب عن سنتى فليس منى» ، وقوله : «من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه ، فليتق الله فى الشطر الثانى». والقول بالصيام استعفافا أراد به اتخاذ عبادة الصيام كبديل لعبادة الزواج. وشهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل ، وتقوى بقوته ، وتضعف بضعفه. ولا ينبغى أن نفهم أن استخدامه لمصطلح الوجاء أنه يقول بالخصاء كما طالب البعض ، فالخصاء محرّم ، والتقوى كبديل للزواج مثلها مثل تعاطى المسكّنات ، والأحاديث تحصر العلاج لمن لا يستطيع الزواج ، فيما يسمى فى الطب النفسى «العلاج بالإرادة» ، وهو أن يروض نفسه على غضّ البصر وتحصين الفرج بكل ممكن طالما لا يستطيع الزواج ، مع عدم التكليف بغير المستطاع ، ويحرم الاستمناء بالتبعية كبديل للزواج ، لأنه ليس صوما يقطع الشهوة ، والحنابلة وبعض الحنفية يبيحون الاستمناء ، إلا أن الاستمناء فى الطب النفسى يصيب صاحبه بالنهك العصبى ، أو النيوراستينيا ، فكأنه يستعين على تحاشى ضرر بما هو أضرّ منه.

* * *

١٦٢٤ ـ الزواج سنّة المرسلين

قيل : عاب اليهود على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كثرة الزواج ، وقالوا : ما نرى لهذا الرجل همّة إلا

٧١٦

النساء والنكاح ، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء؟ فأنزل الله : (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً) (الرعد ٣٨) ، والآية ترغّب فى النكاح وتحضّ عليه ، وتنهى عن التبتّل : وهو ترك النكاح. وفى الآية أن الزواج : «سنّة المرسلين». ومن سنّة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الزواج قوله : «تزوّجوا فإنى مكاثر بكم الأمم» ، وقال : «من تزوّج فقد استكمل نصف الدين فليتق الله فى النصف الثانى». وكانت لسليمان وداود الزوجات والسرارى ؛ وتزوج موسى امرأتين ، وإبراهيم تزوّج امرأتين بخلاف السرارى ؛ ويعقوب كانت له زوجتان بخلاف السرارى ؛ وتزوج نوح ، ولوط ، وشعيب ، وإسحاق ، وهارون ، ولا نعرف ممن لم يتزوج من المرسلين إلا عيسى ويحيى ، وكانا حصورين ، أى لا يأتيان النساء.

* * *

١٦٢٥ ـ التبتل مكروه فى الإسلام

التبتّل : المراد به الانقطاع إلى العبادة عن النكاح وما يتبعه من الملاذ. وفى الحديث عن سعد بن أبى وقاص : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ردّ على عثمان بن مظعون التبتل. والتبتل : فى رأى البعض تحريم النساء ، والطيب ، وكل ما يلتذ به ، ولهذا أنزل الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) (المائدة ٨٧). والتبتل : خصاء نفسى وليس خصاء على الحقيقة ، وبعض المسلمين الأوائل فهموا التبتل أنه خصاء على الحقيقة. وفى حديث سعد السابق قال : ولو أجاز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعثمان التبتل لاختصينا».

* * *

١٦٢٦ ـ الخصاء منهىّ عنه فى الإسلام

فى الحديث عن ابن مسعود فيما رواه البخارى قال : كنا نغزو مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وليس لنا شىء ، فقلنا : ألا نستخصى؟ فنهانا عن ذلك». والخصاء : هو الشق على الأنثيين ، أى الخصيتين ، وانتزاعهما. والذى يكره من التبتل السابق ليس تحريم التبتل من أصله ، وإنما نوع التبتل الذى يفضى إلى التنطّع حتى إمكان الاختصاء. والخصاء جائز فى الحيوان المأكول ، ولكنه غير جائز أن يمارسه المسلم على نفسه ، أو على غيره من البشر. وعند الطبرانى من حديث عثمان بن مظعون : أنه قال يا رسول الله إنى رجل تشق علىّ العزوبة ، فأذن لى فى الخصاء؟ فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا ، ولكن عليك بالصيام». ومن طريق سعيد بن العاص ، أن عثمان بن مظعون قال : يا رسول الله ائذن لى فى الاختصاء؟ فقال له : «إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة.» والحكمة فى منع الاختصاء إرادة «تكثير النسل» عند المسلمين ، ليستمروا يجاهدون فى سبيل الله ، ولو أذن لهم فى الاختصاء لتواردوا عليه فينقطع النسل ، ويقل المسلمون بانقاطعه ، وتنتهى عبادة الله فى الأرض.

٧١٧

وكل الرسل بعثوا برسالة واحدة : أن يعبد الله. والنهى عن الاختصاء نهى تحريم بلا خلاف ، فلا يجوز فى بنى البشر ، لأنه تعذيب للنفس ، وتشويه للبدن ، وإدخال ضر يفضى إلى الهلاك ، وإبطال لمعنى الرجولة ، وتغيير لخلق الله ، وكفر بالنعمة. والرجل الذى يختار الاختصاء ، إنما يختار النقص على الكمال. ومن حديث ابن عباس عند الطبرانى : أن رجلا شكا إلى رسول الله العزوبة فقال : ألا أختصى؟ قال : «ليس منا من خصى أو اختصى».

* * *

١٦٢٧ ـ لعنته تعالى على الممتنع عن الزواج رهبانية

فى الحديث عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على رجل تحصّر ، ولا حصور بعد يحيى بن زكريا». رواه عطية بن بشر وأخرجه الديلمى. ونضيف : ولا حصور بعد المسيح ، لأن المسيح أتى بعد يحيى. والتحصّر : هو الإمساك عن الزواج رهبانية ، وكان النبىّ يحيى بن زكريا حصورا عصمه الله ، لا يأتى النساء ، ولا رغبة له فيهن ، وكذلك كان عيسى ابن مريم.

* * *

١٦٢٨ ـ الزواج سنة محمد والسنّة فطرة

فى الحديث عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من أحبّ فطرتى فليستن بسنّتى» ، رواه أبو يعلى عن ابن عباس. والزواج فطرة الله التى فطر الناس عليها (فاطر ١١) وكل ما خلقه الله جعل منه الذكر والأنثى (النجم ٤٥) ، وزواج بينهما ، فالنبات أزواج (يس ٣٦) ، والفواكه أزواج (الرعد : ٣) ، والأنعام أزواج (الشورى ١١) ، وكل شىء خلقه أزواجا (الذاريات ٤٩) والزوجية جعلها الله تعالى سكنا (الروم ٢١) ، وكل نفس خلق منها زوجها ، أى نظيرها ومثيلها وشبيهها. والزواج سنّة دعا إليها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأكد بها الفطرة ، وجعلها الله شرعة الإسلام.

* * *

١٦٢٩ ـ من كانت فترته إلى السنّة وتزوج فقد اهتدى

فى الحديث عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن لكل عمل شرّة ، والشرّة إلى فترة ، ومن كانت فترته إلى سنّتى فقد اهتدى ، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضلّ». رواه ابن عباس وأخرجه البزّار. يقصد : أن الجنس الذى هو فى فطرة الإنسان ، له وقت تزداد فيه شرّته أو حدّته ، والشّرّة تستنفد فترتها أو وقتها وزمانها وهو الشباب ، وشباب كل امرئ إلى انقضاء ، وشرّة الجنس مآلها إلى الأفول حتما ، فلنبتهل الفرصة ، ولنتحيّن الوقت ، ولنكن على الفطرة

٧١٨

والسنّة ونتزوج ، ومن كان على الفطرة والسنة فقد اهتدى ، ومن سار على غير ذلك فقد ضلّ.

* * *

١٦٣٠ ـ مسكينة امرأة لا رجل لها ومسكين رجل لا امرأة له

عن أبى نجيح أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «مسكين مسكين مسكين رجل ليس له امرأة ـ وإن كان غنيا من المال. ومسكينة مسكينة مسكينة امرأة ليس لها زوج ـ وإن كانت غنية من المال» رواه البيهقى فى شعب الإيمان.

* * *

١٦٣١ ـ الزواج واجب على القادر

وعن النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من كان منكم ذا طول فليتزوج ، فإنه أغض للطرف وأحصن للفرج ، ومن لا يستطيع الزواج فإن الصوم له وجاء» رواه عثمان وأخرجه أحمد. والطّول هو القدرة ، وغضّ الطرف هو كفّ البصر أو تخفيف النظر ؛ وإحصان الفرج هو التعفف عن الزنا.

١٦٣٢ ـ الموسر الذى لا ينكح ليس على الإسلام

فى الحديث عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من كان موسرا لأن ينكح ، ثم لم ينكح ، فليس منى» رواه أبو نجيح وأخرجه الطبرانى فى الكبير ؛ وعند البيهقى فى شعب الإيمان ، والبغوى ، جاء : «فليس منا» بدلا من «ليس منى» ، وفى الأولى : «فليس منا» ، يعنى فليس على الإسلام ، وفى الثانية : «فليس منى» ، يعنى فليس على سنّة محمد.

* * *

١٦٣٣ ـ دين محمد وداود وسليمان وإبراهيم يشترط الزواج

عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من كان على دينى ، ودين داود ، وسليمان وإبراهيم ، فليتزوج إن وجد إلى النكاح سبيلا ، وإلّا فليجاهد فى سبيل الله ، إن استشهد يزوّجه من الحور العين ، إلّا أن يكون يسعى على والديه أو فى أمانة للناس عليه» روته أم حبيبة وأخرجه ابن لال. فأما دين محمد فدعوته إلى الزواج مثنى وثلاث ورباع ، فإن خيف الجور للضرائر ، والعيلة ـ أى الفقر مع كثرة العيال ، فواحدة ـ وذلك هو الأحسن ، والأوفق ، والأفضل ، والأنسب. وقيل توفى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وله تسع أزواج ، والصحيح أن أزواجه اللاتى كنّ أربعا فقط ، وهن : عائشة وحفصة ، وأم سلمة ، وزينب بنت جحش ، وأما الباقيات فكن سرارى ، وبعضهن أضافهن إليه كرما منه أو ليسلم أقوامهن ؛ وأنجب أربع بنات وولدين ، فكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى النساء والأولاد مقلّا كما ترى ، مقارنة بغيره من الأنبياء والرسل ، فداود تزوج عشر

٧١٩

زوجات خلاف عشر سرارى ، وكانت له زوجتان فى السبى ، وزوجة فى شيخوخته لم يقربها ، وأنجب تسعة عشر ولدا بخلاف أولاد السرارى ، وأنجب ابنته تمارا من زوجته الحيثية أم سليمان ، ولم يكن هو أول من اتخذ زوجة أجنبية ، فموسى تزوج حبشية ، وأما سليمان فكانت له سبعمائة زوجة وثلاثمائة سرية ، وفى الغالب فإن هذه الأرقام مبالغ فيها ، والعرب واليهود على السواء يحبون الأرقام مثل السبعة والسبعين ، والألف ، والثلاثمائة وهكذا. ومن زوجات سليمان أخت زوجة فرعون مصر ، وابنة فرعون مصر والواقع أنهما ما كانتا مصريتين ، بل هما من الجنس الأشورى الذى كان يحتل أرض جاسان من الدلتا ـ وهى محافظة الشرقية الآن ، ولفظة فرعون ليست مصرية. وقيل إن ابنة فرعون كانت هى الزوجة الأثيرة عنده ، كما كانت الحيثية هى الزوجة الأثيرة لأبيه داود. وأما إبراهيم فكانت زوجاته ثلاثا : سارة وهاجر وقطورة ، ولم تكن هاجر سرية ولا كالسرارى ، وابنها إسماعيل لم يكن كأبناء السرارى. وفى الحديث أن الزواج فريضة القادر. والزواج شرعة اليهود ، ولا حدود عندهم لعدد الزوجات ، وللرجل أن يطلّق ما يشاء ، وأن يراجعها بعقد جديد ما لم تتزوج بآخر. ودعت النصرانية إلى البتولة والرهبانية ، ومن لم يستطع «فالزواج خير من التحرّف» (بولس إلى أهل كورنتس ٧ / ٩).

* * *

١٦٣٤ ـ الزواج سكن

فى البدء خلق الله آدم ولم يكن غيره من البشر ، ومن آدم خلقت حواء ، لا من ضلع آدم كما يقول اليهود وإنما من نفسه ، أى من ذاته ، بمعنى من جوهره وهويته ، كقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (١٨٩) (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الأعراف) : والآية توجز قصة خلق البشر ، وقصة الإيمان : فآدم هو أبو البشر ، وكلهم من ذاته ، الذكور والإناث على السواء ، وحواء من ذاته وكذلك بنات جنسها ، وغاية المزاوجة فى الجنس : أن يسكن كل جنس إلى جنسه ، والسكن أنس وطمأنينة ، فلما تحقق السكن نفسيا كان السكن البدنى ، فأنتج الذرية ، والمرأة والرجل لا ينتجان إلا إذا كانت بينهما السكينة ، وهى المناخ النفسى والفيزيائى الذى بدونه لا صلاح للذرية ، وواو الجماعة فى قوله «دعوا الله» عائد على آدم وحوّاء ، ، إلا أن الدعاء يأتيه الأبناء كما يأتيه الآباء ، ورغبة الصلاح شاملة للجميع ، ولذا كان التعبير بواو الجماعة. ولأن الحمل كان فى جو من السكينة فإنه كان خفيفا ، والصلاح فى الذرية هو السوية فى التنشئة ، وشأن آدم وحواء شأن كل بنى البشر ، يدعون فى الشدة وينسون ربّهم

٧٢٠

فى النعمة. وربما قوله «خلقكم من نفس واحدة» يعنى من هيئة واحدة ، وشكل واحد ، و «جعل منها زوجها» أى من جنسها من البشر ، وقوله : «فلمّا تغشّاها» يعنى جامعها ، فكان حالها فى الجماع كأنها قد ألمّت بها غشية. والآية بهذا الإيجاز معجزة ، وتلخص أشياء كثيرة ، وقوله : (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ) هو أصل الحديث : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة ـ أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» ، والحديث عن كل البشر ، وكذلك الآية عامة لكل البشر بعد آدم ، ودليل على أن الحمل كالمرض ، أو أنه فى أوله يسر ، وفى آخره كأن الحامل مريضة ، ولذا يكون الدعاء.

* * *

١٦٣٥ ـ الزواج مودة ورحمة

قال تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم ٢١) ، والمراد : أن الجنسين بالفطرة يتكاملان ، وكمال المرأة بالرجل ، وكمال الرجل بالمرأة ، والنفس ذات ، يعنى جوهرا وهوية ، والتوافق فى الزواج هو أن يكون الزوجان كالذات الواحدة ، وعند الفلاسفة أسطورة تقول : إنه فى البدء خلق الإنسان ، وكان وحده ولم يك معه أحد من نوعه ، ثم أنه أخطأ فعوقب بأن شقّ نصفين ، فكان منه إنسانان ، رجل وامرأة ، وكانا بعيدين ابتلاء ، فكل منهما بمنأى عن الآخر ، وعليهما أن يبحث كلاهما عن صاحبه ، وكلّ بحسب نيّته ، فمن كان صالحا عثر على صاحبته الصالحة ، ومن كان فاسدا ظل يختار لنفسه عن خطأ ولا يجد بغيته ونصفه الآخر المكمّل له. والقرآن يعبّر عن التوافق بمصطلح «السكينة» ، واصطلاح القرآن أروع وأعمق من المصطلح النفسى «التوافق» ـ وهو ضد «التخالف» ويعنى التقارب والتساند ؛ وأما «السكينة» : فهى الطمأنينة ، تقول سكن إليه أى ارتاح ؛ والسكن كل ما يستأنس به ، وهو الرحمة والبركة ، وتقول سكن عنه الوجع : فارقه ؛ وسكن الدار أقام فيها مطمئنا ، والساكن : هو الشاغل للعين استقرارا واطمئنانا. والزواج فيه كل ذلك إذا توافق الزوجان ، يعنى إذا كانا من هيئة واحدة ، ولهما التكوين النفسى المتشابه والمتآلف. فإذا سكنا إلى بعضهما تولدت المودة التى هى المحبة ، وعندئذ تتولد الرحمة بنفسيهما ، فيرحم كل منهما الآخر ، والرحمة أوسع من المودة ، والمودة أشمل من المحبة ، والود والوداد هو المحبة الكثيرة ، والودود هو الكثير الحبّ ؛ وأما الرحمة : فهى الرقة ، والشفقة ، والعطف ، والعفو ، والمغفرة ، والإحسان ، واشتقاقها من اسمه تعالى «الرحمن الرحيم» ، ومنه اشتقاق الرحم ، لأنه لا أرحم بالإنسان بعد الله من الرحم أى الأمّ ، والذى قال إن الرهبوت خير من الرحموت ،

٧٢١

أى أن ترهب خير من أن ترحم ، هو أحمق ، لأن الرحمة هى المادة الربّانية التى خلقت منها كافة المخلوقات ، وذو الرحم هو ذو القرابة ، والمخلوقات جميعها ذات قرابة ، والرحمة هى التاج المعلّى على رأس الأسرة الموفّقة. وقوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها) (الروم ٢١) يعنى : أن أول ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها ، فتحدث المحبة ، ثم المودة ، ثم تكون الرحمة هى الآصرة الأبقى.

* * *

١٦٣٦ ـ الزواج يعصم ثلثى الدين

عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «إذا تزوج أحدكم عجّ شيطانه ، يقول : يا ويله! عصم ابن آدم منى ثلثى دينه» رواه جابر ، وأخرجه أبو يعلى فى مسنده.

* * *

١٦٣٧ ـ أىّ النساء خير للزواج؟

روت عائشة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما أخرجه ابن ماجة ، أنه قال : «تخيّروا لنطفكم ، وانكحوا الأكفاء» ، وموضوع الحديث مما يتناوله علم الوراثة ، باعتبار أن صفات الأبوين يرثها الأبناء ، فالواجب انتقاء الأزواج والزوجات. ممن تعرف عنهم أو عنهن الصفات الحسنة. وفى الحديث عن أبى هريرة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش : أحناه على ولد فى صغره ، وأرعاه على زوج فى ذات يده» ، وقوله «نساء قريش» باعتبار الزمن الماضى ، والمقصود النساء عموما ، أنه كلما كان نسب المرأة أعلى كان ذلك مستحبا للزواج منها ، والكفاءة فى النسب مطلوبة ، والصلاح هنا حسن المخالطة مع الزوج ، وأصلح النساء هى : الشفوقة الحنية على الصغار ، والقائمة عليهم بالتربية ، والراعية لزوجها ، والمدبّرة لأمور بيتها. وعن أبى هريرة ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «تنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ، وجمالها ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك» ، وفى رواية عند سعيد بن منصور جاء أنه قال : «على دينها ومالها ، وعلى حسبها ونسبها» ، فالنسب والحسب مطلوبان ، والنسيب يستحب له أن يتزوج نسيبة ، إلا أن تكون على تعارض مع دينه ، بينما غير النسيبة قد تكون على دينه ؛ وأما «ذات الدين» فإنها «ذات الخلق» ، والتى على غير دين ليست على خلق ، ومن أين يتأتى الخلق إن لم يكن من الدين؟ والذكاء مطلوب فى الزوج والزوجة على السواء ، ومعنى أنهما على خلق ودين أنهما ذكيّان ، والدين والخلق من الذكاء ، وذات الخلق أو ذات الدين مقدّمة على غير ذات الخلق أو الدين. وهكذا فى كل الصفات ، غير أن فى الحديث عن بريدة فيما أخرجه أحمد أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنّ حسب أهل

٧٢٢

الدنيا الذى يذهبون إليه : المال» ، والمراد بالحديث : أن المال حسب من لا حسب له ، ومن ذلك حديث سمرة : «الحسب المال ، والكرم التّقوى» أخرجه أحمد ، باعتبار أن من شأن أهل الدنيا رفعة من كان كثير المال ولو كان وضيعا ، وضعة من كان مقلا ولو كان رفيع الصفات الباقية ؛ إلا أن المال إلى زوال ، ويبقى الدين والخلق ؛ والحسب بلا دين ولا خلق ، كشأن المال بلا دين ولا خلق. والحسب مطلوب حتى فى الحيوان : فيختار للتزاوج ما كانت له شجرة عائلة سليمة وعظيمة الصفات ، وكذلك عند التلاقح فى الحشرات ، وللتهجين فى النبات. ومن الصفات المطلوبة «الجمال» ، إلا أن الجمال بلا دين أو أخلاق مفسدة ، مثل المال والحسب والنسب ، فالدين والأخلاق هما الصفتان الحاكمتان والضابطتان لكل الصفات ، والمال بلا دين باب لارتكاب المعاصى والرذائل ، والحسب والنسب بلا دين طغيان واستبداد ، وإنزال للمظالم بالناس ، ولم يحث الحديث على طلب الجمال والمال والحسب والنسب ، وإنما طلب ذلك كله محروسا بالدين وبالأخلاق. والجميلة المطلوبة : هى الحسنة الذات ، والحسنة الصفات. والكفاءة فى الزواج : هى أن يتعادل الزوج فى كل ذلك مع الزوجة ، ومع ذلك قد يقارن بين زوج حسن الشكل ، وآخر عادى ولكنه متدين وعلى خلق متين ، فتختار الذكية الزوج المتدين متين الخلق ، على الزوج الجميل من غير خلق ولا دين يتميّز بهما ، وكان المقداد بن الأسود من الموالى وتبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهرى لما فيه من صفات رفيعة ، وتزوج المقداد ضباعة وهى هاشمية ، فلو كانت الكفاءة بالنسب فقط ، أو بالشكل فقط ، أو بالمال فقط ، لما تزوجته ، ولما جاز له أن يتزوجها ، لأنها فوقه فى النسب والمال والجمال معا. وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فاظفر بذات الدين» أو «عليك بذات الدين» معناه : أن اللائق بذى الدين والخلق ، أن يكون الدين والخلق مطمح نظره فى كل شىء ، وخاصة فى شريكة عمره أو شريك عمرها ، فأمره النبىّ أن يختار فى الزوجة الصفات الذاتية ويؤثرها على الصفات العارضة. وفى الحديث عن عبد الله بن عمر عند ابن ماجة أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تزوّجوا النساء لحسنهن ، فعسى حسنهن أن يرديهن ـ أى يهلكهن. ولا تزوجوهن لأموالهن ، فعسى أموالهن أن تطغيهن ؛ ولكن تزوّجوهن على الدين ، ولأمة سوداء ذات دين أفضل». وقوله «تربت يداك» فى الحديث الأسبق أى التصقتا بالتراب ، أى افتقرتا إن لم تفعل ذلك. ومعنى الحديث أن هذه الخصال الأربع هى التى يرغب فى نكاح المرأة من أجلها ، والدين أعظمها. وزواج المرأة لمالها إن اختاره مسلم لا ينبغى أن يكون بقصد أن يستمتع بمالها ، وإنما لما عساه أن يحصل له منها من الولد فيعود عليه ذلك المال بطريق الإرث ، أو لكونها تستغنى بمالها عن كثرة مطالبته بما يحتاج إليه النساء. والحديث فيه أن المقل يجوز له أن يتزوج المثرية ، وأن المثرى كذلك يجوز له أن يتزوج المقلة ، وعاب القرآن

٧٢٣

على الناس فى الآية : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ) (النساء ١٢٧) رغبتهم أن ينكحوا اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال ، فإذا افتقدت ذلك رغبوا عنها وأخذوا غيرها ، فعسى الجمال أن يصرف صاحبته عن الخلق ، وعسى المال أن يطغيها ، ولربما تكون اليتيمة المقلّة ، أو الأمة السوداء ، هى الأفضل إذا كانت ذات دين. وفى الحديث : «الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة» ، وصلاح المرأة يفسّره الحديث الآخر : «المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرّته ، وإذا غاب عنها حفظته ، وإذا أمرها أطاعته» ، والحديث : «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عزوجل خيرا من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته ، وإن نظر إليها سرّته ، وإن أقسم عليها أبرّته ، وإن غاب عنها حفظته فى نفسها وماله» ، ومن أجل ذلك قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تخيّروا لنطفكم فإنّ العرق دسّاس» ، وقال : «إياكم وخضراء الدمن» ، قيل : يا رسول الله! وما خضراء الدمن؟ قال : «المرأة الحسناء فى المنبت السوء». ومهما قيل عن هذه الأحاديث أنها موضوعة أو ضعيفة ، فإنها وغيرها من أحاديث أخرى وقصص وروايات قوية الإسناد ، تلخّص وتنبّه إلى آداب اختيار الزوجة فى الإسلام ، وليس من ذلك شىء فى اليهودية ، سوى النهى عن زواج البغى ، وتحريم المطلّقة على الكهنة (الأحبار ٢١ / ٧) ، وفى المسيحية يوعظ باختيار الزوجة المطيعة والمحتشمة (بطرس : الرسالة الأولى (٣ / ١ ـ ٣). فافهم يا أخى المسلم ، وافهمى يا أختى المسلمة ، كم هو عظيم ما اختاره الله لنا من الدين ، والحمد لله ، وله المنّة.

* * *

١٦٣٨ ـ الطيّبات للطيّبين والطيّبون للطيّبات

الطيبات : هن العفائف ، يقول تعالى : (الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ) (النور ٢٦) ، والخبيثات : هن الزوانى ، والآية مبنية على قوله تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (النور ٣) ، ومقصد هذه الآية الأخيرة تشنيع الزنى وتبشيع أمره ، وأنه محرّم على المؤمنين ، واتصال هذا المعنى بالآية «الخبيثات للخبيثين» حسن وبليغ ، فالزانى لا يطأ فى وقت زناه إلا زانية سواء من المسلمات ، أو من المشركات ، أى لا يكون زناه إلا بزانية مثله ، ومن ثم كان الزنا من جهتى الرجل والمرأة سواء. وفى الحديث : «لا ينكح الزانى المحدود إلا مثله» (والمحدود هو الذى حدّ على الزنا) ، فمن زنا بامرأة فهو الذى يمكن أن يتزوجها ، وهذا معنى «الخبيثات للخبيثين» ، وليس المراد بالآيتين أن الزانى أو الخبيث لا ينكح قط إلا زانية أو خبيثة ، فهو بالتأكيد يمكنه أن يتزوج غير زانية ، ولكن المعنى أن من تزوج بزانية فهو زان ، وكأنه قال : لا ينكح الزانية إلا زان ، فقلب المعنى ، وذلك أنه لا ينكح الزانية إلا وهو راض بزناها ، ولا يرضى بذلك إلا إذا كان هو أيضا زان.

* * *

٧٢٤

١٦٣٩ ـ موانع الزواج

الموانع قسمان : نسب وسبب : والنسب : أن يعدّ الشخص من الأرحام والأقارب ؛ والنسب الممنوع سبعة : الأم : وتشمل الجدّات لأب أو لأم ؛ والبنات : وتشمل بنات الابن وبنات البنت وإن نزلن ؛ والأخوات : وتشمل الأخوات لأب أو لأم ، أو لهما معا ؛ والعمّات : وتشمل عمّات الآباء والأجداد ؛ والخالات : وتشمل خالات الآباء والأجداد ؛ وبنات الأخ وإن نزلن ، وبنات الأخت ؛ والأصل فى ذلك كله الآية : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء ٢٣). وأما «المحرّمات بالسبب» ، فمن دواعيها : المصاهرة : ويحرم بها بعض أقارب الزوجة أو الزوج عينا أو جمعا : فتحرم زوجة الأب مؤبدا بمجرد العقد لقوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) (٢٢) ؛ وتحرم زوجة الابن على الأب مؤبدا وإن علا ـ بمجرد العقد ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) (٢٣) (النساء) ؛ وأم الزوجة وإن علت ، تحرم على زوج ابنتها مؤبدا بمجرد العقد ، كقوله تعالى : (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) (٢٣) (النساء) ؛ وتحرم بنت الزوجة إذا دخل بالأم ، فإذا لم يدخل بها لم تحرم ، كقوله تعالى : (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ) (٢٣) (النساء) ؛ ويحرم الجمع بين الأختين ، لقوله تعالى : (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) (٢٣) (النساء) ، ويحرم الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها ، ولا يحرم الجمع بين ابنتى العم وابنتى الخال ـ ولو أن ذلك مكروه ؛ ولا يجوز للرجل أن يتزوج بنته من الزنا ، أو أخته ، ولا بنت ابنه ، ولا بنت بنته ، ولا بنت أخيه أو أخته. والزنا قبل العقد يوجب تحريم المصاهرة ، فإذا فجر الرجل بامرأة لا تحلّ له ابنتها أبدا ، ولو زنى بذات بعل أو فى عدّة رجعية حرمت عليه أبدا ، ومن يزنى بامرأة وهى خلية لم يحرم عليه زواجها ؛ ويفسد العقد على المعتدة ، وعلى المتزوجة ، وما زاد على أربع زوجات ، ويحلّ له الزواج مثنى وثلاث ورباع بشرط العدل بينهن والقدرة ، وإلا فلا يحلّ له ذلك ؛ وتحرم الزوجة إذا لاعنها زوجها ؛ وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثا بينهما رجعتان ، حتى تنكح زوجا غيره فيطلقها برضاه بعد الدخول بها ؛ ولا يجوز للمسلم أن يتزوج من لا دين لها ؛ والزواج من الكتابية مكروه ، وبشرط أن تكون من المحصنات ، كقوله تعالى : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) (المائدة ٥) ، والمحصنات هن العفيفات ؛ ولا يحلّ زواج المرتد ولا المرتدة ، ولا يجوز

٧٢٥

للكتابى أن يتزوج المسلمة ، وإذا أسلمت زوجة كتابية بانت من زوجها الكتابى ؛ ولا يحل للمحرم بالحج أو العمرة أن يتزوج أو يزوّج ، وكيلا كان ، أو أصيلا ، أو وليا ؛ وتشترط للزواج الكفاية وأن يكون الزوج قادرا على النفقة ، وإلا فالزواج فاسد.

* * *

١٦٤٠ ـ الكفاءة فى الزواج

المولى من مصطلحات القرآن ، وهو الرفيق ، والتابع. والإسلام ألغى الفوارق الطبقية بين الناس ، ويسّر الحراك الاجتماعى ، وفى الآية : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) (الحجرات ١٣) لم يقل الله تعالى : إن أكرمكم أحسبكم ، أو أكثركم مالا. وفى الحديث : «من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله» ، والتقوى : معناها مراعاة حدود الله وأوامره ونواهيه ، وقد جعل الله تعالى التقوى معيارا لمن يتزوج ولم يجعله المال ولا الحسب. وفى الحديث : «إن الله تبارك وتعالى جاء بالإسلام فرفع به الخسيسة ، وأتم به الناقصة ، وأذهب به اللوم ، فلا لوم على مسلم ، إنما اللوم لوم الجاهلية». والمال والحسب إن انضافا إلى التقوى فيها ونعمت ، ولكن المال والحسب وحدهما لا شىء. وفى الصحيح عن عائشة ، أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ـ وكان ممن شهد بدرا مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تبنّى سالما ، وأنكحه هندا بنت أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وكان سالم فى الأصل مولى لامرأة من الأنصار. وكذلك أنكح المقداد بن الأسود ، ضباعة بنت الزبير. وكانت أخت الصحابى الجليل والمليونير العتيد عبد الرحمن بن عوف تحت بلال ، وزوّج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ابنة عمته : زينب بنت جحش ، من وليّه زيد بن حارثة. ولمّا خطب بلال بنت البكير أبى إخوتها ، ومنعوه وآذوه ، وغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أجل بلال فزوّجوه. ورفض الناس أن يزوّجوا أبا هند لأنه كان حجّاما ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يمتدح تديّن أبى هند ويثنى على تقواه : «من سرّه أن ينظر إلى من صوّر الله الإيمان فى قلبه ، فلينظر إلى أبى هند» ، وقال : «أنكحوه وأنكحوا إليه». والخلاصة : أن التقىّ المؤمن أفضل فى الزواج من الفاجر النسيب ، فإن كانا تقيّين فحينئذ يقدّم النسيب منهما ، كما يقدّم الشاب على الشيخ فى الصلاة إذا استويا فى التقوى.

* * *

١٦٤١ ـ أى الرجال خير للزواج؟

الإسلام يحث على اختيار الزوج والزوجة ، ومبدأ الاختيار من مبادئ الإسلام ، ومن أصوله الثابتة. والإسلام وضع المعايير لاختيار الزوجة الصالحة ، وهناك أيضا الشروط لاختيار الزوج الصالح ، والصلاح كمبدإ للاختيار تثبته الآية : (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ

٧٢٦

وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) (النور ٢٢) ، والأيّم : هو المرأة أو الرجل لا يجد نكاحا ، وقوله : «إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله» قال ابن عباس : رغّبهم فى التزويج وأمر به الجميع ، ووعدهم عليه الغنى». قال أبو بكر : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى». وعن ابن مسعود قال : التمسوا الغنى فى النكاح بقوله تعالى : «إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله». وفى الحديث : «النساء تجلب المال» يعنى أن الله يغنى من يتزوجهن. وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ثلاثة حقّ على الله عونهم : الناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء ، والغازى فى سبيل الله» ، فقرر أن الله فى عون هؤلاء ، وقرن بينهم ، فالمكاتب : هو الذى يريد أن يعتق نفسه ويحررها ؛ والغازى : هو المجاهد فى سبيل الله يريد تحرير الناس من شركهم ؛ والناكح : هو الذى ينشد الزواج ويريد به تحرير نفسه من شهواتها. والصلاح كشرط للزواج هو صلاح النفس ، وهو أرقى معيار وصل إليه العلم النفسانى ، وليس هو الصلاح المادى الذى أساسه امتلاك المال أو السلطان. وزواج الصالح هدف نبيل ينبغى أن يعان عليه صاحبه ، وقد زوّج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الرجل الصالح الذى لا يجد عليه إلا إزاره ولم يقدر على خاتم من حديد! وزوّجه بالمرأة الصالحة التى جاءته صلى‌الله‌عليه‌وسلم تطلب أن يزوّجها. ولا تثريب على المرأة أن تطلب الحلال ، وطلبه ليس خدشا لحيائها ، فلا حياء فى الدين ، ونشدان الزواج استكمال للدين ، وقد زوّجها النبىّ بهذا الرجل المملق وجعل صداقها عليه أن يعلّمها ما معه من القرآن. والله قد وعد كل فقير وفقيرة أن يغنيهما بالزواج. ولمّا جاء الرجل إلى الحسن البصرى قال له : جاءنى أناس يخطبون ابنتى ، فأيهم أزوّجها له؟ فقال : زوّجها تقيّا ، إن أحبها أكرمها ، وإن كرهها لم يظلمها! ولمّا عرض أمير من الأمراء على سعيد بن المسيّب ، أن يتزوج ابنته رفضه لعدم تقواه ، وزوّجها لفقير تقىّ ، فكانت بعد ساعات تجلس إلى زوجها تقول له : اجلس أعلّمك علم سعيد! وصدق الله العظيم إذ يقول : (الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ) (النور ٢٦)! وعن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه ، إلّا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير»! والعنوسة فى النساء ، والعزوبة فى الرجال ، سبب لهذا الفساد ، ومظنة سوء ، وداعية زنا ، ومحنة وابتلاء للمؤمنين والمؤمنات ، وعدم الزواج مخافة الفقر شرّ مستطير ، وهذا التحذير والتنبيه هو من الأدب العالى من أبواب الزواج فى الإسلام ، ولا نظير له فى النصرانية ولا فى اليهودية ، وهو من التعاليم الرشيدة التى تمليها الحكمة ، وتفرضها الضرورات ، وتقوم بها المجتمعات ، وتنهض عليها الدول ، والحمد لله على الإسلام ، ولله كل المنّة.

* * *

٧٢٧

١٦٤٢ ـ هل صحيح أنّ من أزواجنا وأولادنا أعداء لنا؟

الآية : (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن ١٤) ذهبت مثلا ، والناس يرددونها كلما عصت امرأة رجلها أو آذته ، أو كلما تمرّد ابن على أبيه وأساء إليه ، والآية لا ينصرف معناها إلى هذا الذى فى بال الناس ، وحقيقة معناها أن بعضنا ـ النساء والرجال ـ قد تشغلنا محبتنا لأزواجنا وأولادنا عن الله ، كما فى قوله تعالى : (لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) (المنافقون ٩) ، أى لا ينبغى أن نشغل بالأولاد والأموال عمّا يجلب علينا رضا الله ، بحسن العبادة ، وبصالح الأعمال ، ولذا قال الله تعالى «فاحذروهم» ، والمعنى احذروهم على دينكم ، والتحذير للأزواج من الزوجات كالتحذير للزوجات من الأزواج ، فالمرأة والرجل كلاهما لا ينبغى أن يلتهى بعياله وزوجته عن تقوى الله فى كل أمر وشأن. وقد ورد فى مناسبة هذه الآية وعمن تقصدهم ، عن ابن عباس قال : (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ) ، فهؤلاء رجال أسلموا من مكة ، فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم ، فلما أتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأوا الناس قد فقهوا فى الدين ، فهمّوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٤) (التغابن ١٤) تكملة للآية السابقة ، تحثّ على العفو والصفح عن الأزواج والأولاد إذا جاءهم منهم الضرر ، والمسلم مع أهل بيته عفوّ دائما ، يغفر ويستغفر لهم ، ورحيم يرحمهم ويسترحم الله لهم ، وشفوق عطوف ، وصفوح يصفح الصفح الجميل. والحذر منهم فى الآية جاء تبريره فى الآية بعدها : (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن ١٥) : أنهم اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه. وروى عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين حفيداه ، عليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من المنبر فحملهما ، فوضعهما بين يديه ، ثم قال : صدق الله ورسوله : «إنما أموالكم وأولادكم فتنة! نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثى ورفعتهما» رواه أحمد وأهل السنن ، وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الولد ثمرة القلوب ، وإنهم مجبنة مبخلة محزنة» أخرجه البزّار ، والمعنى أن الأولاد هم حبّات قلوبنا ، ومن أجلهم قد يجبن الوالدان عن مدافعة الباطل ، وقد يبخلان ادخارا للمال لهم ، وعند المرض أو الموت هم مصدر لهفة وحزن وحسرة. وفى الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عن أبى مالك الأشعرى ، قال : «... أعدى عدوّك الذى خرج من صلبك» ، يخصّ به الولد الذى يشغلنا عن ذكر الله وتقواه ، أو الولد العاصى كابن نوح فى الآية : (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) (هود ٤٦) ، أو الولد العاق فى

٧٢٨

الآية : (الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (الأحقاف ١٧).

* * *

١٦٤٣ ـ الوصايا العشر للزوجة المسلمة

القرآن كتاب تربية وحكمه كما هو كتاب توحيد وأحكام ، وصارت دروس التربية جميعها تستقى من القرآن ، وفى الأثر أن أعرابية تخرجت من مدرسة القرآن قالت لابنتها ليلة عرسها : «أى بنيّة ، إنك قد فارقت بيتك الذى منه خرجت ، وعشّك الذى منه درجت ، إلى وكر لم تعرفيه ، وقرين لم تألفيه ، فكونى له أمة يكن لك عبدا ، واحفظى له عشر خصال يكن لك ذخرا. أما الأولى والثانية : فالصّحبة والقناعة والمعاشرة بحسن السمع والطاعة ؛ وأما الثالثة والرابعة : فالتعهّد لموقع عينه ، والتفقّد لموضع أنفه ، فلا تقع عينه منك على قبيح ، ولا يشم منك إلّا أطيب ريح ، والكحل أحسن الحسن ، والماء والصابون أطيب الطيب المفقود. وأما الخامسة والسادسة : فالتفقّد لوقت طعامه ، والهدوء عنه عند منامه ، فإنّ حرارة الجوع ملهبة ، وتنغيص النوم مغضبة. وأمّا السابعة والثامنة : فالعناية ببيته وماله ، والرعاية لنفسه وحشمه وعياله ، وملاك الأمر فى المال حسن التدبير. وأمّا التاسعة والعاشرة : فلا تفشين له سرا ، ولا تعصين له أمرا ، فإنك إن أفشيت سرّه لم تأمنى غدره ، وإن عصيت أمره أو غرت صدره ، ثم اتّق مع ذلك الفرح إن كان غاضبا ، والاكتئاب عنده إن كان فرحا ، فإن الخصلة الأولى من التقصير ، والثانية من التكدير. وكونى أشد ما تكونين له إعظاما ، يكن أشد ما يكون لك إكراما ؛ وأشدّ ما تكونين له موافقة ، يكن أطول ما يكون لك مرافقة. واعلمى أنك لا تصلين إلا ما تحبين حتى تؤثرى رضاه على رضاك ، وهواه على هواك ، فيما أحببت وكرهت ، والله يعينك ويوفّقك»

وأوصى أحدهم وهو يلخص دروس القرآن ابنته ليلة زفافها ، فكادت وصيته تكون نفس الوصية السابقة ، قال : «يا بنية! قد كانت والدتك أحق بتأديبك منى لو كانت باقية ، وأما الآن فإنى أحقّ بتأديبك من غيرى. افهمى عنى ما أقول : إنك قد خرجت من العش الذى فيه درجت ، وصرت إلى فراش لا تعرفيه ، وقرين لم تألفيه. كونى له أرضا يكن لك سماء. وكونى له مهادا يكن لك عمادا. وكونى له أمة يكن لك عبدا. لا تلحقى به فيقلاك. ولا تتباعدى عنه فينساك ، إذا دنا فاقربى منه ، وإن نأى فأبعدى عنه. واحفظى أنفه وسمعه وعينه لا يشمّ منك إلا طيبا ، ولا يسمع إلا حسنا ، ولا ينظر إلا جميلا ، وأنا الذى أقول لأمك ليلة بنائى بها :

خذى العفو منى تستديمى مودّتى

ولا تنطقى فى سورتى حين أغضب

ولا تنقرينى نقرك الدّفّ مرة

فإنك لا تدرين ما ذا المغيّب

فإنى رأيت الحبّ فى القلب والأذى

إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب

٧٢٩

والوصيتان كما ترى ـ الحقوق والواجبات فيهما متبادلة بين الزوجين ، وتشتملان على الحكم الغالية التى يؤسس لها علماء النفس والاجتماع ، وذات المرأة فيهما مصونة ، والمراعاة فيهما للطرفين ، لاعتبارات بعضها نفسى ، وبعضها جسدى ، وبعضها اقتصادى ومالى ، وقوامها بثّ الطمأنينة ، واستحضار السكينة ، والتعامل بالمودة والرحمة. والوصايا من هذا النوع كثيرة فى الأدب الإسلامى ، وتستهدى بآداب القرآن ، وكانت لذلك دستور عمل للتوافق الزوجى عند المسلمين ، لم أقرأ لهاتين الوصيتين شبيها فى أدب الزواج فى اليهودية ولا فى النصرانية ، وتشبه الوصيتان وصايا لقمان لابنه التى أوردها القرآن فى باب المعاملات مع الناس ، وعددها ثلاث عشرة وصية. وهى مواعظ عظيمة ونفعها جليل ، وليس فى قصص القرآن إلا ما هو جليل ونفعه كبير ، ولشد ما أعجب كيف قال الفيلسوف سبينوزا : أنه قرأ القرآن فلم يجد فيه عبارة يمكن أن تفيده؟! والسرّ أنه يهودى! وحسبنا الله ، وله الحمد والمنة.

* * *

١٦٤٤ ـ الإحصان شرط الزواج من المسلمة والكتابية

الإحصان هو العفة ، والمحصنة والحصان هى المرأة العفيفة ، وشرط تعالى الزواج من المسلمة والكتابية أن تكون المرأة من المحصنات فقال : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ) (المائدة ٥) ، والمحصنات : هن اللاتى أحصنّ فروجهن فلا يزنين ، ولأنهن محصنات ، سواء كن مسلمات أو ذمّيات ، وجبت لهن المهور عن طيب نفس ، وكما شرطت الآية الإحصان فى النساء ، أى العفة ، كذلك شرطتها فى الرجال ، كقوله تعالى : «غير مسافحين» والسفاح هو الزنا ، والمسافحون هم الزناة ، وقوله : (وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ) أى لا تكون لهم عشيقات. والبغى سواء كانت مسلمة أو ذمية لا يصح تزويجها من رجل عفيف ، ولا يصح عقد الرجل الفاجر على العفيفة ، إلا أن يكونا قد تابا وأقلعا عن الزنا ، وفى الحديث : «لا ينكح الزانى المجلود إلا مثله» ، ومعنى أنه مجلود : أنه قد ثبت عليه الزنا.

* * *

١٦٤٥ ـ الاستعفاف والصيام لمن لا يجد زواجا

أمر الله تعالى بالزواج ، وأوجبه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على كل من قدر عليه. وفى الآية : (أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ) (النور ٣٢) استنّ الله ذلك كضرورة ، وأظهر حكمة هذه السنّة وذلك الأمر ، وفى الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «يا معشر الشباب من استطاع

٧٣٠

منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغضّ للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» رواه ابن مسعود وأخرجه الشيخان ، فقد جعله الرسول من مسائل الاستطاعة. والباءة هى الزواج ، وقوله «فليتزوج» هو على الوجوب مع الاستطاعة ، لسببين : الأول أن الزواج مدعاة لغضّ البصر ، والبصر قد يزنى ، والزواج ثانيا أحصن للفرج ، وليس أحسن ولا أوثق للإحصان من الزواج ، وفى الآية : (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النور ٣٣) أمر من الله لمن لا يجد تزويجا بالتعفف عن الحرام. والاستعفاف من أعمال العقل ، وتقتضيه الحكمة ، وهو كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ومن لم يستطيع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» ، والوجاء هو الوقاية ، وآية الاستعفاف هذه عامة ، وأخصّ منها الآية الأخرى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) (النساء ٢٥) ، يعنى إن لم تكن بكم سعة وقدرة على الزواج من المؤمنات المحسّبات ، فتزوّجوا من المؤمنات الفقيرات ممن يرضونكم أزواجا ولا يتنكفن فقركم ، فإن لم تجدوا كذلك فالحل هو ما تقدمه الآية : (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) (النساء ٢٥). والصبر على العزوبة أو العنوسة ، علاج إيمانى ينصح به القرآن ، والاستعفاف الجنسى من العلاجات المحتّمة فى العلاج النفسى ، وينصح بها الشباب. وفى النصرانية : العزوبة والعنوسة أفضل للجنسين من الزواج بصرف النظر عن القدرة على الزواج أو العجز عنه ، ومن لم يستطع الصبر على العزوبة فليتزوج (بولس ١ / ٧ ـ ٦) ، وفى اليهودية : لم ينصح ولم ينه عن الزواج ولا عن العزوبة والعنوسة ، سواء للقادرين أو غير القادرين ، وإنما الشغل الشاغل للمشرّع عندهم «نقاء الدم اليهودى» فلا يختلط بدماء الأجانب بالزواج من أجنبيات.

* * *

١٦٤٦ ـ زواج الزانى من الزانية ، والزانية من الزانى

الزانى لا ترضى به إلا امرأة زانية مثله ، قد جربت الزنا وربما تابت وتاب هو أيضا. والمشركة ترضى بالزانى لأن الزنا مباح عند قومها ، والله تعالى يقول : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (النور ٣) ، ولم يكن الصحابة يعتقدون أن نكاح الزانى والزانية هو نكاح حقيقى وإن وثّقا زواجهما. لأن القرآن قد نهى عن زواج المؤمن أو المؤمنة من زانية أو زان ، وقصر زواج الزناة على أنفسهم ، وهذه الآية كقوله تعالى : (مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) (النساء ٢٥) والآية : (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ) (المائدة ٥) ، يعنى أن لا يكون الزوج أو الزوجة من الزناة أو الزانيات ، وأن لا يكون له أو لها عشيقة أو عشيق ، وفى الرواية أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد نهى مرثد بن أبى مرثد أن يتزوج من البغى عناق ، والبغايا

٧٣١

لا عهد لهن ، وعناق لمّا رفضها مرثد وقال لها : إن الله قد حرّم الزنا ، أفشت سرّه ـ وكان قد قدم مكة ليفك أسر بعض المسلمين ، فتبعه قومها لو لا لطف الله به. وفى الحديث : «من أراد أن يلقى الله وهو طاهر متطهّر فليتزوج الحرائر» أى المحصنات. وأما الرواية عن الرجل الذى سأل ابن عباس أنه كان يلم بامرأة يأتى منها ما حرّم الله ، ثم تاب ، فأراد أن يتزوّجها ، فقال له الناس : الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، فقال له ابن عباس : انكحها! وقول ابن عباس لأن الرجل كان زانيا مثلها وإن تاب ، فهو أولى بها ، ويحرم مثل ذلك على المحصنين من الرجال والمحصنات من النساء. فهكذا قال الله تعالى وهو أصدق القائلين ، وصادق على هذه الحقيقة علم النفس والطب النفسى ، فالحمد لله على نعمة القرآن.

* * *

١٦٤٧ ـ المسلم يؤثر له البكر

البكر هى التى لم توطأ ، فلم تعرف الرجال ولم يعرفها الرجال ، والله تعالى ميّز البكر عن الثيّب بغشاء البكارة ، وتنفرد عذارى الإنسان دون سائر الثدييات بهذا الغشاء ، ولم ير علماء الفسيولوجيا أية وظيفة مادية له تفسّر وجوده وتحدد عمله ، سوى تمييزه البكر عن الثيّب ، ويرتبط ببكارة الفتاة أنها شريفة عفيفة لم تزن ، ولم يطمثها طامث. والشرف والعفة من المعنويات التى اختص الله بها الإنسان ، وجعلهما من تكاليفه. والثيّب : امرأة عرفت الرجال ، وربما طلّقها زوجها أو مات عنها ، وربما كانت تجربتها السابقة فى الزواج سيئة قد تركت بها ندوبا نفسية تفسد عليها زواجها التالى. وربما قد تركها زوجها وكانت تحبه فتتحسّر عليه ، وتظل حسرتها معها حتى بعد زواجها الثانى. وقد يكون الزواج بالثيّب سببا لأن تقارن بين زوجيها السابق والحالى ، ولا يحب الرجل أن يكون محل مقارنة بغيره ، وخصوصا فى مسائل الجنس. ومن علماء الجنس الذين نبّهوا إلى تفضيل الرجال للأبكار عن الثيّبات العالم الأمريكى كينزى فى تقريره المشهور المعنون : «السلوك الجنسى عند ذكر الإنسان» Sexual Behavior in the Human Male ، و «السلوك الجنسى عند أنثى الإنسان» Sexual Behavior in the Human Female ، ولاحظ علماء الحيوان أن الإناث فى كل الطيور والحيوانات اللاتى يأتين الجنس لأول مرة (أى الأبكار) ، يكن أكثر حيوية وملاعبة ومداعبة. وفى الحديث عن السيدة عائشة لمّا خيّرت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين البكر والثيب اختار البكر ، وعبّرت السيدة عائشة عن بكورة البنت تعبيرا بليغا قالت : قلت يا رسول الله! أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها ، ووجدت شجرا لم يؤكل منها ، فى أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال : «فى التى لم يرتع منها» ، رواه البخارى ، والمعنى : أن رسول الله

٧٣٢

صلى‌الله‌عليه‌وسلم يفضّل البكر التى لم يسبق لها الزواج على الثيّب. وفى الحديث عن جابر بن عبد الله : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سأله لمّا تزوّج قال : «أبكرا أم ثيّبا؟» قال جابر : ثيّبا. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك؟!». وفى رواية : «مالك وللعذارى ولعابها!» وفى رواية أخرى قال : «هلّا بكرا؟» وفى رواية قال : «تداعبها وتداعبك» ، والمداعبة كالملاعبة ، غير أن الملاعبة فيها من المداعبة وليست كذلك المداعبة. ومن الملاعبة تقول لاعب لعابا بالكسر وبالضم أيضا ، وفى الرواية عند أحدهم جعلها لعابا بالضم وهو الريق ، إشارة إلى مصّ اللسان ورشف الشفتين ، تفعله البكر عن الثيب ، وتقبل علبّه ، وتطلبه ويسعدها. والمصّ والرشف يقعان عند الملاعبة والتقبيل. وفى حديث جابر : أنه برّر اختياره للثيّب على البكر ، قال : هلك أبى وترك سبع بنات ـ أو تسع بنات ـ فتزوجت ثيّبا ، كرهت أن أجيئهن بمثلهن»! وفى رواية قال : فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن ، ولكن امرأة تقوم عليهن وتمشّطهن ، فقال له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أصبت» ، أى أن جابرا قد أصاب حين اختار الثيب على البكر ، لأنها أنفع لأخواته ، وأطوع له ، وأكثر تمرسا بالحياة عن البكر. وفى رواية لابن جريج قال جابر : فأردت أن أنكح امرأة قد جرّبت». ويذكر المؤرخون أن امرأة جابر المقصودة كانت سهلة بنت مسعود بن أوس الأنصارية ، وكانت قليلة الجمال هادئة الطبع ، تدير بيتها بحنكة وإن كانت لا تتزين كالنساء. ونصيحة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن نتزوج البكر يبررها الحديث عن عبد الرحمن بن سالم بن عتبة عن أبيه عن جدّه ، قال : «عليكم بالأبكار ، فإنهن أعذب أفواها ، وأنتق أرحاما ، وأرضى باليسير». وعذوبة الفم عند البكر إنما لصغر سنّها. وقوله «أنتق أرحاما» يعنى كثيرة الأولاد ، باعتبار أنها فى ربيع عمرها وقمة شبابها ، فهى أكثر خصوبة ، وأقدر على الولادة. والحديث زاده الطبرانى عن ابن مسعود قال : «أرضى باليسير» ، فالبكر صغيرة السن ترضى بالقليل من الجماع لو كان الأمر أمر جماع ، وبالقليل من احتياجات المعيشة لو كان الأمر أمرا من متعلقات المعيشة من مال ومسكن وأثاث ، عن الثيب المجرّبة ، كثيرة المطالب ، وكثيرة الجماع. والأبكار هن جائزة أصحاب اليمين فى الجنة (الواقعة ٣٥ ـ ٣٨) ، أنشأهن الله إنشاء فجعلهن «عربا» ، أى عذارى مليحات. و «البكر العرب» هى الملقة لزوجها ـ أى المتوددة له ، وهى الشّكلة بلغة أهل مكة ، والغنجة بلغة أهل المدينة. والبكارة ليست صفة حسّية بقدر ما هى سمة خلقية ، فالبكر ـ فى تقرير كينزى الذى سبق التنويه إليه (١٩٥٢) قليلة الخبرة غالبا ، ترضى ولا تسخط ، قاصرة الطرف ، فيها الحياء ، ولم يطمثها طامث ، كقوله تعالى : (قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ) (الرحمن ٥٦) ، وقوله : (خَيْراتٌ حِسانٌ) (الرحمن ٧٠). وفى كل

٧٣٣

اللغات يقال عن الأرض أنها بكر ، أى بخيرها لم ينتقص منها منتقص ، ويقال «الدرّة البكر» أى التى لم تثقب ، فالبكارة إذن من المحاسن ، وهى مطلب المسلم الذكى ، وكما تكون فى الأنثى فهى فى الذكر ، وتعنى العفة ، وأنه لم يسبق أن عرف امرأة ، وبالمعنى الأوسع أنه على فطرة الصفاء والنقاء التى خلقه بها الله ، فلم تنحرف به الخبرات ، ولم تفسده على نفسه ويصاب منها بالعقد. وبكارة المسلم والمسلمة هى إذن أغلى ما يعتزان به من الأملاك الخلقية والخلقية. وفى التوراة البكر مفضّلة على الثيب (الخروج ٢٢ / ١٧) ، وفى الإنجيل أن من يتزوج مطلقة فقد زنا (متى ١٩ / ٩) ، وبالاختصار : فإن الزواج بالبكر أجلى للدين ، وأطوع للحكمة. فهكذا يعلمنا القرآن.

* * *

١٦٤٨ ـ هل تتزوج الصغيرة من الرجل الكبير؟

المشهور أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تزوج عائشة وكان عمرها دون العاشرة أو أكثر من العاشرة ، وإن كان واقع الحال يثبت غير ذلك ، وأنها كانت فى الثانية عشرة أو أكثر. وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقت أن تزوج عائشة فى نحو الثالثة والخمسين ، فهل يسوغ ذلك جواز الصغيرة من الكبير؟ قيل : هذا شىء مخصوص بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبأحوال ذلك الزمان ، وقد عرف مثل هذا الزواج فى سائر الديانات ، وتحفل أسفار التوراة بحكايات من ذلك ، فالنبىّ إبراهيم عليه‌السلام كان عمره ستا وثمانين سنة حين بنى بهاجر وكانت بكرا لم تعرف الزواج ، وصغيرة السن خرقاء ، وتزويج لمّا تجاوز المائة من العذراء قطورة ، وأنجب منها ستة أولاد. وتأخر زواج النبىّ إسحاق إلى الأربعين ، وكانت رفقة زوجته بكرا لم تتجاوز الثالثة عشرة ، ولم يتزوج ابنه عيسو إلا فى الأربعين ، وكانت زوجتاه يهوديت وبسمة صغيرتين ؛ وكذلك تزوج النبىّ يوسف ابنة فوطيفار الأشورى وعمره ثلاثون سنة ، بينما كانت هى فى العاشرة أو نحوها ، ولم تنجب إلا بعد سبع سنوات ؛ وتزوج داود وهو شيخ طاعن فتاة فى عمر حفيداته ، ومن ذلك الكثير فى التوراة وعند شعوب أوروبا وآسيا.

وفى الإسلام يجوز أن يخطب الكبير الصغيرة ، وإنما لا يمكّن منها إلا بعد أن تحيض وتصلح للوطء. ولم تتزوج عائشة من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا بعد أن رأت أمها أنها حاضت ، ولم يرد عن عائشة أى حديث عن بلوغها مبلغ النساء وهى فى بيت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلا بد أن الحيض جاءها قبل ذلك وكان إيذانا بصلاحيتها للزواج. ولم يحدث أن تزوج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بكرا إلا عائشة ، وأما بقية زوجاته فكانت أصغرهن صفية بنت حيى فى السابعة عشرة

٧٣٤

من عمرها ، وأكبرهن سودة بنت زمعة فى نحو الخمسين ، وكلهن ثيّبات. ومن المحتمل أن زينب بنت جحش طلقها زيد بن حارثة ولم تمكّنه من أن يدخل عليها ، وتزوجها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بكرا ولكنها كانت كبيرة فى السن. وفى القرآن : (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) (الطلاق ٤) جعل الله تعالى عدّتهن ثلاثة أشهر قبل البلوغ ، فدلّ على أن نكاحها قبل البلوغ جائز ، ولكن ليس فى الآية تخصيص بذلك ، وربما المعنى ينصرف إلى خطبتها وليس إلى الدخول بها ، والأب على كل حال لا يزوّج ابنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتستأذن ، والزواج يشترط له المكلّف العاقل ، ولا تكليف إلا بالبلوغ ، والشرع مع القول بأن البلوغ فى البنات يتأكد من سن السادسة عشرة وليس أقل من ذلك وهو أمر معقول ومناسب جدا.

* * *

١٦٤٩ ـ لا زواج للأنثى إلا برضاها

يروى البخارى بطريق أبى هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تنكح الأيّم حتى تستأمر ، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» ، وعلى ذلك فالثيب لا يزوّجها الأب ولا من يحل محله ، إلّا برضاها ، والبكر البالغ لا يجبرها الأب على الزواج إذا امتنعت. والأيم فى الحديث : هى الثيب التى فارقت زوجها بموت أو طلاق. وقد تطلق الأيم على من لا زوج لها أصلا. والاستئمار هو طلب الأمر ، بمعنى أنه لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها. وقوله : «لا تنكح الأيم حتى تستأمر ، ولا البكر حتى تستأذن» ، تمييز بين الأيم والبكر ، فعبّر للأيم بالاستئمار ، وللبكر بالاستئذان ، والاستئمار يدل على تأكيد المشاورة مع الأيم ، ويجعل الأمر إلى المستأمرة ، والولى لهذا يحتاج إلى صريح إذنها فى العقد ، فإذا صرحت بمنعه امتنع. والبكر قد يكون إذنها سكوتها كما فى قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «رضاها صمتها» ، إلا أن بلوغها سن الزواج يسمح لها أن لا تستحى أن تفصح عن رأيها. وبناتنا اليوم لا يزوّجن إلا بعد السادسة عشرة ، وقيل الثامنة عشرة ، وللبنت أن لا تستحى أن تعلن رأيها ، ولا مجال لتزويج من تقل عن ذلك إلا بالتحايل. وفى زواج البكر تعلم أنها لو سكتت فإن ذلك يكون إذنا منها ، ولو قالت بعد العلم أنها ما علمت أن صمتها إذن ، يبطل العقد. ويمكن أن يقال لها قبل العقد : إن رضيت فاسكتى ، وإن كرهت فانطقى. وقد تظهر منها قرينة السخط بالبكاء ، أو قرينة الرضا بالتبسّم. وإذا نفرت ، أو بكت ، أو قامت ، أو ظهر منها ما يدل على الكراهة لم تزوّج. والزواج أصلا لا يجوز إلا لبالغ ، لأن البالغ هى التى تستأذن ، ولا معنى لاستئذان من لا تدرى ما الإذن ، ومتى يستوى سكوتها وسخطها. والاستئذان أو الاستئمار هو شرط فى صحة العقد ، ولا إجبار على البكر أو الثيب طالما أنها

٧٣٥

رشيدة ، والرشيدة أحقّ بنفسها من وليّها ، وظروفنا الآن تسمح بأن تكون البكر أو الثيب وكيلة نفسها ، وحديث عائشة : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها ، فنكاحها باطل» صحيح فى وقتها ، ولا يتعارض مع قولنا : «إن الرشيدة أحقّ بنفسها من وليّها» ، فرغم أن وليّها يستأذن ، إلا أن أمره لا ينفذ عليها بغير موافقتها وإنما وليّها يحافظ على حقوقها من أن تضيّع ، ولكنه لا يجبرها.

* * *

١٦٥٠ ـ زواج الابنة وهى كارهة باطل ومردود

يروى عبد الرزّاق بطريق ابن عباس أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تكرهوهن» ، وعند البخارى عن خنساء بنت خدام الأنصارية : أن أباها زوّجها وهى ثيب فكرهت ذلك ، فأتت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فردّ نكاحها» ؛ وفى رواية الثورى قالت : أنكحنى أبى وأنا كارهة ـ وأنا بكر» ، وفى رواية الأوزاعى عن عطاء بن جابر : أن رجلا زوّج ابنته وهى بكر من غير أمرها ، فأتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ففرّق بينهما» ؛ وعند ابن ماجة عن ابن عباس : أن جارية بكرا أتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فذكرت أن أباها زوّجها وهى كارهة ، فخيّرها» ؛ وعند الدارقطنى عن ابن عباس : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ردّ نكاح بكر وثيّب أنكحهما أبوهما وهما كارهان» ؛ وعند الطبرانى والدارقطنى عن أبى هريرة : أن خنساء بنت خدّام زوّجها أبوها وهى كارهة ، فأتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فردّ نكاحها» ـ ولم يعرف إن كانت بكرا أو ثيبا. وكما ترى لا يجوز زواج الأنثى إلا برضاها ، وإلّا فزواجها بغير رضاها مردود ، فهكذا يقضى الإسلام!

* * *

١٦٥١ ـ النظر إلى المرأة قبل خطبتها

فى الحديث عند البخارى عن سهل بن سعد : أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تهب له نفسها ـ أى تعرض عليه أن يتزوّجها ، فنظر إليها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فصعّد إليها النظر وصوّبه. وعن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة ، أن جبريل نزل بصورتها فى راحته يعرضها على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين أمره أن يتزوّج بها. وعائشة كانت وقتذاك طفلة ، ومن ثم كان النظر إلى الصورة من المباحات. وفى الحديث عن أبى هريرة أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سأل من كان يريد الزواج من الأنصار إن كان قد نظر إليها وأمرة قائلا : «اذهب فانظر إليها». وفى الحديث عند الترمذى والنسائى عن زواج المغيرة : أنه خطب امرأة فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدّم بينكما». وعند أبى داود والحاكم من حديث جابر أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أنا ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» ؛

٧٣٦

فالنظر إلى المرأة قبل العقد مشروع إذن لصالح العقد ، ولا تثريب البتة على الخاطب أن ينظر إلى المخطوبة ، وأن يجتهد وينظر إلى ما يريد منها إلا العورة ، وله أن ينظر إلى ما أقبل وما أدبر منها ، كما قال ابن حزم ، ويجوز له أن ينظر إليها بغير إذنها ، وهذا من سماحة الإسلام ، وردّ على المتطرفين والمتزمتين والمتنطعين!

* * *

١٦٥٢ ـ الخطبة فى الزواج

تستحب فى الزواج خطبتان ، الأولى : عقد طلب الزواج ، والثانية عند العقد والخطبة وهى ما يقال «المقدمة» ؛ أما الخطبة (بالكسر) فهى الدعوة إلى الزواج. ومن كلام الخطبة الأولى أن يحمد الله ويثنى عليه ، ويوصى بتقوى الله ، ثم يقال مثلا : إن فلان ابن فلان ذكر فلانة بنت فلان ، وهو فى الحسب ما قد عرفتموه ، وفى النسب ما لا تجهلونه ، وبذل لها من الصداق ما قد عرفتم ، فردّوا خيرا تحمدوا عليه ، وتنسبوا إليه ، وصلى الله على محمد وآله وسلم ؛ وأما الخطبة الثانية أمام العقد ، فتكون : حمدا لله تعالى ، وتذكر الشهادتان ، ويصلّى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعلى آله ، ويوصى بتقوى الله ، ويدعى للزوجين ، كأن يقال : الحمد لله ، وصلّى الله على محمد وعلى آله ، ويستغفر الله ، ويقال للعريس : قد زوّجناك على شرط الله تعالى.

وقيل المستحب أن تكون الخطبة واحدة قبل التواجب ، ثم يكون العقد ، ويخطبها الولى ، أو الزوج ، أو المأذون ، أو القاضى ؛ ويستحب أن يخطب بخطبة الحاجة ، وقد خطبها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله» ويقرأ ثلاث آيات ، هى : (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٠٢) (آل عمران) ؛ و (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (١) (النساء) ؛ و (اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ) (الأحزاب). ويستحب أن يقال للمتزوج : بارك الله لك ، وبارك عليك ، وجمع بينكما فى خير وعافية.

* * *

١٦٥٣ ـ القول الحسن فى الخطبة

عند البخارى عن ابن عمر : أن رجلين جاءا من المشرق ليخطبا ، فقدّما نفسيهما أحسن تقديم ، وتكلما بأحسن وأوجز كلام ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «إن من البيان لسحرا» ، فأجاز بذلك الخطبة فى الزواج ، ومن شروطها : أن تكون مقتصدة وذلك هو البيان ، ومنه

٧٣٧

ما يشبه السحر فعلا ، ويتحقق كالسحر ما يقصد إليه ، فكذلك خطبة الزواج فيها حسن الكلام ، ولكنه الحسن الذى لا يصرف عن الحق إلى الباطل ، وقد علّق صعصعة بن صوحان على قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : صدق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجة من صاحب الحق ، فيسحر الناس ببيانه ، فيذهب بالحق. والخطبة شرّعت للخاطب ليعرض أمره ، وحسن الكلام يمكّن من الزواج ، ويرفع الأنفة من نفوس أهل العروس ، ليستحسنوه خطيبا لابنتهم ؛ ومن الناس من لا يحسن الكلام. وبعض أهل العلم يقولون : إن النكاح جائز بغير خطبة ، والمعقول أن لا نكاح بغير خطبة ، ولا خطبة بدون مشاهدة ومعاينة ،

* * *

١٦٥٤ ـ المسلم لا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يدع

كان ابن عمر يقول : نهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يبيع بعضكم على بعض ، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه ، حتى يترك الخاطب قبله ، أو يأذن له الخاطب. وتلك خصلة من خصال المسلم نعرفه بها ، فمن صدق إسلامه وخلص لله كان ذلك ديدنه مع الناس ، فإذا خطب الرجل المرأة فرضيت به ، وركنت إليه ، فليس لأحد أن يخطب على خطبته ، فإذا لم يعلم برضاها ولا ركونها فلا تثريب عليه إن تقدم لخطبتها ، ولم ينكر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن تقدّم معاوية وأبو جهم معا لخطبة فاطمة بنت قيس ، وخطبها ـ أى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لأسامة بن زيد ، والاثنان معاوية وأبو جهم ـ خطبا معا ، أو أن أبا جهم لم يعلم بخطبة الأول ، كما أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أشار بأسامة ولم يتقدّم فعلا لخطبتها له ، أو أنه لمّا تقدم معاوية وأبو جهم أظهرت فاطمة الرغبة عنهما فخطبها لأسامة ، فالحجّة فى ذلك هى فاطمة نفسها ؛ فإنها لم تخبر برضاها بواحد ، ولو أخبرت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بذلك لم يشر عليها بغير من اختارت. والمعول عليه أن يصاحب الخطبة عمل يؤيدها ، كأن يقرأ الطرفان الفاتحة ويتراضيا على الصداق. ونهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا يخطب أحد على خطبة آخر هو نهى تأديب وليس نهى تحريم. ، وقال بعض العلماء لا تحرم خطبة المسلم على خطبة الذمى أو الفاسق إذا أراد المسلم أن يخطب ذمّية أو عفيفة ، غير أن الحديث لا يتضمن ذلك ، فلا يجوز إطلاقا أن يخطب المسلم على خطبة آخر ولو كان هذا الآخر ذمّيا أو فاسقا ، والمسلمون ليس من أخلاقياتهم أن يزنوا بمكيالين ، أو أن يأخذوا فى معاملاتهم بمعيارين ، والأمر فى النهى متعلق بالعقد نفسه واحترامه ، وبحقوق المتعاقدين فيه. وحتى لو خطب سوقى بنت ملك ورضيت به ، فلا يجوز الخطبة على خطبته. ومن الصور المألوفة أن ترغب امرأة فى رجل

٧٣٨

أقل منها مكانة وثروة ، فلا يحتج بانعدام التكافؤ بينهما. ومن ذلك أن تخطب امرأة رجلا لنفسها فتجيء امرأة أخرى فتدعوه وترغّبه فى نفسها ، وتزهّده فى التى قبلها ، فذلك ليس من خلق المسلم ولا المسلمة.

* * *

١٦٥٥ ـ لالتزام بتفسير ترك الخطبة

الخطبة مشروعة فى الإسلام ، وفى القرآن : (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ) (البقرة ٢٣٥) ، وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال : إن عمر بن الخطاب حين تأيّمت حفصة قال : لقيت أبا بكر فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر ، فلبثت ليال ، ثم خطبها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلقينى أبا بكر فقال : إنه لم يمنعنى أن أرجع إليك فيما عرضت إلّا أنى قد علمت أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد ذكرها ، فلم أكن لأفشى سرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولو تركها لقبلتها» ، وكأن أبا بكر يقول : كل من علم أن خاطبا لن يصرف إذا خطب ، لا ينبغى له أن يخطب على خطبته. والتزم أبو بكر بتفسير ترك الخطبة حتى لا يعلق النفوس شىء من هذا الترك ، وعليه فكل خاطب أو خاطبة ينبغى أن يفسّر للطرف الآخر لم ترك الخطبة أو فسخها ، وذلك من خلق المسلم.

* * *

١٦٥٦ ـ الخلوة

الخلوة من الفعل «خلا» أى انفرد فى مكان ، والخلوة الشرعية : هى أن يختلى الرجل بالمرأة وقد خطبها ، خلوة تامة ، فلا يدخل بها رغم أنه لا يمنعه شىء من ذلك ، فهل تؤثر هذه الخلوة على المهر أو العدّة؟ والمعول عليه أن يكون دخوله بها دخولا حقيقيا وواقعا ، فما لم يدخل بها فلا أثر للخلوة ولا يجب لها الصداق إلا بالوقاع ، كقوله تعالى : (لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ) (٢٣٦) (البقرة) والمسّ : هو الدخول بالمرأة ، أى أن يجامعها ، وإن حدث أن أغلق بابا ، أو أرخى ستارا ، ولمس وقبّل ، ولم يدخل بها ، فلا يوجب ذلك صداقا لها ، وقيل بل يوجب لها المهر كله. والخلوة لا توقع حرمة المصاهرة ، ولا تفسد بها العبادات ، ولا تجب بها الكفّارة.

* * *

١٦٥٧ ـ الأفراح مشروعة فى الزواج

عن الربيع بنت معوّذ بن عفراء : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حضر يوم زواجها وكانت الجويريات يضربن بالدفّ ، وقالت إحداهن : وفينا نبىّ يعلم ما فى غد ، فقال : «دعى هذه وقولى

٧٣٩

بالذى كنت تقولين» ، رواه البخارى. وفى الحديث أن ضرب الدفّ يشرع فى الزواج وعند ابن ماجة من طريق خالد المدنى قال : «كنا بالمدينة يوم عاشوراء والجوارى يضربن بالدفّ ويتغنين». فشرع ضرب الدفّ فى أى احتفال. وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم للمنشدة «دعى هذه» أى دعى مدحى ، والمدح المنهى عنه هو الذى يتضمن الإطراء والمبالغة التى تفضى إلى الغلو. وعن عائشة كما جاء عند الطبرانى : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مرّ بنساء من الأنصار فى عرس لهن يغنين:

وأهدى لها كبشا تنحنح فى المربد

وزوجك فى البادى وتعلم ما فى غد

قصدوا بقولهن «تعلم ما فى غد» مدح النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : «لا يعلم ما فى غد إلّا الله». وفى هذا الحديث إعلان الزواج بالدف وبالغناء المباح ؛ وفيه : الإقبال على العرس من الفضلاء ، وإن كان فيه لهو لا يخرج عن حدّ المباح ؛ وفيه : جواز المدح للحاضرين ، ما لم يخرج المدح إلى ما ليس فى هؤلاء الحاضرين. والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشر ، ولا يعرف الغيب كما امتدحوه ، وكيف يعرف الغيب والله تعالى يقول : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ) (النمل ٦٥)؟ ويقول لنبيه (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) (الأعراف ١٨٨) ، والاحتفال بالعرس يكون فى حدود الوسع ، والله تعالى يقول : (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها) (البقرة ٢٣٣). وأخرج النسائى عن قرظة بن كعب وابن مسعود الأنصاريين : أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم رخّص لنا (أى للمسلمين) فى اللهو عند العرس. وعند الطبرانى من حديث السائب بن بريد عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : قيل له : أترخّص فى هذا؟ قال : «نعم ، إنه نكاح لا سفاح! أشيعوا النكاح». وعند أحمد فى حديث عبد الله بن الزبير قال : «أعلنوا النكاح» وزادت عائشة : «واضربوا عليه بالدفّ».

* * *

١٦٥٨ ـ المنكر فى أفراح العرس

أفراح العرس قد يداخلها المنكر ، كتقديم الخمر ، أو الراقصات العراة ، أو أىّ مما نهى الله ورسوله عنه. وحضور الأفراح كهذه قد يفسّر على أنه رضا بالمنكر ، ولا بأس أن يزيل المسلم المحرّم من حفل العرس ويستبعده لو كان ذلك فى مقدوره ، وإن لم يكن فى مقدوره فليرجع. وإذا كان بالعرس لهو مما اختلف فيه فيجوز الحضور ، والأولى الترك ، وإن كان به محرّمات كالخمر وجب الترك ، أو ترفع الخمر بحضور المدعو وإلا ترك ، وقيل يحضر وينكر بحسب قدرته ، وإن لم يقدر على منعهم فليخرج. والرضا بالحضور أصلا إنما كالرضا بالمنكر ، فإن كان قد حضر ولم يعلم بأن الفرح سيكون به منكر أو محرّم فلينههم ، كقوله تعالى : (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) (الأعراف ١٥٧) ، فإن لم ينتهوا

٧٤٠

فليخرج. وإن كان من أهل العلم ومعروفا بالصلاح فلا ينبغى له أن يحضر ما فيه شبهة ، وعن عمران بن حصين قال : «نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن إجابة طعام الفاسقين» ، وهم الذين يقول الله تعالى فيهم : (وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) (العنكبوت ٢٩) وعن جابر قال : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر».

* * *

١٦٥٩ ـ وليمة العرس وحضورها

وليمة العرس هى للاحتفال بالعرس ، وهى طعام مخصوص بذلك ويدعى إليه الأقارب والأصحاب ، وإقامة الولائم ابتهاجا بالعرس محمولة على الاستحباب ، وقيل : إن الوليمة واجبة إذ أمر بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد الرحمن بن عوف ، وقال له : «أو لم ولو بشاة» ، و «لو» ليست الامتناعية ، وإنما هى للتقليل. واستدل بالحديث على أن الشاة أقل ما يشرع للموسر ، وتقام الوليمة عند الدخول ، وتستدرك بعد الدخول إذا فاتت ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أولم على بعض نسائه بأقل من الشاة ، وكانت وليمته على صفية : حيسا ، وهو تمر ودقيق وسمن ؛ وأولم على أخريات بمدّين من شعير ، وأخرج ابن سعد عن الواقدى قول أم سلمة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا خطبها أدخلها بيت زينب بيت خزيمة ، فإذا جرّة فيها شىء من شعير ، فأخذته فطحنته ، ثم عصدته فى البرمة ، وأخذت شيئا من إهالة فأدمته ، فكان ذلك طعام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وعن أنس قال : «أولم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أم سلمة بتمر وسمن» وعن أسماء بنت عيسى : «أن علىّ بن أبى طالب أولم فى زواجه من فاطمة شطر صاع من شعير». وهذه ولائم من الماضى وتناسب أحوال هؤلاء الناس ، ونستنبط من ذلك أن الوليمة مستحبة ، ومن يقدر على الوليمة بأكثر من ذلك فليفعل ، ولا حدّ لأكثرها من غير إسراف ، ولا لأقلها من غير بخل ، ومهما تيسّر أجزأ ، وهى على قدر حال الزوج. وقد يتعدد زواج المسلم فلا يقصد إلى تفضيل بعض من يتزوج على بعض فى الوليمة ، وإنما التباين باعتبار أحواله من الثراء ، وباعتبار حسب المرأة ونسبها.

والوليمة أصلا تقام عن كل دعوة تتخذ لسرور ، احتفالا نكاح أو ختان وغيرهما ، وقد أولم إبراهيم كقوله تعالى : (فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (٢٦) (الذاريات) ، وقوله : (أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) (٦٩) (هود) وأشهر الولائم عند المسلمين ثمانية : الإعذار للختان ؛ والعقيقة للولادة وتختص باليوم السابع ، والخرس وهو طعام الولادة ؛ والنقيعة (من النقع أى الغبار) : وهى التى يصنعها القادم من السفر احتفالا بسلامة وصوله ، فأما التى يصنعها له الآخرون فهى التحفة ؛ والوكيرة (من الوكر أى السكن) : للسكن المتجدد ؛

٧٤١

والوضيمة : وهى طعام المأتم (سميت كذلك لأن الطعام يوضع فيها على وضم أى مائدة) ؛ والمأدبة لما يتّخذ بلا سبب ، فإن كانت لقوم مخصوصين فهى النقرى ؛ وإن كانت عامة فهى الجفلى. وقيل الوليمة خاصة فقط باحتفال الدخول على العروس ، فأما الاحتفال بالعقد عليها أو بخطبتها فهو الشندخ. وهناك غير هذه الولائم السابقة الحذاق وهى احتفال يجرى ابتهاجا بحذق الولد أو البنت لصنعة ، ومن ذلك أن يختم القرآن ويحذق تلاوته ؛ والخرس ، والإعذار ، والتوكير : وأنت فى إجابتها بالخيار. وكل ذلك من تقاليد الماضى وعاداته ؛ وأما وليمة العرس أو الإملاك ، فهى كما فى الحديث عن أبى هريرة : «الوليمة حقّ وسنّة». ومن السنة أن تجاب الوليمة. وليست لها مدة ، فعن حفصة بنت سيرين أن أباها لمّا تزوج دعا الصحابة سبعة أيام ، وفى الحديث عند عبد الرزاق : ثمانية أيام ، وفى حديث أبى داود والنسائى بطريق قتادة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الوليمة أول يوم حقّ ، والثانى معروف ، والثالث رياء وسمعة» ، وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليجب». وفى الحديث عن أنس : أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أقام على صفية ثلاثة أيام حتى أعرس بها ؛ وفى الحديث عن ابن مسعود أخرجه الترمذى : «طعام أول يوم حقّ ، وطعام يوم الثانى حقّ ، وطعام يوم الثالث سمعة» ؛ وعن ابن عباس عن النبىّ قال : «طعام فى العرس يوم سنّة ، وطعام يومين فضل ، وطعام ثلاثة أيام رياء وسمعة» ، فالإجابة إذن فى اليوم الثالث مكروهة إذا كان المدعوون فى اليوم الثالث هم أنفسهم المدعوون فى اليوم الأول. وفى الحديث عن أبى موسى عن النبىّ قال : «فكّوا العانى ، وأجيبوا الداعى ، وعودوا المريض» وعن البراء بن عازب قال : أمرنا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بسبع ونهانا عن سبع ، وإجابة الداعى هى سابع ما أمرنا به». غير أن الوليمة للعرس لأكثر من يوم إسراف والله لا يحب المسرفين.

وشرط إجابة الوليمة : أن لا تكون الدعوة إليها مقتصرة على الأغنياء دون الفقراء ، وعن أبى هريرة قال : «شر الطعام الوليمة ، يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله». وعن ابن عباس قال : «بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الشبعان ويحبس عنها الجيعان.» والمراد بطعام الوليمة وليمة العرس ، وإتيانها حق ، وكان ابن عمر يجيب دعوة وليمة العرس صائما ومفطرا ، فإن كان مفطرا فليطعم ، وإن كان صائما فليدع وليشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها ، ويحصل لأهل البيت والحاضرين بركتها. والمفطر ولو حضر لم يجب عليه الأكل ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن شاء طعم ، وإن شاء ترك».

* * *

٧٤٢

١٦٦٠ ـ النساء يحضرن العرس مع الرجال

فى الحديث عن سهل قال : لمّا عرّس أبو أسيد الساعدى دعا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه ، فما صنع لهم طعاما ، ولا قرّبه إليهم ، إلّا امرأته أم أسيد ، بلّت تمرات فى تور من حجارة ، من الليل ، فلما فرغ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الطعام أمالته له فسقته تتحفه بذلك» رواه البخارى. وقوله : بلّت تمرات يعنى صنعت شرابا لا يسكر فى العرس ؛ والتور : قدر ؛ وأمالته مرّسته بيدها ؛ وتتحفه به : تخصّه به. وفى الحديث ـ كما ترى : أن النساء يجوز حضورهن العرس مع الرجال والخدمة عليهم ، بشرط أمن الفتنة ومراعاة الستر.

* * *

١٦٦١ ـ هل تشهد النساء على الزواج أو الطلاق؟

عقد الزواج عقد معاوضة مثل البيع ، فيمكن أن تشهد عليه النساء ، وفى الآية : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) (البقرة ٢٨٢) ، وشرط الشهادة أنها تنعقد لرجلين ، فإن لم يتوفر الرجلان فرجل وامرأتان ، غير أن ذلك فى الديون والبيوع بالأجل من غير كتابة ، وفى غير ذلك تجوز شهادة المرأة على السواء بالرجل ، ويشترط العدالة فى الشهود جميعا ، رجلين كانوا ، أو رجلا وامرأتين. وقوله «أن تضل احداهما» أى المرأتان ، أنّ إحداهما إذا نسيت ذكّرتها الأخرى. وشرط الرجلين : أن مجالس الزواج كان يحضرها قديما الرجال غالبا وتعزل عنها النساء. وفى النصرانية لا تشترط الشهادة ، وكذلك لا يوجد شرط الشهادة فى التوراة ، لا فى الزواج ولا فى الطلاق ، على عكس الإسلام فقد اشترط لهما الشهود ، واشترط أن يكونوا من الصالحين والصالحات ، لم يعرف عنهم فسق ظاهر ، وأن يكونوا من العقلاء الراشدين من النظراء لهما. ولا يحتج بالسنّة أنها قد مضت منذ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا تستشهد النساء فى الحدود ، ولا فى الزواج ، ولا فى الطلاق ، فقد كانت النساء وقتذاك فى عزلة ، ومجتمعاتنا فيها السيدات المرموقات ، والطبيبات الناجحات ، ومعلّمات الجامعة والمحاميات إلخ ، وهؤلاء يخرجن إلى الحياة العامة ويمارسنها كالرجال ، وشهادتهن صحيحة ومشروعة. وقد روى عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن عطاء بن يسار : أن عمر بن الخطاب أجاز شهادة النساء مع رجل واحد فى النكاح وذلك هو ديننا السمح كما وصفه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٦٦٢ ـ صيغة الزواج

يشترط فى صيغة الزواج الإيجاب والقبول من المخطوبة والخاطب ، ولا يتم الزواج

٧٤٣

بالمراضاة والمعاطاة ، ولا بالإشارة والكتابة مع القدرة على اللفظ ، وبهذا يفترق عقد الزواج عن غيره من العقود ، ولا يتحقق الميثاق والالتزام بينهما إلا باللفظ والتوقيع ، وهذا هو الإيجاب ، ويقع بلفظ «زوّجت ، وأنكحت» والأصل فى ذلك قوله تعالى : (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها) (الأحزاب ٣٧) وقوله : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ) (النساء ٢٢) ، لأن الأصل تحريم الفرج ، فينبغى لذلك أن يثبت سبب الحلّ شرعا. وأما القبول فيكفى فيه اللفظ الدال عليه صراحة ، مثل : «قبلت ، ورضيت» ، وتصح بداهة قيام الألفاظ المترادفة بعضها مقام بعض ، كأن تقول المرأة : «زوّجتك نفسى» ، ويقول الرجل : «قبلت النكاح» ، أو تقول : «أنكحتك نفسى» ، ويقول : «قبلت الزواج منك» ، وقد يقتصر الأمر على قول «قبلت» فقط. وتلاحظ أن الصيغة تكون فى الماضى بقولها «زوّجتك» وليس فى الحاضر «أتزوج» ، والماضى صريح فى الإنشاء ، والأصل أن يكون الإيجاب من المخطوبة ، والقبول من الخاطب ، غير أن المرأة تستحى أن تبدأ بالإيجاب ، فكان المشهور تقديم القبول على الإيجاب ، ولا يقبل عقد الزواج الخيار ، لأن فيه شائبة العبادة ، وفسخه محصور بالعيوب المنصوص عليها ، ولذا لا تجرى فيه الإقالة. والإشهار شرط فى الزواج ، لأنه لا زواج إلا بوليّ وشاهدين.

١٦٦٣ ـ هل للمرأة أو الرجل أن يشترط عند الزواج؟

للرجل والمرأة أن يشترطا عند عقد الزواج ، وفى الحديث عن عقبة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أحق ما أوفيتم من الشرط أن توفوا به ، ما استحللتم به الفروج» ، أى أحق الشروط بالوفاء شروط الزواج ؛ وللمرأة مثلا أن تشترط على الرجل أن لا يتزوج عليها ، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله. وما كان من شروط فى الصداق فيجب الوفاء بها ، وعن عمر قال : إذا تزوج الرجل والمرأة وشرط أن لا يخرجها لزم». وعند أحمد : يجب الوفاء بالشرط مطلقا. والشروط من مقتضى العقد وتستوى فى وجوب الوفاء بها ، كأن تشترط المرأة العشرة بالمعروف ، والإنفاق ، والكسوة ، والسكنى ، وأن لا يقصّر فى شىء من حقها. وقد يشترط الرجل عليها ألّا تخرج إلّا بإذنه ، ولا تمنعه نفسها ، ولا تتصرف فى ماله أو متاعه إلا برضاه. فإذا اشترطت المرأة على الرجل أن لا يطأها لم يجب الوفاء بشرطها ، لأن القاعدة كما فى حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن عائشة : «كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل» ، والوطء من حقوق الزوج ، فإذا شرطت عليه إسقاطه كان شرطها باطل لأنه ليس فى كتاب الله. وفى الحديث أيضا عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «المسلمون عند شروطهم إلّا شرطا أحلّ حراما أو حرّم حلالا» ، وعنه كذلك : «المسلمون عند شروطهم ما وافق الحقّ». وعن جابر : أن أم

٧٤٤

مبشر بنت البراء بن معرور جاءت إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : إنى شرطت لزوجى أن لا أتزوج بعده. وفقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن هذا لا يصلح». وإذا اشترطت المرأة على الرجل أن لا يتزوج عليها إلا إذا أعلمها ، أو أن تطلّق إذا رغبت فى ذلك ، وجب عليه الوفاء بشروطها. وقد حكم عمر بذلك وقال برواية عبد الرحمن بن غنم : لها شرطها» ، فقال الرجل : هلك الرجال! لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلّا طلّقت! فقال عمر : المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم. وقال : إن مقاطع الحقوق عند الشروط ، ولها ما اشترطت». وعن أبى هريرة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يحلّ لامرأة أن تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها» أو قال : «لا يصلح لامرأة أن تشترط طلاق أختها لتكفئ إناءها» ، أو «لتستفرغ إناء صاحبتها ولتنكح» ومعنى الحديث : نهىّ المرأة أن تشترط على الرجل لتتزوجه أن يطلق زوجته ، فيصير لها من نفقته ومعاشرته ما كان للمطلقة ، وعبّر عن ذلك بقوله «تكفئ ما فى صحفتها». والمراد بأختها غيرها سواء كانت أختها من النسب أو الرضاع أو الدين ، ويلحق بذلك الكافرة فى الحكم وإن لم تكن أختا فى الدين وإنما أختها فى الجنس الآدمى ، أو أن يكون المعنى أن المرأة لا ينبغى أن تسأل زوجها أن يطلق ضرّتها لتنفرد به ، وذلك من الأدب العالى فى الإسلام ، وشبيه به قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم للرجال : «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه» ، فنهى المسلم أن يخطب المسلمة على المسلم ، ونهاه أن يخطب الكافرة أو المشركة على الكافر أو المشرك!

* * *

١٦٦٤ ـ المهر وأنواعه وأحواله

المهر ، ويسمى الصداق ، والفريضة ، والأجر ، كقوله تعالى : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء ٤) ، وقوله : (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) (البقرة ٢٣٦) ، وقوله : (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (النساء ٢٤) ، وقوله : (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء ٢٥) ، فدلّت الآيات على وجوب المهر أو الصداق للمرأة ، وأنه عطيتها من الله تعالى ، بدليل قوله «نحلة» ، نقول : نحلت فلانا شيئا ، أى أعطيته عن طيب نفس ، والصداق عطية وحق ثابت قد فرضه الله للنساء ، لا ينازعهن فيه الرجال ، ولا تكون النحلة إلا المسماة المعلومة ، وهو من الدّين ، لأن كلمة «نحلة» تعنى الديانة والملّة. وقوله : «بإذن أهلهن» فيه أن الزواج لا بد فيه من موافقة أهل المرأة ، وأن يكون بوليّ وشاهدين ، وبمهر ثابت. وقد تهب المرأة صداقها لزوجها ، كقوله تعالى : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) (٤) (النساء). والزواج حلّ ، والمهور أجور لأن ما يقابله المنفعة يسمى أجرا ، والمنفعة فى

٧٤٥

الزواج هى الحلّ. والمهور نوعان : المهر المسمّى ، ومهر المثل ، فأما المهر المسمى : فهو ما تراضى عليه الزوجان وسمّياه فى متن العقد ، ولا حدّ لكثير ، كقوله تعالى : (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً) (النساء ٤) ، ويستحب أن يكون كمهر السنّة ، والمندوب شرعا ، ومعلوما بجهة من الجهات ، ويصحّ أن يكون نقدا ، أو مصاغا ، أو ثوبا ، أو عقارا ، أو منفعة ، وقد زوّج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجلا من أصحابه وجعل مهر المرأة أن يعلمها ما يحسن من القرآن. وإذا تزوجها بمهر سرا وبآخر جهرا ، فلها الأول سواء كان الزائد أو الناقص. ولا يجوز أن تهب المرأة نفسها للرجل لينكحها من غير مهر ، فإذا عقد عليها بلا ذكر للمهر ولم يشترط عدمه ، سمى ذلك تفويضا وتسمى الزوجة مفوّضة ، والتفويض على ضربين : تفويض بضع : وهو أن يتزوجها بغير صداق ، وهو المراد بإطلاق التفويض ؛ وتفويض مهر : وهو أن يجعل المهر إلى رأى أحد الزوجين أو رأى أجنبى ونحوه ، ويكون للمفوّضة مهر المثل ، ويقاس بمهر مثيلاتها ، وحالها فى الشرف والجمال والسّن ، والبكارة ، والعفة ، والأدب ، والعلم. ومعنى مهر مثيلاتها صداق نسائها : كأمها أو أختها ، أو عمّتها ، أو بنت عمّها. ومن عقد على امرأة ودخل بها ، ثم تبين فساد العقد لأنها أخته من الرضاعة ، أو لغير ذلك ، فإن لم يكن سمّى لها مهرا فى العقد استحقت مهر المثل. ومن أكره امرأة على الزنا فعليه مهر المثل ، وإن طاوعته لم يجب عليه شىء لأنها بغىّ. وإن طالبت المفوضة زوجها قبل الدخول بفرض مهر لها أجبر على ذلك ، فإن اتفقا على فرضه جاز ما فرضاه ، أو ما فرضه القاضى ، وليس لها المطالبة بما سواه ، لأن الزيادة ميل على الزوج ، والنقص ميل على المرأة ، ولا يجوز الدخول بالمرأة قبل أن يمهرها الزوج بشيء ، سواء كانت مفوضة أو مسمى لها ؛ ولها ، أن تمنع نفسها عليه حتى تتسلم صداقها. ويجوز تأجيل المهر وتعجيله ، كله أو بعضه ، أجلا معينا ظاهرا ، أو غير ظاهر ، كأن يكون أحد الأجلين : الموت أو الطلاق ، وإن كان بعضه حالا وبعضه مؤجلا ، فلها منع نفسها قبل قبض العاجل دون الآجل ، ولو بقى من المهر جنيه واحد كان كبقائه جميعه. ولا يبرأ الزوج من المهر إلا أن يسلمه إلى من يتسلم مال الزوجة وتقرّ بذلك فى العقد. والمهر فى الذمة دين ، فإن مات من هو عليه خصم من تركته. وقيل : يستحق المهر بالخلوة فى العقد الصحيح ، والخلوة فى النكاح الفاسد لا يجب بها شىء من المهر ، لأنه لم يجب العقد وإنما وجب بالوطء ، ولا أثر للمباشرة فيما دون الفرج ، كالقبلة ونحوها ، طالما لم يحدث وقاع ، وكذلك إن نظر إليها عريانة تغتسل ، وقيل بل يجب عليه المهر كله. وينصّف المهر بالطلاق قبل الدخول ، وللمفارقة باللعان ، وللمدخول بها فى نكاح ثان بعد أن خالعها بعد الدخول ثم تزوجها فى عدتها ، ثم طلقها ولم يدخل

٧٤٦

عليها. وكل فرقة قبل الدخول ، إن كانت من قبل المرأة ، كأن ترتد ، أو لإرضاعها من ينفسخ نكاحه بإرضاعه ، أو فسخ النكاح بعيبها ، أو فسخه لإعساره أو عيبه ، يسقط به مهرها كله ولا يجب لها متعة. وإن كانت الفرقة قبل الدخول بسبب الزوج ، كأن يرتد ، أو بالطلاق ، أو الخلع ، أو بإرضاع ينفسخ به النكاح ، يسقط نصف مهرها ، ويجب عليه نصفه ، وإن طلّقت بالإيلاء كان كطلاقه لها. وإن كانت العصمة بيدها فطلقت نفسها فإن مهرها لا يسقط. ومن وجب لها نصف المهر لم تجب لها المتعة ، سواء كان صداقها مسمّى أو لم يسم ، وإنما فرض لها بعد العقد. ويستحب أن تمتّع كل مطلقة ، وأما المتوفى عنها فلا متعة لها. وكل فرقة يتنصّف بها المهر المسمى توجب المتعة إذا كانت مفوّضة. وما يسقط به المسمّى من أنواع الفرقة ، كاختلاف الدين ، والفسخ ؛ بالرضاع ونحوه ، إذا جاء من قبلها ، لا تجب به متعة. وتسقط متعة المفوّضة إن كانت قد أبرأت زوجها من نصف المهر ثم طلقت قبل الدخول.

* * *

١٦٦٥ ـ المغالاة فى المهور

المهر أو الصداق هو ما يفرضه الرجل للمرأة على نفسه من مال ، تنتفع به شرعا ، وتقبضه معجّلا أو مؤجلا. وهو ليس مال يشترى به الرجل المرأة من أبيها أو من نفسها ، زعما بأن نظام المهور من مخلّفات عصور الجوارى ، فالفرق بين الأمة والحرّة ، أن الأمّة تشرى بثمن ، والحرّة تمهر ، والمهيرة من النساء هى الحرة الغالية المهر. ولو كان مهر المرأة ثمنا لها لكان من حقّ أبيها ، ولكن المهر هو حق خالص للمرأة ، وكان الرجل قبل الإسلام ـ إذا زوّج ابنته ـ أخذ مهرها دونها ، وكان كثير المساومة فى المهر فيغلب المتقدم لها ويقال لذلك إنه قد مهره ، أى غالبه فى المساومة فغلبه ، ولذلك جاءت الآية : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء ٤) ، فنهى الله تعالى الآباء أن يأخذوا صداق بناتهن ، وجعله حقا خالصا للمرأة. والصداق أصله من الصدق ، فهو المال الذى يصدق به الرجل وعدّه للمرأة بالزواج. والصدق هو الفضل ، وهو الصلاح ، والصداق هو الذى به يصدق الرجل خطبته للمرأة بالعمل ، أو يصادق على خطبتها ويخبرها بما يدفع لها من مال. والصداق ـ وليس المهر ـ مصطلح إسلامى. والنحلة فى الآية هى الفريضة أو الواجب ، ومعنى الآية : لا تتزوج المرأة إلا بشيء واجب لها يفرضه الرجل على نفسه عن طيب خاطر ويسمّيه ، إلا أن تتنازل المرأة عن شىء منه ، كما فى قوله : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ

٧٤٧

هَنِيئاً) (النساء ٤) ، والخطاب قد يكون للآباء ، فتأذن المرأة لأبيها أن يحجز لنفسه بعض صداقها ، أو يكون الخطاب للرجال الراغبين فى الزواج ، فبعد أن يسمّى الرجل صداقه ربما تتنازل المرأة له عن بعضه. والمهر لا يتقدّر أقله ولا أكثره ، وقد جاء عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما روى البخارى بطريق سهل بن سعد أنه قال للرجل العاجز عن أن يمهر من يريد الزواج بها : «اعطها ولو خاتما من حديد» ، فلما عجز الرجل حتى عن ذلك سأله : «ما معك من القرآن؟» قال : كذا وكذا. قال : «فقد زوجتكها بما معك من القرآن» ، وكذلك نزلت الآية : (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) (النساء ٢٠) فأجاز الله تعالى كثرة المهر لمن يطيق ذلك ، كما أن الحديث السابق أجاز قلة المهر فقال : «ولو خاتما من حديد». وكان عمر بن الخطاب يقول للناس : لا تغالوا فى مهور النساء ، فقالت امرأة : ليس ذلك لك يا عمر! إن الله يقول «وآتيتم إحداهن قنطارا» فقال عمر : امرأة خاصمت عمر فخصمته» ، أو قال : «امرأة أصابت ورجل أخطأ!» أخرجه أبو يعلى ، وأصل قول عمر : لا تغالوا فى صدقات النساء».

* * *

١٦٦٦ ـ هل يجوز الزواج بغير صداق؟

أخرج ابن ماجة ومسلم والنسائى والطبرانى وغيرهم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان فى المسجد ، وأن بنت حكيم (أم شريك) جاءته تهب نفسها له ، والحادثة رواها القرآن : (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ) (الأحزاب ٥٠) ، يعنى فوّضت أمرها لله ولرسوله ، وإن شاء تزوجها هو ، وإن شاء زوّجها آخر. وفى رواية هشام بن سعد أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نظر إليها فصعّد النظر وصوّبه ، ثم قال : «ما لي فى النساء حاجة». وفى رواية أبى هريرة عند النسائى قال : «لا حاجة لى» ، ثم قال : «ولكن تملكين أمرك» قالت : نعم. فنظر فى وجوه القوم ، فدعا رجلا فقال : إنى أريد أن أزوّجك هذا ـ إن رضيت». قالت : ما رضيت لى فقد رضيت». وفى رواية أخرى لابن عباس : أن رجلا قال : إن هذه المرأة إن رضيت بى فزوّجها منى. قال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فما مهرها؟» قال الرجل : ما عندى شىء. قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «امهرها ما قل أو كثر» ، قال الرجل : والذى بعثك بالحق ما أملك شيئا». وفى رواية ابن جريج أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حينذاك قال له : «اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا». فذهب الرجل ثم رجع فقال : لا والله ما وجدت شيئا : قال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «انظر ولو خاتما من حديد» ، أو قال : «اذهب فاطلب ولو خاتما من حديد». وفى الرواية أن الرجل عاد فقال : لا والله يا رسول الله ، ولا خاتما من حديد». وفى الرواية عند مالك قال له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هل عندك من شىء تصدقها به»؟ قال الرجل : ما عندى إلا إزارى هذا (يعنى

٧٤٨

ثوبى) ، فقال له : «إزارك إن أعطيتها جلست لا إزار لك» أو قال : «ما تصنع بإزارك إن لبسته؟» ولمّا همّ الرجل بالرحيل ناداه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وسأله : «ما ذا معك من القرآن؟ أو قال : «فهل تقرأ من القرآن شيئا»؟ قال الرجل : سورة كذا وكذا. وفى رواية : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم زوّجها له على ما معه من القرآن ؛ وفى رواية أنه زوجها له على سورة من القرآن ، وفى رواية أخرى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم زوّجها منه على سورة البقرة ولم يكن عنده شىء. وفى الحديث عن أبى هريرة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال له : «فعلّمها عشرين آية وهى امرأتك» ، وفى حديث ابن عباس أنه قال له : «أزوّجها منك على أن تعلّمها أربع أو خمس سور من كتاب الله» ، وعن ابن عباس أيضا : أن الرجل قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه يحفظ إنّا أعطيناك الكوثر ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أصدقها إياها». وفى الحديث عن ابن مسعود أنه قال له : «أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها ، وإذا رزقك الله عوّضتها» ؛ فتزوجها الرجل على ذلك». ومن حديث أنس فيما أخرجه ابن أبى شيبة والترمذى : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سأل رجلا من أصحابه : «يا فلان هل تزوّجت»؟ قال : لا ، وليس عندى ما أتزوج به. قال : «أليس معك» قل هو الله أحد؟» ـ وفى كل ذلك ردّ على من يزعم أن أقل المهر ربع دينار ، باعتبار أن قطع يد السارق لأقل المال هو ربع دينار ، ومن ثم فأقل المهر ربع دينار كذلك ، والخاتم الحديد لا يساوى ربع دينار ، وقياس مقدار الصداق على مقدار نصاب السرقة باطل ، لأن القياس أولا فى مقابل النص غير صحيح ، واليد وهى عضو السرقة تقطع وليس كذلك الفرج ، فالقياس باطل ، ويجب فى القدر المسروق أن يردّه السارق وليس كذلك الصداق ، ثم إن اليد تقطع فى ربع دينار نكالا للمعصية ، فهل الزواج معصية ليماثل مقدار صداقه نصاب السرقة؟ والصحيح أنه ليس هناك حدّ لأقل المهر ، والأحاديث كثيرة فى أقل الصداق ، فعند ابن أبى شيبة من طريق أبى لبيبة : «من استحلّ بدرهم من النكاح فقد استحلّ» ، فالدرهم يصح مهرا ؛ وعند أبى داود عن جابر : «من أعطى فى صداق امرأة سويقا أو تمرا فقد استحلّ». (والسويق هو دقيق الحنطة والشعير) ؛ وعند الترمذى من حديث عامر بن ربيعة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أجاز نكاح امرأة على نعلين ؛ وعند الدارقطنى من حديث أبى سعيد ضمن حديثه عن المهر قال : ولو على سواك من أراك ، وعند مسلم من حديث جابر : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله حتى نهى عنها عمر. ويقصد بنستمتع : الزواج (زواج المتعة) ، وقال البيهقى تعليقا عليه : إنما نهى عمر عن النكاح (الزواج) إلى أجل لا عن قدر الصداق. بل إن قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم «ولو خاتما من حديد» خرج بلو مخرج المبالغة فى طلب التيسير على طلب الزواج ، ولم يرد عين الخاتم الحديد ، ولا قدر قيمته

٧٤٩

حقيقة ، ومن ثم لا ينبغى التعلّل بأن أقل الصداق هو ربع دينار ـ قيمة الخاتم الحديد. والمهم أن يكون هناك صداق ولو أقل القليل ، وكلّ بقدر وسعه ، ولا بد للصداق من منفعة ولو كان الصداق تعليم القرآن. بل إن أم سليم فيما أخرجه النسائى ، قالت لطلحة لمّا خطبها ـ وكان كافرا : والله ما مثلك يردّ ، ولكنك كافر وأنا مسلمة ، ولا يحلّ لى أن أتزوجك. فإن تسلم فذاك مهرى ولا أسألك غيره» ، فأسلم ، فكان ذلك مهرها. وأخرج النسائى عن أنس قال : تزوج أبو طلحة أم سليم ، فكان الإسلام صداقه لها. وعن ابن سعد أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعتق صفية بنت حيىّ ، وجعل عتقها صداقها. والمهر بالعروض جائز فى الإسلام ، والعرض بفتح أوله وسكون ثانيه ، هو ما يقابل النقد ، وهو أى شىء بقدر وسع الرجل ومكانة المرأة ، فالكفاءة دائما شرط الزواج ، ومهر المثل من شروط الزواج كذلك.

والمهر يثبت بالزواج ولو لم ينصّ عليه فى العقد ، ومن يمن المرأة قلّة مهرها ، وقيل : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تزوج عائشة وأمهرها ما قيمته دينارا ؛ وتزوج أم سلمة على مهر قيمته ربع دينار ، وعلى أثاث بيت عبارة عن رحى يد ، وجرّة ، ووسادة ؛ وزوّج ابنته فاطمة من علىّ بن أبى طالب على درع قميص حرب ، وعن أم سلمة وعائشة قالتا : أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن نجهّز فاطمة حتى ندخلها على علىّ بن أبى طالب ، فعمدنا إلى بيته ففرشناه ترابا ليّنا من أعراض البطحاء ، ثم حشونا مرفقتين ليفا ، فنفشناه بأيدينا ، ثم أطعمنا تمرا وزبيبا ، وسقينا ماء عذبا ، وعمدنا إلى عود فعرضناه فى جانب البيت ليلقى عليه الثوب ، ويعلّق عليه السقاء ، فما رأينا عرسا أحسن من عرس فاطمة!

هذا يا أخى المسلم ويا أختى المسلمة كان صداق المسلمات الأوائل ، وكان جهازهن ، فلا تعقيد ولا غلو ، بل بساطة وفطرة ، وكان الزواج مجلبة للرضا والسكينة ، ومدعاة للرحمة والتوادّ. وآداب الزواج هذه فى الصداق والجهاز ليس منها شىء فى اليهودية ولا فى النصرانية ، وإنما ينفرد الإسلام بها ، ويتميز بتعاليمه الرشيدة فيها ، ويؤسّسها على الفهم الواعى للحكمة من الزواج ، فليس المهم بهرج الدنيا ، وإنما أن يكمل نصف الدين ، وتستقيم الحياة بشريك يعين عليها ويكون به إعمار الدنيا وإنجاب صالحين يعبدون الله. ولله الحمد والمنّة.

* * *

١٦٦٧ ـ تحريم الشغار لأنه بلا صداق

الشغار : هو أن يقول الرجل للرجل : زوّجنى ابنتك وأزوّجك ابنتى ؛ أو زوّجنى أختك وأزوّجك أختى ، أو زوّجنى ابنة اختك وأنا أزوّجك ابنة أختى. والشغار عند الجمهور

٧٥٠

باطل ، فعن أنس مرفوعا : «لا شغار فى الإسلام» وعن جابر مرفوعا : «نهى عن الشغار ، والشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق : بضع هذه صداق هذه ، وبضع هذه صداق هذه». والمشاغرة فيها خلو بضع كل منهما من الصداق ، وذلك مخالف لشروط عقد النكاح ، والبضع هو الفرج ، وليس صداقا ، وترك ذكر الصداق هو علّة البطلان.

* * *

١٦٦٨ ـ هل تهب المرأة نفسها للزواج؟

فى الآية : (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (الأحزاب ٥٠) أن من الممكن أن تعرض المرأة نفسها للزواج ، وقد يظن البعض أن هناك من النساء المسلمات من عرضن أنفسهن على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليتزوجهن ، وأورد بعض المفسرين أسماء نساء فعلن ذلك ، غير أن الثابت أنه ما من امرأة عرضت عليه نفسها ؛ ولم يحدث أن تزوّج واحدة وهبت له نفسها. والآية فيها «إن» تكررت مرتين ، وهى للافتراض ، يعنى : بفرض أن امرأة تهب نفسها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وقيل تفسير الهبة فى الزواج : أنها زواج بلا مهر ، وأن الواهبة تفوّض نفسها إليه فيكون هو وليّها ، وفى حالة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه ولى كل المؤمنات. ولو كان هذا التفسير صحيحا فإن الزواج يكون باطلا ، لأنه لا علاقة جنسية يمكن أن تقوم بين رجل وامرأة إلا بالزواج ، ولا زواج إلا بمهر ، ولا ينعقد الزواج أصلا بلفظ الهبة ، بأن تقول المرأة : وهبت نفسى لك ، فشرط انعقاد الزواج أن يكون بلفظ النكاح أو التزويج ، وهما اللفظان الصريحان اللذان ورد بهما انعقاد الزواج فى القرآن والسنّة. وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعطى رخصة الزواج «هبة» ، أى بلا مهر ، والدليل على ذلك أن الآية نفسها اشتملت على تحليل من دفع لهن مهورا فقال تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَ) (الأحزاب ٥٠) ثم قال بعد ذلك : (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (الأحزاب ٥٠) ، وكأن الآية بشطريها تتضمن تحليل الزواج ممن دفع إليها أجرها أو مهرها ، وأيضا أن تتنازل عن هذا الأجر. وعلى ذلك فالهبة : هى أن ترضى المرأة بالزواج بلا مهر ، وهذا هو الصحيح فى تفسير هذه الآية.

* * *

١٦٦٩ ـ هل تعرض المرأة نفسها على الرجل الصالح؟

عرضت خديجة نفسها على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الجاهلية ، فقالت له : يا ابن عمّ ، إنى قد رغبت فيك لقرابتك ، وسطتك فى قومك ، وأمانتك ، وحسن خلقك ، وصدق حديثك».

٧٥١

والسّلطة هى الأفضلية. والخلق إذن هو ما أعجب خديجة فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم تكن وسامته أو شبابه هو ما أعجبها فيه. ولم تكن خديجة كما زعم المستشرقون : امرأة معها المال وتريد زوجا شابا بعد أن جرّبت الزواج بالكهول وتوفوا عنها وتركوها أرملة ، وإنما كانت خديجة من أشرف النساء نسبا ، وأكثرهن مالا وأدبا وعلما وخلقا. ولم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ممن يمكن أن يتزوج من تعرض عليه نفسها ، مهما كانت ، فعن أنس : أن امرأة قدمت على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تعرض عليه نفسها وقالت : يا رسول الله ألك بى حاجة»؟ وعن سهل بن سعد : أن امرأة عرضت نفسها على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وزوّجها لرجل لم يكن معه ما يصدقها به سوى ما يحفظ من القرآن ، فملّكها له بما معه منه. ونعلم من ذلك أنه لا تعارض بين أن يكون الحياء مطلوبا فى المرأة ، وأن تعرض نفسها للزواج على رجل صالح ، وتبدى له رغبتها فيه.

* * *

١٦٧٠ ـ هل يعرض الرجل ابنته أو أخته للزواج؟

فى الرواية عن عبد الله بن عمر : أن عمر بن الخطاب حين تأيّمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة ـ وكان من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتوفى بالمدينة ـ قال عمر : أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة ، فقال سأنظر فى أمرى ، فلبثت ليال ثم لقينى ، فقال : قد بدا لى أن لا أتزوج يومى هذا. قال عمر : فلقيت أبا بكر الصدّيق فقلت له : إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر ، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلىّ شيئا ، وكدت أوجد عليه وعلى عثمان ، فلبثت ليال ثم خطبها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأنكحتها إياه : أخرجه البخارى. ومعنى تأيّمت : فقدت زوجها ، وأوجد عليه : استشعر الغضب عليه. وفى هذه الرواية نفيد جواز عرض المسلم ابنته على من يعتقد خيره وصلاحه ، ولا استحياء فى ذلك.

* * *

١٦٧١ ـ لا تخطب المرأة فى عدّتها

للرجل أن يعرض لخطبة المرأة المطلّقة المبتوتة ، أو التى مات زوجها ، فى عدّتها ، تعريضا وليس تصريحا ، لقول الله عزوجل : (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ) (البقرة ٢٣٥) ؛ والتعريض : هو أن يذكر ما يدل به على رغبته فى الزواج منها ، دون أن يقول لها ذلك مباشرة. ولا تثريب على الرجل أن يضمر فى نفسه أن يخطبها عند انتهاء عدّتها ، وليس له أن يواعدها سرا إلا أن تكون

٧٥٢

المواعدة ليقول لها قولا معروفا ، ولا يجوز أن يعقد عليها فى العدّة إلا أن تنقضى. وعلّة المنع من التصريح فى العدّة : أن المرأة تكون فيها محبوسة على ماء الميت أو المطلّق ، ولأن التصريح ذريعة إلى العقد ، والعقد ذريعة إلى الوقاع.

* * *

١٦٧٢ ـ محارم الزواج فى الإسلام واليهودية والنصرانية

محارم الزواج فى اليهودية يشملها سفر الأحبار من أسفار التوراة ، دوّنوه ابتداء من العودة من سبى بابل (الجيل الخامس قبل المسيح) ، ولم يكتبه موسى ، ولم يمله على أحد ، ومؤلفه مجهول. والأم فى اليهودية محرّمة ، والأخت من الأب أو الأم ، وبنت الابن أو الابنة ، والخالة ، وزوجة العم ، وزوجة الابن ، وزوجة الأخ ، ولا يجوز الجمع بين المرأة وابنتها ، ولا الزواج من ابنة الزوجة ، ولا ابنة ابنتها ، ولا الجمع بين الأختين. وتحرم الزوجة فى طمثها ، وزوجة الصاحب ، ويحرم الذكر على الذكر ، ويحرم إتيان البهائم أو أن تأتى البهائم المرأة. وفى النصرانية نفس الشيء بزيادة بطلان زواج المطلقة. والتحريم يحفظ النسل من الضعف ، ويقى من وراثة الأمراض والعيوب الخلقية والنفسية والعقلية. والمحارم فى الإسلام ، تشملهم الآية المعروفة بآية تحريم المحارم ، وتقول. (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (٢٣) (النساء) ، بالإضافة إلى تحريم حليلة الأب ، فحرّم الله سبعا من النسب ، وستا من رضاع وصهر ، وألحقت السنّة المتواترة محرما سابعا وهو الجمع بين المرأة وعمّتها. وثبت فى الرواية عن ابن عباس ، قال وحرّم من النسب سبع ، ومن الصهر سبع. وقيل المحرّم السابع هو قوله تعالى : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ) (النساء ٢٤) ، فالسبع المحرّمات من النسب ، هن : الأمهات ، والبنات ، والأخوات ، والعمّات ، والخالات ، وبنات الأخ ، وبنات الأخت ؛ والسبع المحرمات بالصهر والرضاع : الأمهات من الرضاع ، والأخوات من الرضاع ، وأمهات النساء ، والربائب (بنات الزوجة) ، وحلائل الأبناء ، والجمع بين الأختين ، والمحرّمة السابعة : من كانت زوجة للأب ، كقوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) (النساء ٢٢) ، وهؤلاء لا يجوز نكاح واحدة منهن ، إلا أمهات النساء اللواتى لم يدخل بهن أزواجهن ، فالعقد على الابنة وإن لم يدخل بها يحرّم الأم ، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم. والأم والريبية سواء ، لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى. وفى رأى أن الأم إذا وطئها بزنا ، أو قبّلها ، أو لمسها بشهوة ، حرّمت عليه

٧٥٣

ابنتها. ولا تحلّ أم المزنى بها ، ولا بناتها ، لآباء الزانى ولا لأولاده. وقالوا : إذا عقد الرجل على الابنة ولم يرها ، ولا جامعها ثم طلّقها ، فلا تحلّ له أمها. وفى الحديث : «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحلّ له أن يتزوج أمها ، دخل بالبنت أو لم يدخل ، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ، ثم طلقها ، فإن شاء تزوج البنت».

* * *

١٦٧٣ ـ الشروط فى النكاح الصحيح

شروط النكاح الصحيح على ثلاثة أقسام : الأول : ما يلزم الوفاء به ، ويعود إلى الزوجة نفعه ، مثل أن تشترط أن لا يخرجها من دارها أو بلدها ، فإن لم يف فلها فسخ النكاح ؛ فإن شرطت عليه أن يطلّق ضرّتها ـ قيل : يلزمه الشرط لأنه لا ينافى العقد ؛ والثانى : ما يبطل الشروط ولكنه لا يبطل العقد ، كما إذا اشترط أن لا مهر لها ، أولا ينفق عليها ، فهذان شرطان باطلان لأنهما يتضمنان إسقاط حقوق تجب بالعقد ؛ والثالث : ما يبطل النكاح من أصله ، كما لو اشترط أن يكون النكاح لمدة ، أو أن يطلقها بوقت بعينه ، أو أن يعلّق الزواج على رضا والديها ، فالنكاح صحيح والشرط باطل.

* * *

١٦٧٣ ـ أهلية المتعاقدين على الزواج

يشترط فى الخاطب والمخطوبة : العقل ، والبلوغ ، والرشد ، حتى مع الولى ، فمن غير المعقول أن تزوّج غير الرشيدة وإن كان الأوائل قد أجازوا ذلك ، وخلوهما من المحرمات ، وأن يتعيّنا بشخصيتهما ، وأن يتوفر فى العقد القصد ، والرضا ، والاختيار ، فلا إكراه فى الزواج ، ولا يعتد برضا الهازل ، والساهى ، والنائم ، والمغمى عليه ، والسكران ، ولا يجوز للسفيه أن يعقد لنفسه أو يعقد له آخر لأن الزواج يتطلب تصرفات مالية من مهر نفقة وهو ممنوع عنها ، أفلا يمنع من باب أولى من الزواج وهو الذى له متطلبات وأهداف عليا؟ ولا يصح لوكيل المرأة أن يزوجها إلا لمن أوكلته لزواجها ، ولو فعل غير ذلك كان فضوليا.

والخلاصة : أن الأهلية شرط الزواج ، وأنه يحظر زواج غير العاقل ، وغير الراشد ، وغير البالغ ، حيث أن الزواج الصحيح يقتضى اكتمال البنت نفسيا ، وعقليا ، وبدنيا ، وفسيولوجيا ، وبيولوجيا ، واجتماعيا ، وهذا هو معنى أهلية المتعاقد على الزواج ، وينبغى أن تحضر مجلس العقد وتنطق بالقبول وتوقع على العقد بنفسها.

* * *

١٦٧٤ ـ الزواج الباطل والفاسد

يبطل الزواج من المرأة : المتزوجة ، والمعتدة ، فإذا علم الرجل والمرأة التحريم فالوطء

٧٥٤

زنا ؛ ويحرم الزواج من المرتدة عن الإسلام. وإذا تزوجت المرأة زواجا فاسدا لم يجز تزويجها لغير من تزوجها حتى يطلقها أو يفسخ زواجه بها ، فإن تزوجت بآخر قبل التفريق بينهما لم يصحّ زواجها الثانى ، ولم يجز تزويجها لثالث حتى يطلق الأولان ؛ أو يفسخ زواجهما ، فإن فرّق بينهما قبل الدخول فلا مهر لها تطالب به ، وإن فرّق بينهما بعد الدخول لها المهر المسمى ، أو مهر المثل. ولا حدّ فى الوطء فى الزواج الفاسد ، وتعتد الموطوءة بزواج فاسد كعدّة المطلقة ، ولا نفقة لها إلا للحامل.

* * *

١٦٧٥ ـ عورة الرجل والمرأة

العورة : هى ما يستره الإنسان من أعضائه أنفة وحياء ، وكل أمر يستحيا منه مطالعة العورات من المحرّمات ، وكان آدم وحواء أول من استحيا من العورة ، كقوله تعالى : (وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) (الأعراف ٢٢) ، وقوله : (ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَ) (٥٨) (النور). والعورات جمع عورة ، والمقصود بالعورات فى الآية السابقة الساعات التى يحتمل أن تنكشف فيها العورة ، وهى : (مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ) (٥٨) (النور) ، ولا يعنى أن مطالعة العورات محرّم فقط فى هذه الثلاث ، فإنما كشف العورة ومطالعتها عموما غير مباح. وحدّ عورة الرجل : ما بين السرّة والركبة ، وليست السرّة والركبتان منها ؛ والمرأة جميعها عورة إلا الوجه والكفّين ، ولا ينكشف منها شىء فى الصلاة غير ذلك ، ويعفى عن اليسير من عورتها قياسا على يسير عورة الرجل ، والواجب أن تستر نفسها بما يستر لون بشرتها ، ولا تبطل الصلاة إن انكشف الشيء اليسير ، وهو ما لا يفحش. ومن لا يجد ما يستر عورته يصلى قاعدا ويومى ، وليس عليه إعادة ، وإن لم يجد إلا ثوبا نجسا صلّى فيه ولا يصلى عريانا ؛ وإن لم يجد إلا ما يستر بعض العورة ستر مقدمته ومؤخرته ؛ ولا بأس على المصلى أن يصلى بالثوب الواحد إذا كان يستر عورته وعلى عاتقه بعضه ؛ والمستحب للمرأة أن تصلى فى ثوب سابغ ، وخمار يغطى رأسها وعنقها ، ويجزئها من اللباس ما يسترها الستر الواجب. ويجب ستر العورة عند الاغتسال ؛ وستر عورة الميت عند غسله ؛ ويباح للزوجين النظر إلى عورتيهما حتى الملامسة ، ويكره النظر إلى الفرج ؛ ويكره للرجل أن ينظر عورة الرجل ، كما يكره للمرأة أن تنظر عورة المرأة. ويكره للرجل أن ينظر إلى ما يظهر من ذوات المحارم : كالساقين ، والرقبة ، والصدر ، وإلى ساق أمه وصدرها ؛ ويباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدن المرأة وعورتها ، وللشاهد أن ينظر إلى وجه

٧٥٥

المشهود عليها ؛ وللبائع أن ينظر إلى وجه المشترية ، وللشيخ الطاعن ، والغلام ما دام طفلا ، والرجل إذا أمن الفتنة ؛ ولا تثريب أن ينظر الرجل إلى المرأة العجوز التى لا يشتهى مثلها ، والطفلة التى لا تصلح للزواج ؛ ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل إلا إلى مثل ما يجوز له أن ينظره منها ؛ ويباح للرجل أن ينظر إلى المرأة التى يريد أن يتزوجها ، بإذنها أو بغير إذنها من غير خلوة بها ، وأن يردد النظر ويتأملها ويطالع وجهها.

* * *

١٦٧٦ ـ رفضه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن تكون لابنته ضرّة؟

فى الصحيح عن المسور بن مخرمة قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول وهو على المنبر : «إن بنى هشام بن المغيرة استأذنوا فى أن ينكحوا ابنتهم علىّ بن أبى طالب ، فلا آذن ، ثم لا آذن ، ثم لا آذن ، إلا أن يريد ابن أبى طالب أن يطلّق ابنتى وينكح ابنتهم ، فإنما هى بضعة منى ، يريبنى ما أرابها ، ويؤذينى ما آذاها» والضرّة للمرأة هى امرأة زوجها ، أطلق عليها ذلك لأنها تضرّ بالزوجة الأخرى ، وقيل فى الأمثال الحسد داء الضرائر ، ولا تأتى المضرّة إلّا من الضرّة. والحكاية أن علىّ بن أبى طالب زوج فاطمة بنت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أراد خطبة بنت أبى جهل عليها ، فقال النبىّ مغضبا ما قاله على الناس ، وكانت فاطمة قد سمعت بنبإ هذه الخطبة ، وفى الرواية عند ابن حبان أنها جاءت إلى أبيها وقالت : إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك ، وهذا علىّ ناكح بنت أبى جهل؟!! والرواية عند الحاكم : أن عليا خطب بنت أبى جهل ، فقال له أهلها : لا نزوّجك على فاطمة. وفى رواية أخرى : أن عليا خطب بنت أبى جهل إلى عمها الحارث بن هاشم ، وجاء إلى النبىّ يستشيره فقال له : «أعن حسبها تسألنى»؟ فقال : لا ، ولكن أتأمرنى بها؟ قال : «لا ، فاطمة بضعة منى ، ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع». وفى رواية الزهرى زاد أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال على المنبر : وإنى لست أحرّم حلالا ولا أحلل حراما ، ولكن والله لا تجمع بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبنت عدو الله عند رجل أبدا» ، وذلك إذن مفاد القصة ، فلم يشأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يحرّم على علىّ أن يتزوج إطلاقا ، وإنما كان اعتراضه أن يجمع بين ابنته كرسول الله وبين ابنة عدو الله أبى جهل فى بيت واحد ، وعلّل ذلك بأن هذا الجمع بينهما يؤذيه شخصيا كما يؤذى ابنته ، ولو لا هذه العلّة لما أنكر هذا الزواج ، لأنه لا يمكن أن يحرّم الحلال ، أى أن عليّا له أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع ، وبنت أبى جهل له حلال لو لم تكن عنده فاطمة ، والحرام فى ذلك هو الجمع بينهما فذلك الذى يؤذى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويؤذى ابنته فاطمة. وقوله فاطمة مضغة منى ، أو بضعة منى ، أى قطعة منه ، يؤذيه ما يؤذيها ، وكانت فاطمة قد عانت كثيرا بوفاة أمها ،

٧٥٦

ثم بوفاة أخواتها الواحدة بعد الأخرى ، حتى صارت وحدها لا أنيس لها يخفّف عنها ، فرّق لها قلب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنكر أن يؤذيها زوجها. وفى رواية لمسلم زاد على ما سبق قوله : «يريبنى ما يريبها» ، «وأنا أخاف أن تفتن فى دينها» ، يعنى أنها فى حالة الغيرة قد يقع منها فى حق زوجها ما لا يليق بها. وقد جاهر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإنكار هذه الزيجة ليمنع فى الحال ما يمكن أن يترتب عليها من أضرار فى المآل. وربما كان استنكاره تنبيها إلى استهجان الزواج بأكثر من واحدة ، وترسيخا لمعنى التوجيه الإلهى : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (النساء ٣) ، (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) (النساء ١٢٩). ولقد انتقد المستشرقون والعلمانيون اختصاص فاطمة بهذا المنع من أن تكون لها ضرّة ، فلما ذا لم يكن ذلك فى اعتباره صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يتزوج على بنت أبى بكر ، وبنت عمر ، وعلى زوجاته الأخريات؟ ولما ذا لم ير أن الغيرة تضرّهن؟ ولما ذا لم يخش على دينهن من الافتتان؟! وقال هؤلاء : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على العكس كان يستكثر من الزوجات ، وكانت لهن معه جولات وصولات ، ولم يراع فى حقهن ما راعاه فى حقّ فاطمة؟! وحاصل الجواب : أن زوجاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم كن يجدن المؤانسة منه شخصيا ، فكان يزيل وحشتهن ويلاطفهن ، ويطيّب خواطرهن ، ويحسن إليهن فيخفف من غلواء غيرتهن ، وأما فاطمة فلو ذهب عنها علىّ إلى غيرها ، فمن يتبقّى لها وقد فقدت الأم والأخوات؟ ولم تكن لها بنات يؤنسنها ، وكانت كثيرة المرض ، شديدة الحزن ، تعيش فى فقر عجيب وتتحمل ذلك رغم صحتها المتهافتة؟ والأهم من ذلك أنه ما كان يرضى أحدا أن تجتمع بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبنت عدو الله أبى جهل تحت سقف واحد ورجل واحد ، فهذا كثير على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى فاطمة! ناهيك عن أن فاعل ذلك هو علىّ بن أبى طالب ركن الدعوة الركين كما قيل ، وله المنزلة الكبرى من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حتى أنزله منه بمنزلة هارون من موسى كما قالوا ، فكيف يأتيه الأذى منه بالذات؟! ذلك إذن هو سبب اعتراض النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يحدث أن حلل حراما ولا حرّم حلالا كما قالوا وادّعوا ، ولم يزن بميزانين ، ولا كال بمكيالين.

* * *

١٦٧٧ ـ لا ينكح المسلم زوجة أبيه

نكاح زوجة الأب منهىّ عنه فى اليهودية (تثنية الاشتراع ٢٢ / ٣٠) ، مثله مثل نكاح الأب لزوجة ابنه (سفر الأحبار ١٨ / ٧ ـ ١٥). وفى الجاهلية كان يجوز للابن أن يتزوج حليلة أبيه إذا طلقها أو مات عنها ، فلما جاء الإسلام حرّمته الآية : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً) (النساء : ٢٢) وروى ابن أبى

٧٥٧

حاتم عن أسباب نزولها : أنّ أبا قيس بن السلت وكان من صالحى الأنصار ، خطب ابنه قيس امرأة أبيه بعد وفاة الأب ، فقالت له : إنما أعدّك ولدا ، وأنت من صالحى قومك! ولكنى آتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم». فأتته وقالت : إن أبا قيس توفى ، فجاءنى ابنه قيس يخطبنى وهو من صالحى قومه ، وإنما كنت أعدّه ولدا ، فما ترى؟ فنزلت الآية : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً) (٢٢) (النساء) وقوله تعالى : «إلا ما قد سلف» دلّ على أن زواج الابن من حليلة أبيه كان معمولا به قبل الإسلام ، وكان النضر بن كنانة من زواج كهذا ، وكان يقول عن نفسه «ولدت من نكاح لا من سفاح» ، فدلّ على أنهم فى الجاهلية كانوا يعدّونه نكاحا. وعن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرّم الله إلّا امرأة الأب ، والجمع بين الأختين ، فأنزل الله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) (النساء ٢٢) ، (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) (النساء ٢٣) ، ووصف الله هذا الزواج بالفحش والمقت ، وأطلق عليه المسلمون «زواج المقت» ، لأنه كان مقيتا. والمقت هو البغض ؛ وقوله «ساء سبيلا» : لأنه يؤدى إلى أن يمقت الابن أباه بعد أن يتزوج امرأته ، والنفس البشرية جبلت على أن من يتزوج امرأة يبغض من كان زوجها قبله ، ويغار إذا تذكرته الزوجة بالخير ، ولهذا حرّمت أمهات المؤمنين على المسلمين ، لأنهن أمهات لهم ، لكونهن زوجات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو كالأب ، وحقّه أعظم من حق الآباء ، فهو رسول الأمة ، ومبلّغها ، ومربّيها ، ومشرّعها ، فوجب أن يكون حقّ زوجاته أعظم من حقّ الأمهات. ولو أجيز زواج نساء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأبغضه من يتزوج منهن ، فنأى الله بالمسلمين عن ذلك ، إذ كيف يجتمع للمسلم أن يتلقى دينه وعقيدته عن من يبغضه؟ وإنما يجادل فى ذلك المستشرقون والعلمانيون والعلمانيات عن جهل وتعصّب مقيتين. والذى يزنى بامرأة أبيه ، تحرم عليه فروعها كما تحرم هى على فروعه ، ومثله الذى يزنى بأم زوجته فإن زوجته ، تحرم عليه حرمة مؤبدة. والذى عليه النصارى فى أمريكا وأوروبا بخلاف ذلك تماما ، فالرجل يمكن أن يتزوج امرأة أبيه المطلقة أو المتوفى عنها ، وأن يتزوج أم زوجته إذا توفت زوجته أو طلّقها ، وكانت أمها مطلقة أو أرملة ، وأن يستمر زواجه من زوجته ولو زنا بأمها!!

* * *

١٦٧٨ ـ لمتزوجة لا يجوز أن تتزوج على زوجها

فى قوله تعالى : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ) (النساء ٢٤) تحريم للنساء ذوات الأزواج ، فلا يتزوج الرجل امرأة متزوجة من آخر ولو كانت وزوجها على غير دينه ، ولا يتزوج الرجل من المرأة المحصنة ، أى العفيفة ، يغصبها على الزواج منه ، ولو كان زواجا بشهود ومهر

٧٥٨

وولى ، ولا يتزوج بأكثر من أربع ، أو بأكثر من واحدة كما فى قوله تعالى : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (النساء ٣) ، وقوله : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) (النساء ١٢٩).

* * *

١٦٧٩ ـ زواج المتعة محرّم

استدل من يقول بتحليل زواج المتعة فى الإسلام بالآية : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (النساء ٢٤) ، واحتجوا لذلك بأن زواج المتعة مشروع بنصّ الآية ، وهو قول الشيعة ، وذهب الشافعى وطائفة من العلماء إلى أنه قد أبيح ثم نسخ ، ثم أبيح ثم نسخ ، مرتين. وقال آخرون : إنما أبيح مرة ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك. وفى رواية أحمد : أن زواج المتعة أباحته الضرورة. والثابت عن علىّ بن أبى طالب قوله : «نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن نكاح المتعة». والقول إذن بأن زواج المتعة هو زواج ، قول خطأ ، لأنه لم يرد أنه زواج. وفى صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهنى عن أبيه : أنه غزا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم فتح مكة فقال : «يا أيها الناس ،! إنى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء ، وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شىء فليخل سبيله ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا». وقال : «وإنما كانت (يقصد المتعة) لمن لم يجد ، فلما أنزل النكاح ، والطلاق ، والعدّة ، والميراث بين الزوج والمرأة نسخت». وعن أبى ذر قال : إنما أحلت لنا أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم متعة النساء : ثلاثة أيام ، ثم نهى عنها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «كانت المتعة لخوفنا ولحربنا». وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج معه المسلمون فى غزوة تبوك فنزلوا بثنية الوداع ، فرأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم النساء يبكين فقال : «ما هذا؟» قيل : نساء تمتّع بهن أزواجهن ثم فارقوهن فقال : «حرّم أو هدم المتعة النكاح والطلاق والعدّة والميراث». والعقل والمنطق يقضيان بتفسير آية المتعة كالآتى : وكما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن فى مقابلة ذلك. وهو تفسير يتكرر معناه فى آيات مثل : (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء ٤) ، وقوله : (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ) (النساء ١٩) وقوله : (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) (النساء ٢١). وآية المتعة إذن ليست للمتعة وتفسيرها مختلف عما ادّعاه القائلون بالمتعة. والعرف وجمهور العلماء والناس ضد زواج المتعة هذا ، وهو امتهان لكرامة المرأة ، وكرامة أبويها وأسرتها ولا يمكن أن يقبله والد أو والدة أو امرأة ممن وصفهن الله تعالى بالمحصنات أى العفيفات. وعن ابن أبى مليكة برواية البيهقى ، قال : سئلت عائشة زوجة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن متعة النساء (أى زواج المتعة) فقالت : بينى وبينهم كتاب الله عزوجل. وقرأت هذه الآية : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى

٧٥٩

أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) (المؤمنون ٧) فمن ابتغى وراء ما زوّجه الله أو ملّكه ، فقد عدا» ، فاستنبطت من الآية أنه لا وجود لزواج المتعة. وزواج المتعة هو نكاح مؤقت ، قيل : وقّت بثلاثة أيام بلياليهن ، يتوافق الرجل والمرأة على ذلك ، فإن أحبّا أن يتزايدا فلهما ذلك ، وإن أرادا أن يتتاركا أو يتفارقا فلهما ذلك. وأيّما زواج علّق على وقت فهو باطل ، ولو نوى الزوجان عند العقد أن يتفارقا بعد مدة لا يصح زواجهما ، وناكح المتعة زان ولا يعزّر.

ومثل زواج المتعة ما يسمى «زواج الأخدان» ، من قوله تعالى : (وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) (النساء ٢٥) وهو المعروف حاليا «بالزواج العرفى» ، أو «الزواج السرّى». ومن رأى من يأخذون به أن ما استتر فلا بأس به ، وما ظهر فهو لوم. ومثل ذلك أيضا نكاح البدل ، وقد أخرج الدارقطنى من حديث أبى هريرة ، قال : كان البدل فى الجاهلية أن يقول الرجل للرجل أنزل لى عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك». والبدل قائم حاليا ويشرّعه البعض ، طالما أن الطرفين قد طلقا زوجتيهما ، وكلاهما يتزوج الأخرى بعد العدّة ، وهو «زواج هوى» وليس زواجا كما ينبغى ، تراعى فيه الأصول الاجتماعية والعرف الأخلاقى وجوهر الشريعة.

* * *

١٦٨٠ ـ الزواج المؤقت محرّم

الفرق بين زواج المتعة والزواج المؤقت : أن زواج المتعة ليس زواجا ، لأن الزواج يكون فى بدايته عقد وفى نهايته طلاق. وأما المتعة : فهى اتفاق بين الرجل والمرأة على أن يقضى معها وقتا معلوما يتمتع بها فيه ، فإذا انقضى الوقت فارقها بدون طلاق. وزواج المتعة ـ أو بالأحرى المتعة فقط بلا زواج ـ لا يكون فيها شهود ، ولا عقد ، ولا التزام بالولد إذا حملت المرأة ، ولا يرث الرجل المرأة إذا ماتت ، ولا ترثه ، ولا يرثه ابنها ، وليس لها عليه نفقة ، ولا صداق.

والزواج المؤقت : فيه الزواج بلفظ الزواج أو النكاح ، والشاهدان ، وعقد الزواج ، والصداق ، ويتوفر به الإيجاب والقبول ، ولكنه مرهون بمدة ، فإذا انقضت المدة فإما يستمر الزواج وإما الطلاق ، وللزوجة كامل حقوقها ، فهو زواج كالزواج الصحيح ، إلا أنه مشروط بشروط المدة ، وهذا يفقده معنى الزواج ، فالزواج الحقيقى للتكاثر ، وحفظ النسل وتنشئتهم ، وإنجاب البنين ، وتربيتهم ، وتكوين الأسرة ورعايتها ، وفيه السكينة والمودة والرحمة ، وذلك لا يتوفر إلا إذا قام الزواج بنيّة الاستمرار فيه. والزواج لو تم والزوج ينوى التطليق بعد مدة فهو زواج شكلى وفاقد لمعناه ، كأن يكون الرجل فى بلد غير بلده ،

٧٦٠

فيتزوج بنيّة أن يظل مع امرأته طالما هو فى البلد ، فإذا رحل عنها طلّقها ، فأى زواج هذا إن لم يكن زواجا للمتعة ـ وإن كان له شكل الزواج؟! ويا أخى المسلم ، ويا أختى المسلمة ، لا تلاعب بالدين ، فهذا زنا لا شك فيه ، يقننه البعض بغرض الإفلات من عقوبة الزنا ، وشرط الزواج هو الاستمرارية ، لأن الزواج نظام اجتماعى ركين ، وبه تقوم المجتمعات الصحيحة ، وتبنى الدول القوية ، والأسرة إن لم تحطها الدولة بكافة الضمانات تزعزع بزعزعتها البنيان الاجتماعى كله فينهار. وليس زواج المتعة ، والزواج المؤقت ، والزواج العرفى ، والزواج السرّى ، إلا بغرض التحلل من تبعات ومسئوليات الزواج ، وتدفع إليه نوايا خبيثة وميول فوضوية. ومثل ذلك زواج المسيار وهو آخر ما اخترعه الإباحيون ، وله شكل الزواج ، ويبقى كل من الزوجين فى بيته ، وينفق على نفسه دون الآخر ، ولا حقوق ولا واجبات لأى منهما على الآخر ، فالزوج يسير على هواه ، والزوجة على هواها ، وحسبنا الله.

* * *

١٦٨١ ـ الزواج العرفىّ حرام

الزواج العرفى هو الزواج يتفق عليه الرجل والمرأة بدون مأذون ، وقد يكتبان به ورقة فيما بينهما ، وفيه إيجاب وقبول ، ويشهد عليه شاهدان ، ويتم ذلك فى سرية دون إعلان ، ويتكتمان أمرهما ، ولذلك يسمى هذا الزواج أيضا بالزواج السرّى. وإسقاط الرجل والمرأة لدور الدولة أو المجتمع الذى تنوب عنه الدولة يبطل هذا الزواج ، لأن المراد بالزواج تكوين الأسرة وإنجاب البنين وتنشئتهم وتربيتهم ، والدولة هى التى تحفظ حقوق الزوجة والأولاد ، وتضمن للزوج حقوقه قبل الزوجة وحيال أولاده وبيته. ووجود الزواج الرسمى يجبّ الزواج العرفى ، فما الداعى إلى الزواج العرفى إن لم يكن بغرض التفويت على الزوجة أن تستقضى الزوج حقوقها منه إذا أهملها أو أهمل أولاده منها؟ أو إذا تنصّل من زواجها وأبوّته لأولاده؟ ثم كيف تفعل الزوجة إذا ظهر الحمل عليها؟ ثم عند الإنجاب؟ أليس فى الحمل والإنجاب إعلان؟ فما الداعى إذن من البداية للسرّية؟ والزواج السنّى هو الذى من أركانه الإعلان ، والشاهدان ، والولىّ ـ أى أبو الزوجة أو أخوها أو عمّها إلخ ، فإن لم يكن هؤلاء فهو السلطان ، أى الدولة ممثلة فى المأذون أو القاضى. وشاهدا الزواج العرفى ليسا شاهدى عدل ، أى لم يعرف عنهما التقوى ، وإلا لما شهدا على مثل هذه الزواج السّرى ، وشهادتهما لا تكفى كإعلان ، لأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أعلنوا النكاح ، ولو بالدفّ» ، وقال أبو بكر الصدّيق : «لا يجوز نكاح السّر حتى يعلن ويشهد عليه» وعن عائشة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا نكاح إلّا بوليّ وشاهدى عدل ، فإن تشاجروا فالسلطان ولى من لا ولى له». والإعلان

٧٦١

ليس مجرد أن يشهد العقد شاهدان ويتواصيا بالكتمان ، فالشاهدان هما شرط الانعقاد ، ويتبقى الإعلان وهو واجب اجتماعى وعرفى ، ولا بد منه بعد تمام العقد بالإيجاب والقبول ، فشهادة الشاهدين شرط ، والإعلان شرط آخر ، وحضور الولىّ أو من ينوب عنه شرط ثالث ، ومن حق الدولة أن تشترط لصحة العقد أن تمثّل الحكومة فيه بموظف رسمى يضمن قانونيته ، ثم ما الداعى لسرّية الزواج إن لم يكن بغرض إخفاء شىء ، وفى إفشائه ضرر للزوج أو للزوجة؟ وكثيرا ما تكون المرأة غير محل للعقد ، كأن تكون محرّمة لزواجها من آخر ، أو تكون فى العدة ، وربما ينعدم شرط التكافؤ بين الزوجين ، وغالبا ما ينعقد مثل هذا الزواج بين المراهقين ، وأكثرهم قصّر لا يعولون أنفسهم ، وأمثال هذه النقائص والعيوب لا تجعل الزواج مقبولا ويطعن فى صحته ، وما كان مطعونا فيه فليس بزواج على الحقيقة. ناهيك عن أنه فى الطلاق لا يتم بلفظ الطلاق ، ولا يتوفر له الشاهدان ، ويكتفى الرجل والمرأة بتمزيق الورقة العرفية. وفى الزواج العرفى لا يوجد صداق ، وعند الطلاق لا توجد متعة ولا نفقة ، وللرجل المتزوج زواجا عرفيا أن يتزوج كما يشاء زواجا رسميا ، دون أن يكون للمرأة العرفية حق الزواج ، ولا حقّ المطالبة بالطلاق ، لعدم الأخذ بالأوراق العرفية أمام المحاكم ، وليس لها أن تطالب بنفقة حيث لا تسمع أية دعاوى من أى نوع للزواج العرفى ما عدا دعاوى إثبات النسب. وما كان منه ضرر فهو حرام قطعا ، وتلاعب مقيت بالشرع والدين. وحسبنا الله.

* * *

١٦٨٢ ـ لا يحل للمسلم أن يتزوج مشركة

فى الآية : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) (البقرة ٢٢١) تحريم زواج المسلم من المشركة ، وينسحب ذلك بالأولى على الملحدة ، والدهرية ، والطبيعية ، والمرتدة عن الإسلام ، والهندوسية ، والكونفوشية ، والعلمانية ، والوثنية. وسبب نزول الآية أن مرثد بن أبى مرثد واسمه كناز بن حصين الغنوى ، بعثه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع سالم إلى مكة سرّا ليخرج رجلا من أصحابه ، وكانت له بمكة امرأة يحبها فى الجاهلية ، قالت له : تزوجنى. قال : حتى استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فأتى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستأذنه ، فنهاه لأنه مسلم وهى مشركة. وسبب تحريم المشركة أنه ليس لها دين يحرّم الخيانة ويوجب الأمانة ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وهى موكولة إلى طبيعتها ، وما تربّت عليه بين أهلها وقومها ، وما أخذتها به المدارس فى بلدها ، ومن ذلك أن لا تتأبّى على الانحلال الجنسى ، وأن تنفر من مسئوليات الزوجية والأسرة ، وأن تعتاد الاستقلالية والفردية واللاانتماء ، وأمثالها من العدميات والفوضويات ، فإن تزوجها المسلم فليس من سبب لزواجه بها إلا جمالها ، وقد

٧٦٢

يطغيه جمالها فيمرق من الدين كالسهم ، ويغلب عليه استقباح النواهى ، واستهجان الزواجر ، على عكس الكتابية ، فهى تؤمن بالله وبالأنبياء ، وتستهدى الخيرات ، وتستبعد المنكرات ، وإن نسيت يوما فقد تثوب إلى رشدها وتتوب إلى ربّها ، ومن كان ذلك شأنها فقد يستهويها ما فى الإسلام من حقّ وإيمان ، وتصديق بالأنبياء ، وتوحيد لله ، وحضّ على الخير ، ونفرة من المنكر ، فهى أقرب إلى أن تؤمن من الكافرة المعاندة. ومعاشرة الكتابية قد تغريها شريعة الإسلام التى تعطيها حقّها ، وتضمن لها فرديتها وذاتها ، وتجعل لها غاية وهدفا فى الحياة ، على عكس الكافرة أو المشركة فإنها لا ترى الشرائع بالكلية ، وقد تزيد فتستعلى كامرأة ، وتتنكر لكل الأصول الحضارية.

وفى اليهودية يباح زواج اليهود من المشركات والمشركين ، وتزوّج موسى حبشية (العدد ١٢ / ١) ، وكان زواج السبايا المشركات مستباحا (تثنية الاشتراع ٢١ / ١١) ، وتزوّج داود حيثية (ملوك ٢ / ١١ ـ ٣) ، وتزوج سليمان ابنه فرعون الوثنية (الأحبار ٢ / ٨ ـ ١١). ونهى عزرا عن الزواج من الأجنبيات لأنهن وثنيات (عزرا ١٠ / ١٠) ، وحذر نحميا من الزواج من الأجنبيات من أجل الشرك (نحميا ١٣ / ٢٣) ، ومع ذلك تزوجت إسرائيلية من مصرى (الأحبار ٢٤ / ١٠) ، ولم يكن مصريا فى الحقيقة ولكنه من سكان جاسان (محافظة من مصر) حيث كان الهكسوس يحكمون ، وكان آشوريا أصلا ، ومصريا نشأة ، وكان أقرب إلى العبرانيين لأنه كان يساكنهم فى جاسان ، وفى النصرانية أبيح الزواج من المشركات والمشركين (بولس ٧ / ١٤ ـ ١٥). والخلاصة : أن الإسلام ـ على عكس اليهودية والنصرانية ـ ينهى عن الزواج من المشركات ، ويحظر زواج المسلمة من المشرك.

* * *

١٦٨٣ ـ زواج المشرك أو الكتابى من مسلمة لا يجوز

نهى الله تعالى عن الزواج من المشركين والمشركات ، فقال : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) (البقرة ٢٢١) وحرّم زواج المشرك من المسلمة ؛ والمشرك : هو الذى يقول بإله ولكنه يشرك معه آخر أو آخرين ، والآية بعمومها لا بخصوصها ، وعموم الآية أن المشرك : هو كل من لا يؤمن بالله الواحد ، أو لا يؤمن بإله أصلا ، أو يؤمن بإله ولكن لا يرى البعث والحساب والجنّة والنار ، أو يؤمن بالله ولا يرى داعيا لرسالات الأنبياء والديانات القائمة ، ويرى أنها مثار خلافات ومنازعات ومشاحنات بين الناس ولا داعى لها ، وكل ذلك فى عموم لفظ الشرك. والمشرك قد يغطى على شركه حسن سمته أو خلقه ، أو حسبه أو نسبه ، أو انتمائه

٧٦٣

لدولة كبيرة أو جنس عريق ، أو امتلاكه للجاه والسلطان ، أو لعلو قدره فى العلم ؛ وكذلك المشركة قد يغفر لها شركها ، لجمالها ، أو مالها ، أو انتمائها لشعب أو جنس. وفى الحديث : «لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ، وانكحوهن على الدين ، فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل» ، وثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «تنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك» ، وفى الحديث يستوى غير التقى وغير التقية مع المشرك والمشركة ، وكلاهما نهانا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الزواج منهم ، والسبب واحد : أن كليهما ـ المشرك أو المشركة ، وغير التقية أو غير التقى ـ نهايتهما إلى النار ، فمن أراد أو أرادت النجاة بنفسه أو بنفسها ، وبعياله ، أو بعيالها ، من غضب الله وعذابه فى الدنيا والآخرة ، فلينأ بنفسه عن الارتباط بمن نسى الله أو أنكره. وبعض الناس يأخذون الآية بمعناها الضيق ، ففي القرآن يجيء ذكر المشركين ولا يعنى بهم أهل الكتاب ، والآية تخصّ المشركين ولا تشمل أهل الكتاب ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تزوّج كتابية يهودية هى صفية بنت حيى قيل إنها أسلمت ، ومع ذلك فقد اشتكت جاريتها إلى عمر بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنها ما تزال على دين آبائها ، وكانت عائشة وحفصة يذكرانها فيقولان اليهودية ، وتسرّى الرسول بريحانة اليهودية وهذه ظلت على دين آبائها ، وبمارية القبطية ولم يوجد من أقوالها وأفعالها ما يدل على أنها عرفت العربية أو تحولّت إلى الإسلام. وكتب التفسير تقول فى قوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) (البقرة ٢٢١) : أن الله استثنى من ذلك أهل الكتاب فقال : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (المائدة ٥) ، فأوقف المشركين على عبدة الأوثان ، ولم يرد بالآية أهل الكتاب بالكلية. ولمّا تزوج حذيفة «يهودية» ، كتب إليه عمر يقول : خلّ سبيلها. فكتب إليه حذيفة : أتزعم أنها حرام؟ فقال عمر : لا أزعم أنها حرام ولكنى أخاف أن يزهد الناس فى المسلمات. والحديث بين عمر وحذيفة يصدق كذلك على زواج الكتابى من مسلمة وخوف عمر هو نفسه مضمون الآية : «ولعبد مؤمن خير» ، «ولأمة مؤمنة خير» والزوج الصالح أو الزوجة الصالحة ، كما يقول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «خير متاع الدنيا» ، والصلاح لا يكون إلا بصلاح العقيدة أولا ، وصلاح الأعمال ثانيا ، والعقيدة التى تشوبها شائبة تفسد ، والنصارى يقولون المسيح ابن الله ، والله ثالث ثلاثة ، ولست أرى شركا أعظم من ذلك! واليهود يقولون إنهم شعب الله المختار ، ولا شعب سواهم اصطفاه الربّ لنفسه ، ونسوا أن يتّقوا الله فأنساهم أنفسهم ، فضلّوا وأضلّوا ، وانحرفوا بالعقيدة ، وزيّفوا الرسالة ، فلم يعد جائزا من ثمّ أن يتزوج المسلم كتابية تدعوه إلى ذلك ، وكره المسلمون زواج المسلمة من الكتابى فتدين له بالطاعة وتتعبّد بما يتعبّد ، إلا

٧٦٤

لو آمن الكتابى أو الكتابية ، وإيمانه الذى يجيز الزواج منه هو بوحدانية الله وبنبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن يصلى ، ويصوم ، ويزكّى ، ويحجّ ما استطاع ، وقد صادق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على هذا المعيار ، فمن شهد بذلك وفعله فقد حقّ أن نزوّجه ، ولو أنه غير مستحسن ؛ وقد أقرّ بذلك علم الاجتماع وعلم النفس معا ، باعتبار أن لكل فرد «إطاره المرجعى» الذى يسلك بمقتضاه فى حياته ، فإذا تزوج الرجل أو تزوجت المرأة بمن يختلف معها أو معه فى إطاره أو إطارها المرجعى ، تصادم معه أو معها ، ولم يقم التوافق بينهما ، ولا زواج أصلا إلا بالتوافق ، فهو لحمة الزواج وسداه ؛ وفيما أخرجه النسائى فإن أم سليم خطبها طلحة ولم يكن مسلما ، فقالت له : والله ما مثلك يردّ ، ولكنك كافر وأنا مسلمة ، ولا يحلّ لى أن أتزوجك ، فإن تسلم فذاك مهرى ولا أسألك غيره ، فأسلم طلحة ، فكان الإسلام هو صداق ما بينهما.

* * *

١٦٨٤ ـ زواج المسلم من الكتابية جائز

يحلّ للمسلم أن يتزوج الكتابية من اليهود أو النصارى ، بقول الله تعالى : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ) (المائدة ٥). ولمّا نزلت هذه الآية أقبل الناس على الزواج من نساء أهل الكتاب ، وتزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى واليهود ولم يجدوا فى ذلك بأسا. وأهل الكتاب بخلاف المشركين ، بدليل الآية : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البينة ١) فتمايز بالآية ما بينهما ، وظاهر العطف بين اللفظتين فيها يقتضى المغايرة بينهما. وكما نعرف ، تزوج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صفية اليهودية ، وكانت سريته ريحانة يهودية ، ومارية القبطية ـ أى المصرية كانت نصرانية ، وتزوج عثمان بن عفان : نائلة بنت الفرافصة الكلبية ، وكانت نصرانية ، وتزوج حذيفة يهودية من أهل المدائن. ولمّا سئل جابر عن نكاح اليهودية والنصرانية قال : تزوجنا بهن زمن الفتح مع سعد بن أبى وقّاص ، غير أن الزواج باليهوديات والنصارى وإن كان جائزا إلّا أنه مكروه ، فلا يؤمن على المسلم أن يميل إلى زوجته ودينها ويفتن عن دينه ، فإن كانت حربية فالمصيبة أكبر ، والحربية : هى التى بين المسلمين وأهل بلدها حرب قائمة وإن لم تكن معلنة وصريحة. والحرب من شأنها أن توغر الصدور ، وتعمّق الكراهية ، وتزيد النفرة ، وتحضّ على الأذى ، فينال المسلم منها ومن قومها ـ إن ساكنهم ـ ما يكره ، أو قد ينالها منه ومن قومه ما تكره ، فلا يستقيم الزواج ، وتسوء العشرة ، وقد يكون المسلم معايشا للكتابية فى بلدها ، فيعامله أهلها معاملة الأقلية ، وتتسيّد زوجته عليه وتستكبر وتستعلى ، وفى علم النفس : أن

٧٦٥

الفرد من الأقلية يميل إلى التعيّن بثقافة الأغلبية ، فيسلك بحسب معاييرهم ، ويحرّم ما يحرّمون ، ويحلّل ما يحلّلون ، فيبرأ من دينه ولا يدرى ، ويستمال أولاده إلى ما لا يجب ، ويعتنقون ما كان يخشى ، فكان مكروها لذلك الزواج من الكتابية وخاصة الحربية ، والإسلام لم يقر الزواج من الكتابية إلا ليطلع أهل الكتاب على مضمونه ، ويعرفوه عن قرب ، فلعل تعاليمه تعجبهم ، وعساهم يؤمنون به. ومن يتزوج من كتابية عليه أن يجعل ذلك نصب عينيه ، وغاية مرامه ، وشغل أيامه ، أنه فى حقيقته داعية إلى الإسلام ، وإنما بطريقة مختلفة ، وربما كانت هى الطريقة الأذكى ، والوسيلة الأنجح ، والأداة الأكثر فائدة ، والقدوة خير من الوعظ ، والمسلم الذى يتزوج من كتابية عليه أن يكون نموذجا للمؤمن ، فيحبّذ بسلوكه الآخر إلى الإسلام ، ويغرى غير المسلمين ، برقيه وتحضّره ، إلى اعتناق الإسلام ، ويقنعهم بعلمه وخلقه. والمسلم الذى يتزوج من كتابية يتعرّض لما يسمى التقارب بين الأديان ، والمقارنة بين العقائد ، والحوار بين الحضارات ، ولا بد له أن يكون صاحب علم ودراية ، واسع الأفق ، بعيد النظر ، أريب كيّس ، يعرف طريقه ، ويحدد أهدافه ، خاصة وهو يساكن الكتابية فى بلدها ، ويحتك بثقافتها فى كل وقت ، وتدعوه بجمالها ، ويغريه أن يتقلّد فى قومها المناصب ، ويجد المأوى والملاذ ، ومن ذلك كارلوس منعم وأسرته المسلمة فى الأرجنتين ، فقد تنصّر لكى يعلو حتى صار رئيسا لدولتها ، وتنصّر كثيرون لكى يستشعروا الانتماء وتنتهى غربتهم ، وتهوّد مسلمون فى إسرائيل تعيّنا بعقيدة الغالب كما يقول عالم النفس ليفين Levin ، وهؤلاء وأولئك كان مدخل تنصّرهم أو تهوّدهم زواجهم من كتابيات حربيات ، فلتحذر ذلك يا أخى المسلم ، واعلم أن الحقلة لا تنبت إلا البقلة ، وأن المطامع تقطع أعناق الرجال ، ولا ينفعك من جار سوء توقّ.

* * *

١٦٨٥ ـ زواج المسلم لا يكون إلا من محصنة مؤمنة

المسلم لا يتزوج إلا محصنة مؤمنة ، كقوله تعالى : (أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ) (النساء ٢٥) ، والمحصنات المؤمنات : هن الحرائر العفائف المؤمنات ، اللاتى لا يتعاطين الزنا ، وقوله بعد ذلك : (فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) (النساء ٢٥) أى إن لم تجدوا زوجات من الحرائر ، فانكحوا الفقيرات ، بشرط أن يكن أيضا : (مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) (النساء ٢٥) ، أى لا يزنين علنا ، ولا يرافقن الرجال سرا ، وفى كل الأحوال فإن المطلوب من المسلم ، فى عصر كهذا تفشّى فيه الزنا مع النقلة الحضارية ، أن يختار زوجته واعية ، ومثقفة ،

٧٦٦

ومتحضرة ، ومتسلّحة بالإيمان ، وفى كل الأحوال : هى الشريفة العفيفة التى لا تأتى الزنا أبدا ، لا فى السرّ ولا فى العلن.

* * *

١٦٨٦ ـ ولاية النكاح

كثيرون يذهبون إلى زواج المرأة بوليّ ، ويشترط فى الولى : العقل ، والبلوغ ، والإسلام ، وأن يكون ذكرا ، عادلا. وقيل أحق الناس بالولاية والد البنت ، ولا ولاية لأحد معه ، ثم أبوه وإن علا ؛ وأولى الأجداد أقربهم وأحقّهم بالميراث ، ويجوز أن يقدّم الأخ على الجدّ ، والأخ الشقيق مقدّم على الأخ من الأب ، وتترتب الولاية على ترتيب الإرث بالتعصيب ، ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب. وإن لم يكن للمرأة ولى ، من قرابتها ، زوّجها رجل عدل بإذنها ؛ فإن تزوجت بغير إذن وليّها ، وكان الزواج كفءا أجيز الزواج. وإذا أرادت أن تتزوج بكفئها ، ورغب كل واحد منهما فى صاحبه ، وامتنع وليّها ، فإنه يكون عاضلا لها ، كقوله تعالى : (فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ) (البقرة ٢٣٢) ، وقيل : الآية تثبت أنه لا يجوز النكاح بغير ولى ، ولو كان الأمر بيد النساء لزوجهن أنفسهن ولم يحتج الأمر فى الآية إلى مخاطبة الأولياء ، فالخطاب فيها لهم ، والأمر إليهم فى التزويج ، كما أن الأمر للنساء فيما يرتضين من الأزواج ، واحتج بها أصحاب أبى حنيفة : على أن للمرأة أن تزوج نفسها ، لأنه تعالى أضاف أمرها إليها ، فقال : (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (البقرة : ٢٣٠) ، فلم يذكر الولى وجعل زواجها لنفسها. ولا يجوز أصلا للأب أن يزوج ابنته من غير كفء ، ولا من غير رضاها ، وإذا زوّجت اليتيمة فلها الخيار ولو كانت لم تبلغ ، وعلى الأب أن يستأذن ابنته عند تزويجها ، وإذا نطقت بالقبول فهو أبلغ وأتم فى الإذن من صمتها. والخلاصة : أن البنت لا يحق لها الزواج إلا إذا كانت راشدة وعاقلة بالغة ، أى مكتملة عقليا وبدنيا ونفسيا ، ولها أن تقبل وترفض من يتقدم للزواج منها ، ولها أن تزوّج نفسها بوليّ من أهلها ، أو من غير أهلها ، أو بدون ولى.

* * *

١٦٨٧ ـ المرأة وليّة نفسها

فى الحديث عن أبى بردة عن أبيه : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا نكاح إلّا بوليّ» ، أى أن الزواج لا يكون إلا بولى. وعن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قالت فى شرح أنواع النكاح فى الجاهلية أن نكاحا منها كان مثل نكاح الناس اليوم ، «يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته ، فيصدقها ثم ينكحها». ونزلت الآية : (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَ) (البقرة ٢٣٢) ، فى معقل بن يسار لمّا زوّج أخته من رجل فطلقها ، فلما

٧٦٧

انقضت عدّتها جاء يخطبها ، فقال له معقل : زوّجتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها! لا والله لا تعود إليك أبدا! وكان مطلقها رجلا لا بأس به ، فذهب يشكو إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت امرأته تريد أن ترجع إليه ، فأنزل الله «فلا تعضلوهنّ» أى لا تمنعوهن ، فرضخ معقل وزوّجها إياه. والآية تدخل فيها الثيب ، وكذلك البكر المطلّقة ، وفيها أن زواجهما لا يكون إلا بولى. وفى الآية : (وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) (البقرة ٢٢١) ، والآية : (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ) (النور ٣٢) الخطاب بالنكاح للرجال الذين هم أولياء النساء ، وإذن فلا بد من الولىّ ، إلّا أن عائشة من ناحية أخرى كانت تجيز النكاح بغير ولى ، وروى مالك أنها زوّجت بنت عبد الرحمن أخيها ، وهو غائب. وأيضا فإنه قد صحّ عن عائشة أنها أنكحت رجلا من بنى أخيها فضربت بينهم بستر ثم تكلمت ، حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا فأنكح ، ثم قالت : ليس إلى النساء نكاح» أخرجه عبد الرزاق. ولا يشترط أبو حنيفة الولى أصلا متى كانت المرأة رشيدة ، والرشيدة يجوز لها أن تزوج نفسها ولو بغير إذن وليّها إذا تزوجت كفؤا ، واحتج بالقياس على البيع والشراء فإنها تستقل بهما ، وحملت الأحاديث الواردة فى اشتراط الولى على الصغيرة غير الرشيدة ، والصغيرة غير الرشيدة لا يحق لها الزواج فى ظل القوانين الحالية ، ومن ثم فبحسب أبى حنيفة : للمرأة حقّ تزويج نفسها إذا حسن اختيارها. وفى الحديث عن سهل بن سعد أن امرأة جاءت إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تهب له نفسها ، أى تزوّجها من نفسها ، فكان أمرها إذن إلى نفسها. والمرأة المتعلّمة والتى تشغل المناصب ، كأن تكون أستاذة جامعية ، أو طبيبة ، أو مهندسة ، أو مدرّسة إلخ ، هى بالقطع وليّة نفسها متى بلغت الواحدة والعشرين ، وتأخذ المجالس الحسبية بوصاية المرأة ، وهى تعمل الآن وزيرة ، ومديرة ، ورئيسة لمجلس الإدارة ، ووكيلة نيابة ، ورئيسة للوزراء ، وسفيرة ، فالولاية للمسلمة المتعلمة مسألة مفروغ منها ، ومنطقية ، ومتمشية مع ما بلغه العصر من تقدم ، وما حققه المسلمون من ارتقاء.

* * *

١٦٨٨ ـ زواج اليتيمة بإذنها

فى الحديث عن عائشة لمّا سئلت عن الآية : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) (النساء ٣) قالت : هذه هى اليتيمة تكون فى حجر وليّها ، فيرغب فى جمالها ومالها ، ويريد أن ينتقص من صداقها ، فنهوا عن نكاحهن ، إلا أن يقسطوا لهن فى الصداق ، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء ، فأنزل الله عزوجل لهم فى هذه الآية : أن اليتيمة إذا كانت ذات مال وجمال ، رغبوا فى نكاحها ونسبها ، وطمعوا فى صداقها ، وإذا كانت مرغوبا عنها من قلة مال وجمال تركوها ، فليس لهم إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقّها

٧٦٨

الأوفى من الصداق». ومعنى «اليتيمة» ينصرف إلى من توفى أبوها ، أو لا يعرف لها ولى ؛ «وتقسطوا» معناها تعدلوا ؛ «واليتامى» المقصود بها «يتامى النساء» (النساء ١٢٧) ، و «المرأة اليتيمة» هى الرشيدة التى بلغت مبلغ النساء فلا تزوّج إلا بإذنها. وفى الحديث : «إنها يتيمة ، واليتيمة أولى بأمرها» ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن ، فإذا سكتن فهو إذنهن» أخرجه الدارقطنى ، فوجب أن لا يستخف بزواج اليتيمة إطلاقا مهما كانت صغيرة أو كبيرة ، وأن تستأذن فى زواجها ، فلا تزوّج من أى أحد ، وبأى صداق. وللنساء ـ سواء اليتيمات أو غير اليتيمات ـ مناكح وصدقات وأكفاء عرفت لهن وعرفن لها ، فإذا زوّجت اليتيمة فلا بد من استئذانها وموافقتها ، وإذا تم الزواج فمن العدل حسن معاشرتها كغير اليتيمة سواء بسواء.

* * *

١٦٨٩ ـ الزواج : من أربع ، أو من أكثر ، أو من أقل ، أو من واحدة؟

ما وافق العقل فهو من الشرع ، والله تعالى يقول : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (النساء ٣) : «والطيّبات من النساء» هن اللاتى يحلّ الزواج بهن ، لأن المحرمات من النساء كثير. والطيّبة هى الصالحة ، ولا يقال «النساء» إلا لمن يبلغن الحلم ، وواحدة النساء نسوة ، ولا واحد لنسوة من لفظه ، ولكن يقال امرأة. ومثنى وثلاث ورباع» معدول عن لفظه ومعناه ، فآحاد معدول عن واحد ؛ ومثنى معدول عن اثنين اثنين ، وثلاث معدول عن ثلاثة ثلاثة ، ورباع عن أربعة أربعة. وكونه معدولا عن معناه أنه لا يستعمل فى موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة. تقول : جاءنى اثنان وثلاثة ، ولا يجوز مثنى وثلاث ، حتى يتقدم قبله جمع ، فتقول : جاءنى القوم وثلاث ورباع ، والعدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع ، والواو ليست جامعة. والتعدد فى النساء وإن أبيح إلا أن ذلك مخصوص لمن ينفردون بشرّة جنسية ، ولأصحاب الحالات الخاصة ، كأن تمرض زوجته ولا يريد مفارقتها ، فيتزوج عليها. ثم إن التعدد خير من الزنا ورفقة النسوان. والإنجاب فى إطار التعدد أفضل من الإنجاب سفاحا. وفى أوقات الحروب قد يكثر أن يموت الرجال ، ويختل التوازن فى أعدادهم والنساء ، فيكون التعدد أصلح للمجتمع ، فمثل ما للتعدد سلبيات كثيرة فإن له فوائد كبيرة. وفى التعدد يخشى أن لا يعدل الرجل ، وعندئذ يكون الأنسب الزواج من واحدة ، والله تعالى يقول : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (النساء ٣) ، ويقول : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) (النساء ١٢٩) ، وكان ولى الله أبو نصر بشر بن الحارث يتحرّج أن يتزوّج حتى من واحدة ، بسبب الآية فى القرآن : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة ٢٢٨) فكان يخشى لو

٧٦٩

تزوّج أن لا ينصف من يتزوجها ، وأن يبخسها حقوقها بقدر ما يتقاضاها من واجبات. وفى الحديث : «اتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» رواه مسلم. وسئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما حقّ زوجة أحدنا؟ قال : «أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبّح ، ولا تهجر إلا فى البيت». وعن ابن عباس قال : إنى لأحب أن أتزيّن لامرأتى ، كما أحب أن تتزين لى امرأتى ، لأن الله يقول : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة ٢٢٨)». وتعدّد الزوجات إذن قد يناسب من لا يتحرجون أن لا يعدلوا ، وهؤلاء يصنّفهم علم النفس والطب النفسى ضمن النمط الشهوانى الجنسى الشبقى النرجسى المحبّ لنفسه ، الذى يحفل برغباته ولو أضرّ بالطرف الآخر ، ويجمع من حوله أكثر من واحدة من النساء. وصحيح أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد جمع بين تسع زوجات ، وبعضهن كن سبيّات وسريّات ، ولكن ذلك كان قبل تنظيم مسألة الزواج ، وكان لأسباب سياسية واجتماعية ، وما كان لأسباب جنسية ، وقد روت عائشة وأم سلمة أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن يستكثر منهما ، ولا من نسائه عموما ، وكان كثير الاعتلال ، وكثيرا ما كان يعتزلهن ولا يقربهن بالشهور ، فلم تكن دوافع الزواج عنده إذن لكسر حدّة الشهوة ، وإنما كانت هذه عادة العرب أن يصاهروا بعضهم البعض ليعظموا فى مجتمعاتهم ولتكون لهم تحالفاتهم ، وتترابط بالمصاهرة عهودهم ومواثيقهم. والآية التى تقول : (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) (النساء ٣) ثار حولها الجدل ، وتمسك بعضهم بها ، بدعوى أن للمسلم حتى تسع زوجات ، باعتبار مجموع الاثنين والثلاث والأربع هو العدد تسعة ، وقد جمع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا العدد إليه فعلا ، وهم يقتدون بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وذهب بعضهم إلى أقبح من ذلك ، فأباحوا الجمع بين ثمانى عشرة! بتأوّل العدل فى الآية أنه التكرار والجمع ، فيكون العدد تسعة مكررا مرتين! وذلك جهل باللغة العربية ، والمعروف أن الصحابة جميعا لم يجمع أىّ منهم فى عصمته أكثر من أربع. ولمّا أسلم غيلان بن أمية الثقفى كانت له عشر زوجات ، فأمره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «اختر منهن أربعا وفارق سائرهن.» وأسلم حارث بن قيس الأسدي وعنده ثمان نسوة ، فأمره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يطلّق أربعا ويمسك أربعا ، وإن كانت مثل هذه الأحاديث لا ترقى إلى مستوى اليقين ، لأن تحريم الزواج من أكثر من أربع نساء كان ينبغى أن لا ينصرف إلى ما قد سلف قبل الإسلام أسوة بقوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي

٧٧٠

حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (٢٣) (النساء) ، فما جرى فى الجاهلية من الجمع بين أكثر من أربع ، أو الزواج من أى من هؤلاء المحرّمات ، نكاحه صحيح ، ولهذا لم يطلّق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من زاد من زوجاته على الأربع. وقوله (ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) (النساء ٣) بعد قوله : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (النساء ٣) ، دليل على أن الله تعالى مع الزواج من واحدة ، ومعنى «ألا تعولوا» : أن تعجزوا أن تعولوا كثرة الأولاد نتيجة لكثرة الزوجات ، ومثله قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً) (التوبة ٢٨) والعيلة هى الفقر. وقد فسّرت عائشة «ألا تعولوا» فقالت : ألّا تميلوا» ، فالذى يعدّد الزوجات يخشى له أن يكثر عياله ويشكو الفقر ، ولا يحسن تربيتهم ، وليس من العدل إذن أن تكثر زوجاته ، ومن تكثر زوجاته يخشى له أن لا يعدل بينهن ، فيجور عليهن ، ولا يفلح أن يرضى أيا منهن ، والقرآن بلا شك مع الواحدة ، والواحدة كثير لو كان الرجل من المقسطين حقا كما كان بشر بن الحارث. وأيضا فإن البعض قد يذهب إلى تفسير مثنى وثلاث ورباع ، أن الرجل قد يتزوج واحدة ثم يطلقها ليتزوج بأخرى ، فله أن يفعل ذلك أربع مرات لا غير ولا يزيد عن ذلك ، ومثله يتسبب فى إفساد حياة من يطلق وتشريد الأطفال ، واستحداث الفرقة والنفرة بين العائلات من أبنائه وأصهاره ، والزواج ليس من المسائل الشخصية ، ومن الخطأ أن يدرج ضمن ما يقال له الأحوال الشخصية ، وإنما الزواج مؤسسة اجتماعية ، ومن حقّ الدولة تنظيمه ، وعلى الفرد أن ينصاع لما تراه الدولة والمجتمع والعرف ، ولما يقضى به العقل ، ولما يقتضيه التحضّر ، وكل ذلك لا يتحقق إلا بالزواج من واحدة وتقييد عدد مرات الزواج طوال العمر ، ولنا فى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسوة ، فقد أمره الله تعالى أن يكفّ عن الزواج من بعد ، فقال : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ) (الأحزاب ٥٢). وأمّا أنه استبقى تسعا من زوجاته ولم يحتفظ بأربع ويطلق خمسا منهن ، إعمالا للنصّ الذى ينهى عن جمع أكثر من أربع زوجات ، ففضلا عن أنهن كن مما سلف ، فإن السبب الأهم أن الله تعالى حرّم على المسلمين الزواج من زوجاته من بعده ، ومعنى «من بعده» سواء من بعد أن يطلقهن لو حدث وطلّق إحداهن ، أم من بعد وفاته ، وبناء عليه لم يكن هناك إلا استبقاء التسع زوجات حتى لا يؤذيهن الطلاق لو حدث ، فالطلاق جعل للتفريق بين زوجين لا يتوافقان ، ولتتاح الفرصة لكليهما أن يجد حظه مع زوج أو زوجة أخرى ، لا يكون معها أو تكون معه على الوفاق المنشود الذى حرمه أو حرمته مع الزوجة السابقة أو الزوج السابق. وزوجات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لن يتزوجهن أحد من بعده ، وليس من سبيل من ثمه إلا أن يستبقيهن زوجات ، وذلك إذن

٧٧١

هو السبب الأقوى ، وهو مخصوص بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحده ، وأما غيره فيخصهم تحريم طلاق ما قد سلف.

وفى اليهودية لم يقيّد الزواج بعدد من الزوجات ، وقيل : تزوّج النبىّ سليمان سبعمائة زوجة ، وامتلك ثلاثمائة سريّة ، ولم يجيء فى التوراة عن التعدّد إلا عبارة واحدة تنهى أن يستكثر الرجل من النساء لئلا يزيغ قلبه (تثنية الاشتراع ١٧ / ١٧). وفى النصرانية لا زواج إلا من واحدة ، والطلاق منهىّ عنه لو كرهها وكرهته ، ولا طلاق إلّا عن زنا ، والمطلقة لا تتزوج ، بينما من حق الأرملة أن تتزوج ، وكذلك يحق الزواج للمطلق أو الأرمل ، وكل ذلك مشروط بواحدة. والإسلام يتوسط بين الإباحة فى اليهودية ، والتضييق فى النصرانية ، والوسطية هى طريقة ومذهب الإسلام ، وهى الطريقة المثلى ، وفيها التوسعة والسماحة ، ولله الحمد والمنّة.

* * *

١٦٩٠ ـ آية (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) نزلت فى اليتامى من النساء وحكمها أعمّ

مع كل ما قلنا فى معنى آية (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) فإن سياقها العام يقضى بشيء آخر ، حيث تقول : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) (النساء ٣) ، فالآية تتحدث عن اليتامى من النساء وليس كل النساء ، وفى الآية : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ) (النساء ١٢٧) ، فبعد أن يذكر النساء بعامة يخص اليتامى منهن ، فقال فى مضمون الآيتين : فإن خفتم ألا تعدلوا فى مهور يتامى النساء ، وفى النفقة عليهن ، فانكحوا غيرهن ، فالنساء كثيرات ، وانكحوا ما حلّ لكم منهن مثنى وثلاث ورباع ، وفى ذلك قالت عائشة فى أسباب نزول هذه الآية : أن المقصود بيتامى النساء : أن اليتيمة تكون فى حجر وليّها ، تشاركه فى ماله ، فيعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليّها أن يتزوجها من غير أن يقسط فى صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، ويبلغوا بهن أعلى سنّتهن من الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن» ، فمن لم يخف القسط فى اليتامى فله أن ينكح أكثر من واحدة منهن : اثنتين ، أو ثلاثا ، أو أربعا ، ومن خاف فله أن يتزوج من غيرهن ، فالآية حكمها أعم من تجويز الزواج من النساء من أكثر من واحدة حتى أربع ، وتنسخ ما كان فى الجاهلية وفى أول الإسلام : من أن للرجل أن يتزوج ما يشاء ، فقصرتهن

٧٧٢

الآية على أربع لمن فى وسعه أصلا أن يتزوج بأكثر من واحدة ولا تكفه الواحدة ، فله أن يعدّد حتى أربع إن استطاع أن يعدل بينهن ، فإن لم يكن ذلك فى استطاعته فليقض شهوته فيما ملكت يمينه ، أى الإماء ، ومع ذلك فالعدل مطلوب أيضا فيهن ، وإلا ما سمّاهن الله تعالى «ملك اليمين ،» وهى صفة مدح ، فاليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنّها ، وهى المنفقة فى الحديث : «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» أخرجه البخارى ، واليمين هى المعاهدة والمبايعة ، وبها سميت الأليّة (أى القسم). والمعاملة بالعدل مع الإماء من مطلوبات حسن الملكة والرفق بالرقيق ، ولم يعد هناك رقيق والحمد لله ، ولم يبق موجب لهذا الجزء من الآية إلا التذكير بأن العدل واجب فى كل الأحوال. والآية برمتها تمنع من الزيادة فى الزواج من النساء ، لأن الزيادة تؤدى إلى ترك العدل فى القسم ، وإسقاط حسن العشرة. ويقرأ البعض «واحدة» فى الآية بالرفع ، لتأكيد أن الزوجة الواحدة كافية وفيها الكفاية ، وكل العقلاء والمتحضرين والمتعلمين على القول بأن الواحدة تكفى ، ومع ذلك فإن «واحدة» قد تقرأ أيضا بالنصب ، وهى قراءة متواترة ، بإضمار الفعل ، بمعنى : فانكحوا واحدة ، وهو أمر من الله تعالى وجوبى كأوامره بالصلاة والصيام والزكاة والحج إلخ.

* * *

١٦٩١ ـ عدل الزوج فيما يكون؟

العدل من مقتضيات الزوجية ، وهو أوجب إن عدّد الزوج زوجاته ، والعدل فى الزوجية يكون فى خمسة أمور : الميل ، والمحبة ، والجماع ، والعشرة ، والقسم ، ومن العدل لذلك أن يكون الزواج من واحدة كقوله تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (النساء ٣) ، ونفت الآية (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) (النساء ١٢٩) إمكان العدل بين الضرائر ومع تعدد الزوجات ، فيتأكد أن الزواج من واحدة هو العدل الأمثل ؛ ونفت الآية بالكلية إمكان العدل بين أكثر من واحدة ، لميل الطبع إلى واحدة دون الأخريات ، وللمحبة لواحدة أكثر من الأخريات ، وللرغبة فى جماع هذه وليس تلك ، ولحظ إحداهن من القلب ، والناس بحكم تكوينهم النفسى لا يملكون ميل قلوبهم ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «اللهم هذه قسمتى فيما أملك ، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك» أخرجه أبو داود ، فعلى المتعدّد أن يحذر أن يجور أو يحيف ، وفى الحديث : «من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقّه مائل» ، والعدل مطلوب إطلاقا مع كل الناس ، وفى كل الأمور ، كقوله تعالى : (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا) (النساء ١٣٥) فإن اتباع الهوى مرد ، واللىّ والإعراض فى الزواج من أشرّ المعاملات للزوجة. وفى الخبر أن

٧٧٣

امرأة أتت إلى عمر بن الخطاب تشكو إليه زوجها ، قالت : يا أمير المؤمنين! إن زوجى يصوم النهار ، ويقوم الليل ، وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله. فقال لها : نعم الزوج زوجك! فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب. فكان الصحابى كعب الأسدي حاضرا ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، هذه المرأة تشكو زوجها فى مباعدته إياها فى فراشه! فطلب إليه عمر أن يقضى فى أمرها ، فقالت المرأة :

يا أيها القاضى الحكيم رشده

ألهى خليلى عن فراشى مسجده

زهّده فى مضجعى تعبّده

فاقض القضا كعب ولا تردّده

نهاره وليله ما يرقده

فلست فى أمر النساء أحمده

وكان زوجها قد استدعوه فحضر واستمع لشكايتها فقال :

زهّدنى فى فرشها وفى الحجل

أنى امرؤ أذهلنى ما قد نزل

فى سورة النحل وفى السبع الطّول

وفى كتاب الله تخويف جلل

فقال كعب :

إنّ لها عليك حقا يا رجل

نصيبها فى أربع لمن عقل

فأعطها ذاك ودع عنك العلل

والحجل : بيت العروس المزيّن ؛ والسبع الطّول فى القرآن : سور : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال وبراءة باعتبارهما سورة واحدة ، وقيل السابعة يونس. وقال كعب : إن الله أحلّ لك من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربّك. وفى مثل ذلك روى أنس : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أتته امرأة تستعدى زوجها ، فقالت : ليس لى ما للنساء؟! زوجى يصوم الدهر! قال : «لك يوم وله يوم ، للعبادة يوم وللمرأة يوم» ، وفى معناه قال لعثمان بن مظعون : «إن لأهلك عليك حقا» أخرجه البخارى.

* * *

١٦٩٢ ـ انتفاء العدل مع تعدد الزوجات

العدل بين الزوجات عند تعدّدهن مستحيل ، وفى الآية : (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ) (النساء ١٢٩) ، أن أشد الظلم الذى يمكن أن يقع على المرأة أن ينعزل الزوج تماما عن زوجته ويؤثر الأخريات ، وهذا هو معنى «كل الميل». والنهى عن «الميل كل الميل» هو طلب للمساواة بقدر الوسع بين الزوجات ، وعدم تعمّد الإساءة إلى أى منهن. و «المعلّقة» اصطلاح قرآنى محض : وهى المرأة ، لا هى مطلّقة ، ولا هى ذات زوج ، تشبيها لها بالشىء

٧٧٤

المعلّق ، لا هو على الأرض استقر ، ولا على ما علّق عليه انحمل. وفى حديث أم زرع فإن المعلّقة كالمسجونة ، نعوذ بالله من ذلك! والآية نهىّ صريح عن الزواج بأكثر من واحدة ، لأن من لا يعدل بينهن يصبح ظالما ، وفى الظالم قال تعالى : (وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً) (الفرقان ١٩).

* * *

١٦٩٣ ـ القسم بين الزوجات

القسم هو التقسيم ، والقسم بين الزوجات هو العدل بينهن ، بمعنى أن يتساوين فى نصيب كل واحدة من الزوج ، بقوله تعالى : (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ) (المائدة ٨) ، والقسم بالعدل مستحيل ، كقوله تعالى : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) (النساء ١٢٩) ، والعدل بينهن يمكن أن يكون فى المبيت ، وفى السكنى ، والنفقة ، والصّحبة ، فهذه أربعة أقسام ، وينتفى فى المحبة ، فيؤثر لذلك الاكتفاء بالزوجة الواحدة ، كقوله تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (النساء ٣) ، فإن تزوّج الثانية فلا بد من القسم بينهما ، فلا يجوز أن يبتدئ بواحدة منهما إلا بقرعة ، فإن كانتا اثنتين كفته قرعة واحدة ، ويصير فى الليلة الثانية إلى الزوجة الثانية بغير قرعة ، فإن كن ثلاثا أقرع فى الليلة الثانية ، وإن كن أربعا أقرع فى الليلة الثالثة ، وإن شقّ عليه القسم فى مرضه ، فله أن يستأذنهن فى الإقامة عند إحداهن. ويجوز أن يتبع الزوج النهار فى القسم تبعا لليل. والأولى أن يكون لكل واحدة منهن مسكن يأتيها فيه. ومن العدل أن يقضى ما يفوت على الزوجة من حقها فى القسم ، ويأثم إن دخل على إحداهن فى غير ليلتها ، إلا إذا دخل عليهن مثل ذلك وساوى بينهن وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يفعل ذلك. وعلى الزوج أن يعدل بين الزوجتين فى بلدين ، فيقيم عند كل واحدة مثل الأخرى. ويصحّ أن تهب إحداهن حقّها من القسم لأخرى ، وقد قسمت سودة يومها لعائشة ؛ ويقسم الزوج للزوجة الجديدة سبعة أيام إن كانت بكرا ، وثلاثة إن كانت ثيّبا ، فإنّ شاءت الثيب سبعة أيام ، فعليه أن يقضى للأخريات بعدها سبعة سبعة ، وحكم السبعة أو الثلاثة التى يقيمها عند الجديدة ، هو حكم سائر القسم فيكون ليلا ، والنهار لمعاشه ، ويكره للرجل أن تزفّ إليه امرأتان فى ليلة واحدة. ولا يجوز سفره مع إحداهن إلا بالقرعة.

* * *

١٦٩٤ ـ قوامة الرجال على النساء ومتى تسقط؟

القوامة فى الآية : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) (النساء ٣٤) هى التكفّل بالأمر ، يقال قوّام ، وقيّم ، أى الذى يقوم بكل شىء.

٧٧٥

وقيل : الآية نزلت فى سعد بن الربيع ، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبى زهير ، فلطمها ، فقال أبوها : يا رسول الله أفرشته كريمتى فلطمها ، فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لتقتصّ من زوجها» ، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «ارجعوا ، هذا جبريل أتانى» ، فأنزل الله هذه الآية ، فقال عليه‌السلام : «أردنا أمرا وأراد الله غيره» أو قال : «أردت شيئا وما أراد الله خير» ونقض الحكم الأول. وقيل الآية نزلت فى جميلة بنت أبىّ ، وفى زوجها ثابت بن قيس بن شمّاس ؛ وقيل نزلت فى عميرة بنت محمد بن مسلمة وفى زوجها سعد بن الربيع. وأيا كان من نزلت فيه أو فيهما ، فإن المعنى المستفاد : أن الرجال هم الأعرف بنسائهم ، وأن منزلتهن عندهم يحددها احترامهم لهن ولدورهن فى الأسرة ، وعليهم أن يعدّوا لهن المنزل اللائق ، وأن ينفقوا عليهن بحسب القدر الاجتماعى لكل واحدة ، وبحسب وسع الرجل على النفقة ، اعتمادا على أنه فى المجتمع زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان الرجل هو الذى يعمل خارج البيت ، وهو الذى يكسب المال ، ومن ثم عليه أن ينفق على زوجته لاحتباسها عنده ، ولتوفرها على عياله لتربيتهم. والمفترض أن الرجل أكثر تدبيرا ، وأقدر على التصرف ، وأحسم للأمور ، على عكس المرأة فإن فيها طراوة ودعة ، ولا تسعفها خبرتها المحدودة بالحياة والناس ، فهذا هو الشأن مع الرجل والمرأة إجمالا فى كل الأديان والملل والمذاهب ، وفى علم النفس والطب النفسى ، وفى مواقف الحياة على مرّ التاريخ. غير أننا حيال هذه الوقعة التى نزلت الآية بسببها نجد أن والد المرأة يقرّ أمام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ابنته افترشت زوجها ، يعنى اعتدت عليه ، وألقته أرضا ووطأته ، أو أنها أساءت القول فيه ، فذلك إذن سبب لطمه لها. وبصرف النظر عن أنه زوجها فمعاملتها له بهذه الطريقة توجب القصاص منها ، ناهيك عن أنه زوجها ، ولو كانت احترمته لما لطمها. والقوامة ليست كما فى القصة ضربا وسوء معاملة ، وإنما عللتها الآية بما فضل الله الزوج من صفات وأخلاق وفضائل ، ولأنه هو القيم على البيت وينفق عليه. واستنبط البعض من قوله تعالى «بما فضل الله بعضهم على بعض» أن الرجل إذا لم يكن يفضل المرأة علما وأدبا وحكمة فلا قوامة له ؛ ومن قوله تعالى : «وبما أنفقوا من أموال» أنه متى عجز الرجل عن إعالة بيته وامرأته لم يكن قوّاما عليها ويجوز لها فسخ زواجها به ، وقد ثبت فسخ النكاح لعدم التكافؤ ، لرجاحة عقل المرأة وسعة الرجل وحمقه ، وثبت الفسخ كذلك عند الإعسار بالنفقة والكسوة ، وإذا كان الزوج غير أمين على زوجته ، ويضربها ، وتتضرر من عشرته. وهذا إذن هو معنى القوامة وحدودها ، فمن فهم منها أنها ضرب المرأة بحجّة تأديبها ، أو ليحبسها فى البيت لا تبارحه ، أو لتطيعه حتى فى المعصية ، أو أن يسيء عشرتها ويتزوج عليها ضرّة واثنتين ويساكنهما معها ، أو أن يكون من مدمنى الخمر أو القمار أو المخدرات ،

٧٧٦

أو أن يكون كذوبا شرسا مفحشا اعتاد السرقة والزنا والنمّ إلخ ، فإنه لا قوامة لمثل هذا ويتوجب فسخ زواجه بها فورا.

* * *

١٦٩٥ ـ المرأة الصالحة كالرجل الصالح سواء بسواء

من المحددات لعلاقة المرأة بالرجل بحسب القرآن الآية : (فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ) (النساء ٣٤) ، فبعد أن جاء فى الآية قبلها أن الرجال قوّامون على النساء ، وقيّد هذه القوامة بالفضل والإنفاق ، وصف المرأة الصالحة بأنها التقية النقية ، التى تقوم بحق بيتها ، وتحفظ على زوجها ماله ونفسها فى غيبته. وفى الحديث «خير النساء التى إذا نظرت إليها سرّتك ، وإذ أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك فى نفسها ومالك» ، والطاعة : هى التوافق فى الحق والخير ، وبالصدق والعدل ، وليست الطاعة كطاعة الأمة لسيدها. والتوافق adjustment : اصطلاح علماء النفس ، وهو أن يكون ما يريده أحدهما ، وما يفهمه ، متمشيا مع مطلوب الآخر وفهمه ، وذلك نفسه هو مضمون الآية : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة ٢٢٨) ، فإن تزيّنت له فهو يتزيّن لها ، وإن سرّته بهيئتها وكلامها ، سرّها بما يبهجها منه ، وأحسن لها القول إلخ ، وبقدر ما يقدّم أحدهما يكون ردّ الفعل عند الآخر.

* * *

١٦٩٦ ـ معنى أن تكون المرأة ناشزا وعلاج النشوز؟

النشوز : هو العصيان ، مأخوذ من النّشز وهو ما ارتفع من الأرض ، يقال : نشز الرجل ينشز ، إذا كان قاعدا فنهض قائما ، ومنه قوله : (وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) (المجادلة ١١) أى قوموا للحرب أو أى أمر من الأمور ، وفى الآية : (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) (النساء ٣٤) ، أى اللاتى تخافون عصيانهن ، والنشوز بين الزوجين كراهية كل منهما للآخر ، يقال نشزت المرأة وتنشز ، فهى ناشز بدون هاء ؛ ويقال نشزت ونشصت بمعنى واحد ، والناشز والناشص : هى سيئة العشرة ، والتى تستصعب على زوجها ، وإذا أساء الزوج معاملته لزوجته فهو ناشز ، لأنه قد نشز عليها ، كأن يضربها أو يجفوها. وعلاج المرأة الناشز طبقا للقرآن ، أولا أن توعظ ، أى تذكّر بما أوجب الله عليها ، من حسن الصحبة وجميل العشرة لزوجها ، فإن استمرت فى غيّها ، هجرها فى المضجع ، وإن كان ينام معها فى نفس الحجرة ، وعلى نفس الفراش ، إلا أنه يقاطعها ، وينأى عنها ، ويتباعد ، فإذا كانت

٧٧٧

تحبه فقد تراجع نفسها وتبادر إلى مصالحته ، وإن كانت مبغضة له فإنها لا تبالى ، ويتوالى نشوزها. وأخطأ من فسّر «اهجروهن» من «الهجر وهو الفاحش من القول ، أى يغلظ عليها ويسبّها ويغصبها على مضاجعته ، وهو أشنع ما يمكن أن تؤذى به المرأة ، لأن المضاجعة إذا كانت قسرا ، كانت كأنما يغتصبها ، وهذا التفسير يخالف روح الإسلام والسنّة. وتجربة الهجر ، لو دخل فيها الزوجان ، فلا يجب أن تستمر لأكثر من شهر ، كما فعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حينما هجر زوجاته لمّا تظاهرن عليه ، وإذا لم ينفع الهجر واستمرت فى النشوز والإساءة إليه ، فله أن يلجأ إلى الضرب ، ولكنه الضرب الذى يذكّرها به وليس الذى يرتكب به جرما يمكن أن يحاكم عليه ، وقد عرّفه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال إنه ضرب للأدب غير مبرّح ، لا يستحدث تلفا ، ولا يكسر عظما ، ولا حتى يؤذى جسما ، وليس منه أى ألم للبدن ، ويكون كالصدمة النفسية للزوجة ، كأن يلكزها ، لأن هذا الضرب ليس للانتقام ولكنه للصلاح ، وما من صلاح يرجى بضرر أو أذى ؛ فإن انصلح أمر الناشز وفاءت إلى رشدها فيتوجب أن يكف الزوج عن التجنّى عليها قولا وفعلا ، فلا يظلمها اعتمادا على قوته وتفوّقه البدنى ، لأنه إن كان هو الأقدر على ردّ الإساءة ، فليتذكر قدرة الله ، وأنه لا يحب الظالمين ، فلا يستقوى زوج على زوجته ، فالله بالمرصاد. والزوجة الناشز لا حقوق لها عند زوجها ، وتسقط نفقتها إلا نفقة عيالها وحضانتها لهم ، فإن رجعت عن نشوزها عادت حقوقها.

* * *

١٦٩٧ ـ كيف يباح ضرب الزوجة فى الإسلام

جاء هذا المعنى صريحا فى حديث عمرو بن الأحوص : أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فذكر حديثا طويلا فيه : «فإن فعلن فاهجروهن فى المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرّح» ، والحديث أخرجه أصحاب السنن ، وصحّحه الترمذى شرحا لقول الله تعالى : (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) (النساء ٣٤). وفى الحديث الآخر عن معاوية بن حيدة ، جاء فيه عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ولا تضرب الوجه» فخصّ الوجه لأن فيه كرامة الإنسان وهو ذاته. وفى الحديث عند عبد الرزاق عن عائشة قال : «أما يستحى أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد! يضربها أول النهار ثم يضاجعها آخره»؟! وفى حديث لقيط بن صبرة لما اشتكى له بذاءة لسان زوجته قال له : «طلّقها» ، فقال : لقيط : إنّ لى منها ولدا! قال : «فعظها ، فإن كان لك فيها خير فستفعل. ولا تضرب ظعينتك كضربك أمتك» أخرجه الحاكم ، يعنى الوعظ أولا ، وإلا فالطلاق ، ولا تضرب الحرائر. وضرب الزوجة هو الضرب غير المبرّح» يعنى للتقريع ، أو

٧٧٨

كالتقريع ؛ وقيل يضربها الرجل بما يعادل ضربة السواك ، فليست المرأة أمة وإنما هى زوجة وإن أخطأت ، وحتى الإماء لم نأمر بضربهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، والأحرى بالمسلم إذن أن لا يقرب الضرب بتاتا إلا فى الفاحشة المبينة نفثا لغيظه ، وحينئذ فقط قد يكون الضرب كالعلاج النفسى للمضرور. وفى الحديث لم يقل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم امرأتك بل قال : «ظعينتك» ، والظعينة هى السيدة ذات الخدر ، تلزم بيتها وتتعهده كالتى تلزم هودجها وخباءها ، ومثلها لا يضرب. والإسلام يستبعد وقوع الضرب إطلاقا ، المبرّح وغير المبرّح ، من المسلم التقىّ العاقل ، وكما فى الحديث : لا يعقل أن يضرب الرجل امرأته أول النهار ثم يجامعها من بقية يومه أو ليلته! والمجامعة أو المضاجعة تستحيل إلا مع ميل النفس والرغبة فى المعاشرة وإلّا فهى اغتصاب ، والاغتصاب زنا فى الإسلام ، ومن دأب المضروب أن ينفر من ضاربه ويدعو عليه ويضمر له الكراهية. وقد جاء النهى عن الضرب بالكلية فى الحديث عن إياس بن عبد الله بن أبى ذباب ، قال : «لا تضربوا إماء الله» ، يعنى سواء منهن الحرائر وغير الحرائر ، فجاء عمر فقال : قد ذئر النساء على أزواجهن» ، فأذن النبىّ لهم أن يضربوهن وإنما ضرب غير مبرّح ، فأطاف بآل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نساء كثير يتشكين ضرب أزواجهن ، فقال : «لقد أطاف بآل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سبعون امرأة كلهن يشكين أزواجهن ، ولا تجدون أولئك خياركم» ، وقوله : «ذئر» معناه غضب واستبّ ؛ وقوله «ولا تجدون أولئك خياركم» ، يعنى أن الذين يلجئون للضرب ليسوا من خيار الناس ، وهم السفلة وأهل السوء ، ونساؤهم منهم ، والله تعالى يقول : (الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ) (النور ٢٦) ، يعنى الكلام والفعل الخبيث أنسب للخبيثين والخبيثات من الناس ، وكذلك الخبيثات من النساء أليق بالخبيثين من الرجال ، والضرب والتسابّ يلائم هؤلاء وهؤلاء ، وأما الطيّبون والطيّبات فأولئك مبرّءون من مثل هذه الدنايا ، وأمّا أن يضرب رجل مؤمن زوجته المحصنة المؤمنة فهو من المحرّمات ، والذى يلجأ إلى الضرب مع من لا تستحقه فالشرع يحميها منه ، ولها القود ، أى أن يؤخذ منه القصاص ، والله تعالى له بالمرصاد ، كقوله تعالى : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَ) (النور) ، وقوله : (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) (المائدة ١٠٠) ، وأما الطيبون فأولئك الذين قال تعالى فيهم : (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) (الحج ٢٤) ، ولنا فى رسول الله أسوة حسنة ، فبرواية الطبرانى عن عائشة : «أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما ضرب امرأة من نسائه قط» ، وبرواية أحمد عن عائشة قالت : لم يكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجزى بالسيئة مثلها ، يعنى لا يعاقب بالضرب أو السبّ. ومقصود آية ضرب النساء : (وَاضْرِبُوهُنَ) (النساء ٣٤) لأمر يتعلق بمعصية الله ، وأما

٧٧٩

لغير ذلك فالضرب مجلبة للنفرة المضادة لحسن العشرة المطلوبة فى الزوجية ، لقوله تعالى (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء ١٩) ، ولقوله تعالى : (وَلا تَعْضُلُوهُنَ) (النساء ١٩) أى لا تضاروهن فى العشرة. وفى الحديث عن أبى هريرة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «واستوصوا بالنساء خيرا». وفى الحديث عند أحمد قال : «المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وهو يستمتع بها على عوج» ، يعنى أن المرأة بها ضعف ، فإن أنت تزوجتها فخذها على ضعفها ، وتعامل معها كما هى ، وعليك واجب تصحيح مفاهيمها وأسلوب تعاملها مع الناس ، وإنما بالمعروف وباللطف ، وقد ثبت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن جابر أنه قال فى حجة الوداع : «واتقوا الله فى النساء فإنهن عندكم عوان» أخرجه مسلم ، وقوله عوان (بالفتح) أى شريكات ومساعدات صارت لهن الخبرة بالعشرة ، وأصبح لهن الإعزاز والتكريم فلا يضربن. وقوله تعالى فى سورة النساء : (فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) (٣٤) تهديد للرجال إذا بغوا على زوجاتهم بالضرب ، فإن الله العلى الكبير وليّهنّ ، وهو المنتقم ممن يظلمهن ويبغى عليهن.

* * *

١٦٩٨ ـ الضرب لم يأمر به الله فى كتابه إلا فى الحدود العظام

لم يأمر الله تعالى بالضرب المبرّح إلا فى الحدود العظام ، فقال : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) (النور ٢) ، وقال : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً) (النور ٤) ؛ وأما ضرب الزوجة الناشز فقال بشأنها : (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَ) (النساء ٣٤) وفسّره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «اضربوا النساء إذا عصينكم فى معروف ضربا غير مبرّح» أخرجه أحمد ، وسئل ابن عباس فى تفسير الحديث فقال : اضربوهن بالسواك ونحوه. يقصد أنه الضرب المذكّر ، الذى يلفت انتباه المرأة نفسيا ، كأن يلكزها أو يغمزها فتستصعب ذلك على نفسها وعندئذ قد تحقّ نفسها وينصلح حالها. ولنلاحظ أن هذا النوع من الضرب وكله الله بالأزواج وليس بالقضاة ، ولم يجعل له شهودا ولا بيّنات ، ائتمانا من الله للأزواج على النساء. ولمّا ضرب ابن عمر زوجته سألوه عن السبب فقال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لا يسأل الرجل فيم ضرب أهله». ولربما يكون الأمر بإزاء هذه الحلول لعلاج الناشز ، أنها حلول للاختيار من بينها بحسب مكانة المرأة الاجتماعية والثقافية ، وبحسب عمرها الزمنى وشخصيتها. والمرأة رفيعة القدر ، قوية الشخصية ، المثقفة ، والمرموقة ، والتى تشغل منصبا ، وذات الحسب والنسب ، لزوجها أن يعظها ولا أكثر من ذلك. والزوجة العزيزة على أهلها ، والتى نالت

٧٨٠

قدرا من الثقافة ، ولها عملها الوظيفى ، فقد يزيد الزوج على الوعظ بأن يهجرها فى المضجع إذا كانت صغيرة السن لم تصقلها التجارب ، ولم تعلّمها الأيام ، وأما السفلة من النساء ، وهن الجاهلات المعروفات ببذاءة اللسان وانحطاط الأخلاق ، واللاتى نشأن فى منابت السوء ، فهؤلاء قد لا يجدى معهن إلا الضرب ، وربما الضرب المبرّح أساسا. وفى الأمثال : أدب الرفيعة العدل ، وأدب الدنيئة السّوط. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قصد هذا المعنى حتما فى هذا الحديث الذى ينسب إليه إن كان صحيحا : «رحم الله امرا علّق سوطه وأدّب أهله» ، قيل قصد به زوجة أبى جهم وكانت من هذا النوع الرذيل من النساء كأغلب زوجات العمال فى المدن الحديثة ، فقال بشأنها : «إن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه» ، ومع ذلك فالحديث لا يلتفت إليه ، ووصف بالضعف وفى الشعر يقال :

الحرّ يلحى

والعصا للعبد

بمعنى أن الحرّة الأبية يكفيها اللوم ، وأما التى لها نفسية الإماء فلا ينفع معها إلا العصا ، كقول الشاعر :

واللوم للحرّ مقيم رادع

والعبد لا يردعه إلا العصا

* * *

١٦٩٩ ـ ما صحة الحديث فى المرأة تبيت مهاجرة فراش زوجها؟

فى الحديث عن أبى هريرة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجىء ، لعنتها الملائكة حتى تصبح» ، أو قال : «حتى ترجع» ؛ والحديث خصّ الليل يدعوها فيه الزوج ـ بقصد المضاجعة ، فما ذا لو دعاها بالنهار؟ ألا تلعنها الملائكة إذا رفضت فى النهار؟ وفى رواية الأعمش للحديث قال : «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجىء ، فبات غضبان عليها ..» الحديث ، بزيادة فبات غضبان عليها ، أكد أن الدعوة فى الليل دون النهار. وفى قوله «إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها» ، والمهاجرة على وزن مفاعلة ، يعنى أنها اضطرت إلى هجر فراش زوجها ، أو أنه هجره هو نفسه ، فلما ذا تكون عليها اللعنة وهى لا تستحقها؟ والغالب إذن أن ينصرف مقصود الحديث إلى أن تكون المرأة هى التى هجرت فراش زوجها ظالمة له ، ولم تستفصل من ذنبها وعندئذ تكون مستحقة للوم ومستوجبة للعن. ومع ذلك فإن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يمكن أن يقصد إلى اللعن الحقيقى ، ولا يمكن أن نفهم من الحديث جواز لعن العاصى ، وإنما اللعن هنا أراد به معناه اللغوى وهو الاستبعاد من الرحمة. ولا يليق أن يدعى باللعن على المسلم ، وإنما يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية. وربما يكون المراد المعنى العرفى للعن ، يعنى مطلق السبّ ، لعل العاصى

٧٨١

يرتدع به وينزجر. ومع ذلك فإن لعن الزوجة يجعلها غير صالحة من بعد كزوجة ، ومن يقبل على نفسه أن يكون زوجا لامرأة ملعونة؟ وفى الحديث أن الملائكة تلعن الزوجة لعصيانها لزوجها ، فكأن هناك ملائكة قد أوكل إليهم ذلك. وفى رواية عن أبى حازم عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «والذى نفسى بيده ، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه ، إلا كان الذى فى السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها». وعند ابن خزيمة وابن حبان عن جابر قال : «ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة : العبد الآبق (أى الهارب) حتى يرجع ، والسكران حتى يصحو ، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى». وعند الطبرانى عن ابن عمر ، قال : «اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما : عبد آبق ، وامرأة غضب زوجها حتى ترجع». ومضمون ذلك كله : أن منع الحق أيا كان يوجب سخط الله ، وللرجل حقوق قبل امرأته ، وكذلك للمرأة حقوق قبل رجلها ، ومن يضيّع منهما حقوق الآخر أغضب الله ، وكنّى عن ذلك بقوله : «لعنتها الملائكة». وفى الحديث عند مسلم بدلا من الملائكة قال «الذى فى السماء» ، فحلّ الإشكال وفهمنا أنه الله تعالى وليس الملائكة. والحديث إذن يحذر الرجل والمرأة ، كليهما ، أن يستغضبا الله بتضييع الحقوق ، وأخصّها حقوق الزوجية. والحديث فيه إرشاد للمرأة لمساعدة الزوج ، وإفهام لها أن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة ، ومدار الحديث حول هجرة المرأة لفراش زوجها ، أى أنها الأقدر على الصبر على هذا الترك. وفى الحديث أن أكثر ما يشوّش على تفكير الرجل ويمنعه طمأنينة النفس هو داعى الجنس ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كمشرّع يحضّ النساء على أن يتفهمن ذلك عن الرجال ، ويراعينه فى معاملاتهن معهم ، وفى أحاديث أخرى كثيرة يثبت أن الرجال فى مسائل الجنس فى حاجة إليه أكثر من النساء ، وعن البخارى برواية أبى هريرة عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه» ، والصوم المقصود هو صوم التطوّع ، وهذا الحديث مرتبط بما قبله ، فإذن الزوج فى الصيام التطوعى ضرورى لزوجته لأنه سيحرمه حق المضاجعة فى النهار ، والامتناع عن الزوج فى النهار كالامتناع عنه فى الليل ، وإعطاء الإذن للزوج فى ذلك لا يعطيه الحق فى التعسف وإساءة استخدام هذا الإذن لحرمان المرأة من أن تتعبّد إلى الله بالنوافل ، ولا يعنى استئذان الزوجة للصوم أنها تأتمر بزوجها ، أو أنه يتسيّدها ، والله تعالى يقول : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) (النساء ٣٤) ، والقوامة هى الرعاية لهن ، والقيام بأمورهن ، والتكفّل بشئونهن ، ويقال للرجل أنه قوّام على المرأة ، وهو أيضا قيّم المرأة أى الحافظ عليها كقيمة فلا يبخسها قدرها ، ولا ينقصها حقّها. ولا تنعقد القوامة لمطلق الرجل ، ولكنها تصحّ

٧٨٢

بشرطيها ، فأولا : بما يتميز به الرجل من رجاحة عقل ، وصدق عزيمة ، وخالص نية ، وقوة إيمان ، ونزاهة قصد ، وثانيا : بقدرته على الإنفاق على زوجته وبيته وأولاده ، فحينئذ تكون له القوامة. والقوامة تعنى أن المرأة إن لم تفهم ما يطلب منها رجلها ، فعليه أن يصبر عليها ويحاول إفهامها ، وعليه توعيتها باستمرار ، وأن يستشيرها ، فالشورى مطلوبة فى كل اجتماع إنسانى ، والعائلة أكثر ما تحتاج إليها ، وآفة الشورى الجهل وسوء الفهم كما يقول الحكيم سقراط ، والرجل عليه لذلك تقويم جهل امرأته إن تواجد ، وتصحيح فهمها إن احتاجت إلى ذلك ، وبذلك وحده تصير له القوامة عن حق ، ويستحقها عن جدارة ، وسيؤدى كلاهما ما عليه لله وللناس من حقوق بنفس سمحة راضية ، وسينمحى الغصب والقهر ، وكما يقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «النساء شقائق الرجال» يعنى يعدلنهم ويماثلنهم ، والحقوق لكليهما متساوية ، والواجبات متعادلة.

* * *

١٧٠٠ ـ هل للمسلمة أن تراجع زوجها وتهجره كما يهجرها؟

فى الحديث عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب فى مناسبة نزول الآية فى سورة الأحزاب : (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) (التحريم ٤) قال : وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم ، فأخذ نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار». والحديث فيه أن أدب المرأة مع زوجها يختلف باختلاف الأمصار والأزمان ، فقد تغلب النساء الرجال ، وقد تكون الغلبة للرجال على النساء. ويقول عمر : «فصخبت علىّ امرأتى فراجعتنى ، فأنكرت أن تراجعنى ، قالت : ولم تنكر أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليراجعنه ، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل! يقول عمر : فأفزعنى ذلك ، فقلت لها : قد خاب من فعل ذلك منهن ، ثم حملت علىّ ثيابى ، فنزلت ، فدخلت على حفصة ، فقلت لها : أى حفصة! أتغاضب إحداكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت : «نعم». وفى الحديث : أن نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كن يهجرنه رغم أن الهجر ورد فى القرآن كمسلك للرجال إذا نشزت نساؤهن ، ونساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كن يغاضبنه ولم يكن يجد عليهن فى ذلك.

* * *

١٧٠١ ـ الهجران للرجل والمرأة فى البيت أو فى غيره

فى الصحيح عن أم سلمة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حلف لا يدخل على بعض أهله شهرا» ، وعن ابن عباس : أن عمر بن الخطاب سأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أطلّقت نساءك؟ فقال : «لا ؛ ولكن

٧٨٣

آليت منهن شهرا» ، والإيلاء هو الهجران ، وكان هجرانه لهن فى المسجد ، غير أنه فى الآية : (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ) (النساء ٣٤) أن الهجران لا يكون إلا فى البيوت ، وأكد ذلك الحديث فى حقّ المرأة على الزوج ، قال : «يطعمها إذا طعم ، ويكسوها إذا اكتسى ، ولا يضرب الوجه ، ولا يقبّح ، ولا يهجر إلا فى البيت». وعلى ذلك فالهجران يمكن أن يكون فى البيت أو فى المسجد كما فعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى غير ذلك يمكن أن تكون المجافاة فى المضاجع ، وهجرة المرأة لزوجها ، أو هجرته لها والإقامة فى البيت مع الهجران ، آلم للنفس للزوجين معا ، وأوجع للقلب لهما بما يقع من الإعراض فى تلك الحال. والهجران فى غير البيت أخف ضررا لما فى الغيبة عن عين أحدهما عن الآخر من التسلية لهما ، وربما كانت آلم للمرأة لحاجتها أكثر إلى الصحبة والمؤانسة. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد فعل الهجر خارج البيوت ، فهجر نساءه كلهن إلى المسجد ، وهجر ميمونة ، وصفية ، وعائشة ، وحفصة ، وسودة ، كلا فى غير بيتها. والهجران هو ترك الدخول على الزوج أو الزوجة ، والبعد عنها أو عنه نفسيا وبدنيا. وللهجران معنى ضمنى هو عدم المضاجعة والامتناع عن الجماع. والمستشرقون على القول بأن الهجران مشتق من الهجر بضم الهاء ، وهو الكلام القبيح ، أى أن يغلظ أحدهما للآخر ، ولكن ذلك المعنى ليس من الإسلام فى شىء ، وقد نهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الفحش والتفحّش. وقال بعضهم الهجر مشتق من الهجار وهو الحبل يشدّ به البعير ، فيقال هجر البعير أى ربطه ، فالمعنى يكون إذن أوثقوهن فى البيوت واضربوهن ، ولكن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أثّم المرأة التى حبست هرّة ، لا هى أطعمتها وسقتها ، ولا هى تركتها ترعى حشاش الأرض ، والمرأة إنسانة وليست هرّة!! فإذا كانت الهرة الحيوان لا تحبس فما بالك بالمرأة الإنسان!! وضرب المرأة محظور كضرب وإنما بمعنى التنبيه ، وحتى ذلك لم يرخّص للرجال إلا مع الناشز ، وقصره الله على المؤمنين من الرجال ، فهؤلاء وحدهم هم المعنيون بالخطاب ، وهم المؤتمنون على موعظة الناشز. واستثنى الله من هذه المعاملة الصالحات. والناشز المقصودة بالهجران وغيره هى المتكبّرة على زوجها ، المعرضة عنه ، المبغضة الكارهة ، والعاصية له ، البذيئة اللسان ، والمشاكسة ، المشاغبة. وهجران المرأة للرجل إنما لمعاملة شبيهة ، والنشوز يكون بالرجال كالنساء تماما ؛ والناشز من الرجال هو الفاسق الفاجر الكافر ، يجافى طبعه العدل والحق والصدق ، ولا تعرف الرحمة سبيلا إلى قلبه ، كالفرعون الذى سألت امرأته المؤمنة ربّها فقالت : (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (التحريم ١١).

* * *

٧٨٤

١٧٠٢ ـ إذا استحال الصلح فالتفرقة بينهما أولى

الصّلح هو الحل الإسلامى للخلافات بين الأزواج ، وهو أليق بالرجل ، فأن يراجع امرأته فهذا ما ينبغى عليه ، فإذا استحال الصلح واستنفد طرقه ، فالتفرقة أولى ، وليحسن الطرفان الظن بالله ، فقد يقيّض لهما من بعد أن يفترقا من يكون أقدر على فهمهما ومعاشرتهما ، بقوله تعالى : (وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) (النساء ١٣٠).

* * *

١٧٠٣ ـ الزوجة فى الإسلام لا تطيع زوجها فى معصية

المسلمة إذا دعاها زوجها إلى معصية فعليها أن تمتنع ، فإن ضربها لامتناعها كان عليه القود أى القصاص منه ، وعن الحسن البصرى قال : جاءت امرأة إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تشكو أن زوجها لطمها لأنها رفضت تطيعه في معصية ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «القود» أو قال : «القصاص». وعن علىّ بن أبى طالب ، قال : أتت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم امرأة من الأنصار فقالت : إن زوجها فلان بن فلان الأنصارى ضربها فأثّر فى وجهها ، وأنه كان يريدها أن تطيعه فى معصية ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ليس له ذلك». وفى موضوع الحديثين قالوا : إن الله تعالى أنزل الآية : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) (٣٤) ، يعنى أن الرجل له القوامة ، وعليه رعاية امرأته والقيام على مطالبها ، والله تعالى اختصه بالقوة الجسمانية ليعمل ويكد وينفق على تنشئة عياله وتربيتهم ، وسياسة بيته ، وذلك معنى القوامة ، فلا يستخدم قوته البدنية ولا غناه المادى ليغضب زوجته على ما تكره وتعصى ربّها ، والمرأة تطيع زوجها فقط إذا لم يكن فى طاعته ما يغضب الله ، ونحن جميعا نطيع من يقول الحق ويحكم بالعدل والصدق ، ونسمع لما يقول ونعمل به ، وأما أن يوعز لنا بمعصية فلا سمع ولا طاعة. والنشوز فى الزوجة يمكن أن يقابله نشوز فى الزوج ، وإعراض أيضا أى نفور ، وفى الآية : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً) (النساء ١٢٨) أن الزوج يمكن أن ينشز ، أى يستعلى ويتكبّر ويأمر بالمعاصى ، ويمكن أن ينفر عن زوجته بدون وجه حق. ولمّا قدمت الأنصارية تستنصح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما أمرها بها زوجها من وصل شعر ابنتها الساقط وفى ذلك غشّ لمن تتزوجه ، قال لها : «لا ، إنه قد لعن الموصلات». ووصل الشعر : هو أن تضع مكان المتساقط منه شعرا ليس شعرها ، والمعنى أن ذلك من المعاصى فليس لها أن تطيع زوجها فيه.

* * *

٧٨٥

١٧٠٣ ـ الجماع فى القبل لا فى الدّبر

فى الآية : (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) (البقرة ٢٢٢) تأكيد على أن الجماع يكون فى القبل سبيل الحيض ؛ «واعتزال النساء» يعنى أن لا يجامعن أثناء الحيض : ثم يقول الله تعالى : (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (البقرة ٢٢٣) فإذا تطهّرت المرأة من الحيض فتؤتى فى موضع الحرث ، أى فى الفرج. وسبب نزول هذه الآية : أن المهاجرين كانت عادتهم أن يؤتوا النساء مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، بينما كان الأنصار يؤتونهن على حرف ، يعنى مضطجعات على الجنب ، فلما تزوج المهاجرون من الأنصار رفضت نساؤهن أن يؤتين مستلقيات فنزلت الآية. وقيل إن المهاجرين كانوا يجبون النساء ، يعنى يأتوهن من الخلف فى الفرج وهن راكعات ، فلم يعجب ذلك نساء الأنصار. والآيتان نصّ فى إباحة كل الهيئات فى الوطء طالما أنه فى موضع الحرث ، وقوله «أنّى شئتم» يعنى : من أى وجه شئتم ، سواء كانت المرأة مقبلة أو مدبرة. و «أنّى» تفيد الإخبار عن الجهة. غير أن جماعة من المفسرين. وفى الغالب من أصحاب الغرض ـ فسّروا «أنّى» بأنها «أين» ، واستخلصوا أن الوطء فى الدّبر مباح ، ونسبوا ذلك إلى بعض كبار الصحابة ، ومنهم مالك ، وابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وهو إفك وتخرّص. ومن ذهب إلى هذا الرأى ربما كان يعانى من الشذوذ ويفعل ذلك هو نفسه ، واحتجوا بالآية : (أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ) (الشعراء) ، وفسّروها بأنه بدلا من أن تلتاطوا بالذكران التاطوا بالنسوان ، يعنى اجتمعوا بنسائكم فى الأدبار إن شئتم ، وهو تفسير غير صحيح ، فليس النهى عن الجماع فى الدبر مع الذكور ، لأنه أراد أن يستبدله بجماع فى الدبر مع الإناث ، وإنما أراد أن يستبدله بجماع فى الفرج ، حيث الفرج هو المأتى الطبيعى للجماع والذى يكون إتيانه حرثا ، وهذا لا يكون إلا فى الزواج ، والفرج موضع إنزال المنى تشبيها له بالبذور تحرث لها الأرض ، وعلى ذلك يكون الجماع مقصورا على موضع الولد. والعرب يردّون الرّتقاء التى لا يوصل إليها ، والتى تشكو ضيق المهبل حتى ليستحيل على الرجل أن يأتيها ، فلو كان الجماع ممكن فى الدبر بدلا من الفرج لما ردّوا الرتقاء. وأيضا لما احتاج أحد أن يطلّق العقيم التى لا تلد. والحكمة فى الزواج إذن بث النسل ، ومن ثم لا ينال النكاح غير موضع النسل. والوطء فى دبر المرأة يستوى فى الحكم والوطء فى دبر الذكران ، بل إن القذر والأذى بموضع النجو ـ أى الدبر ـ أكثر من دم الحيض ، ومن ثم يكون إتيان النساء فى الدبر أشنع ، ولا يقال إن الفرج به قذر البول ، لأن صمام البول غير صمام المهبل. والله تعالى حرّم الفرج حال النجاسة العارضة ، فالأولى أن

٧٨٦

يحرّم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. والحرث فى الآية لا يكون إلا فى موضع المنبت ، والأحاديث كلها متواردة فى تحريم إتيان النساء فى الأدبار ، وربما يكون البعض قد فعل ذلك مع الجوارى ، ويقولون فيه «قد أحمض بهن» ، والتحميض اصطلاح جديد مجاله علم نفس الشواذ والطب النفسى ، وليس له شبيه فى اللغات الأجنبية ، ومعناه الإتيان فى دبر النساء ، وفى الحديث : «أيها الناس ، إن الله لا يستحى من الحق. لا تأتوا النساء فى أعجازهن» وسمّاه ابن عمر فقال : «تلك اللوطية الصغرى» ، وأحسب أنه سبق علماء الطب النفسى إلى هذا الاسم لذلك الاضطراب النفسى ، يعنى إتيان المرأة فى دبرها ، وكانت بداية قوم لوط إتيان النساء فى أدبارهن ، ثم صار إتيان الذكران فى أدبارهم. وقوله تعالى : (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) (البقرة ٢٢٣) ، يعنى أن يتجه تفكيرهم إلى نوع الجماع الذى يطلب الولد والنسل ، وقيل «التقديم» هو النية الطيبة بإكثار أمة الإسلام بالأولاد الصالحين ، فهذا ما ينبغى أن يتوخّاه «الجماع المنتج» ، ثم يقول : (وَاتَّقُوا اللهَ) (البقرة ٢٢٣) ، وفيه التحذير من أى جماع شاذ ، ويقول : (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ) (البقرة ٢٢٣) مبالغة فى التحذير ، لأنه تعالى يجازى على البرّ والإثم ، وتختتم الآية بقوله «وبشّر المؤمنين» تأنيسا : لفاعل البرّ ومبتغى سنن الهدى. والحمد لله رب العالمين.

* * *

١٧٠٤ ـ الحداد واجب المتوفى عنها زوجها

الحداد بكسر الحاء ، هو اجتناب الزوجة المتوفّى عنها زوجها للطّيب ، والزينة ، والحلى كله حتى الخاتم ، والبيتوتة فى غير منزلها. ولا إحداد على غير الزوجات ، ولا على المطلقة الرجعية ، ولا المنكوحة نكاحا فاسدا ، ولا المطلقة البائن. ولا يجوز للورثة إخراج الزوجة من مسكنها فى الحداد أو فى غيره ، وإن طلبوا بيع المسكن وتقسيم ثمنه بينهم فلا سلطان لهم على نصيبها منه ، باعتبارها أحد الورثة ، وليس لهم إخراجها من مسكنها بأى حال من الأحوال طالما كانت تشغل العين وكانت لها الحيازة ، ولا يكون اعتداد المتوفى عنها زوجها إلا فى مسكنها ، ولها أن تخرج لعملها إن كانت تعمل ، أو لقضاء حوائجها ، وليس لها المبيت فى غير بيتها ، ولا الخروج ليلا إلا لضرورة ؛ وإن كانت على سفر ومات زوجها فالحكم فى ذلك كالحكم فى سفر الحج ، فلها أن تمضى فيه وتكمله ، وكذلك إن كانت فى عمل ؛ وإن كانت فى زيارة فلها أن تستمر فيها لثلاثة أيام ، وإن خافت الرجوع لسبب أقامت فى مكانها تستكمل عدّتها ، ويجوز لها أن تحرم بالحج أو بالعمرة فى حدادها.

* * *

٧٨٧

١٧٠٥ ـ المسلم لا يجبر زوجته على الخدمة

فى الأثر أن فاطمة بنت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا طلبت تخصيص خادم لها لعجزها عن الخدمة فى بيت زوجها ، لم يجبرها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الخدمة ، ولم يلزم زوجها على التكفّل بذلك. والزوجان تلزمهما خدمة البيت الظاهرة والباطنة ، أو أن تختص الزوجة بالخدمة الظاهرة ، أى العمل فى البيت ، ويختص زوجها بالخدمة الباطنة ، أى الإنفاق والإشراف المعنوى ، والأمر فى الإسلام على ما يتعارف عليه الزوجان من حسن العشرة وجميل الأخلاق ، ولا تجبر المرأة على شىء من الخدمة إن لم تستطع ، وعلى الزوج مؤنة الزوجة كلها وبيته جميعه ، وإذا كانت الزوجة ممن تخدم ، يفرض الزوج النفقة لها ولخادمها.

* * *

١٧٠٦ ـ أليس للزوجة فى الإسلام حقّ على زوجها؟

فى الحديث عند النسائى وابن خزيمة ، عن سعيد بن منصور وأحمد من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال : أنكحنى أبى امرأة ذات حسب وكان يتعاهدها ، فسألها عن بعلها فقالت : نعم الرجل من رجل! لم يطأ لنا فراشا ، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه!! قال : فوقع على أبى : زوّجتك امرأة فعضلتها ، وفعلت وفعلت وفعلت! ثم انطلق أبى إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فشكانى ، فذكر ذلك له ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألقنى به» ، فأتيته معه ، قال : «يا عبد الله! ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل»؟ قلت : بلى يا رسول الله. قال : «فلا تفعل! صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينيك عليك حقا ، وإنّ لزوجك عليك حقا».

وفى الحديث عن معاوية بن حيدة القشيرى ، عن أبيه ، عن جده أنه سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما حق زوجة أحدنا؟ قال : «أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبّح ، ولا تهجر إلّا فى البيت» وقال ابن عباس : إنى لأحبّ أن أتزيّن للمرأة (يقصد زوجته) كما أحب أن تتزين لى المرأة ، لأن الله يقول : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة ٢٢٨) ـ فكأن حقّها مادى فى شقّ منه ، ونفسى فى الشق الآخر ، وجماع أمر الحياة الزوجية التوافق ، وحسن الفهم ، والاحترام المتبادل ، وتوفير حاجة كلّ من أسباب الحياة المقوّمة لجسمه وذهنه ، والموفّرة لأمنه ، والمطمئنة لنفسه ، وبذلك وحده تستقيم الزوجية. وحق الزوجة : هو مطلوباتها من زوجها. وفى الحديث عن عائشة لما شكت إليها امرأة عثمان بن مظعون انصراف زوجها عنها بالصوم والقيام ، بعث له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسأله : «أرغبت يا عثمان

٧٨٨

عن سنّتى»؟ قال : لا والله يا رسول الله ، ولكن سنّتك أطلب! قال : «فإنى أنام وأصلى ، وأصوم وأفطر ، وأنكح النساء! فاتّق الله يا عثمان ، فإن لأهلك عليك حقا ، وإن لضيفك عليك حقا ، وإن لنفسك عليك حقا ، فصم وأفطر ، وصلّ ونم» أخرجه أبو داود. وقوله «لأهلك» يعنى لزوجتك. وعند الدارمى عن عائشة قال : «خيركم خيركم لأهله» أى من لا خير فيه لزوجته فلا خير فيه للناس.

* * *

١٧٠٧ ـ إنفاق المسلم على زوجته واجب وصدقة

فى القرآن : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة ٢١٩) ، وفى الحديث عن أبى مسعود الأنصارى : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله ـ وهو يحتسبها ـ كانت له صدقه». وقال : «أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس فى أيديهم. ومهما أنفقت فهو لك صدقة ، حتى اللقمة ترفعها فى فىّ (فم) امرأتك». و «العفو» : فى الآية ما فضل ؛ و «الأهل» : هم الزوجة والأقارب. والذى ينفق على الأهل يؤجر على ذلك بحسب نيته وقصده ، ولا منافاة بين أن يكون الإنفاق واجبا ويكون صدقة ، والإنفاق على الأهل أفضل من صدقة التطوع. وقد سمّاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم «صدقة» خشية أن يظن الناس أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه ، فعرّفهم أن الإنفاق على الأهل صدقة ، حتى لا يخرجوا صدقاتهم إلى غير الأهل إلا إذا كفوا الأهل أولا ، فرغّبهم فى تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع. وهذا التراحم والتكافل فى الإسلام يختص به وحده دون سائر الأديان والمذاهب الاجتماعية والاقتصادية. وعن أبى هريرة ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «وابدأ بمن تعول». ويقال فى العربية «عال الرجل أهله» إذا مانهم ـ أى قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وتعليم وسكنى إلخ ، وهى مسئولية الأب أن ينفق على عياله حتى يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى ، ويلحق بالولد ولد الولد. وفى الإسلام نهى الله أن تضار والدة بولدها ، بأن تقول الوالدة لن أرضعه ، مع أنها الأمثل له غذاء ، والأشفق عليه ، والأرفق به من غيرها ، فليس لها أن تأبى إرضاعه بعد أن يعطيها الأب من نفسه ما جعله الله عليه لها من أجرة الرضاع كما فى قوله تعالى : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) (الطلاق ٦).

* * *

١٧٠٨ ـ نفقة الزوجة

النفقة اسم من الإنفاق ، وهى ما تنفقه من المال ، ومن ذلك نفقة الزوجة ونفقة الأولاد. ونفقة الزوجة واجبة على الزوج ولو كانت الزوجة غنية ، كقوله : (فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ)

٧٨٩

(الطلاق ٦) ، وعليه نفقة الولادة والمولود ، كقوله تعالى : (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَ) (البقرة ٢٣٢) ، وبسبب احتمال الزوج لمسئولية الأسرة والإنفاق عليها ، كانت له قوامة البيت ، كقوله تعالى : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) (النساء ٣٣) ، وفى هذه الآية الأخيرة دليل على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة. وكان تمييز الرجال على النساء فى الإرث لما على الرجال من الإنفاق. ومهر المرأة من إنفاق الرجل ، ونفقة الزوجة والأولاد مقدّمة على نفقة أقاربه. ولا يوجب العقد بمفرده النفقة ، وليس للزوجة الناشز نفقة ، ولا تسقط النفقة بالمرض أو بالحيض ، وإذا سافرت الزوجة بدون إذن الزوج تسقط نفقتها ، وإن كان سفرها لواجب كالحج لم تسقط حيث لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.

وتثبت النفقة «للمعتدّة من طلاق رجعى» حاملا كانت أو حائلا ، كثبوتها للزوجة لأنها بحكمها ، ولا نفقة «للمطلقة ثلاثا» وإنما للتى لزوجها عليها رجعة. والمعتدة من طلاق بائن لها النفقة إن كانت حاملا ، وأجلها أن تضع حملها. و «النفقة للحامل» لا للحمل ، لقوله تعالى : (فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ) (الطلاق ٦) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «عليه نفقتها». وليس «للمعتدة عدة الوفاة» نفقة ، حاملا كانت أو غير حامل. وعلى زوج «الموظفة» نفقتها إن كان قد تزوجها وهو يعلم بوظيفتها ، وليس له أن يطالبها بترك الوظيفة حتى لو زاحمت الوظيفة وواجباتها حقّه فيها ، وإن كان قد اشترط فى العقد أن تترك وظيفتها فله الحق فى فسخ الزواج إذا امتنعت ، وتسقط نفقتها لنشوزها. وتقدّر النفقة للزوجة باعتبار الوضع المادى للزوج لقوله تعالى : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها) (٧) (الطلاق ٧). ومن النفقة السكن ، كقوله تعالى : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ) (الطلاق ٥) ، وللزوجة حى الاستقلال بالسكن مع زوجها أو بدونه ، لقوله تعالى : (وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ) (الطلاق ٦). والمرجع فى تحديد النفقة للعرف. ومن النفقة : مصاريف الأطباء والدواء ، والحاجة إليها أشد من الحاجة إلى المأكل والملبس والإخدام ؛ وعلى الزوج أجرة التوليد ، ونفقة النفاس. وللزوجة الحقّ عند إنشاء عقد الزواج أن تطالب الزوج بضامن يضمن نفقتها المستقبلة فى حالة غيابه أو امتناعه عن النفقة عليها وعلى أولاده ، ولا يمنع الضمان كفاية وجود المقتضى وهو الزوجية مع عدم النشوز. وكما يجوز ضمان النفقة المستقبلة تجوز المصالحة عليها أيضا بمبلغ معين يتفق عليه الطرفان ، ويجوز إسقاطها بالمرة. وتقضى نفقة الزوجة كالدين ؛ ولا تجب التسوية بين الزوجات فى النفقة والكسوة لاختلاف حاجاتهن. ولزوجة المفقود النفقة حتى يتبين أمره ؛ والزوجة الذمية

٧٩٠

كالمسلمة فى النفقة والمسكن والكسوة إلخ. وللزوجة أن تأخذ من مال زوجها من غير إذنه ما يكفيها وأولاده إذا كان شحيحا ، وإذا أعسر الزوج بالنفقة فلها فراقه أو الصبر عليه ، ولا يجوز الفسخ إلا بحكم القاضى.

وتشمل نفقة الزوجة مصروف جيبها لشراء ما تحتاجه لنظافتها ولزينتها ، وثمن أثاث بيتها مما يحتاجانه للنوم والجلوس إلى الطعام واستقبال الضيوف ، ولا يلزمه تمليكها مسكنا ويجب على الزوج إخراج زكاة الفطر عنها ، وإن حملت من نكاح فاسد أو وطء شبهة فعليه نفقتها أثناء حملها ، ولا يجب عليه تأخير النفقة بأى حال من الأحوال.

* * *

١٧٠٩ ـ هل تستأذن المسلمة فى صيام التطوع؟

مجتمعات المسلمين كأية مجتمعات متحضرة ، للرجل وللمرأة أن يأذنا فى بيتهما بما يعرفان أنه لا اعتراض عليه من أحدهما ، وفى الحديث عن أبى هريرة ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلّا بإذنه ، ولا تأذن فى بيته إلّا بإذنه ، وما أنفقت من نفقة من غير أمره فإنه يؤدّى إليه شطره». والحديث يبدو أنه يقيّد حقّ المرأة فى الصيام التطوعى ، وحقّها فى أن تدعو إلى بيتها من ترى دعوته ، وحقّها فى الإنفاق مما يعطيها زوجها لبيتها وعيالها ، ويبدو الحديث بخلاف المشهور من معناه ، ففي الصيام ليس للزوجة أن تستأذن زوجها فى صيام رمضان ، واستئذانه فى غير صيام رمضان يعنى «إعلامه» حتى لا ينتهك صيامها ويفسده ، ولا يمكن أن يعترض زوج مؤمن على صيام زوجته فى التطوع ، والصيام حتى بدون إعلام الزوج صحيح وليس بمحرّم ، ومن قال بعدم جواز صيام الزوجة فى التطوع بغير أن يسمح لها زوجها ، اعتسف وجار فى الحكم ، وفى الصوم الحقوق ثلاثة : حق الزوجة أن تتعبّد ، وحقّ الله أن يتعبّد له ، وحق الزوج أن يدرى بصيام زوجته ليضع ذلك فى حسابه فى معاملاته معها. ولا يتفوق حق الزوج على حق الله ، ناهيك عن أن من حقّ الزوجة أيضا أن تكون لها ممارساتها الروحية وهى أعلى وأرفع من ممارساتها الدنيوية. ومن حسن المعاشرة أن يشجّع الزوج زوجته على التعبّد ويستحسن منها ذلك ، ويوفر لها المناخ المنزلى والعائلى والمادى والنفسى لتفعله ، ولا يبدى الامتعاض وتظهر عليه الكراهية كلما قامت بصيام أو بصلاة تطوعا. وللزوجة أن تؤدى غير الفرائض بغير إذنه ، وعن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «كتاب الله أحقّ وشرطه أوثق» رواه هشام بن عروة عن أبيه وأخرجه أحمد عن عائشة ، ومن حق الزوجة أن ترتقى فى مدارج الاعتقاد والإيمان ، وأن تطور

٧٩١

منهجها فى التعبّد والله تعالى قد خلقنا جميعا لنعبده حسن العبادة ، وخلق الذكر والأنثى ليعملا الصالح ، ولا يضيع الله عمل عامل منهما ، وقال : (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) (النحل ٩٧) ، وقال : (وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) (غافر ٤٠) ، فلم يفرق بين ذكر وأنثى ، ومطالب الإيمان واحدة عند الاثنين ، وما من امرأة تتقى ربّها ويمكن أن تغضب زوجها ، كما أنه ما من رجل يتّقى ربّه ويمكن أن يستغضب زوجته ، والتقوى انسجام وتناغم بين العبد والربّ ، وبين العبد والناس ، وبين العبد والوجود المادى ، والكون بأجمعه. وقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «إلّا بإذنه» يعنى إلا بعلمه ، والزوج العالم يعلّم زوجته فرائضها ونوافلها ، وفى حديث الواهبة لنفسها ، زوّجها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن يعلّمها القرآن ، وكان صداقها أن تحفظ عليه ما كان يحفظ من السّور وأوصى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالنساء خيرا ، وقال : «خيركم خيركم لأهله». ومن أين يأتى الخير إذا فهمنا من حديث استئذان الزوجة من زوجها فى صيام التطوع أنه يمكن أن يرفض؟! والحق أن الأمر فى هذا الاستئذان تحصيل حاصل ، وهو مجرّد إعلام ، ولها من زوجها على الصيام كامل الموافقة والاستحسان.

وأما الاستئذان من الزوج لمن يمكن أن تدعوه المرأة إلى بيتها فذلك واجب على الطرفين ، ويرفع الشبهة ، ويزيل سوء الفهم ، وبه يكبر الرجل فى عينىّ زوجته ، وتزيد مكانة المرأة عند زوجها. وبيت المسلم هو بيت زوجته كذلك ، وينسب البيت إلى الزوجة أو الزوج بحسب مقتضى الكلام وإلا فالبيت بيتهما معا ، والله تعالى يقول : (وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها) (يوسف ٢٣) ، يقصد بيت امرأة العزيز ، وكان يوسف فى بيتها بإذن زوجها ، وفى سورة النور الآية ٦ يقول (بُيُوتِ آبائِكُمْ) ، و (بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ) ، و (بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ) ، و (بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ) ، و (بُيُوتِ خالاتِكُمْ) ، فنسب البيت إلى صاحبه ذكرا أو أنثى. وفى سورة الأحزاب فى الآية ٣٣ قال تعالى : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ) فنسب البيوت إلى النساء. وفى سورة الطلاق الآية ١ يقول الله تعالى : (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَ) ، فالبيوت كما هى للأزواج فهى للزوجات ، وإذا كان على الزوجين أن يستأذنا بعضهما كلما دعيا من يزورهما فى البيت ، فمن باب أولى أن المغيّبات ـ أى من غاب عنها زوجها ـ ليس لها أن تدخل بيتها أحدا تعرف أنه يكره دخوله ، وليس للزوج أن يستبقى مع زوجته فى غيابه من لا ترضى ، وقد تفتقر المغيبة إلى استئذان زوجها وتكون مضطرة أن تسمح بإدخال من تدخل فى حدود علمها برضا الزوج به ، ولو علمت برضاه سلفا فلا حرج عليها. وذلك واجب الزوج أيضا حيال زوجته. وللزوجة أن تدخل أباها ونحوه بيتها بغير إذن زوجها لأن

٧٩٢

ذلك من صلة الرحم. وتروى كتب السيرة أن حفصة بنت عمر زوجة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم دخلت عليه فى بيتها ووجدت معه مارية القبطية دون علمها فاستعبرت وقالت : «والله لقد سببتنى» أى أهنتنى ، «وما كنت لتصنعها لو لا هوانى عليك». وترضّاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى رضيت.

ويشمل التساوى فى الحقوق مجال المال ، والزوجة لها أن تأخذ من مال زوجها بدون استئذانه ما يكفيها وأولادها ، فلما جاءت هند زوجة أبى سفيان إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تشكو له بخله عليها وعلى عيالها ، قال لها : «خذى من ماله بالمعروف». ومن واجبات الزوج أن يأذن لزوجته صراحة به ، وإلّا كان ذلك حقّها بالعرف ، وليس لها أن تزيد ، وليس للزوج أن يأخذ من مال زوجته إلا ما تسمح به نفسها. وإذا أنفقت الزوجة منفلها ذلك ، وذمّتها المالية منفصلة. وفى الحديث الذى أخرجه أبو داود عن سعد قال : قالت امرأة : يا نبىّ الله! إنّا كلّ على آبائنا وأزواجنا وأبنائنا ، فما يحلّ لنا من أموالهم؟ قال : «الرطب تأكلنه وتهدينه» ، والرطب هو أحسن ما فى البيت من الطعام ، وعند الترمذى وابن ماجة عن أبى أمامة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلّا بإذنه» ، قيل : ولا الطعام؟ قال : «ذاك أفضل أموالنا» ، فكل ما فى البيت هو ملك للزوجين وللعائلة ، والإخراج منه ينبغى أن يكون بعلم الزوجين ، وبسماحة نفسيهما ، وبموافقتهما ، وكانت عائشة رضى الله عنها تهدى جاراتها فى السكن وتؤذن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد ذلك ، وروى أبو ميسرة عنها أنها قالت للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنهم ذبحوا شاة ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما بقى منها»؟ قالت ما بقى منها إلا كتفها ، قال : «بقى كلّها غير كتفها» ، أخرجه الترمذى. فهل كان من الممكن أن ينكر عليها ما فعلته من خير من نفسها؟!

* * *

١٧١٠ ـ هل للمرأة الحق أن تتصرّف فى مالها؟

(وهل لها أن تتصدّق من مال يعطيه لها زوجها؟) هبة المرأة لأىّ من كان جائزة ، ولها أن تتصرف فى مالها كما تشاء ، وهبتها من مال أعطاه له زوجها جائزة أيضا ، وفى الصحيح عن أسماء بنت أبى بكر زوجة الزبير ، أنها سألت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قالت : قلت يا رسول الله ، ما لى مال إلا ما أدخل علىّ الزبير ، أفأتصدّق منه؟ قال : «تصدّقى ، ولا توعى فيوعى عليك» ، يعنى لا تكنزى المال وتبخلى بالنفقة. وفى رواية أخرى قال : «أنفقى ، ولا تحصى فيحصى الله عليك ، ولا توعى فيوعى الله عليك». وأعتقت ميمونة زوجة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاريتها ولم تستأذنه ، وعمل الخير لا يستأذن فيه ، وحبذا لو

٧٩٣

كانت الهبة أو العطية لذى رحم ، فعن سلمان بن عامر الضبى مرفوعا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذى الرحم صدقة وصلة». ولم يثبت عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قول الفقهاء أن الهبة لا تجوز من المرأة إلا فى الشيء التافه أو اليسير!! ولا قولهم أنه لا يجوز لها أن تعطى بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلا من الثلث ، وأما حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن عمرو بن سعيد عن أبيه عن جدّه : «لا تجوز عطية امرأة فى مالها إلا بإذن زوجها» فمردود عليه بأن المرأة المقصودة هى غير الرشيدة ، فكما ترى : فإن المرأة الرشيدة العاقلة لها مطلق الحرية أن تتصرف فى مالها وفى مال زوجها كيف شاءت. فهل يقال بعد ذلك إن الإسلام يعادى المرأة؟ وأن القرآن كتاب أنزل من أجل الرجال دون النساء؟ مع ملاحظة أن أحاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى صدقة المرأة جميعها من وحى القرآن.

* * *

١٧١١ ـ هل للمرأة أن تهدى من مالها أو مال زوجها؟

نعم لها ذلك ، ففي الصحيح عن عائشة أنها سألت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن لى جارين ، فإلى أيهما أهدى؟ قال : «إلى أقربهما منك بابا» ، يعنى : أنه لم يكن ضد مبدأ الإهداء. وفى الصحيح كذلك عن ابن عباس : أن ميمونة زوج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعتقت وليدة لها ، فقال لها : «ولو وصلت أخوالك كان أعظم لأجرك» ، والوليدة هى الجارية ، فلم ينكر عليها أن وهبت من مالها أو ماله ، ولكنه أعرب لها عن تفضيله أن تكون الهبة أو العطية للأقارب المحتاجين ، وبذلك تكون صدقة وتكون صلة رحم ، والقريب أولى من الغريب. وفى كل الأحوال للمرأة الرشيدة حقّ التصرف فى مالها ومال زوجها الذى وهبه لها أو أعطاها حقّ التصرف فيه. وكانت عائشة رضى الله عنها تعير ثيابها الغالية للعرائس يلبسنها فى أعراسهن ، ولم تكن تستأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتصدّقت بربع الشاة قبل أن تعلمه ، فامتدحها وأثنى عليها!!!

* * *

١٧١٢ ـ مسئولية الزوجة كمسئولية الزوج سواء بسواء مع مراعاة التخصص

فى الصحيح عن ابن عمر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، والأمير راع ، والرجل راع على أهل بيته ، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده ، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». والراعى هو كل من ولى أمرا ، يديره ، ويسوسه ، ويحافظ عليه ، ويذود عنه ، ويتدبره ، ويفكر فيه. والرعاية هى عمل الراعى ، يقوم به بحسب تخصّصه وثقافته وتعليمه وخبرته ، وبحسب مقتضيات ما يقوم به من العمل ، وبحسب أصوله ، ويظل يروضه ولا يهمله ، ولا يؤخره ، ولا يتكاسل ولا يتوانى عنه ، ويشرف عليه ولا يتراخى

٧٩٤

فى إشرافه ، ويجدّ فيه ويتعب ، ولا يملّ ولا يكلّ. والراعى فى بيته هو الزوج عمله رعاية أهل بيته ، كرعاية الأمير لرعيته ، وكذلك المرأة ، مناط رعايتها بيتها وأولادها ، ومسئولية الزوج كمسئولية الأمير ، وكذلك المرأة ، وكل إنسان فى عمله هو الراعى أى المراقب لله ، يتّقيه فيما أوكله عليه وعهد له به.

* * *

١٧١٣ ـ المسلم يعين زوجته فى البيت

فهكذا علّمنا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فعن عائشة زوجته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لمّا سئلت عمّا كان يصنع فى البيت ، قالت : كان يكون فى مهنة أهله ، يعنى فى عونهم ، يساعدهم ويبذل جهده فيما يتقن ولا يتقنون ، ولم يكن يدفع على ذلك وما كان يرفضه أو يتأبّاه.

* * *

١٧١٤ ـ العشرة بين الأزواج

العشرة : هى الصحبة ، والعشير هو الصاحب ، كقوله تعالى : (لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) (الحج ١٣) ، وهو فى الآية : الزوج ، من المعاشرة ، كقوله تعالى : (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء ١٩) ، والمقصود بالمعاشرة : الزوجية ، وأما المعروف فى العشرة : فهو أن يوفّى الزوج حقّ زوجته من المهر ، والنفقة ، وألّا يعبس فى وجهها بغير ذنب ، وأن ينطلق فى القول ، لا فظّا ، ولا غليظا ، ولا مظهرا ميلا إلى غيرها ، لتكون الأدمة ـ أى الصحبة ـ بينهما ، على الكمال ، فإنّ توافق الزوجين أهدأ للنفس ، وأهنأ للعيش ، وعليه أن يتصنّع لها وتتصنّع له ، وكان ابن عباس يقول : إنى أحب أن أتزيّن لامرأتى ، كما أحب أن تتزين امرأتى لى». وعلى المرأة أن ترعى نفسها ، وبيتها ، وزوجها ، وأولادها ، وعليه إن كانت له امرأة ثانية أن يقسم بينهما بالعدل فى المبيت والنفقة ، وليس له أن يترك وطأها لأكثر من أربعة أشهر ، فإذا كان على سفر وغاب أكثر من ستة أشهر ، فلها أن تطلب الطلاق ، ويكره له أن يطأ ويعزل إلا عن ضرورة وبإذنها ؛ وإذا خافت نشوزه وإعراضه عنها ، لمرض بها ، أو كبر ، أو دمامة ، فلا بأس أن تضع عنه بعض حقوقها أو نفقتها ، فإن رجعت فلها ذلك ، وإذا ظهرت منها أمارات نشوز ، فعليه أن يعظها ، ويخوّفها الله تعالى ، ويذكّرها بواجباتها ، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة ، وما يسقط بذلك من حقوقها من النفقة ، وما يباح له من هجرها. ولا يجوز للزوج أن يقاطع زوجته أكثر من ثلاثة أيام ، وليس له ضربها ، ولا ينبغى له أن يمنعها من الخروج لقضاء حاجاتها ، أو عيادة والديها ، أو حضور جنازة أحدهما ، ولا يجوز له أن يمنعها عن المساجد ، وعليه أن يحضّها على تعلّم القرآن ، وعلى التعلّم

٧٩٥

عموما ، والمحافظة على الصلاة ، وأن تغتسل من الجنابة ، وأن تتوضأ كما يجب ، وأن تراعى بيتها وأولادها وأهلهما وجيرانها ، ومكارم الأخلاق ، فإذا اختلفا واستحكم خلافهما فلهما التحكيم كقوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما) (٣٥) (النساء).

* * *

١٧١٥ ـ المسلمة حانية على أولادها حافظة لزوجها

فى الحديث عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما سئل عن أفضل النساء؟ قال : «أحناهن على ولد فى صغره ، وأرعاهن على زوج فى ذات يده» ، يقصد : أن الصالحة هى الحانية على أولادها ، والراعية لمال زوجها. ولمّا تزوج جابر بن عبد الله ، وكانت له شقيقات من والده صغيرات فى السن ، قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنه اختار لنفسه زوجة ثيّبا تقوم عليهن وتصلحهن. واعتبر أفضل النساء هى التى تعينه على تربية إخوته ، وإدارة بيته وماله ، وتصل رحمه ، وقال : إن جميل العشرة من شيمة الصالحات.

* * *

١٧١٦ ـ هل تسجد الزوجة لزوجها؟

فى الحديث عن سعيد بن المسيب عن عائشة : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» أخرجه ابن ماجة وأحمد. والحديث مناسبته أن معاذ بن جبل كان قد رأى الناس يسجدون لأساقفتهم فى الشام ، فودّ لو يفعل المسلمون ذلك للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم احتراما وتبجيلا ، فذكر له ذلك فقال : «لا تفعلوا ، فإنى لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، والذى نفس محمد بيده لا تؤدى المرأة حقّ ربّها حتى تؤدّى حقّ زوجها ، ولو سألها نفسها وهى على قتب لم تمنعه» أخرجه ابن ماجة. والحديث يؤصّل لمبدأ التوافق بين الأزواج بالتراضى لا بالتنازع ، وفى علم الاجتماع حيثما كان هناك اثنان ، فأحدهما الغالب برجحان عقله أو بظهور علمه ، أو بفاعليته ونشاطه وإيجابيته وفائدته للناس ، ومن ذلك مجتمع الأسرة الصغيرة المؤلفة من الزوج والزوجة ـ وكلاهما سوىّ ، وأولادهما. والرجل الذى يسجد له هو الذى يكرم زوجته ويحترمها ، ويرفع من شأنها وشأن أولاده ، ويحضّها على البرّ وفعل الخيرات ، وهو الرجل الذى يبذل وسعه من أجل إسعاد أسرته ورفاهيتها وخيرها فى الدنيا والآخرة ، فمثل ذلك يبجّل ويحترم وينزل المنزلة الواجبة فى نفس زوجته وأولاده. و «لو» فى الحديث حرف امتناع ، يعنى : أنه لم يأمر المرأة أن تسجد لزوجها ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم تسجد له أية امرأة

٧٩٦

من زوجاته ، وينهى أن يسجد إنسان لإنسان. وفى الأحاديث عن «الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى بيته» : أنه كان فى خدمة أهله ، وفى السيرة أنه ما ضرب أيا من زوجاته ، ولا رفع صوته على إحداهن ، ولا طلب من أيهن عسرا ، وكان يهش فى وجوههن ، ويبتسم ويدعو لهن ، وكان يخدم نفسه ، ولم يبد التأفّف يوما من طعام ، ولم يقبّح الوجه ، ولم يسبّ. والمرأة المؤمنة تطيع رجلها ، أى لا تتعاند مطالبها مع مطالبه ، ولا تنشز عليه ، أى لا تتكبر ولا تتجبّر ، ولا تفحش معه فى قول ، ولا تعتدى عليه فى فعل ، وتكون أمينة على بيته وماله وعياله ، وتستأذنه فيما يعنّ لها ، والاستئذان مشورة ونصح ، وتحفظه فى شرفه ، ولا تحمّله ما لا يطيق ، وإذا دعاها لبّت لأنها تحبه وتميل إليه نفسها ، فتحسن معاشرته ، وتقول له معروفا ، وهذا كله حق الزوج على زوجته ، ومثله حقّ الزوجة على زوجها ، فعليه أن يحترمها ، ولا يسيء فهمها ، ولا يتعالى عليها ، ويحسن إليها ويكرمها. وفى الحديث عن أبى داود وأحمد عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جدّه : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ائت حرثك أنّى شئت ، وأطعمها إذا طعمت ، واكسها إذا اكتسيت ، ولا تقبّح الوجه ، ولا تضرب» ، فبمثل ذلك تجود نفس المرأة أن تطيع زوجها ، وأن تلبى دعوته لها ولو كان على ظهر بعير!

* * *

١٧١٧ ـ ما معنى الوصية : لا تضع عصاك عن أهلك؟

الحديث عند ابن جرير عن عبادة بن الصامت قال : أوصانا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «لا تضع عصاك عن أهلك ، وأنصفهم من نفسك» ، فيه شقّان ، والثانى يفسّر الأول ، وقوله «لا تضع عصاك عن أهلك» يعنى الزم الحزم مع أهل بيتك ، ومن ذلك الزوجة ، وإن لم يصرّح ، ورفع العصا هو المقابل لوضعها ، وكأنه يقول ارفع عليهم العصا وهددهم بها ، وهو كناية عن أخذ الأهل ـ ومنهم الزوجة ـ بالشدّة ، وفى المثل : «الناس عبيد العصا» ، أى يهابون الشديد الحازم ، ويقال «راع صلب العصا» وضده «راع ليّن العصا» ، والصلابة واللين سياسة الحكيم ، ومن يرفع العصا عليه أن يلزم العدل فلا يبغى ولا يظلم ، ولذا كان الشطر الثانى من الحديث فى قوله وأنصفهم من نفسك ، أى إذا جرت عليهم فعليك النصفة حتى ولو كان ذلك من نفسك ، والنصفة هى العدل ، وهى مطلوبة من الزوجين فيتعادلان فلا يجور أحدهما على الآخر ، فللزوجة حقوق وواجبات ، وللزوج مثلهما ، وسياسة الأسرة هى مراعاة ذلك ، عملا بالآية : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (البقرة ٢٢٨) ، والمعروف : هو الحاكم الضابط فى اقتضاء الحقوق وفرض الواجبات ، وبالنظر لفضل الرجال ، واحتمالهم الإنفاق فلهم درجة على النساء ، وهذه الدرجة هى

٧٩٧

القوامة ، كقوله تعالى : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) (النساء ٣٤) ، يقومون عليهن بالقسط ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) (النساء ٣٥) ، وهو معنى الحديث «وأنصفهم من نفسك» ، أى أن قوامة الرجال أساسها العدل ، فلا يحيدون عنه يمينا ولا شمالا ، ولا يصرفهم عنه صارف ، ويراعون الله فى معاملاتهم لزوجاتهم ، إشهادا لله فى عدلهم معهن ، يبتغون به وجه الله ، ويشهدون على أنفسهم معهن بالحق ولو عاد ضرر عدلهم عليهم. فأى عظمة فى التشريع ، وأى بعد عن الدنيّة والظلم! وقوامة الرجال فى الإسلام يتحقق بها للمرأة الكرامة ، وترفع من شأنها كل الرفعة ، وحسبنا الله فى المرجّفين والمتأوّلين على الإسلام ، ولله الحمد والمنّة.

* * *

١٧١٨ ـ فى معنى قوله «أعدى عدوك زوجتك

فى الحديث عند الديلمى ، عن أبى مالك الأشعرى ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أعدى عدوّك زوجتك التى تضاجعك وما ملكت يمينك» ، مثل الحديث الآخر عند الطبرانى عن حذيفة : «إن فى مال الرجل فتنة ، وفى زوجته فتنة وولده» ، كما فى قوله تعالى : (أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (الأنفال ٢٨) ، أى اختبار وامتحان لكم ، والزوجة التى يمتحن بها الرجل هى غير الصالحة ، لا يأمنها على عرضه ، ولا على ماله وبيته وأولاده ، وتصرفه عن التقوى بكثرة المطالبات والمشاحنات ، ويسلط لسانها عليه ، وقد تمتد يده إلى الحرام بسببها ، ولذا قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الحديث الآخر عن أنس : «لو لا المرأة لدخل الرجل الجنة» ، يقصد بالمرأة الزوجة التى تسيء عشرة رجلها ، وضرب الله مثلا لها بامرأة نوح ، وامرأة لوط ، قال : (كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما) (التحريم ١٠) ، أى لم تكونا على وفاق معهما ، وكانتا كثيرتى المشاحنة والمنابذة ، واستهزأتا بدعوتيهما. وعلى عكسهما كانت امرأة فرعون التى ضرب الله بها المثل فى التقوى والصبر ، وكان زوجها شديد الإساءة إليها ، فكانت تدعو : (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) (التحريم ١١) تتبرأ من عتوّه وظلمه. وإذن فالمرأة كالرجل سواء بسواء ، ومن الممكن أن يسوء سلوكها مع زوجها ، كما يمكن أن يسوء سلوك الرجل مع زوجته ، والحديث يتحدث مباشرة لمجتمع الرجال ، عن الزوجة غير الصالحة ، كامرأتى نوح ولوط ، ولمجتمع النساء ضمنا عن الزوج غير الصالح كفرعون. وفى إنجيل متّى معنى كهذا المعنى أيضا ، يقول المسيح : «وأعداء الإنسان أهل بيته» (الفصل ١٥ ـ ٢٦).

* * *

٧٩٨

١٧١٩ ـ لا تدعو للعروسين بالرفاء والبنين

كان الدعاء للعروسين بالرفاء والبنين فى الجاهلية ، فلما جاء الإسلام علّمنا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «قولوا بارك الله لكم ، وبارك فيكم ، وبارك عليكم». وعن عقيل بن أبى طالب أنه قدم البصرة فتزوج امرأة ، فقالوا له : بالرفاء والبنين ، فقال : لا تقولوا هكذا ، وقولوا ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «اللهم بارك لهم وبارك عليهم». ودعاء «بالرفاء والبنين» كان مشهورا فى الجاهلية ، وما يزال الناس يأخذون به حتى اليوم ، وكان يسمى الترفئة ، تقول رفأت العروسين يعنى هنّأتهما وطلبت لهما الخير ، وأن يجتمعا دائما فى خير. والرفاء بمعنى الالتئام ، من رفأت الثوب ، ورفوته رفوا ورفاء. والرفاء للزوجين : هو إذن أن تتمنى لهما الالتئام والائتلاف ، ولكنه فى إطار التمنّى والتفاؤل وليس من باب الدعاء ، وكراهيته فى الإسلام هو لأنك بقولك بالرفاء والبنين تطلب للزوجين أن يوفّقا ويرزقا بالأولاد الذكور دون الإناث ، وفى ذلك جاهلية غير منكورة ، وإنما دعاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه توجّه إلى الله ، واستنزال للبركة منه تعالى على العروسين. وفى حديث جابر عند ما سأله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن زواجه ، فقال له إنه تزوج ثيبا لأسباب ذكرها ، دعا له فقال : «بارك الله لك». وأما حديث معاذ بن جبل عن زواج الأنصارى ودعاء الرسول له بقوله : «على الألفة والخير والبركة والطير الميمون والسعة فى الرزق» فهو حديث سنده ضعيف ولم يثبت ، والأغلب أنه مما كان يقول الأنصار للأزواج قبل إسلامهم ، وكانوا ما يزالون يرددونه فى الإسلام. ومن ذلك أيضا قول نسوة الأنصار لعائشة وأمها عند ما بنى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعائشة : على الخير والبركة ، وعلى خير طائر». ومنه أيضا غناء النسوة «فحيّونا نحيّيكم» ، فلما سمعه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لهن : قلن : «حيّانا الله وحيّاكم». والمقصود دائما بتربية الرسول للمسلمين والمسلمات بهذه التربية ، أن يكون شكرهم لله ، واستعانتهم بالله ، ودعاؤهم إلى الله ، وأن يدأبوا على ذلك فيلازمهم هذا السلوك ويصبح عادة راسخة فيهم ، وهذا ما يميز المسلم ، وهو سمت الإسلام فى كلام المسلمين : أن يذكروا الله دائما.

* * *

١٧٢٠ ـ الزواج أولا ثم الحج

أيهما الأولى : أن تحجّ أو أن تتزوج؟ حسم ذلك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند ما قال : «غزا نبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الأنبياء فقال لقومه : لا يتبعنى رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبنى بها» ، وقوله : «ملك بضع امرأة» ، يعنى خطبها ، و «الغزو» الجهاد ، و «البناء بها» الدخول بها. ومفاد الحديث : أنه ليس لك ان تجاهد فى سبيل الله وأنت لم تتزوج بعد ، والحديث يفيد كذلك الردّ على عامة الناس الذين يقدّمون الحج على الزواج ، ظنا منهم أن التعفّف يتأكد بالحج

٧٩٩

أولا ، والأولى أن يتعفف الرجل أو تتعفف المرأة أولا بالزواج ثم يحج أو تحج ، وعلى ربّ الأسرة أن يزوّج بناته أولا ثم يحج ، أو أن يعين أولاده الذكور على الزواج قبل أن يقوم هو نفسه بالحج ، أو قبل أن يشرع أىّ منهم فى الحج.

* * *

١٧٢١ ـ هل نهدى العروسين؟

عن أنس بن مالك قال : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحتفل بزواج ابنته زينب ، فقالت لى أم سليم : لو أهدينا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هدية؟ فقلت لها افعلى ، فعمدت إلى تمر وسمن وأقط فاتخذت حيسة فى برمة ، فأرسلت بها معى إليه ، فقال لى : «ضعها» ، ثم أمرنى فقال :

«ادع لى رجالا» سمّاهم ، «وادع لى من لقيت». قال : ففعلت الذى أمرنى ، فرجعت فإذا البيت غاص بأهله ، فرأيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وضع يديه على تلك الحيسة وتكلم بها ما شاء الله ، ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه ويقول لهم : «اذكروا اسم الله ، وليأكل كل رجل مما يليه». والحيسة طعام من تمر وسمن وسويق ، وهو الناعم من دقيق الحنطة والشعير ، والبرمة القدر ، والأقط الجبن ، والحديث فيه : أن المسلمين يتهادون فى مناسبة الزواج ليعينوا الزوجين ببعض تكاليف الاحتفال بالزواج ، ولا بأس أن تكون الهدايا مما يستعان به فى المنزل ، وينفع اقتصاديا ، وهو تكافل محمود. وفى زواج عائشة كانت نسوة الأنصار يهدينها ، وكانت أخريات يغنين : «فحيّونا نحييكم» ، يعنى إن أهديتمونا اليوم فسنهديكم غدا ، وصحّح لهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم غناءهم فقال : «قلن : حيّانا الله وحيّاكم» وذلك دعاء للنسوة اللاتى يهدين العروس.

* * *

ثالثا : الحمل والولادة والرضاع والفطام والحضانة

* * *

١٧٢٢ ـ الحمل ومستتبعاته

فى الحديث : «مفاتيح الغيب خمس» أنه : «لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله» أخرجه البخارى. وفى الآية : (اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) (٨) (الرعد) : أنه سبحانه منفرد بعلم الغيب ؛ وقوله : «وما تغيض الأرحام» : يعنى ما تسقط قبل التسعة أشهر ، وما يزيد بها فوق التسعة. والغيض : انقطاع دم الحيض ؛ وما تزداد : بدم النفاس بعد الوضع. وفى هذه الآية دليل : على أن الحامل يمكن أن ينزل منها الدم وتحيض ، وهو حيض الحبالى. وكانت عائشة تفتى النساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصلاة.

٨٠٠

وفى الآية كذلك دليل : على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر أو لأكثر من ذلك ، وأقل الحمل ستة أشهر. ولا يكون الحمل عادة لأكثر من تسعة أشهر ، والأمر مختلف فيه اجتهادا ، وبعض النساء يحملن لأكثر من ذلك ، ومن أعاجيب الحمل ما يقال له حمل الفيل ، وهو كل أربع سنوات ، وقيل : سمى هرم بن حيان هرما ، لأنه بقى فى بطن أمه أربع سنوات ـ وهو خرافة. وأقل الحيض والنفاس والحمل وأكثره ، مأخوذ من طريق الاجتهاد ، لأن علم ذلك استأثر به الله ، ولا يعارض ذلك إلا العلماء من الطبائعيين الذين يردّون كل شىء للأسباب دون الله ، وهو تعالى الذى يقدّر خروج الولد من بطن أمه ، ويقدر مكثه فى بطنها إلى خروجه. وبعد الحمل تكون الولادة ثم الرضاعة. وفى القرآن قال تعالى : (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ) (لقمان ١٤) ، وقال : (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) (الأحقاف ١٥) ، وقال : (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) (البقرة ٢٣٣). والحمل والولادة والرضاعة جميعا عمليات كبرى ومهولة بها تستحق المرأة خالص الاحترام.

* * *

١٧٢٣ ـ الرضاعة تحرم النكاح

تتناول الآية : (وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ) (٢٣) (النساء) التحريم بالرضاع ، ويشرحها الحديث : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، فإذا أرضعت المرأة طفلا حرّمت عليه لأنها أمه ، وحرّمت بنتها لأنه أخته ، وحرّمت عليه أخت الأم بالرضاع لأنها تصير خالته ، وتحرّم أمها لأنها جدّته ، وتحرّم بنت زوجها لأنها فى حكم أخته ، وكذلك أخت الزوج لأنها تصير عمّته ، وبنات بنيها ، وبناتها ، لأنهن بنات إخوته وأخواته ، وأم الزوج لأنها جدته. وبالاختصار : فإن المحرّمات بالرضاع هن : الأمهات من الرضاع ، وأمهاتهن ، وجدّاتهن وإن علون ؛ والأخوات من الرضاع ، سواء رضع الرجل من أمها ، أو رضعت المرأة من أمه ، أو ارتضعا سويا من امرأة أخرى ، أو ارتضعت هى من امرأة رجل له امرأة أخرى ارتضع هو منها ، وكل امرأة حرمت من النسب تحرم من الرضاع ، وهن : الأمهات ، والبنات ، والأخوات ، والعمّات ، والخالات ، وبنات الأخ ، وبنات الأخت ، ويحرم الجمع بين الأختين من الرضاع. ويحجّ مع المرأة أخوها من الرضاع ، والتحريم بالرضاع يحصل إذا اتفق الإرضاع فى الحولين ، ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره إذا وصل إلى الأمعاء وأنبت اللحم والعظم. والأخوات من الرضاع هن : الأخت لأب وأم ، والأخت من الأم دون الأب.

* * *

٨٠١

١٧٢٤ ـ الإرضاع فى الزوجية وفى الطلاق

فى الآية : (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ) (٢٣٣) (البقرة) أن الوالدين أحق وأولى بإرضاع أطفالهن ، وهو واجب عليهن ، وخاصة المطلقات ، لأن الأم أحنى وأرق على طفلها ، وانتزاع الصغير منها إضرار به وبها ، والولد وإن فطم فالأم أحق بحضانته ، لفضل حنوها وشفقتها ، وقد لا يقبل الولد غيرها ليرضع منها فتجبر على الإرضاع ، وعلى المولود له أن ينفق عليها طعاما وشرابا وكسوة ، بما يناسب وضعها الاجتماعى وانتماءاتها الطبقية ، وخاصة أن الوالدة فى الإرضاع تتفرغ له ، فإن كان لها عمل تتعطل عن عملها وكسبها ، وعليها تكاليف لا تستطيع الوفاء بها ، من مسكن وقوت وكسوة ومطالب حياة لها ولطفلها ، سواء كانت على ذمة الرجل أو كانت مطلقة ، وقوله : «وعلى المولود له» أوجب ذلك على الزوج. وإرضاع الحولين ليس حتما بقوله : «لمن أراد أن يتم الرضاع» ، لكنه تحديد لقطع التنازع فى مدة الرضاع بين الزوجين. وعلى ذلك تكون الرضاعة المحرّمة الجارية مجرى النسب ، إنما هى ما كان فى الحولين ، لأنه بانقضاء الحولين تتم الرضاعة ، ولا رضاع معتبرة بعدهما ، وبذلك تنتفى رضاعة الكبير الذى قالت به عائشة ولا تكون لها حرمة.

* * *

١٧٢٥ ـ الوالدة والوالد لا يضاران بولدهما

فى الآية : (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ) (٢٣٣) (البقرة) أن الأم قد تأبى أن ترضع طفلها إضرارا بأبيه ، وقد تطلب نفقة أكثر من اللازم لترضعه ، ولا يحلّ للأب أن يمنع الأم من إرضاعه مع رغبتها فى الإرضاع. وإذا مات الأب وآلت ثروته إلى الآخرين ، وتئول إليهم كذلك الوصاية على الصغير ، فإنهم ملزمون بتكاليف إعالة الصغير وإرضاعه ، وتجب النفقة له على كل ذى رحم محرم ، والمراد بهم عصبة الأب فهؤلاء عليهم النفقة والكسوة ، فإن كان للصبى مال أخذ رضاعه من ماله ، وإن لم يكن له مال أخذ من العصبة. والأب لو مات فعلى الأم كفاية الطفل إذا لم يكن له مال ، ويشاركها العاصب فى إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث. ولو كان الطفل فقيرا لا مال له ، وجب على الدولة القيام به من الخزانة العامة ، فإن لم تكن هناك قوانين بذلك ، وجبت النفقة على المسلمين ، الأخص به فالأخص ، والأم أخص به إذا توفى الأب ، فيجب عليها إرضاعه والقيام به.

* * *

٨٠٢

١٧٢٦ ـ نفقة الرضيع وأمه على الأب

فى الآية : (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها) (٢٣٣) (البقرة) : فى الآية : أن نفقة الرضيع وأمه على الأب ، وأن الرضاعة على الأم ، وإنفاق الأب على قدر غناه ، لا يكلّف فى الإنفاق فوق ما يطيق ، ولا تكلّف المرأة أن ترضعه من غير أن تقدر ، كما لا تكلف على الصبر على تقتير الأب وشحّه ، و «القصد» هو المطلوب. وللأم حضانة الرضيع خلال عامى الرضاعة وحضانته ما بعدهما من سنين ، لصغره وحاجته إليها ، إلى أن يبلغ فيخيّر ، ولا شك أن الطفل سيختار أمه ، والآية لا تحدد سنا للطفل ترعاه فيه أمه ، والأولى أن يترك لها أمر رعايته إن كان ولدا أو جارية ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خيّر الابن فاختار أمه ، وفى الخبر أن امرأة جاءت إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقالت : يا رسول الله ، إن ابني هذا كان بطنى له وعاء ، وثديى له سقاء ، وحجرى له حواء ، وإن أباه طلّقنى وأراد أن ينتزعه منى. فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنت أحق به ما لم تنكحى» أخرجه أبو داود. فإذا تزوّجت الأم فالخالة أحقّ بالصغير ، وفى الحديث : «فإنما الخالة أم» ، ثم أم الأم ، ثم أم الأب إذا لم يكن للصغير خالة ، ثم الأخت ، ثم العمّة ، فإذا لم تتوفر الحاضنة المؤتمنة التى يكون عندها فى حرز وكفاية ، ينظر إلى من يحوط الصبى ، ومن يحسن إليه فى حفظه وفى تعليمه ، وقيل الأم أولى ولا يسقط حقها فى الحضانة بالزواج.

* * *

١٧٢٧ ـ الحضانة حق الولد

الولد يعنى المولود ، ذكرا كان أو أنثى. ولا حضانة لفاجرة ، أو ضعيفة عاجزة عن القيام بحق الصبى ، لمرض أو زمانة. والحضانة أولى بها الأم ، ثم الخالة ، ثم الجدّة للأم ، ثم الجدّة للأب ، ثم أخت الصبى ، ثم عمّته ، ثم ابنة أخيه ، ثم الأب. وليس لابنة الخالة ، ولا لابنة العمة ، ولا لبنات أخوات الصّبي من حضانته شىء ، والمعقول أن الأنفع له هو الأصلح ، وتستمر الحضانة طالما لا يخاف على الطفل تضييع أو دخول فساد ممن يكون حاضنا له.

وتستوى الزوجة المسلمة والزوجة الذمّية فى حقّها فى حضانة طفلها ، لأن المبدأ الحاكم لذلك كله أن الولد لا بد له من حاضنة ، وهى الأصلح له.

* * *

١٧٢٨ ـ فصال الطفل أو فطامه

يقول تعالى فى آية الرضاع : (فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) (٢٣٣) (البقرة) ، والفصال والفصل : هو الفطام ، أصله التفريق ، فهو تفريق بين الطفل والثدى ، ومنه سمى الفصيل ، لأنه مفصول عن أمه. «والتراضى على الفصال» المقصود به أن يأتى قبل الحولين ، وقبل التراضى يكون التشاور وهو استخراج الرأى ، فلمّا

٨٠٣

جعل الله تعالى مدة الرضاع حولين ، بيّن أن للأبوين وحدهما حق البتّ فى موعد الفطام أو الفصل ، بعد التشاور فيما بينهما ، ومع الطبيب الخاص بالأطفال إن أمكن ، وإن كانا مطلّقين ، وقبل الحولين ، يكون الرضاع واجبا ، ويحرم الفطام قبلهما ، ويجوز لهما الاجتهاد بتقليل مدة الرضاع عن الحولين إن لم يكن فى ذلك ضرر بالصغير ، إلا أنه اجتهاد عن مشورة ، والوصول به إلى الرأى موقوف على غالب ظنهما لا على الحقيقة واليقين.

* * *

١٧٢٩ ـ جواز الاسترضاع إن كان لمصلحة الطفل

الاسترضاع : هو أن تكون للطفل مرضعة غير أمه ، سواء كان ذلك استرضاعا اصطناعيا ، أو استئجارا لمرضعة ، أو حاضنة ، ويكثر ذلك فى ملاجئ الأيتام وقرى إيواء الصغار ، وتسمى المرضعة أو الحاضنة بالأم البديلة ، ولا تثريب على الوالدين لو أخذا بذلك طالما أنه لمصلحة الصغير بحسب ما تمليه ظروفهما وظروف تنشئة الصغير. وقد تستخدم المربيات والزوجية قائمة إذا كان الزوجان موسرين. والبعض لا يلزم الأم الحسيبة بالرضاعة ، وكان الناس فى الجاهلية من ذوى الحسب يلجئون إلى المراضع ، وأقر الإسلام ذلك ولم يغيّره ، وجاء عنه فى القرآن : (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (٢٣٣) (البقرة) ، والاسترضاع الاصطناعى أسلم صحيا من الاسترضاع البشرى ـ أى من مرضعة بسبب الأمراض المتوطنة فى المرضعات من الأصول المتدنية اللاتى يقبلن أن يعملن مرضعات ، وكانوا يسمون المرضعة ظئرا ، وليس من المستحب استئجار المرضعات الآن ، وخاصة لما قد يترتب على الرضاع من التحريم كما فى النسب ، وكثيرون يرون أنه من غير المستحسن أن ترضع العمة أو الخالة أو الجارة أو القريبة طفلا أو طفلة قد يكون زوجا لابنتها أو زوجة لابنها فى المستقبل إذا لم ترضعه أو لم ترضعها. والتراضى على المرضعة أو الحاضنة ينبغى أن يقترن بتسليم الأبوين للطفل ولما يلزمه من نفقة وأجرة بالتراضى والمعروف ، لا يعوّق أحدهما لئلا يضار الطفل.

* * *

١٧٣٠ ـ الحمل والرضاع والفصال ثلاثون شهرا

يفطم الرضيع خلال عامين ، للآية : (وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ) (١٤) (لقمان) ، فلم يقل بعد عامين ، ومثل ذلك قوله تعالى : (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) (٢٣٣) (البقرة) ، يعنى تمام الرضاعة حولان كاملان لمن أراد أن يتم الرضاعة. وفى الآية الأخرى : (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) (١٥) (الأحقاف) ، فإن حملت الأم فى الولد تسعة أشهر فإنها ترضعه إحدى وعشرين شهرا ، فذلك معنى «فى» فى الآية : (وَفِصالُهُ فِي

٨٠٤

عامَيْنِ) (لقمان ١٤) ، أى فى أقل من عامين ، وهو المنوه عنه بإحدى وعشرين شهرا. فإن كان الإرضاع حولين كاملين ، يعنى أربعة وعشرين شهرا ، فيكون الباقى من الثلاثين شهرا ستة شهور ، فاستنبطوا من ذلك أن أقل الحمل هو هذه الشهور الستة. وقيل إن الستة شهور هى بحساب الأشهر الأخيرة فى الحمل ، ولم تحسب الشهور الثلاثة الأولى فى ابتداء الحمل ، لأن الطفل فيها يكون نطفة وعلقة ومضغة ، فلا يكون له ثقل يحس به حتى يوصف بأنه حمل. والقرآن يسميه «الحمل الخفيف» قال : (فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ) (١٨٩) (الأعراف).

* * *

١٧٣١ ـ هل تحرّم الرضاعة بعد الحولين؟

يقول الله تعالى : (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) (٢٣٣) (البقرة) ، فكمال الرضاعة سنتان ، ولا اعتبار لما بعد ذلك ، ولو ارتضع المولود وعمره فوق السنتين لا يحرم ، إذ العادة أن لا يفطم الصبى دفعة واحدة بل بالتدريج. وللفترة التى تحاول فيها الأم ـ بعد الحولين ـ أن تفطم طفلها حكم الحولين. وبعض الأطفال يحتاجون للرضاعة بعد الحولين لضعف بدنى ، أو نفسى ، أو عقلى ، ولمن يحتاج إلى ذلك فلا تثريب أن يرتضع بعد الحولين ، وقد تستمر الرضاعة إلى ثلاث سنوات ، وقد يغتذى الصبى فى المدة الزائدة باللبن والطعام ، أو يجتزئ بالطعام ولو قبل الحولين ، وما رضع بعد الفطام لا يكون رضاعا والرضاع المقصود هنا هو الرضاع من الأم أو من مرضعة ، وأما الرضاع الاصطناعى فهو غير مقصود البتة ، وبتعميم الرضاع الاصطناعى ينتفى باب الرضاع من الفقه الإسلامى وتتجاوزه الأحداث.

١٧٣٢ ـ الرضاعة للكبير

الرضاعة تثبت النسب وتجعل الرضيع محرما ، وعن عائشة فيما رواه البخارى أنها استقبلت ابن أبى القيس بدعوى أنه أخوها بالرضاع ، فقال لها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «انظرن ما إخوانكن ، فإنما الرضاعة من المجاعة» ، والمعنى تأملن ما وقع من الرضاع : هل هو رضاع صحيح بشروطه أم لا ، فالرضاع المحرّم هو المشترط ، وهو الذى يتسبب فى الأخوّة ، حيث يكون الرضيع طفلا ، وينشد أن يسد اللبن جوعته ، وتكون معدته ضعيفة يكفيها اللبن ، وبه ينبت لحمه ، فيصير الطفل به كجزء من المرضعة ، فيشترك فى الحرمة مع أولادها ، والرضاعة المعتبرة هى المغنية عن المجاعة ، أو المطعمة من المجاعة ، وفى الحديث عن ابن مسعود : «لا رضاع إلّا ما شدّ العظم ، وأنبت اللحم» أخرجه أبو داود ، وعن أم سلمة : «لا يحرّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام» أخرجه الترمذى ، والرضعة الواحدة إذن لا تحرّم لأنها لا تغنى من جوع ، وعن أم الفضل زوج العباس أن رجلا سأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ،

٨٠٥

قال : يا رسول الله : هل تحرّم الرضعة الواحدة؟ قال : «لا» ، وفى رواية قال : «لا تحرّم الرضعة ولا الرضعتان» ، وجاء عن عائشة : عشر رضعات ، وسبع رضعات ، وخمس رضعات ، والثابت من الأحاديث حديث عائشة فى الخمس. والبعض قال مجرد الرضاعة تحرّم ولا يشترط العدد ، مثلها مثل المنى. وقال آخرون التغذية بلبن المرضعة يحرّم سواء كان بشرب أم بأكل ، أم بأى صفة كان ، طالما استوفى الشرط المذكور من العدد. والبعض قال إن الرضاعة المحرّمة إنما تكون بالتقام الثدى ومصّ اللبن منه ، وأنها تعتبر فى حال الصّغر ، وهى التى يمكن طرد الجوع منها باللبن بخلاف حال الكبر ، وضابط ذلك قول الله تعالى : (حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) (٢٣٣) (البقرة). ومما يثبت أن «الصغر» معتبر فى الرضاع قصة سالم مولى أبى حذيفة ، فقد تحرّجت زوجة أبى حذيفة أن تنكشف على سالم عند ما كبر وصارت له لحية ، فذهبت إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تشكو إليه أبا حذيفة أنه يأنف أن تحتجب عن سالم ، فقال لها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أرضعيه» ، قالت : وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسّم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «قد علمت أنه رجل كبير» رواه مسلم. وإرضاع الكبير ليس بأن تلقمه ثدييها وإنما بأن تعتصر ثدييها وتسقيه لبنها فى وعاء ، وبذلك يصبح من محارمها ، فتنكشف عليه بلا تثريب. وكانت عائشة ـ كما جاء فى الصحيحين ـ تفتى بذلك وتقول إن الكبير يصير من المحارم بالرضاع ، وكانت تأمر بنات إخوتها وأخواتها أن ترضع الواحدة من تحب أن يدخل عليها ويراها بلا حجاب ، وإن كان كبيرا ، وأن تكون رضعاته لخمس مرات ، وبذلك يدخل عليها!! والجمهور يرد هذا الحديث ، بدعوى أن قصة رضاع الكبير خاصة بسالم ، أو بالأحرى قصة ملفقة ، وأن الرضاعة لا تجوز إلا لمن يحتاجها وكان دون الحولين ، وأنها إن جرت بعد الحولين لا تحرّم. وحجة الجمهور ما سبق إثباته من حديث عن عائشة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «انظرن من إخوانكن! فإنما الرضاعة من المجاعة» ، يعنى يشترط للرضاعة أن تكون لصغير دون الحولين ، وأن تكون بدافع ما يستشعره من جوع ، فيستمر يرضع إلى أن يشبع ، فهذه هى الرضاعة المحرّمة ، وأما إرضاع الكبير فليس فيه أىّ مما سبق. والقول لذلك قول الجمهور والعقل والمنطق ، وحديث إرضاع الكبير إذن : وهم!

* * *

١٧٣٣ ـ فى معنى تحريم إخوة زوج المرضعة

عن عائشة أن «أفلح» أخا أبى القعيس جاء يستأذن عليها بعد أن نزل الحجاب ، فأبت عائشة أن تأذن له ، فلما جاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخبرته ، قالت : «فأمرنى أن آذن له» رواه البخارى. وأبو القعيس هو زوج مرضعة عائشة كما جاء فى رواية مسلم ، قالت : فأبيت أن آذن له ، فقال أتحتجبين منى وأنا عمك؟ وفى الرواية عن الزهرى قالت : فقلت لا آذن له حتى استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإنّ أخاه أبا القعيس ليس أرضعنى ، ولكن أرضعتنى امرأة

٨٠٦

أبى القعيس! وفى رواية لمسلم قال : وكان أبو القعيس زوج المرأة التى أرضعت عائشة. قيل : وتحريم زوج المرضعة إنما لأن لبنها كان السبب فيه لبن الرجل ، أى منيّة ، فلو لا أن الرجل وطأها ما درّت اللبن ، فللرجل فى لبنها نصيب ، ومنه انتشرت الحرمة إلى أخيه ، وبذلك صار أخوه عمّا لعائشة. ولكن عائشة من ناحية أخرى ، قبل أن تستأذن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وطبقا للروايات المختلفة ـ صحّ عنها أن لا اعتبار بلبن زوج المرضعة ، وصحّحها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وعن زينب بنت أم سلمة : أن أمهات المؤمنين بخلاف عائشة ذهبن إلى أن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرّم شيئا ، بدعوى أن اللبن لا ينفصل للطفل من الرجل وإنما ينفصل من المرأة ، فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل؟ غير أن ابن عباس شبّه المسألة بالجدّ ـ وهو سبب الولد فأوجب تحريم ولد الولد به ، وقال : اللقاح واحد» أخرجه ابن أبى شيبة ، وقال أغلب أهل المدينة أن لبن الرجل لا يحرّم ، بينما كان الجمهور من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار على القول : إن لبن الرجل يحرّم ، وحجّتهم هذا الحديث. والعلم الحديث مع الرأى بأنه لا يحرّم ، لأنه لا علاقة بين لبن المرضعة وبين لبن زوجها ، ثم بين لبن المرضعة وشقيق زوجة المرضعة ، ولو كان الأمر هكذا لحرّمت كل النساء على كل الرجال من أولاد وبنات آدم ، لأننا جميعا أقرباء! وعلى كل فهذا الباب من الرضاع تجاوزته الأحداث ، فلا يوجد من يرضع من ثدى امرأة أخرى لأسباب صحية محصنة واجبة المراعاة ، ومنعا لنقل المرض ، لاحتمال أن تكون المرضعة أو الرضيع مصابا بمرض فينتقل منها أو من ابنها إليه ، أو ينتقل منه إليها وإلى ابنها ؛ وهذا الحديث كحديث إرضاع الكبير فيه تحايل مقيت ، وليس هكذا الإسلام.

* * *

تابع الإسلام الاجتماعي

* * *

رابعا : الأولاد

* * *

١٧٣٤ ـ أنقلّل النسل أم نكثره؟

من الأحاديث ما يدعو إلى تقليل النسل ، ومنها ما يدعو إلى تكثيره ، فأيهما نتّبع؟ فمن الأولى : عن سهل بن حنيف عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «تزوّجوا إنى مكاثر بكم الأمم» أخرجه الطبرانى فى الأوسط ، يعنى إنى مكاثر بكم بالأولاد ثمرة الزواج. وعن ابن عباس قال : : «بيت لا صبيان فيه لا بركة فيه» ، وقال : «ريح الولد من ريح الجنة» ، وعن ابن حيدة أنه قال : «وإنى مكاثر بكم الأمم» ، وعن ابن عمر أنه قال : «ما ولد فى أهل بيت غلام إلا أصبح فيهم عزّ لم يكن» ، وعن أبى حفصة قال : «لا يدع أحدكم طلب الولد ، فإن الرجل إذا مات

٨٠٧

وليس له ولد انقطع اسمه» ، وهذه الأحاديث قد نظن أنها دعوة لتكثير النسل حتى وإن كان الوالدان من الفقراء ، ولم ينالوا علما والصحيح أن التكثير المقصود هو الذى يتحقق مع يسر الحال وتعليم العيال ، وتعهدهم بحسن التربية ، وتنشئتهم ليكونوا مواطنين صالحين ، وعندئذ فقط يباهى بهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الأمم يوم القيامة ، وإلّا فبأى شىء يباهى بهم الأمم؟ هل يباهيهم بالكثرة من الفاشلين والخاملين والعاطلين والفاسقين؟ والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحضّ على السعى من أجل خير الأولاد. وهذا الحديث الأخير عن انقطاع الاسم بالموت إذا لم يكن له ولد يشبه ما قالوه عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان سبب نزول سورة الكوثر ، فقالوا إن ابنه مات فصار أبتر ، أى بلا وريث ذكر ؛ وفى الحديث عند الديلمى عن جابر أنه قال : «إذا خرج العبد فى حاجة أهله كتب الله له بكل خطوة درجة ، وإذا فرغ من حاجتهم غفر له» ، وعند ابن عساكر عن المقداد أنه قال : «من كان فى مصر من الأمصار يسعى على عياله فى عسرة أو يسرة ، جاء يوم القيامة مع النبيين. أما إنى لا أقول يمشى معهم ولكن فى منزلتهم». والعيال المقصودون هم من كان فى وسعه أن يعولهم ويحسن إعالتهم ، وليست الإعالة إطعاما وكساء وإسكانا ، ولكنها بالدرجة الأولى تربية وتعليما. وفى الحديث عند الطبرانى عن عبادة بن الصامت : «استعيذوا بالله من الفقر والعيلة» ، والعيلة هى كثرة العيال مع الفقر فذلك الذى يورث الإجرام. وفى الحديث عند الطبرانى ابن عمر أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن أكبر الإثم عند الله أن يضيّع الرجل من يقوت» ، أو قال : «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت» ، وضياعهم بأن يتركهم يتكفّفون الناس ويخاصمون العلم والتعلّم وينفرون من محامد الأخلاق ، وقال : «جهد البلاء كثرة العيال مع قلة الشيء» ، وبرواية الديلمى عن بكر بن عبد الله المزنى عن أبيه قال : «قلة العيال أحد اليسارين» ، واليسار الأول هو كثرة المال ، والثانى قلة العيال ، فجعل قلة العيال يسارا.

والإسلام حريص فى مسألة العيال على الكيف وليس على الكم. وعن أبى الدرداء عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ذرية صالحة يرزقها العبد ، يدعون له من بعد موته ، يلحقه دعاؤهم» ، وصلاح الذرية : بالعلم والتربية ، والتعويل على الأخذ بالأسباب ، أى بالمنهج العلمى ، وبذلك وحده يكون الصلاح.

* * *

١٧٣٥ ـ تنظيم النسل من الإسلام

يطلق على ذلك فى الإسلام اسم «العزل» ، وهو أن يمتنع الرجل عن الإنزال فى الفرج إذا لم يرد لامرأته أن تحمل ، وعن أبى سعيد الخدرى قال : ذكر العزل عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «وما ذلكم؟» قالوا : الرجل تكون له المرأة ترضع له ، فيصيب منها ويكره أن تحمل منه» ، بمعنى أنه يكره للموطوءة أن تحمل وهى ترضع فيضرّ ذلك بالولد المرضع ،

٨٠٨

وليس ذلك هو السبب الوحيد للعزل ، فقد يأتيه البعض فرارا من كثرة العيال إذا كان الرجل مقلا ، فيرغب عن قلة الولد لئلا يتضرر بتحصيل الكسب ، وقد تكون صحة الأم متوعكة لا تحتمل الحمل والرضاع ، وفيهما ضرر بالغ لها ، وقد يكون أحد الوالدين به مرض أو ضعف وراثى فينأى بنفسه عن أن ينجب نسلا ضعيفا أو مريضا ، وكثيرا ما تكون الزوجة من أقارب الزوج فيخشى على نسله أن يأتى ممروضا. وفى الصحيح عن جابر قال : كنا نعزل على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقرآن ينزل» ، وزاد مسلم قوله : «فبلغ ذلك نبىّ الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم ينهنا». وعن ابن عباس أن الزوجة تستأمر فى العزل. وعن مالك : أن لها حق المطالبة أن لا يعزل زوجها إذا قصد به إضرارها. وعن عمر بإخراج أحمد وابن ماجة : أن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى عن العزل إلا بإذن المرأة ؛ وفى الحديث المنسوب إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من طريق جذامة بنت وهب ، أنه لمّا سئل عن العزل ، قال : «ذلك الوأد الخفى» أخرجه مسلم ، وصحيحه عن جابر كما قيل : أن اليهود قالت عن العزل تلك «الموءودة الصغرى» ، فسئل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «كذبت اليهود». واليهود لم يكذبوا ، لأنهم يتمنون كثرة النسل ليزيد عددهم. والذين نهوا عن العزل من المسلمين ، وفعلوا ذلك بدعوى شرعية وليس لأسباب قومية ، بزعم أن فيه تفويتا لحق الزوجة ، ومعاندة للقدر ، وإسقاطا للنطفة. والذين قالوا بالإباحة فعلوا ذلك إطلاقا ، وجوّزوا للزوج أن ينزع متى يشاء حتى لو أنزل خارج الفرج ، وبذلك لا يكون هناك علوق ولا حمل ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان على عكس هؤلاء وهؤلاء ، يحضّ على الزواج والإنجاب ، من منطلق قومى ، لتكثر أمّة لا إله إلا الله ، فلا يكونوا قلة ، ومن ثمة يصحّ القول بأنّ العزل هو وأد خفيّ حقّا.

* * *

١٧٣٦ ـ هل يفرّق بين الولد والبنت فى الهبة؟

لا يجوز فى الإسلام أن يخص المسلم أولاده الذكور بشيء يحرم منه بناته ، حتى يعدل بين أولاده وبناته ، ويعطى الذكور كما يعطى البنات ، وفى الصحيح عن النعمان بن بشير أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اعدلوا بين أولادكم فى العطية» ، وفى رواية المغيرة عن الشعبى عند مسلم قال : «اعدلوا بين أولادكم فى النّحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم فى البرّ» ، وفى رواية مجالد عن الشعبى عند أحمد قال : «إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم» ، ولأبى داود من هذا الوجه قال : «ألّا سويت بينهم»؟ ، فالتسوية بين الذكور والإناث واجبة إن قصد الأب بتفضيل الذكور على الإناث والإضرار بالإناث. وفى رأى البعض أن الأب إذا كانت عنده بنت لم تتزوج وكبرت فى السن ، أو كانت مريضة مرضا مزمنا ، أو طلّقت ولا مورد لها ، أن يفضّلها على سائر أولاده الذكور والإناث معا ، على أن التسوية مستحبة مع ذلك ، لأن التفضيل ـ خاصة إن كان للأولاد الذكور على الإناث بلا سبب غير الذكورة والأنوثة ـ

٨٠٩

يقطع الرحم ويستجلب العقوق وهما محرّمان ، وما يؤدى إليهما يكون من ثمّ محرّما. ولا فرق إذن فى الإسلام بين الذكر والأنثى ، ويشهد بذلك الأمر بالتسوية ، وفى الحديث عن ابن عباس مرفوعا : «سووا بين أولادكم فى العطية ، فلو كنت مفضّلا أحدا لفضّلت النساء» أخرجه سعيد بن منصور والبيهقى. ولكن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يفضّل أحدا فى واقع الأمر ، لا النساء ولا الرجال ـ وسوّى بين الجميع. وقد فضّل أبو بكر ـ على العكس ـ ابنته عائشة على سائر أولاده الإناث والذكور ، ثم رجع قبل وفاته فى عطيته ، وقال لها برواية الموطأ عن عائشة : إنى كنت نحلتك نحلا ، فلو كنت اخترتيه لكان لك ، وإنما هو اليوم للوارث». وسبب العطية لعائشة وتمييزها عن إخوتها وأخواتها أنها كانت الأبرّ بهم ذكورا وإناثا ، وكانت تصلهم ، وتعنى بهم ، وتشرف عليهم جميعا ، ورجوعه فى العطية أو الهبة يجوز. ومن العجيب أن الفقهاء جوّزوا أن ترجع الزوجة التى تهب زوجها شيئا فى هبتها ، ولم يجوّزوا للزوج الذى يهب زوجته أن يرجع فى هبته ، قيل : رحمة بالنساء من غضبات الرجال وتحوّل ميولهم ، فكيف يقال إن الإسلام يعادى المرأة؟ وقد يميل الأب إلى زوجة ، أو ولد ، أو بنت ، دون بقية أهل بيته ، وذلك حقّه لا سبيل له فيه ، وإنما تجب التسوية بينهم فى غير ذلك ، وهذا هو حكم الإسلام. على أننا يجب أن نراعى أن بعض أولادنا فيهم سفه ، فكيف نسوّى بينهم وبين العقلاء؟ والله تعالى يعطى بقدر العمل ، والابن الصالح البار بأبويه وأهله يستحق التمييز لصلاحه وبرّه ، ولما يعود به ذلك على عائلته وإخوته وأمه ، وعلى مجتمعه ، فليست التسوية إذن مطلوبة دائما.

* * *

١٧٣٧ ـ هل صحيح أننا نعق عن الصبى ضعف عقيقة البنت؟

العقيقة : اسم لما يذبح عن المولود ، وأصلها شعر المولود ، وسمّيت به الشاة التى تذبح عنه ، لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح. وفى سفر الأحبار اليهودى ، الفصل الثانى عشر يأتى : أن الحبلى التى تلد ذكرا تظل نجسة سبعة أيام ، كحكم أيام طمثها يكون حكم نجاستها ، وفى اليوم الثامن يختن الولد ، وتظل المرأة ثلاثة وثلاثين يوما فى دم طهرها لا تلامس شيئا من الأقداس إلى أن تتم أيام طهرها ، فإن ولدت أنثى فنجاستها الضعف ـ أى لأسبوعين ، وتقيم فى دم التطهير ستة وستين يوما ، ثم إنها بعد تمام أيام تطهيرها ، بالنسبة للولد أو للبنت ، تذبح حملا وفرخ حمام أو يمامة ، فتقرّبهما قربانا ، فإن كانت فقيرة تكتفى بيمامتين أو حمامتين». ـ ونجاسة الوالدة غير واردة فى الإسلام ، وطهرها من طمث الولادة وما بعدها لا يكون بالذبح ، والولادة ليست خطيئة كما فى اليهودية ، والذبح فى الإسلام ليس قسرا بل لمن يقدر عليه. وشعائر الإسلام أكبر ، فغداة يولد الطفل عند المسلمين يسمّى بعد أن يعقّ عنه أو لا يعقّ بحسب وسع الوالد ، ثم يحنّك ، وقد فعل ذلك

٨١٠

النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع عبد الله بن الزبير لمّا ولدته أسماء بنت أبى بكر ، فكان أول مولود ولد فى الإسلام ، وفرح المسلمون به كثيرا لأنه قد قيل لهم إن اليهود سحرتهم فلا يولد لهم. والتحنيك يكون بالتمر أو بشيء حلو كعسل النحل. ولم يحب النبىّ العقيقة لأن الاسم من العقوق ، وقال فيها : «من ولد له ولد فأحبّ أن ينسك عنه فليفعل» رواه أحمد ، ولأن النبىّ كره اسم العقيقة فقد آثر البعض أن يسميها «النسيكة» أو «الذبيحة». والتحنيك بعد التسمية ، ولا ينتظر الوالدان للتسمية إلى اليوم السابع. وتسمية المولود يوم يولد أصحّ من تسميته فى اليوم السابع ، غير أنه كما ورد عن عائشة فإن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عقّ عن الحسن والحسين فى اليوم السابع ، وسمّاهما فى اليوم السابع. والصبى يعقّ عنه كالجارية ، إلا أن البعض يعقّ عن الصبىّ بشاتين مكافئتين ـ أى متعادلتين ، وعن الجارية بشاة واحدة. وقد ورد عن أبى هريرة أن اليهود تعق عن الولد بكبش ولا تعقّ عن الجارية ، والصحيح عن اليهود هو ما قلناه أنهم يعقّون بحمل. واستخدم فى التفرقة بين وضع الصبى والجارية من بعد ، وتفضيل الصبى على الجارية ، الاختلاف حول : هل يعق بشاة واحدة أو بكبش عن كل من الصبى والجارية؟ أو يعق عن الصبى بكبشين والجارية بكبش؟ إلا أن مالكا لم يفرّق بين الصبى والجارية وجعلهما سواء ، وقال بأنه يعق عن كل أحد منهما بشاة ، واحتج لذلك بأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عقّ عن الحسن والحسين كبشا كبشا ، فلو كان الصبى يعق عنه بكبشين لفعل ، ومن ثم فلا تفرقة بين الصبى والجارية ، وهذا هو الصحيح أيضا. وقد فهم البعض أن قصر العقيقة على الشاة أو الكبش يتعيّن به أن تكون من الغنم ، إلا أنه فى الحديث عند الطبرانى عن أنس قال : «يعق عنه من الإبل والبقر والغنم» ، والجمهور على إجزاء الإبل والبقر أيضا كالغنم ، والسبب فى إيثار الغنم أن العرب كانوا رعاة غنم ولم يكونوا رعاة إبل ولا بقر. ويسمّى على العقيقة كما يسمى على الأضحية ، ويقال : «بسم الله عقيقة فلان» أو يزاد على ذلك : «اللهم منك ولك عقيقة فلان ، بسم الله والله أكبر» ، ثم يذبح. وليس صحيحا أن رأس الطفل يطلى بدم العقيقة!! وقد ورد عن عائشة قالت : كانوا فى الجاهلية إذا عقّوا عن الصبى خضّبوا قطنة يوم العقيقة ، فإذا حلقوا رأس الصبى وضعوها على رأسه ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اجعلوا مكان الدم خلوقا» ونهى أن يمس رأس المولود بدم. والخلوق ضرب من الطيب. وفى الحديث «يعقّ عن الغلام ولا يمس رأسه بدم». وعند أبى داود والحاكم فى حديث الجاهلية قالت عائشة برواية مختلفة : فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ـ أى المولود ـ ونلطخه بزعفران ، والزعفران طيب. وعن مالك أن من مات قبل السابع تسقط عنه العقيقة ، وأنه من يفوته أن يعق فى السابع الأول ، يعق عنه فى السابع الثانى ، وربما فى السابع الثالث. وأول السبعة اليوم الذى يلى يوم الولادة ، واليتيم يعق عنه من ماله. ويكره حلق رأس الجارية. وقد يؤثر عن العقيقة أن يحلق رأس

٨١١

الصبى ويتصدّق بوزن شعره ذهبا أو فضة ، وفى حديث العقيقة عن الحسن والحسين قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا فاطمة ، احلقى رأسه وتصدقى بزنة شعره». وقال علىّ بن أبى طالب : وزنّاه فكان درهما أو بعض درهم. ـ وهذا غير معقول طبعا أن يزن شعر الطفل المولود درهما!! وعند أحمد من حديث أبى رافع : لما ولدت فاطمة حسنا قالت : يا رسول الله! ألا أعق عن ابني بدم؟ قال : لا ، ولكن احلقى رأسه وتصدّقى بوزن شعره فضة» ، ففعلت ، فلما ولدت حسينا فعلت مثل ذلك. والخلاصة : أن الأمر فى العقيقة سيّان ، أن تعقّ أو لا تعقّ ، والتصدّق بالمال أفضل فى أيامنا ، شكرا لله تعالى على جزيل نعمه ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

١٧٣٨ ـ الابن الدعىّ والابن بالتبنّى

يأتى اسم زيد بن حارثة فى آية واحدة فى القرآن كواحد من الأدعياء ، أى الذين يدعون أبناء وليسوا كذلك على الحقيقة. ولم يأت ذكره إلا لأهمية ذلك فى التشريع ، ومناسبة الآية المرتبطة باسم زيد تحفل بالأحداث التى كانت موضع الكثير من التساؤلات ومثار الكثير من التشنيع على الإسلام والطعن على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد أنزل الله تعالى الآية : (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (٤) (الأحزاب) لتزيل الشبهات حول معنى الدعىّ ، وقبلها يأتى : (ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (٤) (الأحزاب) توطئة للمقصود المعنوى من آية الأدعياء ، بأمر حسّى معروف ، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان فى جوفه ، كذلك لا يصير الدعىّ ولدا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له ، والمقصود بالنفى ليس أن الرجل يستحيل أن يكون له قلبان فى جوفه ، وإنما المقصود نفى أن يكون الدعى ولدا على الحقيقة لرجل بمجرد أن يدعى كذلك قولا. والآية نزلت فى شأن زيد بن حارثة مولى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان قد تبنّاه قبل النبوة ، فكان يقال له : «زيد بن محمد» ، فقطع الله تعالى هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله : (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ) (٤) (الأحزاب) ، كما قال : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) (٤٠) (الأحزاب) ، وقال : (ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ) (٤) (الأحزاب) يعنى تبنيكم لأدعيائكم هو بالقول فقط ، ولا يقتضى القول أن يصبح حقيقة ، فإن الدعى فى الحقيقة هو ابن لرجل آخر ، وما يمكن أن يكون له أبوان ، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان.

وزيد فيما روى عن أنس وغيره سبته فى الشام خيل من تهامة ، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد ، ووهبه لعمّته خديجة بنت خويلد ، التى وهبته بدورها لزوجها محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان ذلك قبل الإسلام ، وأعتقه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتبنّاه ، فأقام عنده مدة ، ثم جاء عمه وأبوه يرغبان فى فدائه ، فقال لهما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل البعث : «خيّراه ، فإن اختاركما فهو لكما دون

٨١٢

فداء» ، فاختار زيد صحبة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على صحبتهما وقومه ، وآثر أن يكون رقيقا مع محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، على أن يكون حرا مع غيره حتى لو كان هذا الغير هم قومه وأهله ، فقام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لتوه وقال : «يا معشر قريش! اشهدوا أنه ـ أى زيد ـ ابني يرثنى وأرثه» وطاف على الناس يشهدهم على ذلك ، فرضى عمه وأبوه وانصرفا. وكان ذلك قبل المبعث ، وقيل إن أباه ظل يبحث عن ابنه ويدور بالشام ينادى :

بكيت على زيد ولم أدر ما فعل

أحييّ فيرجى أم أتى دونه الأجل؟

فأخبروه أنه بمكة ، فجاء إليه وحدث ما حدث. وفى زيد نزلت الآية : (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً) (٣٧) (الأحزاب) ، ادعيائهم ، فكأن السبب فى تزويج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من زينب امرأة زيد بعد أن طلقها زيد ، هو أن لا يكون على المؤمنين حرج إذا تزوّجوا من مطلقات ادعيائهم ، وقبل ذلك نفى الله تعالى أن يكون الدعى ابنا على الحقيقة ، فمطلقات الأبناء من الصّلب هن فقط المحرّمات على الآباء.

وقتل زيد فى مؤتة من أرض الشام سنة ثمان هجرية ، وكان النبىّ قد أمّره على تلك الغزاة ، وقال : «إن قتل زيد ، فجعفر ـ يعنى تكون الإمارة لجعفر ، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة» ، فقتل الثلاثة فى تلك الغزاة.

ويقول الله تعالى فى الأدعياء : (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٥) (الأحزاب). وفى ذلك قال ابن عمر : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا «زيد بن محمد» ، وقوله هذا دليل على أن التبنى كان معمولا به فى الجاهلية والإسلام ، ويتوارث به ، ويتناصر ، إلى أن نسخ الله تعالى ذلك بقوله : (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ) (الأحزاب ٥) ، فجعل من العدل أن يدعى الابن بالتبنى لأبيه الحقيقى ، أى أبيه نسبا. ولم تنسخ الآية التبنّى وإنما نسخت أن يدعى الولد بغير اسم أبيه الحقيقى ، كما نسخت كل ما كان يترتب على اعتباره ابنا على الحقيقة ، فإن لم يكن معروف الأب ، فالآية تقول ينسب إلى ولائه ، فإن لم يكن له ولاء معروف ، فيعامل معاملة الأخ فى الدين ، والله يقول : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (١٠) (الحجرات). وكان العرب قبل ذلك يعاملون أبناء التبنى معاملة الأبناء من كل وجه ، كالخلوة بالمحارم وغير ذلك ، فلما نسخت هذه المعاملة أبيحت زوجة الدعى ، وتزوج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مطلقة زيد. وفى آية التحريم شرطه بقوله : (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) (٢٣) (النساء) احترازا عن زوجة الدعى فإنه ليس من الصلب ، فأما دعوة الغير ابنا على سبيل التكريم والتحبيب فليس مما نهى عنه ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقول لأنس بن مالك : «يا بنىّ» ، وقال لأولاد بنى عبد المطلب : «يا بنىّ» ، وعلى ذلك فإن

٨١٣

النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد هذه الآية قال لزيد : أنت أخونا ومولانا» ، كقول الله تعالى : (فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ) ، (الأحزاب ٥) ، وقد نهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يتحرّج مسلم أن يدعى باسم أبيه ، فقال : «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» ، والكفر هنا هو الفسوق ، وفى الحديث : «ثلاث فى الناس كفر ..» ، منهم الطاعن فى النسب ، فالذى يطعن فى نسب آخر فقد كفر ، أى فسق ، وكذلك الذى يدعى لغير أبيه وهو يعلمه.

* * *

تابع الإسلام الاجتماعى

* * *

خامسا : الأسرة

* * *

١٧٣٩ ـ الأب والأم والابن والابنة والأخ والأخت

الأب هو الوالد ، والأم الوالدة ، والأولاد والبنات منهم الابن والابنة ، ويقال إنهم إخوة وأخوات ، جمع أخ وأخت. والأبوة قد تكون أبوة جسد ، كقوله تعالى (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) (٩٩) (يوسف) ، والأبوان هما الأب والأم ، غلب عليهما اسم الأب. ويقال «يا أبتى» صيغة إعزاز او احترام لمخاطبة الأب كقوله تعالى : (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ) (يوسف ٤) ، والعرب يقولون : «فديتك بأبى» كناية عن الإعزاز ، ومثل ذلك قولهم : «بأبى أنت وأمى». وفى الآية : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) (٤٠) (الأحزاب) نفى أن يكون للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولد بعد أن مات أولاده إبراهيم والقاسم ، وقال تعالى : (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ) (٤) (الأحزاب) والدعىّ هو الابن بالتبنى ، وقال : (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ) (٥) (الأحزاب) فذكّر بأن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا ، وأسقط نظام التبنى.

وكما تكون الأبوة بالجسد تكون كذلك بالقلب ، وكان العارف بالله إبراهيم الدسوقى يدعو اتباعه «أولاد القلب» ، ويقول : إن ابن الجسد أو الابن من الصلب ، يرث المال ، وأما ابن القلب فميراثه المذهب. ولم يورث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مالا ولكنه ورّث القرآن والسنّة. وفى دعاء زكريا ، قال : (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (مريم) ، كان يعنى يرث عنه المال ، ويرث عن آل يعقوب الحكمة والنبوة.

والأم والأب يرثان عن ابنهما : (لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) (١١) (النساء) ، (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ) (١٢) (النساء).

٨١٤

ويرث الأبناء عقائد الآباء وآدابهم ، كقوله تعالى : عن آبائنا الأقدمين : (نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) (٢١) (لقمان) ، وقول إسماعيل لأبيه إبراهيم : (يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (١٠٢) (الصافات) ، ومثل نصيحة بنت شعيب لأبيها : (يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (٢٦) (القصص) ، ونبّه القرآن إلى ذكاء هذه الابنة وأدبها العالى باعتبارها البنت الكبرى ، فقال تعالى : (فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ) (٢٥) (القصص) ، ومثل ذلك أدب يوسف مع أبويه : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) (١٠٠) (يوسف) ، ويعدّ حوار إبراهيم مع أبيه نموذجا للنقاش مع الأب فى قوله تعالى : (قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا) (٤٧) (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (٤٨) (مريم) ، فلم يعارض أباه بسوء الردّ. وقد يقال للعم أبا ، وقيل : كان آزر هو عم إبراهيم الذى ربّاه ، ومع ذلك جاء عنه فى القرآن أنه أبوه ، قال : (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ) (٧٤) (الأنعام) ، وقال : (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ) (١١٤) (التوبة). وفى القرآن نوديت مريم أم عيسى بالأخت فقيل : (يا أُخْتَ هارُونَ) (٢٨) (مريم) ، ولم تكن أخت هارون على الحقيقة ولكنها من بيت هارون ؛ وفى التوراة والإنجيل نفس الشيء ، فقال عن الأعمام أنهم آباء ، ويقال للسيدة «يا أخت» ، كما يقال للرجل : «يا أخ» ومن قصة يوسف مع إخوته وأبيهم خلصنا إلى ما أطلقنا عليه اسم «عقدة الإخوة» ، ويسميها أهل الطب النفسى تنافس الأشقاء ، وهو أن تعتمل الغيرة فى نفوسهم ضد الابن المقرّب من أبيه ، وفى قصة يوسف بلغ من شدّة غيرتهم أنهم دبّروا قتله ، قالوا : (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) (٩) (يوسف).

وفى تعاليم القرآن عن الوالدين : البرّ ، كقوله تعالى : (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) (٨٣) (البقرة) ، والوصية لهما ، كقوله : (إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ) (١٨٠) (البقرة) ، والنفقة عليهما ، كقوله : (قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ) (٢١٥) (البقرة) ، والإحسان بهما ، كقوله : (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) (٣٦) (النساء) ، والشكر لهما ، كقوله : (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) (١٤) (لقمان). ومن دعاء إبراهيم للوالدين قوله : (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) (٤١) (إبراهيم).

والأم كالأب ، وهى أمّ على الحقيقة ، وأم بالرضاع ، ولها حقوقها وآداب التعامل معها ، كالأسرة جميعا ، ويحرم الزواج منها سواء كانت أما بالولادة أو بالرضاع ، وشأنها شأن البنات والأخوات. والأخوات بالرضاع يحرم الزواج منهن كتحريم الزواج من الأخوات بالولادة ، والبنات ، والأم ، والأخوات إلخ ، كقوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ

٨١٥

تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) (٢٣) (النساء) ، والربيبة هى بنت المرأة من رجل آخر بخلاف زوجها الحالى وتنشأ فى كنف زوج أمها.

وفى الآية عن مريم ، عن مستتبعات الوالدية قوله : (ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (٢٨) تنبيه إلى ميراث الصفات الأخلاقية عن الأبوين ، وعن الأم خصوصا ، ولقد أوصى الله بها ، ونبّه إلى سبب الوصية فقال : (وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) (١٥) (الأحقاف) ، وقال : (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ) (١٤) (لقمان). ولمّا لم تنجب نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اللاتى كن معه فى المدينة ، عوّضهن الله خيرا ، وكرّمهن أجمل تكريم ، وجعلهن «أمهات للمؤمنين» ، قال : (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) (٦) (الأحزاب). وكرّم الله تعالى المرأة عموما فحرّم الظهار : وهو أن يقول الرجل لزوجته : أنت علىّ كظهر أمى» ، فتحرم عليه ، فقال : (إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) (٢) (المجادلة) فمايز بين الزوجة والأم ، وجعل لكلّ مكانتها العالية ، وفى كل الأحوال فإن كل الأمهات زوجات ، وأغلب الزوجات أمهات ، واختص الأم بحضانة طفلها وإرضاعه ، كما اختص الأب بحق تربيته. والأب : ليس من حقه أن يجبر ابنته على الزواج ، وله حقّ تولّى مال أولاده القصّر ، وله دون غيره أن يأخذ من مال ولده ما يشاء ، مع حاجة الأب إلى ما يأخذه ، صغيرا كان الولد أو كبيرا ، شريطة أن لا يجحف بالابن ولا يضرّ به ، ولا يأخذ إلا ما تتعلق به حاجته. وليس للأب أن يتصرّف فى مال الصغير ؛ وعليه التسوية بين أولاده فى العطية. ولا يجوز للابن الخروج للجهاد إلا بإذن الوالدين ، ولا حدّ للأب وللأم إن قذفا ابنهما ، وإن سرقا ماله لا يقطعان فيه ، ولا يقطع الابن وإن سفل بسرقة مال والده وإن علا ؛ وأما الإخوة والأخوات فيقطعون بسرقة أموال بعضهم البعض. ولا يقتل الرجل بولده ، ولا بولد ولده وإن نزلت درجته ، سواء فى ذلك ولد البنين وولد البنات. وقتل الأب والأم لابنيهما فى الأصل موجب للقصاص ، وهو أعظم ذنب بعد الشرك بالله ، وقد ساوى الله تعالى بينه تعالى وبينهما فقال : (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) (١٤) (لقمان) ، وإنما سقط وجوب القصاص لمعنى مختص بالوالدين وهو الولادة ، بينما ويقتل الولد بكل من والده ووالدته ، وروى أن الابن لا يقتل بأبيه أو أمه.

وليس للأبناء من الرجل إرث مقدّر : فإن كان معهم ذو فرض أخذوا ما فضل عنه ، وإن انفردوا أخذوا الكل ، فإن استغرقت الفروض المال سقطوا ولم يأخذوا شيئا. ويعصب الإخوة أخواتهم ، ويقتسمون معهن ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، وتشمل العصبات : الابن ، وابن الابن وإن نزل والأخ ، والأخ من الأب ، وأما بقية العصبات فينفرد الذكور منهم بالميراث دون الإناث ، وإذا كان ضمن العصبات أخ لأم وأخ لأب ، أخذ الأخ لأم السدس ،

٨١٦

والباقى للأخ من الأب. والوارثون من الرجال هم : الابن ؛ ثم ابن الابن وإن سفل ، والأب ؛ ثم الجد وإن علا ؛ والأخ ؛ ثم ابن الأخ ، والعمّ ، ثم ابن العم ؛ والزوج ، وكلهم قد يسقطون ما عدا الأب والابن والزوج. ويسقط الإخوة الأشقاء بالابن ، وابن الابن وإن سفل.

وفى الشهادة : تقبل شهادة الأخ لأخيه ، ولا يستحق الأخ لأم الحضانة. وفى الإرث : يسقط الإخوة لأم ، ذكورهم وإناثهم ، بالولد ، وولد الابن ، وبالأب ، وبالجدّ والد الأب وإن علا.

* * *

١٧٤٠ ـ الأسر المسلمة نواة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة

يتحدث القرآن عن الأسرة تحت اسم الأهل ، من أهل أى تزوّج ، وتأهّل أى اتخذ أهلا وصارت له زوجة ، والأهل هم الزوجة والعيال ؛ وفى القرآن : (احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) (هود ٤٠) والآية دليل على أن الأهل هى الزوجة ، أو هى الزوجة وعيالها ، كقوله تعالى : (يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) (هود ٤٦) يعنى أنه وإن كان من صلبك إلا أنه عدوك ، فالأهل كما تربط بينهم صلة الرحم ، فإنهم لا بدّ أن يكونوا متراحمين فعلا ، وإلا فغير المتراحم ليس من الأهل أخلاقا ودينا. وفى قوله تعالى : (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ) (العنكبوت ٣٢) : أن عيال الرجل هم أهله إضافة إلى امرأته ، كقوله : (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) (هود ٤٥). ويقال مجازا عن المكان أنه «مأهول» يعنى مسكونا ، وسكانه هم أهله ، كقوله تعالى : (أَهْلِ مَدْيَنَ) (القصص ٤٥) ، و (أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) (العنكبوت ٣١) أى سكانها. وفى أقواله تعالى عن أهل نوح ، وهود ، ولوط ، وإبراهيم إلخ ، أنهم الجماعة ، أو الوحدة الاجتماعية التى يتألف منها مجتمع المكان ، ويتعاونون معا اقتصاديا. وأبرز الوظائف للأهل بمعنى الأسرة : هى الوظيفة الاجتماعية. وأهل الزوج هم زوجته ، وتتميز علاقته بها دون سائر علاقاته مع النساء الأخريات ، بأنها علاقة جنسية شرعية بين زوجين. ولا يكون الأهل أهلا ، ولا الأسرة أسرة إلا إذا تحقق أن يكون لها الأولاد. والرجل بالزواج يصبح زوجا ، وبالإنجاب يصبح ربّ أسرة ، ويصير له «أهل» ، والأسرة المسلمة كما يأتى عنها فى كثير من الآيات ، هى الأسرة النواةnuclear family ، وهى التى تتألف من الزوجين وطفل أو أكثر ، وتتجمع هذه الأسر كما تتجمع الذرّات وتصبح جزيئا ، فتكوّن مجتمعات أكبر هى المجتمعات المدنية. والقرآن يحضّ على الزواج لإكثار النسل وإعمار الأرض. وفى القرآن يوجد نوعان من الأسر : الأسرة أحادية الزوجةmonagmous family ، التى تتكون من زوج وزوجة واحدة ، كأسرة آدم وحوّاء قال تعالى : (يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة ٣٥) ؛ والأسرة متعددة الزوجات polygamous family ، وهى التى تتكون من زوج

٨١٧

وعدّة زوجات ، كأسرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) (الأحزاب ٦) ، وقال : (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً) (التحريم ٣) ، إلا أن الأصل فى الزواج أنه من واحدة ، قال : (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها) (الزمر ٦) ، وقال : (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) (٤٥) (النجم ٤٥) ، والأصل فى الخلق أيضا أنه من زوجين ، كقوله : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) (الذاريات ٤٩). وفى الأسرة متعددة الزوجات يصبح الرجل هو همزة الوصل الذى يربط الزوجات وأولادهن ، ويخلق ما يسمى بالأسرة الممتدة ، وفى أى مجتمعات فإن الأسرة قد تكون مرتبطة بالأم وتنتسب إليهاmatriarchal family ، وإقامتها عند أهل الأم matrilocal ، وقد تكون مرتبطة بالأب petriarchal family ، وإقامتها عند أهله patrilocal ، والأسرة المسلمة من النوع الثانى ، وترتبط بالأب وتنتسب إليه ، وإقامتها عند أهله أو مرتبطة بهم ، ولا يعنى ذلك تهميش دور الأم وأهلها ، فالانتساب عادة يكون لمن يعول ويعمل ويكسب ، ويعرف بجدّه ونشاطه وحركته فى الحياة. وفى القرآن فإن مبدأ التكوين الاجتماعى للأسرة يقوم على «تقسيم العمل» ، فالرجل بما له من صفات وقدرات له مجالات عمله ، كما أن للمرأة مجالات عملها ، ولأنها تحمل وترضع فإنها تنقطع تقريبا لعملها هذا نحو السنتين تعتمد فيهما على زوجها ، كقوله تعالى : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَ) (الطلاق ٦). ويقوم بناء المجتمع الإسلامى وتنشئة الفرد المسلم على أربع وظائف للأسرة المسلمة : جنسية ، واقتصادية ، وإنجابية ، وتربوية ، فالوظيفتان الأولى والثالثة : مهمتهما بقاء المجتمع المسلم ، وتكاثر أفراده ؛ والوظيفة الثانية : يعتمد عليها استمرار حياة المسلمين ومجتمعاتهم ودولهم ؛ والوظيفة الرابعة : يعتمد عليها استمرار الحضارة الإسلامية. وقد رتبت الشريعة حقوقا للمرأة وللرجل ، وللأولاد ، ونظمت العلاقة بينهم ، فلم تجعل للابن الخروج إلى الجهاد إلا بإذن أبويه ، ولا أن يقتص من الوالد للولد ، ولا للولد من الوالد ، وألزمت الأبوين بالتسوية بين الأبناء فى العطايا ، وفرضت للزوجة وأولادها النفقة على والدهم إلخ. والخلاصة : أن الأسرة فى الإسلام هى عماد المجتمع ، وهى الوحدة التى يتألف منها بناؤه ، ولا محيد عنها ، ولأفرادها حرياتهم الشخصية من داخل إطار المصلحة العامة للأسرة وللمجتمع ككل ، وهو أمر يخالف فيه القرآن نظريات العولمة. ولأن الاجتماع الإنسانى ضرورة ، كانت الأسرة ضرورة ؛ وكذلك الزواج ، فالزواج تتكون به العائلات ، وتنشأ المجتمعات وتأتلف ، وتكون الأمم والشعوب ، سواء فى الإنسان ، أو الحيوان ، أو الطير ، وحتى الجن ، كقوله : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ) (٣٨) (الأنعام) ، وقوله : (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (٣٨) (الأعراف) ، وقوله : (وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً) (١٦٨) (الأعراف) ، وكما ترى فإن الاجتماع كله قائم على التزاوج والتكاثر ، فى

٨١٨

مجتمعات وشعوب وأمم ، تتباين فيما بينها بحكم أعراقها ، وحكمة ذلك التباين بين المجتمعات والأمم والشعوب ، هو أن تتعارف ، وتتواصل ، وتتبادل المعارف والمنتجات ، وتتثاقف وتتلاقح حضاريا ، كقوله : (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا) (١٣) (الحجرات).

* * *

١٧٤١ ـ نفقة المولود والوالدين والأقارب

تجب نفقة الوالدين على الأبناء وإن نزلوا ، ذكورا وإناثا ، كقوله تعالى : (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) (البقرة ٨٣) ، وقوله : (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ) (مريم ١٤) ، وتجب نفقة المولودين على الوالدين ، كقوله : (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة ٢٣٣) ، ويجب على الأم أن تنفق على ولدها إذا لم يكن له من ينفق عليه سواها ، وإن أعسر الأب وجبت النفقة على الأم. ويجب الإنفاق على الأجداد والجدّات وإن علوا ، وولد الولد وإن سفلوا. ومن كان له أب من أهل الإنفاق لم تجب نفقته على سواه. والقدرة على الإنفاق شرط فى التكليف ، والنفقة على الأصول والفروع واجبة حتى مع فسوقهم أو كفرهم ، كقوله تعالى عن الأبوين الكافرين : (وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً) (لقمان ١٥) ، وشرط الإنفاق : الفقر والعجز ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا حظّ فى الصدقة لغنىّ ولا لقوى مكتسب» ، لأن النفقة معونة على سدّ الحاجة ، طعاما ، أو كسوة ، أو سكنا ، أو مصاريف مدارس ، أو علاجا ، وهذه جميعا لحفظ الحياة ، ودفع الضرورة. ولا يجب على الابن أن يزوّج أباه إن احتاج لذلك ، ولا على الأب أن يزوّج ابنه ، لأن الزواج ليس من النفقة ـ أى الصدقة ، وقيل : يجب على الولد إعفاف أبيه ، وعليه نفقة زوجته ، والفرق بين نفقة الزوجة ونفقة القريب : أن الغرض من نفقة القريب مواساته وسدّ خلته ، فوجوبها لدفع الخلة ، لا لعوض ، فإذا أخلّ بها أثم ، ولكنها لا تستقر فى الذمة ، ولا يجب قضاؤها ، بخلاف نفقة الزوجة ، فإنها عوض الاستمتاع ، فكانت كالمعاوضة المالية ، فإذا لم يؤدّها استقرت فى ذمّته ووجب قضاؤها ، وإذا اجتمعت على الشخص الواحد عدة نفقات عليه أن يقوم بها ـ ولم يستطع إلا القيام ببعضها دون البعض ، فنفسه أولا مقدمة على جميع الحقوق ، لأهمية النفس لحياة صاحبها ، فإن فضل منه شىء ابتدأ بزوجته ، لأن نفقتها تثبت على سبيل المعاوضة ، وإن فضل شىء فهو بين الأقارب ، حتى القريب مدّعى الفقر ، وحتى تكفين الميت المعدم قد يقوم به قريبه.

* * *

١٧٤٢ ـ ترتيب أفراد الأسرة فى استحقاق النفقة

النفقة للزوجة أولا دون الأقارب ، ثم من بعد ذلك الأقرب فالأقرب ، فإن اجتمع أبّ وجدّ ، أو ابن وابن ابن ، قدّم الأبّ على الجدّ ، والابن على ابن الابن. وإن اجتمع ابن

٨١٩

وجدّ ، أو أبّ وابن ابن ، قدّم الابن والأبّ ، ويحتمل التسوية. فإن اجتمع جدّ وابن ابن فهما سواء. وإن اجتمع أبّ وابن ، فإن كان الابن صغيرا ، وما يزال فى المدارس ، أو مريضا يشكو علة أو عجزا ، قدّم. وإن كان كبيرا ، والأب زمن ، فالأبّ أحقّ ، وإن كانا صحيحين فقيرين احتمل التسوية بينهما ، وإن اجتمع أبّ وأم تقدّم الأم ، وإن اجتمع جدّ وأخ أو جدّ وابن عمّ ، أو عمّ ، فالجدّ أحقّ. وإذا اجتمعت على الواحد نفقات كثيرة يعجز عن الوفاء بها جميعا ، فليبدأ بنفسه أولا ، لأن نفسه مقدّمة على جميع الحقوق.

* * *

١٧٤٣ ـ الختان واجب على الرجال دون النساء

الختان : من ختن أى قطع ، يقال : ختن الصبى : يعنى قطع قلفته ، فالصبى ختين ، ومختون ، والختان عند اليهود للصبيان ولا ختان للبنات ، وعند المسلمين فإن العادة كانت أن يختتن الذكور والإناث ، ولا يوجد ما يدل على ذلك فى القرآن ، وقيل : إن الختان فى السنة واجب على الرجال ، ومكرمة فى حق النساء ، وليس بواجب عليهن ؛ والكبير الذى لم يختن ويخاف الختان يسقط عنه ، وإن أمن على نفسه لزمه ؛ ولا إثم على من مات قبل أن يختن. والدعوة لوليمة الختان مستحبة ، والإجابة إليها مستحبة وغير واجبة. والاحتفال لا بأس به.

* * *

تابع الإسلام الاجتماعى

* * *

سادسا : الطلاق

* * *

١٧٤٤ ـ ما هو الطلاق فى الإسلام؟

الطلاق فى اللغة : هو حلّ الوثاق ، مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والتّرك ، ويقال فلان طلق اليد بالخير أى كثير البذل. والطلاق فى الشرع : هو حلّ عقدة التزويج. ولفظ الطلاق جاهلى ، وكان الطلاق موجودا فى الجاهلية ، وأقرّه الإسلام وهذّبه ، ووضع له الضوابط ، وواسطه أى جعل الأمر فيه وسطا بين إطلاق الجاهلية حيث لم يكن للطلاق ضابط ولا رابط ، وبين تشدّد وتطرّف اليهود والنصارى ، فاليهودية إذا طلّقت فلا رجعة لها إلا بصداق وعقد جديدين ، وإذا نسب الزوج إلى من يتزوجها بكرا أنها ليست بكرا غرّم لذلك وجعلت البنت زوجة له مدى الحياة لا يطلقها. والكاهن لا يتزوج مطلقة غيره فى اليهودية. والزواج من أكثر من واحدة مباح بلا إحصاء ، وكان لسليمان سبعمائة زوجة وثلاثمائة أمة

٨٢٠

يملك يمينهن. وعند النصارى الزواج من واحدة فقط ، ولا طلاق فى المسيحية إلا عن زنا.

والطلاق فى الإسلام لا إفراط فيه ولا تفريط ، وقد يكون حراما ، أو مكروها ، أو واجبا ، أو مندوبا ، أو جائزا ؛ فأما الأول ففيما إذا كان بدعيا ، وله صور ؛ وأما الثانى ففيما إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال ؛ وأما الثالث فله صور ومنها الشقاق إذا رأى الحكمان ؛ وأما الرابع ففيما إذا كانت المرأة غير عفيفة ؛ وأما الخامس ففيما إذا كان الزوج لا يريد زوجته ، ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع ، والطلاق فى هذه الصورة لا يكره.

* * *

١٧٤٥ ـ الطلاق فى الإسلام هو أبغض الحلال

لم يحلل الطلاق فى المسيحية ، ويجيء فى إنجيل متّى : من طلق امرأته إلا لعلّة زنا فقد جعلها زانية ، ومن تزوّج مطلقة فقد زنى (الفصل الخامس ٢٢). وفى اليهودية : الطلاق حلال ، وللمطلق أن يعود إلى الزواج من مطلقته إذا أراد ، إلا إذا تزوجت غيره فطلّقها الآخر أو توفى عنها ، فلا يجوز للأول رجاعها ، فإن ذلك رجس بعد ما تدنّست بالثانى (تثنية الاشتراع ٢٤ / ١ ـ ٤). والإسلام لم يذهب إلى ذلك بالكلية ، فشرّع الطلاق والرجاع ، وجعل الطلاق حتى ثلاث طلقات ، وبعد ذلك تبين المطلقة ولا تجوز لها رجعة ، ولو تزوجت البائنة ثم طلّقت جاز لزوجها الأول أن يعقد عيها من جديد. والمستشرقون دأبوا على الاستهزاء من الإسلام لمخالفته لشرائعهم ، وقالوا إن الإسلام دين يطلّق معتنقوه زوجاتهم لأوهى الأسباب ، فما أسهل أن يقول الرجل لامرأته «أنت طالق» حتى تكون مطلقة فعلا ، وما أيسر أن يحلف عليها بالطلاق فإذا عاندته وقع يمينه وصارت مطلقة. وليس كذلك الحال فى الإسلام ، فالطلاق منه السنّى والبدعى : والسنّى هو الذى يكون فى طهر من غير جماع ، ولا يكون عن غضب ؛ والبدعى ما كان غير ذلك. ولا تكون الزوجة مطلقة نهائيا إلا بعد انقضاء عدّتها. ثم إن الطلاق فى الإسلام مكروه تماما ولا يأتيه إلّا القلة من الناس. وفى الحديث برواية معاذ أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن الله تعالى يبغض الطلاق» ، وبرواية أخرى قال : «ما أحلّ الله شيئا أبغض إليه من الطلاق» ، وبرواية ابن عمر قال : «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» ؛ وقال : «ما أحلّ الله عزوجل حلالا أحبّ إليه من النكاح ، ولا أحلّ حلالا أكره إليه من الطلاق» ؛ وبرواية أبى موسى الأشعرى قال : «تزوّجوا ولا تطلّقوا ، فإن الله لا يحب الذّواقين والذوّاقات» ، وفى رواية أخرى قال : «لا تطلّق النساء إلّا من ريبة ، فإن الله لا يحب الذوّاقين ولا الذوّاقات» ، والذوّاقون والذوّاقات : من كانت هوايتهم الزواج والطلاق سواء من الرجال أو النساء ، يطلبون الزواج شهوة فى النساء فإذا قضوا وطرهم وأصابهم الملل طلّقوهن ليتزوجوا غيرهن ، وكذلك قد تفعل النساء. وقوله «لا تطلق النساء إلا من ريبة»

٨٢١

كقول المسيح عليه‌السلام : «إنّ الطلاق لا يجوز إلا من زنا». فافهم عنى يا أخى المسلم الذكى ، ويا أختى المسلمة الذكية ، فطريقتنا أفضل الطرق ، وديننا أفضل الأديان ، وهو الدين الخاتم ، وتشريعاته أفضل التشريعات ، وإنى لأعجب أين الإباحة التى يرجّفها المرجّفون ويشيعها المغرضون؟! وحسبنا الله ، وله الحمد والمنّة.

* * *

١٧٤٦ ـ الطلاق مرتان فلم صار ثلاثا؟

الطلاق ـ فى قوله تعالى : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) (البقرة) : هو حلّ العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة ، والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها ، وبقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فإن شاء أمسك وإن شاء طلّق» ، ومن طلّق امرأته طاهرا فى طهر لم يمسها فيه ، فقد طلّق للسنة ، وللعدة التى أمر الله بها ، وله الرجعة إذا كانت مدخولا بها قبل أن تنقضى عدّتها ، فإذا انقضت صار خاطبا يتقدّم لها كسائر الخطّاب. وفى الحديث : «ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحبّ إليه من العتاق ، ولا خلق الله شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق». والعتاق أن تحفظ الزوجة وتقدم عندك فلا تفرّط فيها. وفى الآية «الإمساك» : يعنى إمساك الزوجة ، ويشترط له «الإحسان» ، أى لا يظلمها شيئا من حقّها ، ولا يتعدى فى قول. والإمساك خلاف الإطلاق ، والتسريح : وهو إرسال الشيء ، وفيه تسريح الشّعر ليخلص البعض من بعض ، وسرح الماشية : أرسلها.

والتسريح يحتمل معنيين : ترك الزوجة حتى تتم العدة من الطلقة الثانية فتكون أملك لنفسها ، أو أنه يطلقها ثالثة فيسرّحها. وسئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الآية : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) : فلم صار ثلاثا؟ قال : «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ـ هى الثالثة». والتسريح من ألفاظ الطلاق : وقوله : (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) هى الطلقة الثالثة بعد الطلقتين ، وهى التى تعنيها الآية : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (٢٣٠) (البقرة). وهذا المعنى من محكم القرآن ولم يختلف أهل العلم فى تأويله ، فالطلقة الثالثة مذكورة فى صلب الخطاب ، ومفيدة للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد زوج ، والمقصود بالآية بيان عدد الطلاق الموجب للتحريم ، وإبطال ما كان جائزا من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور. وهذا التعديد هو فسحة للمسلمين فلا يضيّقوا على أنفسهم بجعل الطلقات الثلاث طلقة واحدة ، تقال فى كلمة واحدة ، فمن طلّق ثلاثا فى كلمة فلا يلزم ، وتحتسب واحدة. وأنكر عمر هذه البدعة وهى إيقاع الطلقة الواحدة بدل إيقاع الناس ثلاث تطليقات ، فقد أحدثوا فى الطلاق واستعجلوا فى أمر كانت لهم فيه أناة!

* * *

٨٢٢

١٧٤٧ ـ الإسلام ينصح بالصبر لا بالطلاق

فى الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من صبر على سوء خلق امرأته ، أعطاه الله من الأجر مثل ما أعطى أيوب على بلائه ، ومن صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثل ثواب آسية امرأة فرعون» ، وأجر أيوب لقاء صبره بيّنته الآية : (فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) (٨٤) (الأنبياء) فكان صبره أسوة لغيره ، شبّه به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من يصبر على سوء خلق امرأته ، وامرأة فرعون عتى عليها زوجها كما فى الآية : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (١١) (التحريم) ، وكفر بالله وآمنت ، وصبرت على أذاه وكفره ، فكافأها الله فى الدنيا والآخرة ، فذاك جزاء الصبر ، والله مع الصابرين ، ذكرهم فقال : (الصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ) (٣٥) (الأحزاب) ، أولئك هم الأثبات ، لا يضيع الله أجرهم ، وصبرهم هو الصبر الجميل. وفى الأثر أن عمر بن الخطاب لمّا جاءه الرجل يشكو إليه سوء خلق امرأته ، لم يدخل على عمر مرة واحدة ولكنه وقف بالباب فترة ، فسمع امرأة عمر تستطيل عليه بلسانها ، وعمر ساكت لا يردّ عليها ، فانصرف الرجل يقول لنفسه : إذا كان هذا حال أمير المؤمنين! فكيف حالى؟ فخرج عمر فرآه موليا ، فناداه ما حاجتك؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، جئت أشكو إليك سوء خلق زوجتى واستطالتها علىّ ، فسمعت امرأتك كذلك ، فرجعت ، وقلت : إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع امرأته فكيف حالى؟ فقال عمر : إنى احتملتها لحقوق لها علىّ : إنها طابخة لطعامى ، خبّازة لخبزى ، غسّالة لثيابى ، مرضعة لولدى ، وليس ذلك بواجب عليها ، ويسكن قلبى بها على الحرام ، لذلك فأنا احتملتها! فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ، وكذلك امرأتى! فقال عمر : فاحتملها يا أخى فإن أمرها يسير ، فلا تشك زوجتك لأحد ، وإذا كان لا بد من الشكاية فلتكن لله ربّ العالمين. أما سمعت قول العبد الصالح : (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) (يوسف ٨٦). وفى النصرانية من ذلك أيضا قول بولس : إن المتزوجات لا يفارقن أزواجهن ، ولا يفارق المتزوّجون زوجاتهن ، والخير أن يتصالحا» (رسالة ١ / ٧ ـ ١٠) ، وهذا الأدب لا شىء منه فى اليهودية.

* * *

١٧٤٨ ـ التحكيم عند استحكام الخلاف بين الزوجين

الخلاف بين الزوجين فى الإسلام له أحوال ثلاث ، فحالة يكون فيها النفور والنشوز من الزوجة ، وذلك تناولته الآية : (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) (٣٤) (النساء) ؛ وحالة يكون فيها النفور من الرجل وتشرحه الآية : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا

٨٢٣

جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (١٢٨) (النساء) ؛ وحالة يكون النفور فيها من الزوجين ، وفيها يقول الله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما) (٣٥) (النساء). والتحكيم فى الآية من سلطة القاضى إذا وقع الشقاق بين الزوجين ، وتفاقم خلافهما ، وطالت خصومتهما ، وشرط الحكمين أن يكونا من ثقات أهل الزوجة وأهل الزوج ، ويجتمع الحكمان ، ويستمعان إليهما ، وينظران فيما آل إليه حالهما وإمكان التوفيق بينهما ، وما يريانه فى صالحهما بالتفريق أو التوفيق ، وإذا اجتمع رأيهما على التفريق أو التجميع فأمرهما جائز ، وعليهما أن يبيّنا ما إذا كان الرجل هو المسيء أو أنها المرأة ، وتحديد ذلك فيه أن الرجل يجب عليه مؤخر الصداق والمتعة والنفقة ، أو أن المرأة عليها أن تبرئه من ذلك. وقضى عثمان بن عفان بالحكمين ، ولمّا قضى بهما علىّ بن أبى طالب نبّه الحكمين فقال : أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما. ورضيت المرأة ورفض الرجل أن يحكما بالفرقة فقال علىّ ، كذبت! والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله عزوجل. رواه ابن أبى حاتم. فالتحكيم من كتاب الله ، والإسلام يقول به ، وهو آخر ما أشارت به التشريعات المعاصرة ، وما أخذت به. والحكمان لهما أن يفرّقا طالما قد قبلهما الزوجان وقضى بهما القاضى ، فهما وكيلان عن الزوجين ، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه وهو ظاهر الآية ، والحمد لله الذى فى دينه كل هذه السعة ، فلا اليهودية ولا النصرانية تقضى بالتحكيم أو تعرف عنه ، وإنما فى النصرانية المصالحة ، ووعظ بها بولس الرسول ، فلا تفارق المرأة الرجل ، ولا يفارقها ، وليبقيا زوجين وليتصالحا (الرسالة الأولى لأهل كورنتس ٧ / ١١).

* * *

١٧٤٩ ـ أنواع الطلاق

الطلاق إما واجب ، أو مندوب إليه ، أو مباح ، أو مكروه ، أو محظور. والطلاق الواجب : مثل طلاق المؤلى بعد التربّص إذا أبى الفدية ، أو الذى يستوجبه تفريط المرأة فى حقوق الله الواجبة عليها كالصلاة ونحوها ، أو تكون المرأة غير عفيفة ؛ والطلاق المندوب إليه : كالطلاق إذا استحكم الخلاف وقضى به الحكمان كما فى الحال التى تحوج المرأة إلى المخالعة ؛ والطلاق المباح : هو ما يلجأ إليه عند الحاجة لسوء خلق الزوجة ؛ والطلاق المكروه : هو الذى لا حاجة إليه ، وقيل هو محرّم ، وقيل هو مباح ؛ والطلاق المحظور : هو الطلاق فى الحيض أو فى طهر جامعها ، والإجماع على تحريمه ، ويسمى الطلاق البدعى.

* * *

٨٢٤

١٧٥٠ ـ الخلع والفدية والمبارأة

الخلع : هو إبانة الزوجة على مال تفتدى به نفسها ، كقوله تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها) (البقرة ٢٢٩) ، وقوله : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) (٤) (النساء ٤). ولا يقع الخلع إلا بلفظين هما الخلع والطلاق مع الفدية ، فأيهما حصل كفى ، فإذا قالت له : بذلت لك كذا لتطلقنى ، فقال هو : خلعتك على ذلك ، أو قال : أنت طالق على ذلك ، صحّ ، والأفضل الجمع بين الصيغتين فيقول : خلعتك على كذا فأنت طالق. والفدية : هى العوض الذى تبذله المرأة للزوج كى يطلّقها ، وكل ما يصحّ كمهر فهو فدية ، ويجوز أن يكون المهر هو الفدية ، أو أقل منه مما يتراضيان عليه ، ولا يجوز أن تكون الفدية أكثر من المهر. والمبارأة : هى المفارقة ، وهى كالخلع ، إلا أن الكراهية فى الخلع من الزوجة ، وفى المبارأة من الزوجين ، ويصح الخلع بلفظ خلعتك ، وتصحّ المبارأة بلفظ بارأتك وأنت طالق.

* * *

١٧٥١ ـ المسلمة بوسعها الطلاق ، والخلع طلاق

بوسع المسلمة الطلاق إذا رأت أن استمرارها مع زوجها فيه غبن لها ، وظلم لوضعها ، والخلع وسيلة من وسائل الطلاق المنشود ، وهو أن تفتدى المرأة نفسها من زوجها بقدر من المال يتفقان عليه ، ويكون تعويضا للزوج عما أنفقه فى زواجه منها. والخلع إذن افتداء ، وما تدفعه المرأة أو تعيده إلى الزوج يقال له «فدية». ولفظة «الخلع» مأخوذة من خلع الثياب ، فقد ورد عن الله تعالى قوله فى علاقة الأزواج ببعضهم : (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ) (١٨٧) (البقرة). ولم يكن الخلع جديدا حينما دخل الإسلام ، فكان العرب فى الجاهلية يتخالعون ، ويروى أن أقدم خلع للعرب كان خلع ابنة عامر بن الظرب ، تزوجت ابن عمها عامر بن الحارث بن الظرب ، فلما دخلت عليه فوجئت بقبحه. ولم تكن قد رأته من قبل ، فنظرت منه ولم تمكّنه من نفسها ، فشكا إلى أبيها ، ولم يريا إلا الطلاق ، فقال له أبوها : لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك ، وقد خلعتها منك بما أعطيتها» ، يعنى بإعادة ما أعطاها. وفى الإسلام فى خلع حبيبة بنت سهل امرأة ثابت بن قيس ، أنه ضربها فكسر يدها ، وأصرّت على الطلاق ، فانخلعت منه بمال افتدت به نفسها ، ويبدو أن ثابت بن قيس هذا قد تكرر معه الخلع ، فقد اختلعته أيضا جميلة أخت عبد الله بن أبىّ ـ كبير الخزرج ورأس النفاق المشهور ، ويبدو أن دمامته كانت السبب فى انخلاع النساء عنه ، وفى الرواية أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا رسول الله! ما أعيب على ثابت فى خلق ولا دين ،

٨٢٥

ولكنى أكره الكفر فى الإسلام! ـ قصدت بذلك أن دمامته تنفّرها منه وتخشى من ذلك أن لا تقيم حدود الله ، ولا تمكّنه منها ، فيكون الشقاق. وكان ثابت بن قيس قد أصدقها «حديقة» ، فقال لها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أتردّين عليه الحديقة؟» ، فوافقت وقالت : وإن شاء زدته! ففرّق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بينهما. وعن ابن عباس أن الخلع فسخ وليس بطلاق ، وقد أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم امرأة ثابت بن قيس أن تتربص حيضة وتلحق بأهلها ، وفى ذلك دليل على أن الخلع فسخ ، بينما فى الطلاق لا تحلّ المرأة لغير زوجها إلا بعد ثلاثة أقراء. وشرط طلب الخلع من جانب المرأة أن تؤسسه على أسباب ، وإلّا فإن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد نهى أن تطلب المرأة أن تنخلع عن رجلها ، فقال : «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقها فى غير بأس فحرام عليها رائحة الجنّة» ، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة ، وقال : «المختلعات هن المنافقات» رواه الترمذى ، وبرواية أحمد قال : «المختلعات والمنتزعات هن المنافقات» وفى الرواية عن جميلة امرأة ثابت بن قيس أنها قالت للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا رسول الله ، بى من الجمال ما ترى ، وثابت رجل دميم. والله لو لا مخافة الله ، إذا دخل علىّ لبصقت فى وجهه! وفى رواية قالت : يا رسول الله! لا يجتمع رأسى ورأس ثابت أبدا! إنى رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل فى عدّة ، فإذا هو أشدّهم سوادا ، وأقصرهم قامة ، وأقبحهم وجها!. وفى الرواية أيضا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمره ففارقها.

والخلع مشروع وأجازه عمر بن الخطاب بالاتفاق بين الزوجين بدون القاضى ، وغالى عثمان بن عفان فأجازه دون عقاص الرأس ، والعقاص هو منديل الرأس للمرأة ، أى أنه أجاز أن يأخذ الرجل من امرأته الفداء كل شىء عندها ، فلا يبقى لها إلا ما عليها من ثياب!!! ولذلك كان الخلع مكروها. ويحتج القائلون بأنه فى الخلع يجوز للرجل أن يأخذ من المرأة أكثر مما أعطاها بالآية : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (٢٢٩) (البقرة) ، غير أنه فى الآية : (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ) (٢٢٩) (البقرة) فألزم الله تعالى الرجل أن لا يأخذ مما يؤتى امرأته شيئا ، وشرط الفداء بمخافة الشقاق والفساد ، وكان عروة يقول : لا يحلّ للرجل الفداء حتى يكون الفساد من قبل المرأة ، فإذا كرهت المرأة رجلها وطلبت الطلاق فله أن يأخذ منها ما يعوّضه ، ثم يخلى عنها. وكراهية الخلع تتأتى من الخوف أن تتمحّله النساء الذوّاقات ، أى المحبّات للزواج واستبدال الأزواج ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعن الذوّاقات. وقد يتحمل الخلع الرجال ويتخذونه تجارة ، أو يستخدمونه ليضيّقوا على النساء ويضجروهن ويجبروهن على أن يفتدين أنفسهن ، وقد نهى الله تعالى عن ذلك ، فقال : (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ) (النساء

٨٢٦

١٩). والشقاق إذا كان من قبل المرأة أو الرجل جاز الخلع لقوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما) (٣٥) (النساء). والخلع يشرع إذا كرهت المرأة عشرة الرجل ولو لم يكرهها ولم ير منها ما يقتضى فراقها ؛ ولا يشرع الخلع إذا كرهها الرجل ولم تكرهه ، فيضاجرها لتفتدى منه. وفى قوله تعالى : (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) (النساء ١٩) أن الفاحشة المبيّنة هى الشرط الذى يؤسّس عليه الخلع أو الافتداء للرجل ، وقال ابن عباس وابن مسعود فى تفسير الفاحشة أنها الزنا ، وقالا : إذا زنت المرأة فلك أن تسترجع منها الصداق الذى أعطيتها ، وتضاجرها حتى تتركه لك وتخالعها». واستدل أحمد على أن الفدية فى الخلع لا تكون إلا بما أعطى الرجل المرأة عينا أو قدره ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أتردّين عليه حديقته»؟ وفى رواية ابن ماجة والبيهقى عن ابن عباس قال : فأمره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يأخذ منها ولا يزداد» ، وفى رواية أخرى قال له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم «ولا تزدد» وفى رواية أخرى قال : «أما الزيادة فلا» ، وفى رواية الثورى أنه : كرّه أن يأخذ منها أكثر مما أعطى ، وفى رواية الدارقطنى والبيهقى عن ابن عباس قال : «أتردين عليه حديقته التى أعطاك؟» ، قالت : نعم وزيادة ، قال : «أما الزيادة فلا ولكن حديقته» قالت : نعم. فأخذ ثابت بن قيس ماله وخلّى سبيلها. وأخرج عبد الرزاق عن علىّ بن أبى طالب : «لا يأخذ منها فوق ما أعطاها». غير أن الله تعالى يقول (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) (البقرة) ، وعن ميمون بن مهران قال : من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرّح بإحسان. وعن سعيد بن المسيب قال : ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها! ليدع لها شيئا! ـ وقال مالك : لم أزل أسمع أن الفدية تجوز بالصداق وبأكثر منه ، لقول تعالى : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (٢٢٩) (البقرة) ، فإذا كان النشوز من قبلها حلّ للزوج ما أخذ منها برضاها ، وإن كان من قبله لم يحلّ له ويردّ عليها ما أخذ ، وتمضى الفرقة». وفى كل الأحوال يشترط للفدية : أن تكون عن سبب من المرأة ، وأن تدفعها برضاها وعن طيب نفس. وقد تقدم أن الفداء يكون «بالعينى» وليس «بالنقدى» ، والعينى هو ما أخذته المرأة منه كالحديقة مثلا ولا يكون مالا ، لأن الحديقة موجودة لم تنفقها ، ولكن المال أنفقته ، فمن أين تحصل عليه لتفتدى نفسها؟ ويفرق مالك بين المختلعة ، وبين المفتدية ، وبين المبارئة : فالمختلعة : هى التى تختلع عن كل مالها ؛ والمفتدية : هى التى تفتدى ببعض مالها ، والمبارئة : هى التى تبارئ زوجها قبل الدخول. وكما ترى أخى المسلم الذكى ، وأختى المسلمة الذكية ، فإن الخلاف بين أهل العلم والرواية واسع ، وفى خلافهم رحمة ومتسع ، والاختلاع إن قصد به أن تختلع المرأة عن زوجها فليس فى اللفظة ما يشير إلى عوض من مال أو غيره ، فإذا قلنا إنه افتداء فإن الله تعالى لم يفرضه على الزوجة وجعله اختيارا ، وشرطه بأن يتوافقا عليه. وفى

٨٢٧

الحديث عن سعيد بن جبير أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا اختلف الزوجان من عجلان ، وعرضا أمرهما عليه ، وأصرّ كل منهما على موقفه ، واستتابهما فلم يتوبا ؛ فرّق بينهما ، فلمّا طلب الرجل ماله ، يقصد ما دفع من صداق ، قال له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا مال لك ـ إن كنت صادقا فقد دخلت بها ، وإن كنت كاذبا فهو أبعد منك». فبقول الرجل «مالى» كأنه يسأل : أيذهب مالى؟ فأجيب بأنه : قد استوفى ماله بدخوله عليها وتمكينها له من نفسها ، فإن كانت قد كرهته أو كرهها ، فلا مال له عندها ، فقد استحلّ به فرجها واستمتع بها. وقد حذّر الله تعالى من الشحّ فقال : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٩) (الحشر) ، وعن عبد الله بن عمرو : أن الشحيح بالمعنى الذى فى القرآن ليس هو الذى لا يخرج المال من يده ، فذلك هو البخيل ، وإنما الشحيح : هو الذى يأكل مال أخيه ظلما ، فالرجل الذى يغصب المرأة على أن تفتدى نفسها بصداقها ، وربما بأكثر من ذلك حتى ليعرّيها إلا من منديل رأسها وثيابها التى تسترها ، فذلك هو الشحيح الذى لن يفلح! وقانا الله الشحّ أخى المسلم ، وأختى المسلمة ، اللهم آمين.

* * *

١٧٥٢ ـ الخلع

ألفاظ الخلع منها الصريح : كقول القائل لزوجته : خالعتك ، وفاديتك ، وفسخت نكاحك ، فإذا قال أحد هذه الألفاظ وقع الخلع من غير نية ، وما عدا ذلك كأن يقول : بارأتك ، وأبرأتك ، وأبنتك ، فهو كناية ، فإذا طلبت الزوجة الخلع وبذلت العوض ، فأجابها بصريح الخلع أو كنايته ، صحّ من غير نية ، وإن أتى بصريح الخلع وقع من غير نية ، وكل ذلك يشترط له بداهة شاهدان وأن يكون أمام القاضى أو الموثّق إثباتا للأمور ، وإن كانت المرأة دون الرشد فيشترط لها حضور وليّها ، لأنه لا يصح خلع الصغيرة. وتعتد المختلعة كعدة المطلقة. والخلع باطل شرعا إن كان دفعا من الزوجة لأذى الزوج ، وضربه لها ، وتضييقه عليها ، ومنعها حقوقها ونفقتها ونحو ذلك لتفتدى نفسها. وأما إن كان برضا الزوجة لكراهيتها للزوج ، لكبر سنّه ، أو مرضه ، أو قبحه ، أو قلة دينه ، أو ضعفه ، أو نحو ذلك ، وخشيت أن لا تؤدّى حق الله فى طاعته ، أو خشيت على نفسها الفتنة ، جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدى به نفسها ، ويسمى افتداء أو خلعا. ولا نرى التوكيل فى الخلع إلا لسبب قهرى. ويكون الخلع بردّ المهر ، أو مهر المثل. ولا بأس أن يقع الخلع فى الحيض أو فى الطهر. ولا يصحّ خلع المحجور عليها أو المجنونة ، وشأنهما فى ذلك شأن الصغيرة. ومخالعة الزوج لأى من هؤلاء الثلاثة طلاق ، ولا يستحق عنه عوضا. والمخالعة فى المرض

٨٢٨

صحيحة. ولا نفقة للبائن بخلع ما لم تكن حاملا. وقيل : يجوز للمختلع أن يخالع امرأته على نفقة عدّتها إن كانت حاملا! وعلى رضاع ولده!! وعلى كفالته!!! ويجوز تحديد المدة ، ويمكن تقسيط العوض ، ولا رجعة فى الخلع ، وتصحّ المخالعة على المهر كله أو بعضه قبل الدخول.

* * *

١٧٥٣ ـ أول خلع فى الإسلام

قيل : أول من خالع فى الإسلام : أخت عبد الله بن أبى ، أتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا رسول الله ، لا يجتمع رأسى ورأسه أبدا ـ تقصد زوجها ثابت بن قيس. إنى رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل فى عدّة إذ هو أشدّهم سوادا ، وأقصرهم قامة ، وأقبحهم وجها!. فقال : أتردّين عليه حديقته؟ قالت : نعم ، وإن شاء زدته. ففرّق بينهما. قيل : وهذا الحديث أصل فى الخلع ، وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ، ولم يسئ إليها ، ولم تؤت من قبله ، وأحبت فراقه ، قيل : فإنه يحلّ له أن يأخذ منها كل ما افتدت به.

* * *

١٧٥٤ ـ الطلاق سنّى وبدعى

الطلاق ثلاثة أقسام : سنّى وبدعى ، وطلاق ثالث لا وصف له. وطلاق السنّة : هو الذى شرعه الله وبيّنه رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويقع صحيحا ، وتنحل به العصمة بين الزوجين ؛ وطلاق البدعة : هو غير المشروع ، ومنه أن يطلق الرجل امرأته الحائض أو النفساء ، أو أن يطلقها فى طهر واقعا فيه ، أو أن يطلقها ثلاثا بصيغة واحدة أو أكثر حيث تصحّ منها تطليقة واحدة ، أو أن يطلق بغير شهود ، أو أن لا يوثق طلاقه. وأما طلاق السنة فهو أن يطلق زوجته مع الشروط المقررة وتوافرها كاملة ، فيطلقها طاهرة من غير جماع ، وبشهادة الشهود ، ويوثقه قاض ، كقوله : (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) (١) (الطلاق) أى فى الطهر من غير جماع ، وقوله : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (٢) (الطلاق) وقبل ذلك كان الناس يطلقون لغير عدّة ، ويراجعون بغير شهود ، فنزلت الآية. والناس الآن فى جاهلية أخرى ، ويفعلون نفس الشيء ، وصاروا يطلقون فى الحيض ، أو فى طهر يجامعون فيه. وطلاق القاضى إذا صدر والمرأة فى حيض فى حكم الطلاق البدعى. والطلاق الثالث الذى هو لا سنّة ولا بدعة ، هو طلاق الصغيرة التى لم تحض بعد ، والآيسة التى انتهى حيضها ، وغير المدخول بها.

* * *

١٧٥٥ ـ طلاق السنّة

له سبعة شروط : هو أن يطلقها واحدة ، وهى ممن تحيض ، طاهرة لم يمسّها الزوج فى

٨٢٩

ذلك الطّهر ، ولا تقدّمه طلاق فى حيض ، ولا تبعه طلاق فى طهر يتلوه ، وخلا عن العوض.

* * *

١٧٥٦ ـ الطلاق صريح وكناية

الطلاق على ضربين : صريح وكناية ، فالصريح كما فى الآية : (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) (البقرة) ، والآية : (أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (٢) (الطلاق) ، والآية : (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) (١) (الطلاق) ، فألفاظ الطلاق الصريح ثلاثة هى : الطلاق ، والسراح ، والفراق ، كأن يقول : «أنت طالق» ، أو «أنت مطلقة» ، أو «قد طلقتك» إلخ ؛ ومنها : الحرام ، والخلية ، والبرية ، كأن يقول : «أنت علىّ حرام» إلخ. والطلاق الكناية ما عدا ذلك ، والفرق بينهما أن الصريح لا يفتقر إلى نيّة ، بل بمجرد اللفظ يقع الطلاق ، وبالطبع لا بدّ من شهود ، وأن يكون محررا ، فهذه شيمة العصر والمعروف فيه ، ولا يعتد بغير ذلك ، وأما الكناية فيفتقر إلى النية. والحجة فى ذلك أن ألفاظ الحرام ، والخلية ، والبرية ، يكثر استعمالها فى الطلاق ، فهى واضحة فى إيقاعه ؛ وأما ألفاظ مثل : «حبلك على غاربك» ، أو «الحقى بأهلك» ، أو «قد وهبتك لأهلك» ، أو «قد خلّيت سبيلك» ، أو «لا سبيل لى عليك» ، أو «استقلّي بأمرك» ، فهى من الكنايات ، ويلزمها النية ، ويلزمه من الطلاق ما نوى ، فإن قال : أردت بمخرج الكلام منى طلاقا ، فيكون ما نوى. وقيل : كل كلمة ، سواء كانت : فارقتك ، أو سرّحتك ، أو البرية ، أو الخلية ، وسائر ذلك من الألفاظ ، فهى على نية المطلّق ، لأن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقا أو غير طلاق ، فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق ، إلا أن يقرّ المتكلم أنه أراد بها الطلاق فيلزمه ذلك بإقراره. وأصل هذا الباب فى كناية الطلاق ، ما روى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال للتى تزوجها حين قالت أعوذ بالله منك : «قد عذت بمعاذ ، الحقى بأهلك» فكان ذلك طلاقا. ومع ذلك فإنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر كعب بن مالك أن يعتزل زوجته ، فقال لها كعب «الحقى بأهلك» ، فاستخدم نفس الألفاظ التى استخدمها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يكن ذلك طلاقا ، فدلّ على أن هذه الألفاظ مفتقرة إلى النية ، وأنها لا يقضى فيها إلا بما ينوى اللافظ بها ، وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق. وخير من ذلك جميعا أن لا يعتدّ بما يقال من كلمات ، وإنما يكون الاعتداد بالطلاق الموثّق ، والمشهود عليه بالشهود العدول ، أمام قاض للأحوال العائلية ، فلا يكون القول بالنية ، وفى ذلك تلاعب بالألفاظ أو تحلل منها ، وادّعاء أنه لم يقصد بها الزوج الطلاق ، وأن نيته لم تكن أن يطلق.

* * *

٨٣٠

١٧٥٧ ـ الطلاق رجعى أو بائن

الطلاق السنّى إما رجعى وإما بائن ، والطلاق الرجعى : هو ما يملك معه المطلق الرجعة إلى المطلّقة ما دامت فى العدّة ، ومن شرطه أن تكون مدخولا بها ، ولا يكون الطلاق عوض مال تدفعه الزوجة لتفتدى به وتتحرر ، وأن لا يكون مكملا للثلاث. وتعتبر المطلقة الرجعية بحكم الزوجة ، وللمطلق كل حقوق الزوجية عليها ، ويحصل التوارث بينهما لو مات أحدهما قبل انقضاء العدة ، ولا يحدث الطلاق الرجعى شيئا سوى أنه يعدّ من التطليقات الثلاث. وأما الطلاق البائن : فهو الذى لا يملك المطلق فيه الرجعة إلى المطلقة ، ويشمل غير المدخول بها ، والمطلقة ثلاثا ، والمطلقة خلعيا ، والآيسة الحيض ، والصغيرة التى لم تحض ، والحامل التى استبان حملها.

* * *

١٧٥٨ ـ لا تمسك المرأة ضرارا

لا يجوز لمسلم أن يحبس المرأة ويراجعها قاصدا إلى الإضرار بها ، لقوله تعالى : (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (٢٣١) (البقرة) ، ويوافق ذلك قوله تعالى : (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (٢٣١) (البقرة) ، ومن الإمساك بالمعروف أن يطلق الزوج زوجته إذا لم يجد ما ينفقه عليها ، وإن لم يعرض عليها ذلك فقد خرج عن حدّ المعروف ، وللقاضى أن يطلقها منه من أجل الضرر اللاحق لها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها ، والجوع لا صبر عليه ، وتتعلق النفقة بذمته. وقيل : بل تصبر الزوجة بدليل الآية : (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) (٢٨٠) (البقرة) ، والآية : (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ) (٣٢) (النور) وهم الفقراء ، فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة. «والتسريح بإحسان» هو الطلاق ، وقد تقدم : «ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا» ، وكان الرجل فى الجاهلية يطلق امرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها ، كيما تطول مدة العدة عليها ليضارّها ، فأنزل الله : (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (٢٣١) يعنى يعرّض نفسه للعذاب.

* * *

١٧٥٩ ـ لا يحق للمسلم أن يطلق إلا فى طهر

فى الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) (١) (الطلاق) ، يوجّه الله الخطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تشريفا وتكريما ، ويخاطب من خلاله الأمّة تكليفا ، والتقدير يا أيها النبىّ وأمّته على إضمار قل لأمتك ، فخصّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالنداء لأنه إمام الأمة ومبلّغها. يقول : إذا أردتم التطليق واستقر عليه رأيكم من بعد ما يتبين لكم أنه الحلّ

٨٣١

الذى لم يعد عندكم غيره ، فطلقوا للعدّة ، أى عند ابتداء شروع الزوجة فى العدة ، وأحصوا هذا اليوم الذى تبدأ به العدة واحفظوه. والطلاق الصحيح : أن يطلقها فى طهر من غير جماع ، ويشهد على الطلاق شاهدان عدول ، كقوله تعالى : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ) (٢) (الطلاق) والآية نزلت ـ كما يقول ابن عباس فى نفر من المهاجرين : كانوا يطلّقون لغير عدة ، ويراجعون بغير شهود». والطلاق الصحيح هو الطلاق السنّى ، وعكسه الطلاق البدعى وهو الذى يتم فيه الطلاق فى الحيض ، أو فى طهر جامعها فيه ولم يتبين هل حملت أم لا ، ونوع ثالث من الطلاق منه طلاق الآيسة والحامل التى قربت ولادتها ، والخلع. وطلاق الحائض محرّم قطعا إلا فى حالات. وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه طلق امرأته وهى حائض على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وسأل عمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك فقال له : «مره فليراجعها ، ثم ليمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد ، وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ ، فتلك العدّة التى أمر الله أن تطلّق لها النساء» ، والحديث برواية ابن مسعود : «ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسّها ، فتلك العدّة التى أمر بها الله عزوجل» ، والتشريع ليس له مثيل ولا ضريب فى أية شريعة على الأرض ، ولم تكن له سابقة أبدا ، وفيه الكثير من العقل والرحمة حتى لأعجب من جرأة المستشرقين والعلمانيين على الفقه الإسلامى بعامة وهو أعلى وأسمى وأسمق فقه ، بما يحوى من قضايا ، وما يشتمل من آراء ومجادلات ومناقشات. يقول ابن عباس : لا يطلقها وهى حائض ، ولا فى طهر قد جامعها ، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلّقها تطليقة». والعدّة عند البعض هى الطهر ؛ والقرء فى الآية : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (٢٢٨) (البقرة) هو الحيض أو الطهر وهو ما اصطلح عليه باسم العدّة ، يعنى : عليها أن تتربّص بنفسها ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار ، ثم يحلّ لها أن تتزوج إن شاءت بعد أن تأكد خلوها من الحمل. ولا يحق للمرأة أن تكتم حملها إذا كانت حاملا ، أو أن تدّعى الحيض ، ومرجع ذلك ضميرها وشهادتها ، وذلك إكبار وأى إكبار لأنوثة المرأة وشهادتها ، وقد خصّها الله بالمرجعية فى هذا الأمر ، لأن الحمل والحيض لا يعلمان إلا من جهتها ، وتوعدها الله إن شهدت بغير الحق استعجالا منها لانقضاء العدّة ، أو رغبة منها فى تطويلها لما لها فى ذلك من مقاصد. والعلوم الطبية الآن يمكن أن تؤكد حمل المرأة أو عدمه ، ومن ثم قد لا يكون هناك مبرر للعدّة. والمرأة ـ بحسب الطريقة

٨٣٢

قبل العلمية ـ إذا تبين حملها وهى فى العدة ، أو إذا رغب الزوجان فى استئناف حياتهما وقد ثابا إلى رشدهما ، فالأولى بهما أن يفعلا ذلك لأنه خير ، وذلك ما جعل الرسول ينهى عن الطلاق فى الحيض ، ليعطى الزوجان فسحة أن يتصالحا ، فالتشريع الإسلامى ليس كتشريعات اليهود والنصارى ، حيث لا مناسبة للتشريع فى اليهودية والنصرانية ، ولا مسوغ ولا سبب ولا داع يستلزمه ، ولا هو يخفف عن الناس ، وعلى عكس ذلك فى الإسلام فإن التشريع يتنزل وفق الحاجة إليه ، ولمصلحة الناس. وتروى أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية أنها : طلّقت على عهد رسول الله الله ولم يكن للمطلقة عدة ، فأنزل الله عزوجل العدّة للطلاق ، فكانت أول من نزلت فيها العدة». وأيضا فإن الطلاق البائن والطلاق الرجعى هما من الإبداع التشريعى فى الإسلام ، فلمّا نزلت الآية : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً) (٢٢٨) (البقرة) ، لم يكن هناك ـ حال نزولها ـ مطلقة بائن ، وإنما كان ذلك لمّا حصروا فى الطلاق بالآية : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) (البقرة) ، فكان الرجل قبلها أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة! ثم إنه من بعد هذه الآية لم يعد له إلا طلقتان رجعيتان ، ثم الثالثة بائنة ، فصار فى المطلقات هذا المصطلح الجديد «البائن وغير البائن». ورجعة المرأة ليست عن ذل كما يرجّف المرجّفون ، ولا هى بالغصب فما من تشريع يغصب المرأة على معاشرة رجل لا تطيقه. ، وليس معنى أن بعلها أحق بمراجعتها أن له ذلك بلا شروط ، وإنما الشرط الحاكم للمراجعة موافقتها ، باعتبار أن لها من الحقوق مثل ما عليها ، وأنها تتساوى فى ذلك مع الرجل ، فلا سيد ولا مسود فى نظام الزواج ، ولا استكبار ولا استعلاء ، وللرجل درجة زيادة عليها ، وهى مسئوليته عن البيت ، ماديا وأدبيا ، لأن له الدراية الأكثر ، والخبرة الأعرض ، وهو الأحق ـ بمنطق أهل علم الإدارة وبمقاييس علم النفس الإدارى ـ أن تكون له القوامة على البيت ، والقوامة ليست رئاسة مطلقة ولا استبداد وديكتاتورية وإنما هى القيام بالمصالح ، والنهوض على شئون الزوجة والأولاد ، بما يحقق التكافل والتربية الفاضلة ، وأما الرجعة فهى موضوع آخر يخصّ المرأة بالدرجة الأولى ، ويقتضى موافقتها.

* * *

١٧٦٠ ـ من يصحّ طلاقهن فى الحيض

يصحّ طلاق خمس من الزوجات فى الحيض وغيره : فأولا : الصغيرة التى لم تبلغ التاسعة ؛ وثانيا : التى لم يدخل بها الزوج ، ثيّبا كانت أو بكرا ، مع الخلوة وعدمها ؛ وثالثا : الآيسة ، وهى التى انقطع حيضها ببلوغها سن الإياس ؛ ورابعا : التى غاب عنها زوجها مدة تحيض فيها وتنتقل إلى طهر ، ومقدارها شهر ، وخامسا : الحامل المتيقن حملها ، رغم أنه لم يدخل بها ، أو رغم أنه غائب عنها مدة أطول من مدة حملها.

* * *

٨٣٣

١٧٦١ ـ المسترابة

المسترابة : من المصطلحات فى الطلاق ، وهى المرأة فى سن من تحيض ولكنها لا تحيض خلقة ، أو لمرض ، أو نفاس ، من راب ريبة ، وهو الشك والمظنّة ويقال أرابه أى أقلقه وأزعجه ، واسترابه أى رأى منه ما يريبه. وعلى ذلك فالمسترابة : هى التى يظن أنها لا تحيض ومن ثم لا تحمل ، وهذه يحق لزوجها أن يمسك عنها ثلاثة أشهر ، ثم يطلقها إذا أراد.

* * *

١٧٦٢ ـ طلاق المسلم ثلاث طلقات متفرقات

الطلاق محرّم فى النصرانية إلا لعلّة زنا ، ومن يتزوج مطلّق فقد زنا (متى ٥ / ـ ٣٢) ، ومباح فى اليهودية ، وللمطلّق أن يعاود الزواج من مطلقته ما شاء من مرات لا حدود لذلك إلا أن تتزوج غيره ، فليس له أن يتزوجها من بعد طلاقها من الآخر ، لأنها بهذا الزواج قد تدنّست. والإسلام بخلاف ذلك ، والمسلمون يتوسطون اليهود والنصارى : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) (١٤٣) (البقرة) ، فلا هم مع الإباحة الكاملة ، ولا هم مع التقييد والتضييق الكاملين ، وديانتهم لذلك من أكمل الديانات ، وشريعتهم من أقوم الشرائع ، ومنهجهم من أسلم المناهج ، ومذهبهم من أوضح المذاهب. وهذه الوسطية هى التى يحسدنا عليها اليهود ، وتهجّمهم علينا من خلال المستشرقين منهم ، وتشنيعاتهم على ديننا ، وكراهيتهم لنا ، إنما مصدرها جميعا هذه الوسطية أو التكاملية ، فلما كان المسلمون فى ابتداء الإسلام ولم تكن تشريعاتهم قد اكتملت بعد ، كان الناس يطلّقون كاليهود ما شاء لهم الطلاق ولو مائة مرة ، وما دامت المرأة فى العدّة يراجعها زوجها ، وهو الأحق برجعتها فى كل الحالات ، وكان ذلك من أكبر الضرر على الزوجات ، فنزل التشريع يقصر الطلاق على ثلاث مرات متفرقات ، وأباح الرجعة بشروطها فى العدّة للطلقتين الأولى والثانية ، وأبانها بالكلية فى الطلقة الثالثة ، فقال : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) (البقرة). وعن هشام بن عروة عن أبيه : أن رجلا قال لامرأته : لا أطلقك أبدا ولا آويك أبدا! قالت : وكيف ذلك؟ قال : أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك! ـ فأتت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فذكرت ذلك له ، فأنزل الله تعالى : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ). الآية وعن عائشة قالت : لم يكن للطلاق وقت ، يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدّة. وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس ، فقال : والله لأتركنك لا أيّما ولا ذات زوج ، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضى راجعها ، ففعل ذلك مرارا ، فأنزل الله عزوجل : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) ، فوقّت الطلاق

٨٣٤

ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره». وعن ابن عباس قال : «إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتّق الله فى ذلك ـ أى فى الثالثة ـ فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحبتها ، أو يسرّحها بإحسان فلا يظلمها من حقّها شيئا» ، يعنى : أن المعاشرة لها أصول ، والمفارقة لها أصول ، ولا تجاوز لهذه الأصول لمن كان يؤمن بالله. ومراجعة المرأة بعد الطلاق الأول أو الثانى لها أيضا أصول ، ولا بد فيها من الشهادة ، وأن تكون فى العدّة قبل أن تنقضى. وكذلك الطلاق له أصول وقواعد لا يتعداها مطلّق وإلا فقد تعدّى حدود الله ، ومن ثم كان لا بد من وجود تشريعات تطبيقية تنظم ذلك كله فى إطار مصلحة الناس ، وظروف العصر والمصر ، ويقتضى الأمر أن يقوم بذلك قاض له دراية بالفقه ، وله ما يستند إليه من القوانين. والزواج والطلاق والرجعة كلها تستلزم محرّرات قد يستدعى الأمر التحقيق فيها ، والتحقق من أية بيانات تشتمل عليها ، وما هو موجود الآن ليس سوى فوضى ، المسئولة عنه الحكومات والمجالس التشريعية ولا دخل للشريعة فيه. وحسبنا الله.

* * *

١٧٦٣ ـ طلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة

عن ابن عباس فيما أخرجه مسلم ، قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم». وبرواية عبد الرزاق بطريق طاوس : أن أبا الصهباء قال لابن عباس : أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبى بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس : «نعم». وبرواية حماد بن زيد بطريق طاوس أيضا : أن أبا الصهباء قال لابن عباس : ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله واحدة؟ قال : قد كان ذلك ، فلما كان فى عهد عمر تتابع الناس فى الطلاق فأجازه عليهم» ، يعنى أن قول الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثا هى طلقة واحدة ، والكلام فى قوله «طالق ثلاثا» متصل غير منفصل ، يقوله الرجل مرة واحدة ، ويقع به الطلاق مرة واحدة وليس ثلاثا. وعن عكرمة عن ابن عباس قال : طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا فى مجلس واحدة ، فحزن عليها حزنا شديدا ، فسأله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كيف طلقتها؟» قال : ثلاثا فى مجلس واحد ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنما تلك واحدة ، فارتجعها إن شئت» ، فارتجعها» ، والحديث نصّ فى المسألة لا يقبل التأويل برواية سعيد بن منصور عن أنس : أن عمر كان إذا أتى برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره». وفى حديث محمود بن لبيد قال : أخبر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات

٨٣٥

جميعا ، فقال : «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم»؟ يشير إلى الآية : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) (البقرة) يعنى يطلقها مرة فى وقت ، ويطلقها مرة ثانية فى وقت آخر ، فهاتان طلقتان رجعيتان ، فإذا طلق للثالثة بانت. وجعل الله تعالى الطلاق ثلاث متفرقات للحكمة التى أوردها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الحديث «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» فمن يحلف بالله ثلاثا لا يعد حلفه إلا يمينا واحدة ، فليكن المطلّق مثله ، وليكن الطلاق المشروع كما فى الآية لا يكون بالثلاث دفعة ، بل على الترتيب المذكور.

* * *

١٧٦٤ ـ الفسخ والطلاق

يفترق الفسخ عن الطلاق ، فالفسخ من غير شهود ، ويحتاج إلى حكم القاضى ، والطلاق قد يكون بيد القاضى ، وقد يكون من الرجل ، والأولى أن يكون بيد القاضى. ويشترط للطلاق شاهدان عدلان ؛ كما يشترط فى المطلقة المدخول بها أن يكون طلاق زوجها لها فى طهر لم يواقعها فيه ، ولا يشترط ذلك فى الفسخ الذى تردّ فيه المرأة بالعيب. ولا يحسب الفسخ من التطليقات الثلاث التى تحرّم بها المطلّقة على المطلّق ، وإذا طلّقت المرأة قبل الدخول بها لها نصف المهر ، ولا شىء لمن تردّ بالفسخ قبل الدخول إلا فى العنن.

* * *

١٧٦٥ ـ عيوب المرأة والرجل الموجبة لفسخ الزواج

التدليس فى الزواج : هو أن يخفى الخاطب أو المخطوبة نقصا ، كأن يكون أحدهما مسلولا ، أو أعور ، أو تدّعى المرأة أنها بكر وشابة ، أو يدّعى الرجل أنه حاصل على مؤهل عال ، وذو مكانة وشرف ، ثم يتبين كذب الدعوى. والعيوب التى يكتشفها أحد الزوجين فى الآخر على نوعين ، الأول : يوجب الخيار بين فسخ الزواج أو إمضائه ، والثانى لا تأثير له ، ووجوده وعدمه سواء ومن ذلك الاضطراب النفسى أو العقلى ، وهو صفة مشتركة بين الرجل والمرأة ، وأيما امرأة يتبين لها أن زوجها به هذا المرض ، فلها أن تردّ زواجه بها وتفسخه ، والمجنونة ، والبرصاء ، والمجذومة تردّ ، لأن مثل هذه الأمرض لا شفاء منها ، وكذلك عدم المناعة المسمى بالإيدز وإذا تمّ فسخ عقد الزواج قبل الدخول فلا مهر للمرأة ولا عدّة ، وإن كان بعده فلها المهر وعليها العدّة ، ولا فرق فى ذلك بين أن يكون الفاسخ هو الزوج أو الزوجة. والخصاء من العيوب الموجبة للفسخ ، وهو سلّ الأنثيين أو رضّهما ، والخصيّ يولج وقد يبالغ ويكون أكثر من الفحل ولكنه لا ينزل. وكذلك المجبوب ، والجب هو قطع ذكر الرجل من الأساس ، وللمرأة الحق أن تطلّق منه ، فإن كان له بعضه مما يمكن

٨٣٦

به الوطء فليس لها الفسخ. وكذلك العنين ، والعنن أو العنة داء يعجز منه الرجل عن العملية الجنسية لعجزه عن الانتصاب ، وقد تكون عنّته عنة إنزال. والعمى والعرج موجبان للخيار. وتختص بالمرأة عيوب أربعة هى : القرن ، والعفل ، والإفضاء ، والرتق.

والقرن : شىء يبرز فى الفرج كقرن الشاة ؛ والعفل : لحم فيه لا يخلو من رشح ؛ والإفضاء : اختلاط المسلكين ؛ والرتق : انسداد مدخل المهبل من الفرج فيتعسّر الجماع. وبهذه العيوب الأربعة تصبح عيوب المرأة تسعة أو أكثر أو أقل ، هى : المرض النفسى أو العقلى ، والأمراض الجلدية المستعصية ، والجذام ، والبرص ، والعمى ، والعرج ، والقرن ، والإفضاء ، والعفل ، والرتق. وإذا فسخ الرجل زواجه لها لأى من هذه العيوب بعد أن دخل بها فلها تمام المهر المسمى أو مهر المثل بما استحل من فرجها. والعيب الموجب للفسخ ، سواء فى المرأة أو الرجل ، منه الجلى كالبرص ، ومنه الخفى كالعنن والرتق ، فإن كان العيب جليا فلا حاجة إلى بيّنة ، وإن كان خفيا واختلفا فى وجوده فعلى المدّعى البيّنة وعلى منكره اليمين ، لأن الأصل السلامة من العيوب ، وقد يحال الأمر إلى الطب الشرعى ليقضى فيه. وللمرأة أن تطلب فسخ زواجها إذا تبيّن لها بعد الدخول أن زوجها قد دلّس عليها وأن به عيبا اجتماعيا أو نفسيا أو بدنيا أو عقليا كبيرا ، وفى هذه الحالة يكون التدليس سببا للخيار ويثبت الخيار للمرأة إذا كان فى التدليس ضرر عليها ، لشرط «لا ضرر ولا ضرار» فى الإسلام ، ويشمل ذلك المعاملات والعبادات. وقيل : إن المرأة التى تدّعى أنها بكر ثم يتبين أنها ثيّب لا يكون لزوجها أن يفسخ زواجه منها ، وله أن ينقص من مهرها.

* * *

١٧٦٦ ـ التدليس فى الزواج

التدليس هو التغرير والتمويه ، بإخفاء نقص موجود ، أو ادعاء لمال غير موجود ، وقد يكون فى الزواج كما يكون فى التجارة. وفى التجارة لا يجوز ردّ المبيع إن كان المشترى عالما بالعيب ، أو وجد منه ما يدل على الرضا به ، وإن لم يكن عالما بالعيب فله الردّ. وإذا استغل المشترى المبيع أو عرضه على البيع ، أو تصرّف فيه تصرفا دالا على الرضا به قبل علمه بالبيع ، لم يسقط خياره فى الردّ بسبب العيب وفى معنى العيب الذى تردّ به السلعة ، أن يدلّس البائع المبيع بما يختلف به الثمن ، أو يشترط فى المبيع صفة يختلف بها الثمن فيتبين خلافها. وكل تدليس يختلف الثمن لأجله يثبت به الخيار للمشترى. وبيع الغرر أى الاستغفال ـ هو تدليس ، ويثبت به الخيار للمشترى. وقد نهى الله تعالى عن التدليس بمعنى الخداع إلا فى الحرب ، وجعله الله من صفات المنافقين ، كقوله : (يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ

٨٣٧

آمَنُوا) (البقرة ٩) ومن التدليس الذى نهى الله تعالى عنه فى الزواج أن يكون للمرأة أو للرجل خدن أى صاحب أو صاحبه ولا يدرى به أيهما قبل الزواج ، ثم يتبين ذلك من بعد ، كقوله تعالى (وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) (النساء ٢٥) ، وقوله : (وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ) (المائدة ٥) ، وإخفاء ذلك خداع وتدليس لا شك فيهما ، وادّعاء أن المرأة أو الرجل من أصحاب الشرف والعفة ، أو أنها بكر وهى فى الحقيقة ثيّب من وجوه التدليس التى تجيز فسخ الزواج.

* * *

١٧٦٧ ـ فى الشقاق بين الزوجين يخير المسلم زوجته

فى الآيتين : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) (٢٩) (الأحزاب) أمر الله رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة والمؤمنين عامة بأن يخيّروا نساءهم إذا أعسرتهم نساؤهم بين أن يفارقوهن فيذهبن إلى غيرهم ، ممن يحصل لهن عندهم الحياة الدنيا وزينتها ، وبين الصبر على ما عندهم من ضيق الحال ، وللصابرات عند الله تعالى الثواب الجزيل. وفى حالة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اختارت نساؤه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والدار الآخرة ، فجمع الله لهن بين خير الدنيا وسعادة الآخرة. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد اعتزل نساءه فى المسجد لمّا أثقلن عليه فى مطالبهن ، وقام أبو بكر وعمر إلى ابنتيهما يهمّان بتأديبهما لمّا قال لهما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هن حولى يسألننى النفقة». وقال أبو بكر وعمر لبنتيهما : تسألان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما ليس عنده! فنهاهما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت نساؤه : والله لا نسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده! وأنزل الله تعالى الخيار ، فبدأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعائشة فقال : «أنى أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلى فيه حتى تستأمرى أبويك» قالت : وما هو؟ فتلا عليها قول الله : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ) الآية : قالت عائشة : أفيك أتستأمر أبوى؟ بل أختار الله تعالى ورسوله.

والتخيير فى ذاته ليس طلاقا ولكنه تفويض من الزوج لزوجته بالطلاق إن اختارت الطلاق ، والخطاب وإن كان موجها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه تطبيقا وعلى نفس المنوال لعموم المسلمين والمسلمات ، وهو فى حقّ الأمة الإسلامية كلها.

والتخيير إذن واجب إذا أبدت الزوجة النشوز ، وأظهرت النفور ، وأكثرت الشكوى ، وبه أخذ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو القدوة لنا ، نتأسّى به ونسير على نهجه. ومن الإنصاف أن تخيّر الزوجة إذا استمرت على سؤال الزوج ما ليس عنده ، وليس من حق الزوج أن يمسكها غصبا ، وأن يعايشها على مضض منها ، ففي ذلك مضرة وأذى بالغين وأدعى إلى ترسيخ النفور واستبداد الخلاف.

٨٣٨

والتخيير من مناهج الشورى أو ما يسمى بالديمقراطية ، ممارسة فى أهم المؤسسات الاجتماعية وهى الأسرة المسلمة. وفى التخيير تكريم للمرأة ولذاتيتها وشخصيتها. والإسلام يعقد للمرأة حق الاختيار أولا فى الزواج ، فلا تنكح إلا من ترضاه لنفسها زوجا ، ثم يعقد لها الاختيار ثانيا بين الاستمرار مع زوجها واحتمال أوضاعه جميعا ، أو الطلاق إذا أظهرت عدم الرضا وتأفّفت ، وآثرت الانفصال. والجمهور على أن من خيّر زوجته فاختارته لا يقع عليه بذلك طلاق ، وإن اختارت نفسها فهى طلقة واحدة بائنة ، لأن اختيارها لنفسها معناه الفراق. وفى الآيتين أن اختيار الاستمرار هو الأحسن والأفضل. وفيهما أن المرأة إذا اختارت الطلاق فعلى الزوج أن يمتّعها ويسرّحها سراحا جميلا ، أى يعطيها حقوقها كاملة ، ولا يبخس منها شيئا ، ولا يعضلها ، كما قال : (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) (٢٣٧) (البقرة) ، والفضل هو المعروف ، وقوله «أمتعكن» دليل على أن المتعة من حق الزوجة ولو كان طلب الطلاق منها ، على عكس الخلع. وفى الآية : (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (٢٤١) (البقرة) أن المتعة للمطلقة عموما. وكان من دأب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه يمتّع ، وروى سهل بن سعد وأبو أسيد أنهما قالا : تزوج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أميمة بنت شرحبيل ، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك ، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين أزرقين» ، يعنى أنه متّعها.

ذلك إذن الشأن مع المرأة فى تخييرها فى الخطبة ، وفى الاستمرار فى الزواج ، وفى إكرامها عند الطلاق ، فأى شىء من ذلك للمرأة فى اليهودية أو النصرانية؟ لا شىء من ذلك أبدا ، لا فى التوراة ، ولا فى الأناجيل ، ولا فى رسائل الرسل! فلما ذا إذن هذا الافتراء الذى يعلنه الساخطات على وضع المرأة فى الإسلام ، والمشنّعات على المسلمين والمسلمات؟ ويا أخى المسلم ويا أختى المسلمة ، اسألا هؤلاء الساخطات عمّا فى الديانات الأخرى إن كان لهن علم بذلك ، وقارنا وتفكّرا ، وعظّما دينكما وحسبنا الله!

* * *

١٧٦٨ ـ هل يقع الطلاق بلفظ آخر خلاف لفظ الطلاق؟

الصريح فى القرآن فى الطلاق هو لفظه وما تصرّف منه (راجع الطلاق صريح وكناية) ، وفى القرآن كذلك «الفراق» و «السراح» وردتا فى الطلاق وفى معان أخرى بخلافه. والخلية والبرية والحرام والبائن من الألفاظ غير الصريحة ، وإذا قال رجل لزوجته فارقتك ، أو سرّحتك ، أو أنت خليّة ، أو بريّة ، فهو على نيته. وعن عبد الله بن شهاب الخولانى عن عمر بن الخطاب : أنه رفع إليه رجل قالت له امرأته شبّهنى ، فقال : كأنك ظبية. قالت : لا. قال : كأنك حمامة. قالت : لا أرضى حتى تقول : أنت خلية طالق.

٨٣٩

فقالها. فقال له عمر : خذ بيدها فهى امرأتك». فالرجل قال لها «أنت خلية طالق» على نيته ، يشبّهها بالناقة تكون معقولة ثم تطلق من عقالها ويخلى عنها فتسمّى خلية ، لأنها خليت عن العقال ، وطالق لأنها أطلقت منه ، ولم يقصد إلى ما أوقعته فيه المرأة التى كانت تنشد الطلاق ، فأسقط عمر عنه الطلاق لصدق نيته. ومثل هذه القصة ما كانت تحدث لو كان الطلاق أمام قاضى الأحوال العائلية ، فلا يأخذ بالأقوال المرسلة ، ويقضى بالأصلح للجميع. وإلى أن يصبح الطلاق بيد القاضى فالمعمول به أن كل من يتكلم بشيء من ألفاظ الطلاق ، فالأمر فيه بحسب نيته. والشرط فى الطلاق من باب أولى أن يكون بلفظ الطلاق لمعنى الطلاق ، حتى لا يقع الأعجمى مثلا فى محظور كالذى وقع فيه بطل قصة عمر. ونطق لفظ الطلاق يشترط فيه لذلك العمد احترازا عما يسبق به اللسان ، واختيارا حتى لا يحسب على المكره ، ووعيا حتى لا يؤخذ بطلاق السكران ولا الأحمق والمجنون. ولو نطق الرجل بأى الألفاظ غير الصريحة ويقصد إلى الطلاق وقع طلاقه ، فإذا قال : أنت علىّ حرام كانت تطليقة رجعية ، وكذلك لو قال : أنت بريّة ، أو خليّة ، أو بائن. والبتة والبتلة تتضمن إيقاع الطلاق ، ومعناه فى ذلك كله كما لو كان يقول لها : أنت طالق منى طلاقا تبينين به منى ، أو تخلين به من زوجيتى ، أو تبرين منها. وهذه الألفاظ كلها كنايات لا يقع الطلاق بها إلا مع القصد إليه. ولا حساب لنية الطلاق المضمرة إذا تجرّدت عن الكلام أو الفعل ، وفى حديث أبى هريرة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «تجاوز الله عن أمتى عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم». فكما ترى يا أخى المسلم ، وكما ترين يا أختى المسلمة ، ديننا يسر ، ومحكم ، وليس اليهود والنصارى على شىء من ذلك أبدا. ولله الحمد والمنّة.

* * *

١٧٦٩ ـ لا طلاق للغاضب ولا السكران ولا المستكره ولا المجنون

فى الحديث عن عثمان بن عفان أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ليس لمجنون ولا لسكران طلاق» ، وعن ابن عباس قال : «طلاق السكران والمستكره ليس بجائز» ، وقال : «ليس لسكران ولا مضطهد طلاق» : وعن عقبة بن عامر قال : «لا يجوز طلاق الموسوس» ، وعن علىّ بن أبى طالب قال : «ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاثة : عن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبىّ حتى يدرك ؛ وعن النائم حتى يستيقظ» ، وقال : «وكل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» ؛ ومن يطلق فى نفسه فليس طلاقا ، وعن أبى هريرة ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن الله تجاوز عن أمتى ما حدّثت به أنفسها ، ما لم تعمل أو تتكلم به» ولا تتوافر النيّة لغير العاقل ، ولا للغالط والناسى والمستكره على الطلاق ، وفى الحديث : «الأعمال بالنيّة ، ولكل امرئ ما نوى» ، وفى القرآن : (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا

٨٤٠

إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا) (البقرة ٢٨٦) ، وفى الحديث عن عائشة : «لا طلاق فى غلاق» ، والغلاق والإغلاق هو الغضب ، ومنه الطلاق على غيظ ، والطلاق عن إكراه ، وفى الآية : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) (١٠٦) (النحل) وضع الله تعالى الكفر عمّن تلفّظ به حال الإكراه ، وأسقط عنه أحكام الكفر ، فكذلك يسقط عن المكره ما دون الكفر ، لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى. وفى الآية : (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) (النساء ٤٣) أن السكران ، والمجنون ، والشاك ، والمخطئ ، والغالط ، والناسى ، لا يعلمون بالتأكيد ما يقولون ، وطلاقهم لا يقع.

وطلاق كل قوم بلسانهم ، أى أن الفارسى إذا طلّق بالفارسية جائز ، والإنجليزى بالإنجليزية وهكذا. وعن ابن عباس : «الطلاق عن وطر» ، أى أن من يلجأ إلى الطلاق إنما يلجأ إليه عن حاجة ، يعنى أن يستبين أنه لم تعد ثمة سبيل إلا الطلاق. و «الطلاق المشروط» ـ يعنى أن يقول : إن فعلت كذا طلّقت ـ وإن لم ينو الطلاق حين أوقع يمينه فلا طلاق ، وكل امرئ وما نوى ، فإن كانت نيته مع الطلاق فهو ما نوى. والأمر إذن فيه سعة على المسلمين ، وليس من ذلك شىء البتة لا فى اليهودية ولا فى النصرانية ، ولم أعثر على شىء من أى من ذلك فى التوراة ولا فى الأناجيل ورسائل الرسل. وحسبنا الله ، فلله الحمد والمنّة.

* * *

١٧٧٠ ـ لا يقول المسلم لامرأته يا أختى

فى التوراة أن إبراهيم لمّا ارتحل إلى الجنوب وأقام بين قادش وآشور ، قال عن سارة امرأته : هى أختى ، فبعث ملك جيرار فأخذ سارة ، ثم إنه رأى حلما فسارع إلى إبراهيم يعتب عليه ما كان سيرتكب من الإثم ، وسأله لم فعلت ذلك؟ قال : إنه ظن أنه ليس فى هذا المكان خوف من الله فيقتلوه بسبب امرأته ، ثم إنها على الحقيقة أختى ابنة أبى ، غير أنها ليست ابنة أمى ، فصارت امرأة لى» «التكوين ٢٠ / ١ ـ ١٢). والقصة التى تسوقها التوراة فيها خوف إبراهيم ، لأن المتزوجة فى زمنه كانوا يغتصبونها من زوجها إذا رغبوا فيها ، بخلاف الخليّة ، فكانوا لا يقربونها إلا بخطبة ، فاضطر إبراهيم لذلك أن ينسب زوجته إليه كأخته ، وأوضح ذلك للملك من بعد بأنها أخته من الأب ، وكان من الجائز فى زمنه أن يتزوج الرجل أخته من الأب. ولكن فى الرواية عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «قال إبراهيم لسارة هذه أختى ، وذلك فى ذات الله» ، أى أن الأخوة ليست كما ذكرت التوراة ، أن إبراهيم أخوها من الأب ، بل لأنه أخوها فى الله ، فصحّح النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قصة التوراة. وفى الإسلام لا يجوز

٨٤١

أن يقول الرجل عن زوجته أنها أخته ، وفى رواية عبد الرزاق من طريق أبى تميمة الهجينى قال : مرّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على رجل يقول لامرأته يا أخيّة فزجره» ، ينبّه إلى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر أن نجتنب هذا اللفظ المشكل حتى لا يكون القول به كما فى الظهار ، فتحرم المرأة به على زوجها. وأما إذا قال القائل عن امرأته أنها أخته وقصد إلى أنها كذلك فى ودّهها وصحبتها الطيبة معه ، ومعاشرتها الحسنة له ، فلا شىء فى ذلك وأيضا لا يضر المكره أن يقول عن امرأته أنها أخته كما فى القصة عن إبراهيم ، يقصد بالأخوّة أخوّة الدين ، فلخوف إبراهيم على سارة قال إنها أخته وتأوّل أخوّة الدين.

* * *

١٧٧١ ـ لا طلاق إلا بعد نكاح

فى الآية : (إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ) (٤٩) (الأحزاب) عقب الله تعالى النكاح بالطلاق ، وأطلق على العقد وحده اسم النكاح ، وليس فى القرآن آية أصرح من هذه الآية فى تخصيص النكاح للعقد لقوله : «من قبل أن تمسّوهنّ» ، والآية دليل على إمكان وقوع الطلاق قبل الدخول ، ولا يقع طلاق إلا إذا كان هناك نكاح ، أى عقد ، ويفسّر ذلك الحديث : «لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة ، والحديث : «لا طلاق قبل النكاح» أخرجه ابن ماجة. فكيف تطلّق وأنت لم تتزوج؟ وعن ابن عباس قال : جعل الله الطلاق بعد النكاح. يعنى بعد العقد ؛ وفى رواية أبى ذرّ قال : لا طلاق قبل نكاح. وسئل ابن عباس عن الرجل يقول : إذا تزوجت فلانة فهى طالق؟ قال : ليس بشيء ، إنما الطلاق لما ملك. وسئل عن الرجل يقول : كل امرأة أتزوجها فهى طالق؟ قال : ليس بشيء» ، فالطلاق فى الإسلام حقّ يملكه الزوج ، فإذا لم يكن زوجا ، فأى شىء يملكه حتى يتصرف فيه؟ والأصل فى الطلاق أن يكون للمنكوحة المقيدة بقيد النكاح ، وليس للمخطوبة ، فالخطبة ليست نكاحا ولا هى من ثم عقدا.

* * *

١٧٧٢ ـ ليس بشيء أن يقول المسلم لزوجته أنت علىّ حرام

فى الأثر عن سعيد بن جبير أن رجلا جاء إلى ابن عباس قال : إنى جعلت امرأتى علىّ حراما؟ فقال ابن عباس : كذبت ، ما هى حرام! ثم تلا : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) (التحريم ١). وأصل هذه الآية كما يقول أنس بإخراج النسائى : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرّمها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يلغى بها هذا التحريم ـ فقول الرجل لامرأته «أنت علىّ حرام» لهو ، وإنما تلزمه كفّارة يمين إن حلف. وعن ابن عباس برواية سعيد بن جبير قال : إذا حرّم الرجل امرأته ليس بشيء. وابن عباس جعل الكفّارة بحسب الوسع.

* * *

٨٤٢

١٧٧٣ ـ الطلاق كالزواج لا يجوز إلا أمام قاض

الطلاق كالزواج يحتاج لشهادة الشهود وللتوثيق ، وأيّما طلاق لم يشهد عليه ولم يوثّق فهو باطل ولغو. وفى الديون مهما قلّت تجب الشهادة عليها وأن تكتب ، فالأولى أن يكتب الطلاق ويستشهد عليه. وكما فى الديون تجب شهادة اثنين ذوى عدل فكذلك الطلاق. وفى زماننا صار من المعتاد أن ينطق الرجل بألفاظ الطلاق لغلبة الطلاق الشفاهى على الطلاق المحرّر قبل أن تنظّم الدولة وتسن القوانين وتصبح للأحوال الشخصية لوائح. والطلاق البدعى هو الذى يكون بين الرجل وزوجته ولا يستشهد عليه ولا يوثّق. والطلاق كالزواج كلاهما علم له العارفون به ، ومن ثم يجب عند الطلاق الرجوع إلى صاحب العلم فيه وهو قاضى الأحوال الشخصية ، أو قاضى الأسرة ولما طلّق ابن عمر امرأته النّوار طلاقا بدعيا وهى حائض ، أمره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يراجعها وينتظر حتى تطهر ولا يجامعها ثم يطلقها بشهادة شاهدين ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو القاضى فى هذه المسألة ، فعلّمنا أن القاضى ضرورى فى مسائل الطلاق كضرورته فى مسائل الزواج. وفى الآية : (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) (١) (الطلاق) العدّة هى الطهر ، فإذا شارفت العدّة على الانقضاء دون أن تفرغ بالكلية فله أن يطلقها ويشهد على طلاقه كما فى قوله تعالى : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ) (٢) (الطلاق). وعن عمران بن حصين لمّا سأله أحدهم وكان قد طلق امرأته ، ثم وقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها ، فقال له : طلّقت لغير سنّة ، ورجعت لغير سنّة. أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد» فالحاجة إلى القاضى ماسة ، ولا ينبغى ترك الأمور لفهم الناس ، ولا سبيل لضمان سلامة الإجراءات وصحة الدين إلا أن يكون الطلاق أمام قاض وبحضور شاهدين ، وأن تعلم المرأة به ، بحضورها أو حضور وكيلها ، أو أن يكون إعلامها بطريق رسمى ، ولا يجوز النكاح ولا الطلاق ولا الرجاع بدون شاهدى عدل ، وإقامة الشهادة من الحق والعدل ولذا أمر بها الله تعالى.

* * *

١٧٧٤ ـ الرجل مندوب إلى مراجعة امرأته

الذى يطلق امرأته مندوب إلى مراجعتها فى العدّة إذا قصد إزالة الوحشة بينهما وإصلاح حاله معها ، بقوله تعالى : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ) (٢٢٨) (البقرة) ، وأما إذا قصد الإضرار بها وتطويل العدة فمحرم عليه مراجعتها لقوله تعالى : (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) (٢٣١) (البقرة). والبعولة : جمع البعل وهو الزوج ، والمباعلة والبعال : الجماع ، والرجل بعل المرأة ، والمرأة بعلته ، وباعل مباعلة أى باشرها. ولا تكون مراجعة المرأة إلا لمن

٨٤٣

كان طلاقها دون الثلاث. ولا بد من الإشهاد فى المراجعة لقوله تعالى : (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (٢) (الطلاق) فالإشهاد ضرورى للمراجعة ، وينبغى للمرأة أن تمنع الرجل من وطئها طالما لم يشهد على مراجعتها ، وينبغى للرجل أن تكون نيّته المراجعة ، وإن قبّل وباشر ولم ينو الرجعة كان آثما وليس بمراجع ، ولا بد من ترجمة النية إلى قول ، ولا تصح الرجعة إلا بالقول ، ولا يسافر بها حتى يراجعها ، ولا يخلو معها ، ولا يدخل عليها ، ولا ينظر إليها إلا بإذن وعليها ثيابها ، وإذا طلّق الرجل امرأته تطليقة فإنه يستأذن عليها. والرجعة فى الإسلام تمنع زوال الزوجية بالكلية بانقضاء العدة ، فطالما العدّة لم تنقض فأحكام الزوجية باقية ، والمرأة ترث زوجها فى العدة ، وزوجها فى العدّة أحق بالمرأة من نفسها ، وأما بعد العدة فهى تملك نفسها.

* * *

١٧٧٥ ـ هل تغصب المسلمة على أن ترجع لزوجها إذا طلقها ولم تستوف العدة؟

إذا طلّقت المرأة طلاقا رجعيا ، أى لم تكن هذه هى المرة الثالثة التى تطلّق فيها ، وكانت ما تزال فى عدّتها ـ أى لم تمر عليها ثلاثة أقراء ، فللزوج أن يراجعها ، والفقهاء يقولون إنها لا تستأذن فى الرجاع ، والقرآن يقول : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (٢٢٨) (البقرة) ، أى يشترط لحقّ الرجل فى ردّ مطلقته وهى فى العدّة أن يريد الإصلاح مثلما تريده ، والإصلاح مقصوده إصلاح ما أفسده طلاقه لزوجته ، والطلاق يضرّ بالمرأة غاية الضرر ، نفسيا واجتماعيا ، وشرط الردّ : أن يتعهد الرجل بأن يكون لها من الحقوق مثلما عليها من الواجبات ، وتزيد حقوق الرجل على حقوقها فى الدرجة وليس فى الكم ، وأبانت ذلك الآية : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) (٣٤) (النساء) وهذه الدرجة هى التى صارت القوامة ، والقوامة تعنى رعايته للأسرة ، والقيام على شئونها ، والنهوض بأعبائها ، وسياسة أمورها ، ويستلزم ذلك نفقات مالية يتحملها عن طيب خاطر ، والقوامة على ذلك تكاليف وواجبات أهّله الله لها ، وأعدّه لاحتمالها ، وتترتب عليها حقوق له بدونها لن يكون بوسعه القيام بمسئولياته ، ومدار الحقوق والواجبات للطرفين على ما هو معروف منهما فى أى مجتمع من المجتمعات فى إطار الزمان والمكان. وينعقد استئناف الزوجية على الإرادة الحرة للزوجين ، وشرط الإرادة الرضا والقبول ، ومراجعة المطلقة المعتدة لا بدّ فيها إذن من أخذ رأيها وموافقتها ، وهذا ما نعرف أن العقود لا تستقيم إلا به وإلا صارت عقود إذعان ، والإذعان لا يقيم حياة زوجية ، ولا ينتج سوى المشاحنات والمخاصمات ، ويتولد منه النفور ،

٨٤٤

وتستحكم به البغضاء ، والآية (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (٢٢٨) (البقرة) من أعدل الصياغات القانونية فى تشريعات الأحوال الشخصية ، وفيها كافة الموازنات بين الحقوق والواجبات للجنسين ، ويفسّرها الحديث عن جابر عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى خطبة الوداع ، قال : «فاتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» ، وتقتضى التقوى والأمانة أن تكون المعاشرة بالحسنى ، وأن تستهدى إرضاء الطرفين ، وأن تسترشد بكلمة الله التى هى التقوى ، وتقوى الله فى النساء بينها الحديث عن ابن عباس عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلى ، ولما نزلت آية التخيير : (إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً) (٢٨) (الأحزاب) فكان فيها أن المعاشرة بالاختيار لا الغصب. وفى الآية (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) (البقرة) يدور الاختيار بين الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان ، وكان الناس يعتسفون ويجورون على النساء ، فقد لا يطلقها البتة ويدعها كالمعلقة ، لا هى أيّم ، ولا هى ذات زوج ، أو قد يطلقها فإذا شارفت العدّة على الانتهاء راجعها بلا استئذان ، فرفع الله ذلك الغبن ، وأبطل هذا الظلم ، ووقّت الطلاق ثلاثا لا غير ، فإن كانت طلقتها واحدة أو اثنتين ، كان له الخيار فى عدّتها بين أن يستبقيها زوجة أو يسرّحها ، وشرطه الإمساك بالمعروف ، والتسريح بالإحسان ، وكان ذلك أمرا على المتّقين. والخيار عماد الإسلام ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم برواية أبى موسى انتقد على المسلمين استهانتهم بأوامر الله فقال : «ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ، يقول أحدهم : قد طلقتك ـ قد راجعتك ـ قد طلقتك». واشترط الله لضبط هذه الفوضى «إرادة الإصلاح» من الزوجين ، فلا رجاع للمطلقة إلا إذا انعقدت إرادتهما على إصلاح ما فات ، ولا تنعقد إرادة المرأة على الرجاع إلا إذا كان لها الخيار فيها ، والرضا والقبول به ، وعماد الرجاع الآية : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة ٢٢٨) ، فساوى الله تعالى بين الحقوق والواجبات ، فإن ضمن الرجاع هذه الحقوق وقابلها بالواجبات ، فالرجاع جائز. والتشريع الإسلامى فى ذلك فى القمة. والرجاع فى اليهودية ، وليس للزوجين أن يتراجعا لو تزوجت المرأة بآخر بعد طلاقها ثم طلقت من الآخر ، لأن زواجها بالآخر يدنّسها ، فهكذا جاء فى التوراة (تثنية الاشتراع ٢٤ / ٤) فحرّم كتبة التوراة وحلّلوا ما ليس فى مصلحة الناس. ولا رجاع فى النصرانية ، لأنه لا طلاق أصلا إلا للزنا. والتشريع الإسلامى فى حدود النصوص حافل بالمعانى ، ويحتمل أشرف المقاصد وأنبل الغايات ، ويا ليت تشريعات البلاد الإسلامية تأخذ ينصّ ما جاء به كتاب الله وسنّة نبيّه وتترك القوانين الوضعية ، وإذن

٨٤٥

لاستقامت مجتمعاتنا وانصلحت أحوال عائلاتنا ، وكنا للناس أئمة ، وآلت إلينا مقاليد الحضارات. ولله الحمد والمنّة!

* * *

١٧٧٦ ـ الصلح خير

الصلح الحقيقى الذى تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق ، وفى مجال الأسرة الصلح ضرورة ، والقرآن يدين المرأة الناشز والرجل الناشز على السواء ، والنشوز هو المخالفة والخروج على الحق ، ونشوز الرجل أكبر فى نتائجه وأخطر ، لأنه عماد الأسرة وقدوتها ومثالها الأعلى ، وفى الآية : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (١٢٨) (النساء) : أن الصلح على أى وضع ـ بما لا يتعارض مع مبادئ الشريعة وروح الإسلام ـ فإنه خير. وفى الحديث عن البغضة قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنها الحالقة» ، أى القاضية التى تقضى على كل شىء فتحلقه كحلاقة الشعر ، وهى تحلق الدين والدنيا معا ، فهذه هى البغضة : وهم الذين لا يصدرون فيما يقولون ويفعلون إلا عن البغض الشديد. وفى الحديث والآية ، تحذير للنساء وللرجال أن يطاوعوا أنفسهم على أن يبغضوا أزواجهم وزوجاتهن ، كقوله تعالى : (فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (١٩) (النساء) ؛ والشّح فى الآية الأسبق ، أكثر ما يصيب الرجال ، ولا يكون فى الأموال فقط فيبخل الرجل على امرأته وأسرته ، ولكنه يكون أيضا فى الدين ، كقوله : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٩) (الحشر) ، والشح المقصود هو الذى يصير إلى حيز منع الحقوق الشرعية ، أو منع الحقوق التى تقتضيها المروءة ، فهذا الذى تحذّر منه ، والخطاب فيها للأزواج من حيث أن الزوج يمكن أن يشح ، وأن يتّقى الله فى عشرة زوجته ، فلا يظلمها ولا يجور عليها.

* * *

١٧٧٧ ـ نفقة السنة للمتوفى عنها زوجها

عدّة المتوفى عنها زوجها : أربعة أشهر وعشر ، تعتدّها عند أهل زوجها ، ولها أن تبقى معهم تساكنهم بقية السنة ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) (٢٤٠) (البقرة) فإن شاءت ساكنتهم سبعة أشهر أخرى وعشرين ليلة ، وليس لأولياء الميت إخراجها ، فإذا كان البيت من الميراث فلها فيه بحكم الشرع ، فلا يخرجها من بيتها

٨٤٦

أحد ، وخاصة إذا كان لها ولد ، ولها أن تخرج بعد العدة لتتشوف إلى الأزواج. والمتاع فى الآية هو نفقة سنتها.

* * *

١٧٧٨ ـ للمفروض لها نصف ما فرض

المرأة التى لم يدخل بها ، طالما أنه قد فرض لها ، فمن حقها نصف ما فرض إن طلّقت قبل الدخول بها ، وهو شىء تمتاز به المرأة فى الإسلام عن غيرها فى غير الإسلام. يقول تعالى : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) (٢٣٧) (البقرة) ، والنصف هو الجزء من اثنين ، إلا أن تترك النصف الذى وجب لها عند الزواج ، فأذن الله لها فى إسقاطه بعد وجوبه ، وجعله خالص حقّها ، فتتصرف فيه بالإمضاء والإسقاط كيف شاءت إذا ملكت أمر نفسها ، وكانت بالغة عاقلة راشدة. وفى الآية الخطاب للأزواج ، ثم للنساء ، ثم للولى ـ وهو المراد بقوله تعالى : (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) وليس لكل امرأة أن تعفو عن نصف صداقها ، فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما ، فالأهلية شرط فيمن تعفو ، ويجوز عند الولى إذا كان من أهل السداد.

والأصل هو العفو ، والخطاب للرجال والنساء ، فلا ينسوا الفضل بينهم ، والفضل هو أن تترك المرأة النصف الذى لها إن أرادت ، أو يتم الرجل الصداق كله ويجعله لها إن سمحت نفسه. وروى الدارقطنى عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة من بنى نصر فطلقها قبل أن يدخل بها ، فأرسل إليها صداقها كاملا ، وذكر قوله تعالى : (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) ، وقال وأنا أحق بالعفو عنها ـ فقصد نفسه بأنه الذى بيده عقدة النكاح ، ودليل ذلك قوله تعالى فى متعة المطلقة كما سنرى لاحقا.

* * *

١٧٧٩ ـ متعة المطلّقة واجبة على المسلم

فى الآية : (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (٢٣٦) (البقرة) أن إمتاع المطلقة واجب. والمتعة مال يفرضه الرجل على نفسه تعويضا للمرأة عمّا يلحقها من الطلاق من ضرر ، بحسب حاله ، على الموسع قدره ، وعلى المقتر قدره. وقد متّع الحسن بن على بن أبى طالب بعشرة آلاف ، وكان ـ كما قالت مطلقته ـ متاعا قليلا من حبيب مفارق». والمتاع لا حدّ له ، وهو بحسب المعروف ، والزيادة فيه من الإحسان ، وقيل : إنه لمّا نزلت : (مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (٢٣٦) (البقرة) ، قال رجل : إن شئت أحسنت ففعلت ، وإن شئت لم أفعل ، فأنزل الله هذه الآية : (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (٢٤١) (البقرة) ، والآية دليل على وجوب المتعة لكل مطلقة.

٨٤٧

وتفسير هذا الرجل للإحسان تفسير غير صحيح ، لأنه أعلى درجات الإيمان ، ولذا قال تعالى فى الآية الأخرى : (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) ، فجعل هذا الإحسان حقا من الحقوق على كل من يتقى الله ، كهذا الرجل فى الموضوع عالية الذى كان متزوجا من بنى نصر ولم يدخل بزوجته وطلقها فأرسل إليها كل صداقها ، فكان من المحسنين حقا والمتقين صدقا. وفى الآية : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) (٢٤٠) (البقرة) أن للمرأة التى يتوفى عنها زوجها متعة أن تبقى فى مسكنه لا يخرجها ورثته مدة سنة. ولا دخل للعدّة فى متعة السكن وعدةّ المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر إن لم تكن حاملا ، فإن كانت حاملا ، فعدتها إلى أن تضع حملها ، وفى كل الأحوال يتوجب أن تظل الزوجة بمسكن عائلة زوجها ، ولها النفقة مدة سنة ، ولو كانت له تركة فلها الربع إن لم يكن له ولد ، والثمن إن كان له ولد ، ولها أن تستمر فى المسكن بعد السنة باعتبارها وريثة وحاضنة.

وفى الآية : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (٢٤) (النساء) أن المتعة للمرأة نظير ما استمتع الرجل بها. وقوله فى الآية : (فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً) (٢٨) (الأحزاب) ، ثم فى الآية : (إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً) (٤٩) (الأحزاب) : أن المتعة زيادة على الفريضة : أى الصداق ، وأنها على قدر عسر الرجل ويسره ، وذلك مقصوده تعالى من السراح الجميل. وفى صحيح البخارى عن سهل بن سعد أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر أن تجهّز أميمة بنت شراحبيل وتكسى لمّا أراد أن يصرفها إلى أهلها ، وكان ذلك من قبيل المتعة.

* * *

١٧٨٠ ـ المتعة للمطلقات ينفرد الإسلام بفرضها

لا متعة للمرأة المطلّقة فى اليهودية ، فكل ما يفعله الرجل لطلاقها هو : أن يكتب لها كتاب طلاق ويدفعه إلى يدها ثم يصرفها من بيته» (تثنية الاشتراع ٢٤ / ١). وفى المسيحية لا طلاق أصلا إلا لعلّة زنا ولا متعة بالتبعية (متّى ١٩ / ٩). والإسلام هو الديانة الوحيدة التى تفرض للمطلقة متعة ، وهى التعويض الذى يفرضه الزوج أو القاضى للمطلقة عند الطلاق ، وفى الآية : (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (٢٣٦) (البقرة) أن المتعة بحسب حال المطلق ، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ، وكان الحسن بن علىّ يمتع نساءه بعشرة آلاف ، وقالت إحداهن فى ذلك : متاع قليل من حبيب مفارق!». وقد يجادل الزوج وينازع فى مقدار المتعة ، وأبو حنيفة يرى أن المتعة

٨٤٨

نصف مهر مثلها ، غير أن ذلك يحدد مقدارها بالوضع الاجتماعى للمرأة وليس بوسع الرجل ، والوسع تحدده طرق حصر الدخل للمطلّق ، والمتعة واجبة لكل مطلقة مدخولا بها أو غير مدخول بها ، ويؤخذ فى الاعتبار عدد سنوات المعاشرة بين الزوجين ، وقد أوجب الله تعالى ذلك فى الآية : (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (٢٤١) (البقرة) ، قيل لمّا نزلت : (مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (٢٣٦) (البقرة) قال رجل : إن شئت أحسنت ففعلت ، وإن شئت لم أفعل. فأنزل الله هذه الآية : (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (٢٤١) (البقرة) فأوجب الله المتعة للمطلقة ، سواء كانت مفوضة ، أو مفروضا لها ، أو مطلقة قبل المسيس ، أو مدخولا بها ، وجعلها مستحبة مطلقا وحقا لها على مطلّقها. وأما الآية : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) (٢٣٧) (البقرة) فالحديث فيها عن «الصداق» ، فإذا وقع الطلاق بعد دفع المهر وعقد الزواج فللمرأة نصف هذا الصداق ، إلا أن يكون قد خلا بها وإن لم يدخل ـ فلها الصداق كله. وفى أيامنا هذه والاختلاط جار فالأولى الصداق كله ، وللمرأة أن تعفو أو يعفو وليّها ـ الأب أو الأخ ـ بإذنها. والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم متّع وأحسن ، وأمر أبا أسيد أن يجهّز أميمة بنت شراحبيل ويكسوها لمّا ردّها إلى أهلها قبل أن يمسّها أو يدخل عليها ، وهو نفسه مقصود التسريح الجميل فى قوله تعالى : (فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً) (٢٨) (الأحزاب) قال ذلك لزوجاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا اخترن الطلاق. فذلك إذن هو شرع الله ، والعجب من المتعالمات من العلمانيات وتلاميذ المستشرقين الأوربيين فى نقدهم لوضع المرأة فى الإسلام ، والإسلام من تشنيعاتهم برىء ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

* * *

١٧٨١ ـ ما موقف الإسلام من المحلل؟ وما هو التحليل أصلا؟

فى اليهودية لا يوجد ما يسمى التحليل عند الطلاق ، وهو أن يطلق الرجل المرأة باتا فلا تحلّ له إلا إذا تزوجت بآخر ، والمرأة فى اليهودية إذا طلقت يمكن مراجعتها بزواج جديد ما شاء للزوجين ذلك من المرات ، أما إذا تزوجت بآخر بعد طلاقها من الأول ، ثم كرهها الثانى فطلقها لا يجوز البتة أن تتزوج الأول بدعوى أن زواجها الثانى دنّسها فلم تعد تحلّ للأول (تثنية الاشتراع ٢٤ / ٤). والأمر عكس ذلك تماما فى الإسلام ، فالطلاق مرتان فقط ، ويمكن مراجعتها خلال العدة ، فإذا انقضت العدة فزواج جديد بمهر جديد ، فإذا طلقها للمرة الثالثة فلا يحل له مراجعتها ولا الزواج منها من جديد إلا إذا تزوجت بآخر وطلقت منه فيحل لها أنا تعود إلى زواج الأول وقد روى أن الآية (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ

٨٤٩

حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (٢٣٠) (البقرة) نزلت فى عائشة بنت عبد الرحمن بن عقيل النضرية ، وكانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها ، فطلقها طلاقا بائنا ، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ثم طلقها ، فأتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالت : إنه طلقنى قبل أن يمسنى ، أفأرجع إلى ابن عمى ـ زوجى الأول؟ قال : «لا ، حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك» وفى الحديث عن ابن عمر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فى الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة ، فيتزوجها زوج آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها ، أترجع إلى الأول؟ قال : «لا ، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها». وفى الحالتين لا تحلّ للأول إلا إذا وطأها الثانى فى نكاح صحيح ، فلو وطأها فى غير نكاح صحيح لم تحل للأول ، لأنه لم يكن زوجا على الحقيقة ، ولم يدخل بها ، ولم يجرّب جماعها ، ولم تخبر هى جماعه. والعسيلة تصغير عسل وهى حلاوة الجماع ، والعرب تسمى كل شىء تستلذه عسلا. وذوق العسيلة كناية عن المجامعة وحصول الإنزال. وهذه الشروط الإجرائية ليست غاية لذاتها وإنما لتوقّى الحذر أن لا يكون الزواج الثانى صوريا لتحليل رجوع المرأة لزوجها الأول ، فأمّا إذا تزوجها الثانى زواجا صحيحا وتزوجته المرأة بنية الزواج لا تريد بزواجها إحلالها للأول ، وتبينت أن زوجها الثانى عنّين ، وطلّقت منه ولم يدخل بها ، فلا تثريب عليها إن تزوجها الأول ، ومن البديهى أن العنين لا سبيل إلى أن تذوق عسيلته ، فهل تطلّق منه ويتزوجها آخر وهكذا لتحلّ للأول؟ أم أن يكتفى بالثانى ولو لم يدخل بها عملا بظاهر الآية : (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (٢٣٠) (البقرة)؟ وفى الحديث عن عائشة أن تميمة بنت وهب كانت زوجة لعبد الرحمن بن الزبير فطلقها طلاقا بائنا ، وخلفه عليها رفاعة القرظىّ ، فأتت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فذكرت أن رفاعة لا يأتيها ، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة ، تريده بذلك أن يطلقها للعنّة فترجع إلى عبد الرحمن بن الزبير ، فقال لها : «لا ، حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك». والهدبة التى شبّهت بها ذكر رفاعة هى طرف الثوب فيه رخاوة ، تعنى أن جماعه بها متعذّر ، وسياق الخبر يفهم منه أن جماع رفاعة مستحيل ، وأنها تشكو منه عدم الانتشار. وقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم «حتى تذوقى» شرط علّته على الإمكان وهو جائز الوقوع ، فكأنه نصحها أن تصبر لعله يستطيع الجماع ، ولو طلقت من رفاعة لوجب عليها أن تتزوج بثالث بنية الزواج ، وتحدث منه المواقعة ، فلو طلّق فإنها تحل للأول. فالحديث يحذر أن تكون المرأة كاذبة فى دعواها عن زوجها الثانى لغاية فى نفسها أن ترجع لزوجها الأول دون أن يمسّها الثانى. والذوق المشترط يقتضى تبادل العواطف بين الزوجين وهو ما يدل على أن الزواج الثانى تمّ بنية الزواج فعلا ، وإذن لو حدث الوطء عن كراهية من المرأة فلا تحل

٨٥٠

للأول إذا طلقها الثانى. ولو حدث وأغمى على المرأة أو استغرقها النوم ووطأها الثانى فلا تحلّ مع ذلك للأول لأن شرط الذوق لم يستوف. وخلاصة الأمر أن لا تكون هناك مخادعة من أى نوع من الزوج الثانى بإرادة تحليلها للأول. والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمس فى هذه القضية تحايل المرأة ، وإلا فإنه فى قضية مماثلة قد حكم حكما مغايرا لمّا عرف صدق المرأة فى ادعائها ، فعن ابن عباس فيما أخرجه أبو داود قال : طلق عبد يزيد أبو ركانة أم ركانة ، ونكح امرأة من مزينة ، فجاءت إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : «ما يغنى عنى إلا كما تغنى هذه الشعرة ـ لشعرة أخذتها من رأسها ـ ففرّق بينى وبينه» ، قال : فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعبد يزيد : «طلّقها وراجع أم ركانة» ففعل» ، يعنى أنه أخذ بدعواها وفرّق بينه وبينها لعنة الزوج ، فلم تكن العنّة إذن هى التى لم يقبل بها عذرا للطلاق فى قضية امرأة رفاعة القرظى وغيره ، وإنما كان هو التحايل على الزواج ، ثم الطلاق من أجل أن تحل المرأة لزوجها الأول ، والتحايل منهىّ عنه. وفى الرواية : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا ـ يعنى مرة واحدة فى مجلس واحد ، فقال : «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم»؟ يقصد أن التطليقات الثلاث طالما هى فى مجلس واحد فهى طلقة واحدة رجعية فقال : «إنما تلك واحدة فارتجعها إن شئت». وكذلك قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى النكاح : «لا نكاح إلا نكاح رغبة ، لا نكاح دلسة ولا مستهزئ بكتاب الله لم يذق العسيلة» ، والدلسة هو المتحايل ، وتحايله هو استهزاء بكتاب الله ، والله تعالى قد اشترط الزواج الثانى لتحل للأول من بعد ، فإن كان زواج دلسة ولا مستهزئ بكتاب الله لم يذق العسيلة» ، والدلسة هو المتحايل ، وتحايله هو استهزاء بكتاب الله ، وليس الزواج الدلسة بالزواج المحلّل. والزوج الذى يتزوج مطلقة بتاتا بنيّة تحليلها لزوجها الأول ملعون ، والملعون مطرود من رحمة الله ، وهو المقصود بالحديث عن ابن مسعود ، قال : «لعن الله المحلّ والمحلّل له» ، والحديث عن عقبة بن عامر ، قال : «ألا أخبركم بالتّيس المستعار : هو المحلّل ، فلعن الله المحلّل والمحلّل له» ، والتّيس ذكر الماعز ، وطبعه التيوسة ـ أى الخسّة وقلة الحمية ، فلا ينفعل إذا نزا ذكر آخر على أنثاه. وقوله تيس مستعار ، لأن المحلل يؤجر على هذا العمل الخسيس.

فكما ترى يا أخى المسلم الذكى ، ويا أختى المسلمة الذكية ، الإسلام برىء مما يتقوّلون به عليه ، وتشريعاته فى قمة التشريعات ولا تضاهيها أية تشريعات ، والدفوع القانونية والنفسية فى مجال التحليل لم يرد مثلها فى التوراة ، وفيها من بعد النظر ، والأخذ بالأحوط ، والذى ييسّر على الناس ، ما يجعل منهج الإسلام فى الأحكام هو الأفضل والأرقى من كافة المناهج الوضعية ، ولقد عرفنا أن التوراة والأناجيل كتب موضوعة ،

٨٥١

ومناهجها من ثم موضوعة ، ولا يقارن ما كان من عند إله بما يصوغه بشر ، وحسبنا الله وله الحمد والمنّة!.

* * *

باب الإسلام الاجتماعى

* * *

سابعا العدّة

* * *

١٧٨٢ ـ أسماء بنت يزيد أول من أنزلت فيها العدة

لم يكن للمطلقة عدّة قبل نزول الآية : (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) (١) (الطلاق) ، ولمّا طلّقت أسماء بنت يزيد بن السكن أنزلت آية العدة ، فكانت أول امرأة مسلمة تقرّر لها العدّة للطلاق.

١٧٨٣ ـ عدّة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها

المطلقة تذكرها الآية : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) (٢٢٨) (البقرة) ، والمطلقات لفظ عموم ، والمراد به الخصوص فى المدخول بهن ، وخرجت منه المطلقة قبل البناء بها ، بالآية : (فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها) (٤٩) (الأحزاب) ، وكذلك الحامل بقوله : (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) (٤) (الطلاق). وعدّة الأمة كعدّة الحرة لعموم الآية ، ولأن النساء فى أمور الفطرة والجبلة سواء ، فالإماء كالحرائر ، ولو أنه لم تعد هناك إماء. والتربّص هو الانتظار ؛ والأقراء : عند البعض هو الحيض ، وعند آخرين هو الأطهار ، فمن جعل القرء اسما للحيض سمّاه بذلك لاجتماع الدم فى الرحم ، ومن جعله اسما للطّهر فلاجتماعه فى البدن. والقرء مأخوذ من قرء الماء فى الحوض يعنى اجتماعه ، ومنه القرآن ، لاجتماع معانيه أو حروفه ، فكأن الرحم يجمع الدم وقت الحيض ، والجسم يجمعه وقت الطهر. والصحيح أن القرء هو الانتقال من حيض إلى طهر ، ولذلك ليس الطلاق فى الحيض طلاقا سنّيا مأمورا به ، ولا هو الطلاق للعدّة ، فإن الطلاق للعدة ما كان فى الطهر ، ويكون تقدير معنى الآية : فعدّتهن ثلاثة انتقالات من حيض إلى طهر ، وجعل هذا الانتقال قرءا ، لأنه دلالة على براءة الرحم أو أنها غير حامل ، فإذا طلّق كان الطلاق فى طهر وهو المعتبر فى العدة وتطلّق فيه النساء ، وإذا طلق الرجل فى طهر لم يطأ فيه اعتدت المرأة بما بقى منه ولو ساعة ولو لحظة ، ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة ، ثم ثالثا بعد حيضة ثانية ، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلّت للأزواج وخرجت من العدة.

٨٥٢

وعدّة المتوفّى عنها زوجها : أربعة أشهر وعشر ، وآيتها : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (٢٣٤) (البقرة) فجعل الله تعالى عدة الوفاة بخلاف عدة الطلاق ، وليس صحيحا أن الآية شاملة للحوامل من النساء وغير الحوامل ، وأن الآية : (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) (٤) (الطلاق) نسختها فيما يتعلق بالحوامل ، فليس فى ذلك نسخ وإنما هو تخصيص ، فآية العدة أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحوامل اللاتى يتوفى أزواجهن ، وآية أولات الأحمال للحوامل اللاتى يتوفى أزواجهن أو يطلقن. وفى حالة سبيعة الأسلمية فإنها لمّا نفست بعد وفاة زوجها بنصف شهر أو أربعين ليلة ، ذكرت ذلك للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأفتاها بأنها قد حلّت للزواج حين وضعت حملها ، وأباح لها الزواج إن ارتأت ذلك. ولا يحل للحامل أن تتزوج بانقضاء عدة الوفاة بل يحل زواجها بالوضع. ولا يحل زواجها فى نفاسها إلا بعد أن تطهر.

* * *

١٧٨٤ ـ لما ذا عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر أيام؟

فى الحديث عن ابن مسعود فيما جاء فى الصحيحين عن حكمة الأربعة أشهر والعشرة أيام عدة المتوفى عنها زوجها ، قال : «إن خلق أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح» ، فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر ، والاحتياط بعدها بعشر لما قد ينقص بعض الشهور ، ثم لتتضح حركة الجنين بعد نفخ الروح فيه. ولا تبرأ المرأة إذا كانت ممن توطأ إلا بحيضة تأتى بها فى الأربعة أشهر والعشر ، وإلا فهى مسترابة ، وليس عليها أكثر من أربعة أشهر وعشر ، إلا أن تستريب نفسها ريبة بيّنه ، لأن هذه المدة لا بدّ فيها من الحيض فى الأغلب إلا أن تكون المرأة ممن لا تحيض. واختبار الحمل عند طبيب أمراض النساء يغنى عن ذلك جميعه. وكان سنّ الأربعة أشهر والعشر لمجتمع لم تكن فيه مثل مختبراتنا الطبية الحالية ، واختبار الحمل يؤكد الحمل من عدمه فور حدوث الحمل. والأربعة أشهر والعشر مثلها مثل رؤية هلال رمضان بالعين المجردة وشهادة الشهود ، حيث التلسكوب يغنى عن ذلك. والعدة سواء للمطلقة أو للمتوفّى عنها زوجها للتأكد من أن المرأة غير حامل ، فإن كان من الممكن التأكد من ذلك يقينا بالعلم فلا داعى لهذه المدة كلها. وهذا الرأى من وجهة نظر العلم ، وأما من جهة الشرع وفى مواجهة الأهل والكافة فينبغى التزام هذه المدة.

* * *

٨٥٣

١٧٨٥ ـ عدة اللائى يئسن من المحيض

لمّا نزلت عدّة النساء فى المطلقة والمتوفّى عنها زوجها ، لم يبق إلا الصغار وذوات الحمل ، فنزلت : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) (٤) (الطلاق) جوابا لمن سأل : ما عدّة التى لم تحض؟ وما عدة التى انقطع حيضها؟ وعدّة الحبلى؟ ومعنى : «اللائى يئسن من المحيض» : اللائى انقطع عنهن الحيض ، فى غير أوانه ، فإن شككتم وارتبتم هل بلغن سن اليأس ، فإن عدتهن لا تقل عن ثلاثة أشهر ، وإذا كانت المرأة كبيرة السن وتشكو الاستحاضة ، يعنى تظل تحيض مرارا فى الشهر ، وفى كل شهر ، فالعدة أيضا ثلاثة شهور. وقيل عدة التى ارتفع حيضها وهى شابة سنة ، وأما من تأخر حيضها لمرض فإنها تعتد تسعة أشهر ثم ثلاثة ، وهى كالمرضع التى لا تحيض لأجل الرضاع. ولو تأخر الحيض لغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حيض فيها : تسعة أشهر ثم ثلاثة. وأما اللائى لم يحضن وهن الصغيرات ، فعدتهن ثلاثة أشهر. ويغنى عن ذلك كله إجراء التحاليل الطبية التى تؤكد الحمل من عدمه والحصول على شهادة طبية بذلك.

* * *

١٧٨٦ ـ عدة الأمة كعدّة الحرة

لا إماء لدنيا اليوم ، ولكن قيل إن الإماء كن إذا طلّقن زمن الصحابة كانت عدّتهن حيضتين ، أى نصف عدة الحرّة ، وهذا غير صحيح ، لأن الله تعالى هو المشرّع ، وقد جعل عدة المرأة ، حرّة أو أمة ، ثلاثة قروء : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) (٢٢٨) (البقرة) يعنى ثلاث حيضات ، والإسلام يساوى بين الأمة والحرة ، وعدة الأمة لذلك هى كعدّة الحرة ، والآيات فى عدة الطلاق والوفاة بالأشهر والأقراء ، عامة فى حق الأمة والحرّة ، فعدة الحرة والأمة سواء ، وأما الحديث الذى ينسب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «طلاق الأمة تطليقتان وعدّتها حيضتان» فهو حديث ضعيف ويعارض القرآن ، ولا شك أنه حديث موضوع.

* * *

١٧٨٧ ـ لا يحل للمطلقة أن تكتم حملها

الحيض والأطهار والعدّة والحمل مسائل لا اطّلاع عليها إلا من جهة النساء ، وفى الآية : (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ) (٢٢٨) (البقرة) أنه تعالى جعل القول فى هذا الشأن هو قول المرأة إذا ادّعت انقضاء الحيض أو عدمه ، وجعل النساء مؤتمنات على ذلك ، ولم يؤمر المسلمون أن يفتحوا نساءهم لينظروا إلى فروجهن ليروا ذلك

٨٥٤

ويتأكدوا منه ، ولكن الله تعالى تكريما للمرأة فى الإسلام وكل ذلك إليهن ، ونهاهن عن الكتمان للإضرار بالزوج وإذهاب حقّه فى الولد ، أو الادعاء بالحمل لإلزامه بالنفقة ، وكانت النساء فى الجاهلية يكتمن الحمل لتلحق الولد بالزوج الجديد ، وحاليا لم يعد الأمر للنساء إزاء أى ادعاء بالنظر إلى التقدّم العلمى وإمكان التحليل الطبى لمعرفة الحمل من عدمه.

* * *

١٧٨٨ ـ خطبة المرأة فى العدّة ومواعدتها

لا وزر فى التعرّض بالخطبة فى عدة المتوفّى عنها زوجها ، بقوله تعالى : (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً) (٢٣٥) (البقرة) ، والتعريض ضد التصريح ، وهو إفهام المعنى بالشىء المحتمل له ولغيره ، وهو من عرض الشيء وهو جانبه ، والكلام مع المعتدة بما هو نصّ فى تزوّجها لا يجوز ، كذلك الكلام معها بما هو رفث ، أو تحريض على الفسق ، وما أشبهه ، وغير ذلك جائز.

ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية لأنها كالزوجة ، ويصحّ التعريض فى عدة البينونة. وللتعريض ألفاظ على قسمين ، فقسم يذكر لوليّها ، كأن يقول له أريد الزواج من فلانة ؛ وقسم يذكره لها دون واسطة ، كأن يقول لها : أريد زواجك ، أو إنى أرغب فيك. وقد تدهش النساء إذا تقدم لهن زوج فى العدّة ، أو أهدى إليهن شيئا ، وقد عابت سكينة بنت حنظلة على من تقدّم إليها فى عدتها من وفاة زوجها فقالت له : غفر الله لك! إنك رجل يؤخذ عنك! تخطبنى فى عدّتى؟! غير أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فعل ذلك مع أم سلمة وهى متأيّمة من أبى سلمة. وقد يضمر الرجل الزواج من المرأة بعد أن تتم عدّتها ، ونهى الإسلام عن مواعدة النساء فى العدة سرا ، أو أن تتزوج المرأة سرا فى العدة ، فإن حلّت أعلنت ذلك ، إلا أن يقال فى المواعدة قولا معروفا مما أبيح من التعريض.

* * *

١٧٨٩ ـ لا عقد زواج فى العدة

العدّة للمطلقة ثلاثة قروء ، وللمتوفّى عنها زوجها أربعة شهور وعشرة أيام ، ولا يعقد على المرأة بالنكاح من آخر خلال العدة ، وفى الآية : (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ) (٢٣٥) (البقرة) أى تنوون عقد النكاح إلا بعد نهاية العدة ، وبلوغ الأجل أى انقضاء العدة ، وفى ذلك تحريم للخطبة فى العدة.

* * *

٨٥٥

١٧٩٠ ـ إحداد المرأة فى عدة الوفاة

الإحداد : هو ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلىّ والكحل والخضاب وما شابه ، ما دامت فى عدّتها ، لأن الزينة داعية إلى الأزواج ، فنهيت عن ذلك ، وفى الحديث : «لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب (أى غير مصبوغ ، أى تمتنع عن الثياب الملونة) ، ولا تكتحل ، ولا تمس طيبا ، إلا إذا طهرت : نبذة من قسط أو أظفار» ، يعنى القليل من الطيب تضيع به رائحتها إذا كانت نفساء أو فى المحيض. والمطلقة طلقة رجعية ولم تنقض عدّتها عليها عدّة الوفاة ، وترثه. والعدة فى الوفاة أو فى الطلاق من يوم يموت أو يطلق. وعدة الوفاة تلزم كل النساء ، الصغيرة والكبيرة والتى تحيض واليائسة من المحيض ، والكتابية ، وعدّتهن جميعا أربعة أشهر وعشرة أيام ، ولا عبرة بما ذهب إليه البعض أن عدّة الأمة نصف عدّة الحرة ، فالأمة كالحرة فى الإسلام ، وعلى كل فلا إماء الآن.

* * *

١٧٩١ ـ نفقة المطلقة الحامل

المطلقة ثلاثا ، أو المطلقة وعليها رجعة وهى حامل ، نفقتها واجبة لقوله تعالى : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) (٦) (الطلاق). والحامل المتوفّى عنها زوجها لها النفقة من جميع المال ، ولا تسقط النفقة بالموت كما يقول البعض ، وحكمها أقوى من الدين الثابت ، لأنها تتعلق بحياة الأم وحياة صغيرها.

* * *

١٧٩٢ ـ الحضانة وترتيب استحقاقها بين الأقربين

تكون الحضانة أولا للأم بلا منازع ، ثم أمهاتها وإن علون ، يقدّم منهن الأقرب فالأقرب ، ثم الأب ، ثم أمهاته ، ثم الجدّ ، ثم أمهاته ، ثم جدّ الأب ، ثم أمهاته وإن كن غير وارثات. وروى أن أم الأب وأمهاتها مقدّمات على أم الأم ، فعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم ويتلو الأم ، ثم أمهاته. وإذا انقرض الآباء والأمهات انتقلت الحضانة إلى الأخوات ، للأخت من الأبوين أولا ، ثم الأخت من الأب ، ثم الأخت من الأم ، وتقدم الأخت على الأخ ، ولا حضانة للأخ لأم ؛ فإذا عدموا صارت الحضانة للخالات ، ولا حضانة للأخوال ؛ فإن عدم الخالات صارت الحضانة للعمّات ويقدمن على الأعمام. ولا حضانة للرجال من ذوى الأرحام كالخال ، والأخ من الأم ، وأبى الأم ، وابن الأخت ، مع وجود أحد من أهل الحضانة سواهم ، فإن لم يكن هناك غيرهم فهم أحق.

* * *

٨٥٦

١٧٩٣ ـ حضانة الولد بين حضانة الأم أو الأب

إذا بلغ الصبى وليس بمعتوه ، خيّر بين أبويه إذا تنازعا فيه ، فمن اختاره منهما فهو أولى به. وإذا كان الأب متوفى أو من غير أهل الحضانة وحضر غيره من العصبات كالأخ ، أو العم ، قام مقام الأب. ويخيّر الصبى بين أمه وعصبته. وكذلك إن كانت أمه متوفاة أو من غير أهل الحضانة ، فيسلّم الولد إلى الجدة ، فإنه يخيّر بينها وبين أبيه أو من يقوم مقامه من العصبات. فإن كان الأبوان متوفيين ، أو من غير أهل الحضانة ، فيسلّم الولد إلى امرأة كأخته ، أو عمته ، أو خالته ، فإنها تقوم مقام أمه فى التخيير بينها وبين عصباته. ولا يمنع الولد من عيادة أبويه وهو عند أيهما ، ويؤذن له فى حضور جنازة من يموت منهما. والزيارة من الولد أو له مأذون بها. وللأم حضانة ابنها المتخلّف عقليا بلا نهاية ، وحضانة ابنها الضعيف صحيا والمحتاج إلى رعايتها باستمرار. وتكون البنت فى حضانة أمها حتى تحيض ، ثم تخيّر ، ولا يمنع أىّ من الأبوين من زيارتها أو زيارته ، وإن مرضت البنت فالأم أحق بتمريضها فى بيتها. والمقيم أولى بالحضانة من المسافر ، ومن المتنقل ، وقيل إن البنت تظل فى حضانة أمها حتى الزواج ، وقيل إن زواج الأم لا يسقط حق حضانتها لأولادها. وإن تركت الأم حقّها فى الحضانة انتقلت الحضانة إلى الأب.

* * *

وينتهى بذلك الباب السادس عشر ويبدأ الباب السابع عشر

بإذن الله عن العبادات ، ولله الحمد والمنّة

* * *

٨٥٧
٨٥٨

الباب السابع عشر

* * *

العبادات

العبادات : من عبد أى وحّد وخضع وذلّ وطاع ؛ والعبادة : هى نهاية التعظيم ولا تليق إلا فى شأنه تعالى ؛ والعبودية هى الانتساب إليه تعالى بأن تكون له عبدا ؛ والعبادة : لعوام المؤمنين ، وبها ينال المؤمن شرف الانتساب إلى الله فيسميه «عبدا» ، كقوله تعالى : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ) (١٧) (ص) ، وقوله : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ) (٤١) (ص) ؛ والعبودية : لخواصهم ، وهى منع النفس عن هواها ، وزجرها عن مناها ، والطاعة فى أمر مولاها. ونهاية العبودية الحرية ، لأن العبد إذا وصل إلى الله فقد صار حرا من جميع ما سوى الله ، فعندئذ يكون في الحقيقة عبدا لله. والعبودة : لخاصة الخاصة ، وهم الذين يشهدون نفوسهم قائمة به فى عبوديته ، وهم بها يحسّون أنهم بشر وآدميون حقا. وتطلق العبادات على الأحكام الشرعية العملية ، وهى إما أحكام تتعلق بأمور الآخرة ـ وهى العبادات : كالطهارة ، والوضوء ، والغسل ، والصلاة ، والحج ، والصيام ، والزكاة ؛ أو بأمور الدنيا ـ وهى المعاملات : كالربا ، والدّين ، والقرض ، والدّية ؛ أو بأمور الأسرة : كالزواج والطلاق ؛ أو بأمور المجتمع : وهى العقوبات. وسنتناول كلا بإذن الله إلا الزكاة فقد جعلناها ضمن الإسلام الاقتصادى فى الباب الثامن عشر.

* * *

١ ـ الوضوء والاغتسال

* * *

١٧٩٤ ـ آية الوضوء

آية الوضوء هى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٦) (المائدة) ، وكان نزولها لمّا فقدت السيدة عائشة العقد فى غزوة المريسيع ، فاضطر المسلمون إلى أن يبقوا فى مكانهم فلم يجدوا ماء فى الصباح للوضوء ، فنزلت الآية. ولم يكن الوضوء جديدا عليهم ، وكان متقررا عندهم ومستعملا ، ولم تتضمنه الآية إلا ليتلى فيها ، وكان نزولها أصلا لتعطيهم رخصة التيمّم. وألفاظ الآية

٨٥٩

تقتضى الموالاة بين الأعضاء ، من غير تراخ بين أبعاضه ، ولا فصل بفعل ليس منه ؛ وتقتضى الترتيب كذلك ، والترتيب سنّة ، ولا بد فى الوضوء من النّية ، والآية فيها ذكر أربعة أعضاء : الوجه ـ وفرضه الغسل ؛ واليدان وفرضهما الغسل إلى المرافق ؛ والرأس ـ وفرضه المسح اتفاقا ، والرّجلان ، وفرضهما المسح إلى الكعبين ؛ ولم يذكر سوى هذه الأربعة ، فدلّ على أن ما عداها آداب وسنن ، والوضوء إذن غسلتان ومسحتان. وفى الحديث : «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» ، فالفرض المسح ، والإحسان غسل الأعقاب وبطن الرجلين ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتوضأ ويمسح على الخفّين والنعلين والجوربين ، ومسح علىّ على الجوربين ؛ وفى غزوة تبوك مسح النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعلى الخفّ وأسفله. وفى الآية : الطهارة من الجنابة بالغسل ، فإذا لم يوجد الماء فالتيمم من ملامسة النساء ، وهو كل ما دون الجماع ، وفى حالة المرض كما فى سلس البول ، وفى السفر ؛ وفى الحديث : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» لمن قدر على الطهور ، ومن لم يقدر فلا عليه ، لأن الوقت فرض فيصلى كما قدر فى الوقت ، ثم يعيد. والتيمم بالصعيد الطيب ، أى التراب النظيف الجاف من مكان مرتفع ، حيث لا يجتمع فيه ماء ولا رطوبة فى الأرض. ومن آداب الوضوء المضمضة وهى تحريك الماء فى الفم ؛ والاستنشاق : وهو صبّ الماء فى الأنف ؛ وكذلك الاستنثار : وهو استنشاق الماء وإدخاله فى الأنف واستخراجه منه. والمراد بكل ذلك أن الوضوء مشروع عبادة ، لدحض الآثام وحصول التطهّر ، إعدادا للمصلّى للوقوف فى حضرة الديّان.

* * *

١٧٩٥ ـ الوضوء عند كل صلاة

فى الآية : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ...) (٦) (المائدة) ، اللفظ عام فى كل قيام إلى الصلاة ، فينبغى الوضوء ، وكان علىّ يفعل ذلك ويتلو هذه الآية ، وكان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يعمل عملا إلا وهو على وضوء ، ولا يكلم أحدا ولا يردّ سلاما إلا على وضوء ، وظل يتوضأ لكل صلاة طلبا للفضل ، إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد ، وليس هذا بنسخ للآية ، لأن السنّة تبيّن القرآن ولا تلغيه. وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلى بالصهباء العصر والمغرب بوضوء واحد فى غزوة خيبر ، وهى سنة ست قبل فتح مكة سنة ثمان ، يعنى أنه كان فى الغزو فقط يجمع بوضوء واحد. وقيل إن قوله : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) يعنى من النوم ؛ وإذن يكون الغسل : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) ، (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) ، (أَوْ

٨٦٠

لامَسْتُمُ النِّساءَ) الملامسة الصغرى ، فاغتسلوا ، وأما الجنابة فلها الطهارة ، وأما المرض والسفر بلا ماء فله التيمم. وفى الحديث : «الوضوء على الوضوء نور» ، فكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتوضأ مجددا لكل صلاة ، ولمّا سلّم الرجل عليه وهو يبول ، لم يردّ عليه حتى تيمم ، ثم ردّ السلام وقال : «إنى كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» رواه الدارقطنى.

* * *

١٧٩٦ ـ استحباب الوضوء

الوضوء شطر الإيمان ، وفى الرواية أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لأنس : «يا أنس ، أكثر من الطهور يزد الله فى عمرك ، وإن استطعت أن تكون فى الليل والنهار على طهارة فافعل ، فأنت تكون إذا مت على طهارة ـ شهيدا» ، وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من أحدث ولم يتوضأ فقد جفانى». فالوضوء وسيلة وغاية ، وللإنسان أن يتوضأ ليكون على طهارة ، وهو واجب لغيره كالصلوات الخمس ، والطواف ، والنذر ، ومستحب لنفسه ولغيره كالصلوات النافلة ، ويستحب لدخول المساجد ، وللسعى فى الحج ، ولصلاة الموتى ، وزيارة القبور ، وقراءة القرآن ، وللدعاء وقضاء الحاجة ، ولسجدة الشكر ، والأذان ، ولورود المسافر على أهله ، وقبل النوم ، وقبل مقاربة الزوجة ، وللزوجين ليلة الزفاف ، ويستحب تجديد الوضوء لأنه نور على نور ، وتوبة من غير استغفار. ويستحب للحائض أن تتوضأ وتجلس فى مصلاها مدة الصلاة ، وللجنب قبل النوم ، وللأكل والشرب ، والجماع ثانية ، وقبل أن يغسل الميت.

* * *

١٧٩٧ ـ موجبات الوضوء

الوضوء فريضة ، ولا صلاة إلا بوضوء ، والوضوء افتتاح الصلاة ، ويبدأ فيها بالوضوء جلبا للطهارة من الأدناس والنقاء من النجاسة. والوضوء يذهب الكسل ، ويطرد النعاس ، ويزكّى القلب. وموجبات الوضوء : الغائط ، والبول ، والريح يسمع صوتها أو تشمّ رائحتها ، والنوم ـ وقد تنام العين ولا ينام القلب والأذن ، فإذا نامت العين والأذن والقلب وجب الوضوء. وينقض الوضوء : بالجنابة ، والحيض ، والاستحاضة ، والنفاس ، وزوال العقل بالسّكر ، والجنون ، والإغماء. والأصل فى الوضوء أنه لا يجب إلا مع الإسلام ، والبلوغ ، والعقل ، وعدم الضرر. ومن توضأ وشكّ هل أحدث أو لا ، بنى على أنه متطهر ، ومن نوى الغسل والوضوء أجزأه الغسل عنهما. وتجب التسمية فى طهارة الأحداث كلها ، والتسمية هى قول : «بسم الله» ، وموضعها بعد النية قبل أفعال الطهارة كلها ، والنية شرط من شرائط الطهارة الشرعية ، وهى مقدّمة على الطهارة. ويستحب تجديد الوضوء لكل صلاة. وتتوضأ المستحاضة لكل صلاة ، وينتقض الوضوء : بالخارج من السبيلين ، سواء كان معتادا

٨٦١

كالبول والغائط والمنى والمذى والودى والريح ، أو نادرا كالدم والدود والحصى والشّعر. ويتوجب الوضوء : من الخارج من غير السبيلين كالقىء إذا كان فاحشا ، وإذا مسّ الرجل ذكره قصدا ، والمرأة فرجها ، والمرتد إذا عاد للإسلام ، والمتعاطى لعقار يذهب العقل بالنوم أو الذهول ، وبملامسة الرجال للنساء بشهوة ، وبملامسة النساء للرجال بشهوة ، وإذا نام قاعدا نوما كثيرا ، وإذا غسّل ميتا. ويستحب الوضوء : للجنب إذا أراد النوم أو الأكل أو العود.

* * *

١٧٩٨ ـ الغسل

الغسل ـ بضم الغين ـ اسم للاغتسال ، وللماء الذى يغتسل به ؛ والغسل ـ بالفتح ـ فعل المغتسل. وقوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (٦) (المائدة) فيه أن الغسل من الجنابة فرض أمر به الله ، وقوله : (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (٢٢٢) (البقرة) يعنى حتى يغتسلن ، وحقيقة الاغتسال : غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عمّا للعادة. ويستحب الوضوء قبل الغسل ، ويجوز للرجل أن يغتسل مع امرأته ، وأقل الغسل أن يفيض على رأسه ثلاثا ، واغتسل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مرة واحدة ، وتمضمض واستنشق ، وكان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وقدميه ، وكان يقول : «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود ، فليتوضأ بينهما وضوءا» ، وقال : «لا بد من غسل الفرج إذا أراد العود فإنه أنشط للعود». وإذا أمذى الرجل فله أن يغسل ذكره ويتوضأ فقط ، وللمرأة إذا احتلمت أن تغتسل. والغسل يجب إذا جلس الرجل بين شعب المرأة الأربعة ثم جهدها ، وإذا ألزق الختان بالختان ، ومن يضاجع امرأته ولم يمن فليتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره وما مسّ المرأة منه.

* * *

٢ ـ الطهارة

* * *

١٧٩٩ ـ لا تقبل صلاة بغير طهور

القبول هو الإجزاء ، وحقيقته وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما فى الذمة ، وكان السلف يقولون : لأن تقبل لى صلاة واحدة أحبّ إلىّ من جميع الدنيا ، لأن الله تعالى يقول : (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (٢٧) (المائدة) ، والتوضؤ من التقوى ، ولا يكون التوضؤ إلا بالماء ، كما أن التيمم لا يكون إلا بالتراب الطاهر ، وفى الحديث : «الصعيد الطيب وضوء المسلم» ، يعنى أن التيمم وضوء لكونه قام مقامه. وأمة محمد ـ أمة الإجابة ـ هم الغرّ المحجّلون يوم القيامة من آثار الوضوء. والغرّ من الغرّة وهى اللمعة البيضاء فى جبهة

٨٦٢

الفرس ، والمحجّلون من الحجل بكسر الحاء ـ والمراد هنا النور ، وهم مخصوصون بالغرّة والتحجيل ، أثرا من الوضوء ، ويكون الوضوء خفيفا أو إسباغا ، ومنه الاستنجاء ، ويستحب باليسار ، وكذلك عند التبوّل يمسك الذكر باليسار ، ويجوز الوضوء مرة مرة لكل عضو ، ومرتين مرتين ، وثلاثا ثلاثا. والاستنثار بطرح الماء الذى يستنشقه المتوضئ ، ويستحب باليد اليسرى. ويعمم غسل الرجلين والأعقاب. والمضمضة من الوضوء ، وهى وضع الماء فى الفم. وتحريكه ثم يمجّه. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحب التيمّن فى الوضوء ، وفى كل شىء ، لأنه كان يحب الفأل الحسن ، وأصحاب اليمين هم أهل الجنة ، والبداءة باليمين مستحبة فى كل ما كان من باب التكريم والتزيين ، وما كان بضدهما استحب فيه التياسر. والرأس يمسح كله لقوله تعالى : (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) (٦) (المائدة) ؛ ويغسل المنى ويفرك من الثوب ، وكذلك دم الحيض يحتّ ويقرض بالماء وينضح ؛ ويستحب التسوّك أو غسل الأسنان عند القيام من النوم ، لأن النوم مقتض لتغيّر الفم.

* * *

١٨٠٠ ـ الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى

ينقض ما يسمى بالطهارة الصغرى ثلاثة أحداث : زوال العقل ، والخروج المعتاد ، وملامسة النساء. والخروج يعنى ما يخرج من الجسد من النجاسات ، أو ما يخرج من السبيلين ، وفى هذه الأحوال الثلاثة ينبغى الوضوء. وزوال العقل يكون بالإغماء ، أو الجنون ، أو بشرب الخمر ، أو تعاطى المخدرات ، والنوم فيه غياب العقل ، ولا شك أنه مظنة حدث ، فمن نام مضطجعا فعليه الوضوء ، لأنه يرخى عضلاته فربما يحدث. وليست ملامسة النساء جماعا ، وإنما الجماع هو مباشرة النساء ، وتقتضى الملامسة الوضوء إذا كانت بلذة ، وقيل الملامسة باليد هى الناقضة للوضوء ، كقوله تعالى : (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) (الأنعام ٧). والقبلة ، والجسّ باليد ـ من الملامسة ، وفيهما الوضوء. واللمس يطلق فى الشرع على الجسّ باليد ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لماعز الذى أقرّ الزنا على نفسه ، يعرض له بالرجوع عن الإقرار : «لعلك قبّلت أو لمست؟» وعن عائشة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قلّ يوم إلا يطوف على نسائه فيقبل ويلمس ثم يصلى ولم يتوضأ.

والطهارة الكبرى : هى الاغتسال من الجنابة كقوله : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (٦) (المائدة) ، وقوله : (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (٤٣) (النساء) ، وكقوله بشأن الحائض : (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (٢٢٢) (البقرة) أى يغتسلن ، وحقيقة الاغتسال غسل جميع الأعضاء. والاحتلام بالنسبة للمرأة والرجل فيه غسل. والجمهور على أن الجنب هو

٨٦٣

غير الطاهر من إنزال ، أو مجاوزة ختان ، وقيل أنه لا غسل إلا من إنزال للحديث : «إنما الماء من الماء» أخرجه مسلم ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الرجل يجامع ولا ينزل : «يغسل ما مسّ المرأة منه ثم يتوضأ ويصلى» أخرجه البخارى.

* * *

١٨٠١ ـ الطهارة والمطهرات والطهر

المطهرات : هى التى تطهّر غيرها من النجاسة ، من الطهارة : وهى فى اللغة النزاهة عن الأقذار ، وفى الشرع هى رفع ما يمنع من الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء ، أو رفع حكمه بالتراب. والمطهّر الأول هو الماء ، وهو فى الدين وسيلة التطهّر ، وقيل : ولا يضر تغيّر لون الماء أو ريحه ، أو طعمه ، غير أن العلم يقول : بأن بقاء شىء من هذه الأوصاف يدل على استمرار وجود ذرات من النجاسة فيه ، وإن كان المعول عليه ، هو العرف وتسامحه ، وليس العلم وتجاربه ، والأصح الأخذ بالعلم لا العرف ، ولذا تشترط الطهارة فى الماء ، أى عدم النجاسة فيه ، فلا يكون لونه أو ريحه أو طعمه متغيّرا ، لأنه لن يكون طاهرا ، فكيف يكون وسيلة طهارة؟ وفاقد الشيء لا يعطيه ، ولو كان الماء نجسا وضمّ إلى نجس مثله ، فإن المجموع لا يصبح طاهرا. ولا بد أن يكون الماء مطلقا لا مقيدا ، لأن المضاف إن كان طاهرا فى نفسه فإنه غير مطهّر لغيره. فالأصل فى الماء إذن الطهارة ، وتجوز الطهارة من الحدث والنجاسة لكل ماء طاهر مطلق ؛ ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم ، وماء المطر والثلج والبرد طهور. وإذا خالط الماء الطاهر غيره من الطاهرات تغيّر اسمه ، وغلب على أجزائه ، حتى صار اسمه صبغا أو خلا مثلا ، أو غير ذلك فتزول طهوريته. ولو تغيّر الماء بالتراب لم يفقد طهوريته. وغسل اليدين من نوم الليل من الطهارة ، وليست العلّة فى ذلك النجاسة ولكنها التعبّد ، ويفتقر غسلهما إلى النيّة والتسمية. وحدّ اليد المأمور بغسلها من الكوع ، والنوم الذى يتعلق به الأمر هو ما نقض الوضوء. وتحصل طهارة المحل بالاستجمار ؛ وطهارة القبل والدّبر من البول والغائط بالاستنجاء. وتستحب الطهارة للسعى بين الصفا والمروة ، ويستحب الغسل للوقوف بعرفة. ويتوجب الغسل من الحدث الأكبر ، وأقل الطهر عند النساء بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما. والنجاسة نقيض الطهر. وكل ما ليس له دم سائل فإن سائله طاهر بجميع أجزائه وفضلاته. وما كان طاهرا من الحيوان فشعره طاهر ، وما كان نجسا فشعره نجس ، ولا فرق فى ذلك بين حال الحياة وحال الموت ، والريش كالشعر فى الحكم. وشعر الآدمى طاهر. والمنى كالبول يعفى عن يسيره ، ويجزئ فرك يابسه والآدمى طاهر حيا أو ميتا ، وأجزاؤه إذا انفصلت منه فى حياته طاهرة ، وسؤره طاهر ، سواء كان مسلما أم كافرا. والكلب والخنزير وما تولد منهما نجس عينه وسؤره ، وجميع ما

٨٦٤

خرج منه ، وسائر سباع البهائم ، وجوارح الطير. ويتوجب غسل الإناء الذى يشرب منه الكلب سبع مرات ، منها مرة بالتراب ، ويجزئ الصابون فى كل المرات ، ولا يتوضأ بفضل الكلب. وللتطهّر من البول يغسل الجسد بالماء مرتين ، ويصب الماء على بول الصبى والبنت ، وقيل يجزئ الرش بالماء على بول الصبى الذى لم يأكل الطعام ، ويغسل بول البنت وإن لم تطعم. ويغسل الثوب إذا أصابته خمر أو نحوه ، ويغسل الإبريق من أثر الخمر فيه. والفأرة تنجّس ما تقع فيه من طعام أو ماء ، ويغسل الوعاء سبع مرات ، وإذا تنجّس إناء أو غيره بنجاسة خنزير أو كلب ، وجب غسله سبع مرات ، إحداهن بالتراب ، ويجزئ الصابون حاليا عن التراب. وفى غير ذلك فاشتباه التنجّس يوجب الغسل ولو مرة واحدة. وحكم الغسالة النجاسة إذا كانت لطهارة الشيء ، وإلا فهى طاهرة.

والتراب هو المطهّر الثانى ، وهو وسيلة الفقراء حاليا ، ويستخدم للتيمم إن لم يوجد الماء ، والأرض تطهّر بعضها بعضا ، وتطهّر باطن القدم والنعل ، بشرط زوال النجس منها. والشمس هى المطهر الثالث ، وما تجففه الشمس طاهر يصلّى عليه. والرابع من المطهرات هو التحوّل ، كأن تتحول الخمر إلى خلّ ، فتطهر بتغيّر اسمها وموضوعها. والمطهر الخامس هو الاستحالة ، فالعذرة مثلا تستحيل ترابا أو رمادا. ويجوز استعمال المطعومات فى التطهير ، كالملح ؛ ويجوز غسل الأيدى بالنخالة ؛ وجلد الميتة يطهر بالدباغ ، ولا يجوز أكل جلد ميتة مأكول اللحم ولو دبغ ، ويجوز الانتفاع بشحومات الميتة وشحم الخنزير وبالعظم ، إلا أن يكون ذلك فى طعام ، وكل طعام خلط به ذلك يتنجّس ، ويحرم بيعه.

* * *

٣ ـ النجاسات

* * *

١٨٠٢ ـ النجاسات وأنواعها

النّجس فى اللغة هو القذر ، غير الطاهر ، ولا النظيف ، والجمع أنجاس ، ويقال نجّسه وأنجسه أى صيّره نجسا ، وتنجّس الثوب : صار نجسا ، وتنجّس الرجل : بمعنى فعل ما يخرج عن الطهارة ، كقوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) (التوبة ٢٨) ، فلأنهم مشركون كانوا أنجاسا ، فصار على من يصافحهم أن يتوضأ ، والكلام عن المشركين وليس عن أهل الكتاب ، وبمقتضاه فإن الكافر إذا أسلم وجب عليه الغسل مما كان عليه من نجاسة الشرك ، وقد أمر بذلك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وشرك المشرك جنابة ، فإن أسلم المشرك قبيل احتلامه ـ أى البلوغ ـ فغسله مستحب ، وإن أسلم بعد بلوغه ، لزمه أن ينوى بغسله إزالة جنابة الشرك ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر المشركين إذا أسلموا أن يغتسلوا بماء وسدر ـ أى

٨٦٥

وطيب ـ والمسجد الحرام فى الآية عام على جميع المساجد ، ويحرم تمكين المشرك من دخولها ، بقوله تعالى : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (النور ٣٦) ، فالمشرك يحرم عليه دخولها لأن دخوله فيها مناقض لترفيعها ، وفى الحديث : «لا أحلّ المسجد لحائض ولا لجنب» ، والشّرك جنابة ، وتسمية الله تعالى للمشرك أنه نجس لا يخلو أن يكون نجس العين ، ومنعه إذن من المسجد واجب.

والبول والعذرة من الإنسان نجسان ، على عكس فضلات الطيور ، فانها ليست نجسة ؛ وكل حيوان جاز أكله شرعا ، إذا أكل العذرة واشتد لحمه منها حتى صار جلالا ، يحرم أكله. والحيوان الجلال هو الذى جعل علفه العذرة ، ويترك ليأكل علفا طيبا مدة ليبرأ من الجلل ، وهو أكل الروث والبعرة ، ويقال لها الجلّة من جلّ واجتلّ : أى التقط الروث والبعر. وكذلك يحرم لحم الحيوان الذى يطؤه إنسان ، أى يجامعه ، ومتى حرم فإن بوله وخرءه ينجّسان ، ولا يحلّ شرب لبنه. وروى فى منىّ الآدمى أنه نجس ، وليس هذا صحيحا ، وقيل يعفى عن يسيره ، ويجزئ فيه أن يفرك يابسه. والمذى والودى ليسا نجسين ، والمذى هو الماء الأبيض يخرج من القضيب عند الملاعبة ، بينما الودى هو الماء الأبيض يخرج إثر التبول. وقيل : الدم نجس لما يتولد منه من القيح والصديد ، وكل حيوان مأكول اللحم دمه نجس ، وما يبقى من الدم فى الذبيحة بعد خروج المقدار المتعارف عليه منها ، فإنه طاهر. وكل ما ليس له دم سائل ، كالحيّة والجراد فميتته طاهرة ، والذباب له دم وهو نجس. وكل أعضاء الحيوان والطير النجس ، من شعر ، وقرن ، وظفر ، وريش ، وصوف ، وعظم ، فإنها طاهرة إلا ما كان نجس العين كالخنزير ، ولا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة ، لأن الصوف لا روح فيه. وكل حيوان أو طائر ميت فهو نجس. والخمر وكل ما خامر العقل نجس ، ومن ذلك الأفيون والهيرويين والكوكايين والماريجوانا والحشيش وغيرها. وما يخرج من البهيمة التى لا يؤكل لحمها من بول أو غيره فهو نجس. ويعفى عما يعلق بمحل الاستنجاء ، وما يصيب الخف والحذاء من النجاسة ، واليسير من الدم والقيح والصديد. والطهارة شرط الماء الذى تزول به النجاسة ، وطهارته طهارة مطلقة ، يعنى لم يخالطه سائل يفقده طهارته. وغسل النجاسة يختلف باختلاف محلها. وينجس الماء إذا وقع فيه ما ينجسه ويغيّر طبيعته ، ويزول تنجّسه بزوال ما غيّر طبيعته وأفسد طهارته ، ويكاثر بغيره من الماء الطاهر. ويطهر ثوب المرأة من دم الحيض بحتة وقرضه قبل غسله بالماء ، ويجوز غسل بعض الثوب النجس. ويطهر جلد الميتة بدبغه. ولا يؤكل الطعام المتنجّس. وتحرم الزروع والثمار المسقية بالنجاسة ، ويجزئ التيمم عن النجاسة عند عدم الماء ، وتبطل الصلاة للمرأة فى ثوبها الذى تحيض فيه إذا لم تتحقق إصابة الطهارة له. وإثبات الطهارة لا يحتاج إلى دليل

٨٦٦

طالما أن الشك فى النجاسة يكفى للحكم بالطهارة ؛ وأما النجاسة فلا تثبت إلا بدليل. وإذا أصيب أحدهم بقروح ، وكانت الدماء تخرج منها ولا تزال تدمى ، كأيوب ، فلا بأس أن يصلى. وتطهير المساجد واجب ، وفى الحديث : «جنّبوا مساجدكم النجاسة». ومن صلّى بالنجاسة عامدا متعمدا بطلت صلاته ، وإذا لم يكن لديه إلا الثوب الذى عليه وأصابه البول ، صلى فيه مضطرا. وإذا كان عنده ماء قليل بقدر ما يتوضأ ، وكانت على بدنه نجاسة ، فهل يتوضأ ويصلى بالنجاسة أم يزيل النجاسة ويتيمم للصلاة؟ والجواب : عليه أولا أن يزيل النجاسة ثم يتيمم للصلاة ، لأن للوضوء بدلا وهو التيمم ، ولا بدل لإزالة النجاسة.

* * *

٤ ـ الجنابة

* * *

١٨٠٣ ـ الجنابة والجنب

الجنابة : هى مخالطة الرجل المرأة ، ويقال رجل جنب : وهو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان ، وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ...) (٤٣) (النساء) : أن الجنب لا يقرب الصلاة حتى يطهر ، لقوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (٦) (المائدة) ، وطهارة الجنب أن يغتسل ، ويتوجب الغسل كما فى الحديث : «إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل» ، والغسل لا يتوجب إلا إذا كان هناك إنزال ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الماء من الماء» أخرجه مسلم ، فالجنابة لا تتحقق إلا بالجماع الذى فيه إنزال ، والاغتسال لا يتوجّب إلا من إنزال ، وحتى فى الاحتلام فإنّ المحتلم إذا أمنى يجنب ، وإن لم يكن إنزال ـ حتى وإن رأى أنه يجامع ـ لا يجنب ومن ثم لا يغتسل. ولا يصحّ لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال ، إلا المسافر ـ كما فى الآية ـ فإنه يتيمم ، فالحاضر يغتسل من الجنابة بالماء لوجود الماء فى الحضر ، والمسافر يتيمم إذا لم يجد الماء. وفى الحديث : «لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب» أخرجه أبو داود ، وقد منع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المسلمين أن يتواجدوا فى المسجد أو يمروا فيه وهم جنب.

والجنب لا يمس المصحف بنصّ الآية : (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (٧٩) (الواقعة) ، وبنصّ الحديث : «لا تمسّ القرآن إلا وأنت طاهر» ، ولما دخل عمر على أخته وهو لم يزل مشركا ، ودعا بالصحيفة ، فقالت له : (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (٧٩) (الواقعة) ، لأن الشرك جنابة ،

٨٦٧

فقام فاغتسل وأسلم. ويمنع الجنب غالبا من قراءة القرآن ، إلا الآيات اليسيرة للتعوّذ ، وفى الحديث : «لا يقرأ الجنب والحائض شيئا من القرآن» أخرجه ابن ماجة ، وعن علىّ قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يحجبه عن قراءة القرآن إلا أن يكون جنبا. واغتسال الجنب بمثابة أن يدلّك جسمه بالماء ، بخلاف الغسل ويكون فى الوضوء ـ وهو إمرار اليد مع الماء على المغسول. وهذه التفرقة بين «الاغتسال والغسل» ، لأن الاغتسال من الافتعال ، فكان على المغتسل من الجنابة أن يفيض على نفسه الماء ويغمس فيه جسمه ، ومن لم يفعل ذلك غير صبّ الماء لا يسميه أهل اللسان غاسلا ، بل يسمونه صابا للماء على نفسه. وكثيرا ما يستعمل الغسل بمعنى الاغتسال ، فتقول : غسلت الثوب ، أى فركته ودعكته بالماء ، وفى الحديث : «تحت كل شعرة : جنابة ، فاغسلوا الشعر ، وأنقوا البشرة» ، وإنقاؤها يعنى تتبّع ما بها من نجاسة ، وأراد بذلك غسل بعض الأماكن دون البعض ، ويقصد الفرج ، فكنّى بالبشرة عن الفرج ، ويقتضى ذلك استخدام الماء فى الغسل باعتدال دون إفراط ولا تفريط. فإذا استعمل الماء فى غسل الجنابة لا يصبح مطهّرا ، ولا يستعمل ثانية ليرفع حدثا ، ولا لإزالة نجاسة. وما لم يستعمل فى الطهارة يسمى طهورا ، أى صالحا يتطهّر به ، ويستعمل فى الوضوء ، أو فى طهارة مستحبة ، كغسل الجمعة ، أو فى غسل اليدين من نوم الليل ، ويبقى على إطلاقه طالما لم يستعمل فى غسل الجنابة ، فإذا غمس الجنب يديه فيه دون نيّة التطهّر ، فإنه يظل طاهرا كما هو ، ما لم تكن على يديه نجاسة ما. وما لم ينو الجنب رفع الحدث فإنه إذا غمس يديه فى الماء يظل الماء على طهوريته ، وإن نوى رفع الحدث وغمس يديه فى الماء ، أو اغترف منه ، يصبح الماء مستعملا وتبطل طهوريته. ومن فروض الغسل من الجنابة المضمضة والاستنشاق ، ولم يتركهما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى غسل الجنابة.

ولا بد فى غسل الجنابة من النيّة ، لقوله تعالى : (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (٤٣) (النساء) ، فيقتضى فى الاغتسال النية ، سواء كان اغتسالا من الجنابة ، أو للوضوء ، وحتى التيمم يقتضى النيّة ، ودليل ذلك قوله : (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (٥) (البينة) ، والإخلاص هو النيّة فى التقرّب إلى الله تعالى ، والقصد له بأداء ما افترض على عباده ، وفى الحديث : «إنما الأعمال بالنيات» أخرجه البخارى ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائى ، وابن ماجة ، وأحمد.

* * *

١٨٠٤ ـ المذى

المذى ماء يخرج زلجا ـ أى زلقا ـ عند الشهوة على رأس القضيب ، وهو يوجب

٨٦٨

الوضوء ، وغسل الذكر والأنثيين ، ويجزؤه غسلة واحدة ، سواء غسلة قبل الوضوء أو بعده ، وعند البعض لا يوجب أكثر من الاستنجاء والوضوء ، ويستحب غسل الذكر والأنثيين.

* * *

١٨٠٥ ـ الأغسال المستحبة

قيل إن الأغسال المستحبة أكثر من مائة ، وقيل هى ثمانية وعشرون غسلا ، ومنها : غسل الجمعة ، وغسل أول ليلة من رمضان ، وليلة النصف ، والليلة السابعة عشرة ؛ والتاسعة عشرة ، والواحدة والعشرون ، والثالثة والعشرون ، وليلة الفطر ، ويوم العيدين ، وعرفة ، وليلة النصف من رجب ، واليوم السابع والعشرون منه ، وليلة النصف من شعبان ، وغسل الإحرام ، والتوبة ، ودخول الكعبة ، وزيارة قبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وإذا اجتمعت أغسال عديدة كفى منها غسل واحد ، وصورة الغسل كصورة غسل الجنابة ، والغسل نفسه مستحب دون مناسبة ، لقوله تعالى :

(فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (التوبة ١٠٨).

* * *

١٨٠٦ ـ الارتماس من صور الاغتسال

يقال رمسه أى غطّاه ودفنه ، وارتمس فى الماء ، أى انغمس ؛ والارتماس صورة من صور الاغتسال من الجنابة ، وهو أن يرمس الجنب جسده بالماء الطاهر دفعة واحدة بحيث يستوعب جميع أجزائه ، كأن يغطس فى مغطس ماء ، أو فى ماء ترعة ، أو يعرّض نفسه عاريا لماء المطر يغسله كله ، مع نية الغسل ، وأن يمر بيده على أعضاء جسده بحسب الترتيب.

* * *

٥ ـ الحيض والاستحاضة

* * *

١٨٠٧ ـ الحائض وأصل الحيض

الحائض ، والمحيض أيضا ، تقول حاضت المرأة حيضا ، ومحاضا ، ومحيضا ، فهى حائض وحائضة ، ونساء حيّض ، وحوائض. والحيضة المرة الواحدة ، والحيضة بالكسر الاسم ، والجمع الحيض. والحيضة الخرقة التى تستثفر بها المرأة ، و «الاستثفار» هو أن تشدّ المرأة على فرجها بقطعة قماش أو قطنة تحتشى بها وتوثق طرفيها فى شىء تشدّه إلى وسطها فتمنع سيلان الدم. والأصل أن لا تتحرك كثيرا وتقيم فى بيتها إلى أن يرتفع عنها الدم ، وذلك

٨٦٩

من أسباب أن الإسلام نصح بأن تقرّ النساء فى بيوتهن. وأصل كلمة حيض من السيلان والإفاضة ، تقول حاض السيل وفاض. والحيض اجتماع الدم إلى ذلك الموضع. تقول : حاضت المرأة ، وتحيّضت ، ودرست ، وعركت ، وطمثت ، إذا سال الدم منها فى أوقات معلومة ، فإذا سال فى غير الأيام المعلومة فهو «استحاضة» ، ويقال المرأة استحيضت ، وهى مستحاضة ، وللحائض ثمانية أسماء : الحائض ، والعارك ، والفارك ، والدارس ، والكابر ، والضاحك ، والطامث ؛ وفى القرآن فى سارة امرأة إبراهيم لمّا بشّرتها الملائكة بالولد قال : (فَضَحِكَتْ) (٧١) (هود) يعنى حاضت ، وفى نساء المدينة التى دعتهن امرأة العزيز ليرين يوسف ، قال : (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) (٣١) (يوسف) يعنى حضن. وفى الحديث أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسمى الحائض «النّفساء» وسأل عائشة : أنفست؟ وقيل : بضم النون فى الولادة ، وبالفتح فى الحيض ، وأصله خروج الدم لأنه يسمى نفاسا.

والحيض خلقة فى النساء ، وطبع معتاد معروف منهن ، ولذا فهو ليس نقصا فى دينهن كما فى الحديث الموضوع ، يقول : «أليس إذا حاضت المرأة لم تصلّ ولم تصم؟» ، قلن : بلى يا رسول الله. قال : «فذلك من نقصان دينها»!! وفى الحديث الصحيح عن الحيض عند النساء قال : «هذا شىء كتبه الله على بنات آدم» ، فكون الإنسان له رجلان اثنان لا يعنى أنه ناقص بالنسبة لحيوان له أربعة أرجل ، والنقص يكون بالمقارنة لشىء كامل ، فإذا كانت المقارنة بين النساء والرجال ، فالرجال لا يحضن حتى تقارن النساء بهم ، وإنما الكمال فى جنس النساء أن يحضن ، فمن لا تحيض منهن فهى غير كاملة وناقصة.

* * *

١٨٠٨ ـ الحائض والمستحاضة والنفساء

الفرق بين الحائض والمستحاضة : أن «الحائض» ينزل عليها «دم الحيض» فى وقت معلوم ولفترة معلومة ، ولا تصوم ، ولا تصلى ، ولا يأتيها زوجها ؛ و «المستحاضة» : ينزل عليها الدم بلا وقت معلوم ، وبلا فترة معلومة ، وتصوم ، وتصلى ، وتطوف ، وتقرأ القرآن ، ويأتيها زوجها ، وإن كان دمها كثيرا. وإذا ميّزت المرأة دم الحيض من دم الاستحاضة ، فإن كان دم حيض وانقضى قدره ، اغتسلت عنه ؛ وإن كان «دم الاستحاضة» ، فله حكم الحدث ، فتتوضأ لكل صلاة ، ولا تصلى بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة ، مؤدّاة أو مقضية ، وفى الحديث عن الاستحاضة : «إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ، فاتركى الصلاة ، فإذا ذهب قدرها فاغسلى عنك الدم وصلّى». وفى رواية زاد فقال : «ثم توضئى لكل صلاة».

والفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة : أن «دم الحيض» أسود خاثر تعلوه حمرة ، وتترك

٨٧٠

له الصلاة والصوم. وأما «دم الاستحاضة» فهو أحمر كشأن الدم دائما فى الجروح. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمر نساءه فى شأن الحيض أن يقضين الصوم ولا يأمرهن بقضاء الصلاة. والحيض لا يكون لأكثر من خمسة عشر يوما فما دون ، وما زاد على خمسة عشر يوما لا يكون حيضا وإنما هو استحاضة. وأقل الحيض يوم وليلة. وأما النّفساء : فهى التى يأتيها دم النفاس بعد ولادة ، وقيل حدّه المعلوم شهران ، وقيل أربعون يوما ، وطهره عند انقطاعه ، والغسل منه كالغسل من الجنابة.

ومن الدماء عند النساء ما ليس بعادة ولا طبع ولا خلقة ، وإنما هو جرح ، وقيل : المرأة طاهرة منه ، ولا يمنعها من صلاة ، ولا صوم.

* * *

١٨٠٨ ـ ب حيض المبتدئة

المبتدئة التى بدأ بها الحيض ولم تكن حاضت من قبل ، فإن جاءها الدم وهى فى نحو التاسعة فصاعدا ، وكان من الممكن أن تحيض ، تجلس يوما وليلة وتترك الصوم والصلاة ، فإن زاد الدم على يوم وليلة اغتسلت عقيب اليوم ، وتتوضأ لوقت كل صلاة ، وتصلى وتصوم. فإن انقطع الدم لأكثر الحيض فإنها تغتسل غسلا ثانيا ، وتصنع مثل ذلك فى الشهر الثانى والثالث. فإن كانت أيام الدم فى الأشهر الثلاثة متساوية صار ذلك عادة ، وتأكد لها أنها حيضة ، ويكفى فى التكرار المرات الثلاث ، وقيل بل تكفى مرتان. وإن اختلف انقطاع الدم فى الأشهر الثلاثة ، فكان مثلا فى الأول لمدة سبعة أيام ، وفى الثانى لمدة ستة أيام ، وفى الثالث لمدة خمسة أيام ، نظر إلى أقل ذلك وهو الأيام الخمسة فجعلتها حيضا ، وما زاد عليها لا يكون حيضا ، إلا أن يتكرر. وربما تأخذ المبتدئة بعادة النساء من أهل بيتها ، فتعتبر الحيضة ثلاثة أو أربعة أيام بحسب الشائع بين النساء ممن حولها ، ومتى اغتسلت من حيضتها حلّ وطؤها.

* * *

١٨٠٩ ـ أقل مدة الحيض وأكثرها

أقل الحيض يوم وليلة ، وأكثره خمسة عشر يوما ، أو سبعة عشر ، وأقل الطّهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما ، ولا توقيت للطهر أثناء الحيضة ، ولا يلتفت إلى الطهر إن كان أقل من يوم.

* * *

١٨١٠ ـ مخالفة الإسلام لليهودية بشأن الحائض

يخالف القرآن التوراة بشأن الحائض ، ففي سفر الأحبار (١٥ / ١٩ ـ ٣٢) : «أن الحائض لا تؤاكل ، ولا تجالس ، ولا تنكح ، ولا تلمس ، وكل من يلمسها يصير نجسا ، وكل ما تلمسه من

٨٧١

أدوات يتنجّس ، وكل ما تجلس عليه أو تلبسه أو تنام عليه. وتظل نجسة لمدة سبعة أيام ثم تطهر». وكان عرب المدينة وما حولها ـ قبل الإسلام ـ على سنّة اليهود ، فجاءوا إلى النبىّ يسألونه ، فنزلت الآية : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (٢٢٢) (البقرة) ، وقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اصنعوا كل شىء إلا النكاح» ، يعنى آكلوا النساء فى المحيض ، وشاربوهن ، والمسوهن ، وحدّثوهن إلا أن تجامعوهن ، ولمّا بلغ اليهود ذلك قالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه!

* * *

١٨١١ ـ الحائض فى الصوم والصلاة والحج

الطهارة مشترطة لصحة الصلاة ، والمرأة الحائض غير طاهرة وتترك الصلاة ، وأما الصوم فلا تشترط له الطهارة ، فتتركه الحائض تعبّدا ، وفى الحديث : «إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم» ، ولا تأثم الحائض بتركهما ، وليس هذا نقصا فى الدين. وفى الحج تقضى الحائض المناسك كلها غير الطواف بالبيت والصلاة. والحيض وما فى معناه من الجنابة لا ينافى جميع العبادات ، وتصحّ معه الأذكار وغيرها ، ومناسك الحج مما لا ينافيها الحيض ، إلا الطواف لكونه صلاة مخصوصة. وتشتمل أعمال الحج على الذكر والتلبية والدعاء ، ولا تمنع منها الحائض والجنب. وقراءة القرآن لا تمنع لأنها ذكر الله ، ولا فرق بينها وبين الذكر ، غير أنه فى الحديث : «أربعة لا يقرءون القرآن : الجنب ، والحائض ، وعند الخلاء ، وفى الحمام ، إلا الآية ونحوها للجنب والحائض». ولفظة الحمام دخيلة على مفردات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الأمر الذى يجعل الحديث محل شك. ولا تقضى الحائض الصلاة.

* * *

١٨١٢ ـ ما يحرم على الجنب والحائض والنفساء والمحدث

الجنب والحائض والنّفساء يقرءون القرآن ما شاءوا ولا يسجدون عند السجدة ، ويذكرون الله على كل حال ، ولا يجوز لهم مسّ المصحف إلا أطهارا ، ويجوز لهم وللمحدث أن يتيمم إن أراد مسّه ولم يوجد ماء يتوضأ به ، ويتناول الجنب والحائض المتاع من المسجد دون دخوله.

* * *

١٨١٣ ـ حكم دم الاستحاضة حكم الحدث

إذا ميّزت المرأة دم الحيض من دم الاستحاضة ، تعتبر دم الحيض وتعمل على إدباره ،

٨٧٢

فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه ، ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث فتتوضأ لوقت كل صلاة.

* * *

١٨١٤ ـ ما يحلّ من المرأة فى المحيض؟

فى قوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (٢٢٢) (البقرة) ، سمّى الحيض «أذى» لنتنه وقذره ونجاسته ، ولأن المرأة تتأذّى به فسيولوجيا ونفسيا ، ويتأذّى غيرها برائحته. والأذى كناية عن القذر على الجملة. والمعنى فى الآية : أن المحيض أذى ، يعتزل من المرأة موضعه ، ولا يتعدّى ذلك إلى بقية بدنها. ومعنى اعتزالهن ترك مجامعتهن. وفهم البعض الاعتزال كاعتزال اليهود للنساء فى المحيض ، فلا يؤاكلوهن ولا يلمسوهن إذا حضن ، وعموم الآية يقتضى هذا النهى فعلا ، إلا أن السنّة بخلافه ، وفى الحديث : «أن للرجل من زوجته ما فوق الإزار» ، ولما سأله أحدهم : ما يحلّ لى من امرأتى وهى حائض؟ قال : «لتشدّ عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها» ، وقال لعائشة حين حاضت : «شدّى على نفسك إزارك ثم عودى إلى مضجعك» ، وقال : «اصنعوا كل شىء إلا النكاح». وسئلت عائشة عما يحلّ من المرأة لزوجها وهى حائض ، فقالت : «كل شىء إلا الفرج». فما ذا لو أتى أحدهم امرأته وهى حائض؟ قيل : عليه كفارة ؛ وقيل : استغفار وتصدّق بنصف دينار أو دينار.

وقوله تعالى : (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، أى لا تجامعوهن حتى يطهرن ، والطّهر الاغتسال بالماء ، وبه يحلّ جماع الحائض الذى ذهب عنها الدم ؛ وطهر الحائض كطهر الجنب ، وإذا لم تجد ماء تيممت فتحلّ لزوجها وإن لم تغتسل. وليس عليها نقض شعرها ، وفى الحديث عن أم سلمة قال لها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يكفيك أن تحثى على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» ، وفى رواية سألته : أفأنقضه (تقصد شعرها) للحيضة والجنابة؟ فقال : «لا».

وقوله تعالى : (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) ، يعنى فجامعوهن فى الوجه الذى أذن لكم فيه ، أى فى القبل ، بشرط أن يكون ذلك فى غير صوم ، ولا إحرام ، ولا اعتكاف. وقوله : (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) أى الذين اعتدوا من قبل ذلك وجامعوا من غير طهر دون قصد وتابوا ، وصاروا بعد هذه الآية يتطهرون.

٨٧٣

١٨١٥ ـ ما يحرم على الحائض

يحرم على الحائض ما يحرم على الجنب ، سوى أن الجنب يصوم ويغتسل ، ويصلى إذا اغتسل ، ولا يجوز ذلك للحائض ، فلا يقبل منها صيام ، وتقضيه ، ولا تصحّ لها صلاة ، ولا تقضيها ، ؛ والجنب يمكن وطؤها فى الجنابة ، ويمكن طلاقها ، ولا يصحّ ذلك للحائض ، لقوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) (البقرة ٢٢٢) ، والحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة. وفى الطلاق السنّى لا يجوز طلاق المرأة فى المحيض إلا أن تطهر. واعتزال النساء فى المحيض بترك المجامعة ، ولا يجوز وطؤهن حتى يغتسلن.

* * *

١٨١٦ ـ ما يحرم بالحيض أو يمتنع

الحائض : لا تصلى ، ولا تصوم ، وتقضى الصوم دون الصلاة ، ولا تلمس المصحف ، ولا تلبث فى المسجد ، ولا تطوف بالبيت ، ويحرم طلاقها ، ويحرم وطؤها فى الفرج ، ولا تنقضى عدتها إذا طلّقت إلا بثبوت الحيض.

* * *

١٨١٧ ـ دم المحيض

إذا أصاب الثوب الدم من الحيضة ينضح الثوب بالماء ويصلّى فيه ، وهو كغيره من الدماء يجب غسله. وإذا اغتسلت المرأة من محيضها عند الطّهر يجوز لها أن تتطيّب ، وأن تدلك نفسها ثم تصب على نفسها الماء ، وتأخذ قرضة من مسك ـ يعنى القليل منه ـ وتتبع أثر الدم فيها. واغتسال المرأة يكون بأن تصب الماء عليها ثلاث مرات ، وتنقض شعرها وتمتشط. ونقض الشعر للاستحباب.

* * *

٦ ـ التيمم

* * *

١٨١٨ ـ آية التيمم

يذكر التيمم فى سورتين : النساء ، والمائدة ، والأولى أسبق من الثانية ، وقد قيل إن آية المائدة هى آية الوضوء ، بينما آية النساء هى آية التيمم ، تقول الآية : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) (٤٣) (النساء) ، وفيها أنه لا يجوز التيمم فى المرض إلا إذا كان

٨٧٤

يخاف الموت على المريض لبرودة الماء ، أو كانت به جراحة ، أو قروح ، أو جدرى ، أو نزلة ، أو حمى ، أو مرض جلدى ، فيحق له أن يتيمم ، وقد تيمم عمرو بن العاص لمّا خاف أن يهلك من شدة البرد ، ولم يأمره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالإعادة ولا بالغسل ، واحتج عمرو بالآية : (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) (٢٩) (النساء) ، وكل من يطلق عليه اسم المريض فجائز له التيمم ، لقوله تعالى فى الآية : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى) ويجوز التيمم للملامس للنساء ، والملامسة بمعنى التقبيل أو نظيره ، وقيل اللمس هو الجماع ، والجنب الذى لا يجد ماء يتيمم ، وكذلك يتيمم القادم من الغائط أى المحدث. وكذلك يجوز التيمم بسبب السفر إذا لم يوجد الماء ، ولا يهم إن طال السفر أو قصر ، وكذلك يجوز فى الحضر إذا خاف فوات الصلاة إذا ذهب إلى الماء. والتيمم خصّت به أمة الإسلام توسعة عليها ، ويلزم كل مكلّف لزمته الصلاة إذا عدم الماء ودخل وقت الصلاة ، ويكون بالصعيد وهو التراب الطيب ذو الغبار ، ويجوز أن يضرب يده على شجرة أو حائط ضربة واحدة ، أو ضربتين : واحدة للوجه ، وواحدة لليدين ، وقد مسح النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الجدار مسحة واحدة ، ثم مسح بوجهه ويديه مرة واحدة ، والمسح هو جرّ اليد على الممسوح ، وهو الوجه أولا ثم اليدين.

* * *

١٨١٩ ـ شروط التيمم وأحكامه

لا يصح التيمم إلا بالنيّة ، لأنه من العبادات ، ويجب أن يباشره المتيمم بنفسه ، فإذا كان عاجزا فله أن يستعين بالغير ، ويختلف ما يباح به باختلاف النيّة ، فمن نوى بتيممه فريضة ، فله أن يصلى ما شاء من الفرض ، وإن نوى نفلا لم يجز أن يصلى به فريضة ، ويجوز التيمم لكل ما يتطهر له من نافلة ، أو مسّ مصحف ، أو قراءة قرآن ، أو سجود تلاوة ، أو شكر ، أو للجلوس فى المسجد ، وللنجاسة على بدنه. والتيمم لا يرفع الحدث وإن كان يبيح الصلاة ، ومتى وجد الماء أعاد المتيمم الطهارة ، جنبا كان أو محدثا ، وقد لا يوجد الماء فى الحضر فيجوز عندئذ التيمم ، ويجوز كذلك لمن كان مريضا لا يستطيع مسّ الماء ، أو مقطوع اليدين ، أو معه الماء ولكنه يحتاجه للشرب ، أو يخاف عدوا بينه وبين الماء ، أو يخاف أن تفوته الصلاة ، وله أن يصلى فرضيتين بتيمم واحد. ويبطل التيمم بالقدرة على استعمال الماء ، وبخروج الوقت ودخوله ، وبكل نواقض الوضوء. وتجب الفورية والموالاة فى التيمم ، بحيث يمسح المتيمم ظاهر الكف اليمنى بعد مسح الوجه ، وظاهر الكف اليسرى بعد اليمنى بلا فاصل ، وشرط عدم وجود حائل لا يتحقق به المسح. وإن وجد الماء بعد أن تيمم ، وقبل أن يدخل فى الصلاة يبطل تيممه ؛ وإذا وجده بعد الفراغ من

٨٧٥

الصلاة ، لا تجب له إعادتها ومضت صلاته ؛ وإن وجده أثناء الصلاة فيرجع عنها ويتوضأ ويصلى ، وإن كان قد ركع ورآه فى ركوعه يمضى فى صلاته ، ولو طاف ووجد الماء أثناء ذلك بطل الطواف وتطهّر وأعاد ، والسرّ أن النصّ الذى دلّ على عدم الإعادة مختص بالصلاة فقط ، ولا يجوز قياس غيرها من العبادات عليها.

* * *

٧ ـ الأذان

* * *

الأذان ـ لغة ـ هو الإعلام. وفى التنزيل : (وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) (٣) (التوبة) ، ويشتق من الأذن ـ بفتحتين ـ وهو الاستماع ؛ وشرعا : هو الإعلام بوقت الصلاة ، بألفاظ مخصوصة ، ورغم إيجازها فإنها تشتمل على أركان العقيدة ؛ فالله أكبر : إعلان بوجود الله وكماله ؛ وشهادة أن لا إله إلا الله : إثبات للتوحيد ونفى للشريك ؛ وشهادة أن محمدا رسول الله : إثبات الرسالة لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وحىّ على الصلاة ، حىّ على الفلاح للدعوة إلى الصلاة والفلاح ، وإقرار بالمعاد ؛ وإعادة الأذان : للتوكيد ؛ ومعنى أن تؤذّن للصلاة : أن تعلن للناس دخول وقتها ، وأن الصلاة جماعة.

* * *

١٨٢٠ ـ بدء الأذان

قيل : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة من غير نداء ولا دعوة ، فتكلموا فى ذلك ، وقال بعضهم : نتخذ ناقوسا مثل ناقوس النصارى ؛ وقال بعضهم : نتخذ مثل قرن اليهود ، ويسمى عندهم «الشبور». وقال عمر بن الخطاب : تبعثون رجلا ينادى بالصلاة ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا بلال ، قم فناد بالصلاة». فابتداء الأذان كان بالمدينة ، وقوله لبلال «قم» حجة لشرع الأذان قائما ، ولمّا سمعه اليهود قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لقد ابتدعت يا محمد شيئا لم يكن فيما مضى! فمن أين لك صياح مثل صياح العير؟ فما أقبحه من صوت ، وما أسمجه من أمر!! فنزلت الآية : (وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (٥٨) (المائدة) ، وكانوا يقولون : قد قاموا لا قاموا! وكلما ركع المسلمون وسجدوا ضحكوا!

والنداء : هو الدعاء برفع الصوت ، وقد يضم مثل دعاء. والنداء أو الأذان لم يكن بمكة قبل الهجرة ، وإنما كانوا ينادون : الصلاة جامعة ، فلما هاجر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصرفت القبلة إلى الكعبة ، أمر بالأذان ، وبقيت «الصلاة جامعة» للأمر يعرض. وكان أمر الأذان

٨٧٦

يهمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأريه فى المنام عبد الله بن زيد ، وعمر بن الخطاب ، وأبو بكر الصديق ، وقيل أريه بضعة عشر رجلا ، وقيل سبعة ، ولم يثبت شىء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد. وقيل : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد سمع الأذان فى الإسراء ، وأمر بلالا به ، غير أن الإسراء كان فى مكة ، والأذان كان فى المدينة ، وربما سمعه فى الإسراء ولم يقرره إلا فى المدينة. وزاد بلال فى الصبح : «الصلاة خير من النوم» ، وأقرّها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : الحكمة فى مجىء الأذان على لسان الصحابى عبد الله بن زيد أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سمعه فى الإسراء فوق سبع سماوات ، فلمّا تأخّر الأمر بالأذان عن فرض الصلاة ، أراد إعلامهم بالوقت ، فرأى عبد الله بن زيد فى المنام أنه يؤذّن ، فقصّ منامه على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فوافقت كلمات الأذان ما كان قد سمعه فى السماء ، فقال : «إنها لرؤيا حق» ، وعلم أن مراد الله بما رآه فى السماء أن يكون سنّة فى الأرض ، وتقوّى فى ذلك بموافقة عمر ، لأن السكينة تنطق على لسان عمر. والحكمة فى إعلام الناس بالأذان بغير لسانه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أن يكون التنويه بقدره ، والرفع لذكره ، بلسان غيره ، ليكون أقوى لأمره ، وأفخم لشأنه. ولمّا كان مبدأ الأذان عن مشورة أوقعها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين أصحابه حتى استقر برؤيا بعضهم فأقرّه ، كان ذلك بالمندوبات أشبه. ثم لمّا واظب على تقريره ، ولم يتركه ، ولا أمر بتركه ، ولا رخّص فى تركه ، كان ذلك بالواجبات أشبه. واستشكل البعض إثبات حكم الأذان برؤيا صحابىّ باعتبار أنه من غير الأنبياء ، وأن رؤياه لا ينبنى عليها حكم شرعى ، إلا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أقرّه بالصيغة التى سمعه بها الصحابى فى منامه ، وأخبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصحابه أنه وجد الوحى فيه. وقيل : يستحب الأذان فى أذن المولود.

* * *

١٨٢١ ـ الدعاء للنبىّ بعد الأذان

فى الحديث عن الأذان : «قولوا مثل ما يقول ، ثم صلّوا علىّ ، ثم سلوا الله لى الوسيلة» فبعد ترديد الأذان مع المؤذن ، وقول «لا حول ولا قوة إلا بالله» عند الحيعلة ، أى قول «حىّ على الفلاح» ، و «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله» عند فراغه من الآذان ، يقول المصلى : اللهم صلّ وسلم وبارك على محمد ، ثم يقول كقول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته» أخرجه البخارى ، وفى رواية زيد فيه : «إنك لا تخلف الميعاد». والدعوة التامة : المراد بها دعوة التوحيد ، كقوله تعالى : (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ) (١٤) (الرعد) ، ووصفت بالتمام ، لأن الشركة نقص ، ولأنها دعوة لا يدخلها تغيير ولا تبديل ، وفيها أتم القول ، وهو : «لا إله إلا الله ،

٨٧٧

محمد رسول الله». والصلاة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هى الدعاء له ، بسؤال الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود له ، فأما الوسيلة : فهى منزلة ، الواصل إليها قريب من الله ، وهى قربة يتوصّل بها إليه ؛ وأما الفضيلة : فهى صفة هذه المنزلة التى تفضل أية منزلة أخرى ؛ والمقام المحمود : زيادة فى صفة هذه المنزلة التى يحمد القائم فيها. والمعنى العام : هو الدعاء للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يوفقه الله للوسيلة التى تفضل غيرها ، وتؤهله أن يفضل غيره ، فى كلّ ما يقرّبه من الله تعالى فى الدنيا والآخرة ، وأن يبعثه فى الآخرة فيقيمه مقاما محمودا ، يحمد عليه من كل أحد ، وقد وعده به فى قوله تعالى : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (٧٩) (الإسراء) ، فأطلق عليه الوعد ، لأن «عسى» من الله واقع ، وقيل المقام المحمود هو مقام الشفاعة ، فيكون شفيعا عنده تعالى لكل الناس يوم الحساب. وفى الحديث الحضّ على الدعاء للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أوقات الصلوات كلها ومع كل أذان.

* * *

١٨٢٢ ـ وجوب الأذان والإقامة

قيل : الأذان سنّة مؤكدة واجبة على الكفاية فى المصر ، وما جرى مجرى المصر من القرى. وقيل : هو فرض على الكفاية. وقيل : هو واجب على كل مسافر ، للحديث : «إذا كنتما فى سفر فأذّنا وأقيما وليؤمكما أكبركما» ، فالأذان والإقامة واجبان فى الحضر وفى السفر. والأذان مثنى ، والإقامة مرة. وقالوا : فى أول الأذان والإقامة يرجّع المؤذن «الله أكبر» أربع مرات. وأيّما كان الأذان والإقامة مرة أو بالترجيع مرتين أو أربعا ، فهو جائز.

ويستحب أن يكون الذى يؤذن نفسه الذى يقيم. وفى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كان الأذان للصلاة بعد دخول وقتها ، إلا الفجر ، فإنه يؤذّن لها قبل طلوع الفجر ، فكان للمسجد مؤذنان ، يؤذّن أحدهما قبل طلوع الفجر ، والآخر بعد طلوع الفجر. وكان بلال يؤذّن للصلوات وآخر يقيم. ويستحب للمؤذن أن يدور يمينا وشمالا فى قوله : «حىّ على الصلاة ، حىّ على الفلاح» ، ليسمع الجميع. ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين ، فإن قال المؤذن : «حىّ على الصلاة» قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فإذا قال : «حىّ على الفلاح» ، قال : «لا حول ولا قوة إلا بالله» ثم يقول بعد المؤذن : «الله أكبر الله أكبر» ، وهذه نهاية الأذان ، وبعدها يقول من قبله : «لا إله إلا الله». وحسب المؤذن فضلا أنه يعلن شعار الإسلام ، ولا بأس أن يأخذ أجرا على الأذان. ويشترط فى المؤذن أن يرفع صوته بالنداء سمحا ، وفى الحديث أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال له : «إذا أذّنت فارفع صوتك فإنه لا يسمع» ، واستحباب رفع الصوت ليكثر من يستمعون له.

* * *

٨٧٨

١٨٢٣ ـ من دلائل أن الأذان ابتدأ بالمدينة

تشير الآية : (وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) (٥٨) (المائدة) إلى أن ابتداء الأذان كان بالمدينة ، لأن هذه الآية نزلت بالمدينة ، وكذلك الآية : (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ) (٩) (الجمعة) تشير إلى الابتداء ، لأن صلاة الجمعة إنما تقررت بالمدينة ، والراجح أن ذلك كان فى السنة الأولى للهجرة ، وقبل ذلك لم يكن هناك أذان.

* * *

١٨٢٤ ـ صيغة الأذان

صيغة الأذان كما ألقاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الله أكبر الله أكبر ؛ الله أكبر الله أكبر ؛ أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ؛ أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ؛ حىّ على الصلاة ، حىّ على الصلاة ؛ حىّ على الفلاح ، حىّ على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله». وعند الشيعة الأذان كالتالى : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ؛ أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ؛ أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ؛ أشهد أن عليا ولى الله ، أشهد أن عليا ولى الله ؛ حىّ على الصلاة ، حىّ على الصلاة ؛ حىّ على الفلاح ، حىّ على الفلاح ؛ حىّ على خير العمل ، حىّ على خير العمل ؛ الله أكبر ، الله أكبر ؛ لا إله إلا الله».

ومن السنّة إضافة : «الصلاة خير من النوم» ـ مرتين ، فى صلاة الصبح ، قيل إن عمر أمر بها ، والصحيح أن بلالا كان يؤذن بها فى حياة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأذّن بها أبو محذورة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتأتى بعد : حىّ على الفلاح ، وتسمى التثويب. ولا فرق بين الأذان والإقامة إلا فى إضافة : «قد قامت الصلاة». وصيغة الإقامة عند الشيعة تتضمن أيضا بعد حىّ على الفلاح : حىّ على خير العمل. والأذان شفع ، والإقامة وتر. ومعنى شفع أنه مرتين مرتين ، ومعنى وتر أن الإقامة مرة واحدة. والحكمة فى تثنية الأذان وإفراد الإقامة : أن الأذان لإعلام الغائبين ، فيكرّر ليكون أوصل إليهم ، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين ، وصيغتها كالتالى : الله أكبر الله أكبر ؛ أشهد أن لا إله إلا الله ؛ أشهد أن محمدا رسول الله ، حىّ على الصلاة ، حىّ على الفلاح ؛ قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ؛ الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله». ولأن الأذان للحاضرين ، يستحب أن يكون من مكان عال ، بخلاف الإقامة ، وأن يكون الصوت فى الأذان أرفع منه فى الإقامة ، وأن يكون الأذان مرتلا والإقامة مسرعة ، وتكرر فى الإقامة «قد قامت الصلاة» لأنها المقصودة من الإقامة بالذات. ويستحب الفصل بين الأذان والإقامة بقدر الوضوء وصلاة ركعتين ليستعد الناس للصلاة ، وفى صلاة المغرب يفصل بجلسة خفيفة. ويستحب فى الإقامة «الحدر» ، وهو الإسراع وقطع التطويل ، ولمن يسمع الإقامة

٨٧٩

أن يقول مثلها ، وأن يقول عند كلمة : «قد قامت الصلاة» : «أقامها الله وأدامها» ، وأن يقوم للصلاة إذا قيل : «قد قامت الصلاة» ، ولا يكبّر إلا بعد الفراغ من الإقامة وتنظيم الصفوف.

* * *

١٨٢٥ ـ الإعلام فى الأذان بأن الصلاة فى الرحال

يجوز للمؤذن أن ينهى أذانه فى يوم مطير شديد البرد قد يؤذى منه الناس إذا خرجوا لصلاة الفجر فيقول : «الصلاة فى الرحال» ، وقد أمره بذلك ابن عباس وقال فعله مؤذّن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهى عزمة. والرحال جمع رحل وهو مسكن الرجل وما فيه من أثاثه ، وقوله إنها عزمة يعنى رخصة ، وفى تبرير ذلك قيل إنه قال : إنى كرهت أن أخرجكم فتمشون فى الطين ، فأجيزت هذه الزيادة فى الأذان للحاجة إليها.

* * *

٨ ـ الصلاة

* * *

١٨٢٦ ـ القرآن والصلاة

الصلاة : فى اللغة هى الدعاء ، مأخوذة من صلّى يصلّى إذا دعا ، فلما ولدت أسماء بنت أبى بكر ، ابنها عبد الله بن الزبير ، أحضرته إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قالت : ثم مسحه وصلّى عليه ـ أى دعا له ، تقول : «اللهم صلّ على محمد» ، يعنى له الدعاء بالخير والرحمة. وقال تعالى : (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) (١٠٣) (التوبة) ، أى ادع لهم.

وقيل : الصلاة مأخوذة من الصّلا ، وهو عرق فى وسط الظهر ينفر عند الجهد ، ومنه المصلّى : وهو الفرس يكاد يبلغ الذى أمامه حتى أن رأسه تكون عند صلاه ، وهكذا يكون وضع المصلّى فى صلاة الجماعة بالنسبة لمن يكون أمامه.

وقيل : الصلاة مأخوذة من اللزوم ، لأن المصلّى يلازم الصلاة ، تقول صلى بالنار إذا لزمها ، ويصلى نارا حامية أى يلزم حرّها ، فكأن الصلاة هى الملازمة والدوام على ما فرضه الله منها ، والمصلّى يقوّم نفسه بالمعاناة فيها ، فيلين قلبه ويخشع ، والصلاة عبادة ، كقوله تعالى : (وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ ...) (٣٥) (الأنفال) أى عبادتهم ، وأمر بها الله تعالى ، كقوله : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) (١٣٢) (طه) يعنى الفرائض والنوافل. والتسبيح صلاة ، كقوله : (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (١٤٣) (الصافات) أى من المصلّين ، ومنه سبحة الضحى أى صلاتها. وفى تأويل : (نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) (٣٠) (البقرة) أى نصلّى ؛ وفى قوله تعالى : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ) (١١٠) (الإسراء) يعنى فى القراءة فى الصلاة.

٨٨٠

وللصلاة شروط منها : الطهارة ؛ ولها فروض : كاستقبال القبلة ، والنيّة ، وتكبيرة الإحرام والقيام لها ، وقراءة الفاتحة والقيام لها ، والركوع والطمأنينة فيه ، ورفع الرأس من الركوع والاعتدال فيه ، والسجود والطمأنينة فيه ، ورفع الرأس من السجود ، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه ، والسجود الثانى والطمأنينة فيه ، وتعظيم الله فى الركوع بالتسبيح ، وفى السجود بالدعاء. والتكبير ، والجلوس ، والتشهّد ، والسلام. ولا يجزئ فى تكبيرة الإحرام إلا «الله أكبر» ، وهذا اللفظ هو المتعبّد به فى الصلاة والمنقول عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل : لما نزلت (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (٣) (المدثر) قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «الله أكبر» ، وقيل أبلغ لفظة للعرب فى معنى التعظيم والإجلال : «الله أكبر» ، كقول الشاعر :

رأيت الله أكبر كل شىء

محاولة وأعظمهم جنودا

والمقصود بالنيّة فى الصلاة التقرّب إلى الله بفعل ما أمر به. وأركان الصلاة : يوجزها الحديث : «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة ، ثم كبّر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن جالسا ، ثم افعل ذلك فى صلاتك كلها» أخرجه مسلم. والجلوس مقدار التشهّد فرض. وفى الحديث : «مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم» أخرجه أبو داود. وإقامة الصلاة فرض ، كقوله تعالى : (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) (٣) (البقرة) ، وهو أداؤها بأركانها ، وسننها ، وهيئاتها فى أوقاتها ؛ تقول «قام الشيء» أى دام وثبت ، وليس من ذلك القيام على الرّجل ، وإنما هو من قولك : قام الحق ، أى ظهر وثبت ، والقيام هو الديمومة ، وأقامه أى أدامه ، وفى ذلك يقول عمر : «من حفظ الصلاة وحافظ عليها ، حفظ دينه ، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع». والقضاء فى الصلاة : فى الأفعال والأقوال. وفى الحديث : «إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ، ثم يكبّر الله تعالى ويثنى عليه ، ثم يقرأ أمّ القرآن وما أذن له فيه وتيسّر ، ثم يكبّر فيركع ، فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله ، ويسترخى ، ثم يقول سمع الله لمن حمده ويستوى قائما حتى يقيم صلبه ويأخذ كل عظم مأخذه ، ثم يكبّر فيسجد فيمكّن جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله ويسترخى ، ثم يكبّر فيستوى قاعدا على مقعده ويقيم صلبه». وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستفتح بالتكبير والقراءة بالحمد لله ربّ العالمين ، فإذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوّبه ، ولكن بين ذلك ، وإذا رفع من الركوع لم يسجد حتى يستوى قائما ، وإذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوى جالسا ، وكان يقول فى كل ركعتين التحية ، ويفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع ، وكان يختم الصلاة بالتسليم. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم

٨٨١

يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها ، إشارة إلى دوام التوحيد ، وقال البعض عن تحريك الإصبع وموالاة ذلك أنه للتذكير بموالاة الحضور فى الصلاة ، ومدفعة للشيطان ، وتأوّلوا الحركة كأنها نطق بجارحة الإصبع بالتوحيد.

والمرأة كالرجل فى الجلوس فى الصلاة ، وتجلس كأيسر ما يكون لها. والبعض ينهى عن الإقعاء وهو أن يجعل المصلى أليتيه على عقبيه فى الجلوس بين السجدتين ، والبعض ذكر أنه من السنة. والبعض يسلم تسليمة واحدة ، والبعض تسليمتين. وقالوا الدخول فى الصلاة بتكبيرة واحدة فيكون الخروج منها بتسليمة واحدة. ومن السنّة إخفاء التشهّد. فهذه جملة أحكام تتضمنها آيات كقوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (٤٣) (البقرة) ، (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) (٢٣٨) (البقرة).

* * *

١٨٢٧ ـ كيف فرضت الصلاة؟

قيل : فرضت الصلاة فى المعراج ، والأحاديث فى ذلك تدور على أنس بن مالك ، مع اختلاف أصحابه وطرقه وتغاير ألفاظه. والمعراج جمع معارج وهو السلّم والمصعد ، من عرج أى ارتقى. وقيل : الإسراء والمعراج كانا فى ليلة واحدة فى يقظته صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو المشهور ؛ وقيل : كان الإسراء إلى بيت المقدس خاصة فى اليقظة ، وكان المعراج مناما ، إمّا فى تلك الليلة أو فى غيرها. وفرضت الصلاة فى المعراج ، وقيل : الحكمة فى فرضها فى ليلة الإسراء أنه لمّا جاءته الملائكة فشقّت صدره وغسّلته ظاهرا وباطنا بماء زمزم بالإيمان والحكمة ، صار طاهرا ، والصلاة يتقدمها الطهور ، فناسب ذلك أن تفرض الصلاة فى تلك الحالة ، وأن يصلى بالأنبياء والملائكة ، وأن يناجى ربّه. والصحيح أن الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة ، وقيل : الإسراء كان قبل الهجرة ، وكانت سورة الإسراء : (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (١) (الإسراء) مكية ، وعرّج به إلى السموات العلى ، وفى كل سماء كان يلتقى بأحد الأنبياء ، ومنهم : آدم ، وإدريس ، وموسى وعيسى ، وإبراهيم ، ثم عرّج به حتى صار إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام ، ففرض الله على أمته خمسين صلاة ، ورجع ليلقى موسى ، فيسأله موسى عمّا فرضه الله على أمّته ، ويطلب إليه أن يراجع فى عدد الصلوات ربّه ، لأن أمته لا تطيق هذا العدد ، ويعود النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليراجع ، فيوضع شطرها ـ أى نصفها ، فيرجع إلى موسى ، فيطلب منه نفس الطلب ، فيراجع فيوضع شطر الشطر ـ أى تصبح ثلاث عشرة صلاة ، ثم يراجع فتصبح سبعا ، ثم خمسا ، وهو العدد ، ولكنها تساوى خمسين قدرا ، ولا

٨٨٢

يبدّل القول عند الله ، ويستحى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يراجعه تعالى أكثر. وقيل تكرار رؤية موسى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما ليرى فيه أثر من رأى ، وكان موسى قد منع الرؤية ، فكان حاله كقول القائل : لعلّى أراهم أو أرى من رآهم. والمهم أن أحاديث الإسراء والمعراج مهما كان الرأى فيها ، أكدت أن : الصلوات خمس ، عددا باعتبار الفعل ، وخمسون اعتدادا باعتبار الثواب.

وتجتمع الأحاديث على أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب ، ثم زيدت بعد الهجرة ، وبعد أن اطمأن المسلمون فى المدينة ، أى فى الحضر ، ففرضت فيها ـ أى الحضر أربعا ، ثم بعد أن استقرت الأوضاع أكثر خفّفت الرباعية فى السفر إلى ركعتين ، ولم يتناول التخفيف الفجر لطول القراءة فيه ، ولا المغرب لأنه وتر النهار. وكان قصر الصلاة فى السنة الرابعة من الهجرة ، وفيها نزلت آية الخوف : (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (١٠١) (النساء) ؛ وقيل : كان قصر الصلاة فى ربيع الآخر من السنة الثانية بعد الهجرة بعام أو نحوه ؛ وقيل : بعد الهجرة بأربعين يوما ؛ وقيل : إنه قبل الإسراء لم تكن صلاة مفروضة ، إلا ما كان قد وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد. غير أنه لا شىء فى القرآن يثبت أن الصلاة فرضت فى الإسراء ، وعلى العكس فإنه فى سورة المزمل ـ وترتيبها الثالثة فى السور المكية بحسب النزول ، يأتى : (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً) (٢) (المزمل) ، (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (٢٠) (المزمل) أى صلاة الليل ، وليس هناك ما يدل على أن الصلوات الخمس لم تكن موجودة. وفى قوله فى سورة المزمل وهى المكية : (وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٢٠) (المزمل) ، والقتال إنما وقع بالمدينة لا بمكة ، والإسراء كان بمكة قبل ذلك ، وقوله تعالى : (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ) (٢٠) (المزمل) يعنى فى المستقبل ، فكأنه سبحانه عجّل التخفيف قبل وجود المشقة التى علم أنها ستقع لهم. وفى سورتى الروم وطه ـ وهما مكيتان ـ يأتى عن الصلوات الخمس : (فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) (١٧) (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) (١٨) (الروم) ، (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ) (١٣٠) (طه) وفى ذلك ما يثبت أن الصلوات الخمس كانت معروفة فى مكة ، رغم أن المفسرين يصرون على أن الآيتين نزلتا فى المدينة ولم يتنزّلا فى مكة.

* * *

١٨٢٨ ـ حدود أوقات الصلوات

يقول الله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) (هود ١١٤) ، فالطرف

٨٨٣

الأول من النهار لصلاة الصبح ، والطرف الثانى منه لصلاة الظهر والعصر ، وزلفا من الليل لصلاة المغرب والعشاء ؛ ويقول : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) (١٣٠) (طه). ويقول : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) (٧٨) (الإسراء). ودلوك الشمس زوالها ، وهو وقت صلاة الظهر والعصر ؛ وغسق الليل ظلمته ، وهو وقت صلاة المغرب والعشاء ؛ وقرآن الفجر يعنى صلاة الصبح. وهذه الأوقات مجملة ، والسنّة هى الموضحة لها ، وفى الحديث : «من صلى الصلاة لغير وقتها رفعت له سوداء مظلمة ، تقول : ضيعتنى ضيّعك الله ، وأول ما يسأل العبد إذا وقف بين يدىّ الله تعالى عن الصلاة ، فإن زكت صلاته زكا سائر عمله ، وإن لم تزك صلاته لم يزك عمله». والشمس إذا زالت دخل وقت الظهر حتى يمضى مقدار ما يصلى المصلى أربع ركعات ، فإذا مضى ذلك حتى يمضى ولم يبق من الشمس إلا مقدار ما يصلى المصلى أربع ركعات ، خرج وقت الظهر ولم يبق إلا وقت العصر حتى تغيب الشمس. ولكل صلاة وقتان ، وأول الوقت أفضلهما ، فإذا كان ظلّك مثلك فصلّ الظهر ، وهذا هو وقت فضيلة الظهر ، وإذا كان ظلّك مثليك فصلّ العصر ، وهذا هو وقت الفضل للعصر. وأول صلاة فرضت فى الإسلام كانت الظهر ، ثم فرضت بعدها العصر ، ثم المغرب ، ثم العشاء ، ثم الصبح. وأول وقت المغرب غياب الشمس المعلوم بذهاب الحمرة المشرقية. ووقت العشاء من حين الفراغ من المغرب إلى نصف الليل. وتختص المغرب بمقدار ثلاث ركعات من أول الوقت ، والعشاء بمقدار أربع ركعات من آخر الوقت ، ولكل من المغرب والعشاء وقتان ، أحدهما للفضيلة والآخر للإجزاء ، ويمتد وقت الفضيلة للمغرب من زوال الوقت إلى ذهاب الحمرة المغربية ، ووقت فضيلة العشاء من ذهاب هذه الحمرة إلى ثلث الليل. وأول صلاة الصبح هو الفجر الصادق ، ولا تحلّ الصلاة فى الفجر الكاذب ، وأول وقت الفجر من حين الفجر إلى أن يتخلل الصبح السماء ، وآخر وقته طلوع الشمس ، وأول الوقت أفضل من غيره. ويدخل وقت نافلة الظهر بالزوال ، ويمتد إلى أن يصير الفيء مقدار قدمين ، وبينما نافلة العصر يمتد إلى أن يصير أربعة أقدام ، ووقت نافلة المغرب من حين الفراغ من الفريضة إلى ذهاب الحمرة المغربية ، ويمتد وقت نافلة العشاء بامتداد وقت العشاء ، ووقت نافلة الصبح من الفجر إلى طلوع الحمرة المشرقية ؛ ووقت نافلة الليل من نصفه إلى طلوع الفجر ؛ وقيل فى قوله تعالى : (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ) (١٧) (آل عمران ١٧) أن الأسحار هى صلاة الليل. وكل هذه العلامات جائزة فى بلاد بها الشمس كالجزيرة العربية ، وخير من ذلك كله التوقيت المحلى والاستماع إلى مختلفة الإذاعات.

* * *

٨٨٤

١٨٢٩ ـ آية الصلوات الخمس

هى الآية : (فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) (١٨) (الروم) ، وفيها كل الصلوات الخمس ، وقوله : «سبحان الله حين تمسون» هى صلاة المغرب والعشاء ، و «حين تصبحون» هى صلاة الفجر ، «وعشيا» هى صلاة العصر ، «وحين تظهرون» هى صلاة الظهر. وقيل «حين تمسون» هى المغرب ، أما العشاء ففي آية أخرى من سورة هود ، تقول : (وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) (١١٤) ، والرأى الأول أصحّ.

وأيضا فإن الآية : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ) (١٣٠) (طه) فيها كل الصلوات الخمس ، حيث «قبل طلوع الشمس» إشارة إلى صلاة الصبح ، «وقبل غروبها» إشارة إلى صلاة العصر ، «ومن آناء الليل» إشارة إلى صلاة العتمة وهى العشاء ، «وأطراف النهار» إشارة إلى صلاتى المغرب والظهر ، لأن الظهر فى آخر طرف النهار الأول ، وأول طرف النهار الآخر ، فهى من طرفين منه ، والطرف الثالث غروب الشمس وهو وقت المغرب. وقيل : النهار ينقسم قسمين فصلهما الزوال ، ولكل قسم طرفان ، فعند الزوال طرفان هما الآخر من القسم الأول والأول من القسم الآخر ، وقال تعالى عن الطرفين أنهما أطراف ، على نحو قوله : (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) (التحريم ٤) والمقصود قلباكما. وآناء الليل : ساعاته ، وواحد الآناء أنى ، وأنّى.

* * *

١٨٣٠ ـ الصلاة مواقيت

من أقوال عمر : أن جبريل هو الذى أقام لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقت الصلاة. وفى الآية : (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) (١٠٣) (النساء) ، فكل شىء جعل له حين وغاية فهو موقّت ، ويقال : وقّته ليوم كذا ، وموقوتا ، من التوقيت ، أى مفروضا أو محدودا ، فالصبح لها وقت ، والظهر لها وقت ، والعصر والمغرب والعشاء جميعها لها أوقاتها وفى الحديث عن أى العمل أحبّ إلى الله ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الصلاة على وقتها ، ثم برّ الوالدين ، ثم الجهاد فى سبيل الله» ، فالصلاة لوقتها هى أفضل الأعمال.

* * *

١٨٣١ ـ أركان الصلاة

أركان الصلاة : هى ما لا يسقط عن عمد ولا سهو ، وهى عشرة : تكبيرة الإحرام ، وقراءة الفاتحة للإمام المنفرد ، والقيام ، والركوع حتى الاطمئنان ، والاعتدال عنه حتى الاطمئنان ، والسجود حتى الاطمئنان ، والاعتدال عنه بين السجدتين حتى الاطمئنان ،

٨٨٥

والتشهّد فى آخر الصلاة ، والجلوس له ، والسلام. ولا يدخل فى الصلاة بدون تكبيرة الإحرام ، ولا تنعقد الصلاة إلا بها. وواجبات الصلاة بخلاف الأركان ثمانية ، وهى : التكبيرات بخلاف تكبيرة الإحرام ، والتسبيح فى الركوع ، والتسبيح فى السجود ، وقول : سمع الله لمن حمده ، وقول : ربّنا ولك الحمد ، وقول : ربّ اغفر لى ولوالدىّ ، والتشهد الأول ، والصلاة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى التشهد الأخير.

* * *

١٨٣٢ ـ سنن الصلاة

هى اثنتان وثلاثون سنّة ، وهى : رفع اليدين عند الإحرام ، ورفعهما عند الركوع ، ورفعهما عند الرفع من الركوع ، ووضع اليمنى على اليسرى فى القيام ، وحطّها تحت السرّة ، والنظر إلى موضع السجود ، والاستفتاح ، والتعوّذ ، وقراءة الفاتحة ، وقول : آمين ، وقراءة السورة بعد الفاتحة ، والجهر والإسرار فى موضعهما ، ووضع اليدين على الركبتين فى الركوع ، ومدّ الظهر والانحناء فى الركوع والسجود ، وما زاد على التسبيحة الواحدة فى الركوع والسجود ، وما زاد على المرة فى سؤال المغفرة ، وقول : «اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه» بعد التحميد ، والبداية بوضع الركبتين قبل اليدين فى السجود وبرفعهما فى القيام ، والتفريق بين الركبتين فى السجود ، ووضع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين ، وفتح أصابع الرجلين ، وفتحها فى الجلوس ، والافتراش فى التشهّد الأولى ، والجلوس فى السجدتين ، والتورّك فى التشهّد الثانى ، ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة محلقة والإشارة بالسبابة ، ووضع اليد الأخرى على الفخذ الأخرى مبسوطة ، والالتفات على اليمين والشمال فى التسليمتين ، والسجود على الأنف ، وجلسة الاستراحة ، والتسليمة الثانية ، ونية الخروج من الصلاة.

١٨٣٣ ـ الصلاة توقيفيّة

للصلاة نظام وترتيب خاص لا ينبغى الزيادة عليها أو الإنقاص منها ، وأى خلل مهما كان يقع عمدا أو جهلا ، أو سهوا أو نسيانا ، فى شرط من شروطها ، أو جزء من أجزائها ، أو وصف من أوصافها ، يستدعى فسادها ، لأن الإخلال بالشرط إخلال بالمشروط ، والإخلال بالجزء إخلال بالموصوف ، وإذن فليس لنا أن نحيد قيد شعرة فما دونها عن كل ما يمت إلى الصلاة كما عرّفها الشارع ، وهذا معنى وصف الصلاة بأنها توقيفيّة.

* * *

١٨٣٤ ـ الصلاة من الإيمان

فى الصلاة : النية والقول والعمل ، وهى أركان الإيمان ، ولذا أطلق الله تعالى على

٨٨٦

الصلاة أنها إيمان فقال : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) (١٤٣) (البقرة) ، والآية فيها ردّ على المرجئة ، وهى فرقة إسلامية قالت بأن الصلاة ليست من الإيمان.

* * *

١٨٣٥ ـ قضاء الصلاة واجب على القائم والغافل

فى قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (١٤) (طه) ، يعنى إذا نسيت فتذكرت ، فصلّ كما فى الخبر : «فليصلها إذا ذكرها» ، أى أن الصلاة لا تسقط بالنسيان ، وفى الحديث أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سئل عمن يرقد عن الصلاة ويغفل عنها ، قال : «كفّارتها أن يصليها إذا ذكرها» أخرجه مسلم ، وقال : «من نسى صلاة فوقتها إذا ذكرها» ، يعنى أن قضاء الصلاة واجب على النائم والغافل ، كثرت الصلاة أو قلّت. وللصلاة عموما أوقاتها المعينة كقوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) (٧٨) (الإسراء) ، وقوله : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) (١١٤) (هود) ، وقوله : (صَلاةِ الْفَجْرِ) (٥٨) (النور) ، وقوله : (صَلاةِ الْعِشاءِ) (٥٨) (النور) ، والصلاة (مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) (٩) (الجمعة) ، (وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) (٢٣٨) (البقرة) ، ومن أقام بالليل ما أمر بإقامته بالنهار أو بالعكس ، لم يكن فعله مطابقا لما أمر به ، وفى القرآن : (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) (١٠٣) (النساء) ، ولو لا الحديث : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» لم ينتفع بصلاة فى غير وقتها ، وبهذا الاعتبار كانت الصلاة فى غير وقتها قضاء : لأن القضاء أداء بأمر متجدد وليس بالأمر الأول. وكذلك من ترك الصلاة متعمدا وجب عليه القضاء ، والفرق بين المتعمد والناسى والنائم ، أن المتعمد مأثوم ، وجميعهم قاضون. وفى قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (٤٣) (البقرة) لم يفرّق بين أن تكون الصلاة فى وقتها أو بعدها. وتوفية التكليف حقّه واجبة بإقامة القضاء مقام الأداء. ومن ذكر صلاة وقد حضر وقت صلاة أخرى ، بدأ بالتى نسى إذا كانت خمس صلوات فأدنى ، وإن كانت أكثر من ذلك بدأ بالتى حضر وقتها ، وقيل : الترتيب فى اليوم والليلة إذا كان فى الوقت سعة للفائتة ولصلاة الوقت ، فإن خشى فوات الوقت بدأ بها ، فإن زاد على صلاة يوم وليلة لم يجب الترتيب. وفى الحديث : «إذا ذكر أحدهم صلاة فى صلاة مكتوبة ، فليبدأ بالتى هو فيها ، فإذا فرغ منها صلى التى نسى» أخرجه الدارقطنى. غير أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمون صلوا يوم الخندق العصر بعد المغرب ، أى الفائتة قبل الحاضرة. وقيل إن المشركين شغلوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، فأمر بالأذان بلالا فقام فأذّن ، ثم أقام فصلى الظهر : ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء. وكل من ذكر صلاة وهو فى صلاة يتمادى مع

٨٨٧

الإمام حتى يكمل صلاته ثم يصلى الفائتة ، وقيل وليعد صلاته التى مع الإمام إذا كان الوقت يسمح. وفى الحديث : «أما إنه ليس فى النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ، فمن فعل ذلك فليصلها حتى ينتبه لها ، فإن كان الغد فليصلها عند وقتها» أخرجه مسلم. وظاهر الحديث يقتضى إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وحضور مثلها من الوقت الآتى ، والصحيح أنها لا تعاد إلا مرة واحدة. وهذه الزيادة مشكوك فيها بدليل الحديث لمّا سألوه عن قضاء الفائتة لوقتها من الغد قال : «أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم» أخرجه الدارقطنى.

* * *

١٨٣٦ ـ صلاة المريض

من قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود ، لا يسقط عنه القيام ويصلى قائما فيومئ بالركوع ، ثم يجلس فيومئ بالسجود. ومن لا يطيق القيام له أن يصلى جالسا. وإن كان يستطيع القيام إلا أنه يخشى زيادة مرضه بسبب القيام ، أو تباطؤ برئه ، أو يشق عليه القيام مشقة شديدة ، فله أن يصلى قاعدا. وإن كان يستطيع القيام مع الاستناد إلى عصا أو حائط لزمه القيام. وإن كان مريضا بعينيه ويخشى عليه الركوع والسجود ، يصلى قاعدا متربعا ، ويثنى رجليه إذا أراد الركوع أو السجود. وإن لم يقدر على الصلاة مع الجماعة فليصلّ وحده. وإذا لم يطق القيام ولا القعود صلى مضطجعا على جنبه مستقبلا القبلة بوجهه ، والمستحب الصلاة على جنبه الأيمن ، فإن لم يقدر فالأيسر ، فإن عجز فليصلّ مستلقيا. ومن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما. ولا تسقط الصلاة عن المسلم ما دام عاقلا صحيح العقل.

١٨٣٧ ـ التهجّد

التهجد : من الهجود وهو من الأضداد ، يقال : هجد يعنى نام ، وهجد يعنى على الضد سهر. وفى الآية : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (٧٩) (الإسراء) أن التهجد هو التيقظ بعد رقدة ، فصار اسما للصلاة ، لأنه ينتبه لها ، وهو إذن القيام إلى الصلاة من النوم ، ويسمى من قام إلى الصلاة متهجدا ، لأنه يلقى الهجود عن نفسه الذى هو النوم ؛ ونافلة يعنى زائدة ، فكانت صلاة الليل : صلاة تطوع ، تزيد الدرجات وتكفّر عن السيئات ، وتدارك الخلل يقع فى الفرض ، وقيام الليل فيه الخلوة مع البارئ ، والمناجاة دون الناس ، وهو معنى المقام المحمود للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولمن يقوم الليل من أمته ، وعلّمه ربّه أن يدعو فيه ومن بعده أمّته : (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ

٨٨٨

وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً) (٨٠) (الإسراء) ، يعنى أمتنى إماتة صدق ، وابعثنى يوم القيامة مبعث صدق ، وأعزّنى بنصرك فيتصل الدعاء بوعده تعالى أن يبعثنا ربّنا مقاما محمودا ، وكل ذلك من أركان صلاة التهجد أو صلاة قيام الليل.

* * *

١٨٣٨ ـ صلاة الفجر

وقتها قبل طلوع الشمس ، بقوله تعالى : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) (١٣٠) (طه) ، وأول وقت الصبح طلوع الفجر ، وكان النساء يشهدن صلاة الفجر مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى الحديث : «لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها». والصلاة بعد الصبح أو بعد العصر غير مكروهة إلا ممن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلى ركعتين قبل صلاة الصبح ، وركعتين بعد العصر.

* * *

١٨٣٩ ـ صلاة الضحى وصلاة الإشراق

لم يكن ابن عباس يصلى الضحى ، وكان فى نفسه شىء منها ، ثم وجدها فى القرآن : (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ) (١٨) (ص) ، والإشراق هو الضحى ، وفى الحديث عن أم هانئ قالت : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دخل عليها ، فدعا بوضوء فتوضأ ، ثم صلّى صلاة الضحى ، وقال : «يا أم هانئ ـ هذه صلاة الإشراق» ، فصلاة الضحى إذن هى صلاة الإشراق ، وأم هانئ ثقة وكانت بنت عم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى الآية تأتى صلاة الإشراق مرتبطة بداود ، وكان إذا صلى العشاء والضحى جاهر بصلاته فترجّع الجبال تسبيحه ، فهذا هو تسبيح الجبال ، فقال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إنه : «صلاة الأوّابين» ، لقوله تعالى عن داود : (إِنَّهُ أَوَّابٌ) (١٧) (ص). وصلاة الضحى إذن نافلة مستحبة ، وهى فى الغداة بإزاء العصر فى العشىّ ، وتصلّى إذا ابيضّت الشمس طالعة ، وارتفع قدرها ، وأشرقت بنورها ، كما لا تصلى العصر إذا اصفرّت الشمس. وفى البلاد التى لا شمس فيها تكون صلاة الضحى بين الصبح والظهر. وعن أنس أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّاها ثنتى عشرة ركعة ، وعن أبى ذرّ أنه صلاها ركعتين ، وعن أبى هريرة أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكرها باسم «شفعة الضحى» أى ركعتان ، من الشفع ، وهو الزوج من العدد ، وقال أبو هريرة : «أوصانى خليلى بثلاث لا أدعهن حتى أموت : صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتى الضحى ، ونوم على وتر ، أخرجه مسلم. وإذن يكون أقل صلاة الضحى أو صلاة الإشراق ركعتين ، وأكثرها ثنتى عشرة.

* * *

٨٨٩

١٨٤٠ ـ صلوات الدلوك وصلاة الغسق وقرآن الفجر

صلوات الدلوك : هى الظهر والعصر والمغرب ، لقوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) (٧٨) (الإسراء) ، قيل : أول الدلوك هو الزوال ، وآخره هو الغروب ، ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا ، لأن الشمس تكون فى حالة ميل ، والدلوك هو الميل ، فذكر الله تعالى الصلوات التى تكون فى حالة الدلوك وهى الظهر والعصر والمغرب. وأما غسق الليل فهو اجتماع الليل وظلمته ، ويبدأ من آخر المغرب حتى إظلام الليل ، وصلاة الغسق هى العشاء. وأما «قرآن الفجر» فهو اسم صلاة الصبح ، عبّر عنها بالقرآن دون غيرها من الصلوات ، لأن القراءة فيها للقرآن طويلة ومجهور بها ، والقرآن هو أهم شعائرها ، ويقرأ فيها بطوال الفصّل ، ويليها فى ذلك الظهر والجمعة. وهذه الآية إذن تختص بصلوات : الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، والفجر.

* * *

١٨٤١ ـ الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل

الصلاة ثانية الإيمان ، وإليها يفزع فى النوائب ، وكان النبىّ إذا مر به أمر فزع إلى الصلاة ، والآية : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) (١١٤) (هود) يراد بها استغراق الأوقات بالعبادة فرضا ونفلا ، وطرفا النهار : صلاة الصبح ، وصلاة الظهر والعصر ؛ والزّلف الساعات القريبة من بعضها البعض ، ومنه سميت «المزدلفة» لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة ، والواحدة زلفة. وقيل الزلفة أول ساعة من الليل بعد مغيب الشمس ، والصحيح هنا أن الزّلف : هى المغرب والعشاء. وإقامة هذه الصلوات حسنات تذهب السيئات. وهذه الآية إذن تختص بصلوات الصبح ، والظهر ، والمغرب ، والعشاء.

* * *

١٨٤٢ ـ وقت صلاة الظهر عند الزوال

الزوال ـ أى زوال الشمس ، هو ميلها إلى جهة المغرب ، ويسمى هذا الوقت الظهيرة ، من ظهر أى بان ووضح ، والظهيرة وسط النهار ، أى أوضح وقت فيه ، كقوله تعالى : (مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ) (٥٨) (النور). وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلى الظهر فى الظهيرة ، أى عند الزوال ، وكان يصلى بالهاجرة وهى اشتداد الحر فى نصف النهار ، وسميت بذلك من الهجر وهو الترك ، لأن الناس يوفون العمل من شدة الحر ويقيلون. والزوال أول وقت الظهر ، وإذن تجوز صلاة الظهر فى أول الوقت.

* * *

٨٩٠

١٨٤٣ ـ الصلاة الوسطى

اختلف الناس فى تعيين الصلاة الوسطى فى الآية : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) (٢٣٨) (البقرة) ، ووسط الشيء خيره وأعدله ، والمحافظة على الصلوات مخاطب بها الأمة كلها ، والآية أمر بإقامة الصلوات فى أوقاتها بشروطها.

وقيل : الصلاة الوسطى هى الظهر : لأنها وسط النهار ، وهى أول صلاة صلّيت فى الإسلام ومايزت عائشة بين الظهر والعصر حينما أملت الآية هكذا : «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر» ، فأضافت «صلاة العصر» تنبيها إلى أنها غير الظهر ، وروى أن صلاة الظهر كانت أشق على المسلمين ، لأنها كانت تجىء فى الهاجرة ، فنزلت فيها الآية توصية بها ، وقيل هى وسطى لأن قبلها صلاتين ، وبعدها صلاتين.

وقيل : الصلاة الوسطى هى العصر : لأن قبلها صلاتى نهار ، وبعدها صلاتى ليل ؛ وأنها الوسطى لأنها بين صلاتين إحداهما أول ما فرض ، والأخرى ثانى ما فرض ، وفى الحديث : «الصلاة الوسطى : صلاة العصر» أخرجه الترمذى.

وقيل : الصلاة الوسطى هى صلاة المغرب : لأنها تتوسط فى عدد الركعات ، فليست بأقلها ولا أكثرها ، ولا تقصر فى السفر ، ولم يؤخّرها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن وقتها ، ولم يعجّلها ، وبعدها صلاتا جهر ، وقبلها صلاتا سرّ ، وفى الحديث : «إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب ، لم يحطّها عن مسافر ولا مقيم ، فتح الله بها صلاة الليل ، وختم بها صلاة النهار ، فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين ، بنى الله له قصرا فى الجنة ، ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنوب عشرين سنة ـ أو قال أربعين سنة».

وقيل : الصلاة الوسطى هى صلاة العشاء الآخرة : لأنها بين صلاتين لا تقصران ، وتجىء فى وقت نوم ، ويستحب تأخيرها وذلك شاق ، فوقع التأكيد فى المحافظة عليها. وقيل : الصلاة الوسطى هى صلاة الصبح : لأن قبلها صلاتى ليل يجهر فيهما ، وبعدها صلاتى نهار يسرّ فيهما ؛ ولأن وقتها يدخل والناس نيام ، والقيام إليها شاق فى زمن البرد لشدة البرد ، وفى زمن الصيف ، ولقصر الليل. والدليل على أنها صلاة الصبح قوله تعالى فى الآية : (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ» ،) يعنى قوموا فى صلاة الصبح قانتين ، وليست هناك صلاة مكتوبة فيها قنوت إلا الصبح.

وقيل : الصلاة الوسطى هى صلاة الجمعة : لأنها خصّت بالجمع لها ، والخطبة فيها ، وجعلت عيدا للمسلمين. وقيل : الصلاة الوسطى هى الصبح والعصر معا : بدعوى الحديث : «... فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها» ،

٨٩١

يعنى العصر والفجر ، والآية : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) (١٣٠) (طه) ، والحديث : «لن يلج النار أحد صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» ، يعنى الفجر والعصر. وقيل : الصلاة الوسطى هى صلاة العتمة (أى العشاء) والصبح : وفى الحديث أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ولو يعلمون ما فى العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» وقال : «إنهما أشدّ الصلاة على المنافقين» أخرجه البخارى. وقال : «من شهد العشاء فى جماعة كان له قيام نصف ليلة ، ومن صلى العشاء والفجر فى جماعة كان له كقيام ليلة».

وقيل إجمالا لما سبق : الصلاة الوسطى هى كل الصلوات الخمس بجملتها ، لأن قوله تعالى : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ) يعمّ الفرض والنفل ، ثم قال : «والصلاة الوسطى» فخصّ الفرض بالذكر. ولم تعيّن الآية الصلاة الوسطى تحديدا ، فخبّأها الله فى الصلوات كلها ، كما خبأ ليلة القدر فى رمضان ، وكما خبأ ساعة يوم الجمعة ، وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء ليقوم الناس بالليل فى الظلمات لمناجاة عالم الخفيات.

* * *

١٨٤٤ ـ وقت المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب

كان المسلمون يصلون المغرب مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا توارت بالحجاب ـ يعنى الشمس ، كقوله تعالى : (حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) (٣٢) (ص) أى استترت ، كناية عن الغروب ، ووقتها تحين صلاة المغرب ، وكان الرسول يصليها فى ذلك الوقت.

* * *

١٨٤٥ ـ صلاة العشاء هى صلاة العتمة

فى قوله تعالى : (وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ) (٥٨) (النور) يريد العتمة ، وفى الحديث : «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ، ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل» أخرجه مسلم ، وفى البخارى : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يؤخّر العشاء. وفى مسلم : أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يؤخّر العتمة. وتسمية العشاء بالعتمة ثابت ، غير أن الاصطلاح الإسلامى والشرعى هو صلاة العشاء وليس العتمة. وفى الآية عاليه سمّاها الله تعالى العشاء ، فليعلّمها كل امرئ وامرأة لولده أو ولدها أنها العشاء ، ولا يقال عتمة كقول الأعراب ، فلا يعدل مسلم بالعشاء عمّا سمّاها الله فى كتابه. ووقت العشاء إلى نصف الليل ، وكان النبىّ يحب تأخيرها ، فوقّت أداءها اختيارا.

* * *

١٨٤٦ ـ واجبات الصلاة

واجبات الصلاة بخلاف الأركان ثمانية ، هى : التكبيرات ؛ والتسبيح فى الركوع ؛ والتسبيح فى السجود ؛ وقول : سمع الله لمن حمده ؛ وقول : ربّنا ولك الحمد ؛ وقول : ربّ

٨٩٢

اغفر لى ؛ والتشهّد الأول ؛ والصلاة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى التشهد الأخير ؛ فمن ترك هذه الواجبات أو شيئا منها عامدا ، بطلت صلاته. ومن ترك شيئا منها ساهيا أدّى سجدتى السهو.

* * *

١٨٤٧ ـ العمل الجائز فى الصلاة

لا بأس بالعمل اليسير فى الصلاة للحاجة ، ويكره لغير الحاجة. ومن أمثلة الحركة الجائزة مما وردت به السنّة : أن يحمل المصلّى ولده ، أو يفتح الباب لطارق ، أو يقتل حيّة أو عقربا ، أو يرفع الرداء إن سقط ، أو يشدّ المئزر إذا انحلّ ، أو يدفع المار بين يديه.

* * *

١٨٤٨ ـ مبطلات الصلاة

الحدث المبطل للطهارة يبطل الصلاة. ويستحب فى الصلاة التكتيف : وهو وضع إحدى اليدين على الأخرى ، وتبطل الصلاة بالالتفات إلى الوراء أو اليمين أو الشمال بكل البدن ، أو بكامل الوجه بحيث يخرج عن حدّ الاستقبال ، ولا بأس لو كان سهوا ويسيرا ، وكذلك لا بأس مع الكلام عن سهو أو نسيان ، ولا يضر التبسّم ، وتقطع القهقهة والبكاء الصلاة ، إلا البكاء الذى عن خشية ، وتبطل بالأكل أثناءها ، وكل فعل لا تبقى معه صورة الصلاة يبطلها ، وإذا ذهبت الصورة ذهبت الصلاة من الأساس ، وكل من أخلّ بجزء من أجزاء الصلاة ، أو بشرط من شروطها ، أو وصف من أوصافها ، فسدت صلاته ، إلا ما قام الدليل على أنه غير مفسد ، كالجهر مكان الإخفات ، والجهل بنجاسة الثوب أو البدن أو مكان السجود. وتشترط للصلاة ستة أشياء : الطهارة من الحدث ، ومن النجاسة ، وستر العورة ، واستقبال القبلة ، ودخول الوقت ، والنيّة ، فمتى أخلّ بشيء من هذه الشروط لم تنعقد الصلاة. وتجب الصلاة بدخول وقتها فى حق من هو من أهل الوجوب ، وتسقط عن أهل الأعذار ، كالحائض ، والمجنون ، والصبى ، والكافر.

* * *

١٨٤٩ ـ البيعة على إقامة الصلاة

كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأخذ البيعة من كل من يريد الدخول فى الإسلام ، ذكرا أو أنثى ، وفى الرواية عن قيس بن عبد الله قال : بايعت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. والبيعة استنّها الله تعالى للمسلمين فى قوله : (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ) (١١١) (التوبة) ، وفى قوله : (فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ) (١٢)

٨٩٣

(الممتحنة) ، وإقام الصلاة تأتى فى مقدمة شروط البيعة ، لأن الصلاة رأس العبادات البدنية ، ثم بعد الصلاة تأتى الزكاة ، لأنها رأس العبادات المالية ، ثم النصح لكل مسلم بقدر وسعه وفى مجاله.

* * *

١٨٥٠ ـ آية من أعظم آيات القرآن فى فضل الصلاة

هى الآية : (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٣١) (الروم) والمنيب هو التائب ، من الإنابة وهى الرجوع ، وهذه الآية مما استدل به من يرى تكفير تارك الصلاة لما يقتضيه مفهومها ، والصحيح أن المراد بها أن ترك الصلاة من أفعال المشركين ، فورد النهى عن التشبّه بهم ، لا أنّ من وافقهم فى الترك صار مشركا. والآية من أعظم ما رد فى القرآن فى فضل الصلاة ، وفى الحديث لمّا طلبوا من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يأمرهم بشيء يأخذونه عنه ويدعون إليه ، قال : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع : الإيمان بالله ـ وفسّرها لهم : «شهادة أن لا إله إلا الله ، وأنّى رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ...». وكما ترى فالآية فيها : اقتران نفى الشرك بإقامة الصلاة ، والحديث فيه : اقتران إثبات التوحيد بإقامة الصلاة.

* * *

١٨٥١ ـ الصلاة كفّارة

الصلاة كفّارة بقوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) (١١٤) (هود) ، وفى الحديث : «فتنة الرجل فى أهله وماله وولده وجاره تكفّرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهى» ، والفتنة هنا معناها البلية. وأخصّ من هذا الحديث ، حديث الصلوات الخمس كفّارة ، يقول : «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ، ما تقول ذلك يبقى من درنه؟ فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا» ، والدرن : هو الوسخ.

* * *

١٨٥٢ ـ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر

فى الآية : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) (٤٥) (العنكبوت) ، والصلاة هى الصلوات الخمس التى تكفّر ما بينها من الذنوب ، كالحديث : «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات ، هل يبقى من درنه» (أى وسخه) شىء؟» قالوا : لا يبقى من درنه شىء. قال : «فذلك مثل الصلوات الخمس ، يمحو الله بهن الخطايا».

٨٩٤

أخرجه الترمذى. وقال أيضا : «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، لم تزده من الله إلا بعدا». والصلاة بنفسها لا تنهى ، ولكنها سبب الانتهاء.

* * *

١٨٥٣ ـ التجافى فى الصلاة

فى الآية : (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) (١٦) (السجدة) أن المؤمنين تتجافى جنوبهم ، أى تنبو عن مواضع الاضطجاع ، إما لذكر الله ، وإما فى الصلاة : فى التنفّل بالليل فيما يسمى «قيام الليل» ، وفى الحديث أن من أبواب الخير : «صلاة الرجل من جوف الليل». وفى صلاة العشاء ـ ويقال لها : صلاة العتمة ـ قيل هذه الآية نزلت فى انتظار هذه الصلاة : صلاة «العشاء الآخرة» أو «صلاة العتمة» ، سمّيت كذلك لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يؤخّرها إلى نحو ثلث الليل ، يتنفّل ما بين المغرب والعشاء ، ويتنفل لصلاة العشاء ، ثم لصلاة الصبح ، وهكذا يحصل التجافى أول الليل وآخره. وفى معنى «التجافى» فى الصلاة قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من صلى العشاء فى جماعة فكأنما قام نصف الليل ، ومن صلى الصبح فى جماعة فكأنما قام الليل كله» ، وقال : «من شهد العشاء فى جماعة كان له قيام نصف ليلة ، ومن صلى العشاء والفجر فى جماعة كان له كقيام ليلة».

* * *

١٨٥٤ ـ لما ذا خصّ الركوع بالذكر؟

فى الآية : (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (٤٣) (البقرة) خصّ الركوع بالذكر لأن بنى إسرائيل لم يكن فى صلاتهم ركوع ، ولأنه كان أثقل على القوم فى الجاهلية ، واعترض عليه عمران بن حصين. والركوع الشرعى هو أن يحنى الرجل صلبه ، ويمد ظهره وعنقه ، ويفتح أصابع يديه ، ويقبض على ركبتيه ، ثم يطمئن راكعا ، يقول : «سبحان ربي العظيم» ثلاثا ، وذلك أدناه. وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا ركع لم يشخص رأسه ، ولم يصوبه ، ولكن بين ذلك ، وكان يمكّن يديه من ركبتيه ويهصر ظهره. والركوع فرض قرآنا وسنة ، وكذلك السجود.

* * *

١٨٥٥ ـ أفضل الصلاة صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة

يشمل ذلك جميع النوافل ، لأن المراد بالمكتوبة المفروضة ، ولكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجمع ، وفى الحديث : «فصلّوا أيها الناس فى بيوتكم ، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء فى بيته ، إلا المكتوبة» أخرجه البخارى ، وما يجوز للرجال يجوز للنساء ، وفى الحديث «لا تمنعوهن المساجد وبيوتهن خير لهن» ، فحثّ على النافلة فى البيت لأنه أخفى وأبعد من الرياء ، وليتبرّك البيت.

* * *

٨٩٥

١٨٥٦ ـ أنجهر بالصلاة أم نخافت بها؟

يقول الله تعالى : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً) (١١٠) (الإسراء) ، والجهر : هو رفع الصوت ، والخفوت : نقيضه ، وهو القراءة بصوت منخفض ، والمندوب له التوسط بين الجهر والخفوت ، وذلك ما اقتضته مناسبة الآية ، فعن ابن عباس فى أسباب نزولها قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا رفع صوته بالقرآن سبّه المشركون ، ومن أنزله ، ومن جاء به ، فأنزل الله «ولا تجهر بصلاتك» ، «ولا تخافت بها» عن أصحابك ، بأن تسمعهم حتى يأخذوا عنك القرآن» أخرجه مسلم ، وفى رواية أخرى قال : نزلت ـ أى هذه الآية ـ ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مختف بمكة ، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فكان المشركون إذا سمعوه شتموا القرآن ، ومن أنزله ، ومن جاء به ، فقال الله لنبيّه : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ) أى بقراءتك ، فيسمع المشركون فيسبّوا القرآن ؛ (وَلا تُخافِتْ بِها) عن أصحابك ، (وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً).

* * *

١٨٥٧ ـ الصلاة قبل الإسلام مكاء وتصدية

كان الكفّار يصلّون عند البيت الحرام قبل الإسلام ، فالصلاة لم تكن بالشىء الجديد على العرب ، غير أنه شتّان بين صلاة وصلاة. وتشرح الآية : (وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (٣٥) (الأنفال) ، والمكاء التصفيق بالأيدى ، والتصدية الترتيل ، فكأن الصلاة كانت صفقا وتراتيل ، وكانوا أثناء ذلك يطوفون بالبيت عراة ، وورث الصوفية ذلك عن أهل الجاهلية من قبيلة الصوفة ، وهم خدم البيت ، يلازمونه ويعيشون عراة كالنسّاك ، ويستترون بصوف الغنم ، ويصلّون ينشدون ويصفقون ، وسمّوا صوفية ، وصوفية هذا الزمن يفعلون مثلهم ويجتمعون حلقات فى المساجد كما كان هؤلاء يفعلون ، وكانوا يتحلّقون فى اليوم الواحد خمس مرات ، ولمّا أخذ المسلمون يصلون فى البيت مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان هؤلاء يشوّشون عليهم ، وتعمّدوا أن يخلطوا عليهم صلواتهم.

* * *

١٨٥٨ ـ الصلاة صدقة عن كل أعضاء الجسم

فى الحديث عن عائشة ، أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خلق كل إنسان من بنى آدم على ستين وثلاثمائة مفصل ، فمن كبّر الله ، وحمد الله ، وهلّل الله ، وسبّح الله ، واستغفر الله ، وعزل حجرا أو شوكة أو عظما عن طريق الناس ، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر ، عدد تلك الستين والثلاثمائة

٨٩٦

سلامىّ ، فإنه يمشى يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار» ، وقال : «ويجزى من ذلك ركعتان» ـ أى يكفى من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان ، لأن الصلاة عمل جميع أعضاء الجسم ، فإذا صلّى المصلّى ، ولو ركعتين ، فقد قام كل عضو فيه بكل هذه الصدقات ، كقوله تعالى لمريم : (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (آل عمران ٤٣).

* * *

١٨٥٩ ـ ما يجوز من العمل فى الصلاة؟

فى الرواية عن عائشة أنها كانت تنام فى قبلة النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت تمدّ رجليها وهو يصلى ، فكان إذا سجد يغمزها فى رجلها ، فترفعها ، فإذا قام مدّتها. وحكى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا خسفت الشمس ، أنه أثناء الصلاة ، رأى كأنه فى الجنة وهو يأخذ قطفا من العنب ، فجعل يتقدم ، ثم رأى جهنم فجفل يتأخر ، ورأوه فى الصلاة يفعل ذلك. وفى هذا الحديث : «أن المشى القليل لا يبطل الصلاة ، وكذا العمل اليسير» ، كقوله تعالى : (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) (٤٥) (البقرة).

* * *

١٨٦٠ ـ التفكّر أثناء الصلاة

التفكّر أمر غالب لا يمكن الاحتراز منه فى الصلاة ولا فى غيرها ، وفى الحديث عن الشيطان فى الصلاة : «فلا يزال بالمرء يقول له اذكر ما لم يكن يذكر حتى لا يدرى كم صلى» ، وكان عمر يقول : إنى لأجهّز جيشى وأنا فى الصلاة ، وأحسب جزية البحرين ، فكان لذلك يسهو عليه أن يقرأ إلى أن يذكّر ، وفى الحديث : «إذا فعل أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو قاعد» ، كقوله تعالى : (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٩٨) (النحل) ، قيل : قرأت يعنى صلّيت ، فكلما تزاحمت عليه الأفكار فى الصلاة استعاذ بالله.

* * *

١٨٦١ ـ التعجيل بالصلاة

فى الحديث : «خير الأعمال الصلاة فى أول وقتها» ، ولمّا قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أول الوقت رضوان الله ، ووسط الوقت رحمة الله ، وآخر الوقت عفو الله» ، علّق أبو بكر فقال : رضوان الله أحب إلينا من عفوه ، فإن رضوانه عن المحسنين ، وعفوه عن المقصّرين. وفى القرآن : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (١٤٨) (البقرة) : المراد المبادرة بالصلاة وبكل الطاعات أول وقتها. وأول الوقت فى الصبح والمغرب أفضل ؛ وتأخير العشاء أفضل لمن قدر عليه ، وأخّر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ، وكان يستحب تأخيرها ؛ وتأتى الظهر على غفلة من الناس فيستحب تأخيرها قليلا ليتأهبوا ويجتمعوا. وقيل : أول الوقت أفضل فى كل صلاة.

٨٩٧

١٨٦٢ ـ الصبر والصلاة متقارنان

قال تعالى : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (٤٥) (البقرة) فقرن بين الصبر والصلاة ؛ والصبر : هو الحبس فى اللغة ، تقول : صبرت نفسى : أى حبستها ؛ ويقال : فلان صابر عن المعاصى ، وصابر على الطاعات ، وفى التنزيل : (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) (١٠) (الزمر). والصلاة فيها أقوال ، فهى هذه العبادة ، خصّها بالذكر لأن فى الصلاة تربية للنفوس ، والذى يصبر عليها يكون قد صبر على أصعب العبادات ، وأشق الطاعات ؛ والصلاة هى الأفضل والأهم ، فأدخل كذلك الصبر فيها. وقد تكون الصلاة هى الدعاء ، وبالصبر وبالدعاء يستجاب للداعى. وقد يكون الصبر بمعنى الصيام ، والمشهور أن رمضان شهر الصبر ، غير أن الصائم يمنع بعض الشهوات ، والمصلّى يمنع كل الشهوات. والصلاة كشعيرة ـ كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا حزبه أمر فزع إليها ، فالصلاة ملجأ المحزونين ، وملاذ المكروبين ، والصبر على البلاء تقوّيه وتدعمه الصلاة. والصبر والصلاة من أخلاق الأنبياء والصالحين. والصبر هو الرضا بقضاء الله ، وهو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فالإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح ، ومن لا يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان. وخير الصبر : العمل بالشرائع ، والصلاة من العمل : نظير الرأس من الجسد للإنسان.

* * *

١٨٦٣ ـ الصلاة ركعتين للمسلم يقتل صبرا

سنّ ذلك خبيب الأنصارى ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أرسله ضمن رهط سرية عينا ، وجاءته جماعة من هذيل يقال لهم بنو لحيان ، وأسروا خبيبا ، ثم إنهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه فى الحلّ ، فقال لهم : دعونى أركع ركعتين ، فتركوه فركع ركعتين ثم قال : لو لا أن تظنوا أن بى جزعا من الموت لزدت ، ثم قال : اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبقى منهم أحدا ـ وقتلوه ـ وكان خبيب هو الذى سنّ الركعتين لكل امرئ مسلم يقتل صبرا ، أى فى الأسر.

* * *

١٨٦٤ ـ التأمين هو قول آمين

التأمين من أمّن ، وهو أن يقول آمين amen ، والمصطلح موجود فى اليونانية عن العبرية ، وكذب جولدتسيهر ونولدكه عند ما أرجعا آمين عند المسلمين إلى اليهودية ، وفى اليهودية لا تصريف للكلمة ولا ترد إلا فى نبوءة زكريا ، وفى المزامير ضمن صلوات داود ، فهى ليست من الديانة وكانت إضافتها من بعد ، ويختتم بها النصارى صلواتهم ، وتورد

٨٩٨

الموسوعة اليهودية أن المسلمين نادرا ما يستعملون آمين!! وادعاؤهم من باب التشنيع ، لأن الصلاة عند المسلمين لا بد فيها من الفاتحة ، ولا تقال الفاتحة إلا وتختتم بآمين ، وتقال جهرة خلف الإمام ، وهى فى الديانات الثلاث دعاء بمعنى «اللهم استجب» ، ولم يذكر فى اليهودية ولا النصرانية أن آمين واجبة كما فى الإسلام ، وفى الحديث : «إذا أمّن الإمام فأمّنوا» وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا قرأ «ولا الضالين» قال : «آمين» ، يرفع بها صوته فيرددونها خلفه حتى يرتج بها المسجد. وفى الحديث : «ما حسدتكم اليهود على شىء ما حسدتكم على السلام والتأمين» أخرجه ابن ماجة ، وفى رواية أخرى بزيادة : «فأكثروا من قول آمين».

* * *

١٨٦٥ ـ الشّفع والوتر

الشفع : الاثنان ؛ والوتر بكسر الواو أو فتحها : الفرد ؛ والصلاة فيها شفع ، ومنها وتر. وفى التنزيل : (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) (٣) (الفجر) ، فالفجر : هو الصبح ، والليالى العشر : هى عشر النحر ، والوتر : يوم عرفة ؛ والشفع : يوم النحر. وفى الحديث : «الشفع : يوم عرفة ، ويوم النحر ؛ والوتر ليلة ويوم النحر» ذكره السيوطى وابن كثير. ثم إن الشفع خلقه تعالى ، قال : (وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً) (٨) (النبأ) ، وقال (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) (٤٩) (الذاريات) ، فالكفر يقابله الإيمان ، والشقاوة تقابلها السعادة ، والموت تقابله الحياة ، والصيف يقابله الشتاء ، وكذلك السماء والأرض ، والجن والإنس إلخ ؛ وأما الوتر فهو الله عزوجل ، قال : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ) (٢) (الإخلاص) ، فهو وتر يعنى واحدا ، وفى الحديث : «الله وتر يحب الوتر». والشفع فى الصلاة : الصبح ؛ والوتر : صلاة المغرب ؛ وأيضا الشفع فى صلاة المغرب ركعتان ، والوتر ركعة واحدة هى الثالثة. وفى الحج الشفع يوما منى ، الحادى عشر والثانى عشر ، وأما الثالث عشر فهو وتر. والقرن بين الحج والعمرة ، أو التمتع بالعمرة إلى الحج ، شفع. والوتر الإفراد فيه. والشفع عشر ذى الحجة ، والوتر أيام منى الثلاثة. والشفع آدم وحواء ، فكان آدم فردا فشفع بزوجته حواء ، فصار شفعا بعد وتر. وأيضا آدم وحواء شفع ، والله تعالى وتر. والشفع فى الجنة درجاتها الثمانى ، والوتر فى النار دركاتها السبعة. والشفع الصفا والمروة ، والوتر الكعبة. والشفع الأيام والليالى ، والوتر يوم القيامة لأنه لا ليلة بعده. وأوصاف المخلوقين شفع ، ففيها العز والذل ، والقدرة والعجز ، والقوة والضعف ، والعلم والجهل ، والحياة والموت ، والبصر والعمى ، والسمع والصمم ، والكلام والبكم. والوتر انفراد صفات الله ، فالعز بلا ذل ، والقدرة بلا عجز ، والقوة بلا ضعف ، والعلم بلا جهل ، والحياة بلا موت ، والبصر بلا عمى ، والكلام بلا خرس ، والسمع بلا صمم. والعدد كله لا يخلوا من شفع ووتر. والشفع مسجدا مكة

٨٩٩

والمدينة ، والوتر مسجد بيت المقدس. وهكذا فى كل شىء ، والكون جميعه له هذه الهندسة المعمارية الواحدة ، والأعداد والموجودات هذه فلسفتها فى القرآن. وليس من ذلك شىء فى التوراة ولا فى الأناجيل.

* * *

١٨٦٦ ـ صلاة الليل وصلاة الوتر

الوتر ركعة واحدة ، وفى الحديث : «صلّ ركعة واحدة» ، ولما سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن صلاة الليل قال : «صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما صليت». ويسلّم بين الركعتين والركعة فى الوتر ، وصلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلاة الليل ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم أوتر ، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فخرج يصلى الصبح. وفى رواية عائشة أنّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلى بالليل إحدى عشرة ركعة ، يسلّم من كل ركعتين ، ثم يركع ركعتين قبل صلاة الفجر. وعن ابن عمر : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ؛ ومعنى مثنى أن تسلّم من كل ركعتين ، والسلام بين كل ركعتين أخف على المصلى من الأربع فما فوقها ، إذ قد يقضى بينها ما يعرض له من أمور مهمة وحوائج عاجلة. ويستدل من ذلك أن النافلة لا تقل عن ركعتين إلا الوتر. وفى الحديث : «الصلاة خير موضوع ، فمن شاء استكثر ومن شاء استقل» ، والذى اختاره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لصلاة الليل مثنى مثنى ، وعن ابن عمر : من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا ، فإذا جاء الفجر ذهب كل صلاة الليل والوتر ، ومن نسى الوتر أو نام عنه فليصله إذا ذكره. والوتر لا يفتقر إلى نية ، ولا ينبغى لأحد أن يتعمد تركه. وفى رواية عائشة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا نام من الليل من وجع أو غيره ، فلم يقم من الليل ، صلّى من النهار ثنتى عشرة ركعة. وفى الحديث : «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا» ، والوتر ركعة واحدة ، وكانت عائشة وابن عباس يكرهان الوتر بثلاث ، وقيل إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يوتر بثلاث ، وأوتر بعضهم بخمس ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوتر كل الليل ، وانتهى وتره إلى السّحر وهو أول الفجر. والوتر من العشاء إلى طلوع الفجر. وتجوز صلاة الوتر على الدابة ، يعنى فى السفر. والمغرب وتر النهار ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقنت ـ أى يدعو ـ فى المغرب والفجر.

* * *

١٨٦٧ ـ صلاة الوتر

الوتر سنّة مؤكدة ، فإن فات قضاه ، وإن شاء لم يقضه. والوتر آكد من ركعتى الفجر. ووقته : ما بين العشاء وطلوع الفجر الثانى ؛ ولو أوتر قبل صلاة العشاء لم يصح ، وإن

٩٠٠

أخّره حتى يطلع الصبح فات وقته وصلاه قضاء ، والأفضل فعله فى آخر الليل ، فإن خاف أن لا يقوم من آخر الليل استحب أن يوتر أوله ، وأى وقت أوتر من الليل بعد العشاء أجزأه. وركعات الوتر تصحّ واحدة ، أو ثلاثا ، أو خمسا ، أو سبعا ، أو تسعا ، أو إحدى عشرة ، والأشهر أنها ثلاث ركعات ؛ وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا فى آخرهن ؛ وإن أوتر بسبع جلس عقيب السادسة وتشهّد ولم يسلّم ، ثم يجلس بعد السابعة فيتشهّد ويسلّم ؛ وإن أوتر بتسع ، لم يجلس إلا عقب الثامنة فيتشهّد ، ثم يقوم فيأتى بالتاسعة فيتشهد ويسلّم ، وإن أوتر بإحدى عشرة سلّم من كل ركعتين. ويستحب أن يقرأ فى صلاة الوتر ، فى الركعة الأولى بسبّح ، وفى الثانية بقل يا أيها الكافرون ، وفى الثالثة بقل هو الله أحد ، وإن قرأ معها المعوذتين فحسن. ويسن القنوت فى الوتر ، وفى الركعة الأخيرة بعد الركوع ، ويصحّ القنوت قبل الركوع بشرط التكبير قبله وبعده ، ويستحب بعد صلاة الوتر أن يقول المصلى : «سبحان الملك القدوس» ـ ثلاثا. ومن أوتر من الليل ثم قام للتهجّد فالمستحب أن يصلى مثنى ولا ينقض وتره. ونقض الوتر : أن يصلى من أول التهجّد ركعة تشفع الوتر ، ثم يصلى مثنى ، ثم يوتر من آخر التهجد ، وتجوز الصلاة ركعتين بعد الوتر.

* * *

١٨٦٨ ـ صلاة الجماعة

فى قوله تعالى : (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (٤٣) (البقرة) أن الصلاة تقتضى المعية والجمعية ، ولم يكن الأمر بالصلاة أولا يقتضى شهود الجماعة ، فأمروا بقوله تعالى «مع» أن يشهدوا الجماعة ، وهى من السنن المؤكدة ، وأوجبها البعض فرضا على الكفاية ، فالمساجد لا يجب أن تتعطل من الجماعات ، فإذا امتلأت المساجد فصلاة الفرد فى بيته جائزة ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ (يعنى الفرد)» ، وقوله : «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده» ، وقوله : «لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد». والاجتماع من سنن الهدى ، وتركه ضلال ، وأفضل الجماعة ما كانت فى المسجد ، والاثنان فما فوقهما جماعة. وفى الحديث : «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كثر فهو أحبّ إلى الله». ومن صلّى صلاة مع جماعة فليس عليه أن يعيدها لو تواجد مع جماعة أخرى ؛ وإذا صلّاها فهى له نافلة. وفى الحديث : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا فى القراءة سواء ، فأعلمهم بالسنّة ، فإن كانوا فى السنّة سواء ، فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا فى الهجرة سواء ، فأقدمهم إسلاما ، ولا يؤمّنّ الرجل الرجل فى سلطانه ، ولا يقعد فى بيته على تكرمته إلا بإذنه» ، والتكرمة هى السجّادة. وإقامة الصغير جائزة إذا كان قارئا ، ويجوز للمرأة إذا كانت حافظة للقرآن أن تقرأه فى إمامة الرجل حتى إذا

٩٠١

انتهت كبّر هو ورجع وسجد وهى خلفه تصلى ، وكانت أم ورقة بنت عبد الله تؤم أهل دارها ، ولا تجوز الصلاة خلف أئمة الجور ، ولا أهل البدع ولا الفاسق ، وفى الحديث : «إن سرّكم أن تزكّوا صلاتكم فقدّموا خياركم». والإمام ليؤتم به ، وفى الحديث : «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم. ليلنى منكم أولوا الأحلام والنّهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم». وليست الجماعة شرط لصحة الصلاة ، ويباح حضور النساء مع الرجال ، ويعذر بترك الجماعة : مدافعة الأخبثين ، وعند حضور الطعام وهو جائع تتوق له نفسه ، وفى حالات المرض ، وعند الخوف ، وفى المطر المنهمر ، والعواصف ، وأن يغلبه النعاس. ولا يشترط المسجد لصلاة الجماعة ، وتجوز فى البيت ، وفى الصحراء ، وفى المصنع. وأفضل المساجد ما كان يستوعب أكبر عدد من المصلين ، والمسجد الأبعد ، والأولى الأقرب. ومن صلى منفردا ، ثم أدرك الصلاة نفسها فى جماعة ، يستحب له إعادتها معهم ، والصلاة المعادة نافلة.

* * *

١٨٦٩ ـ ما تسنّ له الجماعة

التطوّعات قسمان ، أحدهما : ما تسنّ له الجماعة : وهو صلوات الكسوف ، والاستسقاء ، والتراويح ؛ والثانى : ما يفعل على انفراد ، وهو قسمان : سنّة معينة كالسنن النوافل ، ونافلة مطلقة.

* * *

١٨٧٠ ـ تسوية الصفوف فى الصلاة

كان الناس يصلون متبدّدين ، فأنزل الله الآية : (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) (١٦٥) (الصافات) ، فأمرهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يصطفوا لربّهم فى الأرض ، كما تصطف الملائكة لربّها فى السماء ، وقال : «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها» ، وسأله الصحابة : وكيف يصفّون؟ قال : «يتمّون الصفوف الأول ويتراصّون فى الصف» أخرجه مسلم. وتسوية الصفوف : يعنى اعتدالها واستواءها ؛ والصف الأول فى الصلاة أفضلها بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ولو يعلمون ما فى الصف المقدّم لاستهموا» والمراد من سبق إلى الصلاة ، بدخول المسجد ، والجلوس بالقرب من الإمام ، والاستماع لقراءته ، والتعلّم منه ، وأن يأمن اختراق المارة بين أيدى المصلين ، وسلامة البال من رؤية من يكون قدّامه ، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين. وفى الحديث : «وأقيموا الصف فى الصلاة ، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة» ، وفيه : «سوّوا صفوفكم ، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة». فكل ذلك واجب ومن ترك واجبا فهو آثم ، ومن لا يتم الصفوف يأثم ، وكان الناس زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يلزقون

٩٠٢

مناكبهم بمناكب أصحابهم ، وأقدامهم بأقدامهم ، وفى الحديث : «والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم».

* * *

١٨٧١ ـ النساء لا يصفون مع الرجال

أصل ذلك ما يخشى من الافتتان بالنساء ، ولو كانت امرأة واحدة لصحّ أن تشكّل صفّا وحدها ، ولا مخالفة للحديث : «لا صلاة لمنفرد خلف الصّف» فهو مختص بالرجال ، وتسوغ صلاة المرأة المنفردة خلف الصّف ولا تسوغ صلاة الرجل المنفرد ، ولا يقاس الرجل بالمرأة ، ولا يقال إن ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى ، فإنما ساغ ذلك لامتناع أن تصف المرأة مع الرجال ، بخلاف الرجل فإن له أن يصف معهم وأن يزاحمهم.

وإذا صلّت امرأتان ، فإن المأمومة تقف إلى يمين الإمامة. وإن صلّت امرأة واحدة مؤتمة برجل وليس معها آخرون ، لم تقم عن يمينه ولكن خلفه ؛ وإن صلّت ومعها رجل وصبى ، قام الرجل والصبى خلف الإمام والمرأة خلفهما. وإن صلّت ومعها رجل ، صلّى الرجل عن يمين الإمام والمرأة خلفهما ، وإن كان الرجل من محارمها ، فلها أن تقف معه والصبى عن يمين الإمام أو وراءه. وتصلى النساء على الميت جماعة ، وإمامتهن وسطهن.

* * *

١٨٧٢ ـ المرأة تصلى فى المساجد

الواجب على المرأة أن تصلّى وقد غطت بدنها ورأسها ، وصلاتها فى بيتها وفى المساجد ، وفى الحديث : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ، وكانت النساء يصلين مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلاة الفجر متلفعات ، والتلفّع بتغطية الرأس.

١٨٧٣ ـ الصلاة فى النعال والخفاف

كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلى فى نعليه وخفّيه ويقول : «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا خفافهم» ، وذلك من الرخص ومحمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة ، وإذا تعارض الاثنان قدّمت مراعاة إزالة النجاسة لأنها من باب دفع المفاسد. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا توضأ يمسح على نعليه أو خفيه ثم يصلى.

* * *

١٨٧٤ ـ الإيجاز فى الصلاة وإكمالها

كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ برواية أنس ـ يوجز الصلاة ويكملها. ومن أوجز وأتمّ لا يشكى منه تطويل فى الصلاة ، وفى الحديث : «أيها الناس ، إن منكم منفّرين ، فمن أمّ الناس فليتجوّز ،

٩٠٣

فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة» أخرجه البخارى ، وممن كان يشكى منه التطويل : معاذ بن جبل ، قال عنه جابر : أنه أمّهم فى العشاء فقرأ عليهم بالبقرة!!

* * *

١٨٧٥ ـ قراءة الفاتحة واجبة

فى الحديث : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ، والمعنى وجوب القراءة فيما يجهر فيه ويخافت من الصلوات ، فلا يختص الوجوب بالسرية دون الجهرية. وأما حديث : «من صلى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة» فهو ضعيف ، وفى الرواية أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثقلت عليه القراءة فى الفجر ، فلما فرغ قال : «لعلكم تقرءون خلف إمامكم»؟ قالوا : نعم. قال : «فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». وأمّ القرآن لا بد منها. وقيل : الفاتحة تتحتم على من يحسنها ، ومن لا يحسنها يقرأ بما تيسر عليه ، وإلا انتقل إلى الذكر.

* * *

١٨٧٦ ـ الجهر والمخافتة فى الصلاة

تخافت قراءة صلوات الظهر والعصر ، ويجهر بقراءة المغرب والعشاء والصبح ، ويجهر الإمام والمأموم بالتأمين.

١٨٧٧ ـ الصلاة بعد العودة من السفر

كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه صلاة القدوم ، وليست هى صلاة تحية المسجد التى أمر الداخل إليه أن يأتيها قبل أن يجلس.

١٨٧٨ ـ القصر فى الصلاة

يقال قصرت الصلاة قصرا ، وقصّرتها تقصيرا ، وأقصرتها إقصارا ، والأول أشهر ، والمراد به تخفيف الرباعية إلى ركعتين ؛ ولا تقصير فى صلاة الصبح ، ولا فى صلاة المغرب ؛ ويجوز القصر فى كل سفر مباح ؛ وصلّى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على راحلته حيث توجّهت به ، وكان يصلى التطوّع وهو راكب فى غير القبلة ويستقبل بوجهه ما استقبلته الراحلة ؛ وكان ابن عمر يصلى فى السفر على راحلته ، أينما توجهت يومئ ، إلا الفرائض ، كقوله تعالى : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (١١٥) (البقرة) ؛ وقد جعل الله التيمم رخصة للمريض والمسافر ؛ وجمع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى السفر بين المغرب والعشاء ، وجمع بين صلاتى الظهر والعصر ؛ وصلى جالسا وأجاز صلاة المضطجع ، أو على جنب للمرض ، وإن شاء المريض صلى ركعتين قائما وركعتين قاعدا. والقصر سنّة للرجال والنّساء فى غير الخوف ، ولا يوجد فى القرآن عن قصر الصلاة فى السفر ، وأما عن القصر فى الخوف مع السفر فبالقرآن والسنّة ، فى قوله تعالى : (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ

٩٠٤

يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (١٠١) (النساء) ، ولم يبح القصر فى القرآن إلا مع هذين الشرطين : السفر والخوف ، ثم قال تعالى : (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (١٠٣) (النساء) ، يعنى فأتوها بأركانها وبكمال هيئتها فى السفر ، وبتمام عددها فى الحضر كما قال : (كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) (١٠٣) (النساء) ، أى مؤقتة مفروضة. وقد أتمّت السيدة عائشة وكانت تصلى فى السفر أربعا. وفى السنّة قيل إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قصر فى صلاة السفر دون خوف ، من أربع إلى اثنتين ، إلا المغرب ، مع أن ذلك خلاف ما يقول القرآن ، وفيه أنه عند الاطمئنان تكون الصلاة المعهودة ، وقيل إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقصر فى كل أسفاره آمنا ، وقيل : كان ذلك سنّة مسنونة منه زيادة فى أحكام الله ، كسائر ما سنّه مما ليس له فى القرآن ذكر ، وقال فى ذلك : «تلك صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» أخرجه مسلم. وقيل : تقصر الصلاة فى كل سفر طويل أو قصير ، والإجماع على أن القصر فى السفر فى الجهاد والحج والعمرة ، وما ضارعها كالتجارة ونحوها ، ولا قصر فى سفر متعة ، أو سفر معصية ، لأن التخفيف شرّع فى سفر المشقات ، لقوله : (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) (النساء ١٠١). ويذهب البعض إلى القصر حتى يرجع المسافر إلى وطنه.

* * *

١٨٧٩ ـ صلاة التطوّع

التطوّع بالشىء هو التبرّع به ، والمتطوّع هو المتنفّل الذى يأتى ما يزيد على الفرض والواجب. وصلاة التطوع هى صلاة نافلة ، وتصلّى فى الليل والنهار مثنى ، يسلّم من كل ركعتين ، فإن تطوّع فى النهار خاصة بأربع فلا بأس. ولا يزاد فى الليل على اثنتين ، ولا فى النهار على أربع ، ولا يصحّ التطوع بركعة ، ولا ثلاث. ويجوز للمتطوّع أن يصلى جلوسا ، والقيام أفضل ، وإذا تطوّع جالسا فيستحب له أن يكون فى حال القيام متربعا ، ويثنى رجليه فى الركوع والسجود ، هو مخيّر فى الركوع والسجود ، إن شاء ركع وسجد وهو قاعد ، وإن شاء قرأ قاعدا ، ثم قام فركع ، ثم سجد. وأفضل أوقات التطوع يكون بالنوافل المطلقة ، وتشرع فى الليل ، وفى النهار فيما سوى أوقات النهى. وتطوّع الليل أفضل من تطوّع النهار. ويستحب لكل مسلم أن تكون له تطوعات يداوم عليها فإذا فاتت يقضيها. والأوقات المنهى عن التطوع فيها خمسة : من الفجر إلى طلوع الشمس ؛ ومن طلوعها إلى ارتفاعها ، وحال قيامها ، ومن العصر إلى شروع الشمس فى الغروب ؛ والوقت الخامس من حين شروع الشمس فى الغروب إلى أن تغرب. والتطوع فى البيت

٩٠٥

أفضل ، لأنه أقرب إلى الإخلاص ، وأبعد عن الرياء. ومن التطوع ما تسن له الجماعة كصلوات التراويح ، والاستسقاء ، والكسوف ، ومنه ما يؤدّى على انفراد ، وهذا الأخير منه السنّة المعينة كالسنن والرواتب ، كالركعتين قبل الفجر وبعد المغرب. وكان أكثر تطوعه صلى‌الله‌عليه‌وسلم منفردا. ويستحب مع السنن الرواتب التطوع قبل الظهر وبعده بأربع ركعات ، وأربع قبل العصر ، وأربع بعد المغرب ، وأربع بعد العشاء. ويستحب الدعاء فى صلاة التطوع ، ويجوز فيها الخروج بتسليمة واحدة. ويسنّ للإمام الانتقال من مكانه إذا أراد التطوّع. ويسن لمن يدخل المسجد أن يصلى ركعتين قبل جلوسه تحية للمسجد. ويستحب لمن حجّ أن يدخل الكعبة فيكبّر فى نواحيها ويصلى ركعتين ويدعو الله ، وأن يصلى بعد الطواف ركعتين ، يكررهما بعد كل طواف ، وبعد أن يفرغ من الأشواط السبعة الأولى ثم الثانية. وتباح صلاة التطوع فى السفر على وسيلة المواصلات أيا كانت ، سواء كانت سيارة أو قطارا أو طائرة ، أو حتى راحلة ، وتكون قبلة المصلى حيثما اتجهت الوسيلة التى يركبها ، ويومئ المصلى بالركوع والسجود ، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه ، ولو اضطر إلى النزول أو الصعود أثناء الصلاة فعل. ويباح للماشى أن يصلى وهو يمشى ، وعليه أن يستقبل القبلة فى افتتاح الصلاة ثم ينحرف إلى جهة سيره ، ويقرأ وهو ماش ، ويومئ فى الركوع والسجود.

* * *

١٨٨٠ ـ صلاة النافلة هى صلاة التطوّع

كصلاة السنّة الراتبة ، وصلاة الضحى ، وصلاة قيام الليل ، وصلاة الوتر. والنافلة المعينة : كصلاة الكسوف ، والاستسقاء ، والتراويح ، والوتر. والسنن الرواتب : شرطها نية التعيين ، والنافلة المطلقة : كصلاة الليل ، يجزئ فيها نية الصلاة لا غير.

* * *

١٨٨١ ـ صلاة التراويح

التراويح جمع ترويحة ، وهى فى الأصل اسم للجلسة مطلقا ، ثم سميت بها الجلسة التى بعد أربع ركعات فى ليالى رمضان لاستراحة الناس بها ، ثم سمّى كل أربع ركعات ترويحة. والتراويح اسم لعشرين ركعة فى ليالى رمضان ، وحكمها قيام رمضان ، وهى سنة مؤكدة استنها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ونسبت إلى عمر لأنه جمع الناس على أبىّ بن كعب. والأفضل أن تصلّى التراويح جماعة ، ويختلف عدد ركعاتها ، والمختار أنها عشرون ركعة ، والأمر فى العدد على ما يحتمله الناس ، ويقرأ فيها القرآن ، والمستحب أن يختم ، ليسمع

٩٠٦

كله ولو مرة فى السنة لأكبر عدد من الناس ، فإذا ختم رفع الإمام يديه قبل أن يركع ودعا وأطال القيام ، ويدعو بما يشاء. (انظر أيضا باب الصيام).

* * *

١٨٨٢ ـ صلاة الكسوف

قيل : الكسوف والخسوف واحد ، تقول كسف الله الشمس أو القمر أى حجبهما ، وكسوف الشمس احتجابها بالنهار لحلول القمر بينها وبين الأرض. ويقال خسف القمر أى ذهب ضوؤه ، والمشهور بين أهل العلم والفقهاء أن الكسوف للشمس ، والخسوف للقمر ، وفى التنزيل : (فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ) (٨) (القيامة). ومدلول الكسوف غير مدلول الخسوف ، لأن الكسوف : التغير إلى سواد ؛ والخسوف : النقصان ؛ فإذا قيل فى الشمس كسفت أو خسفت ، فذلك لأنها تتغير ويلحقها النقص ، وكذلك القمر ، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان. وفى التنزيل إشعار بأن الخسوف للقمر ، فيكون الكسوف للشمس. وصلاة الكسوف لكسوف الشمس والقمر ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى وجماعة المسلمين فى كسوف الشمس ، وفى قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فإذا انكسف أحدهما» ، وقوله : «أيهما انكسف» : أن صلاة الكسوف مندوبة فى كسوف القمر كما هى مندوبة فى كسوف الشمس ، وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى فى كسوف الشمس والقمر ركعتين ، وقيل : لم ينقل أنه صلى فى كسوف القمر فى جماعة ، وفى الرواية أن القمر خسف فى السنة الخامسة ، فصلّى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأصحابه صلاة الكسوف ، وكانت أول صلاة كسوف فى الإسلام. وأما كسوف الشمس فكان فى السنة العاشرة من الهجرة ، وقيل : وقع ذلك فى ربيع الأول فى عاشر الشهر أو رابع عشرة لمّا مات ابنه إبراهيم. وصلاة كسوف الشمس جهرية ، ولا وقت لها ، وهى بطبيعة الحال بالنهار ، وتؤدّى قبل انجلاء الشمس ، بينما صلاة كسوف القمر بالليل ، وكانوا قد قالوا إن الشمس كسفت حزنا على موت إبراهيم ابن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلمّا انجلت خطب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «إن الناس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء ، وليس كذلك» ، ونزلت الآية : (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَ) (٣٧) (فصلت) ، فنبّه التنزيل ونبّهت السنّة ، إلى بطلان هذا الاعتقاد ، وهو كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى صلاة الاستسقاء : «يقولون مطرنا بنوء كذا» ، يعنى أن ينسبوا المطر للرياح وليس لله ، وكانوا فى الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغيّر فى الأرض من موت أو ضرر ، فأعلمهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن الشمس والقمر مسخّران لله ليس لأحد سلطان عليهما ، ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما ، وفى الحديث : «ولكن الله

٩٠٧

تعالى يخوّف بهما عباده» ، وهذه العبارة وردت زائدة لا أصل لها ، لأنه بحسب كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وباعتبار ما جاء فى التنزيل ، فإن الكسوف أمر عادى لا يتأخر ولا يتقدم ، وهو ظاهرة كظاهرة المدّ والجزر ، ولا يعقل والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرف ذلك أن يقوم فزعا كما تقول الرواية ، مخافة أن تكون الساعة ، فإذا كان الكسوف يقع كظاهرة فلم الفزع؟ ولم الأمر بالصلاة والدعاء والصدقة والذكر؟ والشمس لا تنكسف فى الحقيقة ، ولا القمر ينخسف ، وإنما فى الكسوف يحول القمر بينها وبين أهل الأرض. والغزالى استشكل صلاة الكسوف ، وقال : إنها لم تثبت ، فيجب تكذيب ناقلها. والذى يؤكده علماء الفلك أن قوله فى الحديث : «يخوّف الله بهما عباده» أى كسوف الشمس والقمر ، ليس بشيء ، لأن الكسوف والخسوف من أفعال الله فى الكون مثل تغاير الليل والنهار. وعلى أى الأحوال فإن صلاة الكسوف ـ كما هو شائع ـ ركعتان مثل الصبح ، والمشهور أنه لا خطبة لها ، وما قاله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيها ـ كما قيل ـ لم يقصد به خطبة بخصوصها ، وإنما أراد أن يبين لهم الردّ على من يعتقد أن الكسوف إنما لموت بعض الناس. والصلاة فيها جامعة. وفى التنزيل والأحاديث إشارة إلى تقبيح من يعبد الشمس أو القمر. وقد أطال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى القراءة والركوع والسجود ـ كما قيل ـ حتى تنجلى هذه الظاهرة ، وليتأكد أنها انجلت ، وإذا انتهت الركعات يصلّى غيرهما إلى أن تنجلى. والجمهور على أن هذه الصلاة سنّة مؤكدة ، وقيل بوجوبها ، وإذا وقع الانجلاء أثناء الركعة الأولى تكمل الثانية. وفى دعاء هذه الصلاة يستعيذ المصلى من عذاب القبر ، ومناسبة ذلك أن الكسوف ظلمة النهار وتشابه ظلمة القبر وإن كان نهارا ، والشيء بالشىء يذكر ، فيخاف من هذا كما يخاف من هذا ، فيحصل الاتّعاظ ، وتشارك النساء فى الصلاة وكانت عائشة من المشاركات ، والسنّة فى هذه الصلاة أن تصلّى بالمسجد ، وإلا لكانت صلاتها فى الصحراء أجدر برؤية الانجلاء. غير أن المهم أن نعرف أن صلاة الكسوف لم تثبت ، وأن الكسوف والخسوف ظاهرة كونية لا ينبغى أن نحفل بها كسواد ولكنها تهم العلماء.

* * *

١٨٨٣ ـ صلاة الآيات

المراد بالآيات : كسوف الشمس ، وخسوف القمر ، والزلازل ، وكلّ مخوّف سماوى ، كالريح العاتية ، والظلمة فى أول النهار. وقيل : هى بدعة ولا بأس بها.

* * *

١٨٨٤ ـ صلاة الاستسقاء

الاستسقاء لغة : طلب سقى الماء من الغير للنفس أو للغير ؛ وشرعا : طلبه من الله عند

٩٠٨

حصول الجدب على وجه مخصوص. والمطر ظاهرة مناخية تحدث بحسب اعتبارات مناخية مضبوطة هيّأها الله تعالى أسبابا. والظواهر الكونية لا يتحكم فيها أحد بالدعاء. وصلاة الاستسقاء لم تثبت فى حقّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومع ذلك قال بها البعض ، ونسبوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشأنها الأحاديث. والشائع أنه يستحب الخروج لهذه الصلاة ، وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم شرع الدعاء بالاستسقاء للمؤمنين ، وكذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين لصالح المؤمنين. والمصلّى ليس بشرط فى الاستسقاء ، لاجتماع عدد غفير من الناس لا يستوعبهم. وبنزول المطر قد تكون هناك رياح وعواصف ، وقد تصحبه الزلازل ، فيستحسن الدعاء فى صلاة الاستسقاء : «اللهم إنى أسألك خير ما أمرت به ، وأعوذ بك من شرّ ما أمرت به». ولمّا نزل المطر عقب الصلاة قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هل تدرون ما ذا قال ربّكم»؟ قال : «أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر ، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى كافر بالكوكب ، وأما من قال بنوء كذا وكذا فذلك كافر بى مؤمن بالكوكب». وقيل : مطر الناس على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأنزلت هذه الآية : (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (٨٢) (الواقعة) ، والمعنى تجعلون الرزق الذى وجب عليكم به الشكر تكذيبكم بالله ، وتنسبون المطر إلى النّوء ؛ وكانوا لا يقولون «أمطرنا الله» وإنما قالوا : «مطرنا بنوء الشعرى. والمطر لا يفعله ويعلم بمجيئه إلا الله ، وفى الحديث : «خمس لا يعلمهن إلا الله ...» منها «وما يدرى أحد متى يجيء المطر». وقيل : صلاة الاستسقاء سنّة مؤكدة ثابتة ، والاستسقاء ثلاثة أنواع : استسقاء بأن يدعو الناس الله لإنزال المطر فى أعقاب كل صلاة وفى الخلوات ؛ واستسقاء بأن يدعو الإمام يوم الجمعة على المنبر ويؤمّن الناس ؛ واستسقاء بالصلاة. وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين ، ولا تفعل فى الأوقات المنهى عنها ، ولا أذان لها ولا قيام ، وإنما ينادى لها : «الصلاة جامعة». وتكون الصلاة فى وقت الجدب واحتباس المطر ، ويستحب أن يخرج لها كافة الناس ، إلا غير المسلمين ، فإن خرجوا فلا بأس. وإن تأهبوا للخروج فسقط المطر قبل خروجهم ، لم يخرجوا وشكروا لله ، وإن خرجوا فمطروا قبل الصلاة شكروا وحمدوا ودعوا. وهى ركعتان ، ويكبّر فيها كتكبير العيد سبعا فى الأولى ، وخمسا فى الثانية. وقيل لا يكبّر ، ويجوز كل ذلك ، ويسن الجهر بالقراءة ، وتعقبها خطبة أو أن الخطبة قبل الصلاة ، أو أنه لا خطبة بل دعاء وتضرّع. ويستحب الدعاء فى الخطبة وأن يؤمّن الناس ، ويستحب للإمام أن يبدأها : اللهم أمرتنا بدعائك ، ووعدتنا إجابتك ، فقد دعوناك كما أمرتنا ، فاستجب لنا كما وعدتنا. اللهم فامنن علينا بمغفرة ذنوبنا وإجابتنا فى سقيانا وسعة أرزاقنا ـ ثم يدعو بما يشاء. ويستحب له أن يحوّل رداءه ، أى يقلبه فيجعل ما على اليمين على اليسار

٩٠٩

وبالعكس ، ويفعل ذلك المأمومون طلبا لتغيير الحال. وإن تأخر المطر مع ذلك فتعاد الصلاة فى اليوم الثانى ، والثالث وهكذا. فإن سقط المطر غزيرا يضرّهم دعا الناس : اللهم حوالينا ولا علينا.

* * *

١٨٨٥ ـ صلاة الاستخارة

فى الحديث : «إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إنى أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علّام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى فى دينى ومعاشى وعاقبة أمرى ـ أو قال : فى عاجل أمرى وآجله ـ فاقدره لى ، ويسّره لى ، ثم بارك لى فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لى فى دينى ومعيشتى وعاقبة أمرى ـ أو قال : فى عاجل أمرى وآجله ـ فاصرفه عنى واصرفنى عنه ، وقدر لى الخير حيث كان ، ثم رضّنى به» ، ويسمّى حاجته.

* * *

١٨٨٦ ـ صلاة التوبة

عن علىّ بن أبى طالب ، عن أبى بكر قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهّر ، ثم يصلّى ركعتين ، ثم يستغفر الله تعالى ، إلا غفر له» ، ثم قرأ : (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (١٣٥) (آل عمران).

* * *

١٨٨٧ ـ صلاة الخوف

القصر فى الصلاة بحسب القرآن لا يحل إلا أن تخاف : (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ) (١٠١) (النساء) ، فهذه الآية تبيح أن تصلى ركعة لا تزيد عليها شيئا ، وقد صلّى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الغزوات ركعة لكل طائفة ولم يقضوا بعدها ، وروى ذلك النسائى والبخارى وأبو داود. وقيل : المراد بالقصر فى صفة الصلاة ترك الركوع والسجود إلى الإيماء ، وترك القيام إلى الركوع. وقيل : الآية تبيح فى حالة الحرب والخطر القصر من حدود الصلاة وهيئتها ، فيصلى المصلى إيماء برأسه ، ويصلى ركعة واحدة حيث توجّه ، وهذا يعادل قوله : (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (١٠٣) (النساء) ، أى أقيموها بحدودها وهيئتها كاملة. والقصر فى غير الحرب سنّة إذا أمن الناس بقول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه : «صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا الصدقة» أخرجه مسلم. وقيل : ليس شرطا الضرب فى الأرض والسفر ، فإذا جاء الغزاة وحورب المسلمون فى ديارهم ، فتجوز صلاة الخوف ، فليس شرطا السفر والخوف معا. وقيل : الآية تبيح القصر للخائف من العدو ، فمن كان

٩١٠

آمنا وعلى سفر فلا قصر له. وعن عائشة أنها كانت تقول فى السفر : أتموا صلاتكم. فقالوا لها : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقصر ، فقالت : إنه كان فى حرب ، وكان يخاف. وهل أنتم تخافون؟

* * *

١٨٨٨ ـ كيفية صلاة الخوف

آية صلاة الخوف هى الآية : (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) (١٠٢) (النساء) ، وكانت سببا فى إسلام خالد بن الوليد ، وتتصل بما قبلها عن الجهاد ، وفيها بيان أن الصلاة لا تسقط أبدا بعذر السفر ، ولا بعذر الجهاد وقتال العدو ، وهى خطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم لأمته من بعده إلى يوم القيامة ، وفيها : أن صلاة الخوف لكل جماعة ركعة واحدة ، وقد صلّاها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى عشرة مواضع ، وقيل : صلّاها أربعا وعشرين مرة ، وكيفيتها : أن يقوم الإمام ومعه جماعة من الجند تحرسها جماعة أخرى فى مواجهة العدو ، فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم ، فتحلّ جماعة المواجهة محل جماعة المصلين ، فيكبّرون وراءه ، ويركع بهم ويسجد ثم يسلّم ، وهكذا مع الجماعات كلها. فإذا كان الخوف أكبر من ذلك ، صلّى كل جندى راكبا أو قائما يومئ إيماءة. ولا يهم إن استدبر القبلة أو صلّى قبالتها. وفى قول آخر : أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا حانت الصلاة ، أمرهم أن يأخذوا السلاح ، وصفّهم خلفه صفين ، وركع فركع الصف الأول ، ورفع فرفعوا ، ثم سجد بالصف الثانى والآخرون قيام يحرسونهم ، فكانت صلاة الخوف لهم ركعة ، وفى صلاة المغرب ثلاث ركعات كما هى ، وعند التحام الحرب وشدّة القتال والخوف ، تكون إيماء الصلاة كيفما أمكن ، وكل امرئ لنفسه ، وأينما كانت القبلة ، فإن لم يقدروا على الإيماء أخّروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا فيصلّوا ركعتين ، فإن لم يقدروا صلّوا ركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. ويظل المصلون شاكو السلاح مع المصلين وذلك أهيب للعدو ، وحمل السلاح واجب فى صلاة الخوف لأنه أمر من الله ، إلا لمن كان به أذى ، وهذا الأذى قديما كان المطر ، وتغيّر الآن ، والأذى المنصوص عليه هو الذى لا يمكّنهم أن يحملوا السلاح. وفى هذه الآية أول دليل على تعاطى الأسباب.

* * *

٩١١

١٨٨٩ ـ من لا تجب عليه الصلاة

لا تجب الصلاة على الصحيح : على الصبىّ ، والكافر ، والحائض ، والمجنون ، والمرتد عن الإسلام ، وإذا عاد المرتد إلى الإسلام ، لم يلزمه أن يقضى ما فاته أثناء ردّته.

١٨٩٠ ـ قضاء الصلوات الفوائت

الفوائت المعنية فى الصلاة : هى ما فات المسلم أن يؤديه منها فى وقتها. والفوت من فات أى مضى وانقضى ، تقول : فاته الأمر : يعنى أعوزه وذهب عنه ؛ وفات الشيء : جاوزه. وتقضى الصلاة الفائتة فى ترتيب ، فمن فاتته صلاة الظهر ثم صلاة العصر ، صلّاهما إذا ذكرهما فيقضى الظهر أولا ثم يقضى العصر. ومن دخل فى صلاة ، ثم ذكر أن عليه فائتة ، وخشى خروج وقت الصلاة قبل انقضاء الفائتة وإعادة الصلاة التى هو فيها ، سقط عنه الترتيب بين الفائتة والحاضرة ، ويتم صلاته الحاضرة ثم يقضى الفائتة. والترتيب واجب مع سعة الوقت ، والمصلّى عليه حينئذ أن يصلّى الفائتة أولا ثم الحاضرة. ومن يجهل وجوب الترتيب لا يعذر فى تركه. ومن كانت عليه فوائت وخشى أن تفوته صلاة الجماعة ، فإنه يصلى معهم ويحتسبها فائتة ، ثم يصلى الحاضرة. فإذا كانت الصلاة الحاضرة جمعة بدأ بها ولا يعيدها ، لأنها صلاة يخاف فوتها ، ويصلى الظهر بدلا عنها. والترتيب فى الفوائت شرط فى قضائها. ومن دخل فى صلاة حاضرة ، ثم ذكر أن عليه فائتة ، أكمل الحاضرة نفلا ، ثم يقضى الفائتة ، ثم يعيد الصلاة التى كان فيها. وإذا صلى خلف إمام فإنه يمضى معه فى صلاته ، ثم يعيد الصلاتين ، الفائتة ثم الحاضرة ، وما صلّاه مع الإمام يعدّ نفلا. وإذا كان الذى فاتته صلاة إماما ، وذكر أثناء صلاته أن عليه فائتة ، عليه أن يتم صلاته ثم يقضى الفائتة ، ويعيد الحاضرة ، وتجوز صلاة المأمومين خلفه ، لأن صلاة المفترض تجوز خلف المتنفّل. ولا تجوز صلاة فائتة دون تعيين الصلاة : هل هى ظهر أم عصر؟ ولو نسى صلاة لا يدرى هل هى ظهر أم عصر لزمته صلاتان. ومن كثرت الفوائت عليه يشتغل بقضائها ما لم تلحقه مشقة ، فإن لم يعلم قدر ما عليه فإنه يعيد حتى يتحصّل له اليقين أنه قد أبرأ ذمته. ويجوز قضاء الفرائض الفوائت فى أوقات النهى. ولا يجوز فيها قضاء النوافل والسنن الرواتب ، باستثناء ركعتى الفجر والركعتين بعد الظهر كما كان يفعل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ويستحب قضاء التهجد إذا فات ، ولا يجب القضاء على المرتد ، ويجب على من تفوته الصلاة بإغماء أو نوم أو نحوهما.

* * *

١٨٩١ ـ صلاة الاحتياط

٩١٢

من شك فى صلاته ، أو فى عدد ركعاتها أو غير ذلك ، يمكنه أن يصلى صلاة الاحتياط ، وفيها كل ما يجب فى الصلاة المستقلة ، ولا بد فيها من النّية وتكبيرة الإحرام.

* * *

١٨٩٢ ـ القنوت

يتكرر عن القنوت فى القرآن ثلاث عشرة مرة. والقنوت فى اللغة : الدوام على الشيء ، فجاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا ، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء فى الصلاة ، أو أطال الخشوع والسكون ، فكل هؤلاء يفعلون القنوت ، كقوله تعالى : (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) (٢٣٨) (البقرة) ، قيل طائعين وخاشعين يطول قيامهم ، كقوله تعالى : (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً) (٩) (الزمر) ، والآية تفيد أن القنوت من صفاته الطول ، ولمّا سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أى الصلاة أفضل؟ قال : «طول القنوت». وروى افتراء أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قنت شهرا يدعو على رعل وذكوان. وقيل : كان المسلمون الأوائل فى بداياتهم يكلمون بعضهم البعض فى الصلاة ، ويردّون السلام إذا حيّوا وهم يصلون ، فنهوا عن ذلك ، وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) (٢٣٨) (البقرة) فأمروا بالسكون ، ونهوا عن الكلام. وهناك من ينكر القنوت بدعوى أنهم صلوا خلف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم خلف أبى بكر ، ثم خلف عمر ، فلم يشاهدوا أحدهم يقنت بالطريقة التى صوّروا القنوت بها ، ولم يقنت عثمان. وقيل : القنوت بهذه الطريقة بدعة. وقيل القنوت مستحب إذا نزلت بالمسلمين نازلة ، ويكون فى صلاة الفجر ، وفى سائر الصلوات إذا استدعى الأمر. وقيل : القنوت سنّة. وروى الدارقطنى عن أنس قال : ما زال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقنت فى صلاة الغداة حتى فارق الدنيا. وروى أن جبريل علّم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا القنوت ـ يقول : «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخنع (نخضع) لك ، ونخلع ونترك من يكفرك. اللهم إياك نعبد ، ولك نصلى ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد (نسرع) ، ونرجو رحمتك ، ونخاف عذابك الجدّ ، إن عذابك بالكافرين ملحق». وفى هذا الدعاء المعنى الحقيقى للقنوت وليس ما قالوه عن فعله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إزاء رعلة وزكوان!

* * *

١٨٩٣ ـ صلاة العيدين

العيدان هما عيد الفطر وعيد الأضحى ، وفيهما يحسن التجمّل ، والتجمّل فيهما سنّة ، وكذلك الغناء ، وغنّت لعائشة مغنيتان فى حضور النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولهما مزمار ، وفى ذلك إظهار السرور فى الأعياد وهو من شعار الدين ، وفيه قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لتعلم يهود أن فى

٩١٣

ديننا فسحة. إنى بعثت بحنيفية سمحاء» ، وأطلع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عائشة على الأحباش يلعبون بالحراب. وكان أول ما بدأ به يوم العيد الصلاة ، ثم عاد لينحر ، وكان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل ثمرات قبل أن يخرج من البيت إلى المسجد ، ونهى عن الذبح قبل الصلاة ، وقال فى يوم النحر : «هذا يوم يشتهى فيه اللحم ، إن اليوم أكل وشرب». ومن السنّة أن لا يخرج المسلم يوم الفطر حتى يخرج الصدقة ويطعم شيئا قبل أن يخرج ، ووقع أكل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى العيدين فى الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما ، وإخراج صدقة الفطر يكون قبل الغدو إلى المصلى ، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلى فى الأضحى والفطر ثم يخطب بعد الصلاة ، ولم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر ولا يوم الأضحى. ويستحب التبكير إلى العيد. ويخرج المسلمون فى أيام العشر يكبّرون ، ولا يكون الذبح إلا بعد أن تشرق الشمس ، ولذلك سميت هذه الأيام بأيام التشريق ، فكانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحى ، أى يقدّدونها ويبرزونها للشمس ، والأيام المعدودات فى الآية : (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ) (٢٠٣) (البقرة) هى أيام التشريق ؛ والأيام المعلومات فى الآية : (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ) (٢٨) (الحج) هى أيام العشر. وقيل : المعلومات : الأيام قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة ، والمعدودات : أيام التشريق. وقيل : المعلومات : يوم النحر وثلاثة أيام بعده. والأيام العشر أيام تكبير ، وأيام التشريق أيام أكل وشرب ، ولم يمنع فيها إلا الصيام ، وفيها وقعت محنة الخليل بولده إسماعيل ، ثم منّ عليه الله بالفداء ، فثبت لها الفضل بذلك. وبقية أيام الحج تقع فى أيام التشريق ، كالرمى والطواف وغير ذلك من تتماته. وبعض أيام التشريق هى بعض أيام العشر ، وهو يوم العيد ، وكما أنه خاتمة أيام العشر فهو مفتتح أيام التشريق ، فمهما ثبت لأيام العشر من الفضل شاركتها فيه أيام التشريق. وفى أيام منى كان المسلمون يكبّرون حتى ترتج بتكبيرهم الأسواق ، وكانت النساء يكبّرن فى ليالى التشريق مع الرجال فى المساجد. وكانت بعض النساء يتولين دعوة أخريات للخروج إلى المصلى ، ويخرج الصبيان ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب فى الرجال ، ثم يعظ النساء ويأمرهن بالصدقة ، ولم تكن الحيّض يدخلن المساجد. ويستحب للناس جميعا التكبير فى ليلة العيدين ، فى المساجد والمنازل والشوارع والمركبات ، ويبتدئ التكبير يوم عرفة من صلاة الفجر إلى العصر من آخر أيام التشريق ، وصفة التكبير : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد». والتكبير جماعى وليس منفردا. والأصل فى صلاة العيد الكتاب والسنّة والإجماع ، وهى فرض كفاية ، وتكون فى المصلّى ، وتصحّ فى الطرق عند الزحام ، ووقتها : من ارتفاع الشمس إلى قائم الظهر ، ويسن تقديم صلاة عيد

٩١٤

الأضحى ليتسع وقت التضحية ، وتأخير صلاة الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر. ويستحب التطهّر بالغسل للعيد ، والوضوء يجزئ ، ولبس أحسن الثياب ، والتطيّب والتسوّك ، وتخرج النساء إلى المصلى يوم العيد ، ولا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين ، وعددها ركعتان ، ويدعى بدعاء الاستفتاح عقب التكبيرة الأولى ، ثم يحمد الله ويثنى عليه ، ويصلّى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين كل تكبيرتين ، ويقرأ فى كل ركعة بالفاتحة وسورة ، ويجهر بالقراءة ، ويكبّر سبعا فى الأولى منها تكبيرة الإحرام ، وخمسا فى الثانية ، ورفع اليدين مع التكبير ، ولا قضاء لصلاة العيد. ووقت الخطبة : بعد الصلاة ، وهى كخطبة الجمعة ، إلا أن الخطيب يستفتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات متواليات ، والثانية بسبع متواليات. ويحضّ الخطيب الناس على صدقة الفطر ويبين أحكامها. والخطبتان سنة.

* * *

١٨٩٤ ـ الصلاة رجالا أو ركبانا

القيام فى الصلاة ـ كما فى القنوت ـ يغلب عليه الوقار والسكينة وهدوء الجوارح ، مع الشعور بالأمن والطمأنينة ، فأما فى حالة الخوف فتختلف الصلاة كما فى الآية : (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (٢٣٩) (البقرة) ، فالصلاة لا تسقط بالخوف ، ولا تسقط فى أى حال ، والمصلّى يستطيع الصلاة راجلا على قدميه ، أو راكبا ، إيماء ، أو إشارة بالرأس حيثما توجّه ، وهذه هى صلاة الفذّ ، أى الصلاة الاستثنائية يلجأ إليها المسلم كشكل من أشكال الصلاة إذا ألمّ به الخوف ، أو عجز عن أن يصلى كما يصلى عادة بسبب ظروف طارئة ، كأن يكون فى طائرة ، أو قطار ، أو سيارة عامة ، فيباح له ما تضمنته الآية ، مستقبلا القبلة أو غير مستقبلها ، وتنقص عدد الركعات ، وقيل إن صلاة الخوف لذلك ركعة وليست ركعتين كصلاة المسافر. فإذا ذهب الخوف ، وأمن المصلى ، فليرجع إلى ما أمر به من إتمام أركان الصلاة. وقيل : استشعار الأمان الموجب لإكمال الصلاة لا يكون إلا بالخروج من «دار السفر» إلى «دار الإقامة». وقيل : إن الخائف إذا صلى ركعة آمنا ، ثم استشعر الخوف ، ركب وأكمل الصلاة راكبا ، وإن صلى ركعة راكبا وهو خائف ، ثم أمن أكمل الصلاة. وذكر الله كما فى الآية إنما لشكره على هذه الرخصة ، فالصلاة أصلها الدعاء ، وحالة الخوف الأولى يستعين المصلى فيها بالدعاء ، فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف ، فإذا لم تسقط بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه ، فالصلاة لا تسقط أبدا على المكلف ، ولا اختلال فى فرضيتها ، والمقصود أن تؤدّى الصلاة كيفما أمكن ، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتفق أداؤها إلا بالإشارة بالعين ، وبهذا تميزت صلاة الخوف عن سائر الصلوات والعبادات ، وعن الصلوات والعبادات فى سائر الديانات ، فكل العبادات تسقط بالأعذار وخاصة الخوف ، ويترخص فيها بالرّخص ، إلا

٩١٥

الصلاة ، وصلاة المسلمين بالذات. والصلاة مسألة عظمى فى الإسلام ، وهى إحدى دعائمه ، ولا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال.

* * *

١٨٩٥ ـ القيام فى الصلاة

القيام : أحد أقسام القنوت بقوله تعالى : (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) (٢٣٨) (البقرة) ، والمسلمون على القيام فى صلاة الفرض لكل صحيح قادر عليه ، منفردا كان أو إماما. وفى الحديث : «إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائما فصلّوا قياما» ، وهو بيان للآية يشرحها ، ويجوز للمأموم الصحيح أن يصلى قاعدا خلف إمام مريض يصلى قاعدا ولا يستطيع القيام ، وفى الحديث : «وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» ، فإن كلا من الإمام والمأموم يؤدى فرضه على قدر طاقته ، تأسّيا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا صلى فى مرضه الذى توفى فيه قاعدا ، وكان أبو بكر إلى جنبه قائما يصلى بصلاته ، والناس قيام خلفه ، فلم يشر إلى أبى بكر ولا إلى الناس بالجلوس ، وأكمل صلاته بهم جالسا وهم قيام ، فلما انتهى من صلاته ، نبّه كما سبق إلى أن يصلوا جالسين إذا صلى الإمام جالسا ، إلا أن البعض خالف ذلك ، رغم أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى حديث قد ذكر أن من طاعة الله أن يطيعوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن طاعة الرسول أن يطيعوا الإمام ويتابعوه ، فإذا صلى جالسا يصلون جالسين ؛ وكان أول من أبطل فى هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا ، المغيرة بن مقسم ، صاحب النخعى ، وأخذ عنه حماد بن أبى سليمان ، ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة ، وتابعه أصحابه على ذلك ، وحجّتهم الحديث : «لا يؤمّن أحد بعدى جالسا» ، والحديث مرسل ، وينقضه الحديث الآخر الصحيح : «كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم ، يقومون على ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا. ائتموا بأئمتكم ، إن صلّى قائما فصلّوا قياما ، وإن صلّى قاعدا فصلّوا قعودا» أخرجه أبو داود. وقد صحّ أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اعتلّ ثلاث مرات ، فمرة حين سقط عن فرسه فجحش شقّه الأيمن ، وكان ذلك فى ذى الحجة آخر سنة خمس من الهجرة ، فصلى بالناس قاعدا وأبو بكر يرفع صوته بالتكبير ليقتدى به الناس ؛ ومرة فى مرضه الذى توفى فيه ، وفى ذلك روايتان ، فرواية تذكر أنه خرج إلى المسجد بين بريرة وثوبة ، وصلى قاعدا خلف أبى بكر ، ورواية تذكر أنه خرج بين رجلين هما العباس وعلىّ ، وصلى أبو بكر بالناس ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خلفه يصلى قاعدا ، غير أن تلك المرة بخلاف السابقة ، وبذلك تكون المرات التى صلى فيها قاعدا ثلاث مرات ، فمن يأخذ بالحديث : «لا يؤمّنّ أحد بعدى جالسا» قد آثر

٩١٦

حديثا منفردا لم يعدّ أن يكون خبرا ، والأصحّ منه الحديث : «وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون».

* * *

١٨٩٦ ـ رخصة الصلاة فى الرحل عند المطر أو المرض

عن ابن عمر : أنه أذّن بالصلاة فى ليلة ذات برد وريح ، ثم قال : ألا صلّوا فى الرحال ، ثم قال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يأمر المؤذّن ـ إذا كانت ليلة ذات برد ومطر ، يقول : «ألا صلّوا فى الرحال». والرّحل هو البيت. وصلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى بيت عتبان بن مالك وكان عتبان هذا يؤم قومه وهو أعمى ، فصلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى بيته ليكون بيته مصلّى له لمضرّة الخروج إلى المسجد فى الظلمة وأثناء السيل وهو الضرير البصر.

* * *

١٨٩٧ ـ صلاة الغفلة

هى الخلوة التى بين المغرب والعشاء ، يثوب الناس فيها إلى الصلاة ، وكانوا يصلون فى تلك الساعة ويقولون : «صلاة الغفلة» بين المغرب والعشاء ، والغفلة من غفل أى سها عنه وتركه ، وهى صلاة الغفلة لأنها تكون فى هذا الوقت ، وقت الغفلة.

* * *

١٨٩٨ ـ صلاة المنافقين

النفاق : مشتق من نفقاء اليربوع لأن صاحبه يكتم خلاف ما يظهر ، والمنافق من ستر الكفر بقلبه ، وأظهر الإيمان بلسانه ، وفى الصلاة ينكشف نفاقه ، كقوله تعالى : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً) (١٤٢) (النساء) ، وعلامة المنافق فى الصلاة أنه لا يقوم إليها إلا وهو متكاسل متثاقل ، لأنه لا يرجو ثوابا ، ولا يعتقد على تركها عقابا ، وفى الحديث : «إن أثقل صلاة على المنافقين العتمة والصبح» ، لأن العتمة تأتى وقد أتعب المنافقين عمل النهار ، فيثقل عليهم القيام إليها ، وصلاة الصبح تأتى والنوم أحبّ إليهم. ومراءاتهم يتوجهون بها للناس ، يظهرون أنهم يصلون وليسوا يصلون. والدليل الثانى عليهم : عدم ذكرهم لله إلا قليلا ، وفى الحديث : «تلك صلاة المنافقين ، يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان ، قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا». والنقر يعنى أداء الصلاة فى عجلة كأنه ينقر الأرض نقرا ، وعلى العكس «صلاة المؤمنين» ، فعلامتها الخشوع ، كقوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (١) (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) (٢) (المؤمنون) ، والصلاة التى فيها الخشوع هى التى يشهد لها بالإيمان. والرياء يدخل صلاة الفرض كما يدخل صلاة النفل ،

٩١٧

لأنه تعالى قال : (وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى) فعمّ. ووصفهم أكثر فقال : (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ) (١٤٣) (النساء) ، والتذبذب التردد ، وترددهم بين الإيمان والكفر ، فلا هم أخلصوا الإيمان ، ولا هم صرّحوا بالكفر ، ومثلهم كما قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة (أى المترددة) بين الغنمين (القطيعين من الغنم) ، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى».

* * *

١٨٩٩ ـ الصلاة إذا حضر الطعام

فى الحديث : «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء» ، والحديث : إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضى حاجته منه وإن أقيمت الصلاة» ، وهذا الأمر على الندب عموما فى كل طعام ، لمن كان محتاجا إلى الأكل ، أو كان صائما. وفى هذين الحديثين وغيرهما كراهة الصلاة بحضرة الطعام للجائع ، لما فيه من ذهاب كمال الخشوع ، ويلتحق به فى معناه مما يشغل القلب ، وهذا إذا كان فى الوقت سعة ، فإن ضاق صلّى على جوعه محافظة على حرمة الوقت. وفى مثل ذلك فى حق النائم والناسى. والعلّة فى ذلك تشوّف النفس إلى الطعام ، فينبغى أن يدار الحكم مع علّته وجودا وعدما ، صيانة لحق الحق ، ليدخل الخلق فى عبادته بقلوب مقبلة. ولا ينبغى أن ننسى أن طعام القوم كان شيئا يسيرا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبا.

* * *

١٩٠٠ ـ ليؤمّ الصلاة أكبر المصلّين

فى الحديث عمّن يؤم الصلاة ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانت قراءته سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة ، فإن كانوا فى الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنا» أخرجه مسلم ، والقاعدة أن الأفقه مقدّم على الأقرأ. ويقدّم الأقرأ من حيث كان عارفا بأحوال الصلاة ، فإن كان جاهلا فلا يقدّم. والإمام ليؤتم به ، ويقتضى متابعة المأموم له فى أحوال الصلاة.

* * *

١٩٠١ ـ الصلاة الواحدة تجوز بإمامين

صلى أبو بكر فى مرض الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحضر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أثناء الصلاة فاستأخر أبو بكر وتقدّم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان الناس قد صفّقوا وأكثروا التصفيق ليلفتوا سمع أبى بكر وينبّهوه لحضور الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما انتهت الصلاة نبّه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الناس إلى

٩١٨

أنهم أكثروا التصفيق فقال : من رابه شىء فى الصلاة فليسبّح ، فإنه إذا سبّح التفت إليه ، فإنما التصفيق للنساء» ، وقال : «إذا نابكم أمر فليسبّح الرجال وليصفّح النساء» يعنى يصفّقن. والواقعة فيها جواز الصلاة الواحدة بإمامين أحدهما بعد الآخر ، وأنه إذا غاب الإمام الراتب يستخلف غيره ، وإذا حضر بعد أن دخل نائبه فى الصلاة له أن يتم أو يصير النائب مأموما من غير قطع الصلاة ، ولا يبطل شىء من ذلك صلاة أحد من المأمومين.

* * *

١٩٠٢ ـ إمام العامّة وإمام الفتنة

الإمامة : هى إمامة الصلاة ، وهى أيضا رئاسة الدولة ؛ والصبى فى الإسلام لا إمامة له ولا رئاسة ، وفى حديث ابن عباس : «لا يؤم الغلام حتى يحتلم» ، وفى التنزيل : (وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا) (٥٩) (النور) ، يعنى لا يكلّف الأطفال حتى يبلغوا الحلم ، وبالتبعية لا إمامة لهم فإنما يؤم من له الأمر من البالغين ، والصبى لا يؤم لأن القلم رفع عنه. وكذلك لا رئاسة لإمام العامة ، ولا لإمام الفتنة ، والأول هو الذى يعقد له العامة الرئاسة ، وليس فى الغالب ممن يفقهون ، فيغلب عليه الجهل ، والثانى هو رئيس الفتنة ، أو رئيس «وقت فتنة» ، وهو فى الغالب «خارجى» أى متمرد منشق ، ولا تنعقد الإمامة أو الرئاسة إلا لأحد العالمين أو العاملين من أهل الذكر ، وفى الحديث يقول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا كانوا ثلاثة فليؤمّهم أحدهم ، وأحقّهم بالإمامة أقرؤهم» ، وفى رواية : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» ، وفى رواية : «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله» ، والمقصود أن الإمامة والرئاسة لأتقى الناس وأخشاهم لله ، وقارئ كتاب الله هو العالم به ، وكتاب الله المقروء هو القرآن ، والمنظور هو الكون بآياته ، والعلماء أعلم الناس بهذا وبذاك ، وهم لذلك أخشى الناس لله ، وأحقّهم بالإمامة والرئاسة. وطاعة الإمام لا تكون إلا فيما وافق الحق ، فهى ليست طاعة مطلقة ، وقد يؤم الناس البرّ والفاجر. فيجوز الطاعة للفاجر إذا كان صاحب شوكة وترأّس الدولة أو أمّ الصلاة ، وخاف منه الناس ، فلا تعطّل الجماعة بسببه ، ولا تنقسم الأمة بفتنته ، وفى الحديث : «لعلكم تدركون أقواما يصلّون الصلاة لغير وقتها ، فإذا أدركتموهم فصلّوا فى بيوتكم فى الوقت ، ثم صلّوا معهم واجعلوها سبحة» أخرجه النسائى وغيره ، والسّبحة : الصلاة النافلة. وصلاة إمام الفتنة ، وإمام العامة ، ورئاستهما ، غير صحيحة ، لأنهما فاسقان ويتوخيان غير الله ، ولا يحكمان بكتابه ـ يعنى لا علم لهما. وقيل تجوز الطاعة لهما والصلاة خلفهما ، حضّا على تماسك الجماعة ، ولا سيما فى زمن الفتنة ، لئلا يزداد تفرّق الكلمة. ومن أقوال عثمان بن عفان ـ عند ما تحرّج الناس أن يتّبعوا «أئمة الغوغاء

٩١٩

والفتنة» : الصلاة أحسن ما يعمل الناس ، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم» ، يعنى بذلك جواز إمامة البرّ والفاجر كما فى الحديث : «يصلون لكم ، فإن أصابوا فلكم ، وإن أخطئوا فلكم وعليهم» ، وعلى ذلك تجوز إمامة أو رئاسة صاحب البدعة طالما له شوكة ، كما قيل : صلّوا خلفه وعليه بدعته. وليس ذلك من باب النفاق ولكنه الحرص على الأمة ، وفى زمن ينبغى فيه التحرّز والاحتراس والحذر.

* * *

٩ ـ صلاة الجمعة

* * *

١٩٠٣ ـ فريضة الجمعة وآدابها

من خطبة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى صلاة أول جمعة فى الإسلام : «واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة ، فى مقامى هذا ، فى شهرى هذا ، فى عامى هذا ، إلى يوم القيامة ، فمن تركها فى حياتى أو بعد مماتى وله إمام عادل أو جائر ، استخفافا بها ، أو جحودا لها ، فلا جمع الله شمله ، ولا بارك له فى أمره. ألا ولا صلاة له ، ولا زكاة له ، ولا حجّ له. ألا ولا صوم له ، ولا برّ له ، حتى يتوب ، فمن تاب تاب الله عليه. ألا لا تؤمنّ امرأة رجلا ، ولا يؤم أعرابىّ مهاجرا ، ولا يؤم فاجر مؤمنا ، إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه» أخرجه ابن ماجة.

* * *

١٩٠٤ ـ يوم الجمعة يوم المزيد

فى الحديث عن أنس : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبطأ علينا ذات يوم ، فلما خرج قلنا : احتبست! قال : «ذلك أن جبريل أتانى بهيئة المرآة البيضاء ، فيها نكتة سوداء ، فقلت ما هذه يا جبريل؟ قال : هذه الجمعة ، فيها خير لك ولأمّتك ، وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطئوها ، وهداكم الله لها ، قلت : يا جبريل ، ما هذه النكتة السوداء؟ قال : هذه الساعة التى فى يوم الجمعة ، لا يواقعها عبد مسلم ، يسأل الله فيها خيرا ، إلا أعطاه إياه ، أو ادّخر له مثله يوم القيامة ، أو صرف عنه من السوء مثله ، وإنه خير الأيام عند الله ، وإن أهل الجنة يسمونه يوم المزيد» ، فذلك قول الله تعالى : (وَلَدَيْنا مَزِيدٌ) (٣٥) (ق). والحديث ضعيف وغالبا موضوع.

* * *

١٩٠٥ ـ الجمعة عيد المسلمين

فى الحديث : «إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين» يقصد الجمعة ، فهو عيد ولكنه يختلف عن الفطر والأضحى ، فلم يلزم من تسمية يوم الجمعة عيدا أن يشتمل على أحكام العيد ، فيوم العيد مثلا يحرم صومه مطلقا ، سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة ،

٩٢٠

وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٩) (الجمعة) ، الخطاب للمؤمنين بالجمعة دون الكافرين ، تشريفا لهم وتكريما ، وخصّه بالنداء ليدل على وجوب الصلاة المخصوصة بهذا اليوم ، وتأكيد فرضها.

١٩٠٦ ـ الجمعة واجبة على كل قرية

فى الحديث : «الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة» أخرجه الدارقطنى ، وفى رواية أخرى : «الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاث رابعهم إمامهم» أخرجه الدارقطنى. ووجوبها من قوله تعالى : (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ) (الجمعة ٩) ، ونداء الجمعة اختص به هذا اليوم دون سواه.

* * *

١٩٠٧ ـ الوضوء والاغتسال يوم الجمعة

أوجب الله تعالى السعى إلى الجمعة مطلقا من غير شرط إلا شرط الوضوء فى جميع الصلوات لقوله تعالى : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (٦) الآية (المائدة) ، وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» أخرجه البخارى ، وغسل الجمعة أفضل ، وفيما رواه مسلم : «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت. ومن اغتسل فالغسل أفضل» أخرجه أبو داود. وقد أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمر بالغسل على الاستحباب.

١٩٠٨ ـ غسل الجمعة

الأحاديث كثيرة فى غسل الجمعة ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» ، وقوله : «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم». وكان الناس يغدون فى أعمالهم ، فإذا كانت الجمعة جاءوا وعليهم ثياب متغيّرة ، فشكوا ذلك للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : «من جاء منكم الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل» ، والحكمة فى الأمر بالغسل فى هذا اليوم هو التنظيف ، ورعاية الحاضرين من التأذّى بالرائحة الكريهة. ويجزئ غسل الجنابة عن غسل الجمعة. وعلى كل محتلم أن يستن يوم الجمعة ، وأن يمسّ الطيب إن وجد. والاستنان هو ذلك الأسنان بالسواك. والجماع ليلة الجمعة سنّة ليغتسل فيه من الجنابة ، فتسكن النفس والجسم معا ، فأما الجسم فيسكن بالجماع ، وأما النفس فتسكن بالرواح إلى الصلاة.

* * *

١٩٠٩ ـ المنبر فى خطبة الجمعة

كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب فى صلاة الجمعة إلى خشبة ، فلما كثر الناس ، وزاد وزنه

٩٢١

قيل له : ألا نتخذ لك منبرا يحمل عظامك؟ وقيل : كان يخطب وهو مستند إلى جذع ، وكان القيام يشق عليه ، فعرض عليه تميم الدارى أن يضع له منبرا كالذى رآه فى الشام ، وصنع المنبر غلام من الأنصار أو من بنى ساعدة. وكان ثلاث درجات ، وزاده مروان فى خلافة معاوية إلى ست درجات كما هو اليوم ، وحكاية أن تميما هو الذى صنع المنبر ، وأنه استحضر فكرته من الشام خطأ للترويح لفكرة تأثير النصرانية فى الإسلام ، وخطأ هذا الادّعاء ، لأن المنبر فى المساجد لا يشبهه شىء عند اليهود والنصارى ، فهو إبداع عربى محض وعمارة عربية خالصة ؛ ونسبة المنبر إلى تميم لأنه كان راهبا قبل أن يعرف عنه إسلامه فى السنة التاسعة ، والصحيح أن المنبر صنعه الأنصار قبل ذلك بكثير ، فقد قيل أنه ـ فى خبر الإفك ـ ارتقى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم منبر المسجد وخطب فى الناس. وخبر الإفك كان عقب غزوة المريسيع فى شعبان سنة ست. وهم الذين اقترحوا فكرته.

* * *

١٩١٠ ـ الأذان يوم الجمعة

كان الأذان على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبى بكر أذانين يوم الجمعة ، يعنى الأذان والإقامة ، وكان أوله إذا جلس الإمام على المنبر ، فلما كان عهد عثمان ، وكثر الناس ، زاد عثمان النداء الثالث قبل خروج الإمام ، ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت.

* * *

١٩١١ ـ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا خطب الجمعة

كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا خطب فى الحرب خطب على قوس ، وإذا خطب فى الجمعة خطب على عصا ، أخرجه ابن ماجة ، أى يستند عليها.

* * *

١٩١٢ ـ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا صعد المنبر

كان النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا صعد المنبر يخطب للجمعة : سلّم ، أخرجه ابن ماجة ، يعنى يقول : «السلام عليكم».

* * *

١٩١٣ ـ هل كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب الجمعة قائما؟

كان يخطب قائما ثم يقعد ، ثم يقوم ، ولا يتكلم فى قعدته. أورده البخارى ورواه ابن عمر.

٩٢٢

١٩١٤ ـ خطبة الجمعة

أقل ما يجزى فى الخطبة الأولى أن يحمد الخطيب لله ، ويصلّى على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويوصى بتقوى الله ، ويقرأ آية من القرآن ، ثم فى الخطبة الثانية بدلا من آية القرآن فى الأولى يكون الدعاء فى الثانية. ولمّا خطب «عثمان» أول مرة ارتج عليه فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا ، وإنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال ، وستأتيكم الخطب. ثم نزل فصلى.

وكان صدر خطبة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادى له ، ونشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدىّ الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى. نسأل الله ربّنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ، ويتّبع رضوانه ، ويجتنب سخطه ، فإنما نحن به وله».

ومن أقواله فى خطبة الجمعة : «كل ما هو آت قريب ، ولا بعد لما هو آت ، لا يعجل الله لعجلة أحد ، ولا يخفّ لأمر الناس. ما شاء الله لا ما شاء الناس. يريد الله أمرا ويريد الناس أمرا. ما شاء الله كان ولو كره الناس. ولا مبعد لمّا قرّب الله ، ولا مقرّب لما بعّد الله. لا يكون شىء إلا بإذن الله جلّ وعزّ».

ومن أقواله : «أيها الناس ، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم. وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن العبد المؤمن بين مخافتين : بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله قاض فيه ، وبين أجل قد بقى لا يدرى ما الله صانع فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ، ومن الشبيبة قبل الكبر ، ومن الحياة قبل الممات. والذى نفسى بيده ما بعد الموت من مستعتب ، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم».

ومن خطبته يوم الجمعة قال : «يا أيها الناس ، توبوا إلى الله من قبل أن تموتوا ، وبادروا بالأعمال الصالحة من قبل أن تشغلوا ، وصلوا الذى بينكم وبين ربّكم بكثرة ذكركم له ، وكثرة الصدقة فى السرّ والعلانية ، ترزقوا وتنصروا وتؤجروا. واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة فى مقامى هذا ، فى شهرى هذا ، فى عامى هذا ، إلى يوم القيامة ، فمن تركها فى حياتى أو بعد مماتى وله إمام عادل أو جائر ، استخفافا بها أو جحودا لها ، فلا جمع الله شمله ، ولا بارك له فى أمره. ألا ولا صلاة له ، ولا زكاة له ، ولا حجّ له. ألا ولا صوم له ، ولا برّ له ، حتى يتوب ، فمن تاب تاب الله عليه ، ألا لا تؤمّنّ امرأة رجلا ، ولا يؤم أعرابىّ مهاجرا ، ولا يؤمّ فاجر مؤمنا ، إلّا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه». أخرجه ابن ماجة.

* * *

٩٢٣

١٩١٥ ـ صلاة الجمعة

سميت الجمعة «الجمعة» : لاجتماع الناس فيها للصلاة ، وكان فرض صلاة الجمعة بنزول سورة الجمعة وفيها قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (١١) (الجمعة) ، والخطاب لكل المؤمنين ، رجالا ونساء وأطفالا ، شيبا وشبانا ، إلا غير القادرين لسبب أو لآخر ؛ والنداء لصلاة الجمعة : يعنى أنها واجبة على من كان فى المصر وسمع الأذان أو يعلم بوقت أدائها ؛ والنداء أو الصلاة لا تكون إلا بدخول وقتها ؛ وهى فرض عين على كل مسلم ومسلمة ، وأوجب الله السعى إليها ؛ والذكر : هو سماع الخطبة وأداء الصلاة ، و «منع البيع والشراء» فى وقت الصلاة : للتفرغ لها والاشتغال بها ، فإذا قضيت الصلاة يباح الانتشار فى الأرض ابتغاء للرزق أو طلبا للعلم ، أو لأى سبب آخر ، كزيارة الأهل ، وصلة الرحم ، والسير فى الجنائز ، وزيارة المرضى إلخ ؛ و «ذكر الله بعد الصلاة» : بالطاعة له والشكر باللسان. وتجوز صلاة الجمعة بأى عدد ولو كان المصلون ثلاثة ، وتقام فى القرية كما فى الحضر. ويصحّ أن يخطب الخطيب واقفا ، أو قاعدا ، وقد خطب معاوية قاعدا لكبر سنه ، وخطب عثمان قائما ، فلمّا كبر فى السن خطب قاعدا ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب قائما فإذا لم يكن هناك كلام قعد ، ثم يستأنف الخطبة قائما.

* * *

١٩١٦ ـ فرض الجمعة

فرضت صلاة الجمعة بالتنزيل وبالسنّة ، فقال تعالى : (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٩) (الجمعة) ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا» ، وقال : «إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا ، وقالوا : يا موسى ، إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا فاجعله لنا ، فجعل عليهم» ، وقيل : إن يوم الجمعة عرفه الأنصار فى المدينة قبل أن يقدم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وجعلوه يومهم ، أى يوم عيدهم الأسبوعى ، وصلّوا فيه ، وأنزل الله لذلك : (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) الآية ، فاختيارهم للجمعة وتسميتهم لها ، كانا اجتهادا ، ولا يمنع ذلك أن يكون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم علمه بالوحى ، فحصلت الهداية للجمعة بالبيان والتوفيق.

* * *

٩٢٤

١٩١٧ ـ ركعتا الجمعة

فى صحيح مسلم من حديث جابر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما».

* * *

١٩١٨ ـ السكوت لخطبة الجمعة واجب

وجوب السكوت للخطبة سنّة ، والسنّة أن يسكت لها من يسمع ومن لا يسمع ، وهما إن شاء الله فى الأجر سواء ، ومن تكلم حينئذ لغا ، ولا تفسد صلاته بذلك ، وفى الحديث : «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» أخرجه مسلم.

وكذلك إذا غلا الخطيب فقد لغا ، وهذا من غربة الإسلام ونكد الأيام.

* * *

١٩١٩ ـ الساعة التى فى يوم الجمعة

فى الحديث عن يوم الجمعة : «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى ، يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه». والأحاديث فى هذه الساعة حديثان ، الأول : عيّنها بأنها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة ؛ والثانى : حدّدها بأنها بعد العصر إلى غروب الشمس فى كل جمعة. والسبب فى إخفاء وقتها أن تكون ـ مثل ليلة القدر ـ فى الوقت كله ، والحكمة فى ذلك : حثّ العباد على الاجتهاد فى الطلب واستيعاب الوقت فى العبادة.

١٩٢٠ ـ ما بعد صلاة الجمعة

فى الآية : (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ) (١٠) (الجمعة) أنه بعد صلاة الجمعة يكون الانتشار فى الأرض ، يعنى الفسحة ، وابتغاء فضل الله : بمشاهدة آياته فى كونه ؛ وذكر الله كثيرا : بأداء العبادات وعمل الطاعات ، كعيادة المرضى ، وحضور الجنائز ، وزيارة الإخوان ، وصلة الأرحام.

* * *

١٠ ـ السجود والمساجد والقبلة

* * *

١٩٢١ ـ سجود الصلاة وسجود التعظيم

السجود من شعائر الصلاة ، وسجود الملائكة لآدم هو سجود تعظيم كقوله تعالى : (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) (٢٩) (الحجر) ، وفى الوقوع توضيع

٩٢٥

الواقع ، وتشريف لمن وقع له ، ولقد سجد الملائكة : (إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (١١) (الأعراف) ، لأنه استكبر وتنازعته الغيرة والحسد ، ولم يكن ذلك حال الملائكة كما جاء فى وصفهم : (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (٢٠٦) (الأعراف) ، وقوله يسبحونه : أى يعظّمونه وينزّهونه عن كل سوء ، وله يسجدون : يعنى يصلون ويذلّون طاعة وولاء ، وفى القرآن من ذلك النوع من السجود للتعظيم نحو من خمس عشرة سجدة ، أولها خاتمة الأعراف السابقة ، وآخرها خاتمة العلق ، وقد يزاد عليها سجدة سورة الحجر : (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (٩٨) ، فيكون عدد السجدات ست عشرة ، وهى فى سور : الأعراف ، والرعد ، والنحل ، والحجر ، والإسراء وبنى إسرائيل ، ومريم ، والحج ، والفرقان ، والنمل ، والسجدة ، وص ، وحم تنزيل ، والنجم ، والعلق.

وسجود التلاوة ليس بواجب ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحافظ عليه ، ومواظبته تدل على الاستحباب ، ويحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حدث ونجس ، ونية ، واستقبال قبلة ، ووقت. وقيل كان عمر يسجد على غير طهارة ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا سجد كبّر ، وإذا رفع كبّر ، ولا سلام لسجود التلاوة أو سجود التعظيم ، والتكبير فى أوله للإحرام للسجود فحسب.

والسجود من هذا النوع فى سائر الأوقات مطلقا ، لأنها صلاة لسبب ، وإذا سجد يقول : «اللهم احفظ عنى بها وزرا ، واكتب لى بها أجرا ، واجعلها لى عندك ذخرا». وإذا قرأها فى صلاة نافلة سجد إن كان منفردا ، أو فى جماعة يأمن التخليط فيها ، فإن لم يأمن ذلك فى جماعة قيل لا يسجد. وفى الفريضة سواء كانت صلاة سرّ أو جهر ، ولا يمنع منها الفرادى ولا الجماعة طالما يؤمن فيها التخليط. وفى السجود فى الحضر يستقبل المصلى القبلة ، فإن كان راكبا فلا عليه حيثما كان وجهه.

* * *

١٩٢٢ ـ ما خلق الله من شىء إلا ويسجد لله

سجود الأشياء : هو انقيادها ، وفى الآية : (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ) (٤٨) (النحل) ، أن كل ما له ظل يسجد له تعالى ؛ وقوله عن اليمين والشمائل أن ظله يتحرك مع حركة الشمس ، ودوران الشمس نفسها هو سجودها ، وكل سجود لله من الأشياء يعنى انصياعها ، وأن تكون فى عملها على أسبابه تعالى لا تخرج عنها.

* * *

٩٢٦

١٩٢٣ ـ السجود على سبعة أعظم

شرط السجود فى الصلاة : أن يكون على سبعة أعظم : اليدين ، والرجلين ، والركبتين ، والجبهة.

١٩٢٤ ـ السجود لله طوعا وكرها

السجود لله يكون طوعا ، فما شأن السجود كرها؟ يقول تعالى : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) (١٥) (الرعد) ، ولا أحد يكره كافرا على السجود لله تعالى ؛ والإسلام لا يدخله المؤمن إلا رغبة ، وأما السجود رهبة السيف فليس إيمانا ؛ غير أن بعض من يؤمن بالله قد يكون من العصاة الذين يكسلون عن الصلاة ، أو لا يرونها ضرورية ، فإذا قاموا إليها قاموا رياء الناس ، وهؤلاء سجودهم كرها ، لأن التزام التكليف مشقة ، والآية إذن مخصوص بها هذان النوعان من المؤمنين ؛ غير أن الآية يمكن أن تكون كذلك على التعميم ، فكلا المؤمن والكافر يسجد من حيث أنه مخلوق ، ويسجد دلالة وحاجة إلى الصانع ، فتصدق عليهما الآية : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (٤٤) (الإسراء) ، وهو تسبيح دلالة لا تسبيح عبادة. وحتى ظلالهم تسجد مع سجودهم كلما سجدوا من أول النهار حتى آخره ، كقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ) (٤٨) (النحل). وسجود الظلال هو ميلها من جانب إلى جانب مع ميل أصحاب الظلال.

* * *

١٩٢٥ ـ سجود الصلاة

جاء عن السجود فى القرآن ٦٣ مرة ، وهو فرض وسنة ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا سجد مكّن جبهته وأنفه من الأرض ، ونحّى يديه عن جنبيه ، ووضع كفّيه حذو منكبيه ، وفى الحديث : «اعتدلوا فى السجود ، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» ، وقال : «إذا سجدت فضع كفّيك وارفع مرفقيك». وعن ميمونة زوجة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قالت : كان رسول الله إذا سجد خوّى بيديه ـ يعنى جنح حتى يرى وضح إبطيه من ورائه ، والصحيح أن تقول : خوّى بين يديه ، وقالت : وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى. أخرجه مسلم. ويجزئ السجود على الجبهة دون الأنف ، والصحيح وضع الجبهة والأنف.

* * *

١٩٢٦ ـ سجود النجم والشجر

فى الآية : (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ) (٦) (الرحمن) ، قيل : النجم ليس ما نعرف من النجوم ، ولكنه فصيلة نباتية ليست لها سوق ، وعلى ذلك يكون السجود للنبات والشجر ؛

٩٢٧

أو أن النجم هو ما نعرف مما يكون فى السماء يزيّنها ؛ وقيل : سجود الشجر : انبساط ظله ، وسجود النجم : انطفاؤه وأفوله ؛ وقيل : سجود الشجر : أن يتيسر قطف ثمارها ؛ وسجود الإنسان أو الجان بالاختيار ، بينما سجود الأشياء بالتسخير ، كقوله تعالى : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) (١٥) (الرعد) ، وقوله : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) (٤٩) (النحل) ، والفرق بين الآيتين أن الأولى فيها «من» وهى لكل ما هو عاقل كالإنس والجن والملائكة ، والثانية فيها «ما» لكل ما هو ليس بعاقل كالجماد والنبات والطير والحيوان ؛ والسجود لمن يعقل عمل اختيارى ، ولمن لا يعقل سخرة ، وهى مسخّرة ، وسجودها هو أن تفعل المنوط بها ، وأن تأتى ما هى مخلوقة له ، وبلغة العصر فإنها «مبرمجة» كما فى الغرائز ، فكيف يطير العصفور ، أو تلد القطة؟ فهى لا تفعل ما تفعل إلا لأنها مبرمجة ، وبلغة القرآن هو التسخير ، وسجود النجم والشجر من ذلك ، وإن من شىء فى الأرض ولا فى السماء إلا وبحسبان وغاية ، وهو يفعل هذه الغاية بتلقائية وعفوية وغريزية ، وهذا هو سجوده.

* * *

١٩٢٧ ـ سورة النجم أول آية فيها سجدة التلاوة

فى الآية : (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) (٦٢) (النجم) المراد بالسجود سجود تلاوة القرآن ، وقد سجد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى هذه الآية وسجد معه المشركون. وكان ابن عمر لا يراها من عزائم السجود. وقيل سجود التلاوة فى عشرة مواضع ، وهى متوالية ، إلا ثانية الحج ، والانشقاق ، وص ، وما فى المفصّل ؛ وقيل الجميع مشروع ولكن العزائم هى : الأعراف ، وسبحان ، وثلاث المفصّل ؛ وقيل : الم تنزيل ، وحم تنزيل ، والنجم ، واقرأ ؛ وقيل : يشرع السجود عند كل لفظ وقع فيه الأمر بالسجود أو الحث عليه والثناء على فاعله ، أو سيق مساق المدح ، وهذا يبلغ عددا كثيرا. وقيل : سجد أهل مكة فى النجم إلا رجلين من قريش أرادا بذلك الشهرة. وسورة النجم أول سورة أنزلت فيها سجدة ، واستشكل بأن : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (سورة العلق) أول السور نزولا ، وفيها أيضا سجدة ، فى قوله : (كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق ١٩) فهى سابقة على النجم ، وأجيب بأن السجدة وردت فى أواخرها ، والنجم أول سورة استعلن بها رسول الله السجود فى التلاوة. وفى سورة ص قال تعالى : (وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ) (٢٤) (ص) ، والركوع ينوب عن السجود ، فهذه سجدة أخرى ؛ وسجدة الانشقاق فى قوله تعالى : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ) (٢) (الانشقاق) وسجد عندها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والسجدة على من استمعها ، ولا يسجد إلا أن

٩٢٨

ويستقبل القبلة إلا إن كان راكبا ، وكانوا لا يسجدون لسجود القاص ، ولم يسجد عمر ، ولا إثم على من لم يسجد.

* * *

١٩٢٨ ـ سجود الشكر

يستحب سجود الشكر عند تجدد النّقم وزوال النّعم ، ويشترط له الطهارتان من الحدث والنجس ، وستر العورة ، واستقبال القبلة ، والنيّة. ولا يسجد للشكر فى الصلاة.

* * *

١٩٢٩ ـ سجود السهو

لا يشرع السجود للمصلى لشىء تركه عامدا ، والسجود كله قبل السلام ، إلا إذا سلّم من نقص فى صلاته ، أو تحرّى الإمام فبنى على غالب ظنه ، وما عداهما يسجد له قبل السلام ، مثل المنفرد إذا شك فى صلاته فى موضع جلوس ، أو جلس فى موضع قيام ، أو جهر فى موضع تخافت ، أو خافت فى موضع جهر ، أو صلى خمسا. ومن ترك ركنا ثم ذكره ولم يعلم موضعه بنى الأمر على أسوأ الأحوال ، كأن ينسى سجدة فلا يعلم أمن الركعة الرابعة أو التى قبلها ، فإن جعلها من الركعة الثالثة فتلزمه الركعة كلها ، وإن جعلها من الرابعة أجزأته سجدة واحدة ، وإن لم يعلم إن كان ما نسيه من الركوع أو من السجود جعله ركوعا ليلزمه الإتيان به وبما بعده ، ولو ترك سجدة من الأول فذكرها فى التشهّد الأخير أتى بركعة وأجزأته ، وإذا سلّم وقد بقى عليه شىء من صلاته سجد سجدتى السهو ثم تشهّد وسلّم ، ومن سجد للسهو فإنه يكبّر للسجود والرفع منه ، وإن شكّ فى ترك ركن فحكمه حكم من لم يأت به ، وإن شكّ فى زيادة فلا سجود عليه ، وإن سها سهوين فى الصلاة الواحدة فيكفيه سجدتان ، وينبّه الإمام إذا سها بالتسبيح إن كان المأمومون رجالا ، فإن كانوا نساء صفّقن ببطن الكف على ظهر اليد الأخرى ؛ وعلى الإمام أن يستجيب للتنبيه ، ويقال فى سجود السهو ما يقال فى سجود الصلاة عموما.

* * *

١٩٣٠ ـ سجود التلاوة

سجود التلاوة : سنّة مؤكدة ، ويكون السجود لتالى القرآن وللذى يسمعه قصدا ، ولا يستحب لمن يسمعه غير قاصد أن يسجد ، ويشترط فيمن يتلو القرآن أن يكون ممن يصلح له إماما ، فإن كان طبيبا أو امرأة فلا يسجد ، وإن قرأ الأمّى سجدة فعلى المستمع المنصت أن يسجد معه ، فإن كان التالى فى صلاة والمستمع فى غير صلاة ، سجد معه ، فإن كان فى صلاة أخرى لم يسجد معه ، ولا ينبغى له أن يستمع بل يشتغل بصلاته ، ولا يسجد إذا فرغ من الصلاة ؛ ويشترط لسجود التلاوة : الطهارة من الحدث والنجس ، وستر العورة ،

٩٢٩

واستقبال القبلة ، والنيّة ؛ وإن سمع السجدة وهو غير طاهر لم يلزمه السجود ، ولا أن يتيمم أو يتوضأ. ومواضع السجود فى المشهور أربع عشرة سجدة ، أو خمس عشرة ، منها : سجدة سورة ص ، عند قوله تعالى : (وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ) (٢٤) ؛ وسجدة سورة الرعد عند قوله تعالى : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) (١٥) ؛ وسجدة سورة النحل عند قوله تعالى : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (٤٩) ؛ وسجدة سورة الإسراء عند قوله تعالى : (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (١٠٩) ؛ وسجدة سورة مريم عند قوله تعالى : (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) (٥٨) ؛ وسجدة سورة الحج عند قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (١٨) ، وعند قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٧٧) ؛ وسجدة سورة الفرقان عند قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً) (٦٠) ؛ وسجدة سورة النمل عند قوله تعالى : (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ) (٢٥) ، وسجدة سورة السجدة عند قوله تعالى : (إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (١٥) ؛ وسجدة سورة فصّلت عند قوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (٣٧) ؛ وسجدة سورة النجم عند قوله تعالى : (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) (٦٢) ؛ وسجدة سورة الانشقاق عند قوله تعالى : (وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) (٢١) ؛ وسجدة سورة العلق عند قوله تعالى : (كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (١٩).

ومن سجد للتلاوة فعليه التكبير للسجود والرفع ، سواء كان فى صلاة أو فى غيرها ، ويقول فى سجوده «سبحان ربّى الأعلى» ، و «سجد وجهى للذى خلقه وصوّره ، وشقّ سمعه وبصره بحوله وقوته» كما كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول برواية عائشة. وإن كان فى سفر جاز أن يومئ بالسجود حيثما كان وجهه كصلاة النافلة ، وإن كان ماشيا يومئ أو يسجد على الأرض.

* * *

٩٣٠

١٩٣١ ـ المسجد

المسجد : هو كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له ، والجمع مساجد ، ويقابله عند اليهود : الكنيس ، وعند النصارى : الكنيسة ، وهما كنوشتا فى الآرامية ، ومعناها مكان الاجتماع والمجمع ، والجمع كنائس. وفى الإسلام فإن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بصاحبها وصارت عامة لجميع المسلمين ، وحكمها حكم سائر المساجد العامة وتخرج عن اختصاص الأملاك. وفى الحديث : «جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا» ، يعنى كل الأرض مسجد يصلّى فيها طالما هى طاهرة. والمسجد تتكرر فى القرآن ٢٢ مرة ، والجمع مساجد وتتكرر ٦ مرات.

* * *

١٩٣٢ ـ الإذن ببناء المساجد

فى قوله تعالى : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) (٣٦) (النور) ، الإذن : هو الأمر والقضاء ، وحقيقته العلم والتمكين والإنفاذ ؛ والرفع : هو البناء والعلو والتعظيم ؛ والبيوت : هى المساجد ، وفى الحديث قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا فى الجنة» ، وقوله : «من أحب القرآن فليحبّ المساجد فإنها أفنية الله ، وأبنيته أذن الله فى رفعها وبارك فيها ؛ ميمونة ميمون أهلها ، محفوظة محفوظ أهلها ، هم فى صلاتهم والله عزوجل فى حوائجهم ، وهم فى مساجدهم والله من ورائهم». وكل المساجد سواء ، وتصان عن البيع والشراء ، والأصل ألا يعمل فيها غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن ، وفى الحديث : «إنما بنيت المساجد لما بنيت له» ، وفيه أيضا «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين».

* * *

١٩٣٣ ـ مسجد الضرار ومسجد التقوى

فى الآية : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً) (التوبة ١٠٧) ، أى يكون به الضرر لأهل المسجد. وكان «مسجد الضرار» هذا مجاورا لمسجد قباء فى المدينة زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بناه اثنا عشر من بنى غنم بن عوف ، كفرا منهم بسبب نفاقهم ، وإضرارا بالمسلمين لأنهم به يحققون مأرب أبى عامر الراهب : أن يحارب الدعوة والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن يفرّق المسلمين ويشتتهم بين الصلاة فيه ، وبين الصلاة فى «مسجد قباء» و «مسجد المدينة». وكان بناء هذا المسجد انتظارا لمجيء ابن عامر هذا ليصلى فيه ، فيدلّس على المسلمين ويخدعهم عن حقيقته كنصرانى عتيد ، غير مؤمن بالإسلام ، مع أن ابنه حنظلة كان مؤمنا واستشهد فى

٩٣١

أحد لمّا دعا الداعى إلى الجهاد ، وكان قد خرج جنبا ، فأخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن الملائكة غسّلته ، فاشتهر باسم «حنظلة غسيل الملائكة». وفى الحديث عن الضرر والضرار : «لا ضرر ولا ضرار. من ضار ضار الله به ، ومن شاقّ شاقّ الله عليه» أخرجه الدارقطنى. والفرق بين الضرر والضرار : هو أن الضرر : الذى لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة ؛ والضرار : الذى ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة. وفى مسجد الضرار يقول الله تعالى : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً) (التوبة) ، يعنى يقصد به المضرّة وغير الله ، فلا تقام فيه صلاة فى وقت من الأوقات ، ولا فى حين من الأحيان ، ونقيضه «مسجد التقوى» ، أى المؤسس على التقوى منذ البداية ، وهو الأحق أن يصلّى فيه المطهّرون ، ومثله «مسجد قباء» ، وهو أسبق زمنا من «مسجد الرسول» صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه أسس فى المدينة منذ اليوم الأول لوصول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إليها. وفى ذلك قال أبو هريرة : نزلت فى مسجد أهل قباء هذه الآية : (فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (١٠٨) (التوبة) ، كانوا يتوضئون للصلاة ، ويغتسلون من الجنابة ، وإذا خرجوا من الغائط يستنجون بالماء ، فذلك هو التطهّر من القذارات والنجاسات المادية ، على أن هناك مستقذرات روحية أو نفسية كانوا يتطهّرون منها ولا يأتونها : كالكذب والنميمة والشحّ ، والبغض ، والتحاسد ، وسلاطة اللسان إلخ ، وذلك التطهّر هو ما أحبه الله فيهم. ونقيض ذلك أهل «مسجد الضرار» أو «مسجد النفاق» ، يقول تعالى مقارنا بينهما : (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (١١٠) (التوبة) ، والمقارنة استفهام إنكارى على سبيل التشبيه ، والمعنى ، أن التأسيس على التقوى ليس كالتأسيس على الجرف المصدّع ، فينهار فى نار جهنم. والتمثيل لعمل أهل الإخلاص وعمل أهل النفاق ، والأخيرون لا يزال بنيانهم ريبة فى قلوبهم ، يحسبون أنهم كانوا على الحق ، وأن مسجدهم هدم وحرق ظلما ، فلا يبارحهم الغيظ والحنق إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا. وقيل : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا نزلت هذه الآيات ، كان لا يمر بالطريق التى فيها بقايا المسجد ، وأنه أمر أن تتخذ مكانه كناسة ، أى مقلب زبالة ، تلقى فيها الجيف والأقذار والقمامات.

* * *

١٩٣٤ ـ أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبىّ

عن عبد الله بن بريدة فى قوله تعالى : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (٣٦) (النور) قال : إنما هى أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبىّ : الكعبة ـ بناها إبراهيم

٩٣٢

وإسماعيل عليهما‌السلام ؛ وبيت المقدس ـ بناه داود وسليمان عليهما‌السلام ؛ ومسجد المدينة ، ومسجد قباء ـ أسّسا على التقوى ، وبناهما الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وفى الحديث : «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاث مساجد : المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمسجد الأقصى» ، والمراد النهى عن السفر إلى غيرها. والمسجد الأقصى سمّى كذلك لبعده عن المسجد الحرام فى المسافة ، وقيل فى الزمان ؛ وقيل : هو أقصى لأنه بعيد عن مسجد المدينة. وفى الحديث : «صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» ، والاستثناء أنه مساو لمسجد المدينة ، أو فاضلا ، أو مفضولا ، والأخير أصحّ ، فلا شىء يفضل المسجد الحرام. ومسجد قباء فى عوالى المدينة ، وسمى باسم بئر هناك ، وهو مسجد بنى عمرو بن عوف (وهؤلاء غير بنى غنم بن عوف الذين بنوا مسجد الضرار) ، وكان أول مسجد أسّسه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٩٣٥ ـ هل يقال مسجد فلان؟

يجوز إضافة المساجد إلى بانيها ، ويلتحق به جواز إضافة أعمال البرّ إلى أربابها ، وكان بالمدينة مسجد يقال له مسجد بنى زريق بناه بنو زريق ، ولا تعارض بين ذلك والآية : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً) (١٨) (الجن) ، لأن الآية تعنى أن المساجد سواء نسبت لهذا أو لذاك ، هى أولا وأخيرا لله وللدعوة إليه ، وكان المسجد الذى بناه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ينسب إليه ، كقوله : «صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه» ، ونسبة المسجد له صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو لغيره تعريفا ، ونسبتها لله تعالى ملكا وتشريفا.

* * *

١٩٣٦ ـ من بنى مسجدا لله

كان بناء عثمان للمسجد النبوى سنة ثلاثين تقريبا ، وقيل فى آخر سنة من خلافته ؛ وفى الحديث : «من بنى مسجدا يبتغى به وجه الله ، بنى الله له مثله فى الجنة» أخرجه البخارى. ويقال «مسجد» لكل موضع بنى محاطا إلى جهة القبلة مهما صغر ، ولو كان كمفحص قطاة ، والقطاة طائر كالحمام إذا أرادت أن تبيض حفرت حفرة فهذا هو المفحص. وعثمان لم يبن المسجد إنشاء ولكنه وسّعه وحسّنه ، وكانوا لا يريدون منه ذلك ، وأحبوا أن يدعوه على هيئته ، وبناه عثمان بالحجارة المنقوشة وزخرفه. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد استعمل النجّارين والصنّاع فى بناء هذا المسجد ، وعمل له غلام النجّار منبرا ، وكان الصحابة يحملون الطوب اللبن مع عمّار لإتمام البناء. وأمر عمر بترميم المسجد بحيث يصون الناس من المطر ، ونهى عن الزخرفة ، وأن يتباهى الناس ببناء المساجد ثم لا يعمرونها ، ومثل ذلك

٩٣٣

فعله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع الثوب الذى أهداه له أبو جهم من أجل الخطوط الزخرفية فيه ، فخشى أن تلهيه زخارفها عن الصلاة فأعاد الثوب لصاحبه ؛ وكذلك عمر خشى أن تلهى الزخارف فى المسجد المسلمين عن الصلاة. وللرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حديث يقول : «يأتى على أمتى زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا» أخرجه أبو داود ، والعمارة : المراد بها الصلاة وذكر الله ، وليس البنيان. وفى شرح ابن عباس قال : لتزخرفنّها كما زخرفت اليهود والنصارى» ، والزخرفة الزينة ، وأصل الزخرف الذهب ، ولم تزخرف اليهود والنصارى معابدهم إلا حين حرّفوا كتبهم وبدّلوها ، فتركوا المعانى واهتموا بالمبانى. وكان المسجد على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مبنيا باللبن ، وسقفه الجريد ، وعمده خشب النخل.

* * *

١٩٣٧ ـ الأرض مسجد المسلمين

فى الصحيح عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا» ؛ وقال : «جعلت لى الأرض مسجدا وترابها طهورا ، أينما أدركتنى الصلاة صلّيت». وفى الآية : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ) (١٨) (الجن) أراد بالمساجد كل البقاع ، والأرض عموما ، فكلها جعلت مسجدا للمسلمين. وشرط مكان المصلّى : أن لا يكون نجسا ، وغير مغصوب. ويجوز الصلاة فى البيع والكنائس. وللمرأة أن تصلى فى المسجد بحذاء الرجل من محارمها أو خلف الرجال. وتجوز الصلاة فى المسجد وفى غير المسجد على سجادة ، وأى شىء يجوز السجود عليه طالما كان طاهرا.

* * *

١٩٣٨ ـ المساجد فى البيوت

كان للبراء بن عازب مسجد فى داره ، وكثيرون غيره كانت لهم مساجدهم فى دورهم ، وقد طلب عتبان بن مالك ـ وكان ضعيف البصر ويخشى المطر ـ من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أن يصلى فى داره تبركا ، لتكون داره ـ حيث صلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ مسجدا. وكان أول مسجد يقام فى الدور هو مسجد أبى بكر الصدّيق فى مكة.

* * *

١٩٣٩ ـ لا تتخذوا قبور الأولياء مساجد

الحديث : «قاتل الله اليهود ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ـ ويشمل ذلك قبور الأولياء ، فيه ذمّ من يفعل فعل اليهود ، ويحذّر الحديث مما صنعوا. وفى مصر يعظّم يهود إسرائيل قبر أبى حصيرة فى دمتيوة ، ويزورونه تبركا كل عام ، وكان أبو حصيرة من أوليائهم ، والغريب أن الحكومة والأهالى لم يمنعا ذلك ولم يزيلا القبر! وإنا لندعو الله أن يفصل

٩٣٤

أولوا الأمر فى مصر بين قبور أهل البيت والأولياء وبين المساجد المسماة باسمهم فصلا تاما ، وحسبنا الله.

* * *

١٩٤٠ ـ صلاة تحية المسجد

فى الحديث : «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» ، وركعتا المسجد يقال لهما صلاة تحية المسجد ، ويمكن أن تتأدى بأقل من ركعتين ، والأمر للندب. ولمّا دخل أحدهم المسجد ورآه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يركعهما ، سأله : «أركعت ركعتين»؟ قال : لا. قال : «قم فاركعهما» ، فسنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن يدخل المسجد أن لا يجلس حتى يصلّى هاتين الركعتين قبل جلوسه ، فإذا جلس قبل الصلاة سنّ له أن يقوم فيصلّى.

* * *

١٩٤١ ـ البيت مثابة للناس وأمن

بيت المقدس والبيت الحرام مسجدان ، إلا أن البيت الحرام يحج إليه ، وبيت المقدس لا يحج إليه ، والمكان الوحيد الذى يتوجه إليه الناس فى صلواتهم أينما كانوا فى الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب من العالم هو المسجد الحرام ، كقوله تعالى : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (١٤٤) (البقرة). وفى قوله : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً) (٩٧) (البقرة) تأكيد للأمر باستقبال الكعبة ، فمن استعاذ بالحرم أمن وثاب ، كقوله : (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) (٩٧) (آل عمران) ، والمثابة : هى المعاودة إليه المرة تلو الأخرى ، أو أن المثابة من الثواب ، أى يثابون بالصلاة فيه ؛ والأمن فيه : أن لا يلحق من يدخله ضرر أو مظلمة ، كقوله : (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ) (٩٧) (المائدة) ، وجعلها : أى خلقها ؛ وقياما للناس : أى صلاحا ومعاشا ، لأمن الناس بها ، فعظّم الله فى قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع فى نفوسهم هيبته ، وعظّم حرمته ، فمن يلجأ إليه يعصم به ، ومن يضطهد كان به محميا ، كقوله : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) (٧٦) (العنكبوت) ، فلما كان البيت قد لا يدركه كل مظلوم ، ولا يدركه كل خائف ، جعل الشهر الحرام ملجأ آخر.

* * *

١٩٤٢ ـ حكم المساجد كلها هو حكم البيت الحرام

الأمر للمؤمنين أن يطهّروا مساجدهم ، كقوله تعالى : (وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (١٢٥) (البقرة) ، والطائفون : الذين يطوفون

٩٣٥

بالبيت ؛ والعاكفون : الملازمون للبيت ؛ والركّع السجود : المصلّون يفعلون الركوع والسجود. وتطهير البيت فيه معنى تطهير كل بيوت تتّخذ مصلّى ، وحكمها حكمه فى التطهير والنظافة ، وإنما خصّ الكعبة بالذكر لأنه لم يكن غيرها ، ولكونها الأكثر حرمة : وفى الحديث : «إن المسجد لينزوى من النجاسة كما ينزوى الجلد من النار» ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا فى الجنة». وعن عائشة قالت : أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن نتخذ المساجد فى الدور ، وأن تطهّر من كل قذر ووسخ ، وتنزّه عن الروائح الكريهة ، وتطيّب ، ويمنع فيها كلام الناس. وفى القياس : أن كل من يتأذّى منه جيرانه فى المسجد ، كأن يكون سفيها أو ذا رائحة قبيحة لسوء صناعته ، أو لعاهة مؤذية ، وكذلك كل من يتأذّى به المصلون فى المسجد ، فلهم إخراجه من سكنه أو محله ؛ ومثله من يعرف عنه الكذب والتقوّل بالباطل ، فإن ذلك يؤذى ، ويكره منه لذلك التردد على المساجد ، لأنه لن يتحدث أو ينقل عنها إلا العورات والمعايب. والسؤال الآن : فهل تزيّن المساجد وتنقش؟ والجواب : أن عمر بن العزيز نقش المسجد النبوى وبالغ فى عمارته وتزيينه ، وأن الوليد بن عبد الملك أنفق فى عمارة مسجد دمشق وتزيينه مثل خراج الشام ثلاث مرات. وكذلك فعل النبىّ سليمان عند ما بنى بيت المقدس ، وقد فطر الناس على حبّ الجمال وطلبه.

* * *

١٩٤٣ ـ التزيّن للصلاة فى المساجد

لم يكن الناس فى الجاهلية يتزينون للطواف ، وكانوا على البدعة فطوافهم إما عرايا ، أو فى غير ثيابهم ، أو فى ثياب مهنتهم ، فنزلت الآية : (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (٣١) (الأعراف) ، والخطاب فيها عام ، ولجميع العالم ، وإن كان كما قيل قد قصد به العرب الذين كانوا يطوفون بالبيت عرايا ، لكن العبرة للعموم لا للسبب ، والطواف لا يكون إلا فى بيت واحد هو البيت الحرام ، لكن الآية تتحدث عن مسجد ، والذى يعم كل مسجد هو الصلاة ، وعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خذوا زينة الصلاة» ، فالمسألة فى الصلاة فى المساجد ليست مجرد ما يستر العورة كما قيل ، ولكنها أحسن الثياب ، وأحسن سمت ثياب ينبغى أن يكون عليه المسلم ، وفى ذلك قال عمر : إذا وسّع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم. يعنى البسوا وتزيّنوا.

* * *

١٩٤٤ ـ لكل نبىّ قبلة

فى الآية : (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (١٤٨) (البقرة). الوجهة هى القبلة حدّدها الله لكل صاحب ملّة وولّاه إياها ، والمسجد الحرام هو قبلة المسلمين ، واستباقهم إليه

٩٣٦

بالخيرات ، وقيامهم فيه أو إليه فى القبلة ، وهى عرفا ما يصلّى نحوها من الأرض أينما كانت إلى السماء مما يحاذى الكعبة. و «أهل القبلة» هم أهل مكة ، والكعبة قبلتهم ، ثم قبلة أهل الحرم ، والحرم قبلة العالم كله أو الآفاق ، توسعة على الناس ، وفى الاصطلاح يقال المغرب قبلة أهل المشرق ، وبالعكس ، والجنوب قبلة لأهل الشمال وبالعكس. وقوله تعالى : (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) (يونس ٨٧) ، القبلة هى المساجد ، فاجعلوها كالمساجد ووجهوا الصلاة فيها إلى القبلة ، وذلك إذا أخافهم الحاكم الظالم أو المحتلّ لبلادهم ، فأذن لهم أن يصلوا فى البيوت ما داموا فيها سيكونون على أمن ، وفى الحديث : «جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا» أى ليس البيوت فقط يمكن الصلاة فيها بدلا من المساجد ، وإنما الأرض كلها مسجد للمسلمين ، فحيثما أدركتم الصلاة صلّوا ، وصلاة النافلة فى البيوت أفضل منها فى المساجد ، ولما أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مسجد بنى الأشهل صلى فيه المغرب ، فلما قضوا الصلاة رآهم يصلون بعدها ، فقال لهم : «هذه صلاة البيوت». وسواء كانت الصلاة فى المسجد أو البيت أو الخلاء فالتوجّه للقبلة اجتهادا.

* * *

١٩٤٥ ـ المسجد الحرام قبلة ترضى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم

القبلة التى يرضاها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الآية : (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (١٤٤) (البقرة) هى الكعبة ، وهى المسجد الحرام ؛ والشطر هو الناحية ، يعنى أن ما يرضيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو أن يولّى وجهه ناحية المسجد الحرام ، وقد ولّاه الله تعالى ذلك وأمر المسلمين به حيثما كانوا ، فهم يتوجهون كلّ حسب موقع بلاده ، فموقع أهل المدينة بالنسبة للمسجد الحرام يجعل قبلتهم إلى المشرق ، وقبلة هؤلاء بخلاف قبلة أهل المغرب العربى مثلا ، وبخلاف قبلة أهل تركستان وكازاخستان ومسلمى الصين والهند إلخ. وفى الحديث : «البيت كله قبلة لأهل المسجد ، والمسجد قبلة لأهل الحرم ، والحرم قبلة لأهل الأرض فى مشارقها ومغاربها من أمّتى». وقوله تعالى : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (١٤٢) (البقرة) لأن المسجد الحرام بالنسبة إلى بعض الناس يكون فى اتجاه المشرق ، ولبعضهم فى اتجاه المغرب بحسب مواقع بلادهم. ولا خلاف أن الكعبة قبلة فى كل أفق ، ويفرض على من يشاهدها ويعاينها أن يستقبلها ، ومن يغب عنها فعليه أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها وجهتها. واستخلص من ذلك مالك : أن المصلّى حكمه أن ينظر أمامه ـ شطر ـ لا إلى موضع سجوده.

* * *

٩٣٧

١٩٤٦ ـ قبلة المسلمين عربية

القبلة : هى الجهة ؛ وقبلة المصلّى : هى الجهة التى يصلّى نحوها ، والجمع فى التكبير قبل ، وفى التسليم قبلات ، وقبلات ، وقبلات. وفى الآية : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (١٤٤) (البقرة) ، قيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ظل يصلى فى مكة وقبلته إلى الكعبة كما كان يصلى إبراهيم وإسماعيل ، فلما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر ، أراد أن يستألف اليهود فتوجه إلى قبلتهم ليكون ذلك أدعى لهم ، ولم يكن الله تعالى قد أمره بشيء بعد بهذا الخصوص ، وكان قلبه مع القبلة فى مكة ، فلما استيقن عناد اليهود وأيس منهم ، كان كلما صلّى يرفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر به ، وكان يحب أن يوجّه إلى الكعبة ، فكان ما تمنّى وأنزل الله : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ). وكانت الكعبة قبلة إبراهيم ولم تكن كذلك بيت المقدس ، وما صلى إسماعيل وإسحاق ويعقوب إلى بيت المقدس ، وكان توجه الجميع إلى «المشرق» فى صلاتهم وما يزال ، واليهود والنصارى هذا توجههم. والكعبة عربية وأولى بالعرب فى دينهم الإسلام ، وفى التوجه إليها مخالفة لليهود. وقيل كان سليمان يصلى إلى صخرة الهيكل وتوجهه إلى المشرق ـ يعنى إلى الكعبة ، والكعبة بوضعها كانت قبلة كل الأنبياء ، وقال المستشرق فينسنك : إن الساميين جميعهم يصلّون إلى المشرق. وميزة الكعبة أنها عربية ، وتوجّه اليهود إلى المشرق كان كأنما يتوجهون إلى الكعبة ، وكأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو فى المدينة ، فى توجهه إلى بيت المقدس كان ما يزال يتوجه إلى الكعبة فى مكة. وكانت بعض المساجد فى المدينة تجعل قبلتها إلى الكعبة كمسجد صالح. والفرق بين التوجه إلى الكعبة. أو إلى بيت المقدس طفيف للغاية وقد يفوت على كثيرين. والمهم : أن القبلة صارت رسميا إلى الكعبة العربية بنزول هذه الآية ، فكأن هذه الآية كانت تعريبا صريحا للقبلة.

* * *

١٩٤٧ ـ تحويل القبلة كبر على المتشككين

لمّا نزل الأمر بالقبلة ، وكانت هذه هى التحويلة أو التولية الثانية ، تشكك البعض من أهل النفاق ، وحنق اليهود ، وسرّ المشركون ، وكانوا جميعا على قول واحد : (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) (١٤٢) (البقرة) ، فنزلت : (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) (١٤٣) (البقرة) ، وذلك دليل على أن البعض فعلا ترك الإسلام بسبب ذلك ، ولم يثبت إلا المؤمنون الذين

٩٣٨

هدى الله وصدّقوا الرسول ، ومن تشكك كانت حجته أن الأمر فى الإسلام غير مستقر ، فتارة مكة هى القبلة ، وتارة بيت المقدس ، وتارة يأتى الأمر بالعودة إلى الكعبة ، فأنزل الله : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (١٤٢) (البقرة) ، أى أيّما اتجاه يأمركم به الله فهو قبلتكم ، وأينما تولوا وجوهكم فثمة وجه الله ، وله الأمر جميعا ، فإن شاء أمر بالكعبة أو ببيت المقدس أو بالكعبة ثانية ، وما الإيمان إلا الامتثال لأمره تعالى ، وبالطاعة أو العصيان يتميز المؤمن من الكافر ، وتحويل القبلة قد يعظم عند البعض ، وهؤلاء يدفعهم المرض فى قلوبهم إلى ما يقولون ، كمثل قوله تعالى : (وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) (١٢٥) (التوبة) ، وقوله : (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) (٤٤) (فصلت) ، وقوله : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) (٨٢) (الإسراء).

* * *

١٩٤٨ ـ القبلة نسختها السنة مرة والقرآن مرة

فى الآية : (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٤٢) (البقرة) أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة كان موضع تساؤل السفهاء ، جمع سفيه وهو الخفيف العقل البهّات الكذّاب ، والظلوم الجهول ، والمراد بالسفهاء يهود المدينة : قالوا : محمد قد التبس عليه أمره وتحيّر ؛ والمنافقون قالوا : محمد اشتاق إلى مولده ، وعن قريب يرجع إلى دينكم. فما ذا كانت قبلة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى مكة ، ثم فى المدينة؟ قيل : فى مكة كانت قبلته إلى الكعبة ، ثم صارت إلى بيت المقدس فى المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ، ثم صرف إلى الكعبة. وقيل : أول ما افترضت الصلاة عليه ، توجّه فى صلاته إلى الكعبة ، وكان يصلى فى الكعبة نفسها ، ولم يزل يصلى إليها طوال مقامه بمكة ، ولم يكن قد فرض عليه أن يولّى وجهه فى الصلاة نحو الكعبة أو غيرها ، ولكنه فعل ذلك اجتهادا بحكم العادة وما كان يفعله أهل مكة ، فلما قدم إلى المدينة ، صلى إلى بيت المقدس إلى أن صرف عنها إلى الكعبة ، ولم يكن قد صدر إليه أمر بذلك ، ولكنه فعل ذلك اجتهادا منه ، وكما كان يفعل الناس فى المدينة ، يقلّدون اليهود ، فكأن توجّهه فى مكة إلى الكعبة كان من السنّة ـ أى من عنده ـ ثم توجّهه فى المدينة إلى بيت المقدس كان من السنّة أيضا ، أى من عنده ، فكأن السنّة بشأن القبلة نسختها السنة مرة ، لما حوّلت القبلة من الكعبة إلى بيت المقدس ، ثم نسخ القرآن النسخ مرة أخرى عند ما حوّل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فدلّ ذلك على أن القرآن ينسخ السنة. وكان

٩٣٩

النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول ما صلى ، صلّى إلى بيت المقدس وليس فى ذلك قرآن ، فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة ، ثم نسخ ذلك بالقرآن.

* * *

١٩٤٩ ـ لما ذا اختيار بيت المقدس قبلة بدلا من الكعبة

قيل : القبلة فى المدينة ظلت طوال ستة عشر شهرا أو سبعة عشر إلى بيت المقدس ، عن رأى واجتهاد من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان له الخيار بين بيت المقدس وبين الكعبة ، فاختار القدس طمعا فى إيمان اليهود واستمالتهم ، وامتحانا لقريش ، لأنهم ألفوا الكعبة فأراد أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ، لينكشف من يتبعه ممن لا يتبعه ، ثم نسخ الله اجتهاده وأمره بالصلاة إلى الكعبة ، كقوله : (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ) (١٤٣) (البقرة) ، والمعنى كما قيل : ليميز الله أهل اليقين من أهل الشك. وعلمه تعالى علم معاينة يوجب الجزاء ، وإلا فهو سبحانه عالم الغيب والشهادة ، ويعلم ما يكون قبل أن يكون ، مثل قوله تعالى : (وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) (آل عمران ١٤٠) ، وقوله : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) (٣١) (محمد).

* * *

١٩٥٠ ـ بيت المقدس لم يبنه إبراهيم ولا صلّى إليه

فى التوراة : أن إبراهيم لمّا هاجر من أور الكلدانيين إلى أرض كنعان ، اجتاز إلى موضع شكيم وإلى بلوطة مورة ، وتجلّى له الربّ هناك ، فبنى مذبحا للربّ ، ثم بنى مذبحا غربى بيت إيل وشرقى العاى (التكوين ١٢ / ٦ ـ ٨) ، وبنى مذبحا آخر فى بلوط ممرا بنابلس (تكوين ١٣ / ١٨). ولما أمر بذبح ابنه كان ذلك فى أرض مورية بالقرب من بئر سبع. وأما إسحاق فإن الربّ تجلّى له فى بئر سبع وهناك بنى مذبحا (التكوين ٢٦ / ٢٥) ، وفى لوز أقام يعقوب نصبا وأطلق على المكان بيت إيل (تكوين ٢٨ / ١٩) ، وأقام مذبحا فى شكيم مدينة أهل شكيم أى نابلس (تكوين ٢٣ / ٢٠) ، وآخر فى بيت إيل (تكوين ٣٥ / ٧) عبارة عن نصب من حجر. وأما موسى فبنى مذبحا أسفل جبل سيناء (الخروج ٣٠ / ١) ، وبنى بلعام سبعة مذابح فى بعل (العدد ٢٣ / ١). والذى فكر فى بناء البيت فى القدس هو داود ، وأعدّ له العدّة والمكان فوق جبل مورية ، وأكمله سليمان (١ أحبار ١٧ / ١٢) حوالى سنة ٩٦٨ ق. م ، وهدمه البابليون سنة ٥٨٧ ق. م ، ثم بناه زربابل سنة ٥٣٨ ق. م ، ورمّمه هيرودس سنة ٢٠ ق. م ، وتم الترميم فى عهد أغريباس الثانى سنة ٦٤ م. وبيت المقدس ـ ولا أى بيت لله يهودى ـ لم يأمر به الله كما رأينا ، ولكنه كان اجتهادا من كل منهم فلا تثريب على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذن أن يتمنى لو يصرف عن بيت المقدس إلى الكعبة ، لأن الكعبة هى ميراث إبراهيم وليس بيت المقدس ، كقوله : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ) (١٢٧)

٩٤٠

(البقرة). والدليل على صدق رواية القرآن أنه يصادق على ما ورد فى التوراة عن إبراهيم ، حيث كان دأبه أن يقيم المذابح والأنصاب لله ، والآية تقول بالضبط ما كان يفعله فى كل ما كان يبنيه أو يقيمه بالحجارة ويرفع قواعده ، وفى هذه المرة لم يقم مذبحا ولا نصبا وإنما بنى بيتا حقيقيا بقواعد. وهذا البيت نفسه هو الذى كان يتمناه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم للمسلمين ، لأنه فعلا بيت لله بكامل معنى البيت.

* * *

١٩٥١ ـ هوى اليهود أن يكون بيت المقدس قبلة المسلمين

قبلة بيت المقدس كانت إلى المشرق ، وقبلة الكعبة كانت إلى المشرق ، وفى مكة كانت قبلة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مكة ، وفى المدينة توجه إلى بيت المقدس لعل اليهود يؤيدون الإسلام ، فيمكن من بعد توجيههم إلى الكعبة ، ولكنهم عادوه وهزءوا من الإسلام ، فنزلت الآية : (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (١٤٥) (البقرة) ، لأن أهل الكتاب ما آمنوا بأية آية أتى بها لإقناعهم ، وقوله : (ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) دليل على أن الكعبة كانت قبلته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإن بدا أنه يتوجه إلى بيت المقدس ، فكما قلنا إن بيت المقدس والكعبة كلاهما يتوجه إلى المشرق ، فلا تدرى هل المصلى يصلى إلى الكعبة أم إلى بيت المقدس ، والفرق فى التوجه ضعيف. وقوله : (وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) فيه نفى أنه كان يتبع قبلتهم على الحقيقة ، أو أنه منذ الآن لن يتبع قبلتهم. وقوله : (وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) دليل على أن إجماع اليهود لم يكن ينعقد على بيت المقدس قبلة ، ولكن قبلتهم كانت المشرق ، وكان يهود السامرة يجعلون قبلتهم إلى جبل جرزيم حيث اعتقادهم أن الهيكل بنى هناك ، وقوله : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) دليل على أن هوى اليهود كان أن يتخذ المسلمون بيت المقدس قبلة لهم ، ففي ذلك إقرار بتبعية الإسلام لليهودية ؛ والعلم : هو ما أعلمه به الله : أن تكون الكعبة هى قبلته. والحمد لله ربّ العالمين!

* * *

١٩٥٢ ـ الحقّ الذى يعرفه اليهود كأبنائهم

لم يفرض على اليهود فى كتبهم التوجه فى الصلاة إلى بيت المقدس ، فهذا شىء جديد لم يعرفوه إلا فى حكم داود وسليمان ، وكانوا قبل ذلك يصلون حيثما يوجّه تابوت العهد أو خيمة الشهادة ، أو أنهم كانوا يتوجهون فى صلاتهم ناحية المشرق كما فعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب عند ما كانوا يقيمون الأنصاب لله ويصلون إليها ، وفى الآية : (وَلَئِنِ

٩٤١

اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة) ، إخبار بأنهم يعلمون ذلك ، وأن الحق ليس معهم فى مماراتهم للمسلمين حول تحويل القبلة عن بيت المقدس ، بنزول الأمر للمسلمين بالانصراف عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة ، فبيت المقدس كقبلة لم يكن فرضا على اليهود ، ولا على النصارى ، وإنما كان اليهود إذا صلوا يصلون فرادى أو جماعات إلى أى اتجاه ، وغالبا ناحية المشرق ، وإذا كانت هناك خيمة شهادة أو تابوت الشهادة استقبلوهما كما قلنا سابقا ، وصلاتهم دعاء ، إلا ما علّم المسيح النصارى فيما يسمونه الصلاة الربّانية والتى يبدءونها بالدعاء : «أبانا الذى فى السموات» ، فهذا هو ما يعلمه اليهود والنصارى أنه الحق من ربّهم : «أن التوجه لبيت المقدس ليس فرضا». فإذا كان الأمر كذلك ، فلما ذا ينتقدون المسلمين لمّا نزل عليهم تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة؟ وكانوا يعلمون أن الله لم يقرر بيت المقدس كقبلة للمسلمين ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرره على المسلمين باجتهاده ولم يكن راضيا رغم ذلك ، وكان يرفع رأسه إلى الله يدعوه ويبتهل له أن يلزم المسلمين بقبلة تخصّهم ، وأن يأتى الأمر منه تعالى بذلك ، وهذا كله كان يعرفه أهل الكتاب ، ويعلمون أنه الحق من ربّهم ، لا انتحال فيه ولا اعتذار. وهذا الأمر من الله بالقبلة حدث لأول مرة فى تاريخ الديانات ، ولم تسبق إليه ديانة قبل الإسلام ، ونبّه إلى ذلك الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «حسدتكم اليهود على القبلة» ، ونزل به القرآن فقال : (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (١٤٦) (البقرة) ، فهذا الذى يعرفونه كأبنائهم هو أن بيت المقدس لم تكن قبلة بمعنى القبلة ، وأن القبلة بالمعنى الإسلامى شىء جديد تماما ، ولكن اليهود كدأبهم ظلوا يمارون ويجحدون ويجادلون بالباطل ، وكتموا الحق وهم يعلمون أنهم يكتمون الحق ، ومثل ذلك حدث معهم لما أنكروا الرجم فى التوراة ، فشهد عليهم بالكذب عبد الله بن سلام ، وكان يهوديا وأسلم ، وفى ذلك نزل القرآن : (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) (١٠) (الأحقاف).

* * *

١٩٥٣ ـ استقبال الكعبة هو الحق لا مراء فيه

يقول تعالى مخاطبا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإنما حقيقة الخطاب لأمة محمد ، يطمئنهم أن الكعبة كقبلة هى الحق من عند الله وليس بيت المقدس : (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (١٤٧) (البقرة) ، والامترار فى الشيء هو الشك فيه ، وكذا التمارى ، والممترون هم الشاكون ، والمرية هى الشك. وفى الآية أن الامتراء يمكن أن يحدث بإصرار اليهود بادعائهم العلم وتلبيسهم على من يستمع إليهم.

* * *

٩٤٢

١٩٥٤ ـ اليهود يحسدوننا على القبلة

لمّا جاء الأمر بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب ، ارتياب وزيغ عن الهدى ، وتخبيط وشك ، وقال اليهود : (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ...) (١٤٢) (البقرة) ، كأنهم يقولون : ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا ، وتارة يستقبلون كذا؟ فكان الجواب عليهم منه تعالى ، قال : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (١٤٢) (البقرة) أى له الحكم والتصرف ، وقال : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (١١٥) (البقرة) ، فحيثما يوجهنا نتوجه ، والطاعة له فى امتثال أوامره ، ولو وجهنا فى كل يوم مرات إلى جهات متعددة لفعلنا. وقال : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٤٢) (البقرة) ، وفى ذلك الحديث عن عائشة فى أهل الكتاب قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنهم لا يحسدوننا على شىء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التى هدانا الله لها وضلّوا عنها ، وعلى القبلة التى هدانا الله لها وضلّوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام آمين».

* * *

١٩٥٥ ـ حقيقة نسخ القول بأن القبلة إلى أى اتجاه

إذا كان استقبال الكعبة أمرا من الله تعالى ، كقوله : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (١٤٤) (البقرة) ، فلما ذا كان قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) (١١٥) (البقرة)؟ والجواب : أن البعض قال إن آية : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) ، نزلت كردّ على اليهود لما تساءلوا مستهزئين : (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) (١٤٢) (البقرة) ، ونزلت : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (١١٥) (البقرة) ، تعنى قبلة الله أينما تتوجهون شرقا أو غربا ، فما من ناحية تتوجهون إليها بصلواتكم إلا كان الله تعالى فى ذلك الوجه وتلك الناحية ، لأنه تعالى له المشارق والمغارب ولا يخلو منه مكان ، كما قال : (وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) (٧) (المجادلة). وقيل : ثم نسخ ذلك بالفرض الذى فرضه تعالى بالتوجه إلى المسجد الحرام. ولا نرى أن الآية قد نسخت ، لأنها نزلت فى شىء آخر وهو صلاة السفر ، فيمكن للمسافر أن يصلى فى السفر لأى اتجاه ، وروى عن ابن عمر أنه كان يصلى وهو راكب راحلته ، إلى أى اتجاه تكون عليه ناقته ، فكذلك المسافر بالسيارة والقطار ، وبالمركب والطائرة ، والجندى داخل الدبابة ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يفعل ذلك ويتأوّل هذه الآية. وكذلك من تعمى عليه القبلة فلا يعرف شطرها ، فله أن يصلى فى أى اتجاه ، وصلاته ماضية. وكذلك من يصلى فى الغيم ، أو فى الظلام ، أو فى الخوف الشديد ، وفى المرض ، فصلاته جائزة لغير

٩٤٣

القبلة. وكذلك فى غير السفر على الدابة أو فى السيارة يومئ إيماء ، وكان أنس بن مالك يصلى على حمار فى أروقة المدينة ويومئ إيماء ، ويجوز لكل راكب وماش ، سواء فى الحضر أو فى السفر ، أن يصلى إيماء فى وسيلة المواصلات التى يتخذها أو وهو ماش على رجليه.

* * *

١٩٥٦ ـ فى الأسفار لا يلزم استقبال القبلة

فى قوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) (١٤٩) (البقرة) وجوب استقبال المسجد الحرام فى السفر ، وعن أنس : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا كان فى سفر فأراد أن يصلى على راحلته استقبل القبلة وكبّر ثم صلّى حيث توجهت به. وقيل : لا يلزمه الاستقبال ، وعن ابن عمر : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلى وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته ، وقال : وفيه نزل : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (١١٥) (البقرة).

* * *

١٩٥٧ ـ وقت تحويل القبلة

عن ابن عمر قال : كان أهل قباء يصلون الصبح فجاءهم من يبلغهم أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أوحى إليه أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، فكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. وعن البراء ، قال : صلّى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وصلّى أول صلاة صلاها إلى الكعبة فى المدينة : صلاة العصر. وعن آخرين قالوا : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلى الظهر فى مسجد بنى سلمة ، فنزل عليه بعد ركعتين منها ، فتحوّل فى الصلاة ، فسمىّ ذلك المسجد : مسجد القبلتين. وأكثر الروايات على أن الآية نزلت فى غير صلاة. وقيل : إن أول صلاة فى المدينة إلى الكعبة كانت العصر ، وروى أن أول من صلى إلى الكعبة حين صرفت القبلة عن بيت المقدس : أبو سعيد بن المعلّى ، سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلن الناس بتحويل القبلة ، فأسرع وصلى ركعتين قبل أن ينتهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من خطبته ، فلما انتهى صلى بالناس الظهر.

وقيل : إن تحويل القبلة كان فى رجب من سنة اثنتين ، وقيل : صلى فى المدينة إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء ، لأن قدومه إلى المدينة كان يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، وأمره الله تعالى باستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان.

* * *

٩٤٤

١٩٥٨ ـ طريق المعرفة إلى القبلة

معنى الآية : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) (البقرة ١٤٤) : أن الصلاة تكون إلى المسجد الحرام لو كان مرئيا ، وإن كان محجوبا فبالدلائل والأعلام ، أو أن يصلى المسلم باجتهاد ، وطالما أنه مكلّف وملزم بالصلاة إلى المسجد الحرام ، فعليه أن يبحث ويتحرّى ليحصل له العلم بالقبلة ، ومن يترك البحث والفحص فكأنه ترك واجبا ، وإن عجز أخذ بالظن حيث لا طريق إلى العلم ، وإن عجز عن تحصيل الظن قلّد سواه ، وإن لم يجد من يقلّده ، عمل بالاحتياط على قدر إمكانه ، ويجب عليه إن أراد أن يصلى ، أو يعمل عملا يتطلب استقبال القبلة ، كالذبح أو الصلاة على الميت ودفنه ، أن يحصّل العلم بوجهته إلى القبلة بأية طريقة كانت ، سواء بالمعاينة أو أية قرينة من القرائن. ويجزى التحرّى أبدا إن لم يعلم وجه القبلة. ويسقط الاستقبال شرعا مع العجز عنه ، أو مع عدم الاستقرار ، كالصلاة فى الطائرة تحلق فى السماء ، أو المركب تمخر البحر ، فحيثما كانتا كانت قبلته ، وأما فى حال الاستقرار فشرط القبلة شىء آخر.

* * *

١٩٥٩ ـ عشرة ماتوا بعد فرض الصلاة وقبل تحويل القبلة

الذين ماتوا بعد فرض الصلاة وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشرة أنفس ، فبمكة من قريش : عبد الله بن شهاب ، والمطّلب بن أزهر ، والسكران بن عمرو العامرى ، فهؤلاء ثلاثة ؛ والذين ماتوا بأرض الحبشة : حطّاب بن الحارث الجمحى ، وعمرو بن أمية الأسدي ، وعبد الله بن الحارث السهمى ، وعروة بن عبد العزّى ، وعدىّ بن نضلة ، فهؤلاء خمسة ؛ ومن الأنصار بالمدينة : البراء بن معرور ، وأسعد بن زرارة ، فهؤلاء عشرة. ومات أيضا إياس بن معاذ الأشهلى ولكنه مختلف فى إسلامه. وهؤلاء جميعا ماتوا ولم يقتلوا ، لأنه لم يقتل أحد من المسلمين قبل تحويل القبلة ، إلا سويد بن الصامت ، فهذا التقى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واستمع إليه ، واستحسن قوله ، ولكنا لم نعرف أنه أسلم ، وأنصرف إلى المدينة بعد لقائه بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيها قتل فى وقعة بعاث ، وكانت قبل الهجرة ، ولأسباب بعيدة عن الإسلام ، وأكد أهله من بعد أنه قتل وهو مسلم. ومن المستضعفين مات بمكة من التعذيب والدا عمّار ، ولكنا لا نعرف هل ماتا قبل الإسراء أم بعده؟

* * *

١٩٦٠ ـ مقام إبراهيم

المقام : من قام يقوم ، وهو مقام من أقام ، ويكون مصدرا واسما للموضع. ومقام إبراهيم : هو الحجر الذى يصلون عنده ركعتى طواف القدوم فى الكعبة. وعند مسلم من

٩٤٥

حديث جابر : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا رأى البيت ، استلم الركن ، فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (١٢٥) (البقرة) ، فصلّى ركعتين قرأ فيهما : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) ، و (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ). وفى البخارى أن مقام إبراهيم : هو الحجر الذى ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التى كان إسماعيل يناولها إياه فى بناء البيت الحرام. واتخاذ المقام مصلّى عند البعض مدعى يدعى فيه ؛ وعند البعض موضع صلاة يصلّى عنده. وقيل المقام : قبلة يقف الإمام عندها.

* * *

١١ ـ الذكر والتسبيح والدعاء

* * *

١٩٦١ ـ حقيقة الذكر

فى الآية : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) (٢٤) (الكهف) ، أن آفة الذكر النسيان ، فإذا نسيت اذكره تعالى ، ولكى لا تنسى استثن باسمه تعالى وقل : «لا إله إلا الله» فلا تنسى ، أو قل : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ، أو قل : «الله» وكفى ، وفى القرآن يقول تعالى : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة ١٥٢) ، ويقول : (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) (العنكبوت ٤٥) ، وفى الحديث : «مثل الذى يذكر ربّه والذى لا يذكر ربّه مثل الحىّ والميت». والصلاة ذكر ، ولكن الذكر ـ كما فى الآية ـ أكبر من الصلاة ، أو قمة الصلاة. والمراد بالذكر ألفاظ مثل : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، وما يلتحق بها من الحوقلة ، والبسملة ، والحسبلة ، والاستغفار ونحو ذلك ، والدعاء بخير الدنيا والآخرة ، وكتلاوة القرآن والحديث ، ومدارسة العلم ، والتنفّل بالصلاة. ثم الذكر يقع تارة باللسان ، وتارة بالقلب وهو الأكمل. والمراد بذكر اللّسان : ألفاظ التسبيح والتحميد والتمجيد ؛ وبذكر القلب : التفكّر فى أدلة الذات والصفات ، وأدلة تكاليف الأمر والنهى ، وأسرار مخلوقات الله. والذكر بالجوارح : هو الاستغراق فى الصلاة ومختلف الطاعات كالتسبيح وغيره ، ولذلك سميت الصلاة ذكرا ، لأنها تذكّر بالله وبالطاعات ، كقوله تعالى : (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ) (٩) (الجمعة). وقيل الذكر سبعة أنواع : فذكر العينين : بالبكاء ؛ وذكر الأذنين : بالإصغاء ؛ وذكر اللسان : بالثناء ؛ وذكر اليدين : بالعطاء ؛ وذكر البدن : بالوفاء ؛ وذكر القلب : بالخوف والرجاء ؛ وذكر النفس : بالتسليم والرضاء. ـ وما من عمل صالح إلا والذكر مشترط فى تصحيحه ، فمن لم يذكر الله بقلبه عند صدقته أو صيامه مثلا ، فليس عملا كاملا ، فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه

٩٤٦

الحيثية ، وقيل : الذكر خروج من ميدان الغفلة إلى قضاء المشاهدة ، وحقيقته : أن تنسى سوى المذكور ؛ وأقسامه : ذكر العوام : وهو ذكر اللسان ؛ وذكر الخواص : وهو ذكر القلب ؛ وذكر خاصة الخاصة : وهو غيبة الذاكر فى المذكور. ومن الذكر ما يكون فرديا وهو الغالب ، وما يكون جماعيا. وليس كل من ادّعى الذكر بذاكر ، والذكر مختلف والمذكور واحد ، ومحل قلوب الذاكرين متفاوت. ووجه الذكر : الأول هو التهليل والتسبيح وتلاوة القرآن ؛ والثانى : تنبيه القلب بالتذكير بالله وأسمائه وصفاته ، فذكر الراجين على وعده ، وذكر الخائفين على وعيده ، وذكر المتوكلين على ما كشف لهم من كفايته ، وذكر المراقبين على مقدار ما طلع عليهم باطّلاعه عليهم ، وذكر المحبين على قدر تصفّح النعماء.

* * *

١٩٦٢ ـ كيف يكون الذكر؟ ومتى يكون؟

فى الآية : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) (٢٠٥) (الأعراف) ، قيل الذكر : الدعاء ، وقيل هو القراءة فى الصلاة ، ونظيره : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) (٥٥) (الأعراف) ، ومعنى خفية : سرا فى النفس ليبعد عن الرياء ، وفعل ذلك النبىّ زكريا : (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) (٣) (مريم) ، ومثله قول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من رواية أحمد وابن حبان والبيهقى : «خير الذكر : الخفىّ ؛ وخير الرزق : ما يكفى». وفى الآية : الذكر الخفى : هو الذى يكون فى النفس ؛ والتضرع : هو أن يكون فى خشوع ؛ وخيفة : هو أن يكون عن خوف ؛ ودون الجهر : أى لا يرفع فيه الصوت ، بين الجهر والمخافتة ؛ والآية دليل على أن رفع الصوت بالذكر كما يفعل الصوفية ليس هو المطلوب. والزمن الأمثل للذكر بالغدو ، أى الفجر ، والآصال : أى العشيات.

* * *

١٩٦٣ ـ الصلاة ذكر لله تعالى

فى صلاة الخوف ، لما نزلت الآية : (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) (١٠٣) (النساء) ، قرن الناس بين الذكر وهذه الصلاة ، باعتبار الذكر مأمور به إثر هذه الصلاة ، أى إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله بالقلب واللسان ، على أى حال كنتم ، قياما أو قعودا أو على جنوبكم ، والذكر المأمور به عقب صلاة الخوف من نوع التكبير والتهليل والدعاء بالنصر ، ونظيره : (إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٤٥) (الأنفال). وقيل : إن الصلاة فى دار الحرب تكون والمعركة محتدمة ، بذكر الله بالتكبير والتسبيح والحمد ، قياما أو

٩٤٧

قعودا ، أو على جنوبكم ، أو على أى وضع تكونون ، واذكروه فى مشيكم أو عدوكم ، والذكر صلاة. أو أن الذكر فى الآية هو الصلاة المكتوبة وقد اشتملت على الأذكار المفروضة والمسنونة ، فإذا صليتم صلاة الخوف ، ثم بعد ذلك اطمأننتم وأمنتم ، فأقيموا الصلاة بأركانها دون تقصير ، وبكمال هيئتها وعددها ، والسبب كما تقول الآية : (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) (١٠٣) (النساء) ، أى موقّتة بأوقاتها المفروضة. والصحيح أن الذكر فى الحروب يأتى قبل صلاة الخوف وبعدها ، تسلية للمؤمن ، ورفعا لروحه المعنوية ، وتثبيتا لإيمانه ، وتقوية لقلبه ، وبثا لشجاعته.

* * *

١٩٦٤ ـ الذكر بالطاعة

الذكر : هو التنبّه بالقلب المذكور والتيقّظ له ، وسمى الذكر باللسان ذكرا لأنه دلالة على الذكر القلبى ، فلما كثر إطلاق الذكر على القول اللسانى صار هو السابق للفهم ، وفى الآية : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (١٥٢) (البقرة) : أن الذكر هو طاعته تعالى ، فيذكرهم بالثواب والمغفرة ، ومن لم يطع الله لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل ، وفى الحديث : «من أطاع الله فقد ذكر الله ، وإن أقلّ صلاته وصومه وصنيعه للخير ، ومن عصى الله فقد نسى الله ، وإن كثّر صلاته وصومه وصنيعه للخير» ، وفى الحديث كذلك : «أنا مع عبدى إن هو ذكرنى ، وتحرّكت بى شفتاه».

* * *

١٩٦٥ ـ التسبيح لله تعالى

التسبيح لله : هو تنزيهه عمّا يصفه به المشركون ، كقولهم أنه اتخذ ولدا ، أو أن له البنات ، كقوله تعالى : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ) (٥٧) (النحل) ، وقولهم : (اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) (٢٦) (الأنبياء) وأما تنزيهه فكقولهم : (سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا) (البقرة ٣٢) ، أى تنزيها لله عن أن يعلم الغيب أحد سواه ، وكقوله : (فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) (١٧) (الروم) ، والخطاب فى الآية للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحضّ على الصلاة فى هذه الأوقات : الصبح والمساء ؛ وقوله : وحين تصبحون : هى صلاة الفجر ؛ وحين تمسون : هى صلاة العصر ، والتسبيح هو حقيقة هذه الصلوات ، ولذلك سمّيت هذه الصلوات بالتسبيح أو التسابيح ، ولهذه التسمية وجهان : أحدهما : لما تضمنته من تسابيح فى الركوع والسجود ، والثانى : مأخوذ من السبحة ، والسبحة هى الصلاة ، ومنها قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تكون لهم سبحة يوم القيامة» أى صلاة. وفى قوله

٩٤٨

تعالى : (إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً) (٧) (المزمل) : السبح : هو الجرى والدوران ، ومنه السابح فى الماء لحركته فيه ، يعنى أنك فى النهار لك شغل كثير ، فالنهار للمعاش ، وأما الليل فاجعله لعبادتك ؛ وإن فاتك من صلاة الليل شىء ، فلك فى النهار فراغ الاستدراك. وقوله : (وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً) (٣) (النازعات) هى الملائكة ، تسبح فى نزولها وصعودها ، أو هى الخيل الغزاة تجرى فى نشاط وهمّة ، أو النجوم تسبح فى أفلاكها ، وكذا الشمس والقمر : (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (٤٠) (يس) ؛ والسفن تسبح فى الماء ، وأرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى لقاء الله ، والجميع يفعل ذلك بأمر الله وإذنه. وقوله : (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) (٢٦) (الإنسان) : يعنى صلاة التطوع فى الليل ، وكل تسبيح فى القرآن فهو صلاة ، وقيل التسبيح هو الذكر المطلق ، سواء كان فى الصلاة أو فى غيرها ، كقوله : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ) (٤٩) (الطور) يعنى التسبيح كلما نقوم من مجلس فنقول : سبحان الله وبحمده ، أو سبحانك اللهم وبحمدك ؛ أو هو التسبيح حين القيام للصلاة ، تقول : الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا». وقيل : التسبيح هو ذكر الله باللسان حين القيام من الفراش إلى دخول صلاة الفجر ، ومنه حديث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من تعارّ فى الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شىء قدير ، والحمد لله ، وسبحان الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : اللهم اغفر لى ، أو دعا ، استجيب له ، فإن توضأ وصلّى قبلت صلاته» أخرجه البخارى. وتعارّ فى الليل : هبّ من نومه. وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا قام من الليل سبّح الله فقال : «اللهم لك الحمد ، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد ، أنت قيّوم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد ، أنت ربّ السموات والأرض ومن فيهن. أنت الحق ، ووعدك الحق ، وقولك الحق ، ولقاؤك الحق ، والجنة حق ، والنار حق ، والساعة حق ، والنبيون حق ، ومحمد حق. اللهم لك أسلمت ، وعليك توكلت ، وبك آمنت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لى ما قدّمت وما أخّرت ، وما أسررت وما أعلنت ، أنت المقدّم وأنت المؤخّر ، لا إله إلا أنت ، ولا إله غيرك» أخرجه البخارى. وفى تسبيحات الصلاة قولان ، أحدهما أن نقول : «سبحان ربّى العظيم» فى الركوع ، و «سبحان ربّى الأعلى» فى السجود ؛ والثانى : أن نقول مع التوجّه فى الصلاة ، «سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدّك ، ولا إله غيرك». ومعنى التوجّه أن نقول كما قال علىّ بن أبى طالب : «وجّهت وجهى» الحديث. ولمّا سأل أبو بكر الرسول سبحة يقولها ، قال له : «قل اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لى مغفرة من عندك ، وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم». وأما قوله تعالى : (وَسَخَّرْنا مَعَ

٩٤٩

داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) (٧٩) (الأنبياء) فقيل : إن داود كان يمر بالجبال مسبّحا ، فيأتيه صدى الصوت مسبّحا ، وكذلك الطير ، فكان يغنى لها بصوته الرخيم ، وينفخ فى المزمار ، فكان الطير يصدح بغنائه والحمام يسجع. وقوله : (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) (١٣) (الرعد) ، جعل صوت الرعد تسبيحا لله ، يعنى طاعة ، فيسوق السحاب وينزل المطر. وفى قوله : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (٤٤) (الإسراء) ، أسند التسبيح إلى قوى الطبيعة وعمّ به كل الأشياء ، مع أن التسبيح فعل عاقل ، والمراد به تسبيح الدلالة ، فكلّ محدث يشهد على نفسه أنه أثر صنعة الله ، وأنه تعالى الخالق القادر.

* * *

١٩٦٦ ـ الدعاء

الدعاء إلى الشيء الحثّ على فعله ؛ ودعوت فلانا سألته ؛ ودعوته استغثته ؛ ويطلق على رفعة القدر ، كقوله تعالى : (لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ) (٤٣) (غافر) ، ويطلق على العبادة ، كقوله : (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (٢٨) (الطور) ؛ والدعوى هى الدعاء ، كقوله تعالى : (وَآخِرُ دَعْواهُمْ) (١٠) (يونس) ؛ والدعاء هو التسمية ، كقوله تعالى : (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) (٦٣) (النور). وقيل : الدعاء فى القرآن على وجوه ، منها العبادة ، كقوله : (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) (١٠٦) (يونس) ؛ ومنها الاستغاثة ، كقوله : (وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ) (البقرة ٢٣) ، ومنها السؤال ، كقوله : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (٦٠) (غافر) ؛ ومنها القول كما فى الآية : (دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَ) (١٠) (يونس) ؛ ومنها النداء كقوله : (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ) (٥٢) (الإسراء) ، ؛ ومنها الثناء كقوله : (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) (١١٠) (الإسراء). وفى الحديث : «الدعاء مخّ العبادة» ، والإتيان بما هو عبادة أولى من تركه. ثم إن الدعاء مفتاح الحاجة ، ومستروح أصحاب الفاقات ، وملجأ المضطرين. وأقرب الدعاء إلى الإجابة «دعاء الحال» ، وهو أن يكون صاحبه مضطرا.

* * *

١٩٦٧ ـ النداء هو الدعاء

يقول تعالى عن زكريا عليه‌السلام : (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) (٣) (مريم) ، والنداء هو الدعاء ، كقوله تعالى : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) (٥٥) (الأعراف) ، وتضرّعا : أى فى خشوع ؛ وخفية : أى فى السرّ ، أو فى النفس.

* * *

٩٥٠

١٩٦٨ ـ دعوى المؤمنين فى الجنة

الدعوى : هى الدعاء ، يقول تعالى : (دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (١٠) (يونس) ، والدعوى مصدر دعا يدعو ، ودعاؤهم فى الجنة أن يقولوا : سبحانك اللهم. وقيل : إذا أرادوا أن يسألوا شيئا أخرجوا السؤال بلفظ التسبيح ويختمون بالحمد. وقيل الدعاء بمعنى التمنّى ، كقوله تعالى : (وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ) (٣١) (فصلت) ، أى ما تتمنون ؛ وآخر دعواهم : «الحمد لله» ، يعنى أن أصحاب الجنة إذا اشتهوا الشيء قالوا : سبحانك ، فيأتيهم الملك بما يشتهون ، فإذا أكلوا حمدوا لله ، فسؤالهم بلفظ التسبيح ، وختامهم بلفظ الحمد. والتسبيح والحمد والتهليل قد يسمى دعاء. وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو عند الكرب : «لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم. لا إله إلا الله ربّ السموات وربّ الأرض ، ربّ العرش الكريم» ، وكانوا يسمون هذا الدعاء «دعاء الكرب» ، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شىء ، إلا أنه فى الحديث : «دعوة ذى النون إذ دعا بها فى بطن الحوت : لا إله إلا أنت سبحانك ، إنى كنت من الظالمين ، فإنه لن يدعو بها مسلم فى شىء إلا استجيب له» ، فاعتبرها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعاء.

* * *

١٩٦٩ ـ الدعاء هو العبادة

فى الحديث : «الدعاء هو العبادة. قال ربّكم ادعونى استجب لكم» ، فسمّى الدعاء عبادة ، وفى القرآن : (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (١٨٦) (البقرة) ، وسبب الآية أن قوما سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أقريب ربّنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية. وقيل نزلت الآية : (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (٦٠) (غافر) فسألوه : فى أى ساعة ندعوه؟ فنزلت : (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ) (١٨٦) (البقرة) ، فالدعاء هو العبادة ، والإجابة هى القبول ؛ ومنه قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) (٦٠) (غافر) ، وفى الآية أن العبادة هى الدعاء ، فأمر الله بالدعاء ، وحضّ عليه ، وسمّاه عبادة ، ووعد بالاستجابة له.

* * *

١٩٧٠ ـ دعاؤكم إيمانكم

الدعاء : عمل وإيمان وعبادة وطاعة ، كقوله تعالى : (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ) (الفرقان ٧٧) ، والمعنى ما يبالى الله بكم لو لا دعاؤكم له ، أى إيمانكم وطاعتكم له ، كقوله تعالى : (ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) (١٤٧) (النساء) ، فالشكر عن إيمان دعاء ، والخطاب للمسلمين.

٩٥١

١٩٧١ ـ كل داع يستجاب

يستحب للداعى أن يدعو لغيره ويترك الدعاء لنفسه ، وكل دعاء مستجاب ، كقوله : (فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ) (٤١) (الأنعام) ، وتتنوّع الإجابة ، فتارة تكون بعين ما دعا به ، وتارة تكون بما يعوّض ما دعا به ، وفى الحديث : «ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا أتاه الله إياها ، أو صرف عنه من السوء مثلها ، إما أن يعجّلها له ، وإما أن يدّخرها له» ، وفى رواية : «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن يعجّل له دعوته ، وإما أن يدّخرها له فى الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها».

* * *

١٩٧٢ ـ من لم يسأل الله يبغضه

التفويض لله هو الاستسلام للقضاء ، وبعض أصحاب الرأى يؤثرون التفويض على الدعاء ، ويفضلون ترك الدعاء ، ويفسرون قوله تعالى : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) (٦٠) (غافر) بأن الدعاء المقصود به العبادة لا غير. والجمهور على أن الدعاء من أعظم العبادات ، وليس الحديث : «الدعاء هو العبادة» إلا كالحديث الآخر : «الحج عرفة» ، فكما أن معظم الحج وركنه الأكبر هو عرفة ، فكذلك العبادة ، فإن معظمها وركنها الأكبر الدعاء ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يوص بشيء ويلح عليه بقدر ما أوصى بالدعاء ، فقال : «ليس شىء أكرم على الله من الدعاء» أخرجه الترمذى وابن ماجة ، وقال : «من لم يسأل الله يغضب عليه» ، والمعنى : أن من لا يسأل الله يبغضه ، والمبغوض مغضوب عليه ، والله يحب أن يسأل ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «سلوا الله من فضله ، فإن الله يحب أن يسأل» أخرجه الترمذى ، وقال : «إن الله يحبّ الملحّين فى الدعاء».

* * *

١٩٧٣ ـ لما ذا ندعو ولا نجاب؟

والجواب : أن قوله تعالى : (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ) (١٨٦) (البقرة) ، وقوله : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (٦٠) (سبأ) لا يقتضى الإجابة مطلقا لكل داع على التفصيل ، ولا بكل مطلوب على التفصيل ، فقد قال : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (٥٥) (الأعراف) ، فكل مصرّ على كبيرة ، عالما بها أو جاهلا ، فهو معتد ، والله كما قال لا يحب المعتدين ، فيحتمل أن الذى يدعو من المعتدين ، فكيف يستجيب له؟! وربما كان من الظالمين أو ممن يستعجلون؟ وفى الحديث : «لا يزال عبدى يستجاب له ما لم يستعجل ، يقول : قد دعوت وقد دعوت ، فلم أره يستجيب لى ، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء». ومعنى يستحسر : يملّ. وربما كان ممن يأكلون الحرام وما فى معناه ، وفى الحديث : «الرجل يطيل السفر ، أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء : يا ربّ! يا ربّ! ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه

٩٥٢

حرام ، وغذّى بالحرام ، فأنّى يستجاب لذلك؟!» فمن شروط الداعى : أن يكون الداعى عالما أنه لا قادر على حاجته إلا الله ، وأن الوسائط فى قبضته ، ومسخّرة بتسخيره ، وأن يدعو بنيّة صادقة وحضور قلب ، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ، وأن يجتنب أكل الحرام ، وألا يملّ من الدعاء. ومن شروط المدعو فيه : أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا. وقيل : شروط الدعاء سبعة : أولها التضرّع ، والخوف ، والرجاء ، والمداومة ، والخشوع ، والعموم ، وأكل الحلال. ولا يمنعن أحدا من الدعاء ما يعلمه من نفسه ، فإن الله قد أجاب دعاء شرّ الخلق إبليس : (قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) (٣٧) (الحجر).

وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة : وذلك كالسحر ، ووقت الإفطار فى الصيام ، وما بين الأذان والإقامة فى الصلاة ، وأوقات الاضطرار ، وحالتى السفر والمرض ، وفى الجهاد فى سبيل الله. وفى الحديث عن كيفية الدعاء ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه ، ثم يصلى على النبىّ عليه الصلاة والسلام ، ثم ليدع ما يشاء».

* * *

١٩٧٤ ـ الدعاء المستجاب

هو دعاء الإنسان لنفسه بالخير ، والدعاء المرفوض هو دعاؤه على نفسه وولده عند الضجر ، كقوله تعالى : (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ) (١١) (الإسراء) ، ولو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشر لهلك ، ولكن بفضله تعالى لا يستجيب له فيه. ونظير ذلك قوله : (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ) (١١) (يونس). وفى الحديث : «ينزل ربّنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير ، فيقول : من يدعونى فأستجيب له؟ ومن يسألنى فأعطيه؟ ومن يستغفرنى فأغفر له؟» ، وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : أقرب ما يكون الربّ من العبد فى جوف الليل الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله فى تلك الساعة فكن». وعنه قال : «من سرّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب ، فليكثر الدعاء فى الرخاء».

* * *

١٩٧٥ ـ الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل

فى الآية : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) (٦٠) (غافر) : أن الدعاء أخصّ من العبادة ، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء ، والوعيد فى حقّ الذى يترك الدعاء استكبارا ، ومن يفعل ذلك يكفر. وفى الحديث : «إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، فعليكم عباد الله بالدعاء» ؛ وملازمة الدعاء والاستكثار منه

٩٥٣

تصرف عن الداعى السوء فى عاجله وآجله. والآية تشترط الإجابة بالإخلاص ، كقوله تعالى : (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (٢٩) (الأعراف) ، والدعاء بحسب الآية هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له ، والعبادات شرّعت للخضوع للبارى وإظهار الافتقار إليه ، ولهذا ختم الآية بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي) ، فعبّر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار ، ووضع «عبادتى» موضع «دعائى» ، وجعل جزاء ذلك الاستكبار : الصغار والهوان.

* * *

١٩٧٦ ـ الدعاء أولى أو السكون والرضا؟

الدعاء هو الذى ينبغى ترجيحه لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار. وقيل السكون والرضا أولى ، لما فى التسليم من الفضل ، لأن الداعى لا يعرف المقدور له ، فإما أن دعاؤه يوافق المقدور فيكون الدعاء تحصيل حاصل ، وإما أنه على خلاف المقدور فيكون الدعاء معاندة ، كقوله تعالى فى الحديث : «من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين». والصحيح أن الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار ، فلا على الداعى إن دعا ، ثم إنه إن اعتقد بأنه لا يقع إلا المقدور ، فإن الدعاء يكون إذعانا للمقدور وليس معاندة له ، وإذن فالدعاء فى كل الأحوال يترجم عن الحال ، ويفيد تحصيل الثواب ، بامتثال الأمر والإقرار بأنه تعالى خالق الأسباب ومسبباتها. والدعاء أفضل إذا دعا الداعى بلسانه وقلبه راض ، ولا يتأتى ذلك لكل أحد وإنما يختص به الكمّل ، وما كان لله أو للمسلمين فيه نصيب فالدعاء أفضل ، وما كان للنفس فيه حظ فالسكون أفضل.

* * *

١٩٧٧ ـ ادعوا الله أو ادعوا الرحمن

نزلت الآية : (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (١١٠) (الإسراء) لتبيّن أن أسماء الله الحسنى لمسمى واحد هو الله ، فإن دعاه الناس بالله فهو ذاك ، وإن دعوه بالرحمن فهو ذاك. والدعاء لا يكون إلا بالحسنى من الأسماء ، وحسنها يقتضى أن تكون معانيها حسانا شريفة ، والأسماء الحسنى بتوقيف لا يصحّ وضع اسم له تعالى بنظر إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث أو الإجماع.

* * *

١٩٧٨ ـ فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا

الدعاء إلى الله بالرفق ، وفى الحديث لما صار المسلمون يكبّرون فى الغزاة ، كلما توغلوا فى الأرض ، أو صعدوا تلا ، أو هبطوا فى واد ، فيرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل

٩٥٤

قال : «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم (أى كفّوا) ، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا» ، وأمرهم أن يقولوا : «لا حول ولا قوة إلا بالله» ، يريد أن الدعاء لا يفيد إلا بقوة الله ، وأن الحول هو حول الله.

* * *

١٩٧٩ ـ التأمين بعد الدعاء

فى الحديث : «لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم إلا أجابهم الله تعالى» ، وآمين مثل الطابع على الصحيفة ، والداعى إذا كان ظالما على من دعا عليه لا يستجاب دعاؤه ، ويؤيده قوله تعالى : (وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) (١٤) (الرعد).

* * *

١٩٨٠ ـ لكل نبىّ دعوة مستجابة

دعوة كل نبىّ لأمته ، فهذه دعوته العامة ، وله دعوات خاصة قد يستجاب لها أو لا يستجاب ، وفى الحديث : «لكل نبى دعوة مستجابة يدعو بها وأريد أن أختبئ دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة» أخرجه البخارى ، ومثل ذلك دعوة نوح ، قال : (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) (٢٦) (نوح) ، ودعوة زكريا ، قال : (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) (٥) (مريم) ، ودعوة سليمان ، قال : (وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) (٣٥) (ص). ودعوة النبىّ العامة لأمته قد تكون بالإهلاك ، أو تكون بالهداية كدعوة إبراهيم : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) (١٢٨) (البقرة) ، ونبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ادّخر دعوته لأمته يوم القيامة ، والمراد بالأمة : أمة الدعوة لا أمة الإجابة ، ولما دعا على بعض أمّته فى حياته نزل عليه قوله تعالى : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) (١٢٨) (آل عمران) ، فبقيت تلك الدعوة المستجابة مدّخرة للآخرة.

* * *

١٩٨١ ـ من أدعياته صلى‌الله‌عليه‌وسلم

كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أوى إلى فراشه قال : «باسمك ربي وضعت جنبى وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسى فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» ؛ وكان إذا قام من نومه قال : «الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور».

ـ وإذا قام من الليل قال : «اللهم لك الحمد ، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت قيّم السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت الحق ، ووعدك حق ، وقولك حق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والساعة حق ، والنبيون حق ، ومحمد حق. اللهم لك أسلمت ، وعليك توكلت ، وبك آمنت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ،

٩٥٥

فاغفر لى ما قدّمت وما أخّرت ، وما أسررت وما أعلنت. أنت المقدّم وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت».

ـ وكان يدعو فى الصلاة : «اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى ، إنك أنت الغفور الرحيم».

ـ وكان يدعو إذا سلّم من الصلاة : «اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام».

ـ وكان يدعو إذا انصرف من الصلاة : «اللهم أصلح لى دينى».

ـ وقال يعظ أحبابه : «تسبّحون ، وتكبّرون ، وتحمدون ، دبر كل صلاة : ثلاثا وثلاثين ـ إحدى عشرة ، إحدى عشرة ، إحدى عشرة ، فذلك كله ثلاث وثلاثون».

ـ وكان يدعو عند الكرب يقول : «لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا الله ربّ السموات والأرض وربّ العرش العظيم».

ـ ولقّنه الله تعالى أن يدعو فيقول : (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (١١٢) وهذا الدعاء هو ختام سورة الأنبياء ، يأمر الله تعالى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يفوّض الأمر إليه ، وأن لا يستعين على أعدائه إلا به ، وأن لا يتوقع الفرج إلا من عنده ، وكانت الأنبياء قبل ذلك يدعون ربّهم : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ) (٨٩) (الأعراف) ، فأمر الله نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقول : (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) ، فكان إذا لقى العدو يقول وهو يعلم أنه على الحق ، وعدوه على الباطل : (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) أى اقض به.

* * *

١٩٨٢ ـ الاستغفار والتوبة دعاء

دعاء الاستغفار : هو طلب المغفرة ، كقوله تعالى : (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا) (البقرة ٢٨٦) ، وقول موسى : (اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ) (الأعراف ١٥١) ، وقول إبراهيم : (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) (٨٦) (الشعراء) ، وقول نوح : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً) (١٠) (نوح) ، وقول هود : (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (هود ٥٢) ، وقوله تعالى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ) (الممتحنة ١٢) ، وقول بعضهم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (فَاسْتَغْفِرْ لَنا) (الفتح ١١) وفى الحديث : «سيد الاستغفار أن يقول : اللهم أنت ربّى لا إله إلا أنت ، خلقتنى وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علىّ ، وأبوء لك بذنبى. اغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستغفر لنفسه ويتوب إلى الله فى اليوم أكثر من سبعين مرة ، ويستغفر للناس ، وأمر الله بالتوبة الصادقة فقال : (تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) (٨) (التحريم) وسميت نصوحا أو ناصحة

٩٥٦

لأن العبد ينصح نفسه فيها ، والتوبة : هى أن يذنب الذنب فيستغفر ويندم ولا يرجع. والله أسرع بإجابة الدعوة إذا سبقتها التوبة والاستغفار ، وتوبة العوام من الذنوب ، وتوبة الخواص من الغفلة ، والتوبة صفة عامة للمؤمنين ، كقوله تعالى : (وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) (النور ٣١). والتوبة أقسام : الأول التوبة : يدعو بها التائب أن يعينه الله عليها ؛ والثانى : الإنابة ، والثالث : الأوبة ، فمن يتوب لمراعاة أمر الله من غير خوف العقاب وليس طمعا فى الثواب فهو صاحب توبة. والاستغفار : من الغفران ، وأصله الغفر وهو إلباس الشيء ما يصونه عما يدنّسه ، والغفران من الله للعبد أن يصونه عن العذاب.

* * *

١٩٨٣ ـ من جوامع الدعاء

قوله تعالى : (رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ) (٢٠١) (البقرة) ، قيل : هذا الدعاء يعمّ الدنيا والآخرة ، ولذا كان من جوامع الدعاء ، وكان أكثر ما يدعو به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان يأمر أن يكون أكثر دعاء المسلم فى الموقف بهذه الآية.

* * *

١٩٨٤ ـ أىّ الدعاء أسمع؟

سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قيل : يا رسول الله : أى الدعاء أسمع؟ قال : «جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات» أخرجه الترمذى. وأخرج الطبرانى : «الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة». وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء فى أربعة مواطن : عند التقاء الصفوف فى سبيل الله ، وعند نزول الغيث ، وعند إقامة الصلاة ، وعند رؤية الكعبة» ، وقال : «من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها دبر كل صلاة مفروضة». وقال : «ثلاثة لا تردّ دعوتهم : الإمام العادل ؛ والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ، وتفتح لها أبواب السماء ، ويقول الربّ تبارك وتعالى : وعزّتى لأنصرنك ولو بعد حين».

* * *

١٩٨٥ ـ دعاء حملة العرش

حملة العرش هم أشراف الملائكة وأفاضلهم ، يطوفون بالعرش مهللين مكبّرين ، ينزّهون الله عمّا يقوله الكفّار ، ويسألون المغفرة للذين آمنوا ، يقولون : (رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ

٩٥٧

السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٩) (غافر). وفى هذا الدعاء أن أنصح عباد الله لعباد الله هم الملائكة ، وأغشّ عباد الله لعباد الله هو الشيطان.

* * *

١٩٨٦ ـ دعاء إبراهيم لنفسه ولوالديه وللمؤمنين

قال : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) (٤١) (إبراهيم) ، فدعا ربّه أن يتقبّل دعاءه ، والدعاء عبادة ، وفى الحديث :

«الدعاء مخ العبادة» ، وشكر الله على الولد ، واستغفر لوالديه وللمؤمنين يوم الحساب.

* * *

١٩٨٧ ـ دعاء إبراهيم فى البيت الحرام

قال إبراهيم : (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (البقرة ١٢٦) فسأله تعالى أن يجعل مكة آمنة من القحط والجدب والغارات ، وأن يرزق أهلها ، وفى الحديث : «إن إبراهيم حرّم مكة ودعا لأهلها ، وإنى حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة ، وإنى دعوت فى صاعها ومدّها بمثلى ما دعا إبراهيم لأهل مكة». وقال إبراهيم : (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (١٢٧) (البقرة) ، يدعو ربّه أن يتقبل إسهامه وابنه إسماعيل فى رفع قواعد البيت ، وهى دعوة كل من يستهل عملا لوجه الله. قال : (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (١٢٨) (البقرة) ، يقصد نفسه وابنه إسماعيل ، وإسلامه يعنى به الإيمان كما فى قوله تعالى : (فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٣٦) (الذاريات) ، فالمسلمون هم المؤمنون. ولم يدع لنفسه وأمته سوى إبراهيم ، والأمة المسلمة اصطلاح إبراهيم ، وقوله «ومن ذريتنا» حيث من للتبعيض ، لأنه من هذه الأمة سيكون البعض من الظالمين ، وذرية إبراهيم وإسماعيل هم العرب : بنو نبت بن إسماعيل ، أو بنو تيمن بن إسماعيل ؛ والعرب العدنانية من بنى نبت بن إسماعيل بن إبراهيم ، والعرب القحطانية من بنى قيد أو تيمن بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم. والأمّة هى الجماعة. والمناسك هى العبادات ، والمراد بها مناسك الحج ومعالمه ، قيل : إن جبريل حجّ بإبراهيم بعد إتمامه بناء البيت ، فوقف به فى عرفة ، وفى رجوعه من عرفة عرض له إبليس فحصبه سبع حصيات كأمر جبريل ، ثم علا جبل شبير وأذّن للحج ، فقال الناس : لبيك اللهم لبيك. وأراه الطواف ، والصفا والمروة ، والعقبة ، وعلّمه أن يكبّر ، وأن يحصب الشيطان سبع حصيات عند جمرة العقبة ، والجمرة الوسطى ، وعند الجمرة القصوى ، والصلاة جمعا ، وقدوم منى والمزدلفة. وسمّيت «عرفات» كذلك لأن إبراهيم فيها

٩٥٨

عرف. وقيل المناسك هى : الصفا والمروة ، وحصب إبليس بجمرة العقبة ، ثم بالجمرة الوسطى ، ثم بالجمرة القصوى سبع حصيات فى كل مرة. وعلّمه الطواف سبعا ، واستلام الأركان كلها فى كل طواف ، والصلاة خلف المقام ركعتين. وقيل فى المسجد الحرام قبران : قبر إسماعيل فى الحجر ، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود. وكان طلب إبراهيم للتوبة للتثبيت والدوام. وقال إبراهيم : (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١٢٩) (البقرة) ، والرسول هو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والكتاب هو القرآن ، والحكمة هى السنّة ـ وقيل الفقه ـ ويزكّيهم يطهّرهم من الشرك.

* * *

١٩٨٨ ـ دعاء إبراهيم يعلم المؤمنين

هو قوله : (رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٥) (الممتحنة) ، نتأسّى ونفتدى به فى الدعاء ، يعلّم المؤمنين أن يدعوا به ، وأن يتبرءوا من الكفر والكفّار ويتوكلوا على الله. وقولنا : (رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا) أى اعتمدنا ، (وَإِلَيْكَ أَنَبْنا) أى رجعنا ، (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) أى لك الرجوع فى الآخرة ، وقوله : (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أى لا تظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتنوا بذلك ، أو لا تسلّطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا.

* * *

١٩٨٩ ـ دعاء قوم طالوت

(قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٢٥٠) (البقرة) ، وكانوا يواجهون قوم جالوت ، وهو كقوله تعالى : (وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) (١٤٧) (آل عمران) ، وفى ذلك كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا لقى العدو يقول فى القتال : «اللهم بك أصول وأجول» أخرجه أبو داود ، وكان يقول : «اللهم إنى أعوذ بك من شرورهم وأجعلك فى نحورهم» أخرجه أبو داود. وما وهن أصحاب طالوت وكانوا ربيين ـ أى علماء صابرين ، والله يحب الصابرين ، ودعوا فأحسنوا الدعاء : (وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (١٤٧) (آل عمران) ، والذنوب هى الصغائر ، والإسراف هو الإفراط ومجاوزة الحد ، يعنى الكبائر ، وفى الحديث أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يدعو : «اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى وإسرافى فى أمرى وما أنت أعلم به منى» ، فعلى كل مسلم أن يستعمل ما فى كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه ، وقد اختار الله لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا الدعاء.

* * *

٩٥٩

١٩٩٠ ـ دعاء الراسخين فى العلم

هو قولهم : (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) (٩) (آل عمران) ؛ وإزاغة القلب هى الفساد والميل عن الدين. وكان أبو بكر يكثر من القراءة بهذه الآية : (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا) ، نوعا من القنوت والدعاء لما كان فيه من أمر أهل الردّة.

* * *

١٩٩١ ـ دعاء المؤمنين

هو دعاؤهم : (رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) (١٩٤) (آل عمران) ، قيل إنه لمّا نزلت هذه الآيات على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بكى وقام يصلى ، وكان يقرأها كل ليلة ، ويذكر الله على كل أحيانه ، وأنه ما خلق الكون عبثا وهزلا ، ومعنى «سبحانك» تنزيهه تعالى عن السوء ؛ و «المنادى للإيمان» هو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ و «الأبرار» فى الآية من البرّ وأصله من الاتساع ، فطاعة الله فى البرّ متسعة ، والأبرار متسعة لهم رحمة الله ، ووعد الله أن الجنة لمن آمن ، والمؤمنون يسألونه أن يكونوا ممن وعدوا بذلك دون الخزى والعقاب ، ودعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع ، والدعاء مخ العبادة ، وسألوه النصر على عدوهم فاستجاب لهم ، فدعوا : (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٢٨٦) (البقرة) ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ، و «الإصر» هو الثقل ، أو شدة العمل ، فقد كانوا يحملون أمورا شدادا ، وهو ضيق الحال والذنوب. وفى الحديث : «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة ، كفتاه» من أول «آمن الرسول» إلى آخر سورة البقرة.

* * *

١٩٩٢ ـ دعاء التابعين ومن دخل الإسلام إلى يوم القيامة

الناس فى الإسلام بحسب إسهامهم فيه ، وهم ثلاثة منازل : المهاجرون ، والذين تبوءوا الدار والإيمان ، والذين جاءوا من بعدهم (الحشر ٨ ـ ١٠) ، كالمثل الذى يقول : كن شمسا ، فإن لم تستطع فكن قمرا ، فإن لم تستطع فكن كوكبا مضيئا ، فإن لم تستطع فكن كوكبا صغيرا. والمؤمن قدوته المهاجرون فليكن مهاجرا ، فإن لم يجد فليكن أنصاريا ، فإن لم يجد فليعمل

٩٦٠

أعمالهم ، فإن لم يستطع فليحبهم ويستغفر لهم. وقد مضت منزلتان من هذه المنازل الثلاثة وبقيت منزلة هى التى نحن فيها ، وهى منزلة «من جاءوا بعدهم» ، أى التابعين ، وهؤلاء يدعون : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١٠) (الحشر).

* * *

١٩٩٣ ـ دعاء أهل الكهف

هؤلاء اشتغلوا بالدعاء ولجأوا إليه تعالى فقالوا : (رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) (١٠) (الكهف) ، والرحمة فى حالتهم هى : المغفرة والرزق ؛ والرشد : هو التوفيق للرشاد ، يسألونه مخرجا من ورطتهم والمأزق الذى هم فيه ، ومن ذلك أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. كأهل الكهف قالوا : (رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً) (١٤) (الكهف) ، أى ذكروا الله على هدايته ، وشكروه لما أولاهم من نعم ، ووحّدوه ، ولو فعلوا غير ذلك لكان ضلالا منهم.

* * *

١٩٩٤ ـ دعاء أولى الألباب

أولوا الألباب هم أصحاب العقول ، وبالمصطلح المعاصر العقلانيون ، وهؤلاء يستعملون عقولهم فى تأمل الدلائل ، ودعاؤهم فيه من ذلك الكثير ، يقولون : (رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) (١٩٤) (آل عمران) ، فالكون لم يخلق عبثا وهزلا ، ودلل بخلقه على قدرته وحكمته ووحدانيته ، والمنادى فى الآية هو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والأبرار هم الأنبياء.

* * *

١٩٩٥ ـ دعاء أيوب

هو قوله : (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (٨٣) (الأنبياء) ، والدعاء أصلا إخبار عن حالة وليس شكوى لبلاء ، وإقرار بالعجز لا ينافى الصبر ، ودعاء أيوب أجراه الله على لسانه ليكون حجة لأهل البلاء بعده فى الإفصاح عمّا ينزل بهم.

* * *

١٩٩٦ ـ دعاء نوح

فى هذا الدعاء ذكر البسملة عند كل فعل ، قال نوح : (بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَ

٩٦١

رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (٤١) (هود) ، وفى قراءة بضم الميم فى مجريها ومرساها على معنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها ، وفى قراءة بفتح مجريها وضم مرساها ، وفى رواية : «بسم الله مجراها ومرساها بفتح الميم فيهما. وفى الحديث : «أمان لأمتى من الغرق إذا ركبوا فى الفلك قالوا : «بسم الله مجريها ومرساها إن ربى لغفور رحيم».

* * *

١٩٩٧ ـ الدعاء بالولد

الولد يجوز الدعاء به كقوله تعالى : (رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) (٧٤) (الفرقان) ، والقرّة : ما تستريح له العين وتطمئن وتهدأ ؛ ولا يكون الداعى إماما إلا لو اتّقى وكان قدوة ، وكان الصحابة لذلك يدعون : «اللهم اجعلنا من أئمة المتقين» ، والإمام هو الأمير ، والإمامة بالدعاء لا بالدعوى ، وبتوفيق الله وتيسيره ومنّته ، لا بما يدّعيه كل أحد لنفسه ، والداعى لم يطلب الرئاسة بل أن يكون قدوة فى الدين وإماما للهدى ، كقوله تعالى : (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) (٢٤) (السجدة) ، والآية دليل على أن طلب الرئاسة فى الدين ندب.

* * *

١٩٩٨ ـ الدعاء عند الكرب

هو قوله تعالى : (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٢٦) (آل عمران). وقيل : هذا الدعاء ، ما من مسلم يدعو به وهو مكروب أو غارم أو ذو دين ، إلا قضى الله عنه وفرّج همّه ، فهكذا علّم رسول الله معاذ بن جبل.

* * *

١٩٩٩ ـ دعاء زكريا

هو دعاء طلب الذرية ، يقول : (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ) (٣٨) (آل عمران) ، والذرية تكون واحدا وتكون جمعا ، ذكرا وأنثى ، وهو فى هذا الدعاء واحد بدليل قوله : (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) (٥) (مريم) ولم يقل أولياء. ودعاء زكريا : (لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) (٨٩) (الأنبياء) ، سألته الولد ليرثه ، قيل يرث علمه ، وقيل ماله فقد كان غنيا ، ولذا قال : «وأنت خير الوارثين» ، فالمال مال الله ، وهو الذى يرث الأرض وما عليها ومن عليها ، ولكنه دعاه يؤكد به فضيلة الميراث فى عقبه ، ليحمل اسمه وعلمه ورسالته.

* * *

٩٦٢

٢٠٠٠ ـ دعاء ذى النون

دعا ربّه فقال : (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (٨٧) (الأنبياء) ، وفى الحديث عن هذا الدعاء ، قال : «لم يدع به رجل مسلم فى شىء قط إلا استجيب له» أخرجه الترمذى. وفى الخبر أن فى هذا الدعاء شرط الله لمن دعاه أن يجيبه كما أجاب يونس ، وينجّيه كما نجّاه وهو قوله تعالى : (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء ٨٨).

* * *

٢٠٠١ ـ التعوّذ دعاء

التعوّذ من عاذ أى التجأ واعتصم ، يقال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، أى ألتجئ وأعتصم ؛ وأعيذك بالله ، أى حفظك الله ؛ والتعوّذ دعاء ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتعوّذ من الفتن فيقول : «نعوذ بالله من الفتن» ، ومن غلبة الرجال فيقول : «اللهم إنى أعوذ بك من الهمّ والحزن ، والعجز والكسل ، والبخل والجبن ، وضلع الدّين ، وغلبة الرجال» ؛ ومن عذاب القبر فيقول : «اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر» ، وتعوّذ من فتنة المحيا والممات ، ومن المأثم والمغرم ، وفتنة النار وعذاب النار ، وفتنة الغنى والفقر ، وفتنة المسيح الدجّال ، ومن أرذل العمر ، وفتنة الدنيا.

* * *

١٢ ـ الصيام والفطر والطعام والشراب

* * *

أولا : الصيام والفطر

٢٠٠٢ ـ هل الصوم فى الإسلام مأخوذ عن اليهودية؟

ذلك افتراء المبشّرين النصارى والمستشرقين اليهود ، وجولدتسيهر ألدّهم عداوة للإسلام ، وأكثرهم تجنّيا على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ولو قارنا بين الصيام عندنا وعندهم لتبين كذب كل هؤلاء ، ولاتضحت المغالطات التى ساقوها برهانا على افتراءاتهم. والصيام فى اللغتين العبرية والعربية قد يعنى الإمساك عن الطعام ، أو عن الكلام ، أو عن الوطء ، أو عن ذلك كله ، ولكنه شرعا لم يفرض كشريعة فى اليهودية ، ولم يرد لفظ الصوم فى أسفار موسى الخمسة التى يطلق عليها اسم التوراة ، وإنما هناك يوم واحد اصطلح اليهود على الصوم فيه وهو يوم الكفّارة ، اعتمادا على أنه قد ورد فى سفر الأحبار أو اللاويين : «فى اليوم العاشر من الشهر السابع تذلّلون نفوسكم ولا تعملون» (١٦ / ٢٩) ، و «فتذللون نفوسكم فى التاسع من الشهر من العشاء إلى العشاء» (٢٣ / ٢٧) ، وفى سفر العدد : «وفى اليوم العاشر من الشهر السابع هذا محفل مقدس يكون لكم تقمعون فيه نفوسكم وعمل خدمة لا تعملوا»

٩٦٣

(٢٩ / ٧) ، وكما ترى فإنه لا توجد لفظة صيام ضمن هذه النصوص ، إلا أن بعض المفسرين ـ وليسوا جميعا ـ قالوا إن «تذليل النفس» لا يكون إلا بالصيام ، وعلى ذلك جعلوا يوم الكفارة هو يوم صيام ، أى امتناع عن الطعام والملذات ، من العشاء حتى العشاء ، وهذا هو الصيام الوحيد المفروض ، وهو عبارة عن يوم واحد ولم يكن هناك سواه إلا الصيام التطوعى ، فقد ورد أن داود صام لله علّه يبقى له ولده ، فلما مات لم يجد مبررا لصيامه فقال : «لمّا كان الصبى حيّا صمت وبكيت ، لأنى قلت من يعلم ، لعل الله يرحمنى ويحيا الصبى ، وأما الآن فقد مات ، فلما ذا أصوم؟» (الملوك الثانى ١٢ / ٢٢ ـ ٢٣). ولعله لهذا قد يكون الحديث النبوى عن صيام داود حديثا موضوعا لا أصل له ، أو تكون قصة التوراة عن داود ملفقة ولا أساس لها ، وتتصادم بشدة مع مزامير داود ، وفيها تظهر شدة تقواه وخوفه من الله. وكلام داود السابق فى سفر الملوك لا ينبئ عن تقوى ولا حتى إيمان بالله. والصيام كان اليهود ينادون به أحيانا فى الشدائد لعلها تنفرج ـ كما فعل عزرا (٨ / ٢١) ، وقد تفعل الجماعة الصوم معا ـ الصوم الجماعى ـ كصيام بنى إسرائيل فى سفر نحميا (٩ / ١) ، فكلما استشعرت الجماعة الخطأ لجأت إلى الصيام تكفيرا. ولم يكن مجرد الإمساك عن الطعام ، وإنما العزوف عن الملذات طلبا للرحمة (إشعيا ٥٨ / ٣) ، وقد صام الناس فى عهد زكريا الشهور : الرابع ، والخامس ، والسابع ، والعاشر ، تذكارا لحصار أورشليم ، وكانوا يفترشون المسح والرماد ولا يغتسلون ، ويصرخون ويتضرعون ويبكون (أشعياء ٢٢ / ١٢) ؛ وكانت حنّة النبيّة تتعبّد دوما بالصوم والصلاة ؛ وصام الفريسيون يومى الاثنين والخميس من كل أسبوع (لوقا ١٨ / ١٢) ، وكانوا فى صيامهم يراءون (متى ٦ / ١٦ ـ ١٨). ولم يكن اليهود يصومون السبت ، ولا الأهلّة ، ولا الأعياد. ولما جاء المسيح ـ وهو يهودى أصلا ـ وأمه مريم يهودية ، لم يصم ـ لا هو ولا تلاميذه فى حياته ، إلا أن المسيحيين من بعده صاموا فى مناسبات خاصة (أعمال الرسل ١٣ / ١ و ٢٣ / ١٤ /) ، وذلك هو كل الصيام عند اليهود والنصارى. وجاء فى التوراة عن موسى أنه على طور سيناء : «أقام أربعين يوما وليلة لم يأكل خبزا ولم يشرب ماء وكان يكتب كلام العهد على اللوحين» (الخروج ٣٤ / ٢٨) ، فلم يذكر صراحة أنه صيام بالمعنى الاصطلاحى ، ولم يكن إمساكه أو عزوفه عن تكليف ولكنه طوعى. وفى القرآن عن ذلك : (وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ) (البقرة ٥١) ، فلو كان إمساكه عن الطعام والشراب صياما ، لذكره صراحة. وفى سفر الملوك الأول ، أن إيليا أمره الملك أن يأكل ويشرب استعدادا للطريق الطويل أمامه : «فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين يوما وأربعين ليلة إلى جبل حوريب» (١٩ / ٨) ، وذلك ليس صياما بالمعنى الاصطلاحى ، لأنه كصيام موسى يخلو من النية ، وليس كذلك الصيام فى الإسلام ، لأنه

٩٦٤

فريضة ، وله زمن محدد شهر رمضان ، وله مواصفات خاصة وشروط ، وهو ركن من أركان الدين ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٤) (البقرة). وتبرير كتابته أو تقريره على المسلمين أنه خير ، لأن فيه تزكية للنفس وطهارتها ، والسيطرة عليها والتحكّم فيها ، وتنقيتها من الأخلاط الدنيئة والصفات الرذيلة ، ثم إن الله قد أوجبه على المسلمين لأنه أوجبه على الأمم السابقة ، فهو فطرة ، ولنا فيهم أسوة ، ولتجتهد كل أمة فى أداء هذا الفرض على أكمل وجه كما قال تعالى : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (البقرة ١٤٨). وينبّه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى مزايا الصيام فيقول فى حديث الحضّ على الزواج : «ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» ، و «الصوم الوجاء» هو الذى ينجو بصاحبه من التردّى فى مسالك الشيطان. ومعنى أن الصيام أيام معدودات ، لأنه أول ما فرض فى ابتداء الإسلام والناس لم تعتده ، فكان لثلاثة أيام من كل شهر ، ثم صار التكليف بصيام شهر رمضان كله ، كقوله : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١٨٥) (البقرة) ، وعلى ذلك كان الصيام شهرا بالإضافة إلى الأيام المعدودات من بقية الشهور. واختيار رمضان للصيام لأنه الشهر الذى أنزل فيه القرآن العظيم : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (١) (القدر) ، و (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ) (الدخان ٣) ، وليلة القدر كانت فى رمضان. وللصيام أكبر المنزلة فى الإسلام ، فعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ربّه عزوجل : «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لى وأنا أجزى به» ، وعنه قال : «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة. يقول الصيام أى ربّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفّعنى به ، ويقول القرآن : منعته النوم بالليل فشفّعنى فيه ـ فيشفّعان» رواه أحمد. والشهوات هى التى يتضمنها حديثه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث (يعنى يفحش) ، ولا يصخب (يعنى يتصايح ويسخط فى الناس بعصبية بسبب الامتناع عن الطعام) ، ولا يجهل (يعنى يسفه) ، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إنى صائم». والصوم عند المسلمين على ذلك أكبر وأهم وأشمل مما عند اليهود والنصارى ، ولا ينبغى أن يقارن ما عندنا بما عندهم ، فالصوم عندنا فرض وتطوع ، ويشمل صوم رمضان ، وصوم الكفّارات ، وصوم النذر. وأركان الصوم : إمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، ولا يكون الإمساك إلا بنية الصوم ، فعن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له» رواه أحمد. وتجزئ نية صيام التطوع

٩٦٥

من النهار. والصيام واجب على كل مسلم عاقل بالغ ، ولا صيام على مجنون ، ولا صبى ، ولا حائض ، ولا نفساء. والشيخ الكبير ، والمرأة العجوز ، والمسافر ، والمريض : يرخّص لهم الفطر إذا كان الصيام يجهدهم. وكذلك الحبلى والمرضع إذا خافتا على نفسيهما التلف وأن يتأثر الجنين أو الرضيع. وعلى الشيخ والعجوز الفداء ، وعلى الحبلى والمرضع : الفداء والقضاء إن خافتا على الولد ، وعليهما القضاء فقط إن خافتا على نفسيهما أو على نفسيهما والولد. والحائض والنفساء : عليهما القضاء. والمسلم منهىّ عن الصوم : يومى العيد ، وأيام التشريق ، ويوم الجمعة منفردا ، ويوم السبت منفردا. ويكره التعجيل بصيام يوم قبل دخول رمضان مخافة أن يكون رمضان قد حان قبل بدايته بيوم. ونهى عن صيام الدهر ، وصيام الوصال ؛ ورغّب فى صيام التطوع : ستة أيام من شوال ، وعشر ذى الحجة. ولما سئل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أفضل الصيام بعد رمضان قال : «شهر الله الذى تدعونه المحرم» رواه أحمد. وأوصى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بصيام يوم عاشوراء ، واليوم التاسع ، والحادى عشر. وكان يصوم أكثر شعبان. ومن المستحبات : الإكثار من الصيام فى الأشهر الحرم : ذى القعدة ، وذى الحجة ، والمحرم ، ورجب ، ويومى الاثنين والخميس من كل أسبوع ، وصيام يوم وفطر يوم. ومن آداب الصيام : السحور ، والتعجيل بالفطر عند الغروب ، والدعاء عند الفطر وأثناء الصيام ، ونظافة الفم ، والتصدّق ، ومدارسة القرآن ، والاجتهاد فى العبادة فى العشر الأواخر من رمضان. وللصيام مباحات : كتعاطى قطرة العين ، والحقنة للتداوى. ويبطل الصيام الأكل والشّرب العمد. ومن مات وعليه صوم فإن وليّه يطعم عنه. ويستحب قيام ليلة القدر من رمضان والدعاء فيها. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعتكف فى رمضان عشرة أيام ، وكذلك يفعل المسلمون. والاعتكاف مسنون ، ومنه الواجب بالنذر.

فهذا هو صيام المسلمين ، فأى شىء من ذلك عند اليهود أو النصارى؟ ولما ذا هذا الحقد حتى ليتّهمنا اليهود بأننا أخذنا عنهم كل ديننا ، وبالأمس ادّعوا بأن الأهرام هم بناتها وليس المصريون! وهى خصلة رديئة فيهم ، لاحظها أهل الفكر من أمم أوروبا ونوّهوا بها : أن اليهود دائمو السطو على ثقافات ومنجزات غيرهم!

* * *

٢٠٠٣ ـ شهر رمضان

أهل التاريخ على القول بأن كل الشعوب عندها صيام ، وأول من استن الصيام كان نوح. وكان اسم رمضان فى الجاهلية «ناتق» ، وجمع رمضان رمضانات وأرمضاء. وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة ، وغلّقت أبواب النار ، وصفّدت الشياطين» ، وقال : «أتاكم رمضان ، شهر مبارك ، فرض الله عزوجل صيامه ، تفتح فيه أبواب

٩٦٦

السماء ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغلّ فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم» ، وقال : «إذا كان رمضان فاعتمرى ، فإن عمرة فيه تعدل حجّة» ، وقال : «إن الله تعالى فرض صيام رمضان عليكم ، وسننت لكم قيامه ، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

والشهر : مشتق من الإشهار ، لأنه مشتهر لا يتعذّر علمه ، ومنه يقال شهرت السيف إذا سللته. ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض ، إذا حرّ جوفه من شدة العطش. والرمضاء شدة الحر ، ومنه الحديث : «صلاة الأوّابين إذا رمضت الفصال» ، ورمض الفصال : أن تحرق الرمضاء أخفافها ، فتبرك من شدّة حرّها. والفصيل صغار النوق. وقيل إن أول ما فرض رمضان على العرب فى الجاهلية وافق شدّة الحر ، فسمّوا الشهر رمضان من الرمضاء. ولم يكن اسمه رمضان وإنما كان اسمه «ناتق» ، والعرب أخذوا «الشهر» ميراثا عن اللغة السامية الأم ، وسمّوا الشهور عندهم بالأزمنة التى وافقتها ، فوافق شهر رمضان شدة الحرّ فسمى بذلك ، أو أنه سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب أى يحرقها ، من الإرماض وهو الإحراق. وقيل : لأن القلوب ترمض فيه من شدة الموعظة والتفكير فى أمر الآخرة كما يرمض الرمل والحجارة من حرّ الشمس. والرمضاء الحجارة المحماة. وقيل : هو من رمضت النصل أرمضه رمضا ، إذا سويته ليرق ، ومنه نصل رميض ، ومرموض ، وسمى الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فى رمضان ، ليحاربوا بها فى شوّال قبل دخول الأشهر الحرم. وينسب رمضان إلى الشهر ، وفى الحديث : «لا تقولوا رمضان بل انسبوه كما نسبه الله فى القرآن فقال : «شهر رمضان». ويجوز إطلاقه من غير إضافة شهر.

ويعنى صيام شهر رمضان مدة هلاله ، وبه سمى الشهر كما فى الحديث : «فإن غمى عليكم الشهر» ، أى الهلال ، وفرض علينا عند غمّة الهلال إكمال عدّة شعبان ثلاثين يوما ، وإكمال رمضان ثلاثين يوما ، وفى الحديث : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة» أو قال : «فإن غمى عليكم الشهر فعدّوا ثلاثين». ويثبت الهلال بشهادة اثنين ، والأسلم الآن التعويل على المناظير الفلكية ووسائل الإعلام. وقال بعضهم لو صام أهل بلد تسعة وعشرين يوما فالواجب قضاء يوم ، لقوله تعالى : (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) (البقرة ١٩٥) طالما أنه قد ثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون يوما فيجب إكمالها على من أنقصوها. والبعض يحتجّون بالحديث : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» وهذا يوجب اعتبار عادة كل قوم فى بلدهم.

* * *

٢٠٠٤ ـ أول ما فرض صيام عاشوراء

كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصوم عاشوراء وأمر بصيامه ، فلما فرض رمضان ترك فلا فرض إلا

٩٦٧

رمضان ، وفيه حصر الفرض. وكانت قريش تصوم عاشوراء فى الجاهلية ، ولم يأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بصيامه إلا بعد هجرته إلى المدينة فى ربيع الأول ، وأمر بصيامه فى أول السنة الثانية ، وفيها فرض شهر رمضان ، وعلى ذلك لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلا فى سنة واحدة. فلما فرض رمضان قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من شاء فليصمه ، ومن شاء أفطره ، وأنا صائم» ، يعنى أنه فى صومه آثر التطوع. وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ، ولهذا كانوا يعظّمونه بكسوة الكعبة فيه. وصامه المسلمون لأنهم رأوا نبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصومه ، حتى قال ابن عباس : ما رأيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتحرّى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم : يوم عاشوراء ، وهذا الشهر : شهر رمضان.

واسم عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم ، وهو فى الأصل صفة لليلة العاشرة ، لأنه مأخوذ من العشر الذى هو اسم العقد ، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه يوم الليلة العاشرة ، وعلى ذلك فيوم عاشوراء هو العاشر ، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصوم العاشر وهمّ بصوم التاسع معه ، قيل : ليخالف اليهود فى صومهم لهذا اليوم ، وقال : «صوموا يوما قبله أو يوما بعده» ، وكانت اليهود تصومه بدعوى أن الله نجّى بنى إسرائيل من عدوهم فى ذلك اليوم ، وصامه موسى ، فلما قيل ذلك للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول قدومه المدينة قال : «أنا أحق بموسى منكم» ، فصامه وأمر بصيامه. والصحيح أن هذا التبرير من تلفيقات الإسرائيليات ، لأن التقويم الهجرى لا يوافق التقويم العبرى ، وعاشوراء عند المسلمين فى العاشر من محرّم لا توافق عيد اليهود هذا المنوّه عنه ، وقد نبّه إلى ذلك زيد بن ثابت فقال : ليس يوم عاشوراء باليوم الذى يقول الناس : إنما كان يوم تستر فيه الكعبة ، وكان يدور فى السنة ، فالعرب كانت تحتفل بيوم غسل الكعبة وسترها بالسترة الجديدة ، فكانت تصوم ، فشنّع اليهود هذه التشنيعة : أن عاشوراء يوم نجىّ الله موسى ليظهروا هيمنة اليهودية على الإسلام ، وعاشوراء العربية لا يمكن أن توافق عيد اليهود هذا حتى ينسب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقول : أنا أولى بصيام هذا اليوم منهم!!!

* * *

٢٠٠٥ ـ كتب الصيام على المسلمين كما كتب على غيرهم

فى القرآن : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (البقرة ١٨٣) ، ومعنى «كتب» أى تقرر عليهم الصيام وألزمهم إياه وأوجبه عليهم بالفطرة إلا فى الإسلام فكان بالتكليف ، وفى الحديث : «بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، والحج» أخرجه البخارى ، وكل الشعوب بطريقة أو بأخرى ـ تصوم ، ولا يوجد دين ولا عقيدة إلا وفيه

٩٦٨

الصوم ، ومن معانيه الصمت ، والإمساك عن الطعام ، واجتناب المحظورات ، وعدم الوقوع فى المحرّمات. ومن أفضال الصوم فى الإسلام أن أضافه الله إليه ، وفى الحديث : «يقول الله تبارك وتعالى : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى ، وأنا أجزى به» ، وإنما خصّ الصوم لأنه سرّ بين العبد وبين ربّه لا يظهر إلا له ، فلربما يصوم الصائم رياء لا يعلمه إلا الله.

* * *

٢٠٠٦ ـ الصوم لله

فى الحديث : «الصيام لى وأنا أجزى به ، والحسنة بعشر أمثالها» ، أن الأعمال كلها لله ، وفيها جميعا يقع الرياء ، إلا الصوم ، لأنه شىء فى القلب ، والأعمال كلها لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم فإنه بالنية التى تخفى عن الناس. والأعمال كلها معلومة الأجر والثواب ، إلا عمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله ، وهو الصيام. وكل الصوم كفّارة ، ومن ذلك الحديث عن صيام عرفة ، وصيام عاشوراء ، قال : «صيام عرفة يكفّر سنتين ، وصيام عاشوراء يكفّر سنة».

* * *

٢٠٠٧ ـ فى الجنة باب اسمه الريان يدخل منه الصائمون

هذا حديث لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والجنة أبواب ، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الرّيّان ، ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة ، واسم الرّيّان ضد العطشان ، مشتق من الرّىّ وهو التزوّد بالماء ، وهو مناسب لحال الصائمين ، فهو اسم مما وقعت المناسبة بين لفظه ومعناه.

* * *

٢٠٠٨ ـ صوموا تصحّوا

فى الحديث : «صوموا تصحّوا» ، وفى الآية : (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٤) (البقرة) : أن فضل الصوم عظيم ، وثوابه جسيم ، ولذلك خصّه الله تعالى بالإضافة إليه كما فى الحديث : «يقول الله تبارك وتعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به» أخرجه البخارى ، فالصوم لله تعالى ، وإن كانت كل العبادات له ، لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات ، أحدهما : أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا تمنع منه سائر العبادات ؛ والثانى : أن الصوم سرّ بين العبد وبين ربّه لا يظهر إلا له ، فاختصّ به ، وأما ما سواه من العبادات فظاهر للناس ، فربما فعلها المرء تصنّعا ورياء. وتأكد بالعلم الحديث أن «الصوم» أفضل ما كتب الله على الإنسان من العبادات ، وأظهرت الدراسات أن

٩٦٩

الأداء البدنى للصائم من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب ، أفضل من أداء غير الصائم ، فإن السبب فى ذلك أن تحمّل بدن الصائم للمجهودات العضلية يزيد ، ويتحسن عنده أداء القلب وبقية الجهاز الدورى ، والجهاز الهضمى ، والجهاز التنفسى ، وكل ما عداها من أجهزة الجسم ، فلا يكاد يشعر الصائم بالإجهاد طوال اليوم ، فإذا امتد الصوم إلى ما بعد المغرب وتجاوز متوسط مدة الصوم التى شرعها الله ، وهى من إحدى عشرة إلى أربع عشرة ساعة فى المتوسط ، يبدأ الأداء فى التأثر ، ويبدأ الشعور بالإعياء. والصيام يسبب انصهار الدهون فى الجسم ، فتزيد الأحماض الدهنية الحرة فى الدم لتصبح المصدر الرئيسى لطاقة الصائم بدلا من سكر الجلوكوز عند المفطر ، ويقل بذلك استهلاك الجليكوجين فى العضلات وفى الكبد كلما قام الصائم بعمل مجهد ، وكذلك ينضبط مستوى سكر الجلوكوز فى الدم ، فلا يشعر الصائم بالإعياء ، على عكس المفطر الذى يتوقف ما يبذله من جهد على مستوى هذا السكر ، فإن انخفض عن مستواه أضناه الجهد بسرعة. وأيضا فإن الحالة النفسية للصائم أفضل من مثيلتها عند المفطر ، لشعور الصائم أنه يتعبّد لله بصومه ، وأن صومه قربات من الله ، وهذا الشعور بالرضا النفسى يزيد عنده إفراز العديد من الهرمونات النافعة ، مثل الأندروفين ، التى من شأنها تحسين الأداء البدنى وقلة الشعور بالإعياء. ويوقف الصيام سيطرة العادة اليومية فى تناول الوجبات الثلاث ، فلا يصبح الإنسان عبدا لما اعتاده ، ولا لبطنه يتحكم فيه الجوع ويوجه سلوكه ، ويعلّم الصيام صاحبه أن يسيطر على نفسه ويملك زمام أمره لمدة شهر كامل ، فضلا عن أن توقّفه عن تناول الوجبات اليومية بانتظام يريحه مما تراكم فيه على مدار السنة من دهون وشحوم وفضلات وسموم ، وفيروسات وطفيليات ، وغيرها ، ولذلك شرع الله الصيام وجعله شهرا ، وشرع نبيّه صوم التطوع ، وصوم الكفّارات ، وصوم النذر على مدار السنة ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من المواظبين على صوم التطوع ، وأوصى به أمّته ، وقال قولته المشهورة : «صوموا تصحّوا» ، وحذّر من النّهم ، والتّخمة ، والجشع ، والإسراف ، سواء فى الطعام والشراب أو غير ذلك من وجوه الإسراف ، وكان ذلك قبل ألف وأربعمائة سنة من الآن ، وأكدت صدقه الكشوف العلمية ، وهذا إعجاز علمى فيه الدليل الثابت على أن القرآن من عند الله تعالى ، وأنه منزّل على محمد وحيا وصدقا ، وكان علمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذى ما صادرت الكشوف على مقولة واحدة منه ، وحيا من الله تعالى لنبيّه.

* * *

٢٠٠٩ ـ ليل رمضان ظرف للأكل والشرب والجماع

جعل الله الليل فى رمضان ظرفا للأكل والشرب والجماع فى الآية : (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ

٩٧٠

إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة ١٨٧) ، كما جعل النهار ظرفا للصيام ، فبيّن أحكام الزمانين وغاير بينهما ، فلا يجوز فى النهار شىء مما أباحه بالليل ، إلا لمسافر أو مريض ، فمن أفطر فى رمضان من غير هذين ، عامدا بأكل أو بشرب أو بجماع ، فعليه القضاء والكفّارة. وأما من شرب أو أكل ناسيا فعليه إتمام اليوم ولا قضاء عليه ، وصومه تام. وقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن أكل أو شرب ناسيا : «يتمّ صومه». والجماع من محظورات الصيام ، وتكره القبلة والجسّة وغيرهما لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها. والنظر إن قصد به الاستمتاع كان كالقبلة ، ولا تجب الكفّارة إلا على من قصد الفطر وانتهاك حرمة الصوم ، ولا تفسده الجنابة لمن يصبح جنبا من جماع غير احتلام فى الليل ، وكذلك الحائض التى ينقطع حيضها قبل الفجر ولم تطهر بعد فعليها الصوم. وإتمام الصيام إلى الليل أمر يقتضى الوجوب ، ومن تمام الصوم استصحاب النية ، فإذا تبيّن الليل سنّ الفطر شرعا ، أكل أم لم يأكل ، والاعتماد على الرؤية يجبّه العلم بأوقات الغروب والشروق من طريق الساعة أو الراديو أو التلفزيون ، وخاصة فى بلاد كبلاد الشمال الأوروبى والآسيوى حيث تكون الأيام أغلبها غيم. وقوله تعالى : (إِلَى اللَّيْلِ) فيه نهىّ عن الوصال ، إذ الليل غاية الصيام ، والليل ليس بزمان صوم شرعى ، وكان ابن الزبير يواصل سبعا ، وقد نهى الرسول عن الوصال فقال : «إياكم والوصال وإياكم والوصال» ، والتكرار تأكيدا للمنع ، لأن فيه ضعف القوى وإنهاك الأبدان ، وفى الحديث : «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السّحر». والوصال يعنى أن يتصل صيام اليوم بصيام اليوم الذى يليه دون طعام أو شراب ، وكان هو يفعله لأنه ليس مثلهم ، وما أراد لهم أن يحاكوه فيه ويتكلّفوه فيضعفوا عن الجهاد ، وأما هو فكان يلتزم أعلى مقامات الطاعات ، فلما رسخ الإسلام فى القلوب وعمرت بالإيمان صار لهم أن يواصلوا مثله. ويستحب للصائم أن يفطر على رطبات أو تمرات ، وإذا لم يوجد ذلك يشرب حسوات من الماء ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أفطر قال : «لك صمنا ، وعلى رزقك أفطرنا ، فتقبّل منا إنك أنت السميع العليم» ، أو يقول : «ذهب الظمأ ، وابتلّت العروق ، وثبت الأجر إن شاء الله» ، وإذا دعى للإفطار عند أحدهم دعا له بعد الطعام فقال : «أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم الأبرار ، وصلّت عليكم الملائكة» ، وفى الحديث : «إن للصائم عند فطره لدعوة ما تردّ». والبعض يستحب أن يصوم بعد رمضان ستة أيام من شوال ، وفى الحديث : «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان له كصيام الدهر» ، وكره ذلك بعضهم مخافة أن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه.

* * *

٢٠١٠ ـ الإمساك يجب بتبيين الفجر

يتوجب الإمساك عن الطعام فى رمضان إذا تبيّن الفجر في الطّرق وعلى رءوس

٩٧١

المرتفعات ؛ والفجر فجران : الأول : المعترض الوقتى ، والثانى : المستعرض المستطير ، أى المنتشر ، وفيه تحلّ الصلاة ويحرم الطعام. وفى القرآن : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (البقرة ١٨٧) ، ومجرد التبيّن لا يصح ، وإنما ينبغى أن يمضى لطلوع الفجر قدر حتى يكون ذلك مؤكدا ، وفى عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانوا يعدّون الفجر المقصود هو الذى يملأ البيوت إلا أن الشمس فيه لم تطلع. وبطلوع الشمس يبدأ النهار ، والصوم زمنه النهار ، والنهار من طلوع الشمس ، وآخره غروبها ، وفسّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الآية بقوله : «إنما هو سواد الليل وبياض النهار» ، وهذا هو جوابنا على جارودى الفرنسى فى معضلة تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فى البلاد الأوروبية ، وخاصة بلاد الشمال ، حيث الشمس نادرا ما تطلع ، فطالما هناك الليل فهو إفطار ، ويبدأ الإمساك عن الطعام مع طلوع النهار ، وحتى فى الشمال هناك نهار يغلب أو ليل يغلب ، ويستمر الصيام إلى أفول النهار وبداية الليل ، وكان الناس فى أول الإسلام يربط أحدهم فى رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبيّن له التمييز بينهما ، فأنزل الله «من الفجر» فعلموا أنه إنما يعنى بذلك بياض النهار لا بياض الخيط. والخيط فى كلامهم هو اللون.

* * *

٢٠١١ ـ مفطرات الصيام

الصائم هو الذى يصوم ـ أى يمتنع ـ عن أشياء ، كالأكل والشّرب والجماع ، فى أوقات مخصوصة ، تبدأ بطلوع الفجر وتنتهى بالغروب ، بنية التقرّب إلى الله وطاعته وامتثال أمره. والصوم منه الواجب : كصوم رمضان وقضائه ؛ والصوم المحرّم : كصوم يومىّ العيدين ؛ والصوم المندوب : كصوم الأيام البيض من كل شهر ، وهى ١٣ و ١٤ و ١٥ ؛ والصوم المكروه : كصوم يوم الجمعة مفردا ، وصوم أيام أعياد الأغيار ، وكل ما يتناوله الصائم عامدا من مأكل أو مشرب فهو من المفطرات ، وكل ما يدخل جوفه منه ، وما ينفذ إلى معدته باختياره وكان يمكن التحرز منه ، سواء وصل من الفم على العادة كالدواء يؤخذ من الفم ، أو الأنف ، أو الأذن ، أو العين ، أو الدّبر ، أو الجروح. وقليل الدواء فى الأذن لا يفطر ، وقطرة العين إن وجد طعمها فى حلقه ، تفطره ، والكحل تكتحل به النساء إن وجدن طعمه فى حلوقهن أفطرن ، وإن اكتفين منه بالقليل لم يفطرن. والريق لا يفطر ، ومثله غبار الطريق ، والدقيق ، وإذا اجتمع الريق فى الفم فابتلعه لم يفطره ، فإن خرج ريقه إلى شفتيه فعاد فابتلعه أفطر ، وكذلك النخامة ، والقىء ، والدم يسيل من فمه فيبلعه ، وإن كان القىء قد غلب عليه بغير اختياره فلا قضاء عليه ، ولا فرق أن يكون القىء طعاما أو بلغما. ولا يفطر الصائم بالمضمضة ، والاستنشاق فى الطهارة ، وإن دخل الماء فى الغسل

٩٧٢

المشروع فى أذنيه ، فحكمه حكم الماء الداخل إلى الحلق فى المضمضة والاستنشاق ، إذ زاد عن الحدّ فإنه يفطر ، ولا يفطر منه اليسير. والعلك الذى يتحلل فى الفم بمضغة يحرم ، فإن كان مما لا يتحلل فهذا يكره مضغه ولا يحرم ، وإن مضغ منه ولم يكن له طعم فى حلقه لم يفطر. ويكره ذوق الطعام إلا لحاجة ، فإن وجد طعمه فى حلقه أفطر ، ولا تفطر المرأة تمضغ الخبز لولدها ، وتزق الفرخ. ويكره السواك الرطب للصائم ، وإن كان طعام كثير يتخلل الأسنان فلفظه ، فليس شىء عليه ، وإن ابتلعه أفطر. والقبلة والمسّ فيهما أن يقبّل زوجته ولا ينزل ، فصيامه مقبول ؛ وأن يقبّل فيمنى فهذا مفطر بلا خلاف ؛ وأن يقبّل فيمذي فيفطر. ولا تحل القبلة لمن كان ذا شهوة ، وتحل للشيخ الهرم ممن لا تحرك القبلة شهوته. ولا يكره اللمس لغير شهوة ، كلمس الطبيب للمريضة. والاستمناء باليد يفطر ، ولا تفطره ملامسته لعورته. وإذا أنزل لغير شهوة ، كأن يكون ذلك من مرض ، فلا شىء عليه. وتكرار النظر ، لمن يباح له النظر إليهن ، مكروه لمن يحرك النظر شهوته ، فإن أنزل بسبب ذلك أفطر ، ولا يفطر إن فكّر فأنزل ، أو خطرت له خواطر. والمفسد للصوم من هذا كله ما كان عن عمد وقصد ، ومن يكره على شىء منه لا يفطر ، ولا يفطره الأكل عن نسيان. ومن يرتد عن الإسلام وهو صائم يفسد صومه ، وإذا نوى الصائم الإفطار فقد أفطر. وإذا الصائم نافلة ، نوى الفطر ثم لم ينو الصوم بعد ذلك ، لم يصحّ صومه ، فإن عاد ونوى الصوم صحّ. ومتى أفطر لأى من الأسباب السابقة عليه القضاء دون الكفارة ، وتجب الكفّارة على من أنزل بلمس أو قبلة أو تكرار النظر.

والمفطرات الموجبة للكفّارة : أولها الجماع فى الفرج فى رمضان عامدا ، أنزل أو لم ينزل ، وأما الجماع فى قضاء الصوم فلا كفارة عليه. والجماع فى رمضان دون الفرج فيه روايتان ، وإن ساحق المجبوب فأنزل ، فحكمه حكم من جامع دون الفرج فأنزل ، وإذا جامع الصائم ناسيا أو مكرها فلا قضاء ولا كفّارة ، ولا فرق فى وجوب الكفارة بين الوطء فى القبل أو فى الدبر ، وبين وطء الصغيرة أو الصبي ، ووطء البهيمة. وإن أكرهت المرأة على الجماع فلا كفارة عليها ، وعليها القضاء ، وكذلك إذا وطئت نائمة. والناسية للصوم كالنائمة. وإن تساحقت امرأتان فأنزلتا فسد صومهما ، وإن لم ينزلا فلا شىء عليهما. وكذلك إذا أكره الرجل على الجماع فسد صومه ، وفى وجوب الكفارة عليه روايتان. وإذا طلع عليه الفجر وهو يجامع واستمر فى الجماع فعليه القضاء والكفارة ، ومن ظن أن الفجر لم يطلع وجامع ، ثم تبين أنه طلع ، فعليه القضاء والكفارة. وقيل : إن تعمّد الكذب يفسد الصوم ويوجب الكفارة ، وقيل : الكذب ينقض الصوم والوضوء ، ويفسد الصيام بالجماع أول الليل وعدم الاغتسال حتى يطلع النهار عامدا ، فإن نوى الاغتسال فى الفجر ونام حتى

٩٧٣

الصباح لا يفسد صيامه لأنه لم يتعمد عدم الاغتسال من الجنابة. والحائض والنفساء إذا انقطع عنهما الدم فى أول الليل فى شهر رمضان ، وتركا الاغتسال عامدتين أفطرتا ووجب عليهما القضاء كالجنب ، وإن نامتا على نية الاغتسال والصيام ولم تنتبها حتى الصباح ، فلا شىء عليهما. والجاهل المقصّر عليه القضاء والكفارة إن تناول شيئا من المفطرات جاهلا أنها تفسد الصوم. ومن استمنى بيده فقد ارتكب محرما وأفسد صيامه ويقتضى القضاء.

* * *

٢٠١٢ ـ الأيام المستحب صومها صيام التطوع

يستحب صيام : ستة أيام من شوال متتابعة أو متفرقة ، فى أول الشهر أو من آخره ؛ واليوم التاسع والعشر من المحرم ؛ ويوم عرفة لغير الواقف فيها ، فأما الواقف فيها فيستحب له الفطر ؛ وثلاثة أيام من كل شهر قمري ، ويستحب أن يجعلها الأيام البيض ، وهى أيام ١٣ و ١٤ و ١٥ من كل شهر ، وسميت البيض لابيضاض ليلها كله بالقمر ؛ وكذلك الأيام الستة من شوال يستحب فيها الصوم لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان له كصيام الدهر» رواه مسلم والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجة ، وقوله : «جعل الله الحسنة بعشر أمثالها ، فشهر رمضان بعشرة أشهر ، وستة أيام بعد الفطر تمام السنة» رواه النسائى ، وكره مالك هذه الأيام الستة مخافة أن يلحقها أهل الجهالة برمضان وهى ليست منه ، واستحب صيامها الشافعى ، والناس فى بعض البلاد يعاملونها فعلا معاملة رمضان ويقومون لسحورها على عادتهم فيه. وأفضل صيام التطوع : أن يصوم المرء يوما ويفطر يوما.

* * *

٢٠١٣ ـ الأيام المكروه صومها

يكره صوم الأيام التالية : إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يوافق عادة له ، كمن اعتاد صيام أول كل شهر فكان يوم الجمعة أول الشهر ، فإن وصله بيوم قبله أو بعده فلا كراهة ؛ وأيام أعياد غير المسلمين ، فيكره صيام يوم السبت منفردا لأنه يوم اليهود ، أو يوم الأحد منفردا لأنه يوم النصارى ، فإن صام معه غيره أو صادف هذا اليوم أول الشهر مثلا وكانت عادته صوم أول الشهر فلا كراهة.

* * *

٢٠١٤ ـ الأيام التى يحرم صيامها

يحرم صيام الأيام التالية : يوم الشك ، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صافية ولم ير الهلال ، إلا أن يكون يوم الثلاثين من الأيام المعتاد صيامها ، أو أن يصل هذا اليوم

٩٧٤

بيوم قبله أو يوم بعده ؛ ويوما العيدين يحرم صيامهما فى التطوع والنذر والقضاء والكفّارة ؛ وأيام التشريق لا يحل صيامها تطوعا ، وأما صومهما تطوعا ففيه روايتان.

* * *

٢٠١٥ ـ صيام النذر

من نذر صوم الدهر ، أو صوم السنة ، لزمه ، ولا يدخل فى نذره رمضان ، ولا أيام العيد والتشريق ، فإن أفطر لعذر أو غيره لم يقضه وتلزمه الكفّارة ، وإن لزمه قضاء من رمضان أو كفارة قدّمه على النذر ؛ وإن مات وعليه صيام نذر فيستحب أن يصوم عنه وليّه. ومن نذر صيام شهر من يوم قدوم فلان فصادف قدومه رمضان ، فإن صيامه الشهر يجزئه عن صيام النذر وصيام رمضان ، وإذا وافق نذره بعض رمضان وبعض شهر آخر ، لزمه صوم ما خرج عن رمضان ، وإذا نذر صياما مطلقا فأقل ذلك صيام يوم ؛ ومن نذر الصيام عن الكلام لم يلزمه الوفاء به ، لأنه ليس من شريعة الإسلام ؛ ومن نذر صوم شهر بعينه وشرط التتابع ، فأفطر منه يوما لغير عذر ، فإنه ينقطع صومه ويلزمه استئنافه ، وإن لم يشترط التتابع يكفّر عن فطره ويقضى يوما مكانه بعد إتمام صومه. وإذا أفطر لعذر وقد اشترط التتابع فمرض ، فإنه إذا عوفى يصوم من جديد ولا كفارة عليه ، أو يبنى على ما سبق ويكفّر كفارة يمين ، وكذلك المرأة إذا حاضت ؛ ومن نذر صوم يوم معين أبدا ، كأن يكون يوم الخميس ، لزمه ذلك.

* * *

٢٠١٦ ـ من قام رمضان إيمانا واحتسابا

فى الحديث : «من قام رمضان إيمانا واحتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه» ، ومعنى إيمانا واحتسابا : أن يكون مؤمنا محتسبا ، والإيمان : هو الاعتقاد بفرضية الصيام ، والاحتساب : هو طلب الثواب من الله ، وهو أن يصومه على معنى الرغبة فى ثوابه ، وقيام رمضان : صلاة التراويح ، فيحصل بها المطلوب من القيام.

* * *

٢٠١٧ ـ صلاة التراويح

التراويح جمع ترويحة : وهى المرة الواحدة من الراحة ، كتسليمة من السلام ، وسميت الصلاة فى الجماعة فى ليالى رمضان التراويح ، لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. وفى قيام رمضان ـ أى الصلاة فيه ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من قامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلّى فى رمضان فى المسجد والناس يصطفون خلفه ويزداد عددهم ، حتى لم يعد المسجد يتّسع لهم ، فصلّى

٩٧٥

بهم أبىّ بن كعب ، ولم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد جمعهم لذلك ، فلما رآهم يصلون ناحية المسجد ، قال : ما هذا؟ فقيل : ناس يصلّى بهم أبىّ بن كعب ، فقال : «أصابوا ونعم ما صنعوا» ، ولكنه امتنع عن مشاركتهم مخافة أن يقال أنها فرضت عليهم. واستمر الناس فى كل رمضان حتى خلافة عمر يصلّون جماعات ، كل جماعة وحدها ، فجمعهم عمر على أبىّ بن كعب ، فقام بهم فى رمضان ، فكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد فى رمضان ، واستنّ عمر ذلك عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وسميت هذه الصلوات بالتراويح. وقراءة أبىّ للناس ، تعنى أنه كان يؤمّهم عملا بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يؤمّهم أقرؤهم لكتاب الله» ، وكان أبى يصلّى بالرجال ، وتميم الداري يصلّى بالنساء ، وقيل : سليمان بن أبى حثمة. ولمّا شاهد عمر الناس يصلّون كما أمر ، سرّ لذلك ، وقال : نعم البدعة هذه! والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق ، وتطلق فى الشرع فى مقابل السنّة فتكون مذمومة ، وأما البدعة المستحسنة فهى التى توافق الشرع.

* * *

٢٠١٨ ـ عدد ركعات التراويح

روى أن الناس فى عهد عمر كانوا يصلون التراويح إحدى عشرة ركعة ، وكانوا يقرءون بالمائتين ، ويقومون على العصى من طول القيام. وقيل : كانوا يصلون ثلاث عشرة ؛ وقيل : إحدى وعشرين ، أو عشرين غير الوتر ، والوتر ثلاث ركعات ، فيصير المجموع ثلاث وعشرين ، وهذا الاختلاف بحسب التطويل فى القراءة وتخفيفها ، فحينما تطول القراءة تقل الركعات وبالعكس. وفى عهد عمر بن عبد العزيز صلّى الناس ستا وثلاثين ركعة فى المدينة ، وأوتروا بثلاث ركعات ، وفى مكة صلوا ثلاثا وعشرين ركعة ، يطيلون القيام ويقلّون السجود ، أو يكثرون السجود ويخفّون القراءة ، وأكثر ما قيل أنها كانت تصلّى إحدى وأربعين ركعة بالوتر ، وقيل : أربعين ركعة والوتر سبع ركعات ، وقيل : ثمان وثلاثين بانضمام ثلاث للوتر ، أو ثمان وثلاثين والوتر ركعة ، فتصير تسعا وثلاثين ، أو أنها تسع وثلاثون يوترون منها بثلاث ، وقد يصلّون أربعا وثلاثين والوتر ركعة ، وقيل : ست عشرة غير الوتر ، وأحسن ما قيل : كانت التراويح فى زمن عمر ثلاث عشرة ، وهذا هو الأثبت ، وعن ابن عباس : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى فى رمضان عشرين ركعة والوتر ، وأصدق قول هو قول عائشة : أنه كان لا يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلى أربعا ، ثم أربعا ، ثم ثلاثا ، بخلاف الوتر.

* * *

٩٧٦

٢٠١٩ ـ الصيام جنة

فى الحديث : «الصيام جنّة فلا يرفث ولا يجهل ، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إنى صائم» ، والجنّة : الحصن يقى صاحبه الشهوات ، وهو جنّة من النار ، والرفث : الجماع ومقدماته ، وقوله : لا يجهل ، أى لا يفعل شيئا من أفعال الجهل كالسفه والسبّ ، وفى رواية : «فلا يرفث ولا يجادل» ، وإن سابّه أحد فليقل : إنى صائم.

* * *

٢٠٢٠ ـ شهر رمضان أيام معدودات

فى قوله تعالى : (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) (البقرة ١٨٤) تعلّقها بالصوم ، أى كتب الصوم على المؤمنين فى أيام ، والأيام المعدودات هى شهر رمضان.

* * *

٢٠٢١ ـ خلوف فم الصائم أطيب من ريح المسك

هذا حديث لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والخلوف رائحة فم الصائم ، وقوله إنه عند الله أطيب من ريح المسك مجاز ، لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة ، فاستعير ذلك للصوم ، والمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم ، أى يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم.

* * *

٢٠٢٢ ـ الحائض تترك الصوم والصلاة

الحائض تقضى الصيام ولا تقضى الصلاة ، والصلاة تتكرر فيشق قضاؤها ، بخلاف الصوم الذى لا يقع فى السنة إلا مرة.

* * *

٢٠٢٣ ـ الصوم والمرض والسفر

فى قوله تعالى : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة ١٨٤) ، أن المريض قد تكون حالته بحيث ينصح له بالفطر ، فيكون الفطر عليه واجبا ، أو أن يقدر رغم مرضه على الصوم بضرر ومشقة ، فيستحب له الفطر ، فإذا صام دلّ ذلك على أنه جاهل. وكل حال تحصل للإنسان يستحق بها اسم المرض ويخشى عليه التلف من الصيام يصحّ له بها الفطر ، قياسا على المسافر لعلّة السفر ، ومن خشى على نفسه وهو صائم إن لم يفطر أن يزداد وجعه أو تزداد الحمى به شدة ، فعليه أن يفطر. والمسافر يفطر طالما لم يقصد أن ينتهك حرمة الصوم. ويقضي المفطر في المرض أو في السفر ، ويستوفى عدد أيام ما أفطر فيه ، وفى الحديث : «ليس من البرّ الصيام فى السفر» أخرجه البخارى. والصوم فى

٩٧٧

السفر أفضل لمن قوى عليه ، كقوله تعالى : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة ١٨٥). ويصوم رمضان متتابعا من أفطره متتابعا من مرض أو سفر ، وإن فرّقه أجزأه ، وفى الآية : «فعدة من أيام أخر» لم يخصّ متفرقة من متتابعة ، ويجزيه أن يصومها متفرقة ، وإنما وجب التتابع فى الشهر لكونه معينا. ومع ذلك فالقضاء واجب من غير تعيين لزمان ، لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض ، ويستحب تعجيل القضاء خوف المنيّة ، وغاية زمان القضاء شهر شعبان ، ومن فرّط فى قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر يصوم هذا مع الناس ، ويصوم الذى فرّط فيه ، ويطعم لكل يوم مسكينا ، فإن تمادى به المرض فلم يصحّ حتى جاء رمضان آخر فإنه يطعم كل يوم مسكينا ثم ليس عليه قضاء. ومن أفطر في القضاء فعليه قضاء ما أفطر. ومن أفطر فى رمضان لعلّة ، فمات من علّته ، أو سافر فمات فى سفره ، فلا شىء عليه ، ولا يصوم عنه أحد ، لأنه لا يصوم أحد عن أحد ، لقوله تعالى : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الزمر) ، وعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يصلّى أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدّا من حنطة» ، ويبدو أنه لا يصوم أحد عن أحد فيما يخص رمضان ، فأما صوم النذر فيجوز. والصوم إطلاقا عبادة بدنية لا مدخل للمال فيه ، فلا يصام عمّن وجب عليه ، كالصلاة ، ولا ينقض هذا بالحج ، لأن الحج للمال فيه مدخل ، ويجوز أن يحج أحد عن أحد. والخلاصة : أن صوم رمضان فى السفر جائز ، وثبت أن من صحب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى السفر وصام لم يعبه ، كما لم يعب المفطر ، ومن غزا معه صام بعضهم وأفطر بعضهم ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم.

* * *

٢٠٢٤ ـ النهى عن الوصال

الوصال هو أن يترك الصائم ما يفطر عند الإفطار ويظل صائما بالليل ويمسك عن الطعام. وليس فى الليل صيام لقوله تعالى : (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة) ، والله لم يكتب الصيام بالليل ، فمن صام فقد تعنّى ولا أجر له ، ونهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن هذا ، وقال : «صوموا كما أمركم الله تعالى ، وأتموا الصيام إلى الليل ، فإذا كان الليل فأفطروا». وقالت عائشة : نهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الوصال رحمة لهم وإبقاء عليهم ، وقال : «اكلفوا ما تطيقون». وإذا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد واصل فالوصال من خصائصه كنبىّ ، على أن غيره ممنوع منه. والإمساك إلى السحر ليس وصالا ، ولكن الوصال أن يمسك الليل جميعه والنهار. ورخّص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الوصال حتى السحر ، ولما قالوا له : إنك تواصل؟ قال : «لست كهيئتكم. إنى أبيت ، لى مطعم يطعمنى ويسقينى».

* * *

٩٧٨

٢٠٢٥ ـ صيام الدهر وصيام النبىّ داود

لما بلغ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص يسرد الصوم (أى يتابعه) ويصلّى الليل ، قال له : «صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينيك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك (أى زوارك وضيوفك) عليك حقا ، وبحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام ، فإن لك بكل حسنة عشرة أمثالها ، فإذن ذلك صيام الدهر كله (يعنى كأنك صمت الدهر كله)». والحديث له عدة روايات ، ففي رواية قال له : «فصم من كل جمعة ثلاثة أيام» ، وفى رواية : «فصم يوما وأفطر يومين» ، وفى رواية : «يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام» فقال له : يا رسول الله! قال : «خمسة» ، قال : يا رسول الله! قال : «سبعة» قال : يا رسول الله! قال : «تسعة» ، قال : يا رسول الله! قال : «أحد عشر». وفى رواية قال : «صم يوما من كل عشرة أيام ولك أجر ما بقى». قال : إنى أطيق أكثر من ذلك! قال : «صم يومين ولك أجر ما بقى» ، قال : إنى أطيق أكثر من ذلك! قال : «صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقى» ، قال : إنى أطيق أكثر من ذلك! قال : «صم أربعة أيام ولك أجر ما بقى» ، قال : إنى أطيق أكثر من ذلك. قال : «صم صيام داود». يقول : عبد الله : فلم يزل يناقصنى وأناقصه. وفى رواية قال : «صم الاثنين والخميس من كل جمعة» ، وفى رواية قال : «صم من كل عشرة أيام يوما ولك أجر تلك التسعة» ، ثم قال : «صم من كل تسعة أيام يوما ولك أجر تلك الثمانية» ، ثم قال : «من كل ثمانية أيام يوما ولك أجر السبعة» ، فلم يزل حتى قال : «صم يوما وأفطر يوما». وفى رواية أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا سمع أن عبد الله بن عمر يقول : والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت! قال له : «فإنك لا تستطيع ذلك ، فصم وأفطر ، وقم ونم ، وصم من الشهر ثلاثة أيام ، فإن الحسنة بعشرة أمثالها ، وذلك مثل صيام الدهر» ، فقال عبد الله : إنى أطيق أفضل من ذلك! قال : «فصم يوما وأفطر يومين» ، قال : فإنما أطيق أفضل من ذلك! قال : «فصم يوما وأفطر يوما ، فذلك صيام داود عليه‌السلام ، وهو أفضل الصيام» ، قال : إنى أطيق أفضل من ذلك! فقال النبىّ : «لا أفضل من ذلك». وقوله : «مثل صيام الدهر» فإن المثلية لا تستلزم التساوى من كل جهة ، لأن المراد هنا هو التضعيف الحاصل من الفعل ، فيصدق على فاعل ذلك أن صيامه كصيام الدهر مجازا. وفى قوله : «لا أفضل من ذلك» ، فى رواية : «أحبّ الصيام إلى الله صيام داود» ، وفى رواية : «أفضل الصيام صيام داود». وفى رواية : «فصم صيام داود عليه‌السلام ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفرد إذا لاقى». وقال : «لا صام من صام الأبد» ، فاستدلّ بهذا على كراهية صوم الدهر. وقوله : «لا صام» كقوله تعالى : (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى) (٣١) (القيامة).

وفى الرواية أن عمر بن الخطاب بلغه أن رجلا يصوم الدهر ، فأتاه فعلاه بالدرّة (أى

٩٧٩

بالسّوط) ، وجعل يقول : كل يا دهرى! ـ وفى الحديث : «من صام الدهر ضيّقت عليه جهنم ـ وعقد بيده» أخرجه أحمد والنسائى وابن حبان ، وظاهره أنها تضيق عليه حصرا لتشديده على نفسه ورغبته عن سنة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واعتقاده أن غير سنّته أفضل ، فيكون حراما. وقوله : «لا صام من صام الأبد» دعاء من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على من يفعل ذلك ، ويا ويل من أصابه دعاؤه ؛ أو هو خبر ، فيا ويل من أخبر عنه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وشهد عليه أنه لم يصم ؛ أو أن معناه أنه لم يصم شرعا ، ولم يكتب له الثواب لأنه نفى عنه الصوم. ولا يعنى الحديث : «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر» أن صيام الدهر أمر مطلوب وهو الأفضل ، فالمراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام السنة كلها ، والمكلّف لا يجوز له صيام السنة.

وبقيت كلمة عن صيام داود ، فإنه فى كل أسفار اليهود لم يكن داود يصوم يوما ويفطر يوما ، والصيام الوحيد الذى صامه لما مات ابنه من الحيثية ـ وكان ولد سفاح ، وظل صائما طوال فترة مرض الولد (الملوك الثاني ١٢ / ١٦) ولم يفطر إلا بعد أن أخبروه أنه مات ، فلم يجد فائدة للصيام ولا جدوى. وعلى أىّ فصورة داود فى الإسلام بخلافها تماما فى أسفار اليهود ، وذلك هو الشأن مع كل أنبياء بنى إسرائيل فى القرآن وفى الأسفار ، فالقرآن ينزّه الأنبياء ويعلى من أقدارهم ، والأسفار تحط من قدرهم وتسخّفهم وتخطّئهم ، والأولياء فى الأسفار أعلى من الأنبياء قدرا وأفضل أفعالا.

* * *

٢٠٢٦ ـ صيام الثلاثة أيام البيض

هى بيض لأنها الأيام ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ، وهى التى يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره ، فالليل يكون كالنهار ، واليوم بطوله كالنهار ، وليس فى الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام ، لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض ، فصحّ قول «الأيام البيض» على الوصف. وأعطاها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اسم «الغرّ» ، فكان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر. وقال فى صيامها إنها «كهيئة الدهر» ، وقال : «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر : الأيام البيض صبيحة الثالث عشر» ؛ وقيل : كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام : الاثنين والخميس ، ثم الاثنين من الجمعة التالية ؛ وقيل : كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالى من أى الشهر صام ، وكان ينوّع أيام صيامه ليبيّن للناس جواز ذلك ، وكل ذلك فى حقّه أفضل ، غير أن البيض تترجّح بكونها وسط الشهر ، ووسط الشيء أعدله ؛ ورجّح بعضهم صيام الثلاثة أيام فى أول الشهر ، لأن المرء لا يدرى ما يعرض له من الموانع ، أو صيام يوم

٩٨٠

من أول كل عشرة أيام ؛ أو صيام يوم السبت ، والأحد ، والاثنين من كل شهر ، ثم من الشهر التالى : الثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، ليستوعب غالب أيام الأسبوع كل شهرين. واختار بعضهم الصيام ثلاثة أيام من آخر الشهر ، لتكون كفارة لما مضى. واختار النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى تسمية الأيام البيض اسم سرر الشهر ، جمع سرّة فقال : «أما صمت سرر الشهر؟ والسرّة وسط الشهر ، وسؤاله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يؤيد الندب لصيام الأيام البيض وهى وسط الشهر.

* * *

٢٠٢٧ ـ النهى عن صيام يوم الجمعة

يوم الجمعة يوم عيد المسلمين ، والصيام فيه محرّم إلا من صام يوما قبله أو بعده. وثبت النهى عن صوم يوم الجمعة ، كما ثبت النهى عن صوم يوم العيد ، والفرق بين العيد والجمعة : أن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ، ولو صام قبله أو بعده ، بخلاف يوم الجمعة ، فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده. ولو جاز صوم الجمعة لتضاعف تعظيمه ، ولكان عيدا للمسلمين ويوم صيام ، فيفتتن به الناس كما افتتن اليهود بالسبت ، فلو صام المسلمون الجمعة لكانوا يقلدونهم ، والمفروض ترك موافقتهم ، وفى الحديث : «لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده» ، وفى رواية : نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن صيام يوم الجمعة مفردا ؛ وفى رواية : نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يفرد يوم الجمعة بالصيام. وفى الحديث : «لا تخصّوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تخصّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» ، وفى رواية : «لا يصوم أحدكم يوم الجمعة وحده إلا فى أيام معه» ، وفى رواية : «لا تصم يوم الجمعة إلا فى أيام هو أحدها».

* * *

٢٠٢٨ ـ صوم يوم الشك

النيّة شرط لصحة الصيام ، فمتى قام فى نفس الإنسان فى الليل أن غدا من رمضان ، وأنه صائم ، فقد صحّت نيّته ، وإن شكّ فى أنه من رمضان ، ولم يكن له أصل يبنى عليه ، مثل أن يكون ليلة الثلاثين من شعبان ، ولم يحل دون مطلع الهلال غيم أو نحوه ، فعزم أن يصوم غدا من رمضان لم تصحّ النيّة ، ولا يحسب له ذلك صياما عن رمضان ، بخلاف ليلة الثلاثين من رمضان فتصحّ نيّته فيها وإن احتمل أن يكون من شوال.

* * *

٢٠٢٩ ـ صيام الصغير والصغيرة

لا يجب صيامهما حتى يبلغ الصبى وتحيض البنت ، وقيل يجب الصيام على الصبى المطيق إذا بلغ عشر سنين ، ولا قضاء عليهما قبل البلوغ والحيض. ولا صيام على المجنون.

* * *

٩٨١

٢٠٣٠ ـ الصوم للحائض والجنب والمستحاضة والحامل والنفساء

يحرم الصيام على الحائض ، وإذا انقطع حيضها فى الليل فلها أن تنوى الصيام وتؤخر غسلها للصباح ، وكذلك الجنب ، تنوى الصيام وتؤخر غسلها للصباح. والحامل تصوم إذا استطاعت ، وإذا رأت الدم فقد يكون دم فاسد ـ يعنى نزيفا بسبب مرض ـ فتستمر فى الصيام ، وإن كان من علامات الوضع تركت الصوم. والمرأة الحائض متى رأت الطهر تغتسل وتلزمها الصلاة والصيام ، وإن كان الدم دم استحاضة تتوضأ لكل صلاة أو تغتسل لها وتصوم ، وعليها أن تراجع طبيبا لعلاج استحاضتها. والنفساء والحائض لا يجب عليهما الصيام ، وعليهما أن يقضيا ، ومتى وجد الحيض فى جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم.

* * *

٢٠٣١ ـ من مات وعليه صوم صام عنه وليّه

قال بعضهم الصيام عن الميت جائز ، وقال آخرون لا يصام عن الميت ، وقيل : إن دين الله أحقّ أن يقضى ، فينبغى أن يطعم عن رمضان بالنسبة لميّت عليه صيام ، أو يتخير الولىّ بين الصيام عن الميت أو الإطعام ، وقالت عائشة : لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم ـ واختلفوا فيمن يكون الولى ، وقيل : هو الوارث خاصة ، وقيل : عصبته.

* * *

٢٠٣٢ ـ الفدية على من لا يطيقون الصوم

الصيام فريضة على من يطيقه ، ومن يفطر فعليه فدية ، كقوله تعالى : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٤) (البقرة) ، ومن الناس من يطيقون الصيام ويفطرون ، وهؤلاء عليهم فدية طعام مسكين عن كل يوم يفطرونه ـ إذا كانوا يطيقون الفداء. وقد يقدر المريض والحامل والمرضع على الصيام لكن بمشقة تلحقهم فى أنفسهم ، وهؤلاء إن صاموا أجزأهم ، وإن افتدوا فلهم ذلك ، والآية رخصة لهؤلاء ، وخاصة للشيخ الكبير ، والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصوم ، ولهما أن يفطرا بشرط أن يطعما مكان كل يوم مسكينا ، ولا قضاء عليهما ، وكذلك الحبلى والمرضع. وروى أن هؤلاء عليهم الجزاء ولا عليهم القضاء ؛ وروى أن الحامل والمرضع بمنزلة المريض الذى يفطر ويقضى ؛ وقيل : إن الشيخ الكبير والعجوز يفطران لعذر موجود فيهما وهو الشيخوخة والكبر ، فلا يلزمهما إطعام ، كالمسافر والمريض. والتطوع فى الآية هو الإطعام مع القضاء ، وخير من ذلك كله الصيام وعدم الإفطار ، سواء فى السفر أو المرض ، أو الشيخوخة والكبر ، أو بالنسبة للحبلى والمرضع.

* * *

٩٨٢

٢٠٣٣ ـ الرفث فى رمضان كان محرّما

لمّا نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء خلال رمضان كله ، وكان البعض يخونون أنفسهم ، فأنزل الله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) (البقرة ١٨٧) ، والرفث هو المباشرة ، وخان واختان بمعنى واحد ، من الخيانة ، أى تخونون أنفسكم بالمباشرة فى ليالى الصوم ، فصرّح الله تعالى بالرفث للرجال والنساء ، وهو كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته ، وهو هنا بمعنى الجماع خاصة ، فقد كانوا يفعلون ذلك وهم يعلمون بإثم ما يفعلون ، فخفف الله عنهم. والرفث مسموح به فى غير نهار الصوم ، وليس فى الديانات الأخرى مثل ذلك ، وإباحته فى وقت الإفطار خصيصة إسلامية ، وعبّر عن ذلك تعبيرا جميلا بتشبيه الزوج والزوجة باللباس فى الثياب ، وامتزاج كل واحد منهما بصاحبه سمّاه لباسا ، لانضمام الجسد وتلازمهما تشبيها بالثوب ، ولأن كل واحد منهما ستر لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع.

* * *

٢٠٣٤ ـ ليلة القدر من رمضان

قال تعالى : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (البقرة ١٨٥) ، وقال : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) (٢) (القدر) أى أنزل القرآن ، وكان نزوله فى رمضان فى ليلة القدر ، ونزوله فى زمان معين يقتضى فضل ذلك الزمان ، وسميت ليلة القدر بهذا الاسم لأنها ذات قدر بنزول القرآن ، وتتنزّل الملائكة فيها ، ولما يتنزل فيها من البركات والرحمات والمغفرات ، أو أنها ليلة القدر لأن الذى يحييها ذو قدر ، وقيل القدر هو التضييق ، كقوله : (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) (الطلاق ٧) ، فهى الليلة التى يضيّق الله فيها العلم بتعيينها ويخفيه ، وقيل : القدر بمعنى القدر المؤاخى للقضاء ، والمعنى المشهور أنه يقدّر فيها أحكام تلك السنة ، لقوله تعالى : (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (٤) (الدخان). وقوله : (وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) من أساليب القرآن ، قيل : فكلما جاءت «وما أدراك» فى الخطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد أخبره به ربّه ، وأما إن جاء «وما يدريك» فإنه عن شىء لم يخبره به ، وقيل : وهذا دليل على أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يعرف تعيين ليلة القدر ، وهذا غير صحيح لأن موعدها من الغيب ولا يعرفه إلا الله ، ومثلها مثل «الساعة» ، و «الأجل». وفى الحديث : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» أخرجه البخارى ، فاجتمع لليلة القدر فضلان : فضل رمضان ، وفضل أنها ليلة القرآن ، فمن أقامها ، أى قضاها فى الصلاة والذكر والدعاء ، تصديقا بوعد الله ووعد

٩٨٣

رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واحتسابا للأجر لا لقصد آخر من رياء أو غيره ، غفر له ما تقدم من ذنبه ، وجعلها تعادل فى ذلك رمضان كله.

* * *

٢٠٣٥ ـ الكفّارة

الكفّارة : هى ما يغطّى به الإثم ، ويقال : كفّر الله ذنبه : أى محاه ، وكفّر عن يمينه أو إثمه : أى أعطى الكفّارة من صدقة أو صوم أو نحوهما. والكفّارة فى حق الناس جميعا ، يستوى فيها الرجل والمرأة ، وتجب فى الصيام على كل مفطر كان يجب عليه الإمساك عن المفطرات من الفجر حتى المغرب فأفسد هذا الإمساك ، وقد تكون الكفارة مع قضاء كما فى الإمناء ، كالذى يعبث بأهله فى نهار رمضان ، ويقبّل ويتحسّس فيمنى ويفسد صيامه ، فعليه القضاء والكفارة ، مثل الذي يجامع فى نهار رمضان ، وقد تكون الكفّارة بدون قضاء كما عند الشيخ أو الشيخة حينما يعجزان عن الصيام ، كما فى قوله تعالى : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) (البقرة ١٨٤) ، فعليه إطعام مسكين عن كل يوم يفطره ، وكذلك الحبلى والمرضع ، فإنهما من الذين لا يطيقون الصيام ، وعليهما الجزاء ولا عليهما القضاء ، وهو معنى «الفداء».

وقد يكتفى بالكفّارة دون القضاء ، كما فى كفّارة الظهار ، فى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) (المجادلة). وكفّارة الوطء في رمضان : هى التصدّق بما يوازى عتق رقبة ، فإن عجز عن العتق فصيام شهرين متتابعين ، فإن عجز فإطعام ستين مسكينا. وإن جامع مرة ولم يكفّر ، وعاد إلى الجماع مرة أخرى فى نفس اليوم فعليه كفارة واحدة ، وإن جامع فى يوم ثان فعليه كفّارتان ، فإن لم يكن قد كفّر أولا واجتمعت عليه الكفّارتان فتكفى كفّارة واحدة عنهما معا. وكل من جامع فى نهار رمضان ، سواء فى الفرج أو دونه ، وسواء أنزل أو لم ينزل ، عليه كفّارة ، لأنه قد تعمّد الجماع فى رمضان ولم يعتبر حرمة الصيام ، وكذلك كل من جامع وهو معتكف فى غير رمضان فعليه كفّارة كالذى يفطر يوما من شهر رمضان متعمدا ، فإن جامعها نهارا فى رمضان وهو معتكف ، فعليه كفارتان ، واحدة للاعتكاف ، وواحدة للإفطار فى شهر رمضان. وحكم المجبوب الذى يساحق وينزل هو نفس حكم من يجامع دون الفرج فينزل. وتسقط الكفّارة مع الإكراه والنسيان ، سواء كان المكره أو الناسى رجلا أو امرأة. ولا كفّارة على المرأة يطؤها زوجها وهى نائمة. وإن تساحقت امرأتان فأنزلتا ، أو لم تنزلا ، فسد صومهما ووجبت عليهما الكفّارة ، لتعمدهما هذا العمل الشنيع

٩٨٤

بشهوة فى رمضان. ومن يجامع فيطلع عليه الفجر فيستمر فى الجماع وجبت عليه الكفارة ، وكذلك من ظنّ أن الفجر لم يطلع ، ثم يتبين له أنه طلع وهو يجامع ، لأنه أهوج ، وغير حريص على دينه ، وكان عليه أن يتحرّز ، فمثله عليه القضاء والكفّارة. ولا فرق فى وجوب الكفارة على من يطأ فى القبل أو فى الدبر ، وسواء كان الموطوء ذكرا أو أنثى ، أو كانت الموطوءة امرأته أو أجنبية ، كبيرة أو صغيرة ، بهيمة أو إنسانة.

ومن وطئ الحائض فى الفرج فى أى من أوقات السنة أو فى ليل رمضان ، فعليه كفارة توازى دينارا لو كان الدم أحمر ، ونصف دينار لو كان أصفر. ولا كفّارة على من وطئ الحائض بعد طهرها وقبل أن تغتسل. والحائض التى تطاوع زوجها عليها كفّارة ، إلا أن تكره أو تجهل. والنفساء كالحائض. ولا كفّارة على وطء المستحاضة.

والجاهل الذى يتناول شيئا من المفطرات جاهلا بأنها تفسد الصوم ، فعليه القضاء والكفّارة ، وتصدق عليه أدلة المقصّر. وقيل : إن الجاهل معذور دائما ولا عليه إن فعل محرّما غير قاصد وعن جهالة حقيقية ، ومثل ذلك الذى يسهو ، والذى يخاف عليه التلف من العطش والجوع ، فإن أفطر فعن سهو أو اضطرار ، وعلى المضطر أن يقضى مثل المريض والمكره ، ولا كفّارة عليه.

والنية شرط فى صحة الكفّارة. ويكفّر المحجور عليه بالصيام لا غير. ويعطى صاحب الكفّارة أقاربه منها ممن يجوز إعطاؤهم من زكاة ماله ، وتجزئ الكفارة لو وضعت فى يد غنى على الظن بأنه مسكين.

والأصل فى كفّارة اليمين قوله تعالى : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ) (المائدة ٨٩) ، و «اليمين المنعقدة» هى التى يكفّر عنها ، وهى يمين عهد على صاحبها ، وأما «يمين الغموس» فهى يمين مكر وخديعة وكذب ولا كفّارة فيها ، ومثلها مثل «اليمين اللغو» ، كقوله تعالى : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة ٢٢٥). ولا تجزئ فى كفارة اليمين كسوة أقل من عشرة أشخاص. وكفارة النذر كفارة يمين. والمولى إذا فاء من إيلائه وراجع امرأته بالوطء ، لزمته الكفارة عن يمينه ، ولم تذكر الآية : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٢٦) (البقرة) الكفارة على المولى ، وقيل : إنه لذلك لا كفارة عليه إذا فاء ، غير أن أغلب أهل العلم قالوا عليه كفارة ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من حلف على يمين فرأى غيرها منها ، فليأت الذى هو خير وليكفّر عن يمينه» ، فإذا كفّر سقط عنه الإيلاء.

٩٨٥

والكفّارة عن الجماع في الحج بدنة ، وعلى الموطوءة بدنة مثلها إن كانت مطاوعة ، وقد يجزئها هدى واحد ، ولا هدى على المكرهة ، وليس لرجلها أن يهدى عنها ، والنائمة كالمكرهة ، وإذا تكرر الجماع فإن كفّر عن الأول فعليه للثانى كفّارة ثانية ، وإن لم يكن كفّر عن الأول ، فكفّارة واحدة تكفى عن المرتين ، وروى لكل كفّارة. ومن وطئ قبل التحلل من العمرة فسدت عمرته وعليه شاة مع القضاء. ويكفّر عن الوطء بعد رمى جمرة العقبة بشاة. ووطء المحرم فيما دون الفرج مع عدم الإنزال عليه شاة ، وإن أنزل عليه بدنة. والمرأة كالرجل فى هذا. وصوم المتمتع إن لم يستطع تقديم الهدى فى موضعه ، وجبت عليه كفّارة بصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع بلا خلاف. وفى الصيد في الحج كفّارة ، لقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً) (المائدة ٩٥) ، والمراد بالمماثلة المماثلة فى الخلقة ، ففي طائر مثل النعامة تكون الكفّارة بدنة ـ أى ناقة ، وبقرة فى حمار الوحش وشبهه ، وشاة فى الظبى أو الأرنب. والاستظلال وتغطية الرأس عليه كفّارة. وقطع الشجر والحشائش والنبات عموما ، وعلى الشجرة الكبيرة بقرة ، والشجرة الصغيرة شاة ، وفى أبعاضها قيمته. والكذب فى الحج ، والجدال ، عليه كفارة شاة. وفى القتل الخطأ كفّارة ، كقوله تعالى : (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ) (النساء ٩٢) ، والآية من أمهات الأحكام ، وعلى القاتل أن يكفّر عن خطئه سواء كان المقتول ذكرا أو أنثى ، صغيرا أو كبيرا ، وسواء باشر هو القتل ، أو تسبب فى قتله بسبب يضمن به النفس ، كأن يكون قد حفر بئرا فتسبب له فى القتل ، أو شهد عليه زورا فتسبب فى الحكم عليه بالإعدام ؛ وتلزم الشاهدين الكفّارة ، سواء قالا أخطأنا أو تعمّدنا. ومن قتل فى دار الحرب مسلما يعتقده كافرا فعليه كفارة. ولا كفّارة فى القتل المباح ، كقتل الحربى ، والباغى ؛ ومن قتل نفسه خطأ لم تجب على أهله الكفّارة عنه فى ماله ؛ ومن ضرب امرأة فأجهضها عليه كفّارة ؛ ومن تجهض نفسها عليها كفّارة ؛ ولا كفارة فى قتل العمد ، وتجب فى شبه العمد. ويكفّر القاتل بثمن رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع فبإطعام ستين مسكينا ، فإن عجز عن كل ذلك تثبت الكفّارة فى ذمته. والصبي ، والمجنون ، والكافر ، إذا قتلوا ، وجبت الكفّارة فى أموالهم. وتجب الكفّارة على من يشارك فى القتل.

* * *

٩٨٦

٢٠٣٦ ـ الكفّارة على الحانث فى الحلف بالقرآن

الحالف بحق القرآن تلزمه بكل آية كفّارة يمين ، فإن عجز عن ذلك أجزأته كفّارة واحدة.

* * *

٢٠٣٧ ـ كفّارة القتل الخطأ صيام شهرين متتابعين

الكفّارة بالصيام لمن لم يجد مالا يتسع للدية أو غيرها ، كقوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ) (النساء ٩٢) ، والصيام للفقير ، وشرطه التتابع ، إلا ما كان لمرض أو غيره ، وصيام الشهرين يجزئ عن الدية وغيرها لمن لم يجد ، وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين فى كتاب الله أن يفطر إلا من عذر أو مرض ، أو حيض إذا كانت امرأة ، ويقضى بعد المرض أو الحيض أو السفر ، وقيل لا يسافر ، وإذا قطع عليه الصيام شهر رمضان فإنه يبنى بعد الشهر ، والتتابع فرض لا يسقط إلا لعذر غالب ، والصيام لكفّارة تخفيف من الله كقوله : (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ) (البقرة ١٨٧) ، أى خفف عليكم.

* * *

٢٠٣٨ ـ كفّارة الظهار صيام شهرين متتابعين

الظهار أن يقول الرجل لامرأته : «أنت علىّ كظهر أمي» ، فذكر الله الظهر كناية عن البطن وسترا ، والمعنى أنت علىّ كأمى لا أقربك جماعا ، وهو منكر وزور ، ومن كفّارته الصيام لمن لم يجد ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) (المجادلة). والتتابع شرط فى الصيام ، فإن أفطر فى أثناء الشهرين بغير عذر استأنفهما ، وإن أفطر بعذر من سفر أو مرض بنى ولا يطأ امرأته أثناء ذلك ، وإذا وطئها قبل انقضائهما فليس هو الصيام المأمور به فلزمه استئنافه.

* * *

٢٠٣٩ ـ الصيام كفّارة المحرم يقتل الصيد عمدا

المحرم يحرم عليه كل فعل من شأنه أن يقتل روحا بأى وسيلة كانت ، وقتل الصيد من محظورات الإحرام ، ومن كفّارته على غير القادر الصوم ؛ كقوله تعالى : (لا تَقْتُلُوا

٩٨٧

الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) (المائدة ٩٥) ، والعدل والعدل هما المثل ، وهو الكفّارة لمن لا يقدر على غيرها ، وهو أن يصوم أياما ، يعادل فيها ما تحصّل من الطعام من الصيد ، فيعرف كم رجل شبع من هذا الصيد ، وكم من الطعام يشبع هذا العدد ، ويصوم بقدر هذا العدد ، وأهل العلم لا يرون أن يتجاوز فى صيام الجزاء شهرين ، قالوا : لأنها أعلى الكفّارات.

* * *

٢٠٤٠ ـ الصيام كفّارة الأيمان

الكفّارة فى اليمين المنعقدة ، ومنها صيام ثلاثة أيام لمن لم يجد غير ذلك ، كقوله تعالى : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) (المائدة ٨٩) ، ويمكن أن يكون صيام الأيام الثلاثة متتابعة أو مفرّقة ، لأنه لم ينصّ على تتابعها ، والفقير ليس عليه غير الصوم.

واليمين : فى اللغة اليد ، وأطلقت على الحلف ، لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلّ بيمين صاحبه ، واليد اليمنى شأنها حفظ الشيء ، فسمى الحلف بها ، وسمى المحلوف عليه يمينا لتلبسه بها. والنذور : جمع نذر ، وأصله الإنذار بمعنى التخويف.

* * *

٢٠٤١ ـ الاعتكاف فى رمضان

الاعتكاف فى اللغة هو الإقامة على الشيء بالمكان ؛ ولزوم الشيء وحبس النّفس عليه برّا كان أو غيره ، يقال عكف فلان مكان كذا إذا أقام فيه ولم يخرج منه ، كقوله تعالى : (ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ) (٥٢) (الأنبياء) ، أى مقيمون على عبادتها ؛ وقوله : (وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً) (طه ٩٧) ، أى ملازما ؛ وقوله : (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ) (طه ٩١) ، أى لا نزال مقيمين على عبادته ؛ وقوله : (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً) (الفتح ٢٥) ، أى محبوسا موقوفا ، ومنه الاعتكاف في المسجد وهو الاحتباس.

والاعتكاف فى الشرع هو الإقامة فى المسجد على صفة مخصوصة ، ودليل مشروعيته فى القرآن قوله تعالى : (طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (١٢٥) (البقرة) ، والعاكفون هم «المجاورون» للحرم ، يلازمون فيه العمل بطاعة الله مدة اعتكافهم ، ولذا لزمهم الاسم ، واعتكافهم إنما بملازمة طاعة مخصوصة ، وفى وقت مخصوص ، وعلى شرط مخصوص ، وفى موضع مخصوص. والإجماع على أن الاعتكاف ليس بواجب ، وهو قربة من القرب ، ونافلة من النوافل ، عمل بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه وأزواجه ،

٩٨٨

وقد اعتكف فى شهر رمضان فى العشرة الأولى ، ثم اعتكف فى العشرة الثانية أي الوسطى ، ثم اعتكف فى الثالثة فى العشرة الأخيرة ، ثم لم يزل يعتكف فى هذه الأخيرة.

ومن شروط الاعتكاف : الإيمان ، والعقل ، ونيّة التقرّب إلى الله ، لأن الاعتكاف عبادة ، ولا تصحّ العبادة إلا بهذه الأوصاف ، وأن يكون فى رمضان ، لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن يعتكف إلا فيه ، وعن عائشة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا اعتكاف إلا بصيام» ، والدليل على أنه «بصيام» قوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) (البقرة ١٨٧) فذكر الله تعالى «الاعتكاف مع الصيام» ، غير أنه ليس من شرطه أن يكون فى رمضان ، فالاعتكاف يصحّ لنذر ، ولغيره ، وقيل لذلك إن الاعتكاف ينقسم إلى واجب ومندوب ، و «الاعتكاف الواجب» ما وجب بنذر ، أو عهد ، أو يمين ؛ و «الاعتكاف المندوب» ما يتطوع به بدافع العبادة المقرّبة من الله تعالى ؛ والواجب : إذا تعيّن بزمان ـ كمن ينذر أن يعتكف الأيام البيض من شعبان ـ فمتى باشر الاعتكاف لا يجوز له العدول عنه ، لا فى اليوم الأول ولا الذى يليه ؛ وأما المندوب وهو للتطوّع : فله أن يعدل عنه قبل انقضاء اليومين الأول والثانى ، فإذا انقضيا وجب الثالث حتما. وفى كل الأحوال يجب عليه الصيام.

وفى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان : يبدأ المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي والعشرين ، ويصحّ بعد صلاة الصبح من اليوم نفسه ، ويستحب أن يبيت ليلة العيد فى معتكفه. وإن نذر اعتكاف يوم لزمه الدخول فيه قبل فجره ، ولا يخرج إلا بعد غروب شمسه ، ولا يصح الاعتكاف ليلة مفردة ولا بعض ليلة أو بعض يوم ، لأن الصيام شرط فى الاعتكاف ، ولا صيام لأقل من يوم. وإن نذر الاعتكاف شهرا لزمه شهر بالأهلّة ، أو ثلاثون يوما ، ولا يتعيّن المسجد بنذر المعتكف ، إلا أن يكون التعيّن لأحد المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ، والمسجد النبوى بالمدينة ، والمسجد الأقصى ، وأفضل الثلاثة المسجد الحرام ، ثم المسجد النبوى ، ثم المسجد الأقصى. ولا يجوز الاعتكاف عموما إلا فى مسجد لقوله تعالى : (فِي الْمَساجِدِ) (البقرة ١٨٧) ، وقيل المقصود بها أن يكون الاعتكاف فى مسجد جامع تجمع فيه الجمعة ، وقيل بل أى مسجد جائز ، لأن الآية تحمل على عمومها على أي مسجد له إمام ومؤذن ، وفى الحديث عن حذيفة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح».

وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لا بدّ منه ، ودليل ذلك من السنّة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يدنى رأسه إلى عائشة لترجّله ولا يخرج من المسجد لهذا السبب ، ولا يتركه

٩٨٩

إلى البيت إلا لحاجة التبرز أو التبول ، والمعتكف إذا فعل ذلك فعليه العودة من فوره بعد زوال الضرورة ، ويبنى على ما مضى من اعتكافه. والمرض البيّن من الضرورة ، وكذلك الحيض عند المرأة. وقيل فى الاعتكاف الواجب : أن المعتكف لا يعود المرضى ، ولا يشهد الجنائز ؛ وقيل فى الاعتكاف المندوب أو التطوعى أن يشترط المعتكف وهو ينوى الاعتكاف أن يحضر الجنائز إذا وجبت ، وأن يعود المرضى إذا استلزم الأمر ، والجماعة على القول بأنه لا يكون شرط فى الاعتكاف ، وأن المعتكف لا يخرج من اعتكافه إلا لما لا بد منه ، وهو نفسه الذي كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخرج له. وإذا كان الاعتكاف فى مسجد لا تقام فيه الجمعة ، فعلى المعتكف أن يخرج ليؤديها فى المسجد الجامع ويرجع مكانه. وإذا أتى كبيرة فسد اعتكافه ، لأن الكبيرة ضد العبادة ، وترك ما حرّم الله أعلى منازل الاعتكاف فى العبادة ، وتحرم مباشرة النساء فى المساجد ليلا ونهارا ، وحتى اللمس والتقبيل شهوة ، ومن وطأ امرأته ليلا وهو معتكف فعليه كفّارة ، وإن وطأها نهارا فعليه كفّارتان : واحدة للإفطار في شهر رمضان ، والثانية للاعتكاف ، والكفّارة فيها التصدّق بالمال بما يوازى عتق رقبة (نحو ستمائة جنيها) ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكينا (أو التصدّق بثمن ذلك وأقلّه ستمائة جنيه). واعتكاف المرأة جائز فى أى مسجد ، وليس لها الاعتكاف فى بيتها ، وعليها أن تستأذن أهل بيتها ، وتتحيّض المعتكفة فى بيتها ، فإذا طهرت رجعت فأتمت وقضت ما فاتها. ولا تمنع المستحاضة من الاعتكاف المسجد ، وعليها أن تتحفظ كما ينبغى لئلا تلوّث المسجد ، فإن لم يمكنها خرجت منه. والمتوفى عنها زوجها وهى معتكفة تخرج لقضاء العدة ، فإذا انقضت عدّتها رجعت وأكملت.

ويحرم على المعتكف الاستمناء ، والبيع والشراء ، والمماراة ـ أي الجدل والمنازعة ، ولأن الصوم شرط الاعتكاف ، فكل ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف ، فإن كان الاعتكاف واجبا فلا بد من إعادته بنية القضاء إن كان وقته معينا ، وبنية الأداء إن لم يمض الوقت.

* * *

٢٠٤٢ ـ الاعتكاف فى رمضان فى المساجد

الاعتكاف : كما سبق ـ هو الملازمة ، تقول عكف على الشيء إذا لازمه مقبلا عليه ، والمعتكف في رمضان يلازم العمل بطاعة الله مدة اعتكافه ، فلزمه الاسم ؛ وفى الآية : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) (البقرة ١٨٧) أن الجماع ـ كما أسلفنا ـ وإن كان فى الليل يفسد الاعتكاف ، ولا تثريب على المعتكف أن يلامس امرأته الملامسة العادية. ولا يكون الاعتكاف لذلك إلا فى المساجد حتى لا يحدث من ذلك شىء ، وفى الحديث : «كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح» ، ولا اعتكاف إلا بصيام ، وليس للمعتكف

٩٩٠

أن يخرج من معتكفه إلا لما لا بدّ منه كالغائط والبول ، ثم يرجع من فوره بعد زوال الضرورة. ومن الضرورة المرض البيّن والحيض. والاعتكاف ليس بواجب ولكنه سنّة ، وللمعتكف أن يخرج لصلاة الجمعة ، وإذا أتى كبيرة فسد اعتكافه ، لأن الكبيرة ضد العبادة ، كما أن الحدث ضد الطهارة والصلاة ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه. والاعتكاف نذر ، وقد ينذر أن يعتكف ولو ساعة ، وقد ينذر أن يعتكف شهرا ، واعتكاف رمضان للعشرة الأواخر ، ويستحب للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر فى المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى. وظل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعتكف كل رمضان حتى توفّاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده ، وقيل كان يعتكف العشر الأواخر ، واعتكف العشر الأواسط ، ونصح بالاعتكاف فى العشر الأواخر لالتماس ليلة القدر ، وقال : «فالتمسوها في العشر الأواخر ، والتمسوها في كل وتر». وقيل : للمرأة أن تعتكف فى بيتها في مصلاها ، غير أن الآية تنصّ على أن الاعتكاف للجنسين فى المساجد ، كما فى قوله : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) (البقرة ١٨٧) ، وأقل الاعتكاف ما يطلق عليه اسم «اللّبث» ، وهو المكث والإقامة ، غير أن اللبث أو المكث أقل من الإقامة ولا يزيد عن عشرة أيام ، تقول : «ما لبث أن فعل كذا» أى ما تأخّر ولا أبطأ وإنما فعله بسرعة. ولا يشترط للاعتكاف القعود فى المسجد وملازمته طوال العمر. وللزوجة أن ترجّل رأس المعتكف ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصغى رأسه إلى عائشة وهو مجاور فى المسجد فترجله مع أنها حائض. وقيل لا يشترط الصيام للمعتكف ، ولا يشترط للاعتكاف شهر رمضان ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا لم يعتكف في رمضان ، اعتكف في العشر الأول من شوال ، وأول شوال هو يوم فطر كما هو معروف وصومه حرام ، فكيف اعتكف فى شوال؟ وآية الاعتكاف (البقرة ١٨٧) تقصره على رمضان ، والأحاديث تقول إنه لم يعتكف إلا فى رمضان. وللنساء أن يزرن أزواجهن وهم معتكفون ، وزارت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صفية بنت حيىّ وتحدثت معه ساعة ثم أوصلها إلى باب المسجد. وللمستحاضة أن تعتكف فى المسجد مع زوجها ، واعتكفت أم سلمة مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهى مستحاضة ، وله أن يدرأ عن نفسه بالقول ويلحق به الفعل.

* * *

٢٠٤٣ ـ قضاء الصوم والحج والاعتكاف

يتوجب القضاء عن كل يوم نفطره من رمضان ، فإن اضطررنا لمرض أو غيره أن نفطر الشهر كله جاز قضاؤه متفرقا ، وأفضل من ذلك قضاؤه متتابعا. ويجوز قضاء الصوم في أيام عشر ذي الحجة ، ويمكن تأخير القضاء ما لم يدخل رمضان آخر ، أو رمضانات ولم نقض ، فليس أمامنا إلا القضاء ، وإن كان الإفطار لغير عذر يتوجب مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم ؛ ومن دخل فى صيام تطوع استحب له إتمامه ، فإن خرج منه فلا قضاء عليه وإنما

٩٩١

يستحب له القضاء ؛ والمسلم الجاهل الذي لا يدري وجوب الصيام ، إن علم من بعد ، كان عليه قضاء ما فاته ؛ وكذلك من يعلن إسلامه ولم يصم ، فعليه القضاء من بعد إسلامه ، وشأنهما شأن من ترك الصلاة جاهلا بوجوبها. ولا يجب القضاء على من لا يقدر على الصوم لمرض مزمن ، أو شيخوخة. ويجب القضاء بلا كفّارة على من أكل وشرب ليلة الصيام دون أن يبحث وينظر هل طلع الفجر ، ثم تبين له أنه قد طلع فعلا ؛ ومن ذلك أن يخبره مخبر بدخول الليل فيأكل ويشرب اعتمادا على خبره ثم يتبين له بقاء الليل ؛ وإذا تمضمض لغير الوضوء فسبقه الماء إلى جوفه ؛ وإذا تعمّد القيء ؛ وإذا كان مسافرا وأفطر بدون مراعاة شروط الإفطار فى السفر. وأما من مات وعليه صوم من رمضان أو صيام نذر لم يقضه ، فقد ذكروا أن وليّه يصوم عنه ، للحديث : «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه» ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم لامرأة سألته إن كانت تصوم عن أمها التى ماتت وعليها صوم نذر؟ فقال : «فصومي عن أمك» ، وقيل : لا يصوم أحد عن أحد لقوله تعالى : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الزمر ٧) ، وقوله : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) (٣٩) (النجم) ، وقوله : (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها) (الأنعام ١٦٤) ، وفي الحديث من ذلك : «لا يصلى أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدّا من حنطة» ، والمدّ قدر وجبة من طعام. وفي قضاء الحجّ عن الميت ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم للمرأة التى سألته إن كانت تحجّ عن أمها؟ : «حجّى عنها». والحجّ الفاسد فيه القضاء. وقيل ربما قوله : «لا يصوم أحد عن أحد» المقصود به رمضان ، ولكن صوم النذر يجوز قضاؤه عن الميت. والحامل والمرضع تفطران في رمضان ولا إطعام عليهما ولكنهما تقضيان ، بمنزلة المريض يفطر ويقضي ، وقيل الحامل والمرضع تطعمان وتقضيان. والمعتكف : إذا أفسد اعتكافه وكان تطوعا فلا قضاء عليه ، فإن كان اعتكافه نذرا ، لزمه النذر ، فإن فسد فعليه القضاء ، وإن خرج لعذر وزال العذر ، فعليه أن يستأنف ، وإذا أتى كبيرة فسد اعتكافه وعليه القضاء والكفّارة ، والمباشرة لأهله في الاعتكاف تبطل اعتكافه ، وعليه ما على المواقع أهله فى رمضان : القضاء والكفّارة. والمرأة التي تحيض وهي معتكفة يمكنها أن تتحيض في بيتها ، فإذا طهرت رجعت وأتمت وقضت ما فاتها ولا كفّارة عليها.

* * *

٢٠٤٤ ـ صيام شعبان

قيل : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصوم شعبان إلا قليلا. وقيل : كان يصوم شعبان كله ويصله برمضان ، وقيل : كان تارة يصوم شعبان كله ، وتارة يصوم معظمه لئلا يتوهمون أنه واجب كرمضان. وقيل : كان يصوم من أوله تارة ، ومن آخره أخرى. وقيل : كان يصوم ثلاثة أيام

٩٩٢

من كل شهر ، فأحيانا ينشغل في السفر فلا يصومها فيقضيها في شعبان. وشعبان عنده أفضل شهر بعد رمضان. وذلك كله من سماحة الدين وتيسيره على الناس ، فعلى أى وجه أردت الصوم فى شعبان فصم.

* * *

٢٠٤٥ ـ لا صوم يوم عرفة فى عرفة

كان صوم يوم عرفة معروفا عند العرب ومعتادا لهم في الحضر قبل الإسلام ، ومن جزم منهم فى الإسلام بأنه صائم استند إلى ما ألفه من العبادة ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يصم يوم عرفة ، وقال بعضهم : إن السبب أنه كان فى سفر ، وقد عرف نهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن صوم الفرض فى السفر فضلا عن النفل. وقيل : إن الفطر يوم عرفة يكون بعرفة ، وأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة ، ويستحب فطره ليتقوّى به الحاج على الذكر ولا يضعف عن الدعاء المطلوبين يوم عرفة. وقيل : إنما أفطر لموافقته يوم جمعة وقد نهى عن إفراده بالصوم. وقيل : إنما كره صيام يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه ، ثم إن يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام منى من أعياد أهل الإسلام.

* * *

٢٠٤٦ ـ لا صوم يومى الفطر والنحر

نهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن صوم يومى الفطر والنحر ، والعلّة فى وجوب فطر يوم الفطر هو فصله عن الصوم ، وإظهار تمامه وحدّه بفطر ما بعد الصوم. وأما يوم النحر فعلّة فطره النّسك المتقرّب بذبحه ليؤكل منه ، فلو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى ، فعبّر عن علّة التحريم بالأكل من النسك ، لأنه يستلزم النحر والمراد بالنسك الذبيحة المتقرّب بها ، ولمثل ذلك تعيّن السلام للفصل ختاما للصلاة ، فكذلك الفطر تعيّن للفصل من الصوم. وفي كل الأحوال يحرّم صوم يومي العيد هذين : الفطر والنحر ، سواء للنذر ، أو للكفارة ، أو للتطوع ، أو للتمتع ، أو للقضاء. وقيل : لا صوم فى يومين : الفطر ، والأضحى (يوم النحر).

* * *

٢٠٤٧ ـ الفطر يوم عيد

المسلمون على الصيام لرؤية هلال رمضان ، والإفطار لرؤية هلال شوال ، فإذا رأوه آخر يوم من رمضان غدوا إلى مصلاهم ، ولا تصلّى صلاة العيد في غير يوم العيد ، ولا تقضى ، وفي الآية : (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ) (البقرة ١٨٥) ، يكبّرونه ليلة الفطر ويحمّدونه ، وشبهها ليلة النحر ، وحقّ على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبّروا لرؤيته إلى انقضاء الخطبة ، ثم يعودون وقت خروج الإمام ويكبّرون بتكبيره ، فإذا انقضت الصلاة انقضى العيد ، وإن خرجوا قبل طلوع الشمس فلا يكبّرون في طريقهم ولا جلوسهم حتى

٩٩٣

تطلع الشمس ، وإن غدوا بعد الطلوع فليكبّروا في طريقهم إلى المصلّى ، وإذا جلسوا حتى يخرج الإمام. وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكبّر يوم الفطر أشد منه في الأضحى ، وكان يكبّر يوم الفطر في حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى ، والناس يكبرون جماعات وفرادى ، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى ، وحين يخرج الإمام إلى الصلاة. ولفظ التكبير : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، ثلاثا ، وقد يكبرون ويهللون ويسبّحون أثناء التكبير ، وقد يقولون : الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وقال بعضهم : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ولله الحمد ، الله أكبر على ما هدانا.

* * *

٢٠٤٨ ـ صيام أيام التشريق

رخّص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم للمتمتّع إذا لم يجد الهدى أن يصوم أيام التشريق ، كقوله تعالى : (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ) (البقرة ١٩٦) ، وقوله تعالى «في الحج» : يعمّ ما قبل يوم النحر وما بعده فتدخل أيام التشريق ، واستدل من الآية على أنها ثلاثة أيام غير يوم الأضحى.

* * *

ثانيا : الطعام والشراب

الكلام في الصيام من شأنه أن يؤدي إلى الكلام في الطعام والشراب : حلاله وحرامه كما تنزّل به القرآن ، وما أحلّ من الأنعام ، وما حرّم ، وقد يجرّ ذلك إلى الكلام في آداب الطعام وأوصاف المسلمين في أكلهم ...

* * *

٢٠٤٩ ـ الأضحية

الأضحية من ضحا ، تقول ضحا الشيء ، وضحى : أصابته الشمس ، وبرز لها ؛ وضحّى فلانا : أطعمه في الضحوة ، وهي ارتفاع النهار بعد طلوع الشمس ؛ وضحّى الغنم : رعاها في الضحى ، وضحّى بالشاة : ذبحها فى الضحى ، والأضحية ، والجمع أضاحي : هي الضحية ؛ ويوم الأضحى : يوم النحر ؛ ويأتي عن الضحية في القرآن في قوله تعالى : (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (١٠٧) (الصافات) ، والذّبح هو الضحية ، وجمعه ذبوح ، وهو «عظيم» لأنه كان كبشا ضخما ، ذبحه إبراهيم فداء لابنه إسماعيل ، وكان قد رأى في ليلة التروية كأن قائلا يقول : إن الله يأمرك بذبح ابنك ، فلما أصبح «روّى» في نفسه ، أي فكّر : أهذا الحلم من الله أم من الشيطان؟ فسمّى «يوم التروية» ، فلما كانت الليلة الثانية رأي نفس الحلم ، فلما استيقظ «عرف» أن ذلك من الله ، فسمّى «يوم عرفة» ، وفي الليلة الثالثة رأي

٩٩٤

مثله فهمّ بنحر ابنه ففداه الله بكبش ، فذبحه ، فسمّى «يوم النحر» أو «يوم الأضحى». وروى أن جبريل قال وإبراهيم يهمّ بذبح ابنه : الله أكبر ، الله أكبر ، فقال إسماعيل : لا إله إلا الله والله أكبر ، فقال إبراهيم : الله أكبر والحمد لله ـ فبقيت هذه الكلمات سنّة. وفى الآية دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر ، وأن أفضل الضحايا الفحول من الضأن ، وفي السنّة أن إناث الضأن أفضل من فحول المعز ، وفحول المعز خير من إناثها ، وإناث المعز خير من الإبل والبقر ، ولا جدال أنه فى وقتنا هذا يفضل التصدّق بثمن الضحية ، برغم أن الضحية سنّة مؤكدة ، ولكنها ليست واجبة ، وكان ابن عباس يشترى يوم الأضحى لحما بدرهمين ويتصدّق به ، ويقول : هذه أضحية ابن عباس ؛ ولم يكن : أبو بكر وعمر يضحيان حتى لا يظن أن المواظبة على الأضحية واجب وفرض ، ومع ذلك فلا يرخّص بترك هذه السنّة لمن وجد السبيل إليها ، مسافرا كان أو مقيما ، إلا أن يكون له عذر ، والذي يضحّى به الأزواج الثمانية : الضأن ، والمعز ، والإبل ، والبقر ، وضحّى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده ، وسمّى وكبّر ، ووضع رجله على صفاحهما وقال : «بسم الله ، اللهم تقبّل من محمد ، وآل محمد ، وأمة محمد». ويتّقى من الضحايا : العرجاء ، والعوراء ، والمريضة ، والعجفاء ، والهتماء ، وكل نقص في الأضحية مكروه ؛ وهى بقيمتها أفضل من الصدقة. ومن أراد أن يضحّى فدخل أول شهر ذى الحجة فيحرم عليه أن يقصّ شعره وأظفاره حتى يضحّى ، فإن فعل عامدا أو ناسيا فلا فدية فيه. وقيل يكره له ذلك ولا يحرم. وتجزئ البقرة أو البدنة عن سبعة ، سواء كان المشتركون أهل بيت واحد أو لا ، وسواء كانوا مفترضين أو متطوعين ، أو كان بعضهم يريد القربة أو يريد اللحم ، ويجوز لهم تقسيم اللحم ، وأن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة ، أو بقرة واحدة ، أو بدنة ، وليس للمولى أن يضحّى عن اليتيم من ماله إلا أن يكون موسرا ، ولا يضحى عن الجنين في البطن ، ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن ـ أي صغيرها ، والثّنيّ من غير الضأن ـ وهو الولد الثانى. ويسنّ استسمان الأضحية واستحسانها ، وإذا أوجبت الأضحية فيجوز استبدالها بخير منها ، فإن أوجبت ثم مات صاحبها ، لا تباع في دينه ، ويقوم ورثته مكانه ، وإذا سرقت بلا تفريط منه فلا ضمان عليه ، ومن يتلف أضحية عليه قيمتها ، وينتفع بلبن الشاة المعنية للتضحية ، ويجوز جزّ صوفها والانتفاع به ، وإذا ولدت يتبعها ولدها ، ويبدأ وقت ذبح الأضحية منذ أن يمضي من نهار يوم العيد قدر تحلّ فيه الصلاة ، وأما الذبح في اليوم الثانى فيكون من أول النهار ، وآخر وقت لذبحها اليوم الثاني من أيام التشريق ، وبذلك تكون أيام النحر ثلاثة : يوم العيد ، ويومان بعده ؛ والذبح في النهار دون الليل ، ولا يجزئه أن يذبحها في غير هذه الأيام الثلاثة ، فإن ذبحها قبل ذلك أو بعد ذلك فهي شاة لحم وليست أضحية ، ويستحب

٩٩٥

أن يقول وقت الذبح : «بسم الله والله أكبر. اللهم هذا منك وإليك ، اللهم تقبّل منى أو من فلان» ، ويستحب أن لا يذبحها إلا مسلم ، ويفضل لو ذبحها المضحيّ بيده ، ويستحب من استناب غيره أن يحضر ذبحها ، ويستحب أن يأكل ثلثها ، ويهدي ثلثها ، ويتصدّق بثلثها ، ويجوز أن يعطى منها الكافر ، ولا يجوز بيع شىء منها ، ولا يعطى الجزار شيئا منها كأجر. وإن نذر أضحية ثم ذبحها فله أن يأكل منها.

* * *

٢٠٥٠ ـ التذكية

في الآية : (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ) (المائدة ٣) : أن الذكاة عند المسلمين أصل في الذبح ، والاصطلاح لا يوجد مثيله في اللغات الأخرى ، ولم تقل التوراة ولا الأناجيل بالذكاة ، وهي في اللغة تعني «التمام» ، ومنه «الذكاء» وهو حدّة الذهن ، ويقال ذكّى ويذكّى ، والفعل ذكى ، وذكا ، والذّكاة ما تذكو به النار ، وتسمى الشمس ذكاء ، لأنها تذكو كالنار ، والصّبح ابن ذكاء ، لأنه من ضوئها ، ومعنى «ما ذكّيتم» : أدركتم ذكاته ـ أي ذبحه ـ على التمام ، تقول ذكّيت الذبيحة أذكّيها مشتقة من التطيّب والرائحة الذكية ، فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طيّب وطهر ، وفي الحديث : «ذكاة الأرض يبسها» يريد طهارتها من النجاسة ، فالذكاة في الذبيحة تطهير لها ، وإباحة لأكلها ، وكذلك يبس الأرض بعد النجاسة تطهير لها وإباحة للصلاة فيها ، وذلك بمنزلة الذكاة للذبيحة. والتذكية في الشرع عبارة عن إنهار الدم ، وفرى الأوداج فى المذبوح ، والنحر في المنحور ، والعقر في غير المقدور عليه ، ويقرن بنية القصد لله وذكره عليه ، ويفعل بآلة ذبح صحيحة ، لأنه ليس المقصود في التذكية مجرد الذبح ، وإنما التذكية ضرب من التعبّد لله ، وفي الحديث : «ما أنهر الدّم وذكر اسم الله عليه فكل» ، فإذا أهمل ذلك ولم يقع الذبح بنية ، ولا بشرط ، ولا بصفة الذبح الإسلامية المخصوصة ، زال منها حظ التعبّد ، فلم تؤكل لذلك. ويستحب ألا يذبح إلا من أطاق الذبح ، وجاء به على السنّة ، ذكرا كان أو أنثى ، مسلما كان أو كتابيا ، بشرط أن يكون بالغا مميزا ، والأفضل ذبح المسلم عن الكتابى ، ولا يذبح نسكا إلا المسلم ، ولا تحل ذبيحة المغالى ، ولا المشرك ، ولا المرتد والملحد ، وفى الحديث : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، وليحدّ أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته» أخرجه مسلم. وإحسان الذبح هو الرفق بالبهائم والطيور ، فلا يصرعها بعنف ، ولا يجرّها ، وأن يحدّ الآلة ، ويحضر نية القربة ، ويستقبل القبلة ، فإذا قطع الودجين والحلقوم أجهز ، والودجان وهى العرقان الغليظان المحيطان بالحلقوم ، فإذا أتم ذلك يريح الذبيحة إلى أن تبرأ ، ويشكر الله ، ولا يذبح بهيمة أمام أخرى. ولا يصلح للتزكية كل

٩٩٦

حيوان نجس العين كالخنزير ، وكذلك الحشرات كالفئران ، وكذلك السباع والطيور المفترسة كالبومة والنسر والحدأة والصقر ، والحيوانات المسوخ كالفيل والدب والقرد ، ولا يحل الذبح من القفا ، ولا يتعمد قطع الرأس ، والنهي تحريم ولا يعنى الفساد ، وقطع الأوداج لا يتحقق شرعا إلا إذا كان الذبح من تحت العقدة المسماة عرفا بالجوزة. وتحرم الذبيحة بدون التسمية عمدا ، ولا تحرم بنسيان التسمية ، ويكفى فيها قول : «الله أكبر ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، وبسم الله» ، وتكون التسمية فى غير الصيد وذبيحة الاضطرار ، وتجوز ذبيحة الجنب. ولا يحل أكل كل ما يعيش في البر من دواب البحر بغير ذكاة ، كالسلحفاة ، إلا ما لا دم له كالجنبرى فإنه يباح بغير ذكاة ، وأما ما لا يعيش إلا في الماء كالسمك وشبهه فإن ذكاته إخراجه من الماء حيا ، والميت من السمك غير مباح ، ولا تشترط التسمية فى صيد السمك. ولا يقطع عضو مما ذكّى حتى تزهق نفسه ، وتحرّم المنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، وأكيلة السبع أو الذئب أو أي حيوان مفترس ، والمشرفة على الموت ، إلا إن أدركت ذكاتها وفيها حياة مستقرة ، فإن لم يبق من حياتها إلا مثل حركة المذبوح لم تبح بالذكاة.

والنحر مختص بالإبل ، ومحل النحر اللّبة : وهي المكان المنخفض الكائن بين أصل العنق والصدر ، وأما الذبح : فهو في الحلق أي الحلقوم ، ويستحب فى الغنم والبقر والجاموس والطير ؛ وفى الغنم : تربط اليدان مع إحدى الرجلين ، ومثله الماعز ؛ وفى الإبل : تنحر قائمة بعد أن تربط إحدى اليدين إلى الركبتين وتترك اليد الأخرى ، ويجوز نحرها مضطجعة إلى القبلة. ويستحب إرسال الطير بعد الذبح حتى يرفرف. ومن المستحبات سرعة الذبح ، وأن يسقى الحيوان قبل الذبح ، ويكره قطع الرأس أو مسح الجلد قبل خروج الروح.

* * *

٢٠٥١ ـ الحلال من الصيد

الأكل من الصيد بالكلاب والصقور المعلّمة المدرّبة حلال ، كقوله تعالى : (وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ) (المائدة ٤) ، وفي صيد الصقور قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما أمسك عليك فكل» أخرجه الترمذي. وجواز الأكل يترتب على نية الصائد ، وأنه قصد عند إرسال الكلب أو الصقر التزكية والإباحة ، وفي الحديث : «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل» ، فأما لو كان يصيد بقصد اللهو فهو حرام ، فمن باب الفساد إتلاف حيوان أو طير لغير منفعة ، وقد نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن قتل الحيوان أو الطير إلا لمأكلة. والجوارح كالكلاب والصقور ، سمّيت جوارح لأنها تجرح وتسيل الدم. وشرط الأكل من الصيد أن يعلّم الكلب أو الصقر أن يمسك الصيد ولا يأكل منه ، فهذا دليل على أنه معلّم كما فى الآية ، وإن أكل الكلب

٩٩٧

أو الصقر منه فلا يجوز أكله ، وعقر الجارح للصيد إذا تحقق لا يجيز الأكل منه ، ولو مات الصيد في أفواه الكلاب لا يؤكل منه ، لأنه مات خنقا ، فإذا عاد الكلب أو الصقر بالصيد حيا ذبحه الصائد وأفرى حلقه. وإن مات الصيد من صدمة الكلب لم يأكل. ويغنى عن الذبح أن يكون الصيد بالرصاص وهو يتكفّل بالإذكاء ، وما يحل من الصيد هو اللحم دون الفرث والدم. والكلاب لا تقتل فى الإسلام ، وأخصّها كلاب الصيد والرعى والحراسة. وفى الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل ، لأن الكلب والصقر إذا علّما يكون لهما ميزة على سائر الكلاب والطيور ، ويرتفع ثمنهما ، وفى تعليمهما دليل إمكان تعليم الإنسان مهما كان غباؤه ، وتعليمه أولى من تعليم الحيوان والطير. والتسمية عند الإرسال على الصيد ، فيها أن فقه الصيد والذبح فى معنى التسمية واحد ، وأما الأمر بالتقوى فى الآية ففي كل ما سبق ، وفيما تضمنته الآية من الأوامر. وتدل الآية على جواز بيع الكلب ، والانتفاع به بسائر وجوه الانتفاع ، إلا ما خصّه الدليل. ومن العرب المشهورين باقتناء كلاب الصيد : عدىّ ، وكانت له خمسة كلاب سمّاها بأسماء أعلام : سهلب ، وغلاب ، والمخيلس ، والمتناعس ، ووثّاب.

والمكلّبون فى الآية هم أصحاب الكلاب ومعلموهم. ولا يحرم الأكل من صيد الكلب الأسود ، فالحديث : «الكلب الأسود شيطان» لا يعنى تحريم صيده ، وكل كلب يجوز الأكل من صيده طالما علّم مهما كان لونه ، طالما أنه يأتمر إذا أمر ، وينزجر إذا زجر ، فإذا تعلم الكلب بذلك فهو المعلّم. وتدل الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها لحراسة الماشية والأملاك كالبيوت والزرع ، والأحاديث كثيرة فى ذلك ، وأما الكلاب المنهى عنها فهى التي تستخدم لترويع المسلمين ، أو التي دأبها التشويش على الناس وتلويث البيئة سمعيا بنباحها. وفى قوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) (١٨) (الكهف) دليل آخر على أن الكلاب يباح اقتناؤها وتربيتها لحراسة الأفراد. ومن أشهر الكلاب فى القرآن كلب سورة الكهف ، ويستخلص من السورة أن طاقة الكلب الواحد لحراسة الأفراد تكون من ثلاثة إلى سبعة. والكلب عموما نجس عينه وسؤره وعرقه ، وجميع ما خرج منه ، وإذا تنجّس إناء أو غيره بنجاسة من كلب أو متولد منه ، وجب غسله سبع مرات بالماء والصابون ، سواء كان ذلك بولوغ الكلب فى الإناء ، أو تبوله ، عليه أو لغير ذلك من الأسباب المسببة للنجاسة ، وروى أنه يغسل ثمانية ، فإذا لم يوجد الصابون يكون الغسل فى هذه المرات بالتراب ـ وهو مطهر أشدّ من الصابون ، ولذا كان التيمم به. وحكم نجاسة سائر أجزاء الكلب كشعره ، وجلده ، ويده ، ورجله ، حكم ولوغه وبوله. والنجس : هو الذى يحتاج إلى تطهيره ، فلا يؤكل باليد التى مسحت على شعر كلب ، وإنما ينبغى غسلها ولا تقبّل

٩٩٨

الكلاب كما يفعل البعض ، ويغسل أثر فم الكلب فى الصيد. ويجوز بيع كلب الصيد أو الحراسة ، والوصية به. وقتل الكلب المعلّم حرام ، وفاعله مسىء وظالم ، ويغرّم لأنه اعتداء على ملك. ويباح قتل الكلاب الضالة ، والعقورة ولو كانت معلّمة ؛ وأما ما لا مضرة فيه فلا يباح قتله. واقتناء الكلب يوجب عدم إطلاقه فيعقر الناس والدواب ، ويروّع الأطفال ، وقد يمزّق ثياب هذا أو ذاك ، وعلى صاحبه الضمان فى مثل هذه الأحوال ، إلا أن يدخل إنسان دار صاحب الكلب بغير إذنه ، فيعقره الكلب ، فلا ضمان له ، وإن دخل بإذنه ضمنه.

* * *

٢٠٥٢ ـ صيد البرّ حلال أكله إلا للمحرم

كل ما يعيش فى البرّ وله فيه حياة فهو صيد البرّ ، وفي الآية : (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) (المائدة ١) إباحة الصيد لمن ليس بمحرم ، وقال تعالى : (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً) (المائدة ٩٦) ، وقال : (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) (المائدة ٩٥) ، فجعل على المحرم الذى يصيد متعمدا دية هدى ، أو كفّارة طعام ، أو الصيام لمدة تعادل طعام الكفارة ، وأكثر مدة للصوم شهران. والتحريم فى الآية ليس صفة الأعيان وإنما يتعلق بالأفعال ، ومعنى (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ) أى فعل الصيد ، وهو المنع من الاصطياد ، أو يكون الصيد بمعنى المصيد ، فلا يجوز أن يقبل المحرم صيدا وهب له ، ولا يجوز له شراؤه ، ولا يجوز له قتله ، ولا أن يمسكه حيا ، ولا يذكّيه.

* * *

٢٠٥٣ ـ صيد البحر وطعامه

أحلّ أكل أي حيوان بحرى ، بقوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) (المائدة ٩٦) ، وقوله : (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا) (النحل ١٤) ، (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا) (فاطر ١٢) ، وصيد البحر : ما صيد منه ، ويستوى فى ذلك البحر والنهر ؛ وطعامه : ما ملّح منه وبقى ، وتسخير البحر : هو تمكين البشر من الصيد منه والتصرّف فيه وتذليله ؛ واللحم الطرى : هو السمك الطازج بأنواعه لم يفسد ، والقشريات ما لم يرد فى ذلك مانع. واللحم أجناس : فلحم ذوات الأربع جنس ، ولحم ذوات الريش جنس ، ولحم ذوات الماء جنس. وتختلف اللحوم باختلاف أصولها ، فلحم البقر صنف ، ولحم الغنم صنف ، ولحم الإبل صنف ، وكذلك لحم الطير ، ولحم السمك ، والكل من النّعم ،

٩٩٩

ولا يؤكل أى حيوان بحري إلا صنف السمك ، فالتمساح لا يؤكل لحمه ، وكذلك القرش والدلفين ، وكل ما له ناب ، لنهيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أكل ذي ناب. والسمك هو الذي له قشر ، وما في جوفه من بيض وخلافه ، حلال مثله. ولا يؤكل السمك الطافي لأنه ميت ، وفي التنزيل : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) (المائدة ٣) ، وفى الحديث : «كلوا ما حسر عنه البحر ، وما ألقاه ؛ وما وجدتموه ميتا أو طافيا فوق الماء فلا تأكلوه» أخرجه الدارقطنى ، وأما الحديث الآخر فى البحر : «هو الطهور ماؤه الحلّ ميّته» أخرجه البخارى ، وميته هو السمك إذا أخرج حيا ثم مات بعد ذلك ، فطالما أنه أخرج حيا فهو حلال إذا مات من بعد ، والفيصل فى تحليل أو تحريم السمك طافيا أو ميتا هو فساده من عدمه ، فإن كان طيّبا لم يتغير فهو مباح. ولمّا اصطاد موسى وفتاه السمكة لغذائهما ، كانت حية وليست ميتة ، وذلك دليل على أن أكل السمك المقصود به الذى صيد حيا ، قال تعالى : (نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً) (٦١) (الكهف). والذي يتخذ له طريقا إلي البحر لا بد أنه سمك حيي. وما صاده يهودي أو نصراني فهو حلال ، وفى الحديث : «كلوا رزقا أخرجه الله». والجمبري لا يحلله اليهود ، وهو حلال عند المسلمين ، وكذلك سلاحف الماء ، وسمك الثعبان مع أنه لا قشر له ، وكذلك لحم الحيتان. والضفدع حرام.

* * *

٢٠٥٤ ـ صيد المؤمنين مع الإحرام والحرم

كان الصيد أحد معايش العرب وشائعا بينهم ، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام والحرم كما ابتلى بنى إسرائيل في ألا يعتدوا يوم السبت ، وأنزل الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٩٤) (المائدة) بيانا لأحكام أحوالهم ومحظورات حجّهم وعمرتهم.

* * *

٢٠٥٥ ـ كل لذيذ من مطعم ومشرب مباح طالما هو حلال

المباح من الشهوات واللذات هو الذي حلّله الله كقوله : (لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) (المائدة ٨٧) ، ونظيره قوله : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف ٣٢). وقوله : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) (المائدة ٩٣) ، وفى هذه الآيات أن المسلم لا يطعم إلا المباح ، وله أن ينتفع بكل لذيذ من مطعم ومشرب ومنكح وإن بولغ فيه وتنوهى في ثمنه طالما هو حلال ، ومع التقوى والإيمان وإتيان الصالحات يكون اجتناب ما حرّم الله.

* * *

١٠٠٠

٢٠٥٦ ـ كلوا الحلال الطيب

كان بعض الناس يحرّمون على أنفسهم أطعمة بعينها فنزل فيهم القرآن : (يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) (البقرة ١٦٨) ، والحلال : هو ما لم يحرّمه الله ، والطيّب : هو السليم النظيف المستلذ ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر. والحلال سمى حلالا لانحلال عقدة الخطر عنه. وقيل : النجاة فى ثلاثة : أكل الحلال ، وأداء الفرائض ، والاقتداء بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : «خمس خصال بها تمام العلم : معرفة الله ، ومعرفة الحقّ ، وإخلاص العمل لله ، والعمل على السنّة ، وأكل الحلال ، فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل. ولا يصحّ أكل الحلال إلا بالعلم ، ولا يكون الحلال حلالا حتى يصفو من ست خصال : الربا ، والحرام ، والسّحت ، والغلول ، والمكروه ، والشبهة». والسحت : المال الحرام ؛ والغلول : ما أخذ خيانة.

* * *

٢٠٥٧ ـ أحلّت الأنعام للمسلمين

الأنعام : هي الإبل والبقر والغنم ، وهي حلال للأكل كقوله تعالى : (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) (الحج ٣٠) ، يعنى إلا ما يتلى في الكتاب من المحرّمات ، وهي الميتة والموقوذة وأخواتها. وتسميتها بالأنعام للين مشيها ، وهي ثمانية أزواج ، وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها ، وليس منها الخيل والبغال والحمير.

* * *

٢٠٥٨ ـ البحيرة والسائبة والوصيلة والحام

في القرآن : (ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (١٠٣) (المائدة) ، والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام : أسماء من الجاهلية لأحوال من الحيوان حرّموه بها أو درجوا على العمل بمقتضاها ، ولا يهم المسلم الآن أن يلم بها لو لا أن يعرف لما ذا ذكرها الله في كتابه وحرّمها. وكانوا في الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا إلى الخامس ، فإن كان ذكرا ذبحوه فأكله الرجال دون النساء ، وإن كان أنثى جذعوا آذانها فقالوا هذه بحيرة : يعني مشقوقة الأذنين ، والشق فى الأذن يسمى بحرا ، ومن ثم فهى بحيرة ، ويخصّص درّها للطواغيت (بيوت الأصنام ، يعنى أهل الله) فلا يتعرض لها إنسان ، ولا يحلبها أحد من الناس بمقتضى الشق فى أذنها وهو علامة التخلية ؛ وأما السائبة فهي الناقة تلد عشر إناث ليس بينها ذكر فتسيّب ولا تركب ولا يجزّ وبرها ، ولا يحلب لبنها إلا لضيف. وقيل : كان الرجل إذا خرج لحاجة فقضيت ، سيّب من ماله ناقة أو نعجة فجعل لبنها للطواغيت ، وما تلد من شىء

١٠٠١

يسيّب كذلك وقيل : كان الرجل إذا قضيت حاجته أو عوفى من مرضه أو كثر ماله ، سيّب ناقة للآلهة لا يحمل عليها شىء. وفى الحديث : «أول من سيّب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر ، وفى رواية أخرى : إن أول من سيّب السوائب ، وأول من غيّر دين إبراهيم ، هو : عمرو بن لحى أخو بنى كعب. وأول من بحر البحائر رجل من بنى مدلج كانت له ناقتان فجدع آذانهما وحرّم ألبانهما ثم شرب ألبانهما بعد ذلك». وعمرو ابن لحى كان أحد رؤساء خزاعة الذين كانت لهم ولاية البيت بعد جرهم ، وكان أول من غيّر دين إبراهيم فأدخل الأصنام ، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرّب بها ، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية فى الأنعام وفى غيرها كما فى قوله تعالى : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً) (الأنعام ١٣٦). وأما الوصيلة فهي الناقة البكر ، تلد أنثى في أول بطن ، ثم «تصلها» بأنثى أخرى في البطن الثانية وليس بينهما ذكر فيسيّبونها لطواغيتهم ، وهي من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن ، توأمين توأمين فى كل بطن ، «تصل» بينها فتسمى «الوصيلة» وتترك. والحام : هو الفحل الذي يولد لولده ، فيقال حمى ولد الولد ظهره ، فهو حام ، ولا يحملون عليه ، ولا يجزّون له وبرا ، ولا يمنعونه من مرعى يرعاه ، ولا حوض يشرب منه ، حتى وإن كان الحوض لغير صاحبه ، وهذه العادات جاهلية وما شرعها الله ، ولا هى عنده قربة كما ادّعوا. ولا يوجد من ذلك شىء الآن ، والقرآن يؤرّخ لهذه العادات الاجتماعية ، وأبطلها فى حينها.

* * *

٢٠٥٩ ـ تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع

هذه جميعا تنطبق على الحيوان والطيور ، وهي من المحرّمات ، والمنخنقة : هي التى تموت خنقا ، والخنق هو حبس النّفس ، سواء فعل بها ذلك آدمى ، أو اتفق لها ذلك فى حبل ، أو بين عودين أو نحوه ، وكان أهل الجاهلية يخنقون الشاة ويأكلونها كنوع من الذبح. والموقوذة : هى التى ترمى ، أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية. يقال وقذه وقذا وهو وقيذ. والوقذ : شدة الضرب ، وفلان وقيذ أى مثخن ضربا ، وكان أهل الجاهلية يقتلون الحيوان بضربه ثم يأكلونه. والصيد بالبندقية ، أو النبلة ، أو الحجر ، ليس وقذا ، وهو حلال. والمتردية : هى التى تسقط من العلو فتموت ، كأن تسقط من سطح البيت ، أو فى بئر ، أو من جبل ، والردى هو الهلاك ، سواء تردّت بنفسها ، أو أرداها غيرها. وإذا أصابتها البندقية فتردّت من الجبل إلى الأرض فهى حرام ، لأنها ربما ماتت بالصدمة ، وإن تردّت في بحر أو نهر فلا تؤكل ، لأنك لا تعلم إن كانت قد ماتت بالبندقية أو غرقا ، وكانوا فى الجاهلية يأكلون المتردّية ، لأنهم ما كانوا يعتقدون الميتة إلا ما مات من مرض ، وأما هذه الأسباب فهى كالذكاة ، والشرع حصر الذكاة فى صفة

١٠٠٢

مخصوصة وهي الذبح أو النحر. والنطيحة : هي الشاة أو الغزالة أو الجدي ، ينطحه آخر فيموت قبل أن يزكّى. وما أكل السبع : هو كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان ، كالأسد ، والثعلب ، والذئب ، والكلب ، والقط ، والعرسة ، والضبع ، فهذه كلها سباع ، وفي الكلام إضمار : أي ما أكل منه السبع. ويستثنى من كل ذلك ما يذكّى ، أي ما أدركت ذكاته وفيه حياة ، فإن الذكاة عاملة فيه ، والأكل منه مع ذلك مكروه وغير صحي ، لأن ما بقى قد تنتقل إليه عدوى من الحيوان المفترس ، من الفيروسات أو الأمراض ، وتتفشى في لحم الحيوان ، والذكاة عند العرب هو الذبح ، والذبح لا يطهّر لحم الحيوان من الميكروبات.

* * *

٢٠٦٠ ـ العتيرة نسخها الإسلام

العتيرة : ذبيحة كانوا يذبحونها في الجاهلية في رجب ، وقد نسخها الإسلام ولا يعني ذلك كراهية الذبيحة في رجب ، بل تباح فيه كغيره من الشهور.

* * *

٢٠٦١ ـ لحوم الحمر الوحشية والخيل والبغال والإبل

قيل تبريرا لإباحتها الآية : (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) (الأنعام ١٤٥) ، فالمحرمات هي هذه ، وكل محرّم حرّمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو جاء فى الكتاب ، مضموم إليها. وقيل : إن الآية تضمنت تحصيل كل شىء من الحيوان وغيره إلا ما استثنت ، وقد يقال لذلك : تباح لحوم السباع وسائر الحيوان إذن سوى الإنسان والخنزير ، إلّا أن هذه الحيوانات ذوات ناب وهى محرمة لذلك ، ويجمع إليها كل ما دلّ عليه الدليل بالتحريم. وقيل : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل ، والأحرى النهي أيضا عن الخيل والبغال ، لشبهها الخلقي بالحمير ، ومن ذلك هيأتها وزهومة لحمها ، وغلظه ، وصفة أرواثها ، وأنها لا تجتر ، وإذا تأكد الشبه الخلقى والتحق به نفى الفارق بينها ، وبعد الشبه بالأنعام المتفق على أكلها ، تأكد القول بالمنع ، وفى الرواية عن خالد بن الوليد : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل ، ولا ينتقص من الرواية أن خالدا لم يسمع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بنفسه يوم خيبر ، لأنه لم يشهده ولم يكن قد أسلم. والنهى عن أكل الخيل والبغال والحمير كان عاما ، والدليل على ذلك قوله تعالى : (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً) (النحل ٨) ، فلو كانت ينتفع بها فى الأكل ، لكان امتنان الله بالأكل أعظم من امتنانه بالركوب والزينة ، لأن الأكل به بقاء الإنسان ، وحياة البنية ، وأما الركوب والزينة فمن الأمور الثانوية ، والامتنان لا يكون بأدنى النّعم وترك أعلاها. وعلى العكس جاء فى

١٠٠٣

الأنعام : (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ) (الحج ٣٠) ، ومنها الإبل والبقر والجاموس والغنم والمعز (الأنعام ١٤٣ / ١٤٤) ، والأنعام عموما هى المواشى ، والخيل والبغال والحمير ليست مواش ، ولكنها للركض والعدو. وألبان الأنعام حلال بعكس ألبان الخيل والحمير ، كقوله تعالى : (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ) (٢١) (المؤمنون) فنبّه إلى أن الأنعام للألبان وللحم ، وأما الخيل والبغال والحمير كما فى الآية الأسبق ، فللركوب والزينة ، والخيل كذلك للحرب ، كقوله : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) (الأنفال ٦٠). وعلى ذلك فالروايات فى تحليل لحم الخيل والحمر متهافتة ، وكذلك الروايات فى كراهية لحم الإبل.

* * *

٢٠٦٢ ـ لحم الميتة

الميتة : ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح ويؤكل ، كقوله تعالى : (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) (البقرة ١٧٣) ، وفي الحديث : «أحلت لنا ميتتان : الحوت والجراد ...» ، والحوت أي السمك في قوله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) (المائدة ٩٦) ، وتحليل السمك ميتا بشرط أن لا يكون قد فسد ، والطافي منه فاسد وهو دليل الموت من مرض. وينتفع بالميتة فيدبغ جلدها ، والدبغ يطهّره لأنه يزيل الأوساخ عن الجلد فينتفع به يابسا ، والطهارة فى اللغة تتوجه نحو إزالة أوساخه ؛ وإن خشى منه المرض من الميتة فلا يجوز الانتفاع به ، وفى الحديث : «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» ، «ولا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» ، وفي القرآن : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) (المائدة ٣) فلم يخصّ وجها من وجه ، وفي الحديث : «أيّما إهاب دبغ فقد طهر» ، والإهاب هو الجلد. وشعر الميتة وصوفها طاهر طالما الحيوان ليس نجسا من قبل الموت ، وفي الحديث : «لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ، وصوفها وشعرها إذا غسل ، ومسكها هو الجلد». والفأرة والحشرة إذا وقعت فى الطعام وماتت فإنها تنجّسه وتفسده وتنقل إليه المرض ، وينبغى إلقاؤه ، وكذلك لو وقع طائر أو حيوان أو ذباب في القدر فلا يؤكل ما فيه. وأنفحة الميتة ولبنها وعظمها وبيضها نجس ، ومثلها القرن ، والظفر ، والحافر ، إلا إذا كانت قد ذكّيت. ولا يطعم الكلب المعلّم ولا الطير المعلّمة الميتة ، ويباح للمضطر أن يأكل من الميتة مقدار ما يسد رمقه ويأمن معه الموت ، كقوله تعالى : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة ١٧٣) ، والاضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم ، أو بجوع فى مخمصة يصيّره إليه العدم والغرث ـ أى الجوع ، فإذا أكل المسلم هذه المحرمات فإنه يكون قد أكره وغلب ، ومن ذلك إكراه المسلمين من الأسرى أو الدارسين أن يطعموا لحم الخنزير.

* * *

١٠٠٤

٢٠٦٣ ـ لحم الخنزير محرّم

حرّم لحم الخنزير أربع مرات في القرآن ، كقوله : (حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) (البقرة ١٧٣) ، وفي المرات الأربع خصّ اللحم من الخنزير ، ليدل على تحريم عين الخنزير ، ذكّى أو لم يذكّ ، وليعمّ الشحم واللحم وما هنا لك من الغضاريف وغيرها. واسم اللحم يقع على اللحم مع الشحم ، وناب اللحم عن الشحم لأنه دخل تحت اسم اللحم ، وجاء عند اليهود تحريم لحم الخنزير فى سفر الأحبار : «والخنزير فإنه ذو ظفر مشقوق ولكنه لا يجتر فهو رجس لكم» ، فشمل التحريم اللحم والشحم جميعا ، والشحم عموما من المحرّمات في اليهودية ، كقوله : «كل شحم من بقر أو ضأن أو معز لا تأكلوه» (أحبار ٧ / ٢٣) ، وفي القرآن عن ذلك : (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما) (الأنعام ١٤٦) ، والكلام فى الآية عن اليهود ، فإن كانت شحوم البقر والغنم محرّمة فمن باب أولى أن يكون شحم الخنزير محرّما. ولا خلاف في الإسلام أن جملة الخنزير محرمة. وخنزير الماء اسم على غير مسمى ، فإن كان اسمه خنزيرا إلا أنه من دواب البحر ، والمحرم هو خنزير البرّ ، ولا بأس أن يندرج معه خنزير الماء. وقيل : إن لفظة الخنزير في العربية رباعية ولكنها مشتقة من خرز العين ، واللفظة على ذلك ثلاثية. تقول : تخازر الرجل إذا ضيّق جفنه ليحدد النظر ؛ والخزر : ضيق العين وصغرها ، ورجل أخزر أي بيّن الخزر ، وكأنه ينظر بمؤخرة عينيه كالخنزير. وجمع الخنزير خنازير ؛ ويقال تخنزر أي فعل كالخنازير. والخنزير حيوان خلطة ، يعني يمكن أن يأتى الذكر الذكر ، وأن يأتى الكبير الصغير ، وأن تقوم الأنثى على الأنثى ، ولهذا كرهه المصريون القدماء والمسلمون ، إلا النصارى ، يحبون تربيته لأكل لحمه وشحمه وأعضائه جميعا. وقيل : إن الخنزير كان محرّما عند قدماء المصريين ، لأن إله الشر ست تلبّس به ، ولأن الخنزير يفعل أي شيء ، وقد يقتل الخنزير مثله ، وقد يقتل راعيه ، ونقل اليهود ذلك عن المصريين ونسوا سبب كراهيتهم له إلا أنه محرّم ، فتعللوا لتحريمه ولم يذكروا ما ذكرناه عنه ، إلا فقهاء الإسلام ، فإنهم يذهبون إلى ما نذهب إليه ، لأن الإسلام دين عقل ، وعقيدته مبنية على المقدمات السليمة ، ويستوي الخنزير فى التحريم مع الميتة والدم ، وكلها ناقلة للأمراض ومجلبة للأوبئة ، كأمراض ضعف المناعة ، والتهابات الكبد الوبائي ، والطفيليات ، بل ربما كانت هذه المحرمات أخطر مصادر العدوى للإنسان.

* * *

٢٠٦٤ ـ اللحم كطعام

اللحم من جسم الحيوان أو الطير خلاف العظم ، وليس منه الشحم ولا الدهن. واللحم في القرآن في قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) (٣) (المائدة) ، ولحم الحيوانات والطيور الميتة حرام ، واللحم المباح هو اللحم المذكّى ، وهو

١٠٠٥

المشتهى فى الدنيا والآخرة ، كقوله : (وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) (٢٢) (الطور) ، وكذلك لحم الأسماك ، كقوله : (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا) (١٢) (فاطر).

٢٠٦٥ ـ لحم الطير

الطيور منها المحلل أكل لحمه كالطيور الداجنة ، ومنها المحرّم أكله مما يطعم الجيف كالنسور والغربان والخطاطيف والوطواط ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حرّم لحم كل ذى مخلب وهى الطيور الجوارح ، وكل طير صفيفه أكثر من رفيفه ، والصفيف هو بسط الجناحين من غير رفيف ، وكل طير بريا أو بحريا ليس له قانصة ولا حوصلة ولا صيصة ـ وهى الشوكة خلف رجل الطير خارجة عن الكف. ويباح من الطيور الدجاج ، والحبارى ، والبط ، والأوز ، والحمام ، والرومى ، والعصافير ، والقطا ، وطير الماء ، والطاوس ، والنعام. ويحرم ما يتغذى على الجلال (أى الروث أو البراز) ، والاستبراء يذهب الجلل ، وهو فى البط خمسة أيام ، وفى الفراخ ثلاثة ، وفى الغنم عشرة أيام ، وفى البقر ثلاثين يوما.

* * *

٢٠٦٦ ـ البيض وما يحلّ ويحرم منه

البيض يتبع الطيور فى التحليل والتحريم ، ويعرف من شكله بالنظر إلى طرفيه ، فإن تساويا فالبيضة لطائر حرام أكله ، وإن اختلف فكان أحد الطرفين عريضا مفرطحا كبيض الدجاج ، فهو لطائر حلال أكله. والبيض أكثر غذاء من كثير من الأطعمة ، وأخفّ فى الهضم من اللحوم ، والمسلوق منه أفضل.

* * *

٢٠٦٧ ـ الدم نجس حرام لا يؤكل

الدم محرّم بقوله تعالى : (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) (البقرة ١٧٣) ، وقوله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) (المائدة ٣) ، وقوله : (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) (النحل ١١٥) ، وقوله : (أَوْ دَماً مَسْفُوحاً) (الأنعام ١٤٥) ، فلا يؤكل الدم ، ولكن قد ينتفع به في عمليات نقل الدم ، ويباح الدم في اللحم والعروق ، واليسير من الدم في البدن ، والدم على الثوب يصلّى فيه ، والمضطر قد يطعم الدم بقوله تعالى : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة ١٧٣) ، وقوله تعالى «الدم المسفوح» تقييد للدم ، لأن ما خالط اللحم من الدم محرّم بالإجماع ، وكذلك الكبد والطحال غير محرّمين وهما من الدم ، ودم الحيوانات البحرية كالسمك والحيتان غير محرم ، وإلا لشرعت ذكاتها ، أى ذبحها.

* * *

٢٠٦٨ ـ المحرّمات في الطعام

هذه شملتها الآية : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ

١٠٠٦

وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) (المائدة ٣) ، وكل ذلك لم يعد واردا الآن حيث يأكل الناس مما يذبح فى المجازر وتضطلع به الحكومات ، إلا أن يكون ذبحها فى البيوت. وكان أهل الجاهلية يخنقون الحيوان ولا يذبحونه ، فإذا مات أكلوه ، فهذه هى المنخنقة ، ومثل ذلك ما يفعل الآن فى الخارج من قبل البهيمة ، بمسدس فى الرأس ، فلا تذبح ولا يسيل لها دم. ومثل ذلك الموقوذة : وهى التى ترمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية ؛ ومثله المتردّية : التى تسقط من حالق فتموت ، كأن يكون ذلك من فوق سطح مرتفع. والتحريم للتردّي ، أي للموت بالصدمة ؛ ومثل ذلك النطيحة : وهى البهيمة تنطحها أخرى أو تضربها سيارة أو يسقط عليها جدار فتموت قبل أن تذكّى. ويحرّم الأكل من فريسة لذى ناب أو ظفر كالذئب والثعلب ؛ ومثل ذلك فى المريضة فإنها كالفريسة ، تحذر لما فيها من أمراض. والذكاة فى اللغة أصلها التمام ، والذكاء الفطنة ، وأذكى النار أجّجها ، والرائحة الذكية هي الطيبة. والذكاة في الاصطلاح هو الذبح ، فإذا سال دم الحيوان فقد طيّب فيطهر من أمراض الدم ، ومن النجاسة إذا كان بنية القصد لله وذكر عليه اسمه. وإذا كان المقصود من الذكاة إنهار الدم فذلك ضرب من التعبّد ، للحديث : «إنما الذكاة فى الحلق واللّبّة» فبيّن محل الذبح وعيّن موضعه ، وفائدته : «ما أنهر الدّم وذكر اسم الله عليه فكل» أخرجه البخارى ، فإذا لم يجر الذبح بهذه النية ولا بصفته المخصوصة الضامنة للطهارة ، زال معه حظّ التعبّد ، فليس يؤكل الحيوان. ومن تمام التعبّد الحديث : «إن الله كتب الإحسان على كل شىء : فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته». وحسن القتلة إذا اضطر المسلم إلى قتل حيوان أو طير. وما ذبح على النّصب حرام ، لأنه وما أهل لغير الله واحد ، وكانت النّصب حجارة حول الكعبة يذبحون عليها لأصنامهم ، فحرّم ذلك على المسلمين.

* * *

٢٠٦٩ ـ المضطر قد يأكل المحرّم

المحرّمات حصرتها الآية : (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة ١٧٣) ، و «إنما» كلمة موضوعة للحصر ، تتضمن النفي والإثبات ، فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه ، وقد حصرت التحريم ، لا سيما وقد جاء بعد التحليل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) (البقرة ١٧٢) ، فأفادت الآية الإباحة على الإطلاق ، ثم عقبها بذكر المحرم بكلمة «إنما» الحاصرة ، فلا محرم يخرج عن هذه الآية ، وتؤكدها الآية الأخرى التي نزلت بعدها بعرفة. (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ) (الأنعام ١٤٥). والميتة : هى ما فارقته الروح من

١٠٠٧

غير ذكاء مما يذبح ؛ وصيد البحر من الميتة ولكنه حلال ، وينتفع بإهاب الميتة بعد دبغه ، والدّبغ يطهّره ، وشعرها وصوفها طاهر. والدم : حرام نجس لا يؤكل ، وما خالط اللحم فغير محرّم. ونعلم أن الدم ناقل للايدز والتهاب الكبد الوبائى. وأما لحم الخنزير : فمحرم سواء ذكي أو لم يذكّى. فمن اضطر إلى شيء من هذه المحرمات فلا إثم عليه إذا أخذ منها بقدر ما يقيم أوده أو يذهب مجاعته ، فلا يسرف ولا يؤثرها ولديه البديل. وعمليات التصنيع قد يكون بها تطهير النجس منها. والاضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم ، أو بجوع في مخمصة ، كقوله : (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣) (المائدة) ، والمخمصة : هي الجوع وخلاء البطن ، والاضطرار إلى أكل الميتة وسائر المحرمات لا يكون بنية الميل إلى الحرام ، وهو معنى «غير متجانف لإثم» و «غير باغ ولا عاد».

* * *

٢٠٧٠ ـ الأمر بالتسمية على الطعام

المسلم مأمور أن يذكر اسم الله على الطعام والشراب والذبح وكل مطعوم بقوله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) (الأنعام ١١٨) ، وقوله : (وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام ١١٩) ، وقوله : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام ١٢١) ، وهذا نهي صريح على تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه ، وفى الحديث : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» ، والخطاب لا يشمل الناسي ، والشرط ليس بواجب عليه ، والرافض للتسمية متهاون فاسق لا تؤكل ذبيحته. وقيل للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري اذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال : «سمّوا عليه أنتم وكلوه» ، وفى رواية قالوا : أعاريب يأتوننا بلحمان وجبن وسمن ما ندري ما كنه إسلامهم؟ قال : «انظروا ما حرّم الله عليكم فأمسكوا عنه ، وما سكت عنه فقد عفا لكم عنه وما كان ربّك نسيا ، اذكروا اسم الله عليه» ، وقال : «المؤمن يذبح على اسم الله سمّى أو لم يسم» ، وقال : «ذبيحة المسلم حلال ، ذكر اسم الله أو لم يذكر».

* * *

٢٠٧١ ـ الزروع والخضرة

الزروع : ما زرع الزارع بإلقاء البذر فى الأرض وتعهده بالسقيا ، كقوله تعالى : (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (٦٤) (الواقعة). وتختلف الزروع في الألوان والطعوم كقوله : (زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ) (الزمر ٢١) ، وقوله : (وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ) (الأنعام ١٤١) ، والخضر والخضرة سواء ، كقوله تعالى : (فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً) (الأنعام ٩٩) كالبقدونس والجرجير ،

١٠٠٨

والشيح والخسّ ، والنعناع ، ومن شأنها تسكين العطش ، وتساعد على النوم الهادئ ، وتؤكل ؛ وتعصر للزيت ، وتستخدم في الصناعات ، وجميعها تمتاز بالخواص الكيميائية عالية القيمة ، سواء كأغذية ، أو كمصادر للعناصر الدوائية أو الصناعية ، ومنها ما لا غنى للإنسان عنه كالحنطة ، والذرة ، والشعير ، والأرز ، وبعضها يحلّ أكله طالما يخلو من السمّيات ، ولا تحلّ إذا رعا الدود فيها والسوس ، وتكره ذوات الرائحة الكريهة كالفجل والبصل والثوم ، وتحرّم التي تسقى بالنجاسات أو تسمّد بها ، والتي تروى بماء الصرف الصحي ، وزكاة الزروع والخضرة تجب إذا بلغ إيرادها النصاب ، ومقدارها العشر فيما يروى بالمطر أو مياه الأنهار ، وربع العشر إذا رويت بالسواقي والمواتير. (انظر أيضا المزارعة والمساقاة).

* * *

٢٠٧٢ ـ أمثلة من الأطعمة من الزروع

تأتى الآية : (يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها) (البقرة ٦١) ضمن تحسّر بنى إسرائيل على ما كان لهم من أطعمة فى مصر ، فطلبوا من موسى أن يدعو لهم الله أن ينبت لهم من خيرات أرض مصر البقل : وهو كل نبات ليس له ساق مقارنة بالأشجار التي لها سوق ، والبقول غنية بالبروتينات ، وبها الكثير من المعادن والدهون ، وهي علاج للكثير من أمراض الهضم ، وسوء التغذية ، والسكر ، وضغط الدم ؛ والقثاء : وهو من أنواع الخيار ويتميز بالفيتامينات ، ومليّن ، ومنشّط للخلايا ، وفاتح للشهية ؛ والفوم : لغة هو الثوم ، وقيل هو الحمّص ، والأول مطهّر للمعدة ، ويشفى التهابات اللثة ، ويخفض الدهون والكولسترول فى الدم ، وضغط الدم ، والسكر ، وأما الحمص : فمن القطّانيات ، ويؤكل نيئا ومطبوخا ، وهو غنى بالبروتينات ويخفض الكولسترول والضغط ، ويعتبر غذاء كاملا ؛ والعدس : من أغنى البقول بالسعرات الحرارية ، وهو غذاء كامل للفقراء ولذا يعطى في السجون ، فضلا عن أنه طعام شهي ، ويضاف أحيانا إلى الأرز أو الفول ، ويسهل هضمه ، ويعطى الصحة والعافية ، وفى الحديث : «عليكم بالعدس فإنه مبارك مقدس ، وأنه يرقّ القلب ، ويكثر الدم ، وباركه سبعون نبيا ، آخرهم عيسى ابن مريم». وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت ، ويوما بلحم ، ويوما بعدس. والعدس والزيت طعام الصالحين. وهو مما يخفّف البدن ، ولا تسوء به المعدة كما تسوء من اللحم ، وثبت أن من يأكل عدسا طوال عمره يمكن أن يستغنى عن كل طعام آخر ؛ والثوم والبصل : من أعظم فاتحات الشهية ، ومن أشهر الأدوية لكل الأمراض ، ومن عصيرهما مع الزبّادى وزيت الزيتون تزيد مناعة الجسم للأمراض ، ويقل الكولسترول فى الدم ، ونسبة كبيرة من

١٠٠٩

السكر ، وتلتئم الالتهابات في الجسم. وثبت أنهما مطهران للرئتين ، ويعالجان الربو وضيق التنفّس ، بسبب تأثيرهما المضاد لمادة الهستامين المسببة للضيق والربو ، ويميتان الميكروبات والبكتريا ، ويعالجان النزلات الشعبية. ولم تعرف فوائد الثوم والبصل إلا مؤخرا ، فسبحان الذي نبّه إلى ذلك في القرآن منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة ، وفي سنة ٩٢٧ نشرت المجلة الطبية الأمريكية أنهما ينقّيان الدم ، ولهما تأثير مهدئ ، وطارد للبلغم ، ومعالج للأرق ، ولاضطراب الأعصاب ، والسعال ، ومتاعب الشعب الهوائية. وأثبت العالم باستير أنهما ذوا فعالية ضد الميكروبات التي تسبب متاعب الجهاز الهضمي ، وضد ميكروب الدرن ، والسّل ، والدوسنتاريا ، ويحتويان على مركبات لها فعالية المضادات الحيوية ومضادات الفيروسات ، ويفيدان لذلك في علاج البرد ونزلاته ، وأمكن أن يستخلص منهما مركب دايفينيل أمين المستخدم فى علاج السكر ، ويخفضان سكر الدم ، ويزيدان إفراز البنسلين وتقليل هدمه في الجسم ، وعلاج مضاعفات مرض السكر مثل زيادة دهون الدم والجلطة وضغط الدم المرتفع ، ويفيد مضغ الثوم والبصل لمدة من ثلاث دقائق إلى ثماني دقائق في القضاء تماما على ميكروبات الفم المسببة للأمراض ، واستخدم الجنود الروس بخار البصل المتصاعد من معالجته على النار ، علاجا للجروح والشفاء منها سريعا ، وتسكين آلامها ، وثبت أنهما يفيدان في علاج حبّ الشباب والدمامل ، ويفيد خليط شراب البصل مع عسل النحل في علاج البرد والكحة بتناول ثلاث أو أربع ملاعق للكبار ، وملعقة واحدة للأطفال كل أربع ساعات. واستخدم البصل منذ القدم في علاج أمراض القلب ، سواء طازجا أو حساء ، أو مطبوخا ، أو مشويا ، وكمنشط للرغبات الجنسية. ومن شأن المادة الطيّارة بهما إذابة أغلب الكوليسترول في الدم فى زمن قياسي ، وكذلك الجلطات على جدران الشرايين التاجيّة ، والدهون الثلاثية على أجهزة الجسم وأنسجته. ولو قارنا البصل بالفياجرا مثلا ، لوجدنا أن للفياجرا تأثيرا ضارا على القلب بما يبذل الإنسان من جهد في العمليات الجنسية لا يتناسب مع حالته الصحية ، بينما تعاطي البصل يزيد القدرة الجنسية وكفاءة الدورة الدموية على أداء الجهد المطلوب. ويزيد تناول نصف بصلة من الحجم المتوسط أو ما يعادلها من عصير البصل يوميا ، من مستوى الدهون عالية الكثافةHDL في نحو ٧٥ خ من المرضى ، وهذا مؤشر على أن البصل مفيد في علاج جلطة القلب ، بشرط أن يؤخذ طازجا وليس مطبوخا. ويمنع الثوم تكوين مادة الفيبرين المسببة للجلطة. والثوم والبصل كلاهما مصدر لمضادات الأكسدة التي تساعد على الوقاية من السرطان ، وخاصة سرطان الفم ، والبصل الأخضر أو الأبيض أقوى من الأحمر في ذلك ، ويفيد البصل فى علاج تورمات وآلام المفاصل ، وذلك بشيء ست بصلات متوسطة الحجم فى فرن البوتاجاز ، وتوضع على المفصل ويضغط عليها برباط ضاغط.

١٠١٠

٢٠٧٣ ـ الثمار والفاكهة

الثمر في اللغة جنى الشجر ، فالتمر مثلا هو ثمر النخل ، والفاكهة هي الثمار كلها ، ومن شأن تناولها أن تفكه لها النفس ، أي تطيب وتلتذ. وفي الآية : (فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها) (فاطر ٢٨) أن الثمرات فيها الأحمر والأصفر ، والأخضر والأبيض ، والأسود وغير ذلك ، ومثلما نوّع في الألوان نوّع في المذاق ، ويحفل القرآن بأصناف الفاكهة ، كالأعناب ، والرمان ؛ والزيتون زراعة ، كقوله تعالى : (جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ) (الأنعام ١٤١). وتحرّم الثمار والفواكه إذا سقيت بالنجاسة أو سمّدت بها. ومن يعبر على شجر مثمر فله أن يأكل منه بشرط أن لا يحمل ، إن لم يكن الشجر داخل حديقة مسوّرة وكان جائعا ، ولو لم يكن مضطرا ، فإن كان الشجر داخل مزرعة أو بستان لم يجز الدخول إلا للضرورة ، وليس له أن يضرب الشجر بالأحجار لينزل الثمر.

* * *

٢٠٧٤ ـ التمر كغذاء

التمر : ثمر النخل ، ويأتي عن النخل فى القرآن ٢٠ مرة ، ومن أوصافها فيه قوله : (وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ) (١١) (الرحمن) أي ذات الليف ، فإن النخلة تكمّ بالليف ؛ وقوله : (وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ) (١٠) (ق) والباسقات هي الطوال ، وصفا للنخل ، لاستقامة سوقها واستوائه وامتداده ؛ وطلعه هو أول ما يخرج من ثمره قبل أن ينشق ، والنضيد هو المتراكب قد نضّد بعضه على بعض ، فإذا خرج من أكمامه لم يعد نضيدا ، وفى الآية : (وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ) (١٤٨) (الشعراء) ، أن الطلعة تطلع من النخلة كنصل السيف ، فى جوفها شماريخ ، ويقال للطلع هضيم طالما لم يخرج من كفرّاه ، ويتهشّم فى الفم ، والكفرّى هو وعاء طلع النخل. وفى الآية : (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ) (الأنعام ٩٩) ، والقنوان جمع قنو وهو العذق وهو عنقود النخلة ، وقيل هو الجمّار ، ومنه الدانى القريب ، والنائى البعيد ، وخصّ الدانية بالذكر لأن من الامتنان بالنّعم أن تكون فى متناول اليد. وفي الآية : (انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ) (الأنعام ٩٩) تنبيه إلى ما يطرأ على ثمر النخل من تغيرات لا بد لها من مغيّر ، وهى دليل على وجود الله تعالى ، وعلى علمه وقدرته ، فالنخلة ؛ إذا أثمرت كانت أولا طلعا ، ثم إغريضا ، ثم بلحا ، ثم سيابا ، ثم جدالا إذا اخضرّ واستدار قبل أن يشتد ، ثم بسرا إذا عظم ، ثم زهوا إذا احمر ، ثم موكّتا إذا بدت فيه نقط الإرطاب ، فإذا كان الإرطاب من جهة الذّنب فهى مذنّبة ، فإذا لانت فهي ثعدة ، فإذا بلغ الإرطاب نصفها فهي مجزّعة ، فإذا بلغ ثلثيها فهى حلقانة ، فإذا عمّها الإرطاب فهي

١٠١١

منسبتة ، ثم تيبس فتصير تمرا. وكما ترى فإن لكل حالة اسما ، وكثرة الأسماء بحسب الأحوال من دلائل عبقرية اللغة ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحب الرطب ، ولا يرى أن البيت تكتمل له الأسباب إلا لو كان به التمر ، وكان يحب الرطب بالقثّاء ، وقال فى النخلة : «من الشجر شجرة تكون مثل المسلم ، وهي النخلة» ، وفي القرآن عن مريم لمّا ولدت عيسى : (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) (٢٥) (مريم) ، وفى الرواية أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لو علم الله أن شيئا للنفساء خير من الرطب لأمر مريم به» ، وقال : «ليس للنفساء مثل الرطب ، ولا للمريض مثل العسل» ، وقال : «أطعموا نفساءكم الولد ، الرّطب ، فإن لم يكن رطب فثمر ، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم» ، وفى حديث عائشة : توفى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد شبعنا من الأسودين : «التمر والماء» ، فكأن أغلب طعامه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان هذين ، وقرنت التمر بالماء لمضرة شرب الماء صرفا بدون أكل ، ولا يستمتع بالتمر إلا بالماء. وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم ينصح بتعاطى سبع تمرات فى الصباح لما فى التمر من فوائد صحية بالغة وقيمة غذائية عظيمة.

* * *

٢٠٧٥ ـ طعام أهل الكتاب حلّ للمسلمين

أهل الكتاب : هم اليهود والنصارى ، والطعام : اسم لما يؤكل ، والذبائح منه ، وفي الآية : (وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) (المائدة ٥) إخبار بأن جميع ما يأكله أهل الكتاب حلّ ، إلا ما حرّمه الله على المسلمين كلحم الخنزير والميتة والدم ، وما لم يذكر اسم الله عليه ، لقوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام ١٢١) ، وتحليل الأكل من ذبيحة النصارى واليهود باعتبار أنهم يذكرون اسم الله عند الذبح ، فإن كانوا ممن لا يذكرون اسم الله كما هو الحال الآن ، فالأكل من ذبائحهم فسق ، إلا الفاكهة والأسماك فجائز أكلها ، فأما ما كان صنعه لا تعلّق فيه بالدّين ، كخبز الدقيق ، وعصر الزيت ونحو ذلك فهذا جائز أكله ، وأمّا ما تدخل فيه التزكية التي تحتاج إلى الدّين والنيّة ، فما لم يذبح ويذكر عليه اسم الله فأكله حرام. ويحلّ للمسلم من ذبائح أهل الكتاب ما يحل لهم منها ، فاليهود لا يأكلون الطريف من الحيوان ، وهو الرئتان إن كانتا مصابتين بمرض كالدرن وغيره ، ولا يطعمون الشحوم المحضة من الذبائح. ولا بأس بأكل طعام الهندوس والصينيين واليابانيين والملاحدة ما لم يكن من ذبائحهم ويحتاج إلى ذكاة ، وجبنهم حرام أكله لما فيه من أنفحة الميتة.

* * *

١٠١٢

٢٠٧٦ ـ العقيقة وهل تجب على المسلم؟

العقيقة : هى اسم لما يذبح عن المولود ، قيل هي اسم الشاة المذبوحة عن الولد ، أصلها الشعر الذي يخرج على رأس المولود ، وسميت الشاة التي تذبح عنه بذلك لأن هذا الشعر يحلق عند الذبح. وقيل : الاسم مأخوذ من العق وهو الشق والقطع ، وهي عقيقة لأنها تشق وتقطع. وقيل : الشاة التي تذبح ، والشعر ، كلّ يسمى عقيقة ، ويقال عقّ يعق إذا حلق عن ابنه عقيقته وذبح شاة. وقيل : هي عقيقة لأنها معقوقة ـ بمعنى مذبوحة ، وسمى الشعر باسمها لأنها تعق عنه. وقيل : كل مولود من البهائم فشعره عقيقة ، فإذا سقط ذهب عقّه ، وفى الحديث : «للغلام عقيقتان ، وللجارية عقيقة» ، وفي رواية : «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة» ، وقيل : العقيقة من الجاهلية ، بدعة ولا تجب ، وليست سنة. وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سئل عنها فقال : «لا أحب العقوق» ، كأنه كره الاسم ، يقصد به عقوق الوالدين وهو أن يعصيهما الولد ويشق عصا طاعتهما ، وقال : «من ولد له ولد فأحبّ أن ينسك عنه فليفعل» ، فكأن الأولى تسميتها «نسيكة» أو «ذبيحة» ، وأن لا تسمى عقيقة ، وقيل : العقيقة من باب ذبيحة الأضحى ، من قوله تعالى : (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (١٠٧) (الصافات) ، وقيل : الأمر فيها الحديث : «نسخ الأضحى كل ذبح» أخرجه الدارقطني ، وهو حديث في إسناده ضعف ، والصحيح أن العقيقة مستحبة لأنها من أعمال البرّ ، وقد عقّ إبراهيم عن ابنه إسماعيل بكبش سمين ، ويعقّ اليهود لذلك عن الولد كبشا ولا يعقّون عن البنت ، وقد عقّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الحسن والحسين كبشا كبشا ، والغنم تتعيّن للعقيقة ، ويجزئ الإبل والبقر والجاموس ، ولا فرق بين ولد وبنت فكلاهما يعق عنه ، غير أن الولد يعق عنه بكبش فهذا أنسب باعتبار الذكورة! والبنت يعق عنها بشاة باعتبار الأنوثة! وقد يستعاض للولد عن الكبش بشاتين! والفلسفة في الذبح للعقيقة أنها إماطة للأذى ، أي استجلابا للبركة ، واستبعادا للشرّ والمرض ، وفي الحديث : «في الغلام عقيقة فاهرقوا عنه الدم ، وأميطوا عنه الأذى» ، وقيل : الأذى آثار الولادة من دم وغيره فينظّف ويتطهّر. وكانوا في الجاهلية إذا أهرقوا الدم مسحوا به رأس الغلام ، فنهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك وأمر بأن يمسح على رأسه بالطيب ، وأن يسمّى عند الذبح ، فيقال : «بسم الله والله أكبر ، عقيقة فلان» ، وتؤدّى العقيقة فى الأسبوع الأول ، ويستحب في اليوم السابع ، فإن لم يتيسر ففي اليوم الرابع عشر ، أو الواحد والعشرين ، وأول السبعة اليوم الذي يلي الولادة. ويكره حلق رأس البنت. ويبدو أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر فاطمة أن تعق عن ولديها بزنة شعر الولد فضة ، ويحتمل أنه قال لها ذلك لضيق ما عندهم حينئذ ، فأرشدها إلى نوع من الصدقة أخفّ ، ثم إنه لمّا تيسّر له عن قرب عقّ عنهما بكبشين ، وإذن فالمسألة بحسب الوسع ، والأنسب الصدقة.

١٠١٣

٢٠٧٧ ـ هل يأكل المسلم إلى أن يشبع؟

المسلم يجوز له أن يأكل حتى يشبع ، وفي حديث أنس عن تكثير الطعام ببركة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال إنهم أكلوا حتى شبعوا ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : شبعنا من الأسودين ، التمر والماء. وقالت : الآن نشبع من التمر. ووصف أنس صوت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : سمعته ضعيفا أعرف فيه الجوع ، وكأن أنس لم يسمع في صوته صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما تكلم وقتها ـ الفخامة المعهودة فيه ، فحمل ذلك على الجوع بقرينة الحال التي كانوا فيها. وقيل : وفي ذلك ردّ على من يكذّب الأحاديث التي يذكر فيها أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يجوع ، ويحتجون بالحديث : «أبيت يطعمني ربّي ويسقيني». وربما كان جوعه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليتأسّى به أصحابه ، ولا سيما من لا يجد مددا وأدركه ألم الجوع ، لعله يصبر فيضاعف له الأجر. وإذا كان الشبع جائز في الإسلام فتركه أفضل صحيا ونفسيا واقتصاديا وتربويا ، والأكثر من ذلك أن تركه مندوب إليه دينيا ، فعن سلمان وأبي جحفة أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة». والشبع وإن كان مباحا ، فله حدّ لا بد أن ينتهي إليه ، وما زاد على الحدّ فهو سرف ، والمطلق منه ما عان الآكل على طاعة ربّه ، والمنهىّ عنه هو الشبع الذي يثقل المعدة ويثبّط صاحبه عن القيام للعبادة أو أداء ما يجب عليه ، ويفضى إلى البطر والأشر والنوم والكسل. وقد ينتهى الأمر بكراهية الشبع إلى التحريم بحسب ما يترتب عليه من المفسدة. وشبع المسلم على أي حال هو الشبع الذي يحضّ عليه الحديث : «ما ملأ آدميّ وعاء شرا من بطن! حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن غلب الآدمى نفسه فثلث للطعام ، وثلث للشراب ، وثلث للنفس». ولو سمع حكيم الأطباء بقراط أو إبقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. وقال الغزالى : ما سمعت كلاما في قلة الأكل أحكم من هذا! ـ ولقد بلغ من حكمة المسلمين أن اختلفوا فى حدّ الجوع ، فلو أن الجائع أقبل على الخبز وحده ولم يبال إن كان معه أدم أم لا ، فهو قطعا جائع ، وإن طلب معه الأدم ـ أى الغموس ، فهو ليس بجائع هذا الجوع المعهود ، وهو الجوع الذي جعلوا من علاماته أنه إذا وقع ريق الجائع على الأرض لم يقع عليه الذباب! والشبع عند المسلمين مراتب ، وليس من ذلك شىء في اليهودية ولا فى النصرانية ، ولا فى أى من المذاهب الفلسفية والنفسية فى الجوع والشبع فى أى من بلاد الدنيا إلا عندنا نحن المسلمين ، وخاصة عند الصوفية ، ومنهم أهل الصّفّة المشهورين. ومراتب الشبع عند المسلمين تنحصر فى سبع : المرتبة الأولى : ما تقوم به الحياة والشبع فيها واجب ؛ والثانية : أن يزيد حتى يصوم ويصلى عن قيام ـ وهو واجب أيضا ؛ والثالثة : أن يزيد الشبع حتى يقوى المسلم على أداء النوافل ـ وهذا مستحب ؛ والرابعة : أن يزيد الشبع حتى يقدر على التكسّب ـ وهو

١٠١٤

مستحب أيضا ؛ والخامسة : أن يملأ ثلث بطنه كما في الحديث ، وهذا جائز ؛ والسادسة : أن يزيد الشبع على ذلك ، وبه يثقل البدن ويكثر النوم ـ وهذا مكروه ؛ والسابعة : أن يزيد الشبع حتى يتضرر وهو ما يسمى البطنة ، وهذه منهىّ عنها وحرام.

* * *

٢٠٧٨ ـ لما ذا يقال طعام المسلم يكفى الاثنين؟

في الحديث عن أبي هريرة أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «طعام الاثنين يكفي الثلاثة ، وطعام الثلاثة يكفى الأربعة» ، والمعنى أن الطعام الذي يشبع الواحد يكفي قوت الاثنين ، وأن قوت الاثنين يشبع الأربعة. والمراد المواساة ، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما ، وإدخال رابع أيضا بحسب من يحضر. والحديث عند ابن ماجة : «طعام الواحد يكفى الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الخمسة والستة». وفي قصة أضياف أبي بكر قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس» ويشرح ذلك الحديث : «كلوا جميعا ولا تفرّقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين» ، بمعنى أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع ، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة ، وهذا هو ما يميز الإسلام كفلسفة ، فهو يختلف عن سائر الأديان والمذاهب التي تحض على الفردية وتنمّيها وترسّخها. والإسلام دين «جماعى» ـ أو أنه ـ لمن لا يؤمن به دينا ـ مذهب فلسفي وإيديولوجية تطبيقية «جماعية». وهذه الأحاديث للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تحضّ على الاجتماع على الطعام ، وتستحب من المسلمين أن لا يأكل كلّ منهم وحده ، ولا يساكن نفسه ويعتزل الناس ، ولا يعمل بمعزل عن الآخرين ، ويحفل القرآن بالآيات التي تحض على «الجماعية» ، كقوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (٦) ، والدعاء فيها من الجماعة ولصالح الجماعة. ويسمى المسلمون ذلك «مواساة» ، فإذا تحققت المواساة حصلت معها البركة الموعودة التي قال الله تعالى فيها : (لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) (الأعراف ٩٦) ، فتتنزّل البركات وتعمّ الحاضرين. ومن دروس هذه الأحاديث : أن المرء لا ينبغى أن يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه ، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء ، ولو بسدّ الرمق ، وإقامة البنية ، وليس حقيقة الشبع. و «المواساة» و «البركة» من المصطلح الإسلامى المتفرّد.

* * *

٢٠٧٩ ـ هل يفرق الإسلام بين الأعمى والبصير على الطعام؟

في القرآن لا ينجس بالمرض أو العمى أو العرج ، وعلى عكس ذلك في اليهودية والنصرانية ، ففي سفر الأحبار ، الفصل الثالث عشر ، يعدّ المرض نجسا (العبارة ٤٥ مثلا) ،

١٠١٥

وليس كذلك الحال في الإسلام ، فلقد كان الناس من قبل الإسلام على طريقة اليهود أو النصارى ، فإذا اجتمعوا للأكل عزلوا الأعمى على حدة ، والأعرج على حدة ، والمريض على حدة ، لتقصيرهم عن أكل الأصحاء ، فإذا اجتمعوا بهم تفضّلوا عليهم إذا شاءوا ، وكان الأعمى يتحرّج أن يأكل طعام غيره ، وأن يدس يده في الطعام فتصطدم بأيدي غيره ، ولذلك كانوا يعزلونهم ، وكان الزمني يتحرجون كذلك ويؤثرون العزلة ، فنزلت الآية : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (النور ٦١) ، لرفع الحرج عن هؤلاء ، وإباحة أن يشاركوا الآخرين طعامهم ، وساووا بينهم ، وذلك من الأدب العالي ، وفيه من الرقي الحضاري والإنساني ما يجعل الإسلام لا شبيه له ولا ضريب.

* * *

٢٠٨٠ ـ هل المسلم أكول؟

من مأثورات الإسلام ردّا على المتخرّسين الحديث عن نافع قال : كان ابن عمر لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه ، فأدخلت رجلا يأكل معه ، فأكل كثيرا فقال : يا نافع ، لا تدخل هذا علىّ ، سمعت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «المؤمن يأكل فى معى واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء». والمعنى أن المؤمن قنوع ، ونزوعه إلى الزهد والأخروية ، بينما الكافر ـ ومثله العلماني والعولمي وأشباههم من الماديين ، يفرطون فى الطعام ، ويتهافتون على الماديات ، ولا يسأمون ولا ترتوى شهواتهم إليها. والحديث فى رواية أخرى : «إن المؤمن يأكل في معى واحد ، وإن الكافر ـ أو المنافق فلا أدرى أيهما ـ يأكل في سبعة أمعاء» ، وفى رواية أخرى قال : «يأكل المسلم في معى واحد ، والكافر يأكل فى سبعة أمعاء». وعن أبى هريرة : أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم ، فكان يأكل أكلا قليلا ، فذكر ذلك للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «إن المؤمن يأكل في معي واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء». وأخرج ابن أبى شيبة وأبو يعلي والبزار والطبراني أن هذا الرجل هو جهجاه الغفاري ، قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام ، فحضروا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المغرب ، فلمّا سلّم قال : «ليأخذ كل رجل بيد جليسه» ، وكان الجهجاه هذا طويلا عريضا لم يتقدم ليأخذه أحد ، فذهب به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى منزله ، فحلب له عنزا ، فأتى عليه ، فحلب له آخر حتى حلب سبعة أعنز ، فأتى عليها ، ثم أتى له بصنيع برمة فأتى عليها ، حتى قالت أم أيمن : أجاع الله من أجاع رسول الله! فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مه يا أم أيمن : «أكل رزقه ، ورزقنا على الله!». فلما كانت الليلة الثانية وصلّى المغرب صنع ما صنع في التي قبلها ، فحلب له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنزا واحدا وارتوى الرجل وشبع ولم يطلب آخر ، وتعجبت أم أيمن ، فقال لها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنه أكل فى معى واحد الليلة وهو مؤمن ، وأكل قبل ذلك فى سبعة أمعاء.

١٠١٦

الكافر يأكل في سبعة أمعاء ، والمؤمن يأكل في معي واحد». وعند الطبراني الرجل اسمه غزوان ، وحلب له سبعة شياه فشرب لبنها كله ، فلمّا أسلم مسح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على صدره ، فلما أصبح حلب له شاة واحدة فلم يتم لبنها ، وسأله النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مالك يا أبا غزوان»؟ قال : والذي بعثك نبيا لقد رويت. قال له : «إنك أمس كان لك سبعة أمعاء وليس لك اليوم إلا معى واحد». وبرواية أحمد فإن الرجل هو أبو بصرة الغفاري ، أو أنه أبو فضلة أو نضرة الغفاري. والمراد بالحديث ليس ظاهره ، وإنما هو مثل يضرب للمؤمن وزهده فى الدنيا ، والكافر وحرصه عليها ، فكان المؤمن لتقلله من الدنيا يأكل فى معى واحد ، والكافر لشدّة رغبته فيها واستكثاره منها يأكل فى سبعة أمعاء ، فليس المراد حقيقة الأمعاء ، ولا خصوص الأكل ، وإنما المراد التقلل من الدنيا والاستكثار منها ، فعبّر عن الدنيا بالأكل ، وعن أسباب ذلك بالأمعاء. أو أن المعنى أن المؤمن يأكل الحلال ، والكافر يأكل الحرام.

والحلال أقل من الحرام في الوجود. أو أن الحديث يحتمل على الرغبة في الدنيا ، كما نقول فلان يأكل الدنيا أكلا ، بينما المؤمن لا يتناول منها إلا القليل ، ويستكثر منها الكافر. والحديث يحضّ على قلة الأكل إذا علمنا أن كثرة الأكل صفة الكافر ، والمؤمن يأنف أن يتصف بصفة للكافر ، كما يقول الله تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ) (محمد ١٢). غير أنه يوجد بين الكفّار من يأكل أقل ، وعكسه بين المؤمنين ، وكم من كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله. والحديث في مجمله : أن الإيمان قد غيّر هذا الرجل ، وكان في كفره يأكل في سبعة أمعاء ، فصار في إسلامه يأكل في جزء من سبعة أجزاء مما كان يكفيه وهو كافر. ومن شأن المؤمن التقلل من الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة ، ولعلمه أن مقصود الشرع من الأكل ما يسدّ الجوع ويمسك الرمق ويعين على العبادة ، بينما الكافر لا يقف مع مقصود الشرع بل هو تابع لشهوة نفسه ، فصار أكل المؤمن إذا قورن بأكل الكافر كأنه بقدر السبع منه. والمراد بالمؤمن في الحديث : التام الإيمان ، والذي يحسن إسلامه ويكمل إيمانه ، ويشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده ، فتمنعه شدة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته ، كما في الحديث : «من كثر تفكّره قلّ طعامه ، ومن قلّ تفكّره كثر طعامه وقسا قلبه» ، والحديث الآخر : «إن هذه الدنيا حلوة خضرة ، فمن أخذها بإشراق نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع» ، وعلى هذا فالمؤمن من يقتصد في مطعمه ، والكافر من شأن كفره الشره فيأكل بالنهم كما تأكل البهيمة ، ولا يأكل بالمصلحة لقيام البنية. والمؤمن يسمى الله عند طعامه وشرابه فلا يشركه الشيطان ، فيكفيه القليل ، والكافر لا يسمى فيشركه الشيطان. وفي الحديث عند مسلم : «إن الشيطان يستحق الطعام إن لم يذكر اسم الله تعالى عليه». والمؤمن يقل حرصه على الطعام فيبارك له فيه ، وفي مأكله ، فيشبع

١٠١٧

من القليل ، والكافر طامح البصر إلى المأكل كالأنعام ، فلا يشبعه القليل. وتفاوت الأمعاء حقيقة في التشريح ، وهي سبعة في الإنسان : المعدة ، ثم ثلاثة أمعاء متصلة بها هي البواب ، والصائم ، والرقيق ، وكلها أمعاء رقيقة أو دقيقة ، ثم الأمعاء الغليظة وهي ثلاثة أيضا : الأعور والقولون ، والمستقيم ، وكل ذلك سبعة. والمؤمن يشبعه ملء معي واحد. ويحتمل أن الأمعاء السبعة هي صفات سبع ، وهي : الحرص ، والشره ، وطول الأمل ، والطمع ، وسوء الطبع ، والحسد ، وحبّ السمن ، وكلها صفات للكافر ، بينما للمؤمن خلة ظاهرة هي الزهد في الدنيا. وربما كانت الأمعاء السبعة إشارة إلى الشهوات السبع الملازمة للطعام وهي : شهوة الطبع ، وشهوة النفس ، وشهوة العين ، وشهوة الفم ، وشهوة الأذن ، وشهوة الأنف ، وشهوة الجوع وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن ، وأما الكافر فيأكل بالجميع. أو أن الأمعاء السبعة كناية عن الحواس الخمس والشهوة والحاجة. وكما ترى أيها المسلم أن الحديث فيه فلسفة عظيمة وحكمة بالغة. وكان العقلاء في الجاهلية والإسلام يتمدحون بقلة الأكل ، ويذمّون بكثرة الأكل ، وعن حاتم الطائي قال :

فإنك إن أعطيت بطنك سؤله

وفرجك ، نالا منتهى الذم أجمعا

* * *

٢٠٨١ ـ كيف يستقبل المسلم طعامه؟

عن أبي هريرة قال : ما عاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم طعاما قطّ : إن اشتهاه أكله ، وإن كرهه تركه. ـ والطعام الذي لا يعاب هو الحلال ، فأما الحرام فيذمّ وينهى عنه. وقد يعاب الطعام من جهة الصنعة ولا يعاب من جهة الخلقة ، لأن ما خلق الله لا يعاب ، ويعاب ما صنع البشر. وربما كان التوقف عن الحكم أصحّ ، لأن العيب في صنعة الصانع يكسر قلبه ، ومن آداب الطعام أن لا يعاب. وترك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم للطعام المعيب يعني أن لا يقربه ولا يشتهيه ، ويسكت عنه فلا يذمّه ، وذلك من حسن الأدب ، فقد لا يشتهي المرء شيئا ويشتهيه غيره ، وكلّ مأذون في أكله من قبل الشرع ليس فيه عيب. والطعام لا يحلو إلا إذا أتاه المرء عن جوع ، ومن فلسفة الصيام التربوية أنه لتعويد الخلق على أن يجوعوا عن حق ، فإذا طعموا كانت للأكل حلاوة ولو كان صنعه معيبا.

* * *

٢٠٨٢ ـ كيف يبدأ المسلم طعامه؟

من آداب الطعام عند اليهود التسمية وهي ذكر الله في ابتداء الأكل ، ونقله عنهم النصارى. والمسلمون على التسمية ، فعن عائشة فيما أخرجه أبو داود والترمذي عن النبيّ

١٠١٨

صلى‌الله‌عليه‌وسلم قوله : «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم الله ، فإن نسى في أوله فليقل بسم الله في أوله وآخره». والمسلم على قوله : «بسم الله الرحمن الرحيم» ، فإن قال «بسم الله» كفاه ونهج على السنّة. وعند الغزالي أن المسلم الجيد هو من يقول بسم الله مع كل لقمة! ويستحب الغزالي للمسلم أن يقول مع اللقمة الأولى بسم الله ، ومع الثانية بسم الله الرحمن ، ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم! والغزالى مغال. وعن عمر بن أبى سلمة أنه لما كان غلاما أكل مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان من تربيته صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن قال له : «يا غلام : سمّ الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك» ، والمسلمون على وجوب التسمية والأكل باليمين ، ومما يلي الأكل. ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال ـ إلا إذا كان أعسر أي يستخدم الشمال دائما. وعن سلمة بن الأكوع فيما أورده مسلم : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأي رجلا يأكل بشماله فقال له : «كل بيمينك». ومضمون هذه الأحاديث : استحباب الأكل والشرب باليمين ، وكراهة ذلك بالشمال ، وكذلك كل أخذ وعطاء ، إلا في حالات العذر من مرض أو جراحة فلا كراهة. واليمين مباركة ، وشرّف الله أصحاب الجنّة ونسبهم إلى اليمين ، فقال : (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ) (٢٧) (الواقعة) ، وقال : (فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) (٩١) (الواقعة) ، ونسب أهل الكفر والعصيان إلى الشمال فقال : (وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ) (٤١) (الواقعة). ومن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق والسيرة الحسنة عند المسلمين ، اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال النظيفة. وعن عائشة رضى الله عنها قالت : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحبّ التيمن ما استطاع فى طهوره وتنعّله وترجّله ، وفي شأنه كله». ومن مشمولات اليمين أن يكون الأكل من جهة اليمين ، وتقديمه كذلك من على اليمين. والمسلمون الأوائل كانوا يأكلون على الموائد والسفر والأخونة. وقال أنس بإخراج البخارى : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يأكل على السفرة وهى المائدة ، وأصلها ما كان يتخذه المسافر لزاده.

* * *

٢٠٨٣ ـ كيف ينهى المسلم طعامه؟

إذا كان اليهود والنصارى يسمون الله على الطعام كالمسلمين ، فإن المسلمين ينفردون بحمد الله بعد الطعام ، وعن أبى أمامة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان إذا رفع مائدته قال : «الحمد لله كثيرا حمدا طيبا مباركا فيه ، غير مكفيّ ، ولا مودّع ، ولا مستغنى عنه ربّنا». وقال مرة : «الحمد لله الذي كفانا وأروانا ، غير مكفيّ ولا مكفور» ، وقال مرة : «لك الحمد ربّنا غير مكفيّ ولا مودّع ولا مستغنى ربّنا». وقوله «غير مكفيّ» يعنى غير مردود عليه إنعامه ، أو غير محتاج إلى أحد ، ولكنه الذى يكفي الآخرين ، أو أن غير مكفي أى غير مكافأ على نعمه. وللنسائي عن طريق عبد الرحمن بن جبير أن النبىّ كان إذا قرّب إليه طعامه يقول : «بسم الله» ، فإذا

١٠١٩

فرغ قال : «اللهم أطعمت ، وسقيت ، وأغنيت ، وأقنيت ، وهديت ، وأحييت ، فلك الحمد على ما أعطيت». وهذا تعليم لم يرد مثله في أي من أسفار اليهود الخمسة والأربعين ولا أسفار النصارى الواحد والعشرين ، ولم تتضمنه أية نصوص فرعونية ولا بابلية ولا آشورية. فالحمد لله على الإسلام ، وعلى القرآن ، وعلى نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٣ ـ الحجّ والعمرة

* * *

٢٠٨٤ ـ ما هى العمرة؟ وهل هى واجبة أم سنة؟

العمرة : فى اللغة : الزيارة ؛ وقيل إنها مشتقة من عمار المسجد الحرام. وقيل : إنها واجبة ، وقيل : إنها تطوّع ، وسئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هل العمرة واجبة؟ فقال : «لا ، وأن تعتمر خير لك» أخرجه الترمذى. غير أنه فى الآية : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (١٩٦) (البقرة) دليل على وجوب العمرة ، لأنه تعالى أمر باتمامها كما أمر بإتمام الحج. وقيل : الآية لا حجة فيها للوجوب ، لأنه تعالى قرنها فى وجوب الإتمام لا فى الابتداء ، فأمر أن يتم العمرة من بدأها ، ولم يأمر بابتدائها ، ولو حجّ عشر حجج ، أو اعتمر عشر عمر ، لزم الإتمام فى جميعها ، فالآية إذن لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء. ثم إن العمرة لو كانت كالحج لكان بها الوقوف بعرفة ، ولتساوت مع الحج فى أفعاله ، فعلمنا أن العمرة ليست كالحج. ومن الذين قالوا : إن العمرة واجبة وجوب الحج من استطاع إليه سبيلا : عمر بن الخطاب ، وعلىّ بن أبى طالب ، وابن عباس ، والشافعى ، ومسروق ، والشعبى ؛ وقال الثورى : سمعنا أنها واجبة ؛ وقال مالك : العمرة سنّة ، ولا نعلم أحدا أرخص فى تركها ؛ وقال أبو حنيفة : هى سنة ثابتة ؛ وقال ابن عمر : ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا ، فما زاد بعدهما فهو خير وتطوّع. وفى الحديث : «العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما» ، والمراد تكفير الصغائر دون الكبائر ، لأن التكفير عن الكبائر يكون باجتنابها ، والاجتناب عام لجميع العمر ، وأما العمرة فتكفيرها مقيّد بزمانها. وفى الحديث «تابعوا بين الحج والعمرة فإن متابعة بينهما تنفى الذنوب والفقر» ، وفي ذلك دلالة على استحباب الاستكثار من العمرة ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة ، وهى جائزة فى جميع الأيام لمن لم يكن متلبسا بأعمال الحج باجتنابها.

* * *

١٠٢٠

٢٠٨٥ ـ العمرة يفعل بها بعض ما يفعل بالحج

للمسلمين فى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسوة حسنة ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى عمرة طاف بالبيت سبعا ، وصلّى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة سبعا ، فإذا طاف المعتمر وسعى حلّ ، فهذه هى العمرة بخلاف الحج.

* * *

٢٠٨٦ ـ أجر العمرة على قدر النّصب والنفقة

يكثر الصواب فى العبادة بكثرة النّصب أو النفقة ، والمراد بالنصب الذى لا يذمه الشرع ، وكذا النفقة. والمعتمر الذى إذا طاف فخرج إلى بلده يجزئه من طواف الوداع.

* * *

٢٠٨٧ ـ كم اعتمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟

اعتمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أربعا : عمرة الحديبية فى ذى القعدة حيث صدّه المشركون فسمّيت أيضا عمرة الحصر ؛ وعمرة القضاء من العام المقبل فى ذى القعدة حيث صالحهم ؛ وعمرة الجعرانة فى ذى القعدة إذ قسم غنائم حنين ؛ والعمر الثلاث كانت قبل الحج ، والعمرة الأخيرة مع حجّته فى ذى القعدة. ولم يعتمر فى رجب ولا فى رمضان. وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فإن عمرة فى رمضان تعدل حجة» : المقصود به أن العمرة فى رمضان تعدل حجة فى الثواب ، لا أنها تقوم مقامها وتسقط الفرض ، فالعمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة.

* * *

٢٠٨٨ ـ ما يقول المعتمر إذا رجع من العمرة أو الحج؟

كلما أهلّ على مكان كبّر ثلاث تكبيرات ثم يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير. آئبون ، تائبون ، عابدون ، ساجدون ، لربّنا حامدون. صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده.

* * *

٢٠٨٩ ـ معنى الحج ووجوبه

الحجّ فى اللغة : القصد ، وفى الشرع : القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة. ويقال الحجّ والحجّ بالفتح والكسر ، وقيل بالفتح الاسم ، وبالكسر المصدر. والإسلام هو شرط صحة الحج ، وهو يجب على المكلّف المستطيع المميّز لقوله تعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) (٩٧) (آل عمران) ، واللام فى «لله» ، لام الإيجاب والإلزام ، أكدها بقوله «على» التى هى من أوكد ألفاظ الوجوب. وقيل وجوب الحج كل أربعة أعوام أو خمسة ، والملاحدة ينكرونه ، بدعوى أن تجرّد الحاج من

١٠٢١

الثياب محرما يخالف الحياء ، والسعى يناقض الوقار ، ورمى الجمار لغير مرمى يضاد العقل ، فصاروا إلى أن أفعال الحج باطلة وليست لها حكمة ولا علّة ، ونسوا أن المكلّف قد لا يرى فائدة من شرح تكليفه ، ويتعيّن على المكلّف أن يتمثّل التكليف ، ولهذا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يلبّى فيقول : «لبّيك حقا حقا ، تعبّدا ورقّا ، لبيك إله الحق» ، وفى الحديث : «أيها الناس ، قد فرض الله عليكم الحج فحجّوا». والصحيح أنه يكفى فى الحج مرة. وكان الحج معلوما عند العرب ، ويرغب فيه لأسواقها ، وجاء الإسلام وخاطبهم بما علموا ، وألزمهم بما عرفوا ، وحجّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل حجّ الفرض مرتين إجابة لنداء إبراهيم ، كقوله : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ) (٢٧) (الحج). وسورة الحج مكية ، والآية : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) نزلت عام أحد سنة ثلاث من الهجرة بالمدينة. ووقت الحج موسّع فيه ، وعلى التراخى لا على الفور ، والآية عامة لجميع الناس ، سواء كانوا ذكورا أو إناثا ، والجمهور على أن الصبى إذا حج ثم بلغ وجبت عليه حجة الإسلام. ولما سئل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما إذا كان الحج كل عام قال : «لا ، بل حجّة» ، يعنى واحدة تكفى ، وما يوجب الحج القدرة عليه ، وشقّاها الاستطاعة بالمال ، والاستطاعة بالنفس ـ أى القوة ، ويجوز للابن أن يحجّ عن أبيه المتوفى ، وكذلك البنت ، من باب التطوعات وإيصال البرّ والخيرات للأموات ، ومن مات ولم يحجّ فعلى ولده أن يحجّ عنه وإن لم يوص به أبواه ، ولم يرد بذلك شىء فى القرآن. ومن ترك الحج وهو قادر فحاله كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (١٠) (المنافقون) ، وفى تفسيرها قالوا : التعجيل بالحجّ أزكى وأحجّ. ومن تقاعس صدق عليه قوله : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) (٩٧) (آل عمران).

* * *

٢٠٩٠ ـ هل أمر إبراهيم أن يؤذن للناس بالحج ، أو كان الأمر للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟

قيل : الذى دعا الناس إلى الحج إبراهيم ، أمره به الله تعالى ، كقوله : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (٢٧) (الحج). وقيل : أذّن إبراهيم على جبل أبى قبيس قال : يا أيها الناس ، إن الله أمركم بالحج إلى هذا البيت فحجّوا». وقيل : بل الخطاب فى الآية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو الصحيح ، لأن القرآن أنزل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكل ما فيه من المخاطبة فهى له ، وسياق الآية خطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وللمسلمين ، ووعده تعالى فيه بإجابة الناس إلى حجّ البيت ما بين راجل وراكب.

* * *

١٠٢٢

٢٠٩١ ـ الحج أشهر معلومات

لما قرن الله تعالى الحج بالعمرة فى الآية : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (١٩٦) (البقرة) ، بيّن اختلافهما فى الوقت ، فجميع السنة وقت للإحرام بالعمرة ، وأما الحج فيقع فى السنة مرة فى أشهر بعينها : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) (١٩٧) (البقرة) ، ولم يسمّها الله تعالى فى كتابه لأنها معلومة عند العرب ، وأشهر الحج هى : شوال ، وذو القعدة ، وعشرة من ذى الحجة ، أو ذو الحجة كله ، يعنى أن من أراد الحج لا يحرم إلا فى هذه الشهور ، فمن أحرم قبلها لم يجزه وتكون نافلة ، بشرط أن يدرك الوقوف بعرفة فى اليوم التاسع من ذى الحجة حتى غروب الشمس ، فمن أدرك عرفة فى شىء من هذا الوقت فقد تمّ حجّه.

* * *

٢٠٩٢ ـ مستحبات وواجبات الإحرام

يقال «أحرم الرجل» أى دخل فى الحرم ، أو البلد الحرام ، أو فى الشهر الحرام ؛ وأحرم بالصلاة : أي دخل فيها. والإحرام للحج يتحقق بالنيّة ، والتلبية ، ولبس ثوبي الإحرام. والإحرام واحد سواء فى العمرة ، أو فى الحج ، وله مستحبات وواجبات ؛ ومن مستحباته : أن ينظّف المحرم نفسه من الوسخ ، ويزيل الشعر عنه ، فينتف الإبط ، ويحلق العانة ، ويقلّم أظافره ، ويأخذ من شاربه ، ويغتسل ، ويتطيّب ، ويوفر شعر رأسه ، ويخلع الثياب المخيطة ويلبس إزارا ورداء ، ويستحب أن يكونا أبيضين ويطيّبهما ، والأولى أن يحرم عقب صلاة الظهر أو أية فريضة أخرى ، وإلا صلى ست ركعات للإحرام ، اثنتين اثنتين كصلاة الصبح ، أو يصلى أربعا ، أو اثنتين على الأقل. ويستحب للمرأة ما يستحب للرجل ، والشابة مثل الكبيرة فى ذلك. ومن واجبات الإحرام : (١) ـ النية : فإن لبّى المحرم أو ساق الهدى من غير نية ، لم ينعقد إحرامه ، ويستحب له أن ينطق بما أحرم فيقول : اللهم إنى أريد العمرة فيسّرها لى وتقبّلها منى ، ومحلّى حيث تحبسنى ، أو يقول : اللهم إنى أريد الحج ، إن كان مفردا ؛ أو يقول : اللهم إنى أريد العمرة والحج ، إن كان قارنا. وإن أطلق نية الإحرام ولم يعين حجا ولا عمرة صحّ وصار محرما ، ثم يصرفه من بعد إلى أىّ من أنواع النّسك شاء ، والأولى صرفه إلى العمرة. ولكل من العمرة والحج إحرام مستقل ، ونية مستقلة ، ففي «التمتع» : يهلّ المحرم بعمرة مفردة من الميقات ، فإذا فرغ منها أحرم بالحج ؛ وفى «الإفراد» يهلّ بالحج منفردا ؛ وفى «القران» يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف ؛ (٢) ـ التلبية : وصيغتها : لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ؛ وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يلبّى بها ؛ ويبتدأ الحاج بالتلبية الرباعية هذه عند الإحرام ، ويستمر بها إلى رمى جمرة العقبة ، ويقطعها إذا شاهد مكة. وقيل توجب

١٠٢٣

الإحرام ثلاثة أشياء : التلبية ، والإشعار للإبل ، والتقليد لغيرها من الهدى ؛ (٣) ـ اللباس : وهو للمحرم ثوبان ، يأتزر بأحدهما ويستتر به من سرّته إلى ركبته ، ويرتدى الآخر على ظهره وصدره وكتفيه. ويشترط فى اللباس الطهارة ، وأن لا يكون من الحرير أو الجلد ، ولا يجوز للمحرم أن يغطى رأسه ووجهه ، على عكس المرأة فلها أن تغطى رأسها وأن تكشف وجهها ، وعليها ألّا تلبس القفاز ، ولها أن تلبس المخيط ، والحرير ، والخمر ، والخفاف ، ويكره لها لبس الأساور وغيرها من الحلى.

* * *

٢٠٩٣ ـ متروكات الإحرام

يجب على المحرم أن يترك الأشياء التالية : (١) ـ صيد البر ، لقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) (٩٥) (المائدة) ، وقوله : (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً) (٩٦) (المائدة). ولا يحل الصيد ، فى الحلّ ولا فى الحرم. ويجوز للمحرم أن يقتل المؤذيات : كالحية ، والعقرب ، والفأرة ، والذئب ، والكلب العقور إلخ ، وكذلك الهوام كالقمل ، والبق ، والبراغيث ولا فدية عليه. ومن اصطاد شيئا فعليه الفداء أو الكفّارة ، لقوله تعالى : (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً) (٩٥) (المائدة) ؛ (٢) ـ النكاح : فلا ينكح المحرم ، ولا ينكح ، ولا يخطب ، ولا يشهد النكاح ، وإن نكح فنكاحه باطل ، ويجوز له أن يطلّق. وإن جامع المحرم زوجته ـ فإن كان جاهلا فلا شىء عليه ، وإن لم يكن جاهلا فعليه بدنة ، ويفرّق بينهما حتى يقضيا المناسك ، وعليهما قضاء الحج من قابل. وإن قبّل ولامس إلى أن أنزل وهو محرم فعليهما الكفّارة مثل ما على الذى يجامع ، ومن قبّل امرأته على شهوة وهو محرم فعليه شاة ، وإن أمنى فعليه جزور ويستغفر ربّه ؛ (٣) ـ التطيّب والخضاب وغيرهما : فلا يجوز للمحرم أن يتطيّب ، فإن فعل فعليه فدية. والخضاب ، والاكتحال مكروهان ، وإن قلّم أظافره متعمدا ، أو أزال شعره ، أو نتف ، فعليه فدية ؛ (٤) ـ قلع الأشجار : فلا يجوز له أن يقلع شجرا أو نباتا أو خضرة ، وكفارة الشجرة الكبيرة بقرة ، والصغيرة شاة ؛ (٥) ـ النظر فى المرآة وخلافه : فلا يجوز له أن ينظر فى المرآة ، ولا أن يلبس الخاتم ، ولا يحمل السلاح ، ولا يجادل ، لقوله تعالى : (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ) (١٩٨) (البقرة).

* * *

٢٠٩٤ ـ الشروع فى الحجّ بالنية

في قوله تعالى : (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَ) (١٩٧) (البقرة) ، أى فى أشهر الحج ،

١٠٢٤

والفرض : هو أن يلزم المسلم نفسه بالشروع في الحج بالنية قصدا باطنا ، وبالإحرام فعلا ظاهرا ، وبالتلبية نطقا مسموعا.

* * *

٢٠٩٥ ـ الحجّ والعمرة لله

قولنا : الحجّ والعمرة لله : يعنى أنهما ليسا لشخص أو اعتقاد غير الله ، والإيمان به : واحدا ، أحدا ، لا شريك له. والنية في الحج والعمرة هي إظهار العبادة لله تعالى لا لغيره ، وذلك معنى : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (١٩٦) (البقرة) ، أي لا تكون التلبية إلا له تعالى ، نقول : «لبيك اللهم لبيك ، لبيك بحج وعمرة».

* * *

٢٠٩٦ ـ منافع الحج

للحج منافع بقوله تعالى : (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (٢٩) (الحج) ، ومنافع الحجّ : هى كل ما يرضى الله من أمور الدنيا والآخرة ؛ فمن أمور الدنيا : التجارة ، ومن أمور الآخرة : المناسك ، كعرفات ، والمشعر الحرام ، وطلب المغفرة. ودليل التجارة قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) (١٩٨) (البقرة) ، والفضل هو التجارة. ومن منافع المناسك : ذكر اسم الله ، عند التسمية ، بقولنا : «بسم الله ، والله أكبر» ، وقولنا : «اللهم منك ولك» ، وشكره على ما رزقنا من الأنعام والمطاعم. ومن المنافع : الوفاء بالنذور إن كان دما أو هديا أو غيره ، وإطعام البائس الفقير ، والطواف بالبيت العتيق ، وقضاء التفث : أى التمكين من أداء ما بقى من المناسك ، من الرمى ، والحلق ، والتقصير ، وقصّ الأظافر والشارب والإبط.

* * *

٢٠٩٧ ـ التقوى خير الزاد فى الحج

كان بعض الناس يخرجون للحج دون مال ، ويقولون : نحن المتوكلون ، فإذا قدموا مكة افترشوا الحرم ، وسألوا الناس ، فنزلت الآية : (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) (١٩٧) (البقرة) ، أى تزوّدوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم فى ذلك. والتوكل لا يكون مع السؤال ، وإنما التوكل المحمود أن لا يستعين المتوكل بأحد فى شىء ؛ وهو قطع النظر عن الأسباب بعد تهيئة الأسباب ، وفى الحديث : «اعقلها وتوكل». ولا يلزم الحج لو بذل غيره المال ، ومن يعمل فى الحج ليكسب ما يعينه عليه استحب له الحج ، وتكلفة الحج شرطها أن تكون مما يفضل عمّا يحتاج إليه لنفسه ولنفقة عياله أثناء غيابه ، وما يفضل عن قضاء دينه سواء كان الدين للناس أو لله لزكاة فى ذمته.

* * *

١٠٢٥

٢٠٩٨ ـ لا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج

الرفث : هو الجماع ، أو هو الإفحاش بذكر النساء ، أو ما يقال بحضرتهن ونهى الله تعالى عن إتيانه وإتيان مثله ـ الفسوق والجدل ، فقال : (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ) (١٩٧) (البقرة) ، فهذه ثلاثة نواه غير مأذون بها في الحجّ. والرفث : كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله ، وهو أيضا اللّغو فى الكلام ؛ والفسوق : هو جميع المعاصى ؛ وفى الحديث : «من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» أخرجه البخارى ؛ والجدال : من المجادلة ، وهى المماراة والسباب والاختلاف. وظاهر الآية أن الحج يغفر الصغائر والتبعات.

* * *

٢٠٩٩ ـ شعائر الله هى الدين كله

الشعائر جمع شعيرة ، على وزن فعيلة ، ويقال للواحدة شعارة أيضا ، والشعائر : هى كل شىء أشعر به فأعلم عنه ، ومن ذلك قولنا : شعار القوم فى الحرب ، أى علامتهم ؛ ومنه شعار البدنة ، وهو الطعن فى جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة ، فتسمى البدنة : شعيرة ، بمعنى المشعورة. وشعائر الله : هى أعلام دينه ، وفى الآية : (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (٣٢) (الحج) ، وتعظيمها بتقديرها وإعطائها حقّها من التبجيل والاهتمام ، فالبدن مثلا تسمّى للذبح ويغالى في الاعتناء بها. وفى الآية : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ) (١٥٨) (البقرة) أى من المناسك ، وعن عائشة قالت : سنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الطواف بين الصفا والمروة ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما». والشعائر المتعبّدات ، أشعرها الله وجعلها أعلاما للناس ، كالموقف ، والسعى ، والنحر : (وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ) (٣٦) (الحج) ، والبدن واحدتها بدنة ، مأخوذة من البدانة وهى الضخامة تكون فى الإبل وفى البقر. والبدنة تهدى ، وإشعارها أن يجزّ السنام إذا كانت من الإبل حتى يسيل منه الدم فيعلم أنها هدى. والإشعار هو الإعلام من طريق الإحساس ، يقال أشعر هديه ، أى جعل له علامة ليعرف أنه هدى ، ومنه المشاعر أى المعالم ، واحدها مشعر ، كقوله تعالى : (فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) (١٩٨) (البقرة) ، وهو «المشعر» لأنه يشعر بالحج ، وعنده يصلون ويدعون ، ويسمى أيضا «الجمع» ، لأنه يجمع فيه بين المغرب والعشاء ، وهو «المزدلفة» لأن العبد فيه يزدلف إلى الله ، أى يتقرّب إليه ، ووصف بالحرام لحرمته ، ومن ذلك «شعائر الله» ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ) (٢) (المائدة) ، والخطاب للمؤمنين ، يأمرهم أن لا يتعدوا حدوده ، والحدود هى جميع مناسك الحج : الصفا والمروة ، والهدى والبدن ، وكلها من الشعائر ، وقيل : «شعائر الله» هى كل أوامره تعالى ونواهيه ، وهى الدين كله ، وهذا هو القول الراجح.

* * *

١٠٢٦

٢١٠٠ ـ مناسك الحج عند كل الأمم

مناسك الحج : وهى التى يتردد الناس إليها كالوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعى ، كقوله تعالى : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً) (٣٤) (الحج) ، أى مذهبا فى طاعة الله ، يقال نسك نسك قومه إذا سلك مذهبهم. والمنسك التضحية ، كقوله : (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ) (٣٤) (الحج) أى على ذبح الأضحية ، فأمر تعالى عند الذبح بذكره ، وأن يكون الذبح له ، لأنه رازق ذلك ، فذلك هو المنسك ، وقال : (فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا) (٣٤) (الحج) ، يعنى مثلما أنه إله واحد للجميع ، فكذلك الذبح عند كل الأمم لله وحده ، ولوجهه وإنعامه يكون إسلامهم جميعا ، فذلك قوله إن مناسك الحج عند كل الأمم ، وهى عندهم جميعا لله وحده وإن انحرف البعض بها.

* * *

٢١٠١ ـ مواقيت الحج ولباس المحرم

وقّت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأهل المدينة «ذا الحليفة» ، ولأهل الشام «الجحفة» ، ولأهل نجد «قرن المنازل» ، ولأهل اليمن «يلملم» ، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، حتى أهل مكة. وهذه الأسماء السابقة هى مواقيت الحج ، والمواضع التى يكون منها الإحرام بالنسبة لمختلف الأقوام ، والتوقيت والتأقيت : أى يجعل له وقتا يختص به ، ويوقّت الشيء : يبيّن مدّته ، ثم اتسع المعنى فقيل للموضع ميقات : ويكون الإحرام من الميقات ، ويستحب للمحرم أن يغتسل قبله ، رجلا كان او امرأة ، وله أن يتنظّف ، ويقصّ الشارب ، ويقلّم الأظافر ، ويحلق العانة ، وينتف الإبط ، ويخلع الثياب المخيطة ، ويلبس إزارا ورداء أبيضين نظيفين ، ويتطيّب فى بدنه ، ويحرم عقب صلاة مفروضة. ويلبس نعلين ، والخفّ للمرأة ، ولا يغطى رأسه ، ولا تلبس المحرمة القفازين والسراويل ، ولا تتبرقع ، ولا تلثّم ، وتلبس ما شاءت من الثياب ، من خزّها وبزّها ، وأصباغها وحليها ، وتلبس المخيط كله ، ولها أن تغطى رأسها وتستر شعرها إلا وجهها ، ولا تخمّره ، ولها أن تسدل ثوبها سدلا خفيفا على وجهها تستتر به عن نظر الرجال.

* * *

٢١٠٢ ـ الإهلال والتلبية

التلبية : هى رفع الصوت بالتهليل ، ومن يفعله فهو مهلّ ، من الهلال ، وكانوا يهلّونه ، أى يحيونه لدى رؤيته. وإهلال المحرم : بالحجّ والعمرة ؛ والتلبية : إجابة لقوله تعالى : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ) (٢٧) (الحج) ، وكانت تلبية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لبّيك اللهم لبّيك. لبّيك لا شريك لك لبّيك. إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك». وقوله «لبّيك» : يعنى اتجاهى وقصدى إليك ، مأخوذ من قولهم : دارى تلبّ دارك ـ أى تواجهها ؛ أو أن المعنى

١٠٢٧

محبتى لك ، مأخوذ من قولهم : امرأة لبّة ، أى محبّة ؛ أو أن المعنى إخلاصى لك ، من قولهم حبّ لباب ، أى خالص ؛ أو معناه الإقامة على الطاعة ، من قولهم : لبّ الرجل بالمكان إذا أقام فيه ؛ أو معناه قربا منك ، من الإلباب وهو القرب. ومن دعى فقال «لبيك» فقد استجاب. وكان عمر يهلّ بتلبية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويزيد : «لبيك اللهم لبيك وسعديك» ، والخير فى يديك ، والرغباء إليك والعمل» ، ويقول : «لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك ذا النعماء والفضل الحسن». ويستحب استدامة التلبية والإكثار منها ، وإذا فرغ المحرم من التلبية يصلى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويدعو بما يحب من خير الدنيا والآخرة. ولا بأس أن يلبّى غير المحرم.

* * *

٢١٠٣ ـ الإفراد والتمتع والقران فى الحج

الإفراد ، والتمتّع ، والقران في الحجّ ، كل ذلك جائز بالإجماع وباركه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم ينكره على أحد من أصحابه ، وأجازه لهم ، فإذا كان قد اختار لنفسه «الإفراد» ، فلأن الإفراد أفضل من القران ، والقران أفضل من التمتّع. وفى الحديث عن عائشة أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من أراد منكم أن يهلّ بحج وعمرة فليفعل ، ومن أراد أن يهل بحج فليهل ، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليهل» وأهلّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بحجّ ، وأهلّ ناس بالعمرة والحج ، وأهلّ ناس بالعمرة. وأهلّت عائشة بالعمرة ، وقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وأما أنا فأهلّ بالحج» ، والحديث حجّة من قال بفضل الإفراد. واحتج من فضّل التمتع بآية متعة الحج ، تقول : (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ) (١٩٦) (البقرة) ، ولم تنسخها آية أخرى ، ولم ينه عنها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى مات ، ومع ذلك نهى عمر وعثمان عن التمتّع لينتجع البيت مرتين ـ أى ليأتيه الزوار مرتين فى السنة ، ولأنهما رأيا الناس مالوا إلى التمتّع ليسارته وخفّته ، فخشيا أن يضيع الإفراد والقران. وفضّلت جماعة القران ، لأن فيه الفرضين ، وقالوا إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرن ولبىّ بعمرة ، وبعمرة وحجة ؛ وقيل إنه كذلك أفرد ، لأن الإفراد أكثر عملا ، وفيه عمرة وحجّ ، والاثنان طاعة والأكثر طاعة هو الأفضل ، والمفرد أكثر تعبا من المتمتّع ، لإقامته على الإحرام ، وذلك أعظم لثوابه. والخلاصة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رآه بعضهم تمتّع ، ثم أهل بحجة ، ورآه آخرون أفرد ثم قال «لبيك بحجة وعمرة» ، ومن ثم اتّفقت الأحاديث ، وربما أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم جمع فى هذه الحجة بالحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها. وإنما كل ذلك جائز بالإجماع.

* * *

٢١٠٤ ـ المتمتع بالعمرة إلى الحجّ

فى الآية : (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (١٩٦) (البقرة) : أن التمتّع بالعمرة يكون إلى الحج ، وله ثمانية شروط : ١ ـ أن يحرم الرجل بعمرة فى أشهر الحج ؛

١٠٢٨

٢ ـ وأن يكون من غير أهل مكة ؛ ٣ ـ وأن يقدم مكة فيفرغ من العمرة ثم يقيم بها حلالا ـ أى غير محرم ، إلى أن يأتى موعد الحج فى عامه ؛ ٤ ـ وأن يؤدّى الحج فيكون قد أدّى العمرة والحج ؛ ٥ ـ وأن يكون ذلك فى سفر واحد ؛ ٦ ـ وفى عام واحد ؛ ٧ ـ وفى أشهر الحج ؛ وألا يمزجهما ـ أى الحج والعمرة ـ بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة ؛ ٨ ـ وأن تكون العمرة والحج عن شخص واحد.

* * *

٢١٠٥ ـ القران فى الحج

هو أن يجمع المقرن بين العمرة والحج فى إحرام واحد ، فيهلّ بهما جميعا فى أشهر الحج أو فى غيرها ، يقول : «لبّيك اللهم بحجة وعمرة معا» ، فإذا قدم مكة طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا ، وسعى سعيا واحدا ، وفى حديث عائشة تقول : وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا ؛ وفى حديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لها يوم النفر ـ أى الانصراف من منى : «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» ، أو قال : «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجّك وعمرتك». والقران على ذلك من باب التمتع ، لأن القارن يتمتع بترك النّصب فى السفر إلى العمرة مرة ، وإلى الحج مرة أخرى ، ويتمتع بجمعهما ، ولم يحرم لكل واحدة من ميقاته ، وضمّ الحج إلى العمرة ، فدخل تحت قول الله تعالى : (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (١٩٦) (البقرة) ، وهذا وجه من التمتّع لا خلاف فيه ، ولذلك كان القران لغير أهل مكة ممن يسمّون فى المصطلح الإسلامى : أهل الآفاق ، كقوله تعالى : (ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) (البقرة ١٩٦) ، وقيل إنه لم يوجد مكّى قرن ، ولا يجوز للمقرن الجمع بين العمرة والحج إلا بسياق الهدى.

* * *

٢١٠٦ ـ متعة الحج

هى النوع الثالث من الحجّ ، حيث الأول «الإفراد» ، والثانى «القران» ، والثالث «التمتّع» : وهو أن يحرم الرجل بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجّه فى عمرة ، ثم حلّ وأقام حلالا حتى يهلّ بالحج يوم التروية ـ أى اليوم الثامن من ذى الحجة. وقد أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصحابه ممن لم يكن معه هدى ، ولم يسقه ، وقد كان أحرم بالحج ، أن يجعلها عمرة. وقد أعمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عائشة فى ذى الحجة ليقطع أمر أهل الشرك الذين كانوا يحرّمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة ، وبذلك نقض قولهم ، وأراهم أن العمرة فى أشهر الحج لا بأس بها. ولم يكن ذلك لأصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا لعائشة خصوصا لعامهم ذاك ، ولكنه للناس ، ولأبد الأبد.

* * *

١٠٢٩

٢١٠٧ ـ من قلّد الهدى ونوى الإحرام صار محرما

هذا صحيح ، فإنّ من يقلّد الهدى وينوى الإحرام يصير محرما ، بدليل الآية : (لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) (٢) (المائدة) ، فهذه الأحكام معطوف بعضها على بعض وتوجب إتمام أمور المناسك ، ولهذا قالوا : من دخل فى الحج ثم أفسده ، فعليه أن يعيد جميع أفعال الحج ولا يجوز أن يترك منها شيئا.

* * *

٢١٠٨ ـ لا قتل للصيد فى الإحرام

القتل : هو كل فعل تزهق به روح ، وهو أنواع ، منه الذبح ، والنحر ، والخنق ، والرضخ وأشباه ذلك ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) (٩٥) (المائدة) ، والخطاب فى الآية لكل مسلم ومسلمة ، فلا يجوز فى الإسلام ذبح المحرم للصيد ، لنهيه تعالى المحرم عن قتله ، فقال : «لا تقتلوا الصيد» ، فلا يحلّ له أكله ، ولفظ الصيد عام فى كل صيد برّى وبحرى ، حتى جاء قوله تعالى : (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً) (٩٦) (المائدة) ، فأباح صيد البحر إباحة مطلقة بقوله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ) (٩٦) (المائدة). وفى الحديث : «خمس من الدواب ليس على المحرم فى قتلهن جناح : الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور» ، أي أن هذه لأنها مؤذية لا يحرم قتلها للمحرم ، وأما غير ذلك فهو حرام. والجزاء على الصيد يجب بقتله ، والصيد نوعان : دواب وطير ، ويجزى من الدواب نظيره فى الخلقة والصورة ، ففي النعامة بدنة ، وفى حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة ، وفى الظبى شاة ، وفى الحمام كله قيمته ، إلا حمام مكة ففي الحمامة شاة ، وكذلك حمام الحرم ، ويقوّم الصيد مالا فى المكان الذى قتل فيه ، فإن كان لا يباع الصيد فى ذلك الموضع فيشترى بالقيمة هديا إن شاء ، أو طعاما للمساكين : (فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً) (المائدة ٩٥) ، ويلزم لتقدير القيمة حكمان ذوا عدل ، وتكون على الجماعة المشتركة فى قتل صيد واحد كفّارة واحدة يشتركون فيها ، كأن يكون هديا ، أو كفارة طعام لمن لم يجد الهدى ، وإن لم يجد فيصوم عدل ذلك بحيث لا يتجاوز الجزاء الشهرين.

* * *

٢١٠٩ ـ البيت الحرام هو الكعبة

يأتى ذلك فى الآية : (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ) (٩٧) (المائدة) ، والبيت حرام لأنه لا يقتل فيه ، ولا يستبى ، ولا يغار عليه ، ولا تقام فيه الحدود. والبيت الحرام : هو

١٠٣٠

ما حول الكعبة من الحرم ؛ وقيل : هو مكة كلها. ومعنى : قيام البيت ، أنه أقيم ليخشع الناس لرؤيته ، وتعظم فى نفوسهم وقلوبهم هيبته ، فيكون لهم أمنا وأمانا ، ولأنه يقوم بحياتهم ومماتهم ، ويلجئون إليه فيعصمهم ربّه ، كقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) (٦٧) (العنكبوت) ، يقارن بين الأمن فى الحرم والأمن خارجه ، ويقول : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (١٢٥) (البقرة) ، والمثابة هى رجوع الناس إلى زيارة البيت المرة تلو الأخرى ، ويعرفون أنهم به آمنوا ، وأنه مكان صلواتهم ؛ وقوله : (وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (١٢٥) (البقرة) ، لأنهما استنّا تطهيره ، يعنى أن يمتنع فيه الرجس والرفث ، وظل قائما مطهّرا إلى أن أدخلت الأصنام فيه حتى زحمته ، وقبل ذلك ناسبت طهارته منذ عهد إبراهيم وإسماعيل ، الطائفين الأغراب ، والعاكفين المقيمين ، والمصلّين من الركّع السجود ، وصار التقليد بعد إبراهيم أن يطهّر البيت من حين لآخر ، وفعل ذلك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان من بناة البيت مثل إبراهيم وإسماعيل. والقول بأن الملائكة هى التى بنت البيت ، أو الذى بناه هو آدم أو شيث ، هو قول غريب لا يعتدّ به ، وروّج له أهل الكتاب فيما يسمى بالإسرائيليات. وفى عهد إبراهيم وإسماعيل صار البيت مثابة للناس وأمنا ، وهذه ميزة للبيت الحرام على بيت المقدس ، فكل من استعاذ بالبيت الحرام وتعوّذ به ، أى التجأ إليه واعتصم ، أعاذه الله ، فهو آمن ، وأهله ـ أى سكان مكة ، آمنون به ومرزوقون ، وهو معنى دعاء إبراهيم : (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ) (١٢٦) (البقرة). وإبراهيم وإسماعيل هما اللذان رفعا قواعد البيت ، أى أظهراه وأطالا جدرانه ، كقوله : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (١٢٧) (البقرة) ، والقواعد هى الأساس ، وبناؤهما للبيت من الأساس من أعمالهما الصالحة ، وسألا الله أن يتقبّله منهما ، وكان قبلهما لا يوجد بيت ، بل مجرد ربوة (تلة) حمراء مدرة (طينية) ، بواد غير ذى زرع. ولمّا حدّدته قريش بعد إبراهيم اقتصرت على قواعد إبراهيم ، ولو لا أن قريشا كانت حديثة العهد بالإسلام ـ وربما ترفض الإنفاق على تجديد البيت ـ لأعاد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بناءه ، ولردّه إلى قواعد إبراهيم وأدخل به الحجر. وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الخامسة والثلاثين عند ما جدّدت قريش البيت أول مرة قبل الإسلام ، وتجزّأت العمل فى البناء قبائل : عبد مناف ، وزهرة ، وبنو مخزوم ، وبنو جمح ، وسهم ، وبنو عبد الدار ؛ وبنو أسد ، وبنو عدىّ بن كعب. وبدأ عملية الهدم «الوليد بن المغيرة» ، وكان الناس يهابون أن يشتركوا معه لقداسة البيت ، فلما رأوا الوليد سليما بعد يوم من الهدم تابعوه عليه ، إلى أن انتهوا إلى أساس إبراهيم ، ثم شرعوا فى البناء إلى أن بلغوا موضع الركن ـ

١٠٣١

أى الحجر الأسود ، وعندئذ اختصموا ، فكانت كل قبيلة تريد أن يكون لها دون غيرها رفع الحجر إلى موضعه ، وتحالف بنو عبد الدار وبنو عدىّ بن كعب ، وقرّبوا جفنة مملوءة دما ، أدخلوا أيديهم فيها ، فسمّوا «لعقة الدم» ، وأقسموا أن يحظوا لأنفسهم بهذا الشرف ، واحتدم الخلاف لمدة أربعة أو خمسة أيام ، ثم اجتمعت القبائل كلها فى الحرم يتشاورون ، واتفقوا أن أول من يدخل من باب البيت الحرام يقضى بينهم ، فكان ذلك الداخل هو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاقترح عليهم ثوبا ، فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه بيده ، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا. ففعلوا ، حتى إذا بلغوا موضعه ، وضعه بيده ثم بنى عليه. وفى الآية : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ) (٩٦) (آل عمران) ، و «بكة» اسم سريانى بمعنى المدينة ، ومن ذلك «بعلبك» فى لبنان وهى «مدينة بعل» ، والعرب تجعل بكة من أسماء مكة ، ومعنى الاسم كما قالوا. أنها تبكّ أعناق الظلمة والجبابرة ، يعنى أنهم يذلّون بها ويخضعون ؛ أو أنها بكة لأن الناس تبكّ فيها ، أى تزدحم فى موسم الحج. وقيل بكة هى موضع البيت ، وما سوى ذلك مكة ، وللبيت أسماء عدة ، منها «البيت المعمور» (الطور ٤) ، «والبيت الحرام» (المائدة ٩٧) ، «والبيت المحرّم» (إبراهيم ٣٧) ، والأول : قيل بيت فى السماء تعمره الملائكة ، غير أن سياق السورة لا يوحى بذلك ، فقبل ذلك يأتى عن «جبل الطور» الذى كلّم الله عنده موسى ، وعن «الكتاب المسطور والمنشور فى الرّق» ، وهو «كتاب القرآن» ، أى «المصحف» ، والطور والمصحف من العينيات التى مكانها الأرض وليس السماء ، ومن ثم كان «البيت المعمور» هو أيضا اسم من أسماء البيت الحرام الذى نعرفه ونعاينه على الأرض ، وهو «معمور» بالناس يحجّون إليه من كل مكان ، والمقصود به الكعبة ؛ وهو أيضا «المسجد المحرّم» ، و «المسجد الحرام» ، حرّم الله فيه ارتكاب المعاصى ، سواء للعاكف ، يعنى من أهل مكة ، أو البادى ، أى من غير أهل مكة ، ومن يرد فيه بإلحاد بظلم يذيقه الله أشدّ العذاب (الحج ٢٥) ، بمجرد أن يهمّ فيه بارتكاب المعصية عن قصد أو عن شرك ، أو أن تستحل فيه الحرمات. وقوله : (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ) (٢) (المائدة) ، الآمّون هم المتّجهون إلى بيت الله الحرام الذى من دخله كان آمنا ، وكذلك من قصده طالبا فضل الله وراغبا فى رضوانه ، فلا يمنع ولا يصدّ. وفى البيت الحرام لا يؤتى الظلم ، ولا القتل ، ولا يلحد فيه ، ولا ينكر الله. وهذا البيت المقدور له أن يكون معمورا أبد الآبدين ، أرشد الله إليه إبراهيم. وقوله تعالى (بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ) (الحج) استدل بها البعض على أن «إبراهيم أول من بنى البيت». ومن أسمائه أنه (الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج ٣٣) ، أى القديم الموغل فى القدم ، قيل : إنه أول بيت بنى لله فى العالم أجمع. وفى قوله : (لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (٢٦) (الحج) قرن الطواف بالصلاة فى البيت ولا يقترنان إلا فيه.

* * *

١٠٣٢

٢١١٠ ـ كانت كسوة الكعبة فى عاشوراء

فى حديث لعائشة قالت : «كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان ، وكان يوما تستر فيه الكعبة» أخرجه البخارى ، ويستفاد من الحديث أن الكعبة كانت تكسى فى الجاهلية من كل سنة يوم عاشوراء (اليوم العاشر من شهر المحرم) ، ثم صارت تكسى فى الإسلام يوم النحر فى ذى القعدة ، فيعلقون كسوتها إلى نحو نصفها ، ثم صاروا يقطّعون الكسوة كهيئة المحرم ، فإذا حلّ الناس يوم النحر كسوها الكسوة الجديدة ، وقيل : أول ما كسيت الكعبة كان بالوصائل ، جمع وصيلة ، وهى ما يوصل بها الشيء ، وهى أقمشة حبرة خضراء مخططة يمانية ، والذى كساها هو أسعد ، وهو نفسه تبّع ؛ وقيل : هو إسماعيل بن إبراهيم ؛ وقيل : عدنان بن أد أول من كساها ووضع أنصاب الحرم ، ثم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كساها الثياب اليمانية ، ثم عمر وعثمان كسياها القباطى ، ثم الحجّاج بأمر عبد الملك كساها الديباج. وقيل : أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير ، وقيل : يزيد بن معاوية ؛ وقيل : نتيلة بنت جناب والدة العباس بن عبد المطلب ؛ وقيل : معاوية بن أبى سفيان ؛ وقيل : كانت تكسى بالديباج يوم عاشوراء ، وبالقباطى فى آخر رمضان ؛ وقيل : أول من كساها خالد بن الوليد ؛ وقيل المأمون بن الرشيد ؛ وكسيت أيام الفاطميين الأبيض إلخ.

* * *

٢١١١ ـ الكعبة قيام للناس

فى الآية : (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ) (٩٧) (المائدة) ، كأنه يقول : إن الكعبة ما دامت موجودة فالدين قائم. وفى الحديث : «لا تقوم الساعة حتى لا يحجّ البيت» أخرجه البخارى وأحمد والحاكم ، يعنى : أن من أشراط الساعة أن البيت يتوقف الناس عن الحج إليه. (أنظر عن الكعبة فى باب الإيمان ضمن أحاديث الزمان).

* * *

٢١١٢ ـ البيت العتيق

البيت العتيق هو البيت الحرام بمكة ، كقوله تعالى : (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (٢٩) (الحج) ، والعتيق هو القديم ، تقول عتق السيف أى قدم ، وفى الحديث : «إنه أول مسجد وضع فى الأرض» أخرجه مسلم ، وهذا هو الصحيح. وقيل : هو عتيق ، لأن الله أعتقه أن يتسلط عليه جبّار من النصارى أو اليهود ؛ وأما الزعم بأن الحجّاج بن يوسف الثقفى نصب المنجنيق على الكعبة حتى كسرها ، فإن الحجّاج كان مسلما ، والمسلم منهىّ أن يلحق الأذى بالبيت أو يظهر فيه الفساد ، ومع ذلك فإن النهى والوعيد بإزاء المسلم لم يتجاوزهما الله إلى الصرف عن البيت بالإلجاء والاضطرار ، وموعد الحجّاج هو الساعة ، والساعة أدهى وأمرّ ؛ وأما النصارى واليهود فهؤلاء صرفوا عن البيت قسرا. وقيل : سمى عتيقا لأنه لم

١٠٣٣

يملكه أحد لنفسه قطّ ، وقيل هو عتيق بمعنى كريم ، والعتق هو الكرم. وقيل : هو عتيق لأن طوفان نوح لم يلحقه.

* * *

٢١١٣ ـ أول بيت وضع للناس للذى ببكة

سأل أبو ذرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن : أول مسجد وضع فى الأرض؟ قال : «المسجد الحرام» ، قال : ثم أى؟ قال : «المسجد الأقصى» قال : كم بينهما؟ قال : «أربعون عاما ، ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصلّ» أخرجه مسلم. غير أن سليمان الذى بنى المسجد الأقصى ، حكم بين سنتى ٦٩١ و ٦٢٠ ق. م ، بينما إبراهيم الذى بنى المسجد الحرام كان فى بداية الألفية الثانية قبل الميلاد ، يعنى أنه بين إبراهيم وسليمان أكثر من ألف سنة. والحديث من الإسرائيليات ، وكأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يعرف سلسلة ذرية إبراهيم ، وأنه لا يمكن أن يكون بين إبراهيم وسليمان أربعون سنة!! وفى الآية : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) (٩٧) (آل عمران) ، يعنى أنه قبل المسجد الحرام لم يوضع قبله بيت للعبادة. وكان اليهود والمسلمون قد تفاخروا ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ، لأنه مهاجر الأنبياء ، وفى الأرض المقدسة. وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل. فأنزل الله هذه الآية. وقيل : إن فكرة بيت المقدس لم تكن فكرة داود ، وأنه إنما أراد أن يحقق فكرة موسى ويشوع ، وأما سليمان فقد جدّد ما كان أسّسه داود وأكمله. وأما المسجد الحرام فقد أسسه وبناه إبراهيم وإسماعيل كأمر الله. وروى أن أول من بناه آدم ، فيجوز أن يكون من ولده من وضع أيضا أساس بيت المقدس بعده بأربعين عاما كما فى الحديث! وبكة فى الآية هى موضع البيت ، ومكة سائر البلد. وأيضا فإن بكة هى مكة وإنما بالسريانية ، وفى بلاد الشام مدينة بعلبك (بعل وبك) أى مدينة البعل ، فمعنى بكة أو مكة هو المدينة ، ولذلك أطلق النبىّ على يثرب الاسم العربى «المدينة» المضاهى للاسم السريانى بكة أو مكة. وقيل مكة تصحيف عربى لبكة. وقيل إن اسم بكة مشتق من البك وهو الازدحام ، وسميت بذلك لازدحام الناس فيها فى الطواف. وقيل هى تبكّ المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة ، أو تبكّ من ظلم فيها ، أى تهلكه. وآيات المسجد البيّنات هى : مقام إبراهيم ، والحجر الأسود ، والحطيم ، وزمزم ، والمشاعر كلها. ومن يدخل الحرم يأمن ، وذلك من آياته ، لأن الناس كانوا يتخطّفون من حوله ، وقد فعل الله ما فعل بأصحاب الفيل من أجل الحرم ، وفيه لا رفث ولا فسوق ولا جدال.

* * *

١٠٣٤

٢١١٤ ـ إبراهيم وإسماعيل رفعا قواعد البيت

البيت هو البيت الحرام ، وقواعده أساسه ، وهى الجدر ، وفى الحديث : «إن البيت لمّا هدم أخرجت منه حجارة عظام» ، وهذه هى القواعد التى رفعها إبراهيم ، وكانت قد اندرست ، وكان إبراهيم قد تبيّنها وجوّدها. يقول تعالى : (وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) (٢٦) (الحج) أى عرّفناه مكانه وأين يقيمه ، وأطلعناه عليه ؛ ويقول : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ) (١٢٧) (البقرة) ، فرفع إبراهيم وإسماعيل البيت حتى انتهيا إلى موضع الركن. وقيل : بنى إبراهيم البيت أولا بالطين والحجارة ، ثم إن قريشا هدمت ما بناه إبراهيم وبنوا الكعبة بالحجارة ، وقيل إنهم لما بلغوا الركن اختلفوا فيمن يحمله ، فجاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فحكّموه ، فأمر بالركن فوضع فى ثوب ، ثم أمر كل سيد قبيلة أن يمسك بطرف من الثوب ، ثم ارتقى هو ورفع إليه الركن ووضعه. وكان باب الكعبة على عهد إبراهيم بالأرض حتى بنته قريش. والجدر ـ أى أصل الجدار من البيت ، لم تدخله قريش ، لأن النفقة قصرت بهم ، وجعلوا الباب مرتفعا ليدخلوا ويمنعوا من شاءوا ، ولو لا أن يتقوّل العرب لنقض النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم الكعبة وجعلها على أساس إبراهيم ، ولجعل لها خلفا (بابا من الخلف) أو خلفين. ثم إن ابن الزبير هدم الكعبة وبناها على ما أخبرته عائشة ، وزاد فى الحجر خمسة أذرع ، حتى أبدى أسا نظر الناس إليه فبنى عليه البناء. وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا ، فزاده عشرة أذرع ، وجعل بابين أحدهما يدخل منه ، والآخر يخرج منه. ولما أحضر ابن الزبير العمال ليهدموا ، خافوا ، فصعد بنفسه وهدم ، ورأوا أنه لم يصب بشيء فتجرّءوا. وأقرّ عبد الملك بن مروان ما فعله ابن الزبير فى الطول ، ولكنه ردّ الحجر إلى بنائه ، وسدّ الباب الذى فتحه. وقيل : نهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن سبّ أسعد الحميرى ـ أى تبّع : وهو أول من كسا البيت ؛ وكانت الكعبة تكسى القباطى ، ثم كسيت البرد ، وكان الحجّاج : أول من كساها الديباج.

* * *

٢١١٥ ـ مقام إبراهيم من البيت

المقام فى اللغة موضع القدمين ، من قام يقوم ، والمقام اسم للموضع ، من أقام. ومقام إبراهيم هو الحجر الذى يصلى الناس عنده فى الكعبة ركعتى طواف القدوم. وعن جابر أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما رأى البيت ، استلم الركن فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (١٢٥) (البقرة) فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين ، قرأ منهما : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) (١) ، و (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) (١) ، ومفاد ذلك أن مقام إبراهيم هو الحجر الذى ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التى كان

١٠٣٥

إسماعيل يناولها له ليضعها بيده فيرتفع الجدار ، فكلما كملت ناحية انتقل إلى الأخرى ، يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه ، وكلما فرغ من جدار ، نقله إلى الناحية التى تليها حتى تمت جدران الكعبة ، وكان يترك أثر قدميه على الحجر ، وهذا غريب ، فقيل فيه :

وموطئ إبراهيم فى الصخر رطبة

على قدميه حافيا غير ناعل

وهذا المقام كان ملصقا بجدار الكعبة قديما ، ومكانه اليوم إلى جانب الباب مما يلى الحجر يمنة الداخل من الباب ، وكان إبراهيم لمّا فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة ، أو أنه انتهى عند البناء فتركه هناك ، ولهذا أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف. وناسب أن يكون الحجر عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه ، وأخّره عمر عن الجدار ، وكان زمن أبى بكر ملتصقا بالبيت. وقوله : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (١٢٥) (البقرة) ، قيل : اتخذوه مثابة تثوبون إليه ، وكان عمر يقول : أنه وافق ربّه فى ثلاث ، منها قوله لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت الآية : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (١٢٥). وقيل : إن عمر قال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا رسول الله ، لو صلّينا خلف المقام؟ فأنزل : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (١٢٥) ، فكان المقام عند البيت ، فحوّله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى موضعه الحالى ، فكأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الذى أخّره ، والصحيح أن الذى أخّره عن الجدار هو عمر فى خلافته. وقيل : معنى اتخذوا المقام مصلّى ، اتّخذوه يدعى فيه ، والدليل على ذلك ما قاله جابر : أن رجلا توقّف بين الركن أو الباب والمقام يدعو لصاحب له ، يقول : اللهم اغفر لفلان ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «قد غفر لصاحبك» ؛ أو أن المقام مصلّى ، أى موضع للصلاة يصلّى عنده ، فيصبح الحجر قبلة يقف الإمام عندها. وفى الآية : (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ) (٩٧) (آل عمران) : أن مقام إبراهيم هو من آيات البيت. ولما كان معنى مقام إبراهيم هو موضع إقامة إبراهيم وهو يبنى البيت ، فالبيت كله يصبح مقامه ، فحيثما أقام فهو المقام ، وصلاته لذلك كانت فى كل البيت ، لأنه صلى فى كل مكان فيه ، والمقام على ذلك هو : الركن ، وعند الحجر الأسود ، وفى الحطيم ، وعند زمزم ، والمشاعر ، أى كل مكان فى البيت.

* * *

٢١١٦ ـ آداب رؤية الكعبة

يستحب رفع اليدين عند رؤية الكعبة والدعاء.

* * *

٢١١٧ ـ صلاة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الكعبة

كانت صلاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الكعبة فى عام الفتح ، وقال لعثمان : «ائتنا بمفتاح الكعبة» ، ودخلها وصلّى بين العمودين اليمانيين ، وليس على أحد بأس أن يصلى فى أى نواحى

١٠٣٦

البيت شاء ، غير أن الصلاة بين العمودين مستحبة. وفى عام الفتح أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإزالة كل الصور من الكعبة ، وعند دخولها يستحسن التكبير فى نواحيها.

* * *

٢١١٨ ـ الطواف

يقال : طاف بالمكان وحوله ، أى دار حوله. والطواف في الحج : هو الدوران حول الكعبة ، كقوله تعالى : (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (٢٩) (الحج) والبيت العتيق هو الكعبة. وللحج ثلاثة أطواف : طواف القدوم ، وطواف الإفاضة ، وطواف الوداع. والطواف فى هذه الآية المقصود به طواف الإفاضة ؛ وأما طواف القدوم فسنّة ، ويسقط عن المكّى ، وعن كل من يحرم بالحج من مكة. والطواف الواجب الذى لا يسقط هو طواف الإفاضة الذى يكون بعد عرفة ، وهو المفترض فى القرآن ، وبه يحل الحاج من إحرامه كله. والطوافان واجبان ، والسعى أيضا واجب ، وكذلك طواف الصّدر المسمى بطواف الوداع. وليس لأحد أن يترك الطواف بين الصفا والمروة ، كقوله تعالى : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) (١٥٨) (البقرة) ، فالصفا والمروة من المتعبّدات التي أشعرها الله ، مثلهما مثل الحجر الأسود ، والكعبة والطواف حولها ، والموقف ، والنحر ، فهاتان مثل ذلك ومن علامات الحج.

* * *

٢١١٩ ـ مستحبات الطواف ومكروهاته

من مستحبات الطواف إذا دنوت من الحجر الأسود : أن ترفع يديك ، وتحمد الله ، وتثنى عليه ، وتصلّى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتدعو ، ثم تستلم الحجر وتقبّله ، فإن لم تستطع فاستلمه بيدك ، فإن لم تستطع فأشر إليه بيدك.

ومن مكروهات الطواف : كراهية الكلام بغير ذكر الله ، ومدافعة الأخبثين : البول والغائط ، والأكل والشّرب ، وكل ما يمكن أن يفسد الصلاة.

* * *

٢١٢٠ ـ موالاة الطواف والسعى

تشترط الموالاة بين أشواط الطواف ، فإن ترك الحاج الموالاة لمدة طويلة بلا عذر ، لم يعتبر ما مضى من الطواف ، ويبدأ من جديد ، وإن تركه لمدة قصيرة بنى على ما تقدّم ، وإن أعيا في الطواف فله أن يستريح. ولا تشترط الموالاة فى السعى بين الصفا والمروة. فإن أقيمت صلاة أو حضرت جنازة وهو يطوف أو يسعى ، صلّى مع الجماعة ، فإذا انتهى عاد إلى طوافه أو سعيه وبنى على ما تقدم.

* * *

١٠٣٧

٢١٢١ ـ استحباب الاضطباع

الاضطباع مستحب فى طواف القدوم ، وهو أن تجعل وسط ردائك تحت كتفك الأيمن ، وتردّ طرفيه على كتفك الأيسر ، وتبقى كتفك الأيمن مكشوفا ، فإذا فرغت من الطواف سوّيت رداءك.

* * *

٢١٢٢ ـ الطواف لمن دخل المسجد الحرام

يستحب لمن يدخل المسجد الحرام أن لا يبدأ بشيء قبل الطواف بالبيت لأن التحية للمسجد الحرام ، وإن شاء أن يصلى صلّى بعد ذلك. وإذا دخل فذكر فريضة أو فائتة ، أو أقيمت الصلاة المفروضة ، قدّمها على الطواف. ويشترط للطواف الطهارة وستر العورة ، وإن تذكّر أنه كان على غير طهارة ـ سواء فى طواف الحج أو طواف العمرة ـ لزمه إعادة الطواف ، ويستحب له الدنو من الكعبة أثناء الطواف ، فإذا فرغ من الطواف يسنّ للطائف أن يصلى ركعتين ويكررهما بعد كل طواف ، وصلاة الفريضة تجزئ عن ركعتى الطواف ، أو أنه يصليهما بعد المكتوبة خلف المقام.

* * *

٢١٢٣ ـ الرمل فى الطواف والسعى

الرّمل : هو إسراع المشى مع مقاربة الخطو من غير وثب ، ولا يسنّ فى غير الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم أو طواف العمرة ، فإن تركه لم يقضه بعد ذلك ، ويبتدئ الحاج بالرمل من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه ، دون أن يمشى أثناء ذلك ؛ وإن ترك الرمل فى شوط من الثلاثة الأول أتى به فى الاثنين الباقيين ، وإن تركه فى الاثنين أتى به فى الثالث. ومن ترك الرمل نسيانا أو عمدا فلا إعادة عليه ، ولا يسن الرمل لأهل مكة ولا لمن يحرم من مكة ، ولا للنساء.

ولما قدم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه مكة عام الفتح ، كان منهم من قد وهنتهم حمّى يثرب ، فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة الأول ، وأن يمشوا بين الركنين الأشواط الأربعة الباقية ، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. وقد استلم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الركن الأسود فى أول طوافه ، يخب ثلاثة أطواف من السبع. والخبب هو العدو السريع. وقال عمر فى تبرير الرمل : إنما كنا راءينا به المشركين. وقال : هو شىء صنعه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلا نحب أن نتركه.

* * *

٢١٢٤ ـ الحجر الأسود والركن اليمانى

يشترط أن يبتدئ الحاج الطواف بالحجر الأسود ، وعليه أن يحاذيه بجميع بدنه ، ويستحب أن يستلمه ـ أى يمسحه بيده ، ويقبّله ، فإن لم يمكنه تقبيله استلمه وقبّل يده ، وإن

١٠٣٨

كان فى يده شىء كالعصا مثلا ، فيمكن أن يستلم الحجر به ، فإن لم يمكنه استلامه وتقبيله ، قام بحذائه واستقبله بوجهه فكبّر وهلل ، ويقول عند استلامه : باسم الله ، والله أكبر ، إيمانا بك ، وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك ، واتّباعا لسنّة نبيّك محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم». ولا يستحب للمرأة مزاحمة الرجال لاستلام الحجر الأسود ، وإنما تشير بيدها إليه. ويستلم الحاج الركنين الأسود واليمانى فى كل طوافه ، ولا يستلم من الأركان غيرهما ، وعليه أن يكبّر كلما أتى الحجر أو حاذاه ، ويدعو بين الركنين اليمانى والأسود. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم استلم الركن ، من الاستلام أى التحية ، وكان الصحابة إذا استلموا الحجر الأسود قبّلوا أيديهم ، وإن لم يستلموه بأيديهم أومئوا إليه بعصيّهم حتى يصيبوه. وقيل : كانوا يستلمون كل الأركان فليس شىء من البيت مهجورا. وفى البيت أربعة أركان ، الأول : على قواعد إبراهيم وفيه الحجر الأسود ؛ والثانى : على قواعد إبراهيم ؛ والثالث والرابع ليس فيهما شىء من ذلك ، ولذلك يقبّل الأول ، ويستلم الثانى ، ولا يقبّل الآخران ولا يستلمان.

* * *

٢١٢٥ ـ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبّل الحجر الأسود

تقبيل الحجر الأسود للحاج سنّة ، والصحابة قبّلوه لمّا قبّله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واستلمه ، وقال ابن عمر : أنه رأى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد وضع شفتيه عليه طويلا ، ولم ير ابن عمر أن الزحام عذر لترك الاستلام ، وكان يزاحم على الركن حتى يدمى ، وكان يقول : هوت الأفئدة إليه ، فأريد أن يكون فؤادى معهم ، وفى رواية أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم طاف بالبيت على بعير ، فكلما أتى على الركن أشار إليه وكبّر ، ولم يطف سبوعا قط (أى سبعة أشواط) إلا صلى ركعتين. ولمّا استلم عمر بن الخطاب الركن قال : أما والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع ، ولو لا أنى رأيت رسول الله عليه‌السلام استلمك ما استلمتك» ، وقال ذلك مخافة أن يقال أنه أثر من آثار عبادة الأصنام لم يتخلص منه الإسلام ، كما قالوا ذلك أيضا عن الطواف بالكعبة ، والسعى بين الصفا والمروة ، والحجّ عموما ، مع أن ذلك كله إحياء للماضى ، ولديانة إبراهيم ، وربطها بالحاضر. والحجر الأسود : يربط بين السماء والأرض ، وبين الزمن الدنيوي والزمن الأخروى. وعناصر الحجر الأسود فيها من عناصر النجوم ، وقد أقسم الله بالنجوم ومواقعها ، وتسخيرها ، وانكدارها وطمسها ، وسجودها ، وأقسم بالنجم الثاقب ، وجميع ذلك من آياته الكبرى ، وأصل الحجر الأسود من النجوم ، وتقبيله إقرار بعظمة الله تعالى ، ثم إن تقبيل الحجر اختبار لطاعة العباد كاختبار طاعة إبليس بالسجود لآدم ، فبالعقل لا فائدة من هذا السجود ، وكذلك لا فائدة من تقبيل الحجر الأسود ، وإنما هو مظهر من مظاهر الإيمان : فإنهما ـ أى السجود لآدم ، وتقبيل الحجر ـ من الطاعات ، والطاعات الحكم فيها ليس للعقل. وكل ما ورد قديما من نقد للحج وشعائره ، وأنه من بقايا الوثنية ، هو نفسه ما يردده المستشرقون ، سواء منهم اليهود والنصارى ، أو من يقال عنهم مسلمون

١٠٣٩

علمانيون ، أو عرب أو مسلمون مستشرقون. والسؤال الذى يطرح نفسه هو : لم لم يقل إن تابوت العهد أثر من عبادة اليهود للأوثان؟ وتقبيل الصليب أثر ثان من عبادة الأوثان؟ والجواب : أن العنصرية والانحياز هما شيمة هؤلاء اليهود والنصارى. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما فعل كان يلتزم آثار ديانة إبراهيم ، ويتّبعها ، وتقبيل الحجر من ذلك ، ومثله شرب ماء زمزم ، وهو أيضا اتّباع ، والتواصل بين الأديان هو أصل من أصول الإسلام ، كقوله تعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) (البقرة ٢٨٥) ، وقوله : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (١٣٦) (البقرة). والحمد لله ربّ العالمين!.

* * *

٢١٢٦ ـ السعى بين الصفا والمروة

السعى ركن ، وقيل سنّة ، وقيل واجب. والسعى يتبع الطواف ، ولا تستحب الموالاة بين السعى والطواف ، ويؤخّر الحاج السعى إلى أن يستريح ، فإذا طاف وصلّى ركعتين ، واستلم الحجر الأسود ، عندئذ يستحب له أن يخرج إلى الصفا ، فيرقى عليها ، ويستقبلها ، ويكبّر الله ويهلله ، ويدعو ما يحب ، ثم يسعى إلى المروة ، ولا يسنّ للمرأة أن ترقى حتى لا تزاحم الرجال ، فإذا انحدر من الصفا مشى إلى أن يحاذى العلم ، فإذا كان بالقرب منه سعى سعيا شديدا حتى يحاذى العلم الآخر ، ثم يترك السعى ويمشى حتى يأتى المروة ، فيستقبل القبلة ويدعو ، ثم يكرر ذلك فى كل شوط ، حتى يكمل سبعة أشواط ، والذهاب شوط ، والرجوع شوط. وسعى النساء مشي كله.

* * *

٢١٢٧ ـ الصفا والمروة من شعائر الله

الطواف بالصفا والمروة من شعائر الجاهلية ، فلما كان الإسلام أمسك المسلمون عنهما ، فأنزل الله : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) (١٥٨) (البقرة) فجعل الطواف بهما تطوّعا ، إلا أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم طاف بهما ، وكذلك طاف المسلمون ، وقالت عائشة فى الآية : لو كان الأمر تطوعا لكانت الآية بشكل مختلف ، هكذا : «فلا جناح عليه ألّا يطوف بهما» ، يعنى كانت الآية تنهى عن الطواف بهما ، ولكن الآية كما هى : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) تنفى أن يكون على المطوّف إثم كما ظن أهل الجاهلية. وقالت عائشة : وقد سنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما.

١٠٤٠

والصفا : فى اللغة هو الحجر الأملس ، وهو جبل بمكة ؛ وكذلك المروة. وقيل سمى الصفا ، لأن آدم المصطفى وقف عليه ، ووقفت حواء على المروة ، فسمّى جبل المروة باسم امرأة وأنّث. وقيل : كان على الصفا صنم يقال له إساف ، وعلى المروة صنم يدعى نائلة. وما كان من كراهية عند المسلمين الأوائل للطواف بينهما إنما لهذا السبب ، فلما نزلت الآية رفع الحرج. وقيل : إن إسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة ، وزنيا بالكعبة ، فمسخهما الله حجرين ، ووضعهما العرب على الصفا والمروة ، ثم نزل القرآن يجعلهما من شعائر الله ، أى من معالم الحج ، ومواضع العبادة فيه! والشعائر جمع شعيرة ، وهى المتعبّدات التى جعلها الله أعلاما للحج ، كالمواقف ، والسعى ، والنّحر. والحجّ فى اللغة : هو القصد ، والعمرة : هى الزيارة. والسعى بين الصفا والمروة إذن من أركان الحج والعمرة. وفى الحديث : «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى» أخرجه الدارقطنى ، ولا يكون السعى إلا متصلا بالطواف ، سواء كان فى حجّ أو فى عمرة ، وهو ما أورثتنا إياه أمّنا : أم إسماعيل.

* * *

٢١٢٨ ـ الشرب من زمزم

يستحب أن يأتى الحاج زمزم فيكثر الشرب من مائه على نية ما يحب ، ويقول : «بسم الله ، اللهم اجعلها لنا علما نافعا ، ورزقا واسعا ، وريا وشبعا ، وشفاء من كل داء ، واغسل به قلبى واملأه من حكمتك». ولا بأس بالشرب فى الطواف. ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم على الصحيح. والاسم زمزم من زمّ الماء أى اجتمع وتدفق ، ويقال : زمّ القربة أى ملأها ماء ، والزمزم الماء المجتمع ، ويقال للماء زمزم إذا كان بين الملح والعذب ، وهو صفة ماء بئر زمزم. وكما قلنا : فالشّرب من زمزم ليس مجلبة لنفع وإنما هو اتّباع للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتواصل بالديانات ، وإحياء لملّة إبراهيم.

* * *

٢١٢٩ ـ الخروج إلى منى

المستحب خروج الحاج محرما من مكة يوم التروية فيصلى الظهر بمنى ، ثم يقيم حتى يصلى بها الصلوات الخمس ويبيت بها. فإذا صادف يوم التروية يوم جمعة فلا يخرج من مكة حتى يصلى الجمعة.

٢١٣٠ ـ يوم التروية

هو اليوم الثانى من ذى الحجة.

* * *

٢١٣١ ـ عرفات هى الحج

عرفات علم على مؤنث ، وهو فى الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات ، سمّيت به

١٠٤١

بقعة معينة ، لأن الناس يتعارفون بها. وفى القرآن يأتى ذكر عرفات مرة واحدة : (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ) (١٩٨) (البقرة) ، والخطاب للجمع ، لأن الناس كانوا يجتمعون بعرفات يوم عرفة ، وقد أتوا من أماكن بعيدة وبعد مشقة أسفار ، فيتعارفون وهم الأغراب ، فسمى يوم اجتماعهم «عرفة» ، وسمّى الموضع «عرفات». والصحيح أن الاسم مرتجل من زمن الجاهلية ؛ وعند المسلمين عرفات من العرف وهو الطيب (بكسر الطاء) ، كقوله تعالى : (عَرَّفَها لَهُمْ) (٦) (محمد) أى طيّبها ، فهى مطيّبة ، بخلاف منى التى فيها الفروث والدماء (بقايا الذبح) ، فذلك سبب تسميتها «عرفات» ، وتسمية يوم الوقوف «يوم عرفة». وقيل : إن أصل الاسمين من الصبر ، يقال رجل عارف أى صابر خاشع ، وفى المثل : النّفس عروف ، أى صبور ، وما حمّلتها تتحمل ، فسمى المكان بهذا الاسم لأن الناس فيه يخضعون ويتذللون ويصبرون على الدعاء والبلاء ، ويحتملون الشدائد من أجل أن يقيموا الشعائر. والحج هو هذه الإفاضة من عرفات ، يستوى فيها أن تفيض ليلا أو نهارا ، وفى الحديث : «من صلّى معنا (أى مع المسلمين) صلاة الغداة بجمع ، وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد قضى تفثه وتمّ حجّه» أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى ، وفى الحديث : «الحج عرفات» ـ قالها ثلاثا ـ «فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك». والوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به ، والمستحب أن يقف فيها عند الصخرات وجبل الرحمة. ويستقبل القبلة ، كما يستحب أن يغتسل الحاج للوقوف. ووقت الوقوف : من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثانى من يوم النحر ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقف فى حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس ، وقال : «لتأخذوا عنى مناسككم». وتكون الإفاضة على مهل ، لأن فى استعجال السير إلى المزدلفة استعجال الصلاة بها ، ولا يصلّى المغرب تلك الليلة إلا مع العشاء بالمزدلفة. والمستحب للحاج أن يخرج إلى الموقف من منى إذا طلعت الشمس يوم عرفة ، وهو اليوم التاسع من ذى الحجة ، فيقيم بنمرة ـ وهو اسم الموضع الذى عليه أنصاب الحرم بعرفات ، وفيه الآن المسجد المعروف ، وإن شاء يقيم بعرفة حتى تزول الشمس. وفى الحديث : «عرفة كلها موقف». وكانوا فى الماضى يفضلون الوقوف بها راكبين لا قائمين ، ولا بأس الآن أن يستريح من وقف قائما ، وقيل : الواقف أفضل من الراكب. ويستحب له يوم عرفة الإكثار من ذكر الله ، والدعاء بما يحب أو بالمأثور ، كأن يقول : «لا إله إلا الله وحده ، لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيى ويميت ، وهو على كل شىء قدير». ويجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس. ووقت الغروب ـ كما سبق ـ من طلوع فجر يوم عرفة أو من الزوال ، إلى طلوع الفجر يوم النحر. فمن أدرك عرفة فى شىء من هذا الوقت ـ وهو عاقل ـ فقد تمّ حجّه. وقيل : أول وقته تأكيدا زوال الشمس من يوم عرفة ، ولو وقف بعرفة نهارا وجب

١٠٤٢

عليه البقاء إلى الغروب ، فإن خرج قبل الغروب ولم يعد حتى غربت الشمس فعليه دم وحجّه صحيح ، ومن لم يدرك جزءا من النهار ولا جاء عرفة حتى غربت الشمس فحجّه تام ولا شىء عليه. ومن لم يدرك الوقوف بعرفة حتى طلوع فجر ليلة النحر فات حجّه بلا خلاف ، ويتحلل بطواف وسعى وحلق على الصحيح ، ويمضى فى حجّه الفاسد ، ويجعل إحرامه إحراما بعمرة ، ويلزمه القضاء فى العام التالى سواء كان الفائت واجبا أم تطوعا ، ويلزمه هدى على الأصح ، والهدى ما استيسر ، وإن فات القارن الحج حلّ ، ويلزمه هديان ـ هدى للقرآن ، وهدى للفوات.

والاجتماع فى الأمصار فى المساجد يوم عرفة ، بغير عرفة ، سنّة طيبة ، ويخطب الإمام ويجتمع الناس إليه ، وكان التابعون يشهدون المساجد يوم عرفة. وفى الحديث عن فضل هذا اليوم : «صوم يوم عرفة يكفّر السنة الماضية والباقية». والصوم المقصود هو ما كان خارج عرفة ، وأما فى عرفة ، فعن ابن عباس : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أفطر بعرفة ، ويستحب للواقف بعرفة الفطر ليتقوّى على الدعاء ، كما يستحب الدعاء فى الأمصار يوم عرفة ، فادعوا عباد الله للمسلمين لتزول عنهم هذه الغمّة التى هى اضطهاد الغربيين للإسلام والمسلمين ، وإرهاب الدولة الذى يمارسونه علينا ، وفى الحديث : «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة ، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى : لا إله إلا الله وحده لا شريك له».

* * *

٢١٣٢ ـ يوم النفر

أى يوم الانصراف من منى.

* * *

٢١٣٣ ـ أيام منى

هى أيام التشريق الثلاثة التى تلا يوم النحر. وسميت منى أو منى بهذا الاسم لما يمنى فيها من الدماء ، أى يراق. والمنى جمع منية ومنية وهى البغية. وقيل : سميت كذلك لأن جبريل قال لآدم فيها : تمنّ. قال : أتمنى الجنة ، فسميت منى ، والأصحّ ما ذكرناه أولا ؛ وسميت «جمعا» لأنه اجتمع بها حواء وآدم عليهما‌السلام ، والأصح لأن الحجيج يكون اجتماعهم فيها. والجمع أيضا هو المزدلفة ، وهو المشعر الحرام.

* * *

٢١٣٤ ـ المزدلفة يزدلف فيها الحجّاج إلى الله تعالى

المزدلفة : هى الجمع لأنه فيها يجمع المغرب إلى العشاء فى الصلاة ، ولا صلاة فى المزدلفة قبل أن يغيب الشفق ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الصلاة أمامك» ، ثم صلّاها بالمزدلفة بعد

١٠٤٣

مغيب الشفق. وهى المزدلفة : لأن المسلمين فيها منذ آدم يزدلفون إلى الله بالصلاة ، أى يتقرّبون. والثابت أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين. وقيل يصليان بأذانين وإقامتين ، وكذلك الظهر والعصر بعرفة ، والصحيح أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سنّ فى الصلاتين بالمزدلفة أن الوقت لهما جميعا وقت واحد ، فتصلى الأولى بأذان وإقامة ، وتصلى الثانية بلا أذان ولا إقامة ، وإنما أمر عمر بالتأذين الثانى لأن الناس تفرّقوا لعشائهم فأذّن ليجمعهم ، وإذا أذّن أقام. وقال ابن عمر. جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين المغرب والعشاء بجمع ، وصلى المغرب ثلاثا ، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة. والأقوال مختلفة فى ذلك. وليس المبيت فى المزدلفة ركنا من الحج ، غير أنه سنّة مؤكدة ، وكذلك الوقوف فيها. والمستحب للحاج أن يقف بعرفة حتى يدفع الإمام ، ثم يسير نحو المزدلفة فى سكينة ووقار ، ويكبّر فى الطريق ، ويذكر الله ويلبّى. ومن بات بالمزدلفة لم يجز له الدفع قبل نصف الليل ، فإن دفع بعده فلا شىء عليه ، والمستحب له المبيت إلى أن يصبح ، فإذا كان الصبح دفع ، ويستحب تقديم الضعفة والنساء ، ثم يسير بسكينة إلى منى قبل طلوع الشمس ، ثم يسرع عند وادى محسر ، ويلبّى فى الطريق ، ولا يقف حتى يأتى منى ـ وهى بين وادى محسر وجمرة العقبة.

* * *

٢١٣٥ ـ المشعر الحرام هو المزدلفة

المشعر الحرام من مصطلحات الحج ، وهو الجمع ، لأنه فيه يجمع المغرب والعشاء ، وهو المزدلفة أيضا لأن آدم ازدلف فيه إلى الله ، وكذلك يفعل المؤمنون ، يعنى يتقرّبون بالوقوف فى هذا المكان. والمشعر من الشّعار وهو العلامة ، فهو معلم للحج والصلاة والمبيت به ، والدعاء عنده ، وكلها من شعائر الحج ، ووصف بالحرام لحرمته.

* * *

٢١٣٦ ـ حصى الجمار

يستحب للحاج أن يجمع حصى الجمار من طريقه إلى منى ، أو من المزدلفة ، ويجزئ أخذها من أى مكان شاء ، والتقاط الحصى أولى من تكسيره ، والمستحب أن تكون الحصاة صغيرة تمسك بطرفى الإبهام والسبابة ، وقيل الحصى أكبر من الحمّص ودون البندق. والجمار أو حصى الجمار : هو الحصى التى يرمى بها الحجّاج فى مناسك الحج. وعدد الحصى سبعون حصاة ، يرمى منها سبعا يوم النحر ، وسائرهن فى أيام منى.

* * *

٢١٣٧ ـ رمى جمرة العقبة

يرمى الحاج جمرة العقبة بسبع حصيات يكبّر مع كل حصاة ، ويدعو : «اللهم اجعله

١٠٤٤

حجا مبرورا ، وذنبا مغفورا ، وعملا مشكورا». ويستبطن الوادى ، ويستقبل القبلة ، ثم ينصرف ولا يقف ، ولا يجزئه الرمى إلا أن تقع الحصاة التى رماها فى المرمى ، ولا يجزئه أن يرمى الحصيات كلها مرة واحدة. ويكون الرمى فى وقت فضيلة بعد طلوع الشمس ، أو وقت جواز ، وأوله منتصف الليل من ليلة النحر ، وإن أخّر الرمى إلى آخر النهار جاز ، وإن أخّره إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد ، ولا تلبية عند رمى أول حصاة من جمرة العقبة.

وجمرة العقبة : هى الجمرة الكبرى ، وليست من منى ، بل هى حدّ منى من جهة مكة ، وهى التى بايع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الأنصار عندها على الهجرة. والجمرة : اسم لمجتمع الحصى ، وسميت بذلك لاجتماع الناس بها ، ويقال تجمّر بنو فلان إذا اجتمعوا ، وتسمى العرب الحصى الصغير جمارا. وقيل : إن آدم أو إبراهيم لمّا التقى إبليس حصبه ، فجمر إبليس ـ أى أسرع ، فسمّى الحصى جمارا لأنه تسبب فى إسراعه.

* * *

٢١٣٨ ـ رمى الجمرات أيام التشريق

ترمى الجمرة الأولى فى اليوم الأول من أيام التشريق بعد زوال الشمس. والجمرة الأولى : أبعد الجمرات عن مكة ، وتلا مسجد الخيف ، فيجعلها عن يساره ويستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات ويرفع يديه ويدعو. ثم يتقدم إلى الجمرة الوسطى فيفعل نفس الشيء ، إلا أنه يجعلها عن يمينه ، ثم يرمى جمرة العقبة كذلك ، ويستبطن الوادى ، ويستقبل القبلة ، ثم يسير ولا يقف ، ويفعل نفس الشيء فى اليوم الثانى ، فإن أحب التعجيل بالرمى فى يومين فله ذلك على أن يخرج من منى قبل الغروب. فإن غربت الشمس قبل خروجه من منى لم يجز له الخروج حتى يرمى فى اليوم التالى بعد الزوال كما رمى بالأمس. والترتيب فى الرمى واجب. ووقت الرمى أيام التشريق بعد الزوال ، فإن رمى قبل الزوال أعاد ، وآخر وقت الرمى هو آخر أيام التشريق ، فإن مضى الوقت ولم يرم فعليه فدية. وإن ترك الرمى أو واحدة منها من غير عذر فعليه دم ، والأولى ألا ينقص فى الرمى عن سبع حصيات. ويترك السنّة من يؤخّر الرمى ، وعليه أن يرمى اليوم الأول ، ثم الثانى ثم الثالث ، ومن كان لديه عذر جاز أن يستنيب من يرمى عنه.

* * *

٢١٣٩ ـ أيام التشريق والأيام المعدودات وحكم الجمار

الأيام المعدودات فى الآية : (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللهَ) (٢٠٣) (البقرة) للقليل والكثير ، وتقال لأيام

١٠٤٥

منى من أيام الحجّ ، وهى «أيام التشريق» ، و «أيام رمى الجمار» ، وهى أيام ثلاثة يتعجّل الحاج منها فى يومين بعد «يوم النحر». وقيل : «الأيام المعدودات» هى أيام التشريق ، بينما «الأيام المعلومات» (الحج ٢٨) : هى «الأيام العشر» (البقرة ١٩٦). وفى الحديث : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله» ، يعنى لا صيام فيها. وعن عائشة قالت : نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن صوم أيام التشريق ، قيل : هى ثلاثة : يوم النحر ، ويومان بعده ، يذبح الحاج فى أيهن يشاء ، وأفضلها أولها ، والأصح ما دلّ عليه ظاهر الآية وهو ثلاثة أيام بعد النحر ، وفى أيها يمكن التضحية. ووقت الذكر فيها من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهو آخر النّفر الآخر. وفى الحديث : «الحج عرفة ، فمن جاء ليلة جمع (وهى المزدلفة) قبل طلوع الفجر ، فقد أدرك أيام منى ثلاثة ، فمن تعجّل فلا إثم عليه» ، أخرجه الترمذى ، أى من تعجّل من يومين من أيام منى صار مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر ، ويصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة ، ويسقط عنه رمى اليوم الثالث ، ومن لم ينفر من منى إلا فى آخر اليوم الثالث حصل له بمنى مقام أربعة أيام بما فيها يوم النحر ، واستوفى العدد من الرمى. وأيام الرمى على ذلك هى الأيام المعدودات ، وأما الأيام المعلومات فهى أيام النحر. وقيل إن الأيام المعدودات والمعلومات يجمعها أربعة أيام ، هى : يوم النحر ، وثلاثة أيام بعده ، فيوم النحر معلوم ولكنه غير معدود ، واليومان بعده معلومان معدودان ، واليوم الرابع معدود وليس معلوما. وقيل : إن النحر فى اليوم الأول وهو الأضحى ، وفى الثانى والثالث ، وليس فى الرابع نحر ، فكأن الرابع لا يدخل فى الأيام المعلومات ، لأنه لا ينحر فيه وإنما يرمى فيه ، فصار معدودا لأجل الرمى ، وغير معلوم لعدم النحر فيه : والإجماع على أن وقت رمى الجمرات فى أيام التشريق يوم النحر بعد الزوال إلى الغروب. فإذا مضت أيام الرمى فلا رمى. وقيل وقت الرمى من طلوع الشمس إلى زوالها. ولا تكون البيتوته بمكة أو بغيرها أيام التشريق إلا فى منى ، إلا لمن يؤدون الخدمات ، ومن ترك المبيت ليلة من ليالى منى من غير هؤلاء فعليه الفدية. وأيام التشريق أيام رمى كلها ، ويرمون يوم النحر ـ يعنى جمرة العقبة ، ثم لا يرمون من الغد ، وهو الثانى من أيام التشريق الذى يتعجّل فيه النفر من يريد التعجيل أو من يجوز له التعجيل كقوله : (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (٢٠٣) (البقرة) ، فيرمى اليومين لذلك اليوم ولليوم الذى قبله ، لأنه يقضى ما كان عليه. وثبت أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته. ويرمى الحاج فى كل يوم من الثلاثة إحدى وعشرين حصاة ، ويكبّر مع كل حصاة ، ويوجه وجهه فى حال الرمى إلى الكعبة ، ويرتب الجمرات ، ويبدأ بالجمرة الأولى فيرميها بسبع حصيات ، واحدة واحدة ، فإذا فرغ منها تقدّم أمامها فوقف يدعو ، ثم يرمى الثانية ـ وهى الوسطى ـ

١٠٤٦

وينصرف عنها ذات الشمال ويدعو ، ثم يرمى الثالثة من أسفلها ولا يقف عندها ، ويكبّر فى ذلك كله مع كل حصاة يرميها ، وسنّة الذكر فى رمى الجمار : التكبير ، ويرميها ماشيا بخلاف جمرة يوم النحر. وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا رمى الجمرة الأولى يرميها بسبع حصيات ، يكبّر كلما رمى بحصاة ، ثم يتقدم أمامها فيقف مستقبلا القبلة ، رافعا يديه بالدعاء ، وكان يطيل الوقوف ، ثم يأتى الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات ، يكبّر كلما رمى حصاة ، ثم ينحدر ذات اليسار فيقف مستقبلا القبلة رافعا يديه ثم يدعو. ثم يأتى الجمرة التى عند العقبة فيرميها بسبع حصيات ، يكبّر كلما رمى بحصاة ، ثم ينصرف ولا يقف عندها. وحكم الجمار أن تكون طاهرة غير نجسة ولا مما رمى به ، وتؤخذ استحبابا من المزدلفة من حصى المسجد ، ولا يغسل ، ولا يجزئ فى الجمار غير الحجر أو الطين اليابس ، وكل شىء من الأرض فهو يجزئ. والحصى أصغر من الأنملة طولا وعرضا ، ويجوز الرمى بأى حجم طالما اسمه حصاة ، والغلو فى الدين منهىّ عنه. ويرمى عن المريض والصبى اللذين لا يطيقان الرمى. ومن أراد من النفر الأول الخروج من منى شاخصا ، إلى بلده ، خارجا عن الحرم ، أن ينفر بعد زوال الشمس إذا رمى فى اليوم الذى يلى يوم النحر قبل أن يمسى ، فلينفر فى النهار ولا إثم عليه.

* * *

٢١٤٠ ـ الأيام المعلومات فى الحج

الأيام المعلومات فى قوله تعالى : (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ) (٢٨) (الحج) ، هى الأيام العشر من أول من ذى الحجة ، وآخرها يوم النحر. وفى الحديث : «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحبّ إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد». والمراد بالتكبير الحجّاج وغيرهم وخصوصا فى أوقات الصلوات ، فيكبّر عند انقضاء كل صلاة ، سواء كان المصلى وحده أو فى جماعة ، تكبيرا ظاهرا فى هذه الأيام ، ويكبّر النساء كذلك دبر كل صلاة ، وصيغة التكبير : «لا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولله الحمد». وقيل هى : «الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ولله الحمد». وكان رسول الله يصوم الأيام المعلومات ، ومنها : يوم عرفة فكان يصومه فى غير عرفة ، ويوم النحر الذى هو يوم الحج الأكبر. وقيل إن الأيام المعلومات هى أفضل أيام السنة. وأما الليالى العشر فهى الأيام العشرة الأخيرة من رمضان التى يكون فيها الاعتكاف ، ومنها ليلة القدر التى هى خير من ألف شهر. وفضل الأيام العشر أن فيها الحج ، وفضل الليالى العشر أن فيها رمضان شهر الصوم. وعن ابن عمر : الأيام المعلومات هى يوم النحر ويومان بعده ـ يعنى هى ثلاثة أيام. وعن ابن عباس : هى يوم النحر ـ وثلاثة أيام بعده ـ يعنى هى أربعة أيام. وقيل : الأيام المعلومات : عشر ذى الحجة وأيام التشريق ـ يعنى اليوم الثانى والثالث

١٠٤٧

والرابع من أيام عيد الأضحى ، فأما اليوم الأول فهو يوم النحر. وسميت أيام التشريق : لأن الناس فيها يشرقون لحوم الأضاحى شرائح يجففونها.

* * *

٢١٤١ ـ الليالى العشر هى أيام الحج

قيل الأيام العشر : من أول يوم ذى الحجة إلى عشرة منه وهو يوم النحر ، وهى أيام الحج المشار إليها بالأيام المعلومات كقوله تعالى : (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ) (٢٨) (الحج) ، وأما الليالى العشر فى الآية : (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) (٣) (الفجر) فالمقصود بها ليالى رمضان العشر الأخيرة التى فيها الاعتكاف ، ومنها ليلة القدر خير من ألف شهر. وقيل أيضا إن الليالى العشر هى ليالى ذى الحج من أوله إلى اليوم العاشر وفيه النحر ؛ وقيل هى الأضحى ، لأن ليلة النحر داخلة فيها ؛ وقيل هى العشر التى ذكرها الله فى قصة موسى : (وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ) (١٤٢) (الأعراف) ؛ وقيل هى العشر الأولى من المحرّم ؛ وقيل إنها عشر ذى الحجة لأنه تعالى فى الآية قبلها اقسم بالفجر ، وهو فجر يوم النحر خاصة ، وهو خاتمة الليالى العشر ، ويقصد بالفجر صلاة الفجر ، وأقسم لذلك بعدها بالشفع والوتر ، والوتر يوم عرفة لكونه التاسع ، والشفع يوم النحر أو ليلة الأضحى لكونه العاشر.

* * *

٢١٤٢ ـ الحج الأكبر والحج الأصغر

يأتى هذا المصطلح ـ الحجّ الأكبر ـ مرة واحدة فى الآية : (وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) (٣) (التوبة) ؛ وقيل هو يوم عرفة ، وفى الحديث : «يوم الحج هو يوم عرفة» ، وقيل هى أيام منى كلها ؛ وقيل : يوم الحج الأكبر يوم النحر ، فقد سأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أى يوم هذا»؟ فقالوا : يوم النحر. فقال : «هذا يوم الحج الأكبر» أخرجه أبو داود والبخارى. وقيل إنه «الأكبر» من أجل قول الناس : «الحج الأصغر» ، وفيه ـ أى فى يوم الحج الأكبر ـ يهراق الدم ، ويوضع الشّعر ، ويلقى فيه التّفث (أى الوسخ) ، وتحلّ فيه الحرم ، وفى هذا اليوم ـ يوم النحر ـ الحج كله ، لأن : الوقوف فى ليلته ، والرمى ، والنحر ، والحلق ؛ والطواف فى صبيحته. وقيل الحج الأكبر : الذى فيه الوقوف بعرفة ، والحج الأصغر : هو العمرة. وقيل إنما هذا اليوم من السنة قبل حجة الوداع ، أذن فيه للمشركين لآخر مرة أن يطوفوا بالبيت عراة ، وسمّى يوم الحج الأكبر ، لأن المسلمين والمشركين حجّوا فيه معا ، وفيه اتفقت يومئذ أعياد الملل : اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، والمسلمين ؛ وقيل : إنه الأكبر لأنه نبذت فيه العهود مع المشركين والكفّار ؛ وقيل : سمّى الأكبر لأنه كان فى العام الذى حجّ فيه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حجة الوداع ، وحجّت معه فيه الأمم.

* * *

١٠٤٨

٢١٤٣ ـ الهدى وما يجوز منه ومتى ينحره

الهدى : ما يهدى من بهيمة الأنعام ، وأفضلها الإبل ، ثم البقر ، ثم الغنم ، والضأن أفضل من المعز ، والشاة الواحدة أفضل من اشتراكه مع غيره فى بدنة بسبعها ، والذكر والأنثى فى الهدى سواء. ويحصل الإيجاب للهدى بقول المهدى : «هذا هديى» ، أو تقليده ناويا به الهدى ، ويسنّ تقليد الهدى بأن يجعل فى أعناقها النعال أو أى علّاقة. والسنّة إشعار الإبل والبقر ، أى أن يشق صفحة السنام الأيمن للإبل حتى يدميها ، ولا يسن إشعار الغنم. وينحر الهدى متى فرغ الحاج من رمى جمرة العقبة يوم النحر ، والسنّة النحر بمنى ، ويجزئه حيث نحر من الحرم ، ويستحب للمهدى أن يشهد النحر ، ويجوز أن يشترك السبعة فى البدنة والبقرة. وإن عجز المتمتع عن الهدى يصوم ثلاثة أيام فى الحج بعد إحرامه آخرها يوم عرفة ، وسبعة إذا رجع إلى بلده ، وله أن يصوم العشرة أيام جميعها بين أهله وفى بلده.

* * *

٢١٤٤ ـ الفداء والفدية

من فدى ، تقول : فدى الرجل من الأسر ، أى استنقذه بمال أو سواه ، كقوله تعالى : (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ) (٨٥) (البقرة) ، يعنى تقبلون الفدية فى الأسرى ، والفدية : هى ما يعطى عوض المفدى. والفدية والفداء والفدى بمعنى واحد ؛ وفاديت نفسى إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا كقوله تعالى : (لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ) (١٨) (الرعد) ، ومنه قول العباس للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فاديت نفسى وفديت عقيلا ؛ والعرب تقول : جعلت فداك. ومن نذر ذبح ابنه يفديه بكبش كما فدّى إبراهيم ابنه ، كقوله تعالى : (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (١٠٧) (الصافات) ، وقيل : ينحر مائة من الإبل كما فدى عبد المطلب ابنه! وفى الأحوال الشخصية يقال : فدت المرأة نفسها من زوجها : أى أعطته مالا حتى تخلصت منه بالطلاق ، كقوله تعالى : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (٢٢٩) (البقرة) ، وفى الآية جواز أن يخلع الزوج زوجته نظير أن تعطيه ما أنفقه عليها ، وقيل : يجوز أن تفتدى منه بما يتراضيان عليه سواء كان أقل مما أعطاها أو أكثر منه ، وكان الناس فيه لا يأخذون من النساء أكثر مما يعطونهن ، وقد رفض النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الزيادة فقال : «أما الزيادة فلا ولكن حديقته» ، والحديقة هى ما دفعه لها فافتدت بها المرأة نفسها ، وقيل : الفداء فى العينى لا فى المال. وقد تكون الفدية الطعام عن الإفطار فى رمضان ، كقوله تعالى : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) (١٨٤) (البقرة) ، والآية نزلت رخصة للشيوخ والعجزة خاصة ، والمرضى والحوامل والمرضعات ، إذا أفطروا لعدم قدرتهم على الصوم ، ولقدرتهم على أن يطعموا إذا أفطروا ، أن يطعم كل منهم عن نفسه مسكينا عن كل يوم.

١٠٤٩

والفداء فى الحج كقوله تعالى : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (١٩٦) (البقرة) وذلك لمن أراد أن يحلق ، فلا يفتدى حتى يحلق ، وشعر الرأس وغيره فى وجوب الفدية سواء ، وإذا حلق المحرم رأسه ثم حلقه ثانية فعليه فدية واحدة ؛ وجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فدية الأذى : أن يفدّى ستة مساكين ويعشّيهم ، أو يهدى شاة أو يصوم ثلاثة أيام. والنسك هى الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى. وقصّ المحرم أظفاره كالحلق ، فيه الفدية عن كل ظفر ، والمرأة إذا لبست القفاز. والفدية فى الحج الفاسد بالجماع حال الإحرام بدنة ـ أى ناقة أو بقرة مسمّنة ، على كل من الواطئ والموطوءة. والدم فدية لبس المخيط عامدا ، والقميص يستديم لبسه ، والمنطقة ، والقباء ، وكذلك الذى يتطيّب ثم ينزع ثوبه ثم يلبسه. ولا يتقيد صيام الفدية بالحرم. وجزاء ما كان من الصيد ولو كان طيرا ، نظيره من المال يفديه به ، وإذا أتلف جزءا من الصيد وجب ضمانه ، وحتى بيض الصيد وفراخه يفتدى. ولا فدية على قتل الحيوان المؤذى والأهلى.

* * *

٢١٤٥ ـ أعمال النحر

فى قوله تعالى : (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ) (٢٨) (الحج) ، أن ذكر اسم الله هو التسمية عند الذبح والنحر ، كقولك : (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (١٦٢) (الأنعام) ، فكل ما نؤدّيه كعبادة ، لله وباسم الله. وفى الجاهلية كان الناس يذبحون على أسماء أصنامهم ، فبيّنت الآية أن الذبح لا يكون إلا على اسم الله ، لأنه الذى يرزق بهيمة الأنعام. ووقت الذبح هو انصراف الإمام ، وفى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن ينحر إلا بعد نحر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى الحديث : «من ذبح بعد الصلاة فقد تمّ نسكه وأصاب سنة المسلمين» أخرجه مسلم. وأيام النحر ثلاثة أو أربعة : يوم النحر ويومان بعده ، أو ثلاثة أيام بعده. ويوم النحر هو العاشر من ذى الحجة. والنحر فى الأمصار يوم واحد ، وفى منى ثلاثة أيام. والأيام المعلومات هى هذه الأيام الثلاثة. ويوم النحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة ، لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يرم من الجمرات غيرها يوم النحر. وأعمال يوم النحر أربعة أعمال : الرمى ، ثم النحر ، ثم الحلق ، ثم الطواف. والسنّة ترتيبها هكذا ، وإن أخلّ الحاج بالترتيب فلا شىء عليه.

* * *

٢١٤٦ ـ الأضحية وتوزيع لحمها

المرخّص بذبحه فى الحج هى الأنعام كقوله تعالى : (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ) (٢٨) (الحج) ، وهى : الإبل ، والبقر ، والغنم. ويستحب لمن يذبح أن يقوم بذلك بنفسه ، وأن يأكل من هديه وأضحيته ، ويدّخر منها ويتصدّق بالأكثر ، وفى

١٠٥٠

الحديث : «فكلوا وادّخروا وتصدّقوا» ، والأكل فى الذبائح لا يحلّ فى أربع : الكفّارات ، والصيد ، والنذر ، وفدية الأذى. وفى الجاهلية كانوا يحرّمون الأكل من لحوم الضحايا ؛ وفى الإسلام أمرنا بالأكل منها : (فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا) (الحج ٢٨) ، وفى الحديث : «من ضحّى فليأكل من أضحيته». ويستحب التصدّق بالثلث ، وإطعام الثلث ، وإهداء الأهل من الثلث ؛ وقيل يأكل النصف ويدّخر منه ، ويتصدّق بالنصف ، لقوله : (فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ) (٢٨) (الحج) ، وقوله : (فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) (٣٦) (الحج) والفقير يوصف بالبؤس من شدّة الفقر ؛ والقانع هو السائل ، ويقنع يعنى يسأل ؛ والمعتر الذى يتعرض لمن يذبح يسأله منه ، من اعتراه وعراه ، يعنى يطيف بصاحب الأضحية وقد يسأله ، وقد يظل ساكتا. والسنّة فى النحر أن تنحر الإبل قياما مقيدة ، وتنحر البدن قياما ، ولا يعطى الجزّار أجره من الهدى ، وقد يعطى من الهدى صدقة أو هدية أو زيادة على حق. ولا يباع لحم الهدى ولا جلودها ولا جلالها ـ أى كسوتها ، ويتصدّق بها.

* * *

٢١٤٧ ـ البدن من شعائر الله

البدن هى الإبل ، ومفردها بدنة ، مأخوذة من البدانة وهى الضخامة ، وقيل البدانة فى الإبل والبقر ، وقيل البقر لا يقال عليها بدنا ، وقيل البدن تهدى إلى الكعبة ، والهدى فى الإبل والبقر والغنم ، وفيها قوله تعالى : (وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ) (٣٦) (الحج). والخير فى البدن هو منافعها ، ونحرها لا يكون إلا على اسم الله ؛ وصواف أى تصفّ قوائمها ، والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه ، فإذا وجبت جنوبها ، أى سقطت بعد نحرها ، فعندئذ يستحب أن يأكل الإنسان من هديه ، وفيه أجر وامتثال ، وأن يطعم القانع وهو السائل ، والمعتر الذى يطيف بالضحية ولا يسأل.

* * *

٢١٤٨ ـ النحر عام الحديبية

نحر المسلمون مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عام الحديبية سنة ست هجرية فى ذى القعدة : البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة ، واشتركوا معه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الحج والعمرة كل سبعة فى بدنة ، ونحروا يومئذ سبعين بدنة ، ونحر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بدنة ، وحلق رأسه. وقيل إن الذى حلق رأسه يومئذ خراشى بن أمية بن أبى العيص الخزاعى ، وأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المسلمين أن ينحروا ويحلّوا ، ففعلوا بعد توقّف أغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالت له أم سلمة : لو نحرت لنحروا ، فنحر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هديه ، ونحروا بنحره ، وحلق رأسه ودعا للمحلقين ثلاثا ، وللمقصّرين مرة.

١٠٥١

٢١٤٩ ـ نحر الهدى حيث حلّ صاحبه

عن الهدى فى الآية : (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (١٩٦) (البقرة) أن التحلل من الإحرام حتى ينحر الهدى ـ وهذا فى أحوال السلم والظروف العادية ؛ والمحل : الموضع الذى يحلّ فيه الذبح ، فإذا كان هناك حصر من العدو أو من مرض يقعد بصاحبه ، فالمحل حيث موضع الحصر ، اقتداء برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم زمن الحديبية ، كقوله تعالى : (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) (الفتح ٢٥) ، والمعكوف هو المحبوس فى حالة الحصر ، ممنوعا من الوصول إلى البيت الحرام ، وقوله : (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (٣٣) (الحج) ، والمخاطب بكل ذلك : الآمن الذى يجد الوصول إلى البيت ، بدليل أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما أحصر وأصحابه نحر الهدى بالحديبية وليست من الحرم.

* * *

٢١٥٠ ـ المنحر منى ومكة

المنحر للحاج : منى ، والمنحر للمعتمر : مكة ، وإذا نحر الحاج بمكة ، والمعتمر بمنى لم يحرج واحد منهما ـ أى لم يأثم.

* * *

٢١٥١ ـ الإحصار فى الحج

الإحصار : هو المنع من الوجه الذى تقصده بالعوائق بأى عذر كان ، كأن يكون الحصر بالعدو ، أو بالمرض ، أو بالفقر ، أو بمنع السفر إلى الحج من حكومة جائرة ، وفى حالة العدو نقول حصر بالعدو كما فى حالة فلسطين ومنع اليهود للمسلمين من الحج ، وفى حالة المرض أو الفقر نقول أحصر بالمرض أو بالفقر ، ويصح أن نقول : أحصر بالعدو ، وحصر بالفقر أو المرض ، والغالب أنه فى العدو نقول : حصر ، وفى المرض أو الفقر نقول أحصر. والمحصر الذى نيته الحج ولا يستطيعه للأسباب السابقة ، فعليه الهدى ، كقوله : (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (١٩٦) (البقرة) ، ويحلّ المحصر حيث أحصر ، وينحر هديه فى مكانه إن كان ثمّ هدى ، ويحلق رأسه ، أو يبعث بهديه إن أمكن ، وليس على الفقير هدى. وكل من منع من الوصول إلى البيت الحرام ، سواء بعدو يحاصر بلاده ، أو بعدو يحتل أرضه ويتحكم فيه ، أو بمرض يمنعه من السفر ، أو بالفقر يعوقه عن الحج والوفاء بالتزاماته ، أو يكون قد فقد ماله فى بداية السفر ، فإنه يقف مكانه على إحرامه ، ويبعث بثمن هديه إن كان معه مال ، وحينئذ يستطيع أن يحل فى وقت الحل ، وأن يشترط فى تلبيته فيقول : لبيك اللهم لبيك ، ومحلى حيث حبستنى من الأرض ، كما قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عمّ النبىّ ، وكانت زوجة للمقداد بن الأسود ، حين

١٠٥٢

أتته تقول : يا رسول الله ، إنى أردت الحج ، أشترط؟ قال : «نعم». قالت : فكيف أقول؟ قال : «قولى لبيك اللهم لبيك ، ومحلى من الأرض حيث حبستنى» أخرجه أبو داود والدارقطنى وغيرهما. وهذه بشرى للفقراء والمرضى حيثما كانوا ، فما عليهم إلا أن ينووا الحج لله ويتابعوا شعائره فى وسائل الإعلام ، ويلبّوا مع الملبين وإنما حيث حبسهم الله ، وهو تعالى ذو الفضل ، وله الحمد والمنّة. وكانت ضباعة سمينة ولا تستطيع أن تسافر للحج ، وجاءت إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما يقول ابن عباس وقالت له : إنى امرأة ثقيلة وإنى أريد أن أحج ، فكيف تأمرنى أن أهلّ؟ قال : «أهلّى واشترطى أن محلى حيث حبستنى». وعذر ضباعة قائم ولن يتغير ، وقول القائلين أنه يتوجب على من أحصر قضاء الحج أو العمرة ، ولا قضاء فى مثل ذلك إلا إذا تغيرت الأحوال ، كأن يجلو العدو ، أو يشفى من المرض ، أو تتغير أحواله المالية ، فحينئذ يتوجب القضاء ، وفى الحديث : «من عرج أو كسر فقد حلّ وعليه حجة أخرى» أخرجه الدارقطنى ، فذلك شأن من يصاب بمرض مفاجئ أو حادث طارئ. وفى عام الحديبية حلّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمسلمون حيث هم ، ثم قضوا فى العام المقبل ، ولذلك قيل لعمرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من العام التالى لعام الحديبية : «عمرة القضاء» أو «عمرة القضية» ، وإنما لم يأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أحدا من أصحابه أن يقضوا شيئا ، ولا حفظ ذلك عنه ، ولا قال فى العام المقبل : إن عمرتى هذه قضاء عن العمرة التى حصرت فيها ، ولم ينقل ذلك عنه ، والصحيح أن اسم «عمرة القضاء» أو «القضية» لم يكن لأنها تقضى عن العمرة السابقة التى لم تتم ، وإنما لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قاضى قريشا وصالحهم فى ذلك العام على الرجوع عن البيت على أن يقصده من قابل ، فسميت بذلك عمرة القضية». والخلاصة : أن من أحصر يحلّ بالنية ويفعل ما يتحلل به ، ولا قضاء عليه ، والله أعلم.

* * *

٢١٥٢ ـ حلق الشّعر والتقصير

الحلق والتحليق والتقصير جميعا للرجال ، ولذلك يغلب المذكر على المؤنث فى الآية : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (٢٧) (الفتح). والحلق أفضل ، وليس للنساء إلا التقصير. وفى الصحيح أن معاوية أخذ من شعر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على المروة وهذا كان فى العمرة لا فى الحج ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حلق فى حجته.

* * *

٢١٥٣ ـ الحلق بعد النحر

لقوله تعالى : (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (١٩٦) (البقرة) ، فعلى المحرم أن لا يحل قبل أن ينحر هديه ، وكذلك المحصر ؛ والموسر ينحر ، والمعسر ينحر عنه ؛ وأقل الهدى شاة ؛ والمحصر بمرض أو بعدو ينحر مكانه ؛ وإن لم يجد هديا فعليه الإطعام أو

١٠٥٣

الصيام ، وإن لم يجد لا الهدى ، ولا الإطعام ، ولم يستطع الصيام ، فلا شىء عليه ؛ وليس عليه أن يحلق لأنه قد ذهب عنه النّسك ، فلمّا سقطت عنه بالإحصار جميع المناسك كالطواف والسعى ، سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل أنه محصر ، وليس عليه تقصير ولا حلاق ، وإن حلق فلا شىء أيضا ، والحلق أفضل لأنه من النسك الذى يقدر عليه ، فإن لم يقدر عليه من مرض أو ضعف أو غيره فلا شىء. والحلاق أحسن من التقصير ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا ثلاثا للمحلّقين ، ودعا مرة واحدة للمقصّرين ، وفى ذلك دليل على أن الحلق فى الحج والعمرة أفضل من التقصير ، وهو مقتضى قوله تعالى : (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ) (١٩٦) (البقرة) الآية ، فلم يقل تقصّروا. ولا تدخل النساء فى الحلق ، والتقصير للنساء سنّة ، وفى الحديث : «ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير» أخرجه أبو داود. وتقصّر المرأة من كل ضفيرة مثل الأنملة ، أو ثلاثة أصابع مقبوضة ، أو الثلث أو الربع ، والشابة خلاف القاعدة.

* * *

٢١٥٤ ـ فما ذا لو أضطر أن يحلق وهو فى الحلّ؟

الحلاق بعد نحر الهدى ، فمن يضطر أن يحلق أو يأتى بشيء من الحل قبل الهدى ، فعليه فدية : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (١٩٦) (البقرة) ، ولما رأى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كعب بن عجرة وقد تفشّى القمل فى رأسه أثناء الإحرام ، وقمله يتساقط على وجهه ، أمره أن يحلق وهو فى الحديبية قبل أن ينحر الهدى ، وأنزل الله الفدية ، فأمره أن يطعم ستة مساكين ، أو يهدى شاة ، أو يصوم ثلاثة أيام ، والموجب للفدية الحلق للأذى والمرض. وفى الرواية أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لكعب : «أحلق واهد هديا» فقال : ما أجد هديا. قال : «فأطعم ستة مساكين» ، فقال : ما أجد. قال : «صم ثلاثة أيام». وظاهر الحديث الترتيب ، أى الاختيار أولا فأولا ، وأن المحرم ممنوع من حلق رأسه أو جزّه أو إتلافه بحلق أو نورة أو غير ذلك إلا فى حالة العلّة ، وعليه الفدية حينئذ ، ومثل ذلك من لبس المخيط ، أو غطى رأسه أو بعضه ، أو لبس الخفّين ، أو قلّم الأظافر ، أو مسّ الطيب ، أو حلق شعر جسده ، أو اطّلى ، أو حلق مواضع المحاجم ، والمرأة مثل الرجل ، وعلى الرجل الفدية ، وعلى المرأة مثل ذلك فى الحلق ـ وإن لم يكن فيه طيب ، وعلى المرأة الفدية إذا غطّت وجهها أو لبست القفازين ، وأكثر أهل العلم يساوون فى الفدية بين العامد والناسى ، إلا الشافعى فلا يجعل فدية على الناسى ، وفى الحديث أن الناسى معفى فلا شىء عليه. والفدية تكون فى أى مكان ، وما يذبح كفدية سمّاه القرآن نسكا ولم يسمه هديا ، فلا يقاس على الهدى ، ولا يعتبر هديا ، ولما أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كعبا بالفدية لم يكن بالحرم. والنّسك : جمع نسيكة وهى الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى ، ويجمع أيضا على

١٠٥٤

نسائك. والنّسك : العبادة فى الأصل ، ومنه قوله تعالى : (وَأَرِنا مَناسِكَنا) (١٢٨) (البقرة) أى متعبّداتنا.

* * *

٢١٥٥ ـ استحباب تقليم الأظافر

من حلق أو قصّر يستحب له تقليم أظافره ، والأخذ من شاربه.

* * *

٢١٥٦ ـ طواف الزيارة

طواف الزيارة من أركان الحج ، كطواف القدوم ، سوى أنه ينوى به طواف الزيارة ، ويسمى أيضا طواف الإفاضة ، لأنه يأتى بعد الإفاضة من منى. ولا رمل فيه ولا اضطباع ، ووقته المفضّل يوم النحر بعد الرمى والنحر والحلق ، ووقته الجوازى منتصف ليلة النحر ، ولا حدّ لآخره. والمفرد أو القارن ، إذا رمى ونحر وحلق ، أفاض من منى إلى مكة فطاف طواف الزيارة ، ولا يحل من إحرامه حتى يفعله. والمتمتّع يطوف بالبيت سبعا ، وهو طواف القدوم لأنه لم يطفه قبلا ، وإنما طاف وسعى للعمرة ، ويسعى بين الصفا والمروة سبعا كما فعل فى العمرة ، ثم يعود فيطوف بالبيت طوافا آخر ينوى به الزيارة.

* * *

٢١٥٧ ـ خطبة الإمام ووصية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أمته

خطبة منى يوم النحر ، يسنّ أن تكون لتعليم الناس مناسكهم من النحر والإفاضة والرمى. وخطبة اليوم الثانى من أيام التشريق ، يستحب أن تكون لتعليم الناس حكم التعجيل بالخروج من منى وتوديع الكعبة بالطواف. وعن ابن عباس أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خطب الناس يوم النحر ـ أى خطبة منى ، فقال : «يأيها الناس ، أى يوم هذا»؟ قالوا : يوم حرام. قال : «فأىّ بلد هذا»؟ قالوا : بلد حرام. قال : «فأى شهر هذا؟» قالوا : شهر حرام. قال : «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، فى بلدكم هذا ، فى شهركم هذا». فأعادها مرارا ، ثم رفع رأسه فقال : «اللهم هل بلّغت؟ فليبلغ الشاهد الغائب. لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض». قال ابن عباس : فو الذى نفسى بيده إنها لوصيته إلى أمّته. وفى رواية أخرى قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، فى شهركم هذا ، فى بلدكم هذا ، إلى يوم تلقون ربّكم. ألا هل بلّغت؟ اللهم أشهد ، فليبلّغ الشاهد الغائب ، فربّ مبلّغ أوعى من سامع ، فلا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» وقيل : لمّا سمع الناس خطبته صلى‌الله‌عليه‌وسلم قالوا : هذه خطبة الوداع ، وهذه حجّة الوداع.

* * *

١٠٥٥

٢١٥٨ ـ الصلاة فى مسجد الخيف

يستحب الصلاة فيه بمنى مع الإمام ، أو مع رفقة.

* * *

٢١٥٩ ـ الحج عن الغير

قيل : يجوز الاستئجار على الحج ، ولا يجوز الحج أو العمرة فرضا أو تطوعا عن إنسان حىّ إلّا بإذنه ، وليس للزوج منع امرأته من الحج ، وإن لم يأذن لها خرجت بغير إذنه ، ولا تخرج المعتدّة إلى الحج فى عدّة الوفاة ، ولها أن تخرج فى عدّة الطلاق ، وإن كان الصبى مميزا وأحرم بإذن وليّه صحّ حجه. ولا يجوز للمحرم أن يتزوج أو يكون وكيلا ولا وليا فيه عن غيره طالما هو محرم ، ولا يجوز تزويج المحرمة ، وتكره الخطبة للمحرم والمحرمة ، وأن يشهد على زواج. وله أن يتّجر ويصنع الصنائع.

* * *

٢١٦٠ ـ التحلّل من الإحرام

إذا فرغ المتمتع الذى أحرم بالعمرة من الميقات ، من الطواف والسعى ، قصّر أو حلق شعره ، فيحل من عمرته إن لم يكن معه هدى ، فإن كان معه هدى فليس له أن يتحلل ، ويقيم على إحرامه ، ويدخل الحج على العمرة ، ثم لا يحل إلا إذا أحل منهما جميعا. ويقصر المتمتع عند حله من عمرته ليبقى الحلق للحج ، وإن أحرم بالحج قبل التقصير فقد أدخل الحج على العمرة فيصير قارنا. وأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل سواء كان معه هدى أو لم يكن ، وسواء كان فى أشهر الحج أو فى غيرها ، وإذا كان معه هدى له أن ينحره حيثما كان. والمفرد أو القارن ، إن كان معه هدى فليس له أن يحل من إحرام الحج ، وإن لم يكن معه هدى يستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج وينوى عمرة مفردة ، فيقصر ويحلّ من إحرامه ليصير متمتعا إن لم يكن وقف بعرفة. والتحلل من الإحرام لا يقع إلا بإتمام الحج ، أو التحلل عند الحصر ، أو العذر.

* * *

٢١٦١ ـ الصلاة بالأبطح

يستحب عند النفر من منى إلى مكة إذا أتى الحاج المحصب وهو الأبطح ، فيصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم يستريح ، ويتوجه إلى مكة.

* * *

٢١٦٢ ـ دخول الكعبة بعد الحج

يستحب لمن حجّ أن يدخل الكعبة فيكبّر فى نواحيها ، ويصلى ركعتين ، ويدعو الله ، ولا يدخلها بنعليه ، وللحجر حكم ذلك لأنه من البيت.

* * *

١٠٥٦

٢١٦٣ ـ طواف الوداع

سمّى أيضا الصّدر ، أى الرجوع ، ومنه الصادر أى العائد ، ويقابله الوارد أى القادم.

وهو يجب على الحاج الذى يريد الخروج من مكة ، فليس له أن يخرج حتى يودّع الكعبة بالطواف سبعة أشواط ، ويصلى ركعتين ، ووقت هذا الطواف بعد تمام فراغه من كل أموره ، إلا من كان منزله بالحرم فليس عليه طواف وداع ، وإن خرج من مكة ثم دخل إليها لحاجة فيستحب ألا يدخل إلا محرما. وإذا حاضت المرأة قبل طواف الوداع فلا وداع عليها ولا فدية.

* * *

٢١٦٤ ـ حجّ النساء

المرأة تسافر وحدها للحج أو لأى سبب آخر إذا كان الطريق آمنا ، وكذلك فى الضرورة ، وسفر الضرورة لا يقاس عليه الاختيار ، وكذلك السفر الذى يدفع ضررا متيقنا بتحمل ضرر متوهم ، وفى زمن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان لا بدّ من المحرم مع المرأة ، ولذا قال : «لا تحجّنّ امرأة إلا ومعها محرم» ، أو يكون معها زوج أو نسوة ثقات فيسافرن صحبة ، وتكفى امرأة واحدة ثقة. والمرأة عموما لها أن تسافر فى غير الفرض إذا تواجدت فى دار حرب فلها أن تخرج ، أو إذا أخذوها أسيرة ، أو معتقلة ، فلها أن تتخلّص ، وإذا انقطعت من الرفقة. والآية : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى) (٣٣) (الأحزاب) تنهى المرأة عن خروج التبرّج وليس الخروج مطلقا ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر النساء أن يخرجن لقضاء حوائجهن ، ولم يمنعهن المساجد ، فقال : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ، وهو قول عام فى المساجد ، ومنه المسجد الحرام ، وليس للزوج منع امرأته من حجّ الفرض ، وقال ابن حزم بجواز سفر المرأة بغير زوج ولا محرم لكونه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يأمر بردّها ولا عاب سفرها.

* * *

٢١٦٥ ـ التجارة فى موسم الحج

التجارة فى الحج حلال ، وكانت ذو المجاز ، وعكاظ ، ومجنة ، متاجر للناس فى الجاهلية ، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك ، حتى نزلت الآية : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) (١٩٨) (البقرة) عن البيع والشراء فى موسم الحج ، والموسم سمى بذلك لأنه معلم يجتمع إليه الناس ، مشتق من السمة وهى العلامة. وهذه الأسواق كانت بناحية عرفة إلى جانبها ، أو كانت بمنى ، وقيل : كانت عكاظ وراء قرن المنازل ، وقيل بين نخلة والطائف فى بلد يقال له الفتق. وقيل : مجنة كانت بمر الظهران ، أو بأسفل مكة غربى البيضاء. وهذه الأسواق هى التى كانت تقام فى مواسم الحج ، وفى غير ذلك كان هناك أسواق أخرى

١٠٥٧

كسوق حباشة على طريق مكة اليمن ، وتقام فى شهر رجب ، وظلت أسواق مواسم الحج فى الإسلام إلى أن زالت سوق عكاظ فى زمن الخوارج سنة ١٢٩ ه‍ ، وكانت أعظم هذه الأسواق جميعها ، وتقام صبح هلال ذى القعدة إلى أن يمضى عشرون يوما ، ثم يقام سوق مجنة عشرة أيام ، إلى هلال ذى الحجة ، ثم يقام سوق ذى المجاز ثمانية أيام ، ثم يتوجهون إلى منى للحج ، وقد ظل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عشر سنين يتبع الناس فى مواسم الحج ، فى أسواق مجنة وعكاظ ، يبلّغ رسالات ربّه. والتجارة التى أمر بها المسلمون فى هذه المواسم لم تكن بمنى ، ولكن إذا أفاضوا من عرفات. وكان المنع فى الأول بدعوى أن أيام الحج أيام ذكر ، ولا يرون أن يدخلوا التجارة فى حجّهم ، إلى أن نزلت الآية.

* * *

٢١٦٦ ـ ما يقوله الحاج إذا رجع

يستحب لمن حجّ وعاد أن يكبّر عند وصوله إلى بلده ويقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شىء قدير. آئبون تائبون عابدون ، لربّنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده.

* * *

٢١٦٧ ـ باب الزكاة

انظر الزكاة ضمن الإسلام الاقتصادى من المعاملات فى الباب الثامن عشر

* * *

وينتهى باب الحج والعمرة ، وبانتهائه ينتهى باب العبادات ، وهو الباب السابع عشر ،

ويبدأ الباب الثامن عشر عن القرآن والمعاملات ، ونسأل الله التوفيق.

* * *

١٠٥٨

الباب الثامن عشر

المعاملات

* * *

أولا : الإسلام السياسى

* * *

القرآن والسياسة

٢١٦٨ ـ الأساس الموضوعى للدولة الإسلامية

الآية : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء ٥٨) ، من أمهات الأحكام ، وتتضمن جميع الدين والشرع ، والخطاب فيها لحكّام المسلمين خاصة ، ولمن يدرّسون القانون فى الجامعات ، والآية وإن كانت لها أسباب النزول ، إلا أنها عامة فى جميع الناس ، فهى تتناول مختلف الولاة فيما لديهم من الأمانات فى الحكم ، وفى القضاء ، وفى تعاملات الشرطة ، وتحقيقات النيابات ، وعلاجات المرضى ، والتدريس لطلاب العلم ، والتربية للأولاد ، وتأدية الوظائف ، والتعاملات العائلية بين الأزواج والأبناء والآباء ، وعلاقة الدولة بالمواطنين ، وعلاقات الدول ببعضها البعض إلخ ، فكل شئون الناس ودائع فى أيدى المتصرّفين ، وكذلك الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والإفتاء ، كل ذلك أمانات. والأمانة تكون فى كل شىء ، وتردّ إلى أصحابها ، سواء الأبرار أو الفجّار ، فالآية شاملة لكل أمانة ، وفى الحديث : «عهد الله أحق ما أدّى» ، والمسئولية فى الحكم من نصيب الجميع ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» ، فالأب والأم ، والمرأة والرجل ، والحاكم والمحكوم ، والناس جميعا رعاة وحكّام على مراتبهم ، والحكم من أكبر الأمانات.

* * *

٢١٦٩ ـ الإسلام ضد الترف والبذخ

يأتى عن الترف فى القرآن ثمانى مرات ، وفيها جميعا تدين الآيات المترفين وتسفههم ، وتحطّ من شأن الترف. والترف هو التنعّم المبطر المفسد المطغى ، يقال : أترفه المال يعنى أبطره وأفسده وأطغاه ؛ وأترف الرجل ، أى أصرّ على البغى ؛ واستترف : بغى وطغى وتغطرس ؛ والمترف : المتنعّم ، يصنع ما يشاء ولا يمنع ، وهو الجبّار. يقول تعالى : (وَإِذا

١٠٥٩

أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) (١٦) (الإسراء) ، يعنى هلاك الأمم إنما بمترفيها ، وهم الفسّاق فى كل شعب ، والظالمون به ، والسماح لهؤلاء بأن يتلقفوا سدّة الحكم ، وأن تكون بأيديهم مقاليد الدولة ، هو إعمال لدمار الدولة بإرادة الشعب ، لأنه الذى انتخبهم ، أو لأنه لم يعترض عليهم ، فسبّب الأسباب وساقها إلى غاياتها ليحق على الشعب الوعيد. والمترفون يشكّلون الطبقة الغنية فى كل شعب ، وهم شراره ، وتأميرهم على الشعب هو أن يصبحوا فيه أمراء ، أى حاكمين مسلّطين ، وفى قراءة أخرى للآية : «أمّرنا مترفيها» يعنى أكثرناهم فى الدولة فصارت لهم السلطة ، وفى قراءة أخرى للآية : «أمرنا مترفيها» يعنى مكّناهم أن يملكوا ثروة البلد ويقبضوا على زمام الحكم فيه ، وما فاز شعب كان الحكم فيه للمترفين ، وهم المسرفون ، جباة المال ، وفارضو الضرائب ، وأصحاب القوانين الجائرة ، وفى معنى ذلك قول القائل فى الآية : إذا أراد الله أن يهلك أمة أو دولة ، غضبا منه تعالى على أهلها ، مكّن لأكابر مجرميها فمكروا فيها ، فحقّ عليها الوعيد ، كقوله تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها) (الأنعام ١٢٣). وتدميرها هو استئصالها بالهلاك ، وفى رواية لزينب بنت جحش : أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم خرج يوما فزعا محمر الوجه ، يقول : «لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شرّ قد اقترب» ، قالت له : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : «نعم ، إذا كثر الخبث» ، والخبث هو فساد الحكم ، وظهور طبقة المستغلين دعاة الإلحاد والإباحية ، وبظهورهم تظهر المعاصى ، فإذا لم يرفضها الشعب ويغيّرها ، كانت مدعاة لهلاك الجميع ، الطالحين والصالحين على السواء.

والترف ـ يعنى الاشتغال بالمال واللذات ، يقول تعالى : (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) (١١٦) (هود) ، فالترف يؤدى إلى ارتكاب المظالم ، وما ظلم الظالمون إلا لأنهم يريدون المال ليترفوا ، فلما آل المال إليهم ارتكبوا الجرائم فصاروا مجرمين.

والمترفون دائما وأبدا مع الباطل ضد الحق ، ومع الشرّ ضد الخير ، ومع الكفر ضد الدين ، ومع الشيطان ضد الله ، وحزبهم هو حزب الشيطان ، وهم طغمة من الطغاة ، وما كان نبىّ ولا مصلح ، ولا داعية حق أو خير أو إصلاح ، إلا خرج المترفون ضده ، وألغوا فيه ، يقول تعالى : (وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) (٣٤) (المؤمنين) ، فانظر إلى منطقهم المغلوط ومذهبهم المادى الخائب ، وتأمل احتفالهم بالأكل والشرب كالبهائم ، فما أن يحلّ بهم عذاب الدنيا إذا هم

١٠٦٠

يجأرون ويولون الدبر ، وأمثالهم دمّروا بما أترفوا فيه ، واستبدلهم الله بأقوام غيرهم ، يقول : (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) (١٣) (الأنبياء) ، مثل أقوام نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، وموسى ، وعيسى ، من الأمم القديمة ، والاتحاد السوفيتى ويوغوسلافيا من الأمم الحديثة ، وما نتوقعه لأمم أخرى حالية على رأسها أمريكا وبريطانيا وإسرائيل ، ودول حلف الأطلنطى ، والكثير من أمة محمد ، وعلى رأسها دول بعينها كتركيا وغيرها ، وكل هؤلاء والغون فى الترف. وركضهم فى الآية إنما فرار من الثورة ، أو من ملاحقات شعوبهم ، أو انقلاب المخابرات عليهم فى بلادهم وفى بلاد غيرهم.

ويقاوم المترفون التغيير ، لأنه قد يأتى بنظم قد تقضى على امتيازاتهم ونفوذهم ، أو تقوّض طبقتهم ، أو تصادر ثرواتهم ، فكرهوا التغيير وقاوموه جهدهم ، قال تعالى : (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (٣٥) (سبأ) ، وقال : (وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (٢٣) (الزخرف) ، والأمة يعنى وجدوا آباءهم مجمعين على مذهبهم هذا الفاسد. والأمة أيضا هى الطريقة والدين ، فهم سائرون على طريقة الآباء فى الاستئثار بكل شىء ، وآخذون بملّتهم فى دحض الحق ، وإعلاء الطغيان وسحق المطحونين والفقراء ، يعوّقون ما فيه صلاح أممهم ، وتقدّم شعوبهم ، ولا أعدى للتقدم والعلم والمنطق والعقل ، ولحركة الحياة ، من المترفين.

* * *

٢١٧٠ ـ التعاون الطبقى وليس الصراع الطبقى

الطبقةclass هى المرتبة ، والاصطلاح محدث ، منه الطبقة الاجتماعية ، وطبقة العمال ، والقرآن يستخدم اصطلاحا أفضل من اصطلاح الطبقة هو الدرجة ، كقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) (الأنعام) ؛ والطبقة اصطلاح فيزيائى ، والدرجة اصطلاح كيفى قيمى ، بمعنى الرتبة والمنزلة والقيمة ، نقول «الطبقة العليا من المجتمع» ونقصد شريحة الأغنياء والحكّام ، ولا نقول الدرجة العليا من المجتمع ، بينما نقول درجة الحرارة ، والدرجة المئوية ، ونقصد الحالة ، ونقول استدرجه ، أى رقّاه من درجة إلى درجة أعلى ، فالدرجة للكيف والقيمة ، بينما الطبقة للوضع الاجتماعى ، وفى القرآن يقول تعالى فى الأنبياء : (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) (البقرة ٢٥٣) ،

١٠٦١

بمعنى فضّل بعضهم على بعض ، فكأن استخدام مصطلح الدرجة به معنى المفاضلة ، بينما استخدام مصطلح الطبقة هو استخدام توصيفى ، ومن ذلك قوله تعالى : (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) (١١) (المجادلة) ، أى يرفعهم فى الثواب فى الآخرة ، وفى الكرامة فى الدنيا ، ويرفع المؤمن العالم والطالب للحق على المؤمن العامى المفرّط فى الحق ، ويرفع المؤمنين الذين أوتوا العلم على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم ، وفى الحديث : «فضل العالم العابد مائة درجة». وهذه المفاضلة من الفضل وهو التقوى والبرّ ، والقرآن يأمر بالتعاون فى البرّ ، وليس التعادى والتصارع ، وفلسفة القرآن هى التعاون بين مختلف فئات الأمة ، وطبقات المجتمع ، كقوله : (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) (٢) (المائدة) ، والكلام فى الآية مقطوع من أوله ، فهو أمر لجميع الخلق بالتعاون فى الخير ، والتحاثّ على ما يزيده ، والنهى عمّا يعارضه ، وفى الحديث : «الدال على الخير كفاعله» ، وأيضا «الدال على الشرّ كصانعه» ، فكأن شعار القرآن : التعاون الطبقى class co ـ operation ، وليس الصراع الطبقى class struggle الذى تقول به الاشتراكية العلمية ، والحوار والجدل هما منهج التعاون ، ولذلك كانا منهج القرآن ، وليس الصراع strife إذن هو منهج القرآن. والقرآن يسمى «الرسل» النصارى «حواريين» ، كقوله تعالى : (قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) (آل عمران ٥٢) ، وفى الإغريقية هم «رسل» ، ومفردها «رسول apostolos» ، وهم فى اللاتينيةdiscipuli أى رسل ، واسم «الحواريين» ينفرد به القرآن ، من الحوار : وهو السؤال والجواب ، فمنهج المسيح فى رؤية القرآن ، كان التعليم من خلال الحوار ، والحوار فيه إقرار بالأنت أو الآخر فى مقابل الأنا ، على عكس الإملاءdictation ، وهو الأمر يصدر عن المملى للتنفيذ ، ومنها الكلمة الإفرنجيةdictator ، أى الطاغية أو الديكتاتور الذى دأبه إصدار الأوامر وعدم الاعتراف بالأنت أو الآخر ، فلا وجود إلا لأنا الديكتاتور ، وهو أنا متضخّم يشغل المساحة كلها بما فيها المساحة التى كان ينبغى أن تكون للأنت أو الآخر. فانظر إلى طريقة القرآن فى إطلاق الأسماء ، حيث يجعل الحواريين من الحوار ، فى حين أنهم عند النصارى مجرد أتباع المسيح أو تلاميذه المتلقين عنه! والذى يعنى القرآن هو هذا الحوار ، وفى القرآن هناك سورة تسمى «سورة المجادلة» (السورة ٥٨) ، يأتى فى بدايتها : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما) (المجادلة ١) ، والمجادلة امرأة عرضت على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مشكلتها وحاورته وجادلته فيها ، فسكت ، فلما عاودت كلامها قال لها «ما أوحى إلىّ فى هذا شىء» ، فقالت : أوحى إليك فى كل شىء وطوى عنك هذا؟! قال : «هو ما قلت» قالت : إلى الله إذن أشكو لا إلى رسوله! والمجادلة بالفتح هى المساءلة للتعلم

١٠٦٢

أو للمحاجاة ، وهى الحوار أساسه المواجهة والمساءلة والمجاوبة والمناقشة والبحث لمعرفة الحق وإحقاقه. وقد أخطأ المفسّرون إذ جعلوا معنى الحواريين أنهم كانوا يشتغلون بالحوارة أى القصارة ، أى تبييض الثياب ، وقال الصوفية هم الحواريون لأنهم بيّضوا قلوبهم ونفوسهم وطهّروهما عن كل دنس! والصواب أنهم أصحاب الحوار مع المسيح ، وهو مفهوم القرآن عنهم ، وهنتنجتون الذى قال بصراع الحضارات أوحت إليه الفكرة قراءاته فى التوراة ، فالصراع بين الحضارات وبين الأمم والطبقات هو مذهب التوراة ، ولذلك قال بالصراع اثنان من أشهر اليهود : «فرويد ، وماركس» ، والأول فى مجالى النفس والاجتماع ، والثانى فى مجالى الاقتصاد والحضارة ؛ وبتأثير تعاليم التوراة قال «دارون» المسيحى بالصراع للبقاء متابعا «بولس الرسول» ـ وكان يهوديا قبل أن يتنصّر ؛ واستمد فوكوياما نظريته فى نهاية التاريخ من نبوءة ملاخى فى العهد القديم ، ومن رؤيا يوحنا فى العهد الجديد ، وقوامها الصراع الحضارى ، فالثقافة اليهودية النصرانية الأوروبية لحمتها وسداها إذن القول بالصراع ؛ وأمّا الثقافة الإسلامية القرآنية ، وثقافة أهل السنة ، فقوامها الحوار بين الحضارات والتعاون بين الشعوب والأفراد ، وفى القرآن : (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) (١٣) (الحجرات) ، والتعارف أساسه التعاون الحضارى والاجتماعى والطبقى ، والأفضل هو الأتقى ، والمتّقون وصفهم فقال : (فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ) (٦٦) (يس) ، وقال : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (١٤٨) (البقرة) ؛ وهذه إذن نظرية الأجناس فى القرآن : أنه تعالى خلق الأبيض والأسود والأحمر والأصفر ، للتعارف والتعاون والتلاقح الحضارى والتثاقف ، وذلك هو طريق إعمار الأرض ، بينما هذه النظرية فى التوراة أساسها الاستكبار العنصرى ، والاستقواء والغزو ، وحرق الأرض ، وتدمير الأخضر ، وقتل الحياة. وفى الإنجيل أن المسيح استعلى على الكنعانية ولم يشف ولدها بدعوى أنها كنعانية من قوم كالخنازير ، ولو لا حجاج بطرس لمّا عاب عليه انصرافه عنها ، وذكّره بأن إيمانها يشفع لها ، لما شفى لها ولدها ، وكانت حجة المسيح أنه لم يبعث إلا لخراف إسرائيل الضالة ، ففرّق بين الأمم ، وفاضل بينها على أساس أجناسى وليس بمعيار التقوى ، أى البرّ كما جاء فى القرآن. وفى التوراة أن سام وذريته هم الأرفع شأنا ، واليهود على رأسهم ، وأن الشعوب دون سلالة سام هى الأدنى منزلة ، وتخدم اليهود ، فهذا هو قدرها وقدرهم ، فالثقافة العبرانية الأوروبية قوامها الحتمية التاريخية والفيزيائية ، والثقافة العربية الإسلامية قوامها الفكر المنفتح ، والمجتمع غير المغلق ، والاختيار الحر ، والمسئولية ، والتطور إلى الأحسن ، والقول بالعالمية ؛ والربّ فى اليهودية هو ربّ بنى إسرائيل ، وفى النصرانية هو المسيح ، وأتباعه هم المسيحيون ، كما أن اليهود أولاد يهوذا ، والإسرائيليين بنو إسرائيل ؛ وفى القرآن الربّ هو ربّ العالمين ، أى ربّ جميع الناس ، والمسلمون هم الذين أسلموا أمرهم له. فيا أيها المسلمون ، أرأيتم ما أنتم فيه من خير ، وما أوتيتم من رحمة ، وما أصدقتم من بيّنة؟! ولله الحمد والمنّة!

١٠٦٣

٢١٧١ ـ القرآن يساوى بين الخادم وسيده

ليست الاشتراكية بشيء إن كانت تساوى بين الناس فى المظهر دون المخبر ، وفى الملكية دون السلوك ، فأما الإسلام فإنه الدين الذى حرّر الرقيق وأعلن أن الكل سواء ، وساوى بين الخادم والسيد مخبرا لا مظهرا. فعن أبى هريرة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين ، أو لقمة أو لقمتين ، فإنه ولى حرّه وعلاجه». وفى رواية مسلم قال : «فليقعده معه فليأكل» ، وبرواية أحمد والترمذى قال : «فليجلسه معه ، فإن لم يجلسه معه فليناوله» ، وفى رواية لأحمد قال : «فادعه فإن أبى فأطعمه منه» ، وعند ابن ماجة : «فليدعه فليأكل معه» ، وقوله : «فليناوله أكلة أو أكلتين» يعنى إن رفض فليعطه بعض الطعام. والتعليل فى كل الأحوال بسبب أنه عانى من حرّ الطبخ على النار فلا أقل من أن يطعم منه ، وفى ذلك تسكين لنفسه وكفّ عن شرّه. والتسوية مع الخادم فى المسكن ، وكذلك فى الملبس من خصائص الإسلام ، وفى قوله فى حديث أبى ذرّ : «أطعموهم مما تطعمون» إلزام بمواكلة الخادم ، وأهل العلم على وجوب إطعامه من غالب قوت صاحب البيت أو المال ، وكذلك كسوته ، وأن لا يستأثر عليه بشيء ، وإجلاسه معه أفضل أو هو بالخيار.

* * *

٢١٧٢ ـ ما ملكت أيمانكم فى المصطلح العمالى الإسلامى

لاصطلاح «ما ملكت أيمانكم» معان كثيرة ، فقد يعنى الإماء ، كقوله تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) (٣) (النساء) ، وملك اليمين فى العدل ، قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرفيق ، وهؤلاء هم طبقة العمال من العهد القديم ، فرض على المسلمين فيهم حسن الملكة والمعاشرة ، وطيب الرعاية والمعاملة ؛ واليمين مخصوصة بالمحاسن ، وتقدر عليها ، وهى المنفقة والمتصدّقة ؛ والقسم يسمى يمينا ؛ والتعبير بملك اليمين من أجمل ما قرأت فى اللغات. وفى الآية : (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً) (٣٦) (النساء) قرن تعالى بين عدم الشرك به وبين الإحسان إلى كل هؤلاء ومنهم ملك اليمين ، وهم الشغّيلة ، وكانوا يعملون عمّالا فى مهنهم ، وخدما وفلاحين ، فهم البروليتاريا الإسلامية ، إلا أن البروليتاريا فى الاصطلاح الاشتراكى هى طبقة المضطهدين ، بينما البروليتاريا الإسلامية طبقة متميزة لها عملها الخاص ، والحراك الاجتماعى فيها سريع ، وتحرير الرقاب فضل ومنّة وكفّارة ذنوب. والمسلم مأمور أن يحسن إلى عمّاله ، والعمال عند المسلمين هم إخوة أصحاب الأعمال ، يقول أبو ذرّ : كان بينى وبين رجل من «إخوانى» كلام (يعنى من

١٠٦٤

الرقيق) ، فشكانى إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أى قال لأبى ذر : «يا أبا ذرّ! إنك امرؤ فيك جاهلية. هم إخوانكم (يقصد الرقيق) ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فأطعموهم مما تأكلون ، وألبسوهم مما تلبسون ، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم ، فإن كلّفتموهم فأعينوهم» أخرجه مسلم ، فنهى عن الإساءة إليهم ، وحضّ على مشاركتهم الطعام واللباس ، ورفع شعار «المذهب الاشتراكى» بفارق فى الزمن يزيد عن ألف وأربعمائة سنة ، حيث يقول شعار الاشتراكية : «من كل حسب جهده إلى كل حسب عمله» ، وهو فى القرآن : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (٢٨٦) (البقرة) ، يتكرر ست مرات. وروى أبو هريرة : أنه ركب بغلة ذات يوم ، فأردف غلامه خلفه ، فقال له قائل : لو أنزلته يسعى خلفك! فقال أبو هريرة : لأن يسعى معى ضغثان من نار (يعنى موقدان من نار) ، يحرقان منى ما أحرقا ، أحبّ إلىّ من أن يسعى غلامى خلفى!». فالفارق بين العدل الاجتماعى والمساواة فى الاشتراكية العلمية ، وبينهما فى اشتراكية الإسلام ، أنهما فى اشتراكية الإسلام عن «اعتقاد إيمانى» ، ومن صميم الاعتقاد فى إلهية الله ووحدانيته ، وهما أساس الإسلام ، وهى أمور تعوز الاشتراكية العلمية. وفى الحديث عند أبى داود : «من لا يحكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون ، واكسوه مما تكسون ، ومن لا يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذّبوا خلق الله» ، ولا يلائمكم» يعنى ولا يوافقكم ، والملايمة هى الموافقة ، فلا وجود لعقد الإذعان أو السخرة فى الإسلام! وعن أبى هريرة الحديث : «للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلّف من العمل إلا ما يطيق» أخرجه مسلم. وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يقل أحدكم عبدى وأمتى ، بل ليقل فتاى وفتاتى» وهو قمة فى أدب التخاطب والإشارة إلى طبقة العمال ، ويندب أصحاب الأعمال والمالكين لليمين. إلى مكارم الأخلاق ، ويحضّهم عليها ، ويرشدهم إلى الإحسان والتواضع حتى لا يروا لأنفسهم مزية على عبيدهم أو بالأحرى عمّالهم ، لأن الكل عبيد الله ، والمال مال الله ، ولكنه تعالى سخّر بعضهم لبعض ، ولذلك جعلهم طبقات أو درجات ، فلمّا كانوا طبقات سخّرهم لبعضهم البعض ، قال : (وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا) (٣٢) (الزخرف) ، يعنى ليعمل بعضهم عند بعض ، فيكون كل واحد سببا لمعاش الآخر ، فلا سيد ولا مسود ، وكان عمر يكره أن يقال لأحد سيد ، ونهى عن ذلك ، إتماما للنعمة وتنفيذا للحكمة ، وهو القائل : لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا وعقارات ، فمتى استعبدتم الناس وقد خلقهم الله أحرارا؟!! بالله كم هو رائع عمر هذا! ـ وفى رواية مسلم ـ الحديث : أن قهرمان للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم (والقهرمان أعجمية بمعنى الخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده) دخل عليه ، فسأله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول ما سأله : «أعطيت الرقيق قوتهم»؟ فقال القهرمان : لا. فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فانطلق فاعطهم» وقال : «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم»! ومرة ثانية فلنلاحظ الفرق بين مصطلح «العمال» أو «الشغّيلة» كما يرد

١٠٦٥

عنهم فى التاريخ الاقتصادى فى أمريكا وأوروبا ، وكانوا يسمونهم «العبيد» أيضا كما جاء عنهم فى كتب التاريخ ، وكما روت عنهم التوراة والأناجيل والرسائل النصرانية ، وبين اصطلاح «ملك اليمين» فى القرآن والإسلام ، فالأول ـ أى اصطلاح «العمال» ـ اصطلاح اقتصادى واجتماعى ، والثانى ـ أى «ملك اليمين» ـ اصطلاح دينى أخلاقى. ثم انظر إلى اصطلاح «الرقيق» الإسلامى بمعنى العبيد أو المماليك ، وابحث كيفما شئت فى كافة اللغات ، فلن تجد له مثيلا ولا ضريبا ، ولا فى التوراة والأناجيل ، والرقيق من رقّ ضد غلظ وثخن ، تقول رقيق الحال يعنى فقيرا ، ومنه رقاقة الخبز المنبسطة ، والرقّة هى الرحمة ، ورقّ وجهه استحيا ، ورقّ قلبه أى حنّ ، فكما ترى أن العربية لغة عبقرية ، ولذلك جاء القرآن بما هو معروف عن لغته هذه الجميلة ، ودلّت اللغة العربية كما يعرضها القرآن ، على الروح العربية ، على عظمة أهلها ورفعة أخلاقهم ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٢١٧٣ ـ السّخرة فى القرآن تبادل للمنافع وليست استعبادا للناس

اصطلاح القرآن لتقسيم العمل هو السّخرة ، وهى فى اللغة استعباد للعامل ، فقناة السويس شقّت بالسخرة ، أى لم يكن العمال يحصلون على أجور لقاء عملهم ، وفى القرآن : (نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (٣٢) (الزخرف) ، يعنى أن الله قضى بقسمة العمل divison of labour بين الناس ، بحيث يحتاج كل إنسان إلى آخرين يقدمون له مختلف الخدمات ، ويبيعونه ما يحتاج من أدوات وسلع ، فلا يستغنى أحدهم عن غيره ، وكلّ يعمل فى اختصاصه ، وبحسب وسعه ، ويتبادل والآخرين المنافع ، وهذا هو المعنى الجديد الذى يقدّمه القرآن للسخرة. وكان التقسيم الطبيعى للعمل وفق الجنس والسن ، فالرجال اختصوا بالقنص لأنهم أشداء ، وكبار السن وكل إليهم صيد البر والبحر ، والنساء كان من نصيبهن تربية الصغار وجنى الثمار وجمع المحاصيل. ولمّا اكتشفت المعادن جرى التقسيم الثانى للعمل فاشتغل النساء بالحقول ، والرجال بتشييد المبانى وأعمال التعدين ، وانفصلت الحرف عن الزراعة. ثم ظهرت الصناعات اليدوية وجرى معها التقسيم الثالث للعمل ، وصار هناك آلات وعمّال مدربون يعملون جماعات عليها ، وانفصل العمل الذهنى عن العمل اليدوى ، وتولّدت طبقة جديدة هى طبقة التجار والصيارفة ، واستوجب الأمر لاستمرار التطور أن تقوم المدن الصناعية والطرق التجارية ، وأن يتبادل الناس الخدمات على أوسع نطاق ضمن عقد اجتماعى يضمن للجميع حكومة تحافظ على الأمن وتؤصّل للسلام

١٠٦٦

الاجتماعى ، وتضمن حماية الحدود ، وأن تقوم على المجتمع دولة قوية لها جيش يحمى الحدود والذمار والمصالح ، وفى هذا الإطار الضخم من العلاقات الاجتماعية المتشابكة فإن كل إنسان مسخّر لكل الناس ، ومن هذا المعنى فإن العمل واجب وضرورة ، والعمل المقصود هو العمل الاجتماعى ، ومعنى السخرة فيه أن الإنسان محكوم عليه بالعمل work condemned to ، وفى قراءة لقوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (٥٦) (الذاريات) قال ابن عباس «إلا ليعملون» ، وفى الأمثال : «العمل عبادةlaborare est orare ، والله يقول : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً) (١١٥) (المؤمنون) ، فلم يكن الخلق عبثا ، ولا هو سدى ، والله تعالى عمل ويعمل ، وهو العامل الأكبر ، والبنّاء الأكبر ، والمهندس الأكبر ، والعمل آصرة اجتماعية تجمع الناس وبها يرتقون عن مرتبة البهائم ، لأن عمل الإنسان مقصود ، وعن إرادة واختيار ، ولنفع الناس ، ومن أجل ذلك كان تحيّز الناس لبعضهم البعض ، فيكون بعضهم سببا لمعايش آخرين.

وقد تقرأ «سخريا» بالكسر وليس بالضم ، من السخرية أى الاستهزاء ، كما فى قوله تعالى : (وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا) (٦٣) (ص) ، وفى قوله تعالى : (إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) (١١٠) (المؤمنون) ، فكأن «سخريا» بالضم والكسر مثل عصىّ وعصىّ ، والمعنى إذن المعروف والمتداول للسخرة ، أى الاستعباد ، ليس من معانى القرآن فيما يخص عمل الإنسان للإنسان ، إلا فيما يخص تسخيره للطبيعة ، أى استغلالها ، وقد سخّر الله الشمس والقمر دائبين (إبراهيم ٣٣) ، يعنى لمن يجعل لهما إرادة فى ذلك ؛ وسخّر البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ولتأكلوا منه لحما طريا (النحل ١٤) ، وسخّر الأنهار والسحاب والنجوم والطير ، وسخّر للإنسان كل ما فى الأرض ، فسخّر الإنسان بدوره الطبيعة لمصلحته ، فلما سخّر الإنسان الإنسان كتسخيره للطبيعة قامت الثورات ، لأن السّخرة استعباد ، ولم يتحدث في ذلك بشكل مستفيض إلا القرآن ، فألغى السخرة بتاتا ، وساوى بين الجميع ، وجعل العمل مشاعا وتبادل منافع بين الناس لا غير ، وهذا هو المعنى الجديد الذى صرف القرآن إليه مصطلح السخرة : تبادل المنافع ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٢١٧٤ ـ للفقراء حقّ فى مال الأغنياء

الآية : (وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (١٩) (الذاريات) أصل من أصول اشتراكية الإسلام ، والمجتمع الاشتراكى كما فى المراجع الاشتراكية ، فيه أن الحكم لديكتاتورية

١٠٦٧

العمال ، يعنى أن المجتمع الاشتراكى ما يزال فيه النزاع والصراع ، بخلاف المجتمع الإسلامى ، ويزيد المجتمع الإسلامى على المجتمع الاشتراكى بأنه مجتمع متكافل ومتعاون ، والاشتراكية فيه اشتراكية تعاونية تكافلية ، والمال فى المجتمع الإسلامى التعاونى هو مال الله ، والإنسان مستخلف عليه ، والسائل فى الآية هو الذى يسأل الناس لفاقته ، فوجبت نفقته على المجتمع أو الدولة ؛ والمحروم فى الآية هو الذى حرم العمل لبطالة متفشية ، فوجب على الدولة أو المجتمع أن يوجد له العمل ، أو يوجب له النفقة ، ويقوم النظام الاقتصادى الإسلامى على التقريب بين الطبقات والدخول ، وتسهيل الحراك الاجتماعى ، ومن شأن تطبيق عدالة الإسلام الاجتماعية ، أن يمتنع وجود فئتى السائلين والمحرومين ، ولا شك أن نظام الضريبة التصاعدية ، ونظام زكاة الأموال ، خير نظام يضمن أن يكون فى مال الغنى حق لكل سائل ومحروم ، لأنه من خلال النظام الضرائبى العادل ، والزكاة المفروضة ، لا يصبح المال دولة بين الأغنياء ، فيحرم منه الفقراء ، فيتكففون الناس ويسألون.

* * *

٢١٧٥ ـ الناس مختلفون ولذلك خلقوا

فى فلسفة الإسلام أن الله تعالى لم يشأ أن يخلق الناس على لغة واحدة ، أو ثقافة واحدة ، أو حضارة واحدة ، أو من جنس واحد ، أو ملّة واحدة ، قال : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (١١٨) (هود) ، يعنى خلقهم على مذاهب وملل ، وأجناس وشيع ، وأمم وشعوب ودول ، وأفراد وجماعات ، وتوجهات شتّى ، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربّك ونأى به عن الاختلاف فلم يجعله ديدنه ، وارتقى عليه وتجاوزه ، وتسامح وتراضى. وقانون الحياة إذن هو الاختلاف ، ولم يخلق الناس للائتلاف ، فلا بد من التباين ، وبه تكون استمرارية الحياة.

* * *

٢١٧٦ ـ من فلسفة الإسلام السياسى أن خلقنا الله أمما

يقول تعالى : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) (١١٨) (هود) ، فنبّه إلى أنه جعلنا أمما شتّى ، بلغات شتّى ، وألوان شتى ، فمنا الأحمر ، والأبيض ، والأصفر ، والأسود ، ومنا الأمم الغنية ، والأمم الفقيرة ، والمتقدمة والمتخلفة ، والنامية ، والمستعبدة (بالفتح) والمستعبدة (بالكسر) ، لنتمايز وتتباين حضاراتنا فنتبادل المنافع.

* * *

٢١٧٧ ـ الحكومة ضرورة لكل أمة

الناس لا بد لهم من وازع ، أى حكومة تحكمهم وتكفّهم عن بعضهم البعض. ومصطلح «الوازع» من مصطلحات الإسلام السياسى ، كقوله تعالى : (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ

١٠٦٨

جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (١٧) (النمل) ، وقوله : (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (١٩) (فصلت) ، و «يوزعون» تعنى يردّ أولهم إلى آخرهم ويكفّون. وفى كل المهن والحرف ، والأمم والدول ، يوجد الوزعة من كل الرّتب ، ولكل صنف من الناس وزعة فى رتبتهم ومواضعهم. ويقال وزعته أوزعه وزعا أى كففته. والوازع فى الحرب : الموكل بالتنسيق بين وحدات الجيش وفصائله وكتائبه ؛ وفى الشعر :

ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى

من الناس إلا وافر العقل كامله

والآية دليل على ضرورة الحكومة كنظام من شأنه أن يزع الناس ويمنعهم من إيقاع الظلم ببعضهم البعض. والقرآن وازع أكثر من الحكومة ، لأن القرآن يربّى الضمير ، والضمير وازع أكثر من القانون ، وطلب رضا الله وازع أكثر من الخوف من عقابه أو العقاب العام.

* * *

٢١٧٨ ـ ظلم الأمم والحكّام مهلكة لهم

فى الحديث : «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب من عنده» ، وفى القرآن : (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) (١١٧) (هود) ، يهلكهم بالفساد ، والفساد مدعاة للكفر ، كما أهلك قوم شعيب ببخس الميكال والميزان ، وقوم لوط بالشذوذ الجنسى وإتيان الذكران ، وآل فرعون بالجبروت والطاغوت ، وقوم نوح بالاستكبار والاستعلاء إلخ ، وهكذا تكون الأمم والشعوب والدول ، فهى إما هؤلاء وإما هؤلاء ؛ ومعنى الظلم انتقاص الحقوق ، وخاصة حقوق الطبقات الفقيرة ، والعملة المستضعفين ، والنساء المغبونات ، والأطفال المنبوذين.

* * *

٢١٧٩ ـ القرآن ضد الشعوبية

الشعوبية : تعنى العنصرية. والشعوبية : فرقة من الفرق السياسية فى تاريخ الإسلام ، وكانت تقول بأفضلية العجم على العرب ، وسبق الثقافة الأعجمية على العربية ، وتزعم ـ كما هو الآن ـ أن لغاتها لغات حضارات ، والعربية لغة بدو تقصر تعابيرها عن مواكبة التطور. والقول بالشعوبية مستمد من الآية من القرآن : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (١٣) (الحجرات). والشعوب مفردها شعب ، وأصله القبيلة العظيمة ، فالشعب العربى أبو القبائل والأمم والدول العربية ؛ والشعوب الجرمانية هى القبائل من أصول جرمانية أو هندو أوروبية. والشعب هو الجمهور والسواد ، والشعب أكبر من القبيلة ، ثم الفصيلة ، ثم العمارة ، ثم البطن ، ثم الفخذ. والآية نزلت تعارض العنصرية والاستعلاء الاجتماعى ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أمر بنى بياضة أن يزوّجوا أبا هند وكان من الموالى ، يعنى العملة أو الشغّيلة ، فرفضوا وقالوا نزوّج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله الآية. أو أنها نزلت فى ثابت بن قيس بن

١٠٦٩

شمّاس ، رفض أن يفسح مكانا لأحدهم ، وقال ابن فلانة؟! فطلب منه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ينظر فى وجوه الناس ، وسأله : ما رأيت؟ قال : رأيت أبيض وأسود وأحمر. فقال : «فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى»! فنزلت الآية فى ثابت ، كما نزل فى الرجل الذى لم يتفسّحوا له : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) (١١) (المجادلة) ، ففي الآية الأولى : رفض للعنصرية ، وأن معيار المفاضلة هو التقوى أى البرّ ، وفى الآية الثانية المعيار هو الإيمان والعلم. والقرآن لا يدعو إلى المساواة بين الناس عشوائيا ، فهناك مفاضلة ، وهناك الفاضل والأفضل ، ولكن وجه الفضل ليس المال أو الحسب والنسب ، وإنما هو خشية الله ، والعمل الطيب ، والعلم ؛ والهرم الاجتماعى فى الإسلام لا يقوم الأغنياء وأصحاب السلطة على قمته ، وإنما المؤمنون الأتقياء ، العاملون فى صلاح الناس ، والدائبون على العلم يتعلمونه ويعلّمونه ؛ والحكومة المناسبة التى يدعو إليها القرآن ، هى هذه الحكومة التى هذا المعيار هو معيارها ، واليوتوبيا الإسلامية أساسها ثلاثة لا رابع لها : الإيمان ، والعلم ، والعمل ؛ فلا شعوبية ولا عنصرية فى القرآن ، ومن ثم فى الإسلام. ولما كان فتح مكة ، اعتلى بلال ظهر الكعبة فأذّن ، فقال أحدهم ـ وهو بن أسيد بن أبى العيص : الحمد لله الذى قبض أبى حتى لا يرى هذا اليوم! وقال الحارث بن هشام : ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا؟! وقيل كلام كثير من غيرهم ، وبلغ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فدعاهم فأقرّوا ، فنزلت الآية تزجر عن التفاخر بالأنساب ، والتكاثر بالأموال ، والازدراء بالفقراء ، وتجعل رأس الأمر فى التقوى ، وقد كذب اليهود عند ما ادّعوا أنهم الأصلح بلا سبب ، وكذبوا لما قالوا : حتى لو فعلوا الشرّ فهم الأفضل! وكذبت الأناجيل لمّا جعلت الكنعانية أقل شأنا من الإسرائيلية ، لا لشىء إلا لأن الأولى كنعانية ، والثانية عبرانية! وكذب من قال بعلو الجنس الأبيض ، أو الجنس الآرى ، عن كل الأجناس ، وانظر إلى تعاليم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين يقول خطيبا فى أهل مكة : «يا أيها الناس : إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها ، فالناس رجلان : رجل برّ ، تقىّ ، كريم على الله ؛ وفاجر ، شقىّ ، هيّن على الله ، والناس بنو آدم ، وخلق الله آدم من تراب ، قال الله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (١٣) (الحجرات) ، فجعل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الجاهلية بمعنى الحضارة العنصرية ، وهى الحضارة النصرانية الأوروبية الأمريكية الآن ـ حضارة العولمة ، ونبّه إلى عيبة هذه الحضارة الجاهلية : الاستعلاء والاستكبار العنصريين. ونادى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإعلانه العالمى universal declaration لحقوق الإنسان ، وأسمّيه البيان أو البلاغ أو المانيفستو الإسلامى Islamic manifesto ، قال : «يا أيها الناس ، ألا إن ربّكم واحد ، وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربىّ على عجمىّ ، ولا لعجمىّ

١٠٧٠

على عربىّ ، ولا لأسود على أحمر ، ولا لأحمر على أسود ، إلا بالتقوى. ألا هل بلّغت»؟ قالوا : نعم. قال : «ليبلّغ الشاهد الغائب» ، يبلّغه قديما وحديثا : قيل وفى هذا الإعلان ورد : «إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ، ولا إلى أنسابكم ، ولا إلى أجسامكم ، ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ، فمن كان له قلب صالح تحنّن الله عليه. وإنما أنتم بنو آدم وأحبّكم إليه أتقاكم».

ويلخص ذلك علىّ بن أبى طالب ، ويجمع مذهب وفلسفة القرآن أو الإسلام فى اللاعنصرية ، شعرا ، فيقول :

الناس من وجهة التمثيل أكفاء

أبوهم آدم والأم حواء

نفس كنفس وأرواح مشاكلة

وأعظم خلقت فيهم وأعضاء

فإن يكن لهم من أصلهم حسب

يفاخرون به فالطين والماء

ما الفضل إلا لأهل العلم أنهم

على الهدى لمن استهدى أدلّاء

وقدر كلّ امرئ ما كان يحسنه

وللرجال على الأفعال سيماء

وضدّ كلّ امرئ ما كان يجهله

والجاهلون لأهل العلم أعداء

وبعد ، فهذه هى ثقافة القرآن اللاعنصرية ، أفترون لها مثيلا فى الثقافات اليهودية أو النصرانية ، أو فى ثقافة العولمة ، وثقافة التنويريين والعلمانيين والملحدين ، وثقافة أوروبا وأمريكا؟ فالحمد لله على القرآن والإسلام.

* * *

٢١٨٠ ـ الخليفة ونظرية الخلافة فى القرآن

الآية : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (٣٠) (البقرة) أصل القول بوجوب قيام الحكومة الإسلامية ، وأن يكون على رأسها خليفة ، وهو فى اللغة من يقوم مقام آخر ، وفى الفقه الإسلامى هو رئيس الدولة الذى له سلطات الفصل فى المنازعات ، ومراعاة التوازن بين الطبقات ، ومحاربة الفساد ، ومقاومة الظلم ، وإقامة العدل ، وحفظ الأمن والحدود ، وإشاعة السلام ، وإتاحة التعليم للجميع ، والتقريب بين الناس فى الدخول ، ومنع الاستقلال والاحتكار ، وحفظ وحدة الدولة ، وإنشاء المستشفيات والمدارس ودور الأيتام إلخ ، والمساكن لمحدودى الدخل ، وهو أمر لا يستطيعه واحد بمفرده ، وإنما تؤلّف له حكومة هى حكومة الخلافة ، والمعنىّ بالخلافة فى الآية هو آدم ، أو البشر من أولاده وذريته ، تصير لهم الخلافة من الله فى الأرض ، ومهمتهم فيها : ١ ـ الإعمار ، كقوله : (أَنْشَأَكُمْ مِنَ

١٠٧١

الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) (٦١) (هود) ، وهو الإصلاح والارتقاء والتحضّر ؛ ٢ ـ السيطرة على المقدّرات وتنميتها والهيمنة على الأرض ومصادرها ، كقوله : (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) (١٣) (الجاثية) ؛ ٣ ـ التمكين من هذه السيطرة ، كقوله : (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) (١٠) (الأعراف) ؛ ٤ ـ معرفة الله وشكره وعبادته ، كقوله : (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) (٥٢) (إبراهيم) ، وقوله : (وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (١٥٢) (البقرة) ، وقوله : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (٥٦) (الذاريات). وفى تاريخ مصطلح «الخليفة» ، وهو مصطلح قرآنىّ خالص ويخصّ الإسلام وحده لا غير ، يأتى أنه لمّا مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتولى أبو بكر بعده ، نادوه فقالوا : «يا خليفة الله» ، باعتبار الآية : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (٣٠) (البقرة) ، أو الآية : (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) (٢٦) (ص) ، فقال لهم أبو بكر مصححا : «لست خليفة الله! ولكنى خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم» ، وذلك هو الصحيح ، فما ينبغى أن ينسب البشر إلى من «ليس كمثله شىء» ، والبشر يخلفون ويستخلفون بعضهم البعض ، ولكنه تعالى لا يخلفه أحد ، وفى الآيتين اللتين ذكر فيهما الخليفة ، لم يأت أنه جعل آدم ولا نصّب داود خليفة له ، وعلى العكس فإنه الذى يستخلفهم ، أى ينصبّهم خلفاء ، أو يجعلهم خلائف لبعضهم البعض ، كقوله : (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ) (١٣٣) (الأنعام) ، وقوله : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ) (١٦٥) (الأنعام).

ونظرية الخلافة فى القرآن ليست من النظريات الثيوقراطية التى تقول بولاية الفقيه ، فالخلافة متاحة لأىّ من أفراد الشعب طالما تتوفر فيه شروطها ، ومنها : العلم ، وطلاقة اللسان ، ورحابة الصدر ، واتساع الأفق الفكرى ، والمعرفة بأصول الحكم ، وممارسة الخدمة العامة ، والاشتغال بأمور السياسة ، والتمكن فى علم الاقتصاد ، وإتقان اللغات ، وإتقان الكلام والخطابة إلخ. والفقيه قد يمهر فى الدين ولكنه يجهل فى العلوم الأخرى. ولمّا سأل قوم طالوت نبيّهم أن يعين لهم رئيسا عليهم ، لم يرشح نفسه للرئاسة ، واقترح عليهم طالوت رئيسا ، وأسس اقتراحه على ثلاث ميزات فيه ، قال : (إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) (٢٤٧) (البقرة). وفى القرآن أن الخلائف ـ جمع خليفة ـ يتمايزون ، كقوله : (الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) (١٦٥) (الأنعام) ، فبحسب مفهوم كل خليفة عن الخلافة ، واتساع وضيق هذا المفهوم ، وعمله بمقتضاه ، تكون درجته بين الخلفاء. ومهمة الخلافة فى المقام الأول : حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعى ، ويتضمن ذلك التزام الحاكم والمحكوم بمبدإ الشورى ، وأن الحاكم وكيل عن الأمة أو

١٠٧٢

الشعب ، وللأمة أو الشعب حق إلغاء هذه الوكالة وعزل الخليفة أو الحاكم ، كما أن له حق محاسبته ، ومساءلته. وتستمد شرعية إقامة الحكومة الإسلامية من إجماع المسلمين بعد وفاة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على وجوب انتخاب رئيس للدولة ، ولم يعوّلوا على القوة ، وأن يغتصب أحدهم الحكم عنوة ، ولم يرضوا بتحكيم العقل ، وإنما كان إصرارهم على تحكيم الشرع ، وضمان أن يكون الحكم لله ولرسوله بالقرآن والسنّة. ورفضت المعتزلة فكرة قيام حكومة إسلامية ، بدعوى أن العقل وحده يمكن أن يرجع إليه فى كل مسائل الدنيا مثلما يرجع إليه فى كل مسائل الآخرة ، والقاعدة الشرعية التى يحتكمون إليها : أن كل ما هو شرعى لا يصادر العقل ، وكل ما هو عقلى لا يصادم الشرع ، ولا خصومة بين العقل والشرع. وذهب البعض إلى القول بأن الدولة الإسلامية قد يكون من الواجب إقامتها ، ولكن نظام الخلافة ليس أنسب أنظمة الحكم ، وكان الخوارج على الرأى بأنه ما من ضرورة لوجود خلافة ولا أية حكومة ، فكانت هذه الفرقة هى أول فرقة فوضوية فى العالم قبل مجىء الفوضويين الروس فى القرن التاسع عشر. ومن أكبر المعارضين لنظام الخلافة والدولة الإسلامية الشيخ على عبد الرزاق فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم» ، بدعوى أن الإسلام نظام دينى لا شأن له بالحكم ، وأن أبا بكر لم يخلف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حقا بعد وفاته ، فالوحى انقطع بوفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإنما كان أبو بكر منشئ دولة ، وهو عمل سياسى محض لا عمل دينى. وساعد الخلفاء من بعد أبى بكر على تثبيت فكرة الخلافة لميول فى أنفسهم للحكم الاستبدادى ، فعلّموا الناس أن طاعة الخلفاء يوجبها الدين ، وواضح أن هذا الكلام متأثر بالفكر الأوروبى القائم على فكرة فصل الدين عن الدولة ، والأمر يختلف فى الإسلام ، فالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان المبشّر والنذير ومؤسّس الدولة الإسلامية ، وهو الذى أرسى قواعد دعائم الوحدة الدينية للأمة ، وأول من صاغ مصطلح الأمة الإسلامية ، والدين والدولة إذن متلازمان فى الإسلام.

وإذا كان الأمر شورى فى الخلافة فقد أكد ذلك عمر بن الخطاب حينما حدد صفات معينة ينبغى أن تتوافر فى كل من الناخب والمرشح للخلافة. وفى كتاب «الأحكام السلطانية» للماوردى من هذه الشروط : أن لا يكون الناخب ولا المرشح للخلافة فاسقا فيما يعمل أو يعتقد ، وأن يكونا على درجة من العلم. ومن شروط الناخب أن يكون لديه الوعى والقدرة على اختيار الخليفة من بين المرشحين وإن كثروا ، وأن تكون للمرشح الرخصة والصلاحية لتولى منصب الخلافة والرئاسة. وكانت الطريقة التى اتبعها عمر بن الخطاب ، من أحسن طرق انتخاب الخليفة ، وكانت على مرحلتين ، فى الأولى ترشّح

١٠٧٣

أهل الشورى القادرون على التمييز فعلا بين المرشحين للخلافة ، وفى الثانية يكلّف هؤلاء باختيار الأصلح من بين أصحاب الأسماء المعروضة ، ومن شروط الترشيح بالإضافة إلى ما سبق : أن يكون المرشح ذكرا ، لأن المرأة تقصر جهودها دون الوفاء بمتطلبات أعباء المهنة وخاصة فى الحرب ، إلا أنها يمكن أن تنتخب ، وليس من بين آيات القرآن ما يمنع أن تكون المرأة خليفة ، وخاصة أن ملكة سبأ أظهرت من الحنكة والدراية ما يفوق ما يتمتع به الرجال منهما. ويجوز للمرأة فى الإسلام أن تؤم النساء دون الرجال ، وهناك الحديث الذى يمنع صراحة رئاسة المرأة للرجال ـ وإن كان حديثا ضعيفا. وقد ثبت أنه لا إجماع على بطلان خلافة المرأة ، فبنجلادش حكمتها امرأة ، وتركيا ، وإندونيسيا ، وباكستان. ومن شروط الخليفة اكتمال العقل ، وأن لا يشكو عاهة ، وأن يكون مسلما ، وفى بلد كمصر هناك أقلية نصرانية ، ومن غير المعقول أن يختار خليفة من بينهم وليس من الأغلبية ، كما أن النصرانى لا يصلح خليفة لبلد توجهاته إسلامية. والخليفة المرتقب من أهم صفاته المعنوية : حبّه للعدل بالمعنى المطلق ، أو بالمعنى الاجتماعى ، وأن يشتهر عنه العزوف عن الجور ، وأن يتصف بالحكمة وبعد النظر والميل إلى الإنصاف ، وأن يكون وطنيا صادقا فى وطنيته ، شجاعا غير هيّاب ، كيّسا فطنا أريبا. ويتم ترشيحه للمنصب من قبل جماعة ، ويكون انتخابه بالأغلبية ، ثم تكون البيعة له من قبل أهل الحلّ والعقد. وفى الخلافة الصحيحة تقوم سلطة الخليفة على صحة عقد الوكالة من الأمة له ، بأغلبية الأصوات ، وبموافقة أهل الحلّ والعقد ، وهم نوّاب الشعب الذين يضعون للخلافة شروطها فى كل حين ، ويؤكدون على بعضها بحسب حاجات الوقت ، فإذا رأى هؤلاء أن من بين المنتخبين من قد لا يوافقه شرط ، فيلزم حينئذ أن يعرضوا عليه شرطهم أولا ليروا رأيه فيه ، فإن لم يوافق أسقطوه من الاختيار وعهدوا بذلك إلى التالى عليه فى الحصول على الأصوات المؤيدة. وإذا تساوى عندهم اثنان من المرشحين فى عدد الأصوات ، وفى توافق الصفات طبقا للشروط ، فقد يأتى اختيارهم للأنسب بحسب حاجات الوقت ، فإن كانت البلد فى وقت حرب اختير الأشجع ، أو فى وقت كثر فيه الجدل فى مختلف الموضوعات فقد يكون الأنسب للاختيار هو الأعلم. وفى كل الأحوال فإن الدافع للاختيار هو الصالح العام ، وإذا كان الدستور يشترط تعيين نائب للخليفة ، وهذا ضرورى ، فإن من الأصلح أن يكون انتخاب النائب مترافقا مع انتخاب الخليفة ، ولمّا كان هذا النائب يمكن أن يئول إليه الحكم فى حالة مرض أو وفاة الخليفة ، فإن شروط اختياره يجب أن تكون بنفس القدر من الدقة التى لشروط اختيار الخليفة ، مع التنبيه إلى أن نظام الوراثة للخلافة باطل شرعا بطلانا تاما ، وأن الخلافة لمدة أربع أو خمس أو ست سنوات لا غير ، ثم يعاد النظر فى الخليفة ،

١٠٧٤

فإن كان محسنا وأفضل من المرشح الجديد لها ، أعيد اختياره ، وفى كل الأحوال لا يزيد استمراره فى الحكم لأكثر من مدتين. وبمجرد إعلان اختيار الأمة للخليفة ، تلتزم بمبايعته والخضوع له فى حدود الشرع ، والمبايعة هى إقرار للاختيار ، فإذا تولى الخلافة يصبح رئيسا للدولة ، وبذلك يصبح الخليفة مفوضا منها فى كل الأمور العامة فى غير افتيات عليه أو معارضة له ، ليقوم بما وكل إليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال ، واختيار الوزراء المناسبين ، بشرط موافقة أهل الحل والعقد ونواب الأمة على اختياراته.

* * *

٢١٨١ ـ الاستخلاف من أصول الحكم فى الإسلام

فى كل الدول الديموقراطية يحكم الرئيس وله نائب ، ويتم انتخاب الاثنين معا ، ونائب الرئيس هو المستخلف بعد الرئيس. وفى الإسلام : قيل إن العمل جرى على الاستخلاف بثلاث طرق ، الأولى : طريقة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيها أشار وألمح إلى أن يخلفه أبو بكر ولكنه لم يصرّح ، وقال لعائشة لمّا مرض واشتد مرضه : «ادعى لى أباك وأخاك حتى أكتب كتابا» ، ثم قال : «ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر!» ، وقال : «معاذ الله أن يختلف الناس على أبى بكر!» فتأكد أن المراد بالخلافة هو أبو بكر ؛ والثانية : طريقة أبى بكر ، وقد سمّى عمر خليفة من بعده ؛ والثالثة : طريقة عمر ، وكان يرى ضرورة الاستخلاف وقال لابنه : «لو كان لك راعى غنم ، ثم جاءك وتركها ، لرأيت أن قد ضيّع ، فرعاية الناس أشد». وقال : إن الله يحفظ دينه». وفى رواية قال : «أن لا أستخلف فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يستخلف ؛ وأن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف» ، فالفعل والترك عند عمر كان مشكلا ، وإنما يزيله أن دليل الترك فعله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم يستخلف ، ودليل الفعل يؤخذ من عزمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الاستخلاف ، بما قاله لعائشة عن عزمه ، وهو لا يعزم إلا على جائز ، ولقد فهم أبو بكر من عزمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم جواز الاستخلاف ، فاستعمله ، وقبله الناس ؛ ورجح عند عمر الترك ، ولكنه لم يرد أن يترك الناس كالراعى الذى يترك غنمه ، فحصر الاستخلاف فى ستة ، أمرهم أن يختاروا منهم واحدا ، واختار عمر الستة بحيث اجتمع فى كل واحد منهم أنه من أهل بدر ، ومن أهل أحد ، وترك لهم أن يقدّموا منهم الأفضل للخلافة ، فكان طريق عمر طريقا وسطا ، فقد رأى أن الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين ، فجعل الأمر معقودا للستة ، اقتداء بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبى بكر ، فأخذ طرفا من فعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو ترك التعيين ، وأخذ طرفا من فعل أبى بكر وهو العقد لأحد الستة وإن لم ينصّ عليه.

وعلى ذلك فإن الأمر فى الإسلام بشأن الرئيس يجوز فيه : أن يسمّى الرئيس من يخلفه ، بشرط أن لا يكون من أهله ولا أولاده ، وأن يكون أفضل من يراه صالحا للرئاسة

١٠٧٥

بعده ؛ أو أن يعهد الرئيس إلى جماعة لينتخبوا من بينهم أفضلهم للرئاسة كما فعل عمر.

وبناء عليه فالاستخلاف جائز فى الإسلام ، وينعقد بعقد الصفوة ، أهل الحل والعقد ، لواحد لا يستخلف غيره ، أو ينعقد بجعل الأمر شورى بين عدد محصور أو غير محصور ، وفى كل الأحوال يجب تنصيب رئيس للبلد ، فذلك واجب شرعا وعقلا ، لمن يستحق عقد الرئاسة له.

* * *

٢١٨٢ ـ الشورى من أسس الإسلام السياسى

الاستشارة مأخوذة من قول العرب : شرت الدابة ، وشورتها ؛ إذا أحطت بها علما عن تجربة ، كأن أجريها لأعلم كيف تجرى وسرعتها إلخ ، والمسافة التى تقطعها يقال لها مشوارا.

والشورى من قواعد الشريعة ، كقوله تعالى : (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) (٣٨) (الشورى) ، وقوله : (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (١٥٩) (آل عمران) ، وفى الخبر. ما تشاور قوم قط إلّا هدوا لأرشد أمورهم ، ويقال :

إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن

برأى لبيب أو مشورة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة

فإن الخوافى قوّة للقوادم

والمشاورة تكون من كل أمور الدنيا وأخصّها السياسة ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يستشير ، وكذلك الصحابة من بعده ، وتشاوروا فى نظام الخلافة ، وفى الردّة ، وفى الميراث ، والحدود ، وفى الحرب والسلام. وما أخطأ امرئ قط إذا حزبه أمر فشاور فيه ذوى الرأى وفعل الذى يرون ، فإن أصاب فهم المصيبون ، وإن أخطأ فهم المخطئون. والمشورة بركة ، واصطلاح الشورى أكبر وأعمق من اصطلاح الديموقراطية ، والديموقراطية أو حكم الشعب يقوم على الشورى ظاهرا ، وتطبيقا فإن مجالس الشعب هى مجالس أصحاب المصلحة الواحدة. وفى التاريخ الإسلامى كان أهل الحلّ والعقد المرجعية فى الشورى ، بينما فى المجالس النيابية المرجعية للحزب الذى يمثّل أصحاب المصلحة ، فبئست شورى الديموقراطية! وفى الحديث : «إذا كان أمراؤكم خياركم ، وأغنياؤكم سمحاؤكم ، وأمركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم ، وأغنياؤكم بخلاءكم ، وأموركم إلى نسائكم ، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها». وحتى فى الزواج فإن البكر تستأمر ، يعنى تستشار ، والمشورة حقّ فى الطلاق : (فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ) (٢٣٣) (البقرة). وفى كل الأمم فإنهم إذا لم يتشاوروا شقّ عليهم ، كقول ملكة سبأ : (يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (٣٢) (النمل).

١٠٧٦

والأمر من الله بالشورى حتى بالنسبة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو الموحى إليه ، كما فى الآية السابقة من سورة آل عمران. والشأن مع المستشار كالشأن فى الشورى ، والاختيار للمجالس النيابية فى ظل الديموقراطية لا يشترط له الأصلح ولا الأكثر علما ، بينما فى الإسلام تشترط العلمية كصفة أساسية فى المستشارين الذين هم أعضاء المجالس النيابية ، فما بالنا بمجلس نيابى فيه أميون ، ونصفه لا يحملون الابتدائية؟! وفى الحديث : «المستشار مؤتمن» ، لأنه من أهل العلم والخبرة ، وقلما يكون ذلك إلا فى عاقل ، وما كمل علم امرئ ولا دينه ما لم يكمل عقله ، فإذا استشير العاقل ، العالم ، الخبير ، التقىّ ، واجتهد فى الصلاح ، وبذل جهده ، حسنت مشورته ، ويقال :

شاور مشيرك فى الخفىّ المشكل

واقبل نصيحة ناصح متفضّل

فالله قد أوصى بذاك نبيّه

فى قوله «شاورهم» و «توكّل»

وما أحرى أن يكون هذان البيتان شعارا للمجلس النيابى فى بلادنا! وإنه لأمر غريب أن تؤلف وزارات فى بلادنا ، ويختار لها وزراء ، بلا استشارة من أحد ، مع أنه ما ندم من استشار ، ولا خاب من استخار ، وما شقى عبد بمشورة ، وما سعد باستغناء رأى. واستن عمر الشورى لانتخاب رئيس الدولة لأول مرة فى العالم. والشورى تقوم على اختلاف الآراء ، والرأى فيها بالأغلبية ، وما ينتهى إليه المشيرون من رأى يلزم الكل ، وعلى الحاكم أن يعزم على تنفيذه ، وينهض عليه ، ويمضى فيه ، ويتوكل على الله كقوله تعالى : (فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (١٥٩) (آل عمران) ، والعزم هو ما بعد الشورى ، وهو الحزم ، أى التنفيذ بلا هوادة.

* * *

٢١٨٣ ـ البيعة لولى الأمر والانتخاب الحر

المبايعة مصطلح إسلامى ويضاهى إدلاء الناخب بصوته فى الانتخابات الرئاسية وفى أوقات الأزمات والاستفتاءات الوقتية ؛ وفى اللغة المبايعة معاهدة ، سميت بذلك تشبيها للمعاوضة المالية ، كما فى قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (١١١) (التوبة). وانتخاب الرئيس أو مبايعته يعاوضها أن يكون هذا الرئيس فى خدمة شعبه ، وأن لا يطغى ولا يظلم ، ولا يطمع أن يكون رئيسا أبديا ، أو أن يئول الحكم إلى أبنائه من بعده ، وأن يقوم بما هو مفروض عليه من تأمين الناس والبلاد ، وأن يضمن لغير القادر التعليم والعلاج ومعاش البطالة والشيخوخة ، وأن تكون الملكية من حق الجميع ، وفرص الحكم على المشاع بين الناس ، ومصادر الثروة القومية فى أيدى أبناء الأمة ، وأن

١٠٧٧

يرسّخ وطنية الحكم وشعبيته ، ويحارب الفقر والجهل ، ويضمن للناس فرص العمالة ، ويدعو إلى تشريع ضرائبى عادل يوازن توزيع الثروة القومية بين الشعب ، وأن يسهّل الحراك الاجتماعى ، ويقرّب بين الطبقات والدخول ، فلمثل هذا الرئيس تبايع الأمة.

ونحن كمسلمين علينا واجب الانتخاب ، وفى الحديث : «ما من مسلم إلا ولله عزوجل فى عنقه بيعة» ، وللرئيس المرشّح أن «يشترط لنفسه» ، يعنى أن يكون له «برنامج انتخابى» ، فعن عبد الله بن رواحة أنه قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة العقبة : اشترط لربّك ولنفسك ما شئت» ، يعنى أنه حرّ أن يقنن للبيعة بما يرى ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اشترط لربىّ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. واشترط لنفسى أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» ، يعنى أن برنامج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان الإقرار بوحدانية الله ، وبما يفرضه هذا الإقرار من التزامات معينة ، والأخذ بتشريعات محددة ، وأن يكفل الناس للدعوة والدعاة الأمن والأمان. وسألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ ـ يعنى ما هو المقابل الذى سيعود علينا؟ فقال : «الجنة» ، يعنى رضا الله فى الدنيا والآخرة ، ولهم فيهما ثوابهما. فقالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل. ـ يعنى نعم العوض ، ويلزمنا هذا العهد لا نتحلل منه ولا نتهاون بشأنه ، ونزلت الآية : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ) (١١١) (التوبة) ، والآية (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (١٠) (الفتح). والبيعة المشار إليها هى بيعة الرضوان ، وكانت تحت شجرة سمرة بالحديبية ، والذين بايعوه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ألف وأربعمائة من الصحابة ، فنزلت الآية : (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) (١٨) (الفتح).

وللبيعة صيغة قولية ، وهى البيعة على السمع والطاعة فيما يستطيعون ، وعلى الهجرة ، وعلى الجهاد ، وعلى الصبر وعدم الفرار ولو وقع الموت ، وعلى بيعة النساء على الإسلام.

ويبدو أن البيعات فى الإسلام كانت ثلاثا ، فالأولى : «بيعة العقبة أو الرضوان» ، وتسمى «بيعة الأنصار» ، وكانت قبل الهجرة إلى المدينة ، وبايعوا على السمع والطاعة فى العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وعلى أن يقولوا الحق ولا يخافون فى الله لومة لائم ، وعلى أن يمنعوه إذا قدم عليهم يثرب ، فيمنعونه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم ، فهذه بيعة الأنصار له ؛ والبيعة الثانية : هى «بيعة الحرب» ، وكانت بعد فرض الحرب على المسلمين بعد الهجرة ، وبايعوه على الإسلام والجهاد ، وعلى عدم الفرار والموت ، ومن ذلك كانت الأنصار تقول يوم الخندق.

نحن الذين بايعوا محمدا

على الجهاد ما حيينا أبدا

والبيعة الثالثة : هى «بيعة النساء» ، وكانت بعد فتح مكة ، بعد أن نزلت الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ

١٠٧٨

إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَ) (الممتحنة) ، وفى رواية أحمد عن إحداهن قالت : أتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى نساء لنبايعه ، فأخذ علينا ما فى القرآن ، وقال : فما استطعتن وأطقتن. وفى رواية أخرى قالت : فلما شرط علينا أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزنى ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه فى معروف ، قال : «ولا تغششن أزواجكن». وفى رواية أخرى بزيادة : «فيما استطعتن». وفى رواية أخرى قالت : ونهانا عن النياحة.

فهذه هى الصيغ القولية للبيعة الإسلامية ، وهى برنامج عمل تنصلح به المجتمعات فى السلم والحرب ، وتندرج تحتها صيغ فعلية فى كل مجالات النشاط الإنسانى : التعليمى والاقتصادى والاجتماعى والحربى ، وعلى مثل ذلك تكون المبايعة لرئيس الدولة هى مبايعة على السنّة ، ومن قبل الله تعالى ، وتخلو من العورات التى تحفل بها الدساتير والشرائع الوضعية. وواضح أن حق الانتخاب مكفول للنساء دون تمييز ، ومطلوبات المرأة فى المبايعة وإن كانت توافق مطلوبات الرجال ، إلا أن بها بعض الخصوصية التى تتعلق بطبيعة النساء ، كما أن مطلوبات الجميع فى السلم تتباين عن مطلوباتهم فى الحرب ، والبيعات الثلاث لذلك من أجلّ ما يمتدح به الإسلام ، وليس لهن نظير البتة فى اليهودية ولا فى النصرانية ، ورحم الله شوقى وهو يقول :

الدين يسر والخلافة بيعة

والأمر شورى والحقوق قضاء

فهذا هو الإسلام ، وهذا هو القرآن الذى تضمّن كل ذلك ودعا إليه! والحمد لله على نعمة الإسلام ونعمة القرآن!

* * *

١٧ ـ دليل على خلافة أبى بكر

الآية : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) (٦٩) (النساء) دليل على خلافة أبى بكر ، وذلك أن الله تعالى لمّا ذكر مراتب أوليائه فى كتابه ، فبدأ بالأعلى منهم وهم النبيون ، ثم ثنّى بالصدّيقين ولم يجعل بينهما واسطة ، والمسلمون مجمعون على تسمية أبى بكر بالصدّيق ، كما أجمعوا على تسمية محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم رسولا ، وإذا ثبت هذا وصحّ أنه الصدّيق ، وأن اسم الصدّيق ليس لأحد غيره فى الإسلام ، وأنه الثانى بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لم يجز أن يتقدم بعده أحد فى الخلافة ، وبذلك تصحّ خلافته للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٠٧٩

٢١٨٤ ـ دليل على أن أبا بكر هو الخليفة

فى قوله تعالى : (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) (٤١) (التوبة) ، أن «ثانى اثنين» تدل على أن الخليفة بعد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو أبو بكر الصدّيق ، لأن الخليفة لا يكون أبدا إلا الرجل الثانى ، ليقوم بالأمر بعد وفاة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كقيام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم به أولا ، فلما مات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ارتدّت العرب كلها ، ولم يبق الإسلام إلا بالمدينة ومكة ، فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ، ويقاتلهم على الدخول فى الدين كما فعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاستحق من هذه الجهة أن يقال فى حقّه «ثانى اثنين» و «خليفة رسول الله».

* * *

٢١٨٥ ـ أبو بكر خليفة رسول الله وليس خليفة الله

خلقنا الله تعالى خلفا بعد خلف ، يقول : (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ) (٣٩) (فاطر) ، والخلف هو التالى للمتقدّم ، فلما قيل لأبى بكر : يا خليفة الله ، قال : «لست بخليفة الله ، ولكنى خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنا راض بذلك» ، وقياسا ، يكفى حديثا أن يسمى رئيس الدولة الإسلامية «خليفة» فقط ، أو أن يعطى أى اسم آخر ، كاسم رئيس الجمهورية ، أو الأمير ، أو الإمام ، أو حتى الملك ، بشرط العمل بمقتضى الشرع ، وفى إطار ثقافتنا وتاريخنا.

* * *

٢١٨٦ ـ آية الخلافة فى استخلاف الشعوب وليس الحكام

الآية : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) (٥٥) (النور) يفسّرها الحديث : «زويت لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها» ، فالمعنىّ فى الآية هو الأمة أو الشعوب الإسلامية ، والاستخلاف هو استخلاف للشعوب وليس لأفراد الحكام ، واستخلاف الشعوب هو أن يملّكوا البلاد وينفرد أهلها بحكمها. وهذا ما وعد به نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما يترسّمه نظام الخلافة أو نظام الحكم ، وما تنهض له الدعوة ، وما تطبّقه الشريعة ، وأثبتت الأيام أن كل ما وعد منها نفّذ بقدره وعلى حاله. والخلافة للخلفاء الأربعة تعنى أنها «خلافة النخبة» بمبايعة الشعب ، وأن يكون أساس الحكم الشورى ، فالمبدأ إذن فى الإسلام : أن الحاكم ينتخب من النخبة ، والآية عامة لأمة الإسلام غير مخصوصة بالخلفاء الأربعة فقط ، ومن الأصل المعلوم التمسّك بالعموم.

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الخلافة من بعدى ثلاثون سنة ثم تكون ملكا» ليس المقصود به أن يملّك على

١٠٨٠

المسلمين ملوكا ، وإنما الخلافة من بعد وفاته تكون لأصحابه من النخبة ، وتدور فى دائرتهم ، لاستكمال ما بدأه ، ولترسيخ المفاهيم والدين ، ثم تكون ملكا للشعب ينتخب من يشاء من الأصلح. والحديث صادق فى مجموع سنين خلافة الخلفاء : سنتان لأبى بكر ، وعشر سنوات لعمر ، واثنتا عشرة سنة لعثمان ، وست سنوات لعلىّ ، فالمجموع ثلاثون سنة ، ثم بعد ذلك غلبت الشعوب للأسف على أمرها ، وصار الملك نهبا لمن يغتصبه ، ثم صاروا يحتكرونه لأبنائهم ، وحسبنا الله!

* * *

٢١٨٧ ـ بيعة الرضوان تحت الشجرة أول انتخاب حرّ فى التاريخ

الرضوان : مصدر من الرضا ؛ والبيعة : هى التولية ؛ وبيعة الرضوان : هى التى دعا إليها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا أرسل عثمان بن عفان ليبلّغ عنه أنه يريد مكة لأداء العمرة ، وأنه لم يأت لحرب ، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظّما لحرمته ، فاحتبست قريش عثمان عندها ، فبلغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنهم قتلوه ، وقال : «لا نبرح حتى نناجز القوم» ، ودعا إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان ، أى التى يبتغى بها «رضوان الله» ، وتمت «تحت الشجرة» ، فكان الناس يقولون : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بايعهم على الموت ، وقال آخرون : لم نبايع على الموت ولكنا بايعنا على أن لا نفر. ولم يتخلّف أحد من المسلمين ممن كانوا مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا الجد بن قيس ، وكان تعداد من معه نحو ألف وأربعمائة أو ألف وخمسمائة. وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم إن عثمان فى حاجة الله تعالى وحاجة رسوله» ، وضرب بإحدى يديه على الأخرى. وكان الناس قبل أن يسألهم البيعة قد تفرّقوا يطلبون ظلال الشجر ، فلما سألهم البيعة أحدقوا به ، وكانت هذه البيعة أول انتخاب حرّ فى التاريخ. وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن بايعوا : «أنتم خير أهل الأرض اليوم» ، وقال : «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» ، ونزل فيهم قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (١٠) (الفتح) ، وقوله : (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (١٩) (الفتح) ، فالذى بايع إنما بايع الله بواسطة رسوله ، كقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) (١١١) (التوبة) ، وفى الحديث : «من سلّ سيفه فى سبيل الله فقد بايع الله» ، وتمت البيعة تحت شجرة سمرة بالحديبية. وكان أول من بايع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبو سفيان الأسدي ، فهو أول حرّ ينتخب فى أول انتخاب حرّ فى التاريخ.

* * *

١٠٨١

٢١٨٨ ـ أول دعاية انتخابية فى التاريخ

هى دعاية عمر بن الخطاب لأبى بكر ، فلما مات النبىّ وارتبك الناس من يختارون بعده خليفة ، اعتلى عمر المنبر ، وكان ذلك فى الغد من وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتشهّد وأبو بكر صامت لا يتكلم ، فقال : «كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى يدبرنا ـ يريد بذلك أن تكون وفاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعدهما : عمر وأبى بكر ، وقال : «فإن يك محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد مات ، فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورا ، به تهتدون بما هدى الله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإن أبا بكر صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثانى اثنين ، فإنه أولى الناس بأموركم ، فقوموا فبايعوه» ـ فقاموا وبايعوه.

وكانت طائفة من الناس قد بايعوه قبل ذلك فى سقيفة بنى ساعدة ، وأما فى هذه البيعة ، فبايعه الناس عامة. وكانت خطبة عمر أول دعاية انتخابية فى التاريخ ، وجرت وقائعها فى التاسع من مايو سنة ٦٣٢ ميلادية ، أى منذ نحو ١٣٧٠ سنة!! ولم تكن الانتخابات معروفة فى أى مكان فى العالم فى ذلك الوقت!

* * *

٢١٨٩ ـ الردّة وأهلها والمرتد

الردّة الاسم من الارتداد ، والمرتد الذى حاد عن دينه ، وفى الآية : (وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢١٧) (البقرة) ، تحذير من المشركين أنهم سيدأبون على قتال المسلمين ليردّوهم عن دينهم إن كان بوسعهم ذلك ؛ والمرتد هو الذى يطاوعهم عليه فيبطل عمله ويحبط ويفسد فى الدنيا والآخرة ، والحبط أصلا نوع من الفساد يلحق المواشى فى بطونها من كثرة أكلها الكلأ ، فتنتفخ أجوافها وربما تموت من ذلك ، والآية إذن نوع من التهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام ، وإلا فالمرتد بعد إيمان فإنه كافر ، إلا إن كان مكرها ، كقوله تعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١٠٦) (النحل) ، و «الكفر من بعد إيمان» فى الآية تاريخيا ، هو الذى كان من بعض المسلمين لما ارتدوا عن بيعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل كانوا أربعة ، هم : عبد الله بن سعد بن أبى سرح ، ومقيس بن صبابة ، وعبد الله بن خطل ، وقيس بن الوليد بن المغيرة. وأما «الكفر عن إكراه» فهو الذى أباه عمّار بن ياسر ، وكانت قريش قد أخذوه وأباه ياسر ، وأمه سمية ، وصهيبا ، وبلالا ، وخبّابا ، وسالما ، فعذّبوهم ، وقتل ياسر وسمية فكانا أول قتيلين فى الإسلام ، وكانت قريش تغصبهم على أن ينطقوا كلمة الكفر ، فأبوا رغم العذاب ، إلّا

١٠٨٢

عمّارا ، فأعطاهم ما أرادوا بلسانه ، وهذه هنة فى شخصية عمار ، وسنجده من بعد بسبب هذا الضعف فيه ، ينضم إلى الفتنة ويقاتل المسلمين مع علىّ. وقيل إن الرسول قال لعمّار من بعد يطمئنه : «كيف تجد قلبك؟» قال عمار : مطمئن بالإيمان! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فإن عادوا فعد». وفى الارتداد عن غصب قيل إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ، والغصب هو أن يخشى المسلم على نفسه القتل ، فيظهر الشرك ويكون مرتدا فى الظاهر ، بينما هو على الإسلام فيما بينه وبين الله ، ومثل (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) (النحل ١٠٦) قوله : («إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً)» (آل عمران ٢٨) ، والمكرهون على الكفر هم «المستضعفون» فى الآية : (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) (٩٨) (النساء) ، والمكره المستضعف هو الذى لا يمتنع عن فعل ما يؤمر به سواء كان رجلا أو امرأة أو ولدا. والإكراه فى الفعل والقول سواء ، ولا إثم على من يكره فى هذه الحالة ، كدليل على الكفر ، على أن يشرب الخمر مثلا ، أو أن يترك الصلاة ، أو يفطر فى رمضان ، إلا أن يؤمر بقتل ، فعليه فى هذه الحالة ، الصبر على البلاء ويسأل الله العافية. وأما من يؤمر بزنا فيستحيل أن يفعله ، لأنه لن ينتصب أصلا مع التهديد ، ولا زنا بلا انتصاب ، فإذا كان المكره امرأة وأكرهت على الزنا فلا حدّ عليها ، لقوله تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) ، ولقوله : (فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٣) (النور). ولما عذّب المشركون سمية أم عمار ، سبّوها وقالوا لها إنها أسلمت من أجل الرجال ، فحاولوا معها الزنا ، وربطوها بين بعيرين ، وعرّوها ، وطعنوا فرجها بحربة حتى خرجت الحربة من فمها ، ولم تنطق سمية كلمة الكفر. والذى يكره على الكفر ويجريه على لسانه ، عليه أن ينطق به كالمعاريض ـ جمع معرض ، من التعريض وهو خلاف التصريح ، تقول عرفت ذلك فى معراض كلامه ، ومعرض كلامه ، يعنى أثناء كلامه ، فإن قيل له : قل : لا أقر بمحمد نبيا ، أو قل : إن عيسى ابن الله ، فليقل ذلك بلا اكتراث ولا احتفال ، وكأن الكلام لا يعنيه ، وقيل لى إن المسلمين فى البوسنة كانوا : يجبرون على نطق الكفر ، فكانوا يقولونه بلا اهتمام ، ويحرّفون فى الكلام ، وقلوبهم تستغفر ، والقرف يتملكهم. فمن يجبر على الكفر واختار القتل فأجره عند الله. وأما من شرح صدره للكفر ونطق به عن رضا ، محبة فى الحياة الدنيا على الآخرة ، فهؤلاء طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، ولم يكونوا من المسلمين أصلا ، وكانوا من الغافلين الخاسرين والمنافقين.

فأمّا الآية : (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ) (٦٦) (التوبة) ، فلم يكن كفر هؤلاء المعتدين أو المعذبين ارتدادا ، وكان جرمهم كما تقول الآية : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ

١٠٨٣

كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) (٦٥) (التوبة) ، والآية نزلت فى غزوة تبوك ، فبينما كان المسلمون متجهين إليها سخر منهم نفر من المنافقين كانوا فى صحبتهم ، وقالوا : انظروا هذا ، يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بنى الأصفر! يريدون بذلك الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فالتفت إليهم معاتبا ، فقالوا : إنما كنا نخوض ونلعب ، فقال لهم نبى الله : «أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون»؟! ، وقيل الذى كان يخوض ويلعب هو وديعة بن ثابت وكان من المنافقين ، والهزل بالكفر كفر ، والهزل أخو الباطل والجهل. وقوله : «لا تعتذروا» دليل على أنهم أكثر من واحد ، وقيل كانوا ثلاثة ، هزئ اثنان ، وضحك واحد ، فالذى عذر هو الذى ضحك ولم يتكلم ، قيل هو مخشى بن حمير ، أو ابن مخشى ، أو هو مخاشن بن حمير ، أو ابن خمير ، والإجماع على أنه تاب وسمّى نفسه عبد الرحمن ، ودعا أن يقتل شهيدا ، واستشهد باليمامة فيما بعد ، والمؤكد أنه كان منافقا قبل أن يتوب ، لأن الآية التالية تقول : (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٦٧) (التوبة) ، فثبت ذلك عليه وعلى شريكيه ، وكفر هؤلاء لم يكن إذن من باب الارتداد ولكنه من الطبع ، فإن يكن قد أعلنوا الإسلام إلا أنهم لم يكونوا قد آمنوا. وقد عفا الله عن مخاشن هذا لمّا تاب ، لأنه فقط لم ينطق كلمة الكفر واكتفى بالضحك ، وأما الاثنان الآخران فكانا منافقين عن حق ، فصدق عليهم الكفر عن حق ، واستحقا اللعنة ووعدا النار خالدين فيها.

و «المرتد بعد إيمان» يستتاب ولو مائة مرة ، والأمر فيه على اختلاف بين الفقهاء وقالوا يقتل ، بالحديث : «من بدّل دينه فاقتلوه» ، ولا يوجد فى القرآن نصّ بذلك ، إلا أن عمله يحبط ، والإجماع على أن المرتدة لا تقتل ، وقد نهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن قتل النساء والصبيان ، وابن عباس لم يقتل المرتدة ، وفعل علىّ نفس الشيء. ومن قال بالقتل يحتج بالحديث : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ...» الحديث. ومن قال بأن أعماله تحبط فى الدنيا والآخرة ، قال إنه إذا عاد إلى الإسلام لم يحبط عمله ، فإذا مات وهو مرتد ، قيل : يرثه أهله من المسلمين ، وإلّا ورثه أهله من الكفّار.

وفى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) (٥٤) (المائدة) دليل آخر عن أن القتل ليس شرعة الله فى المرتد ، وقيل الآية من إعجاز القرآن لأنها أنبأت عن الردّة تكون فى غير عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كحركة كبرى ، وقد جرت فى عهد أبى بكر ، وأهل الردّة كانوا بعد موته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما قبض ارتدت العرب إلا مسجدين : مسجد المدينة ، ومسجد مكة ، وقيل ومسجد جؤاثى

١٠٨٤

ـ من جواثا بالمدينة ، ومنه جمعت أول صلاة جمعة. وكان المرتدون على قسمين ، فقسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها كما يطالب العلمانيون الآن ، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها ، وقالوا نصوم ونصلى ولا نزكّى ، فقاتلهم أبو بكر جميعا ، وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش على ما هو مشهور من أجنادهم ، وكانت عاقبة المرتدين استبدالهم من الله بمن يحبهم ويحبونه ، ويلتزمون بشريعته ويؤدون الزكاة على ما شرع ، والمقصود بهم مستقبلا أبو بكر وأصحابه ، ونعتهم بأن من أخلاقهم أن يرأفوا بالمؤمنين ويرحموهم ويلينوا لهم ، ويغلظوا على الكافرين ، ويجاهدوا فى سبيل الله بلا خوف من ملامة ، وهى صفات ألصق بأبى بكر وعمر وعثمان ، والأحرى أن الآية عامة فى كل من يجاهد الكفر إلى قيام الساعة.

* * *

٢١٩٠ ـ لم ترتد امرأة من المهاجرات بعد إسلامها

لما نزلت الآية : (إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ) (١٠) (الممتحنة) هاجرت نساء كثيرات من مكة إلى المدينة ، وهربن من أزواجهن ، منهن : سبيعة بنت الحارث الأسلمية وكانت تحت صيفى بن الراهب ، وقيل مسافر المخزومى ؛ وأم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ، هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها ؛ وأميمة بنت بشر امرأة ثابت بن الشمراخ ، فتزوجها سهل بن حنيف.

ولم يعرف أن مسلمة ارتدت بعد إسلامها إلا ثلاث : أم الحكم بنت سفيان ، وكانت تحت عياض بن شداد فقيل إنها ارتدت ؛ وبروع بنت عقبة وكانت تحت شماس بن عثمان ؛ وعبدة بنت عبد العزّى بن نضلة ، وكانت تحت عمرو بن عبد ود ، وهؤلاء لم يكنّ مهاجرات ، ولكن كافرات ، ولم يعرف لهن إسلام ، وكل امرأة كافرة ظلت بمكة فلا يعتد بها زوجة لمسلم ، وقد طلق عمر امرأتين له بمكة مشركتين هما : قريبة بنت أبى أمية فتزوجها معاوية بن أبى سفيان وهما على شركهما بمكة ، وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية ، أم عبد الله بن المغيرة ، فتزوجها أبو جهم بن حذافة وهما على شركهما. فكما أن كل امرأة قيل إنها ارتدت لم تكن فى الحقيقة مسلمة ، ومنهن من كانت تضمر الإضرار بزوجها ، أو تلتمس الدنيا ، على عكس المهاجرات من مكة اللاتى أعلنّ إسلامهن وتقدّمن للامتحان وأثبتن أنهن إنما هاجرن حبا لله ولرسوله.

* * *

١٠٨٥

٢١٩١ ـ تغيير المجتمعات للأفضل بتحضير الرأى العام للثورة

هذه قاعدة من قواعد الاجتماع الإنسانى ، كقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) (١١) (الرعد) ، فلكى تنجح الدعوة للإصلاح وتؤتى ثمارها لا بدّ أولا أن يفهمها الكافة ويعلموا بصحة ما تنادى به ، وعندئذ يوجد الميل القوى فى المجتمعات للتحوّل عن الوضع الذى هى عليه ، فالاشتراكية مثلا لا بدّ لكى تنجح أن يكون هناك رأى عام يساندها ، ورؤية واضحة لما تدعو إليه ، ويتم ذلك خلال ما يقال أنه مرحلة التحول الاشتراكى ، والآية تخبر أن الله لا يفرض الصواب على الناس فرضا ، فلا بد أن يتوفر الميل إلى إتيانه أولا ، والله لا يغيّر ما بقوم حتى يقع منهم التغيير أولا ، وهذا المبدأ من النواميس الكونية ، وهو حقيقة أو بدهية ، كقوله : (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (٣٨) (الأحزاب).

* * *

٢١٩٢ ـ المجتمعات كالأفراد لها آجال

تبيّن بعد لأىّ لعلماء الاجتماع أن المجتمعات كالأفراد لها آجال ، وفى القرآن : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (٣٤) (الأعراف) ، والأمم تشيخ ، ولها مراحل شباب ، وطفولة ، وكذلك الحضارات ، فالحضارة اليونانية سادت لفترة ثم شاخت ومرضت وانتهى أمرها ، وتلتها الحضارة الرومانية ، وقبل ذلك كانت الحضارة المصرية القديمة ، والفارسية ، ثم كانت الحضارة الأوروبية وهى حضارة يهودية نصرانية ، وحتى الآن لم يزل الإسلام يحاول أن يبسط نفوذه ، ولا تزال الحضارة الإسلامية فى عنفوانها ، والناس يخلطون بين الحضارة الإسلامية والحضارة العربية ، وكلاهما لم يمت ، فما تزال الحضارة العربية تستوعب غيرها من الحضارات ولها إسهاماتها العالمية ؛ ولم تمت الحضارة الإسلامية ولكنها تمتد ، وتظهر عند شعوب لم يكن لها حساب ، كالألبان ، والبوسنيين ، والشيشان ، والأفغان إلخ. وفلسفة القرآن فى قيام الحضارات وازدهار الشعوب تختلف مثلا عن فلسفة «شبنجلر» الذى يقول بمثل ذلك ، غير أنه لا يربط بين الحضارات ، وعنده أن نهاياتها جبرية كما يقول فوكوياما ، فالحضارة لها صيف وربيع وخريف وشتاء تفقد فيه روحها وتجف ، ولم يقل لنا شبنجلر لما ذا تجف وتصبح مدنية بعد أن كانت حضارة؟ والإسلام والقرآن يبين ذلك ويفسّره ويوضحه ويوجزه فى هذه العبارة : أن كل حضارة مآلها إلى الزوال فقط إذا عتت وظلمت ، وأنكرت الله كما تفعل أمريكا الآن.

* * *

٢١٩٣ ـ نظام الحكم الملكى والجمهورى الوراثى

فى الآية : (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً) (النمل ٣٤) ،

١٠٨٦

المقصود بالملوك الطغاة ، ويجمع فى يده كل السلطات ، ويقيل الوزارات ويكلّفها ، ويختار الوزراء ، ويفصّل القوانين على هواه ، ويزوّر الانتخابات ، ويعيّن المحافظين والنواب وقواد الجيش والشرطة ، ويجعل من نفسه حاكما أبد الدهر ، ولا يستقيم له ذلك إلا بالإفساد ، وإذلال الرافضين ، واتهام المنكرين ، وممالأة الأعداء ، وأن يكون عميلا للمخابرات الأجنبية ، وحافظا لمصالح الدول الكبرى.

والنظامان الملكى والاستبدادى من أسوأ أنظمة الحكم ، وهذا شأن كل نظام سياسى يفرضه شخص واحد ، أو حزب واحد ، أو أسرة واحدة ، والأدهى أن يكون نظاما وراثيا ، وهو فى الغالب هكذا ، ومن شأنه الحط من أقدار الشعب ، فأن يملك رجل واحد أو يحكم حزب واحد أو أسرة واحدة ، بلدا بأسره ، فهذا هو نظام الرقيق على مستوى سياسى كبير. والإسلام لا يعرف هذا النظام ، لأن الإسلام مبنى على الشورى الملزمة ، والسلطة فيه لأهل الذكر والحل والعقد ، وهم أصحاب أعلى الثقافات وأوسع الخبرات ، بمعنى أن الحكومة فى ظل النظام الإسلامى هى «حكومة خبراء» ، ولم تسقط الدولة الإسلامية إلا عند ما فهمت الخلافة أو الإمامة أو سلطة الحكم فى الدولة ، على أنها نظام ملكى ، أو استبدادى ، أو جمهورى وراثى.

* * *

٢١٩٤ ـ الهدية للحاكم وحكم الإسلام فيها

الحاكم الدنيوى يقبل الهدية من مرءوسية وأصحاب المصلحة ، والحاكم بشرع الله لا يقبلها ، وإذا قبلها فبشروط. ولمّا أرسلت ملكة سبأ إلى سليمان بهدية ، كقوله تعالى : (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ) (٣٥) (النمل) ، كان ذلك من حسن نظرها وتدبيرها ، لأن الصالحين لا يرضيهم المال. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقبل الهدية ، ولكنه كان يثيب عليها ، يعنى يردّ الهدية بهدية ، ولم يكن يقبل الصدقة ، وكذلك سائر الأنبياء والصالحين ، وأهل الفكر ، وأصحاب المذاهب والمبادئ. وفى الحديث : «نهيت عن زبد المشركين» ، يعنى عطايا من لا يؤمنون بالله. والهدية فى حدّ ذاتها ، وبين الأنداد والإخوان ، مندوب إليها ، وتورث المودة ، وتذهب العداوة ، وفى الحديث : «تصافحوا يذهب الغلّ ، وتهادوا تحابوا تذهب الشحناء» ، والشحناء هى البغضاء ، وفى رواية : «تهادوا فإنه يضعّف الود ويذهب بغوائل الصدر» ، ويضعّفه يعنى يزيده ، وفى رواية قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السخيمة» ، والسخيمة الغلّ. والخلاصة : أن الهدية لا تجب من صغير إلى كبير ، ولا من متعلم إلى عالم ، ولا من تابع إلى سيده ، فهذه رشوة ، وأما الهدية فتكون بين الإخوان والأنداد وهى آصرة.

* * *

١٠٨٧

٢١٩٥ ـ من دلائل نبوّة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خلافة الخلفاء

فى الآية : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) (٥٥) (النور) وعد من الله تعالى أن يستخلف المؤمنين فى الأرض ، يعنى أن يرثوا الحكم وتكون لهم الغلبة ، ويسود دينهم ، وتعلو ثقافتهم.

وهذا الوعد قد حققه الله تعالى للمسلمين ، فأظهر الله نبيّه على جزيرة العرب ، فوضع العرب جميعا السلاح وآمنوا ، واتّسع ملك المسلمين من الصين حتى الأمريكتين ، وما يزال يتسع يوميا ، وفى ذلك دلالة ، أولا : على صدق القرآن وأنه من عند علّام الغيوب ؛ وثانيا : على صدق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنه مرسل من عند الله ويوحى إليه ، ثم إن الآية ثالثا : دليل على خلافة الخلفاء بعد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، استخلفهم ربّهم ورضى أمانتهم ، وكانوا على الدين الذى ارتضى لهم ، ولم يفضّل عليهم أحدا ، واستقر الأمر لهم وقاموا بسياسة المسلمين.

* * *

٢١٩٦ ـ لا حكم إلا لله : كلمة حق أريد بها باطل

هى قول العاصى يتعلّل بها : (لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (٥٧) (الزمر) ، كتعلّل القدرية فى قوله تعالى : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا) (١٤٨) (الأنعام) ، إلا أنها كما قال علىّ بن أبى طالب للخوارج : «كلمة حق أريد بها باطل» ، فقد قالوا : «لا حكم إلا لله» ، وقولهم ظاهر البطلان ، لأن من سيتولى الحكم هم أنفسهم وليس الله ، وكذلك الذى يقول : «لو أن الله هدانى» ، أو «لو شاء الله» ، فإن الله لا يضلّ ، ولا يشاء الكفر ، والذى ضلّ هو المتعلل بهذا القول المتهافت ، فالله يهدى بإرسال الرسل ، وهذه هداية الدلالة ، ثم يهدى بإعانة من يريد الهداية ، وهذه هداية المعونة ، وكذلك فى الأحكام ، فالله تعالى يشرّع ، ولكن الحاكم هو الذى يطبّق الشرع ، فقد يفعل ذلك عن حقّ ، وقد يفعله عن باطل ، فإذا فعله عن حق أعانه الله ، وإذا فعله عن باطل أبلسه وأرداه فى النار.

* * *

٢١٩٧ ـ الأراذل والأرذلون من مصطلحات الإسلام الثورة

هذا مصطلح إسلامى خالص ، وهو فى التاريخ من مصطلحات الثورات ، ولأن كتّاب الثورات من الطبقة المثقفة الذين تربّوا على الاستكبار على ثقافة الشعب ، ولغته وعاداته ، فقد وصفوا الطبقات الدنيا من الشعب ، وهم عصب الثورات الشعبية عبر التاريخ كله ، بأنهم الرعاع ، أو الدهماء ، أو الغوغاء ، فأما الرعاع فهم العامة ، وأما الدهماء فهم

١٠٨٨

السواد ، وأما الغوغاء فهم السفلة ؛ وفى اللغات الأوروبية هم populace ، أوmob أوpopulaccio ، أوVolk ؛ وفى المصطلح السياسى فإن حكومة أو حكم الرعاع هوmobocracy ، ومثل هذه الحكومة لا تسود إلا بالانقلابات الشعبية ، كالتى كانت أيام الرومان ، وفى الثورة الفرنسية ، الثورة والروسية ، والثورة الصينية ، والثورة المصرية ، ويضيف المقريزى والجبرتى إلى هذا الاسم للحكومة الشعبية ، اسم «حكومة الأوباش» ، فأما القرآن ، فمصطلحه هو الأراذل ، والأرذلون ، كقوله : (قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) (١١١) (الشعراء) ، وقالوا : (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) (٢٧) (هود) ، من رذل ورذل رذالة ، أى استحق الاحتقار ، فالأراذل هم المحتقرون ، وهم كذلك بسبب احترافهم للحرف ، ومنهم عند الجبرتى الحمّارون ، والحجّامون ، والحطّابون ، والحمّالون ، والسوقة عموما ، وفى المصطلح الدينى كذلك هم «ضعفاء الأمة» ، من طبقة العبيد ، والموالى ، والرقيق ، والإماء ، والمكاتبين ، والأجراء ، وبالاختصار هم «الشغّيلة» ، والناس بحسب هذا المصطلح إما «مستكبرون» وإما «مستضعفون» ، والمستضعفون : هم الأتباع والأجراء ، والمستكبرون : هم الأسياد. والإسلام دين وثورة ؛ والإسلام الثورة : جاء يخلّص هؤلاء الضعفاء أو المستضعفين ، كقوله تعالى : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) (٦) (القصص) ، أى أن هدف الإسلام هو : إقامة الميزان الاجتماعى والسياسى على الأرض ، وأن يكون النظام الحاكم هو النظام الذى يمثّل الأغلبية ، وهم الذين دأب المستكبرون العرب على تسميتهم بالأراذل ، والمستكبرون الإفرنج دأبوا على تسميتهم بالرعاع mob ؛ والأراذل فى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانوا «الموالى» ، والموالى هم الرقيق والعبيد والأجراء : كعمّار بن ياسر ، وبلال ، وسلمان ، وصهيب إلخ ، وقد رفض النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يطردهم من صحبته كما طلب كبراء أهل مكة ، بدعوى خساسة أحوالهم وأشغالهم ، ولما دعا نوح مثلا لنفسه قال : (وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (١١٨) (الشعراء) ، يقصد «الأراذل» ، وهم الذين آمنوا به دون غيرهم ، وقال فيهم : (وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١١٢) (الشعراء) ، فالداعية لا يسأل عمّا يعمل الذين يتّبعوه ، وإنما هو مكلّف بدعوتهم إلى ما يدعو إليه ، والاعتبار بأن يؤمنوا بدعوته ، وليس بالحرف والصنائع التى يمتهنونها ، وكأن كل هؤلاء الناقدين فى القديم والحديث ، يتوجّه نقدهم لأشياع الثورة ، سواء كانت دينية أو دنيوية ، سياسية أو اجتماعية ، بأنهم ضعفاء يطمعون فى العزّة والمال. والناس يحاسبون عند الله لا بحجم ثرواتهم ، ولا بأنسابهم ، ولا بصنائعهم ، وإنما بإيمانهم وبأعمالهم الصالحة فى خدمة إعمار الكون ، ولم يحدث فى التاريخ كله أن طردت جموع

١٠٨٩

العامل من دائرة المواطنة لأنهم الأقل فى التحصيل أو فى المنصب الاجتماعى. وحسبنا الله.

* * *

٢١٩٨ ـ معنى طاعة أولى الأمر

حقّ على رؤساء الحكومات والوزراء أن يسيّروا نظام الدولة بالعدل ، والحكم أمانة ، ومن يتولى الحكم عليه أن يؤدى الأمانة ، كقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (٥٨) (النساء) والآية أصل من أصول الحكم ، وتخاطب كل الحكّام ، وفى المقابل فإن لهم عند الناس حسن الطاعة ، كقوله : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٥٩) (النساء) ، والتقدير فى الآية أن يطيع الناس الله فيما نصّ عليهم من العدل ، ويطيعوا الرسول فيما بيّن لهم من ذلك ، ويطيعوا أولى الأمر لأنهم قد آل إليهم الأمر أمانة ، فكل من يأمر بحق وكان عادلا ، فهو من أولى الأمر ، لأنه يحكم بما لا يخالف ما أوصى به الله ، وفى الحديث : «من أطاعنى فقد أطاع الله ، ومن عصانى فقد عصى الله ، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى ، ومن عصى أميرى فقد عصانى» ، والأمير فى الحديث معناه القانون ، والطاعة : هى الإتيان بالمأمور ، والانتهاء عن المنهى عنه ، وهى العمل بالقانون وفى إطاره. ولم تكن للعرب حكومات ولا رؤساء حكومات ، فكانوا يمتنعون على أمراء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهم المسئولون عن تدبير الأمور لهم. وتقوم المجالس الشرعية اليوم بتقنين الشريعة وتطبيقها على مقتضيات الأحوال ، والشريعة : هى العقل المستنير ، والرأى الراجح ، وصالح الناس ، وأساس ذلك العدل ، ولا توجد دولة بمعنى الدولة إلا إذا قامت على العدل. وحقيقة الطاعة ، امتثال العدل ، كما أن المعصية ضدها ، والحاكم العادل هو الذى يرعى شعبه ويسوسهم للحق وبالحق ، ويشرّع ما يضمن لهم حقوقهم ، وفى الحديث : «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» ، والمسئولية إذن موزّعة بين الحاكم والشعب : «وما من راع إلا يسأل يوم القيامة : أقام أمر الله أم أضاعه» ، أى هو أدّى الأمانات وحكم بالعدل أم لا؟ كالحديث : «إن الله سائل كل راع عما استرعاه ، حفظ ذلك أو ضيّعه» ، والحكم لذلك ليس استبدادا ، ولا هو احتكارا للسلطة ، ولكنه شورى ، ومسئولية ، وتداول للسلطة.

* * *

٢١٩٩ ـ الطاعة للحاكم فى المعروف

لا يحكم الحاكم بهواه وإنما بالقانون ، ولا يفصّل الحاكم القوانين تفصيلا ثم يحكم بها فهذا احتيال ونصب ، وأية قوانين توافق عليها المجالس التشريعية ما لم تكن فى صالح

١٠٩٠

الشعب فهى جائرة وباطلة ، والذين يصوغونها يسميهم القرآن «المسرفين» ، وفيهم يقول تعالى : (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ) (١٥١) (الشعراء) ، ويصفهم وهم المفسدون فيقول : (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) (٢٥٧) (البقرة) ، والطاغوت من الطغيان ، والطاغوت هو الحاكم المستبد رأس الضلال فى أمّته ، والمسلم ـ كما جاء فى الحديث : «عليه السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» ، «إنما الطاعة فى المعروف» ، «ولا طاعة لمن لم يطع الله» ، والله هو الحق ولا يأمر إلا بالحق ، والحاكم إذا كان طاغية وجب عزله إجماعا ، وعلى كل مسلم القيام بواجبه ذلك ، فمن قوى على الاضطلاع بواجبه فله الأجر والثواب ، ومن داهن فعليه الإثم ، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض.

* * *

٢٢٠٠ ـ الساسة من طلاب الحكم

هؤلاء هم «المنافقون» فى المصطلح القرآنى ، لأنهم فى سبيل الاستحواذ على الحكم لهم طرقهم الملتوية ، وأساليبهم غير الشريفة ، وتمكين هؤلاء من الحكم منهىّ عنه ، وفى الحديث : «من سأل الإمارة وكل إليها» ، «ومن لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها» ، فطلب الحكم إذن مكروه ، ومن يحرص على طلبه ويسعى فيه لا يعان ، فمثله يخشى أن لا يحصل منه العدل إذا ولى ، وفى الحديث : «إنّا لا نولّى من حرص» ، والحريص على الحكم إن لم يكن له من الله العون ، لا يكون فيه كفاية عليه ، فلا ينبغى أن يجيبه الشعب على سؤله ، ولا أن ينتخبه ، وعليه أن يقاطعه ويعتزله ، ويعتزل من يعينه. والحكم فيه مشقة ، وله غواية ومنافع ، ويرضى النزعات إلى السلطة ، فما لم يكن الله قد أصفى نفس طالب الحكم من كل ذلك ، ووهبه حبّ الناس وخدمتهم ، لم يكن له منه عون ، فإذا فاز فإنه لا يفوز برضا الله ، ويبوء بسخطه ، ويخسر دنياه وعقباه ، وتزيد كراهية الناس له ، وما لم يكن المرشح للحكم يتصف بالتقوى ، فليس له أن يتعرض لطلب الترشيح أصلا ، وإن كان يريد الحكم ليعمل صالحا ، ويقيم معوجا ، ويعيد الحقوق لأصحابها ، ويرفع عن الناس الظلم والقهر ، ويمنع سلطان الأغنياء ، ويحمى البلد من الأجانب الطامعين ، ويعلّم الفقراء ، ويتيح لهم فرص العلاج والعمل ، ويعيد توزيع الثروة ، ويفرض الضرائب بالحق ، فلا ينبغى له أصلا أن يتعرض للطلب ، لأنه كما فى الحديث : «لو غلب جوره على عدله فله النار» ، وفى الانتفاضات الشعبية فإن الأمم تختار حكامها تلقائيا ، ولا يرشّح الحكام أنفسهم ، وتظهر الأحداث مصداقية الحكومات الشعبية التى يختارها الشعب. وأما فى أنظمتنا شبه الإسلامية ، فإن نظام الأحزاب يرشّح للحكم أعضاءه ، ويستعين لفوزهم بالشفعاء ، ويقال فيهم «وكلوا إلى أنفسهم» ، ومن وكل إلى نفسه هلك ، ولذلك كان الدعاء : «ولا تكلنى إلى

١٠٩١

نفسى» ، وقيل : إن الزعماء حقا هم الذين تختارهم شعوبهم للحكم ، وهم يخشون أن يحكموا ، وللحكم عندهم هيبة وخوف من الوقوع فى المحذور ، فهؤلاء هم الذين نحن مأمورون بإعانتهم عليه إذا دخلوا فيه ، والأصل فى ذلك أن من تواضع لله رفعه ، وهذا محمول على غالب الزعماء ، لأن يوسف قال : (اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (٥٥) (يوسف) ، فزكّى نفسه استثناء من قوله تعالى : (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) (٣٢) (النجم) ، والصحيح أنه لم يطلب الحكم للدنيا ، ولا للحسب والنسب والأبهة والملك ، وإنما سأله بالحفظ والعلم ، فقال : «إنى حفيظ عليم» ، فلو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحكم بالحقّ ، وليس هناك من يصلح له غيره ، ولا من يقوم مقامه ، لتعيّن ذلك عليه ، ووجب أن يرشّح نفسه له ، ويخبر بصفاته التى يستحقها من العلم والكفاية وغير ذلك. وقيل إن يوسف كان نبيا ، ولا يعتدّ بقول نبىّ ، وإنما نحن بحيال بشر ولا ينبغى للبشر أن يزكّوا أنفسهم للحكم ، وإنما يزكّيهم الناس.

* * *

٢٢٠١ ـ حكومة الجاهلية

من قوله تعالى : (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) (٥٠) (المائدة) ، وهى الحكومة التى تقوم فى غير زمن الجاهلية ولكنها تعمل بنظام الجاهلية ، فتسنّ التشريعات لصالح الأغنياء ضد الفقراء ، وتملّك الأغنياء وترشّحهم للمناصب والمجالس التشريعية ، وفى علم السياسة : فإن من يحكم هو من يملك ، وحكومة الأغنياء أو «الحكومة البلوتوقراطية» هى التى يتولاها الأغنياء ، وهم فى أى مجتمع قلّة ، وهم الكبار من الملّاك ورجال الأعمال ، وحكومتهم لذلك تسمى أيضا حكومة القلة ، أو الحكومة الأوليجاركية ، والأغنياء كانوا يحكمون ويتحكمون فى الجاهلية ، وكل زمن يسود فيه الأغنياء ويحكمون ويتحكمون يطلق عليه اسم الجاهلية ، ولم يسقط حكومة الأغنياء إلا النبىّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومحا عن الإنسانية الجاهلية ، وعادت الجاهلية مرة أخرى تتحكم فى العالم الإسلامى مع غلبة الرأسمالية ، ثم صار تحالف أغنياء العالم فيما يسمى «النظام العالمى الجديد» أو «نظام العولمة» ، وهو «إمبريالية جديدة» ، وأخضعت الأقلية الغنية حياة الأمة الأخلاقية والدينية والثقافية لمثل وقيم تجارة الجملة والسوق. والحكومة أو «الإمارة الجاهلية» قال فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أولها ملامة ، وثانيها ندامة ، وثالثها عذاب يوم القيامة» ، ونقيضها «إمارة الشورى» ، أو «حكومة الشورى» ، وقوامها الشورى ، والعدل ، والانتخاب الحرّ النزيه ، وتداول السلطة ، وفيها قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقّها وحلّها ، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقّها ، فتكون عليه حسرة يوم القيامة». وفى الرواية عن أبى ذرّ بإخراج مسلم : أن أبا ذرّ

١٠٩٢

قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا رسول الله ، ألا تستعملنى؟ ـ يعنى سأله أن يخصّه بمنصب من مناصب الحكم ، فقال : «إنك ضعيف ، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزىّ وندامة ، إلا من أخذها بحقّها ، وأدّى الذى عليه فيها». وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصل عظيم من أصول الحكم ، فالحكم أولا : لا ينبغى أن يتولاه ضعيف ؛ وهو ثانيا : أمانة ؛ ثم هو ثالثا : مسئولية سيسأل عنها يوم القيامة ، فمن طلب الحكم ودخل فيه بلا أهلية ، وبلا تقوى ، فلم يعدل ، وبغى وظلم ، وجار وطغى واستبدّ ، سيندم يوم القيامة ويجازى بالخزى ، وأما من كان أهلا له ، وعدل فيه ، فأجره عظيم ، وتظاهرت به الآيات والأحاديث ، وأفاض فيه القرآن ، ونوّهت به السنّة ، ولعل هذا هو سبب هرب الأكابر من تقلّد مناصب الحكم. وفى بلادنا يقتتل الناس على كرسى الحكم ، وتسفك بسببه الدماء ، وتستباح الأموال والفروج ، ويعظم الفساد فى الأرض بذلك ، ومن نكد الأيام أن حكّامنا لا يتركون الحكم إلا بالثورة عليهم وعزلهم ، أو بقتلهم ، أو بالموت يأتيهم من الله فيعسر حسابهم فى القبر ويوم القيامة ، ويتركون الحسرة والندامة لأولادهم ولأهليهم من بعدهم ، ودعاء الناس عليهم ولعنتهم لأسمائهم ، وسوء سمعتهم ، وسقوطهم من التاريخ.

* * *

٢٢٠٢ ـ بطانة الحاكم ومستشاروه

نهى الله تعالى عن استخدام غير المسلمين كمستشارين للحاكم ، قال : (لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (١١٨) (آل عمران) ، وبطانة الحاكم خاصته الذين يستبطنون أمره ، وأصلها من البطن خلاف الظهر ، والآية فيها تحذير من الدخلاء ، جمع دخيل ، وهو الذى يدخل على الحاكم أو الرئيس فى مكان خلوته ، ويفضى إليه بسرّه ، فيصدّقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر الشعب والناس ، ثم يعمل بمقتضاه. وفى الحديث : «ما بعث الله من نبىّ ، ولا استخلف من خليفة ، إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالشرّ وتحضّه عليه ، فالمعصوم من عصم الله تعالى» ، والنبىّ معصوم ، ولا يلزم أن يقبل الشر ممن يشير به عليه ، ولكن الخوف على الحاكم أو الرئيس أن يقبل قول من لا يوثق به ومع ذلك يحسن الظن به ، وبطانته هم أولياؤه وأصفياؤه وهؤلاء قد يضمرون له الشرّ ويسيئون له النصح ، أو قد تكون لهم مصالح يراعونها ، وأهداف أخرى ومقاصد يتوخونها ، وربما منهم العملاء للدول الأجنبية ، واختراق حاشية الرئيس من الأعمال التى تجيدها مخابراتها ، حتى قيل : إنه ما من دولة من دول العالم النامى إلا كان حاكمها نفسه من عملاء المخابرات ، وكانت بطانته من جواسيسهم عليه ، والآية والأحاديث تحذرنا من ذلك كل التحذير.

* * *

١٠٩٣

٢٢٠٣ ـ فى الإسلام : رئيس الدولة من أفراد الأمة ويسرى عليه ما يسرى عليهم

رئيس الدولة فى الإسلام «وكيل عن الأمة» ، أو هو كالوصى ، ولا ميزة له على غيره من أفراد الشعب إلا باعتباره هذا : أنه «وكيل الأمة» ، أو «الوصى على أمورها». فإذا تعدّى الرئيس على أحد ، كان من الواجب أن يقتص منه ، وأن يكفل ذلك الدستور ، لأن القرآن والسنّة ـ ولهما المرجعية ـ قد فرضا ذلك ، فطالما أن الحاكمية لله فلا فرق بين رئيس وعامل أمام أحكام الله ، وهى أحكام عامة تنطبق على الآحاد والجماعات ، وتسرى على الجميع. وفى القرآن مثلان للرؤساء : الأول بلقيس ملكة سبأ ، وحكومتها ملكية مستنيرة ، والأمر فيها شورى ، قالت لشعبها : (يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (٣٢) (النمل) ؛ والمثل الثانى فرعون ، وحكومته ملكية مطلقة ، وأمور الدولة فيها يستأثر بها واحد دون الشعب ، يقول : (ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) (٢٩) (غافر) ، وحكومة المستبد لا تستشير ، ولا تشاور ، ولا تقبل معارضة ، والمعارضة أصل من أصول نظام الشورى ، والمستبد دأبه أن ينكّل بالمعارضة ، وليس واجب رئيس الدولة تلمّس الأخطاء للمعارضة ، وتفصيل القوانين التى تلقى بالناس فى السجون ، وإنما واجبه كما نصّ على ذلك عمر بن الخطاب : توعية الناس بحقوقهم ، وصون هذه الحقوق ، ورعاية «صالحهم» ، وليس إنزال العقاب بهم ، وفرض الضرائب على فقرائهم ، لصالح الأغنياء ، وإعفاء الأغنياء من كل ضرائب ورسوم جمارك ، وتسهيل استيلائهم على أموال البنوك ، وعلى الأراضى بالمجان. وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ينصف الناس من نفسه ، ويعطى القود من نفسه ، وفعل ذلك أبو بكر وعمر. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

* * *

٢٢٠٤ ـ فى الإسلام : لكلّ درجات بحسب العمل

فى قوله تعالى : (وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (١٩) (الأحقاف) ، وقوله : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) (يوسف) : أن الناس درجات فى الحياة الدنيا ـ وحتى فى الآخرة ، وإنما ليس بالمال ، أو بالحسب والنسب ، وإنما بالأعمال ، كقوله : (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) (١١) (المجادلة) ، والإيمان والعلم من الأعمال ، ولكل إنسان مهما كان ـ مرتبته عند الله ، والقول بالمراتب والدرجات من أساسيات الإسلام ، والدنيا والجنة درجات ، والنار دركات.

* * *

٢٢٠٥ ـ القرآن ورجال السلطة والنظام

ينهى الله عن مجالسة رجال السلطة ورموز النظام ، لأنهم يعادون الإسلام ولا ينصرونه ولا ينتصرون للمسلمين ، وفيهم يقول تعالى : (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ

١٠٩٤

مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) (٢٢) (المجادلة) ، يعنى من يحب الله ورسوله ، ويدعو أن يموت على الإسلام ، لا يمكن أن يوالى ، ولا أن يواد ، ويظاهر ، ويؤيد ، ويتعاون ، مع هؤلاء الذين يخالفون الإسلام ، ويبدون البغض للمسلمين ، ويشاقّون آيات الله وأحكام رسوله.

* * *

٢٢٠٦ ـ صلح الحديبية كنموذج للصلح فى الحروب

هو الصلح الذى تم بين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأهل مكة سنة ست هجرية ، وكان قد خرج إلى مكة فى ذى القعدة ، واستنفر الأعراب حول المدينة للخروج معه فأبطأ عنه أكثرهم ، فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار وعددهم ألف وأربعمائة ، أو ألف وخمسمائة ، يقصد مكة معتمرا ، وساق معه الهدى وأحرم ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب ، فلما بلغ خروجه قريشا خرج جمعهم صادّين لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن المسجد الحرام ودخول مكة ، وورد الخبر بذلك إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو بعسفان ، فسلك طريقا يخرج فى ظهور قريش ، وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة ، ثم جرت السفراء بين رسول الله وبين كفّار قريش ، وطال التراجع والتنازع ، إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامرى ، فاتفقا على أن ينصرف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عامه ذلك ، فإذا كان من قابل جاء معتمرا ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح ، على أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام ، يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا ، وإذا جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما ـ من رجل أو امرأة ، ردّ إلى الكفار ، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردّوه إلى المسلمين ، فعظم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلام ، وقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سببا إلى ظهور دينه» ، فأنس الناس إلى قوله بعد نفار منهم. وأبى سهيل بن عمرو أن يكتب فى صدر صحيفة الصلح : من محمد رسول الله ، وقالوا له : لو صدّقناك بذلك ما دفعناك عمّا تريد ، فلا بد أن تكتب : باسمك اللهم» ، فأبى علىّ أن يمحو بيده «محمد رسول الله» ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أعرضه علىّ» ، فأشار إليه ، فمحاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده ، وأمره أن يكتب : «من محمد بن عبد الله» ، وردّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ نتيجة لهذا الصلح ـ أبا جندل بن سهيل إلى الكفار ، وعظم ذلك على المسلمين ، فأخبرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وأخبر أبا جندل ـ أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا. وفى رواية أخرى أن عليا هو الذى كتب الصلح بين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمشركين ، فكتب : «هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم» ، فقالوا : لا تكتب «رسول الله» ، فلو نعلم أنك «رسول الله» لم نقاتلك. فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعلىّ : «امحه» ، فقال علىّ : ما أنا بالذى أمحوه ، فمحاه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده. وكان فيما اشترطوا : أن يدخل المسلمون مكة فيقيموا فيها ثلاثا ، وفى رواية أخرى : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أملى عليا :

١٠٩٥

«اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل بن عمرو : أما ، «الرحمن الرحيم» ، فما ندرى ما «الرحمن الرحيم»! ولكن اكتب ما نعرف : «باسمك اللهم». فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اكتب : من محمد رسول الله» ، قال سهيل : لو علمنا أنك رسوله لاتّبعناك ، ولكن اكتب اسمك ، واسم أبيك ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اكتب من محمد بن عبد الله» ، فاشترطوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أن من جاء منكم لم نردّه عليكم ، ومن جاءكم منا رددتموه علينا. فقال المسلمون : يا رسول الله ، أنكتب هذا؟ قال : «نعم ، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا». فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله ، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال : «بلى» ، قال : أليس قتلانا فى الجنة ، وقتلاهم فى النار؟ قال : «بلى» ، قال. ففيم نعطى الدّنيّة فى ديننا ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال : «يا ابن الخطاب ، إنه رسول الله ، ولن يضيّعنى الله أبدا» ، فانطلق عمر وأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر ، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال : بلى. قال أليس قتلانا فى الجنة ، وقتلاهم فى النار؟ قال : بلى. قال : فعلام نعطى الدّنيّة فى ديننا ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال : يا ابن الخطاب ، إنه رسول الله ولن يضيّعه الله أبدا! فنزل القرآن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالفتح ، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه ، فقال عمر : يا رسول الله ، أو فتح هو؟ قال : «نعم» ، فطابت نفسه ورجع.

* * *

٢٢٠٧ ـ الناس سواء تحت لواء القرآن

المساواة مبدأ مقرر فى الإسلام ، ففي القرآن : (إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) (١٣) (الحجرات) ، وفى الحديث : «الناس سواسية كأسنان المشط الواحد ، لا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى» ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرهم بآبائهم ، لأن الناس من آدم ، وآدم من تراب ، وأكرمكم عند الله أتقاكم». والمسلم كالذمّى سواء بسواء حتى فى العقيدة ، فالقاعدة فى الإسلام أنه : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) (٢٥٦) (البقرة). وتشريعات الملل الأخرى بحسب كتبهم يقر بها الإسلام ، ومن أصوله الإيمان بكل الرسالات ، كقوله تعالى : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) (١٣٦) (البقرة) ، فالقرآن يصادق على ما سبقه من كتب ويهيمن عليها ، كقوله تعالى : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) (٤٨) (المائدة) ، وكل أصحاب ديانة إذن فى أرض الإسلام ـ طبقا لذلك ـ يحكّمون نصوص ديانتهم ولا يخضعون لما يخالف

١٠٩٦

شريعتها ، وهذه هى المساواة التى ما بعدها مساواة ، وانظر مثلا إلى النصرانى المصرى عند ما يهاجر إلى أمريكا أو انجلترا ، أو النصرانى الذى يعيش فى إسرائيل ، فهل تحكمه شريعته؟ أبدا ، بل هو خاضع لشريعة البلاد التى يعيش فيها ، إلا فى بلاد الإسلام ، فإن النصارى لهم شريعتهم وأحكامهم ومحاكمهم الملّية ومدارسهم ، وهذه هى ميزة الإسلام.

* * *

٢٢٠٨ ـ طلب اللجوء السياسى

هو أن يطلب فرد أو جماعة أجنبية الأمان من عدوان الدولة التابع لها ، لآراء يبديها معارضة ، وحق المعارضة يكفله الإسلام ، والرأى الآخر أصل من أصول الشورى ، ومن حق أفراد البلد المعادى أن يطلبوا الأمان فى بلاد الإسلام ، ويسمى ذلك عقد الأمان ، بقوله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (٦) (التوبة) ، ومن حق أى مسلم أو مسلمة أن يؤمّن أى فرد من الأعداء أو غيرهم يطلب منه الأمان أو اللجوء ، وفى الحديث : «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، وهم يد على من سواهم» ، وأجار الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أجارته أم هانئ ، ومن أجارته ابنته زينب ، وأمر أن يؤمّن ، و «المؤمّن» : لا يجوز القبض عليه ، ولا تسليمه ، ولا أن يقتل ، ولا يعتدى على ماله ؛ ويسرى «عقد الأمان» بمجرد موافقة الدولة عليه ، وهو حق من الحقوق الإنسانية فى بلاد الإسلام ، ولا يجوز طرد اللاجئ المؤمّن ، أو سحب حقّ اللجوء منه ، ما لم يثبت استغلاله لهذا الحق فى التجسّس أو الإضرار بالمسلمين. ويقال «للحربى» الذى يلجأ لديار الإسلام طالبا الأمان واللجوء أنه «مستأمن» ، ومدة إقامته سنة لا تزيد ، وطالما هو مقيم خلالها فهو مستأمن ، فإذا زاد عليها ونوى الاستيطان فهو «ذمّى» ، وله حكم الذمّى فى تبعيته للدولة الإسلامية ، ولا يحق طرده بأى حال من الأحوال ، ولا إلغاء حقّه فى اللجوء ، ولزوجته وأولاده حق اللحاق به. والذمّى له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، وكذلك المستأمن اللاجئ ، وإذا مات لا تذهب ملكيته عن ماله وتذهب إلى ورثته ، فإذا لم يكن له ورثه ضمّ هذا المال إلى مال الدولة.

* * *

٢٢٠٩ ـ الذمة هى العهد والأمان

الذّميون أو أهل الذمة : هم من لا يدينون بالإسلام من أهل البلد الذى أغلبه من المسلمين ؛ وعقد الذمة : هو أن يلتزم أهل بلد ما أغلبهم من غير المسلمين بأحكام الإسلام جملة ، وإذا دخل الكتابى أو غيره فى «عقد الذمة» ، وصار من «أهل الذمة» ، أمن على نفسه وماله وأهله ، وضمن حريته. والمسلمون يدفعون الزكاة ، والذميون يدفعون الجزية ،

١٠٩٧

وسمّيت كذلك لأنها تجزئ عنهم ، أى تكفيهم أن يدفعوا الزكاة وأن ينخرطوا فى الجيش ، وتعادل «البدلية» التى يدفعها المسلم إذا أراد أن يستعفى من الجندية. وللذمّى ما للمسلم ، وعليه ما عليه ، ولا يجوز له أن يتصرف فى معاملاته المالية إلا وفق تعاليم الإسلام ، فلا يتعامل مثلا بالربا ، وفى القصاص يقتص منه كما يقتص من المسلمين ، وتقام عليه الحدود مثلهم. وللذمّيين كامل الحرية فى إقامة ديانتهم وتأدية شعائرها ، ومراعاة شرائع الزواج والطلاق عندهم ، والقاعدة الإسلامية المطبقة معهم هى : «اتركوهم وما يدينون» ، فإن لجأ الذمّى إلى محاكم المسلمين وطلب أن تطبّق عليه شريعة الإسلام ، فالأمر معه إما بالقبول أو بالرفض ، كقوله تعالى : (فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٤٢) (المائدة).

* * *

٢٢١٠ ـ الجزية زكاة وضريبة دفاع

لا تقابل ولا تشابه بين الزكاة فى الإسلام ، وبين الضرائب التى تتقاضاها الدولة الآن من المواطنين ؛ والجزية من الضرائب ، ويدفعها الذمّى نظير إعفائه من الجندية ؛ والفرق بين الزكاة والضريبة والجزية : أن الزكاة تدفع لله ونبيّه ، وهى حقّ الله فى المال ؛ وأما الضرائب فهى حق الدولة فى المال ، وتدفع للدولة بنيّة أنها واجبة ، للصرف منها على وجوه إنفاقها ، وهى مورد من موارد الدخل العام وميزانية الدولة ، وأما الزكاة : فهى فرض على كل مسلم ومسلمة ، ولم تكن فى دولة الإسلام ضرائب إلا ما عرفته بعد ذلك من طريق تقليدها للأمم ؛ وأما الجزية فهى أولا المقابل للزكاة التى يدفعها غير المسلم ، بالإضافة إلى أنها ضريبة دفاع فى مقابل أن الدفاع عن البلد منوط بالمسلمين وحدهم دون غيرهم ، والنصاب المالى الذى يدفعه الذمى هو المقابل لنصاب الدم الذى يدفعه المسلم زودا عن الوطن. ولذلك لم تفرض الجزية على النساء الذميّات ، ولا على الصبيان الذمّيين غير المكلّفين ، ولا على الأرقاء من أهل الذمة. وشرطها قوله تعالى : (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) (٢٩) (التوبة) ، يعنى عن قدرة وغنى ورضا ، فلا يدفعها الفقير غير القادر ، ولا صاحب العاهة الذى لا يتكسّب ، ولا الراهب الذى لا يعمل ، ولا المجنون فاقد الأهلية. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد فرضها دينارا فى السنة ، على كل راشد قادر من أهل الكتاب من أهل اليمن الذكور ، وضاعفها عمر على الكتابيين من أهل الشام ، فراعى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم رقّة أحوال أهل اليمن ، وراعى عمر غنى أهل الشام ، وجعل عمر ذلك فيهم من قبل اليسار ، ومن ثم صارت الجزية تفرض بحسب الأحوال المادية لدافعها ، ولا حدّ لأقلها ولا لأكثرها ، والقاعدة فيها أنها لا يكلّف بها إلا قادر وفى حدود طاقته ، ولم يحدث أن فرضت جزية

١٠٩٨

فوق أربعة دنانير فى السنة على الموسرين ، وكان آخر ما أوصى به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بخصوص أهل الذمة ، قوله : «احفظونى فى ذمتى» ، وفى الحديث : «من ظلم معاهدا أو كلّفه فوق طاقته فأنا حجيجه» ، وقضى صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا تؤخذ جزية إلا فيما زاد عن حاجة الذمّى من ماله ، وقال : «ليس فى أحوال أهل الذمة إلا العفو» ، وتسقط الجزية عن الذمّى إذا أسلم وتصبح زكاة مال ، وفى الحديث : «ليس على المسلم جزية» ، وكان يهوديا قد أسلم فى عهد عمر ، فطولب بالجزية فقال : «إنما أسلمت تعوّذا» ، يريد أنه أسلم ليعفى من الجزية ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قال : «إن فى الإسلام معاذا» ، وأقرّ عمر اليهودى ، وأكد الحديث : «إن فى الإسلام معاذا» ، وفرض ألّا تؤخذ جزية ممن يسلم من الذميين.

* * *

ثانيا : الإسلام الاقتصادى

١ ـ الكنز والإنفاق والزكاة والصدقة والخراج والجزية

* * *

٢٢١١ ـ فى اشتراكية الإسلام : الكنز والإنفاق

المال هو مال الله ، والناس مستخلفون فيه ، لينفقوه فى وجوه البرّ والإحسان ، ومن البر استثمار المال فى التجارة والزراعة والصناعة ليكثر وينمو فيجد الناس الأعمال ، ويعود عليهم خيرها ، فأما أن يكنز الأغنياء أموالهم مثل اليهودى قارون ، فذلك هو المنهى عنه فى القرآن ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (٣٥) (التوبة). والكنز : كل شىء مجموع بعضه إلى بعض فى بطن الأرض أو على ظهرها. ومن الطريف فى تعريف الذهب والفضة ، أن الذهب سمى ذهبا : لأنه يذهب العقول ، أو لأنك مهما احتفظت به فمصيره أن يذهب عنك ، فلا تغتر به. وأما الفضة : فتسميتها كذلك لأنها تنفض عن صاحبها وتتفرق بالنفقة. والمال المختزن كنز حتى لو أدّيت زكاته ، لأن الأصل فى المال استثماره اجتماعيا ، ووظيفة المال اجتماعية بحتة ، ومعنى اجتماعية أن المال ملك للمجتمع عن الله ، ووكالة للأفراد ، وما عند الأفراد هو الحيازة وليس الملكية. ولا يجوز الكنز فى أوقات الشدّة خصوصا. وكل مال يفيض عن الحاجة ، ولا تؤدّى منه الحقوق العارضة ، ولا يستثمر اجتماعيا فهو كنز. والحكمة فى ذلك أن التنمية الاجتماعية والاقتصادية وصلاح المجتمع لا يتحققان إلا بالاستثمار. ودليل الاستثمار الاجتماعى هو الإنفاق فى وجوه تنمية المجتمع ، التحذير فى الآية السابقة فى قوله : (وَلا يُنْفِقُونَها) أى الأموال جميعا ، سواء كانت ذهبا أو فضة ، أو

١٠٩٩

أملاكا أو أوراقا مالية مقوّمة بالذهب والفضة. والكنز وعدم الإنفاق هما احتباس للمال عقوبته العذاب الأليم. وشبيه بالكانز كل من يختص نفسه بالمال حتى وإن أسرف ، فطالما قد قصر المال على نفسه دون المجتمع فهو كانز للمال. وفى الحديث ، «بشّر الكنّازين برضف» ، والرّضف هى الحجارة التى تحمّى فى الشمس أو بالنار ، واحدتها رضفة. وفى رواية قال : «بشّر الكنّازين بكىّ فى ظهورهم يخرج من جنوبهم ، وبكىّ من قبل أقفائهم يخرج من جباههم». وقيل إن رجلا من أهل الصّفّة (فقراء المسلمين) مات ، وعثروا فى بردته على دينار ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كيّة» ، ومات آخر كان فى بردته ديناران فقال : «كيّتان» ، فالمال مهما قلّ لا بد أن يعمل ولا يختزن.

* * *

٢٢١٢ ـ الإنفاق الاشتراكى فى الإسلام

روى عن عمر قوله : لأنا أعلم بخفض العيش ، ولو شئت لجعلت أكبادا وصلاء وصنابا وصلائق ، ولكنى استبقى حسناتى ، فإن الله تعالى وصف أقواما فقال : (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها) (٢٠) (الأحقاف). والصّلاء : الشواء ، سمّى بذلك لأنه يشوى بالنار ، من صلى اللحم يعنى شواه ؛ والصّناب : سلطة الخردل والزيت ؛ والصلائق : البقول المصلوقة ، أى المجمورة ، وهى أيضا الخبز الرقاق العريض المقمّر والمفرد الصليقة ؛ وكل ذلك من نعيم العيش وطيب الطعام. وقال عمر : لو شئت كنت أطيبكم طعاما ، وألينكم لباسا ، ولكنى استبقى طيباتى للآخرة. ـ ولمّا قدم الشام قدّموا له طعاما لم ير قطّ مثله ، فسأل : فما ذا لفقراء الناس؟ فقال خالد بن الوليد : لهم الجنة! فبكى عمر وقال : لئن كان حظنا من الدنيا هذا الحطام ، وذهبوا هم فى حظهم بالجنة ، فلقد باينونا بونا بعيدا! ـ وفى الخبر : أن عمر دخل إلى مشربية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم يجد شيئا يستهوى البصر إلا أهبا جلودا معطونة ، قد سطع ريحها ، فقال : يا رسول الله! أنت رسول الله وخيرته ، وهذا كسرى وقيصر فى الديباج والحرير؟؟! فاستوى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم جالسا وقال : «أفىّ تشكّ يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم فى حياتهم الدنيا»! وكان عمر يأكل الخشن من الطعام ، لأنه حاكم وقدوة ومسئول ، ولا يريد أن يأكل حسناته ، لأنه يؤمن بالآخرة والحساب والمسئولية ، وأما حكام اليوم فيأكلون حسناتهم فى الدنيا ، وهذا دليل على أنهم لا يؤمنون فى أعمالهم بالآخرة ولا بالمسئولية والحساب ، وأنهم يظهرون الإسلام نفاقا ، فلا تصدقوهم إن أظهروا الإسلام! ولمّا لاموا عمر أن باستطاعته أن يكون له الطعام الشهىّ ، قال : أعلم أنى أستطيع أن آمر بالماعز السمين المشوى ، والصاع والصاعين من الزبيب يلقى فى السقاء ويشن عليه الماء فيصبح كأنه دم الغزال! إنى والله الذى لا إله إلا هو ، أخاف أن

١١٠٠

تنقص حسناتى يوم القيامة! ولقد سمعت الله يقول فى أقوام : (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (٢٠) (الأحقاف)». وفى الرواية أن جابرا اشترى لحما لأهله اشتهوه ، فمر بعمر ، فسأله عمّا بيده ، فأخبره ، فقال : «أو كلما اشتهى أحدكم شيئا جعله فى بطنه! أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية : «أذهبتم طيباتكم»؟ ـ فهذا مثال مما ينبغى أن يكون عليه السلوك المسلم القويم ، ويسمون ذلك بلغة العصر «السلوك الاشتراكى» ، وأهل الحكمة يقولون إنه مقتضى الحكمة للحاكم والمحكوم ، فالناس سواء ، والثروة الاجتماعية لا بد أن توزّع بالعدل ، ولم تكن الثورات والقلاقل فى المجتمعات إلا بسبب سوء توزيع الثروة. وبلغة العلم : فإن الغنى إذا اعتاد البذخ ، استحال أن يمنع عنه ، والذى يضبط سلوك الأفراد والمجتمعات هو القاعدة الإسلامية أو الاشتراكية : على المرء أن يأكل ويلبس وينفق ويعيش ما وجد طيّبا من طعام أو شراب ، فإن لم يجد فعليه الزهد والتقشف ، ولا يتكلّف الطيّب ـ أى المترف ـ فيصبح عنده عادة. وقد كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشبع إذا وجد ، ويصبر إذا عدم ، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها ، ويشرب العسل إذا اتفق له ، ويأكل اللحم إذا تيسر ، والبصير من تحكّم فى نفسه ولا تتحكم فيه شهواته ، والفارق بين الاشتراكية العلمية وبين اشتراكية الإسلام : أن الأولى غير إيمانية ولا تحفل بالإنسان ، واشتراكية الإسلام إيمانية وإنسانية أولا ، وفردية وجماعية ثانيا ، ولنا فى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسوة ، وفى الصحابة قدوة. واليوم غلب الحرام فى اقتصاد الخصخصة ، وتمر بلادنا التى تذهب مذهب الخصخصة وتتابع أمريكا وسياسة العولمة ، وتطبّق الانفتاح الليبرالى ، وفصل الدين عن الدولة ، بأسوإ فترات تاريخها ، حتى أن الفساد عمّ وطمّ ، وبات الخلاص عسيرا ، ولم يعد ثم منجاة لأحد إلا من رحم ربّك!

* * *

٢٢١٣ ـ الصدقة والزكاة

لفظ الصدقة يعمّ الفرض والنفل ، كقوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ) (التوبة ١٠٣) ؛ والزكاة كذلك تعمّ الفرض والنفل ، لكن الزكاة لا تطلق غالبا إلا على الفرض دون التطوع ، فهى أخصّ من الصدقة من هذا الوجه ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) (٤) (المؤمنون) ، وقوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) (٨٣) (البقرة). ولفظ الصدقة من حيث الإطلاق على الفرض مرادف للزكاة ، والأحاديث كثيرة وفيها لفظ الصدقة على الفرض ، كقوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها) (٦٠) (التوبة) والأغلب التفرقة.

* * *

٢٢١٤ ـ آية الصدقة

هى الآية : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ

١١٠١

وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١٠٣) (التوبة) ، قيل : هى صدقة الفرض ، وقيل : صدقة التطوع ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخذ منهم ثلث أموالهم وليست هذه هى الزكاة المفروضة ، وفى التطوع للمرء أن يتصدّق بثلث ماله لو أراد. والمال الذى يستوجب الصّدقة هو كل ما تموّل وتملّك ، لقوله فى الحديث : «يقول ابن آدم مالى مالى ، وإنما له من ماله ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى ، أو تصدّق فأمضى» أخرجه مسلم. ولا تبيّن الآية مقدار المأخوذ ، ولا المأخوذ منه ، وبيان ذلك فى السنّة والإجماع. وأما الزكاة فتؤخذ من جميع الأموال ، وأوجبها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المواشى والحبوب والعين وهو ما كان معروفا فى زمانه ، وهى الآن تجب فى كل شىء مما يكون مالا أو يقيّم بالمال. والصدقة مأخوذة من الصدق ، مثلما الزكاة مأخوذة من التزكية أى التطهّر ، ومعنى ذلك أن الصدقة دليل صدق إيمان المتصدّق ، وأن الزكاة هى المطهّرة لنفسه وماله. وكل إمام ، أو حاكم ، وجامع لزكاة ، أو صدقات ، يمكنه أن يدعو للمتصدّق بالبركة ، لقوله : «وصلّ عليهم» ، والصلاة على المتصدّق أصل فى أخذ الصدقة أو الزكاة ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : «اللهم صلّ عليهم» ، وأتاه ابن أبى أوفى بصدقته فقال : «اللهم صلّ على آل ابن أوفى» أخرجه مسلم. والصلاة على المتصدّق تسكّن قلبه. والصلاة هى الرحمة والترحّم ، وهى فى كلام العرب الدعاء. ولما نزلت آية الصدقة لم يكن المسلمون يجدون ما يتصدّقون به ، فكانوا يمتهنون مهنا يتكسّبون منها ليتصدّقوا ، وكانوا ينطلقون إلى الأسواق يحاملون ـ أى يتكلفون الحمل بالأجرة ـ فكان الفتى يأتى إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويتصدّق بالكثير فيقولون فيه : مرائى ، ويأتى الفقير فيتصدّق بصاع فيقولون : إن الله لغنىّ عن الصاع هذا ، فنزلت : (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٧٩) (التوبة).

* * *

٢٢١٥ ـ الصدقات على وفق الشرع تزكو

الصدقات لله طلبا لمرضاته : (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ) (٢٦٥) (البقرة) ، وقوله : «وتثبيتا» أن المتصدّقين يتثبّتون أين يضعون صدقاتهم؟ فكانوا إذا همّوا بالصدقات تثبّتوا ، فإن أيقنوا أمضوها ، وإن خالطهم شك أمسكوا. والآية تشبّه نمو نفقات المخلص الذى يربّى الله له صدقاته ، بنمو نبات الجنة بالربوة ، بخلاف الصفوان الذى انكشف عنه التراب فبقى صلدا فشبّه به إنفاق المرائى. والصدقة فيما يستطاع.

* * *

١١٠٢

٢٢١٦ ـ شرط الصدقة الكسب الطيب

لقوله تعالى : (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (١٨) (الحديد) ، والقرض لا يكون حسنا إلا لأنه من كسب طيب ، وكان مصرفه فى الوجوه الطيبة ، وكل ما فى القرآن من «قرض حسن» فهو صدقة التطوع والنفقة فى سبيل الله ، وفى الحديث : «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيب ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ فإن الله يتقبّلها بيمينه ، ثم يربّيها لصاحبها كما يربّى أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل» ، والفلو هو المهر ، أو كل فطيم من ذات حافر ، وضرب به المثل لأنه بالتربية يزيد بسرعة ، ولأن الصدقة نتاج العمل ، وأحوج ما يكون إلى التربية إذا كان فطيما ، فإذا أحسنّا العناية به انتهى إلى حدّ الكمال ، وكذلك الصدقة إذا كانت من كسب طيب ، لا يزال الله راضيا عنها يضاعفها إلى الحدّ الذى تصبح بالمقارنة كالتمرة إلى الجبل ، كقوله : (وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (٢٧٦) (البقرة).

* * *

٢٢١٧ ـ الصدقة الواجبة وصدقة التطوّع

الصدقة : تمليك للمحتاج فى الحياة بغير عوض على وجه القربة إلى الله ، كقوله تعالى : (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (١٩٦) (البقرة) ؛ وأمّا إن كانت قربة إلى إنسان فهى هدية ؛ و «الصدقة الواجبة» : هى التى تؤخذ من مال المسلم ، لا على وجه القربة ، وإنما تطهيرا للمال ، كقوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) (١٠٣) (التوبة) وتخصّ باسم الزكاة. وأما «صدقة التطوع» : فالأمر فيها اختيارى ، وتستحب فى جميع الأوقات وليس كالزكاة فى آخر كل عام ؛ و «صدقة السرّ» أفضل من صدقة العلانية ، لقوله تعالى : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (٢٧١) (البقرة) ؛ ويستحب الإكثار من «صدقة السرّ» وقت الحاجة ، وخاصة على ذى القرابة ، وعلى من اشتدت حاجته. والأولى أن تكون الصدقة من «الفاضل» عن كفاية المتصدّق ومن يعولهم ، فإن تصدّق بما ينقص من كفاية من تلزمه نفقتهم ولا كسب لهم ، أثم ؛ وإن لم يكن له من يعولهم وأراد التصدّق بكل ماله ، واثقا من صبره على نفسه ، ومن توكله وتعففه ، فله ذلك ، وإلّا فهو مكروه ؛ ومن نذر التصدّق بماله كله أجزأه الثلث. ويجوز للمرأة أن تتصدّق من مال زوجها بالشىء اليسير دون إذنه ، ويجوز ذلك بكل من يعولهم. وإذا دفع الزوج لزوجته نفقتها ، فلها أن تتصرف فيها بما أحبّت من الصدقة ، ما لم يعد ذلك عليها بالضرر ؛ وإن دفع إليها كسوتها ، فلها كذلك أن تتصدّق بها. ولا تحلّ الصدقة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وآله. ويجوز دفع صدقة التطوع لكل من تحرم عليه صدقة الفرض ؛ ولا يجوز دفع الصدقة الواجبة لغير المسلم ، وأما صدقة التطوع فتجوز. ولا يجبر

١١٠٣

المفلس على قبول الصدقة. وكل ما له فيه شبهة وجب التصدّق به. وإذا لم يطلب الرهون أصحابها ، وما من سبيل إلى معرفتهم ، فالأولى أن تباع ويتصدق بثمنها. والمتصدّق فى كل الأحوال لا يجوز له الرجوع فى الصدقة.

* * *

٢٢١٨ ـ لا صدقة من غلول

الغلول هو الخيانة ، وفى قوله تعالى : (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (١٦١) (آل عمران) ، ويغل : يعنى يخون ويختلس ويأخذ الشيء فى الخفاء ، فمن الخيانة يقال أغلّ يغلّ ، ومن الحقد يقال غلّ يغلّ. وفى الحديث : «لا إغلال ولا إسلال» ، أى لا خيانة ولا سرقة ، والآية فى النهى عن الغلول ، وفى الحديث : «لا يقبل الله صلاة إلا بطهور ، ولا صدقة من غلول» ، ولا يقبل الله الصدقة بالحرام ، لأن الحرام غير مملوك للمتصدّق.

* * *

٢٢١٩ ـ المبادرة بالصدقة قبل أن يأتى الموت

فى الوصايا لمّا سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أى الصدقة أفضل؟ قال : «أن تصدّق وأنت صحيح شحيح ، تخشى الفقر وتأمل الغنى ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، وقد كان لفلان ...». وتمهل يعنى تتريث. وفى القرآن : (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) (١٠) (المنافقون) ، وفى ذلك تحذير من التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل ، واشتغالا بطول الأمل ، وفيه ترغيب فى المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية. وفى الحديث : «وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول». والدّين أحقّ أن يقضى من الصدقة ، وليس للمتصدّق أن يتصدّق بكل ماله فيضيّع أموال الناس بعلّة الصدقة ، وفى الحديث : «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك».

* * *

٢٢٢٠ ـ فمن لم يجد الصدقة؟

فى القرآن : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ) (٢٦٧) (البقرة) ، فإن لم يجد المسلم ما يكسب ولا ما يتصدّق به ، فعليه بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «على كل مسلم صدقة» ، فسألوه : «فمن لم يجد؟ قال : «يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدّق» ، قالوا : فإن لم يجد؟ قال : «يعين ذا الحاجة الملهوف» ، قالوا : فإن لم يجد؟ قال : «فليعمل بالمعروف ، وليمسك عن الشرّ ، فإنها له صدقة». والحديث فيه : أن الصدقة أعمّ من إنفاق المال ، ولو بإغاثة الملهوف ، والأمر بالمعروف ؛ والإمساك عن الشرّ ـ وهو من الخير ، فإن كان شرّه لا يتعدّى نفسه فقد تصدّق

١١٠٤

على نفسه بمنعها من الإثم. وأعمال الخير تنزل منزل الصدقات فى الأجر ، والشفقة على خلق الله ـ وهى مقصود الصدقة ـ تكون إما بالمال أو بغيره ، والمال إما حاصل أو مكتسب ، وغير المال إما فعل كالإغاثة ، وإما ترك وهو الإمساك. فإذا عجز المرء عن التصدّق بالمال ندب إلى ما يقوم مقامه وهو الإغاثة ، وعند عدم ذلك ندب إلى فعل المعروف كإماطة الأذى ، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة ، فإن لم يطق فترك الشرّ وذلك آخر المراتب.

* * *

٢٢٢١ ـ الوقف صدقة

الوقف : معناه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة ، وصيغته أن يقول الواقف : «وقفت كذا صدقة موقوفة ، أو محبوسة أو مسبّلة ، أو محرّمة ، أو مؤبّدة» ، أو يقول : «وقفت كذا صدقة لا تباع ، ولا توهب ، ولا تورث». وشرط الوقف : النية ، ويحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه ، مثل أن يبنى مسجدا ويأذن للناس بالصلاة فيه. ويجوز وقف ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالعقار ، وأما ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالمال السائل فلا يصحّ وقفه ، وكذلك ما يسرع الفساد إليه. وفى الوقت الصحيح تنتقل منافعه للموقوف عليه ، ويزول عن الواقف ملكه وملك منافعه ، ويصحّ أن يشترط فيه أن ينفق منه على نفسه مدة أو مدى الحياة ، وأن ينفق منه على أهله فينتقل منه عند الموت إلى ورثته. ويصحّ أن يقف لورثته ، كولده وأقاربه ، أو على جهة البرّ لبناء المساجد والقناطر وكتب العلم. ويصحّ الوقف على أهل الذّمة ، وإذا وقف الواقف على أولاده ثم أولادهم وعقبهم ونسلهم ، كان الوقف بينهم ، وإن خصّ بعضهم دون بعض كان الوقف كمقتضى لفظه ، وإن كثروا كثرة تخرج على الحصر ، يعمم الوقف عليهم ما أمكن ذلك ويسوّى بينهم. و «الوقف فى مرض الموت» كالوصية فى اعتباره من الثلث ، وإذا خرج عن الثلث جاز من غير رضا الورثة ولزم فى الوقت إلى أقارب الواقف ، أو بيت المال. وإن حصل للموقوف عليهم نصاب ففيه الزكاة. و «ناظر الوقف» يسميه الواقف ، ثم وزارة الأوقاف من بعده ، وتكون نفقة الوقف من الجهة التى عيّنها الواقف.

* * *

٢٢٢٢ ـ المنفق له الخلف

المنفق ينفق مما عنده ، و «الإنفاق الممدوح» ما كان فى الطاعات ، وعلى العيال ، والضيفان ، والتطوّعات ، والواجبات ، والمندوبات ، كقوله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى

١١٠٥

(٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) (١٠) (الليل) ، والحسنى هى الخلف من الله على عطائه ؛ والعسرى هى التلف ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا تلفا» ، وقوله : «مثل البخيل والمتصدّق كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديد ، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت ـ أى وفرت ـ على جلده حتى تخفى بنانه وتعفو أثره ، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها ، فهو يوسّعها ولا تتسع» ، والمراد أن الجواد إذا همّ بالصدقة انفسح لها صدره ، وطابت نفسه ، فتوسّعت فى الإنفاق ؛ والبخيل إذا حثّ نفسه بالصدقة شحّت فضاق صدره وانقبضت يداه ، فالمنفق مستور فى الدنيا والآخرة ، والشحيح مفضوح فيهما.

* * *

٢٢٢٣ ـ الزكاة واجبة كالصلاة

يأتى عن الزكاة فى القرآن ٣٩ مرة ، منها ٢١ مرة جمعت إليها الصلاة ، كقوله : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (٥٥) (المائدة) ، وفى الحديث أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالزكاة قال : «وتؤدّى الزكاة المفروضة». والزكاة فى اللغة : هى النماء ، يقال زكا الزرع إذا نما ، وزكا المال ؛ وترد بمعنى التطهير ، كقوله : (وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) (١٨) (فاطر). وفى الاصطلاح الزكاة بالاعتبارين معا ، فإخراجها سبب لنماء المال ، ويكثر بها الأجر ، ومتعلقها الأموال ذات النماء كالتجارة والصناعة والزراعة ، ودليله قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما نقص مال من صدقة» ، وقوله : «إن الله يربى الصدقة». وكذلك فإنها مطهّرة للنفوس من البخل والذنوب. والزكاة هى الركن الثالث من الأركان التى بنى عليها الإسلام ، وتطلق على الصدقة الواجبة ، والمندوبة ، والنفقة ، والعفو ؛ وتعريفها : إعطاء جزء من النصاب إذا مرّ عليه عام ، إلى فقير يستحقه ؛ وشرطها : الإخلاص ؛ وحكمها : العمل بأمر الله ؛ وحكمتها : التخفيف عن الناس وإزكاء التكافل بينهم. والزكاة هى «حقّ المال» ، وكان فرضها بعد الهجرة فى السنة الأولى ، وقيل فى السنة الثانية قبل فرض رمضان ، وقبلها جاء أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بصدقة الفطر. والزكاة شرط لبيعة الإسلام ، بقوله تعالى : (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ) (١١) (التوبة) ، ومن يمنع الزكاة أو لا يأتيها ناقض لعهد البيعة.

* * *

٢٢٢٤ ـ من تجب عليه الزكاة؟

تجب على المسلم ، تام الملك ، متى ملك نصابا خاليا عن الدّين عند تمام حوله ، سواء كان كبيرا أو صغيرا ، عاقلا أو مجنونا ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) (٤) (المؤمنون) ، وقوله : (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ

١١٠٦

(٣٧)) (النور) ، ويقوم ولى الصبى والمجنون مقامهما فى أداء ما عليهما ، وتعتبر نيّة الولى فى الإخراج كما تعتبر النية من ربّ المال. ولا يجزئ إخراج الزكاة إلا بالنية ومحلها القلب ، كقوله : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (٣) (النمل) ، واليقين محله القلب ، ولا يقيم الصلاة ولا يؤتى الزكاة إلا من كان عنده اليقين.

* * *

٢٢٢٥ ـ الأعيان التى تجب فيها الزكاة

الزكاة تجب فى كل شىء يقيّم بالمال ، وسنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الزكاة فى تسعة أشياء تحتاج إلى التأويل لتناسب العصر ، هى : الذهب ، والفضة ، والإبل ، والبقر ، والغنم ، والحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب ، وعفا عمّا سوى ذلك. وهذه التسعة هى مناط الثروات فى عهده صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهى بشكل عام : ما يكال ويوزن من الحبوب ؛ وأموال التجارة ؛ والعقارات التى تستثمر وتؤجر لأنها تدخل فى مال التجارة ؛ وفى كل مال مهما قلّ طالما أنه أوفى النصاب. ويشترط «الحول» فى أموال التجارة وفى المال عموما ، ولا يشترط فى الزروع. ويعتبر وجود النصاب فى جميع الحول. ولا زكاة فى غير بهيمة الأنعام وبشرط أن تبلغ النصاب ، ولا زكاة قديما فيما دون الثلاثين من البقر ، ومثلها الجواميس ، وزكاة الغنم شاة على كل أربعين منها إلى عشرين ومائة ، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين ، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه ، فإذا كانت أربعمائة فتجب واحدة فى كل مائة شاه ، وروى أنها إذا زادت على ثلاثمائة وواحدة ففيها أربع شياه ، فإذا كانت خمسمائة فتكون شاة فى كل مائة. ولا يجزئ من الضأن إلا الجذع وهو ما له ستة أشهر ؛ ومن الماعز الثنى وهو ما له سنة. وتضم عروض التجارة والذهب والفضة إلى بعضها البعض فى تكميل النصاب ، وليس فى حلىّ المرأة زكاة. وزكاة المال المكنوز ربع العشر ، وزكاة التجارة فى النصاب ، ونماؤه يوجب الزكاة فى الأصل مع النماء. ويجب العشر على مستأجر الأرض دون مالكها فى النبات الذى يسقى بالمطر والأنهار والترع ، ونصف العشر فيما يسقى بغير ذلك كالآبار الارتوازية والسواقى والمواتير ، وكل زرع وثمر فيه العشر إذا بلغ النصاب وكان يسقى عاديا ، ونصف العشر إذا كانت السقيا بروافع.

* * *

٢٢٢٦ ـ الحلى وزكاتها

الحلىّ : ما يتحلّى به من المصوغات المعدنية أو الحجارة الكريمة ، من حلى المرأة حليا أى جعل لها حليّا تتزيّن بها. وفى القرآن : (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ) (١٤٨) (الأعراف) ، ويقال حليّهم بضم الحاء ، وحليهم بكسرها ، وحليهم بفتحها ،

١١٠٧

جمع حَلىّ وحُلىّ وحِلىّ ، مثل ثَدى ، وثُدى ، وثِدى ، والأصل «حلوى» ثم أدغمت الواو فى الياء. والحلىّ ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون واعتبروه غنيمة ، وجمعه السامرى وأساله بالنار ، وصاغ منه عجلا مصمتا له خوار. ومن ذلك قوله تعالى : (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ) (١٧) (الرعد) ، وقوله : (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) (١٤) (النحل) ، وقوله : (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (١٨) (الزخرف) ، والحلية المقصود بها حلية الذهب والفضة ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم اتخذ خاتما من الذهب فقلّده الناس ، فرمى به وقال : «لا ألبسه أبدا» ، واتخذ خاتما من فضة ، فاتخذ الناس خواتيم الفضة ، ولبس الخاتم بعد النبىّ أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان. والتختّم بالورق ، (أى الفضة) على الجملة للرجال ، وكره للنساء لأنه زىّ الرجال ، ولهن الذهب ، فإن لم يجدن فليصفّرن الفضة. وتنشئة النساء فى الحلية ـ أى فى الزينة ، لأن زيّهن غير زىّ الرجال ، ورخّص لهن فى الذهب والحرير ، وفى الآية دليل على إباحة الحلىّ للنساء ، وجرى العرف بذلك فى السوار ، والخاتم ، والعقد ، والحلق ، والقلادة ، والسلسلة ، والخلخال وغير ذلك ، وما لم تجر به العادة فهو محرّم. ويباح للمرأة قليل الحلى وكثيرة ؛ وعلّاقة المصحف ذهبا أو فضة ؛ وللرجال ما دعت الضرورة إليه : كطاقم الأسنان من الذهب حتى لا تسقط ، وتحلية المصاحف به وبالفضة. والمرأة فى الحداد ليس لها الحلىّ حتى الخاتم ، ولا زكاة عليها طالما هى تلبسها ولو فى المناسبات ، فإذا كانت تدّخر المال بشراء الحلى لتبيعها وقت الحاجة ، فعليها زكاة متى بلغت النصاب ، وهو قيمة ٨٥ جراما ذهبا ، وفيه ربع العشر من قيمته.

* * *

٢٢٢٧ ـ الدّين والزكاة

الزكاة لا تجوز إلا بالنية ، ومحل النية القلب ، ولو تصدّق الإنسان بجميع ماله تطوعا ولم ينو به الزكاة لم يجزئه ؛ ومانع الزكاة كمنكرها ؛ وزكاة الرهن على الراهن ويخرجها من غير الرهن ؛ وعلى المهر الذى تقتضيه الزوجة ويمر عليه حول ؛ ويمنع الدّين وجوب الزكاة إذا كان يستغرق النصاب أو ينقصه ؛ وتسقط الزكاة بتلف المال قبل التمكّن من الأداء.

* * *

٢٢٢٨ ـ وقت دفع الزكاة

يجب إخراج الزكاة على الفور بعد التمكّن من الأداء ، وبحلول الحول ، وإن أخّرها تأخيرا يسيرا ليدفعها إلى من هو أحوج إليها فلا بأس ، ولا يجوز تأخيرها كثيرا. وتسقط الزكاة بتلف المال قبل التمكّن من الأداء على الصحيح ، ولا تسقط بموت ربّ المال ، وتخرج من ماله وإن لم يوص بها.

* * *

١١٠٨

٢٢٢٩ ـ مصاريف الزكاة

عدّدتها الآية ثمانية أصناف : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) (٦٠) (التوبة) ، بعضها لم يعد قائما ، والأمر يحتاج لتأويل الآية تأويلا جديدا يناسب العصر والحاجات فيه. وتؤخذ الصدقات من أغنياء المسلمين لتردّ على فقرائهم ، وفى الحديث : «إن الله فرض على أغنياء المسلمين فى أموالهم ، بقدر الذى يسع فقراءهم ، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم». والفقير أحسن حالا من المسكين ؛ والعاملون عليها هم السعاة والجباة ؛ وكانت المؤلفة قلوبهم لضعف يقينهم يتألفون بدفع سهم من الصدقة إليهم ، ولا شىء من ذلك الآن ؛ وكذلك لم تعد حاجة لفكّ الرقاب لإبطال الرق بالكلية ؛ والغارمون هم المدينون الذين أضاعوا أموالهم فى الطاعات ؛ وابن السبيل هو المسافر الذى انقطعت به الأسباب عن بلده وماله. ويعطى الغارم قدر دينه ، والفقير والمسكين يعطيان كفايتهما وكفاية عيالهما. وترد الزكاة على الفقراء حيث كانوا ، ووصفتهم الآية : (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) (٢٧٣) (البقرة) وحاصلها أن شرط إعطاء الفقير الصدقة أن يكون مجاهدا ، فمنعه ذلك من الاشتغال بالكسب ، وعلامته التعفف ، وفى الحديث : «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار». والغنى هو من ملك نصابا فيحرم عليه أخذ الزكاة ، وفى الحديث : «لا تحل الصدقة لغنى». والمحروم فى الآية : (وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (١٩) (الذاريات) أنه المتعفّف الذى لا يسأل ، وفى الحديث : «ومن يستعفف يعفّه الله ، ومن يستغن يغنه الله» ، والعفيف له أن يأخذ الصدقة وهو لم يسأل ولا تعرّض ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا جاءك من هذا المال شىء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه». وفى الزكاة على الأقارب أجران : أجر صلة الرحم وأجر الصدقة. ويجوز للمرأة أن تنفق على أولادها اليتامى من مال صدقتها ، وعلى زوجها الفقير. وتختلف الزكاة فى الأنعام عنها فى الزروع ، والعقارات ، والتجارة ، وهى ربع العشر فى الأموال.

* * *

٢٢٣٠ ـ زكاة الفطر واجبة

لا نصّ فى القرآن على زكاة الفطر ، إلا ما تأوله مالك ، قال فى قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) (١٤) (الأعلى) قال الزكاة هى زكاة الفطر ، وقد فرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم زكاة الفطر فى رمضان فأضافها إلى رمضان. والجمهور على أن الآية : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) (١٥) (الأعلى) نزلت فى زكاة الفطر ، والمعنى أنه بعد ما أخرج زكاة

١١٠٩

الفطر ، يصلى العيد. وقيل إن الآية : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (٤٣) (البقرة) عن «زكاة الفطر» ، والمراد بصدقة الفطر : «صدقة النفوس» ، وتسمى «زكاة الأبدان» ، و «زكاة الرقاب» ، وتجب بالفطر من رمضان ، مأخوذة من الفطرة التى هى أصل الخلقة ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أمر بها قبل أن تنزل الزكاة ، فلما نزلت لم يأمرهم ولم ينههم فظلوا يفعلونها ، وأمر أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة ، وفرض على كل مسلم ذكرا أو أنثى ، فقيرا أو غنيا ، صغيرا أو كبيرا ، صاعا من حنطة أو تمر أو شعير ، يعنى نحو ثلاثة كيلوجرامات ، أى ما يقرب من خمسة جنيهات أو أكثر بحسب الأسعار ، وهى على الأب مطلقا ، وعن كل من يعول ، كالأبوين ، والإخوة والأخوات ، والأقارب ، والأولاد ، والزوجة ، والخدم ، وكان ابن عمر يعطيها للذين يقبلونها ، وتفرّق فى البلد الذى فيه المكلف ، سواء كان ماله فيه أم لم يكن ، بنية التقرّب إلى الله ، لأنها عبادة ، ويستحب اختصاص ذوى القرابة ممن لا يعودهم ، فلا صدقة وذو رحم محتاج ، ثم الجيران ، ويرجّح أهل الفضل فى الدّين والعلم والعقل.

* * *

٢٢٣١ ـ الزكاة على غير المسلمين

كانوا يسمون زكاة غير المسلمين الجزية ، لأنها تجزى عنها ، والجزية تجبى قسرا ، وأما الزكاة فهى عن تطوّع ، ولا يأتيها إلا من يؤمن بالله واليوم الآخر وليست كذلك الجزية ، ولذا قال تعالى : (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) (٧) (فصلت) ، فعلامة كفرهم أنهم لا يأتون الزكاة ، ولا يؤمنون باليوم الآخر ؛ فإن قيل ولم خصّ من بين أوصافهم منع الزكاة وقرنه بالكفر بالآخرة؟ فالجواب : لأن أحب شىء إلى الإنسان ماله ، وهو شقيق روحه ، فإذا بذله فى سبيل الله فذلك أقوى دليل على إيمانه وثباته واستقامته ، وصدق نيته ، ونصوع طويته. وقد يتصدّق الكافر وينفق ولكنه لا يؤمن باليوم الآخر ، ولا يشهد أن لا إله إلا الله ، وزكاته هى زكاة الأنفس ، وشرط الزكاة أنها من مؤمن ، وفى سبيل الله ، كقوله : (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (٢٦٥) (البقرة) ، فهم ينفقونها ليثبّتوا بها أنفسهم ، ويدلّوا بها على إيمانهم وثباتهم ، بإنفاق الأموال لمرضاته تعالى.

* * *

٢٢٣٢ ـ الخمس

من أكبر الكبائر أن يذهب المغرضون إلى تفسير الفيء والغنائم والأنفال ، بأن الخمس فيها للحكام المسلمين وللأئمة! وقيل : الخمس نصّت عليه الآية : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ

١١١٠

أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (الحشر) ، والآية : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (الأنفال) ، فلما توفى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم خصّ الحكام أنفسهم والأئمة بخمس الله والرسول؟! وهذا هو المعمول به فى دول الخليج ، وفى الدولة الإسلامية التى لرؤساء الجمهورية فيها ميزانيات مفتوحة لا حدّ لها. والمتأمل للآيتين يتبين أن كل دخل الدولة ، سواء كان فيئا ، أو مغانم ، أو ضرائب وزكاة ، هو لأبنائها من المسلمين وغيرهم ، وكلهم سواء ، ولهم نصيب من هذا الدخل ، ومما ينفق عليه منه من أوجه الصرف ، كالتعليم وفرص العلاج والعمل ، ولا بد أن يتساوى فيها الناس ، لأنهم جميعا مواطنون. وفى الآية : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) (١) (الأنفال). والفيء هو عائد الغزوات ، بالصلح أو الجزية أو بالعشور أو بالخراج ، بينما المغانم هى العائد بالقتال ، والأنفال هى الأراضى التى تضم للدولة بالصلح ، وكل أرض خربة باد أهلها. وهذا التقسيم الخماسى للفيء والمغانم ، كان معمولا به زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتوقف العمل به الآن ، لاتساع رقعة الدولة ، وتشابك اقتصادها ، وعظم مواردها ، والرسول فى حياته ما كان يكنز المال ، ولا يتأثّله ، وكان لا يأخذ من مال الزكاة ـ وهى التى تضاهى الآن الضرائب على الأموال إلا ما يحتاج إليه فى معيشته وأهله ، وهذا المبدأ هو نفسه المبدأ الاشتراكى الذى يقضى بأن يعطى الفرد بقدر جهده ثم يأخذ بقدر حاجته ، وكان يقول : «ليس لى من غنائمكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم». وعند الشافعى فإن خمس الرسول كان ينبغى أن يردّ بعد وفاته إلى الدولة ويدخل فى مواردها وفى الميزانية العامة ، ويصرف منه على مصالح المسلمين. ولم يورّثه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لحاكم ، ولا لإمام ، ولا لقرابة له كما يقول الشيعة ، وقال : «إنّا لا نورث ؛ ما تركناه صدقة».

* * *

٢٢٣٣ ـ الفقير شريك للغنى فى العين بحصته من الزكاة

هل الفقير شريك للغنى فى العين ويملك فيها بمقدار حصته من الزكاة ، تماما كما يملك الغنى ، أو أن الفقير صاحب حق فى العين دون أن يملك شيئا منها ، تماما كصاحب الرهن؟ وهل الغنى مسئول عن الزكاة تجاه الفقير ، كما أن صاحب العين مسئول تجاه صاحب الرهن؟

وأهل الإسلام على أن الزكاة تتعلق بالعين ، والفقير شريك للغنى فى العين ، ويملك منها بمقدار حصته على النحو الذى يملكه الغنى ، وليس للغنى أن يتلف ماله كما يحب ، لأن فى ذلك ضياع لحق الفقير فيه. والمقصود بذلك أن الله تعالى قد جعل للفقراء حقا فى أموال الأغنياء كحقّ غرماء الميت المتعلق بتركته ، بحيث إذا امتنع الأغنياء عن أداء هذا الحق

١١١١

كان للدولة أن تتدخل من باب الحسبة ، وأن تستوفى هذا الحق قهرا عن الأغنياء ، وفارق بين القول بأن الفقير شريك الغنى حقيقة ، وبين أن يقال أنه شريكه واقعا. وهذا هو الإسلام! وهذه هى اشتراكية الإسلام!

* * *

٢٢٣٤ ـ المؤلفة قلوبهم

هؤلاء كانوا فى صدر الإسلام ممن يظهرون الإسلام ، ويتألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم ؛ وقيل : هم من أسلم من اليهود أو النصارى وإن كان غنيا ؛ وقيل : هم صنف من غير المسلمين يعطون ليتألّفوا على الإسلام ، ورأى المسلمون فيهم أنهم يسلمون بالعطاء والإحسان ؛ وقيل : هم الذين أسلموا فى الظاهر ولم تستيقن قلوبهم ، فيعطون ليتمكن الإسلام فى صدورهم. وهذه الأقوال متقاربة ، والقصد بجميعها الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه إلا بالعطاء ، أو ليمنع أذاهم عن المسلمين ، وتقصر ألسنتهم عن الإسلام ، وقد يكون ذلك من باب الرشوة ، إلا أنها تشبه اليوم ـ المخصصات لبعض الدول تعطى كمعونات ، أو لبعض الكتّاب والمسئولين ، لتأليفهم على رأى الحكومات ، أو اتجاهات الأحزاب ، أو سياسات الدول ، وقد يكون من تعطى له هذه الأموال أو الخدمات من نفس الدولة أو من دول إسلامية أو غير إسلامية ، فذلك كله جائز ، وهو ضرب من الجهاد. والدول والناس ثلاثة أصناف : فصنف يجدى معه الحوار وإقامة البرهان ، وصنف ينفع معه الإحسان ، وصنف لا يدفع أذاه إلا أن تتناوله وسائل الإعلام بالذّم ، وتنبّه إليه وإلى مخازيه ، وما من أحد من هؤلاء إلا وله مخاز يمكن البحث عنها ، وتحرّى أمرها ، ونشرها على الملأ ، لتهتز صورة هذا العدو للإسلام ، فلا يؤبه لكلامه من بعد ، ولا يعود مطاعا فى قومه. ولنا فى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسوة ، وقد أعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير (يعنى نحو نصف مليون جنيه) ؛ وحكيم بن حزام ، والحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وحويطب بن عبد العزّى ، وصفوان بن أمية ، ومالك بن عوف ، والعلاء بن جارية ، مائة بعير لكلّ منهم ، وهؤلاء هم أصحاب المئين ، وأعطى آخرين دون ذلك ، منهم : مخرمة بن نوفل الزهرى ، وعمير بن وهب الجمحى ، وهشام بن عمرو العامرى ، وسعيد بن يربوع ، وعباس بن مرداس السلمى ، وهذا الأخير لم يرض واستمر يهجو المسلمين ، فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اذهبوا فاقطعوا عنى لسانه» ، يعنى زيدوا له ، فأعطوه حتى رضى ، فكان ذلك قطع لسانه ، ولعل ذلك كان يجدى أكثر مع سليمان رشدى ، ونيبول ، وكثير غيرهما من الصحفيين والروائيين والسياسيين ، سواء فى إسرائيل ، أو تركيا ، أو بريطانيا ، أو أمريكا ، أو كندا ، أو مصر نفسها ، فالمسألة سواء ، وقد ذكر فى المؤلفة قلوبهم : النضر بن الحارث ، ومالك بن عوف ، وحكيم بن حزام ، وعكرمة بن أبى جهل ، وسهيل بن عمرو ، وحويطب بن عبد العزى ، ومالك بن

١١١٢

عوف ، وبعض هؤلاء كان على اليهودية ، وبعضهم على النصرانية ، وبعضهم من أقطاب الشرك ، وكان منهم شدّة العداء للإسلام ، فهدءوا بعد أن أعطوا ، وقد اجتمعت الصحابة فى حكم أبى بكر على توقّف الدفع لهم ، وإسقاط سهم المؤلفة قلوبهم ، وفعل عمر ذلك ، إلا أن هذا المصرف من الإنفاق تحتّمه الضرورة وحسن السياسة ، وكما أجراه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لحاجة المسلمين إلى تأليف أعدائهم ممن يخشى أن تلحق المسلمين منهم آفة ، فكذلك ينبغى أن نستمر على العمل به ، ولنا الدافع إلى ذلك من الحديث الصحيح : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ» أخرجه مسلم ، فكما فعل رسولنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالأمس ، نفعل اليوم.

* * *

٢٢٣٥ ـ ابن السبيل

السبيل هى الطريق ، وينسب المسافر إليها لملازمته إياها ومروره عليها ، والمراد بابن السبيل : المسافر الذى انقطعت به الأسباب فى سفره عن بلده ومستقره وماله ، فإنه يعطى من الزكاة وإن كان غنيا فى بلده. وابن السبيل لا يلزمه وهو فى دار الإسلام ، أن يشغل ذمّته بالسلف ، ولا أن يدخل تحت منّة أحد وقد وجد منّة الله تعالى. وإن أخذ ابن السبيل من مال الزكاة فلا يلزمه ردّه إذا صار إلى بلده ، ولا أن يخرجه. ويأتى ذكر ابن السبيل فى القرآن ثمانى مرات ، كقوله تعالى : (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) (١٧٧) (البقرة) ، وقوله : (قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (٢١٥) (البقرة) ، وفيها جميعا يوصى الله تعالى بابن السبيل ويجعله من وجوه الإنفاق للزكاة ، شأنه فى ذلك شأن المسكين والفقير واليتيم ، إلا أنه لم يعد هناك اليوم أبناء سبيل ، وإنما هناك فقراء ومرضى تقطّعت بهم الأسباب كأبناء السبيل فى الماضى ، وصاروا بذلك يستحقون هذا المصرف ـ مصرف ابن السبيل ـ للتخفيف عنهم وإعانتهم على الحياة ومواجهة المصاعب والأمراض.

* * *

٢٢٣٦ ـ العاملون عليها

«العاملون عليها» فى الآية : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) (٦٠) (التوبة) : هم كل موظفى الدولة ، وينفق عليهم بيت المال المسلمين ، وهو الآن وزارة المالية ، أو الخزانة العامة للدولة ، وقيل لهؤلاء الثمن كما فى الآية ، باعتبار مصارف الزكاة ـ وهى الدخل العام للدولة ـ تشمل هذه الفئات الثمانية ، وروى البخارى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم استعمل رجلا من

١١١٣

بنى الأسد على صدقات بنى سليم ، يدعى ابن اللتيبة وكان يعطيه الثّمن ، وكذلك يعطى موظفو الدولة قدر عملهم من الأجرة ، وهى كفايتهم من المال ، وفلسفة ذلك : أن حق موظف الدولة فى الأجرة كحق الزوجة ، تكون نفقتها ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على زوجها ، ولا تقدّر بالثّمن ، بل تعتبر الكفاية ثمنا ، ومن ذلك أجرة القاضى ، ونفقات ملاجئ الأيتام ، وبيوت المسنين ، والمستشفيات العامة ، والمساجد ، وأئمتها ، والمدارس والجامعات ، وسائر موظفى الدولة وخدمها ، وقيل : يشترط ألّا يزيد الإنفاق العام على كل الأجور عن ثمن الدخل العام ، غير أن الثمن فيه إجحاف وتقصير ، فهذه الفئات المذكورة فى الآية للتمثيل وليست للتعديد والحصر ، والمسألة فى الإنفاق العام بحسب الميزانية العامة ، ولم يعد دخل الدولة قاصرا على الصدقات ، فهو أوسع من ذلك كثيرا ، والكلام فى الآية قاصر على ثمن الصدقات لمّا كان كل دخل الدولة هو هذه الصدقات ، ولما كانت هذه الفئات الثمانى هى فقط الفئات القائمة ولا يوجد غيرها ، وضربت الآية بها المثل لما يستجد من فئات ، كما ضربت المثل للدخول بالصدقات ، وكما ضربت المثل للإنفاق الشرعى بهذا الإنفاق. والمبدأ فى الإسلام : أن كل ما كان من فروض الكفايات ، فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه ، ولا جرم فى ذلك ، يعنى أنه لا بد من الأجر لكل عمل ، حتى لو كان هذا العمل من هوامش الأعمال ، كما فى حالات موظفى الضرائب. وإلى مثله أشار النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله : «ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملى فهو صدقة» ، فقرر للعاملين على جمع الزكاة أجرا واجبا.

* * *

٢٢٣٧ ـ فى المال حقّ سوى الزكاة

فى الحديث عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن فى المال حقا سوى الزكاة» ، ثم تلا الآية : (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ) (١٧٧) (البقرة) ، وفيها تقرن الصلاة بالزكاة ، وهو دليل على أن المراد بقوله : «وآتى المال على حبه» ليس المقصود بها الزكاة المفروضة وإلا كان تكرارا. والقاعدة : أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها ، وهذه هى صدقة التطوع.

* * *

٢٢٣٨ ـ توصية القرآن بالمستضعفين من المجتمع

يوصى القرآن بالفئات المحتاجة من الشعب ، كاليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، وهؤلاء يضرب بهم المثل لما يستجد من الفئات ، كقوله : (قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ

١١١٤

وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (٢١٥) (البقرة) ، وأشرك الوالدين فى الإنفاق لأنه من غير المعقول أن يستوفى المنفق حاجات المجتمع ويترك أبويه يتسولان الناس. ومن شروط الإنفاق أن لا يتبعه منّ ولا أذى ، وأن يؤتى فى السراء والضراء ؛ وفى السرّ والعلن ، والأفضل أن يكون خفية ، وأن لا يكون عن إسراف ولا تقتير ، ولا تكون مصادره خبيثة وأصله حرام ، وأن ينفق كل ذو سعة من سعته ، ومما فضل بعد استيفاء حاجاته وأسرته ، ومثّله الله تعالى بالحبّة تنبت سبع سنابل ، وفى كل سنبلة مائة حبة ، فهكذا أجر المنفق عند الله ، وهو الذى لا ينفق رياء ، ولا وهو كاره ، ولا يؤثر أن يكنز ماله عن أن ينفقه فى سبيل الله والمستحقون للإنفاق عليهم فى الآية خمس فئات ، على سبيل المثال لا على سبيل الحصر والتعداد.

* * *

٢٢٣٩ ـ حدّ الفقر فى الإسلام

اختلف فقهاء المسلمين فى الفقراء والمساكين فى آية مصارف الصداقات ، فى قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٦٠) (التوبة) ، وفى الآية أن الله تعالى خصّ بعض الناس بالأموال دون بعض ، نعمة منه عليهم ، وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى من لا مال له ، نيابة عنه سبحانه ، بقوله : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) (٦) (هود) يعنى أن الرزق يكفى العالم حاليا ومستقبلا وإنما سبب الكوارث والمجاعات والفروق الاجتماعية فيه ، أن البعض ـ وهم القلّة ـ يستولون غصبا على رزق الغالبية ويحوزونه لأنفسهم ، فيختل الميزان الاجتماعى وتخلق طبقة الفقراء والمساكين والمستضعفين إلخ. والفقراء والمساكين هم الذين يستحقون الصدقة أكثر من غيرهم ، والفقير عند العرب من نزعت فقار ظهره من شدة الفقر ، فلا حال أشدّ من هذه ؛ والمسكين أحسن حالا منه ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يؤثر أن يكون مسكينا على أن يكون فقيرا إن كان الاختيار بين أن يكون هذا أو ذاك ، فكأنه يتعوّذ من الفقر وهو يقول : «اللهم أحيني مسكينا وأمتنى مسكينا» أخرجه الترمذى ، فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لتناقض الخبران ، إذ يستحيل أن يتعوّذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ منه. والمسلمون مختلفون فى حدّ الفقر الذى يجوز معه أن يعال الفقير من أموال الزكاة ، وفى مصر مثلا هناك أكثر من ٨٨ خ من السكان تحت خط الفقر ، ويبلغ متوسط دخل الفرد من طبقة العمال والفلاحين دولارا ونصف فى اليوم ، ومن طبقة الموظفين من خريجى الجامعات نحو ذلك ، وهناك ١٢ مليون

١١١٥

عاطل ، وأكثر من ذلك من النساء ، وكل هؤلاء فى حاجة إلى أن يعانوا من أموال الزكاة ، وعلماء المسلمين متفقون على أن : من له سكن وزوجة وأولاد ، ودخله أقل من عشرة دولارات فى اليوم ، فله أن يأخذ من الزكاة ، وفى الحديث : «لا تحلّ الصدقة لرجل له خمسون درهما». وكان هذا المبلغ ربما يكفى فى الماضى. ووجه الحديث على المسألة ، فإذا كان الرجل قويا ، وعلى علم ، وذا خبرة ، ولكن لا يكفيه دخله ، ولا يسد حاجة أولاده ، فهو فقير ، ولكل واحد من أفراد الأمة ، أنثى أو ذكرا ، نصيب من الزكاة ، وله أن يأخذ منها ، فيما لا بد منه. وقد حرّم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الزكاة على من كان عنده «ظهر غنى» ، وهو «عشاء ليلة» ، ومن كان دخله وأولاده دولارا ونصف فى اليوم ، هل يكون عنده «عشاء ليلة»؟!

* * *

٢٢٤٠ ـ العمل أصلح ما يأتيه المسلم

كان أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «عمّال أنفسهم» ، لأن العمل أشرف ما يأتيه المسلم ، وبالعمل يبلو الله الناس أيهم أحسن عملا ، ومن أحسن عملا لا يضيع أجره ، وأحسن العمل هو العمل الصالح ، وليس أصلح من عمل اليد ، والأنبياء كانوا عمالا : فآدم كان حرّاثا ، وداود زرّادا ، ونوح نجّارا ، وإدريس خيّاطا ، وإبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، وإسماعيل رعاة : (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) (٩٠) (الأنعام) ، وفى الحديث : «ما أكل أحد طعاما خير من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبىّ الله داود عليه‌السلام كان لا يأكل إلا من عمل يده» ، وفى كتب اليهود داود كان راعى أغنام (صمويل ١٦ / ١١) ، ويجيء أيضا أن شاول عيّن داود على السلاح (صمويل ١٦ / ١٩) ، يعنى أنه كان من صنّاع السلاح. وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه» ، فإن الكسب أعمّ من أن يكون عملا باليد أو بغيرها ، وقيل أصل المكاسب ثلاثة ، هى المكاسب الأصول : الزراعة ، والتجارة ، والصناعة ، والأمة التى يمهر أبناؤها فى التجارة تراها تمتهن أطيب الأعمال ، لأن التجارة شطارة وحركة وعلم وإدارة وعلاقات عامة ، وعلاقات مع الدول والأفراد والحكومات ؛ والتى يمهر أبناؤها فى الزراعة إنما لأن الزراعة هى الأصل ، والتى يشتغل شعبها بالصناعة تراها تمتهن أمهر الأعمال ، وفى الخبر أن علماء بعض البلدان عابوا على أهلها أن براءات اختراعاتهم صارت أقل من غيرها للأمم الأخرى ، وعاب بعضهم على تدنّى مستوى التعليم ، وتوجهات الشباب للدراسات النظرية دون العملية والتطبيقية ، والانصراف عن تكنولوجيا المعلومات. والصواب أن أطيب الكسب ما كان عن تقوى الله ، فى أى من المجالات ، سواء كانت تجارية أو زراعية أو صناعية ، وما تعدّى فيه النفع ، والنفع المتعدّى من مبادئ الإسلام ، وتعدّيه لأنه يتجاوز النفع لصاحبه إلى الناس وما

١١١٦

يحتاجونه ، وفى ذلك تكون المجتمعات والأمم والأفراد والدول مراتب ، وتختلف باختلاف الأحوال. وعمل المؤمن يفضل سائر الأعمال ، ومن شرطه أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب بل من الله تعالى بهذه الواسطة. ويعلّمنا الإسلام أن نرضى بالمباح من الأعمال حتى يتهيأ الأحسن والأنسب ، وأن نقبل على المباح عن أن نتبطّل ، أو ننصرف إلى اللهو. والعمل أمان ضد كسر النفس ، وذلّ الحاجة ، وفيه تعفّف عن السؤال. والجزاء عند الله بالعمل ، كقوله : (إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٦) (الطور) ، وقوله : (وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (١٣٢) (الأنعام). وبالعمل تعلو الأمم ويستخلفهم الله ، كقوله : (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) (١٢٩) (الأعراف) ، وبعض الأمم تشتهر بالمفاسد فى الكون كشأن الأمم الاستعمارية واليهود فى العالم ، وهؤلاء قال الله تعالى فى أشباهها : (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ) (٧٤) (الأنبياء) ، وليس أخبث منها أمم لا همّ لها إلا أسلحة الفتك والدمار.

* * *

٢٢٤١ ـ للعامل أن يأخذ من عرض المال الذى يعمل فيه قدر حاجته

فعل ذلك أبو بكر وأكل من مال المسلمين قدر حاجته ، وكان الصحابة قد فرضوا له ما يحتاجه بقدر مطلبه. ولما استخلف عمر أكل هو وأهله من مال المسلمين بقدر ما يحتاج ، وكان أبو بكر وعمر قبل أن يستخلفا يحترفان لتحصيل مئونة أهلهما ، ويتّجران فى مالهما حتى يعود عليهما من ربحه بقدر ما يتكلف هو وعياله أو أكثر. ونفهم أن الأجور لا بد أن تكفى العمال لقاء عملهم ، وتكفى احتياجات أولادهم وعائلاتهم ، إعالة ، وتعليما ، وتطبيبا ، وسكنا ، ورعاية ، وإلا فالقاعدة فى الإسلام : أن يأخذ العامل من عرض المال الذى يعمل فيه قدر حاجته ، إن لم يقطع له صاحب العمل أو الحكومة أجرا معلوما متزايدا يكفيه وأهله.

* * *

٢٢٤٢ ـ مصارف الإنفاق ومقاديره

الإنفاق فى الإسلام هو التصرّف عن طواعية ، كقوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (٢١٥) (البقرة) ، يعنى أن الإنفاق الاجتماعى ينبغى أن يتوجه إلى مواضع الضعف فى تكوين المجتمعات ، ويقال لها مواضع التخلخل الاجتماعى ، فحيثما كانت الحاجة إلى الإنفاق لعلاج آفة اجتماعية ، توجب الإنفاق ، سواء على الدولة أو المجتمع أو الأفراد ، ومن ذلك إعالة الأرامل ، ومصارف التعليم ، والعلاج ، والتدريب على الصنائع ، ومحو الأمية المهنية. فلمّا سألوا

١١١٧

عن مصارف الصدقة نزلت الآية بالجواب فيما ينبغى تجاه هذه الطبقات المستضعفة فى المجتمع كمثال ، وليس على سبيل العدّ والحصر ، ثم كان سؤالهم مرة ثانية وإنما هذه المرة عن مقدار النفقة ، وهو قوله : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة ٢١٩) ، فلمّا عيّن لهم مصارف النفقة فى الآية الأولى ، سألوا فى الآية الثانية : كم ينفقون؟ فنزلت : «قل العفو» أى مما فضل عن حوائجهم ، وفى الحديث : «خير الصدقة ما أنفقت عن غنى».

* * *

٢٢٤٣ ـ الفرق بين إنفاق المسلم وغير المسلم

المسلم ينفق لله كقوله : (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (٢٦٥) (البقرة) ، وغير المسلم ينفق رياء ، أو بوازع سياسى أو اجتماعى : (كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (٢٦٤) (البقرة) ، والأول تهمّه مرضاة الله ، ويتثبت لذلك أين يضع صدقته ، وأما الذى ينفق لغير ذلك من الأسباب فهو لما ذهب إليه من الإنفاق ، كما فى الحديث عن الذى يحج ، فحجّه لما ذهب إليه ، إن كان لله ، أو للتجارة والمنافع ، أو لامرأة ينكحها. والمسلم ينفق تصديقا ويقينا واحتسابا من نفسه.

* * *

٢٢٤٤ ـ المنّ والأذى يبطل الصدقة

فى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ) (٢٦٤) (البقرة) يشبّه الله تعالى المنّ والأذى بالصدقة ، بإنفاق الكافر المرائى ، وفى الأمثال : ومن منّ بمعروفه سقط شكره ، من أعجب بعمله حبط أجره ، ويقال عن يد من يمنّ : «يده سوداء» ، ولمن يعطى من غير مسألة : «يده بيضاء» ، ولمن يعطى عن مسألة : «يده خضراء». وفى الحديث : «إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر» ، ثم تلا : «لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى».

* * *

٢٢٤٥ ـ الإنفاق من الطيبات

المأمور به فى الإنفاق أن يكون من الطيبات ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) (٢٦٧) (البقرة) ، والمراد بالإنفاق الزكاة المفروضة وكذلك التطوع ، والآية خطاب لجميع أمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتعم الوجهين ، والأمر فى الزكاة على الوجوب ، وليس كذلك فى التطوع ، وفى الحالتين تنهى الآية عن الإنفاق من المال الخبيث ، وهو نقيض المال الطيب ، وأى كسب فى الإسلام ينبغى أن يكون من الحلال ، ويتوجه إلى الحلال ، وإنفاقه

١١١٨

هو الإنفاق الحلال ، ونقيضه الإنفاق الحرام. ويذهب البعض إلى أن الآية فى الزكاة فقط ، وليست فى الإنفاق ، لأنها ذكرت ما يخرج من الأرض وهو النبات والمعادن ، وفى كلّ نصيب مفروض من الزكاة ، ولذلك فهى آية زكاة وليست آية إنفاق ، ولذا قلنا إن المراد بالإنفاق فيها الزكاة المفروضة وكذلك زكاة التطوع.

* * *

٢٢٤٦ ـ الدّين والدولة

يقول الله تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (٦) (الأحزاب) فأزال الإسلام بهذه الآية أحكاما كانت فى صدر الإسلام ، منها : أنه لا يصلّى على ميّت عليه دين ، إلا أن ذلك نهى عنه بهذه الآية ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم مقالة ربّه : «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفى وعليه دين فعلىّ قضاؤه ، ومن ترك مالا فلورثته» أخرجه الصحيحان ، والدّين هو القرض المؤجّل ، وأهل العلم على الرأى أن الحاكم عليه أن يقضى دين الفقراء من مال الحكومة اقتداء بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإنه قد شدّد بوجوب ذلك فقال «فعلىّ قضاؤه» ، وفى حديث آخر قال : «فأيكم ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه» أخرجه البخارى ، والضياع بفتح الضاد ـ مصدر ضاع ، جعل اسما لكل ما هو بصدد أن يضيع من عيال وبنين لا كافل لهم ، ومال لا قيّم له ، والأرض سميت ضيعة لأنها معرضة للضياع ، والحديث تأكيد آخر بمعنى أوسع ، فقد يترك الميت عيالا لا عائل لهم ، فالحكومة أولى بهم ، وقد يتركهم ولهم مال ولا قيّم له ، فتكون الحكومة هى القيّمة عليه. فهذا هو الإسلام الاجتماعى!

* * *

٢٢٤٧ ـ بيت المال

بيت المال فى الإسلام يعادل وزارة المالية أو الخزانة العامة للدولة ، وهو المنوط به جمع الزكاة ، والمكوس والضرائب ، ويرث من لا ورثة له ، وتئول إليه دخول أملاك الحكومة إلخ ، ويدفع أجور موظفى الدولة والحكام ، ويدفع الدية فى حالة إعسار المحكوم عليه بها ، ومن لم يثبت على أحد قتله ، وينفق على التعليم ، وإيواء اللقطاء ، والأرامل ، والأيتام ، والمسنين ، ولا يرد ذكر بيت المال فى القرآن ، وأكثر وروده ضمن تفسير آياته فى الدّين ، وفى البيوع ، والمعاملات إلخ ، وفى الآية : (وَالْعامِلِينَ عَلَيْها) (٦٠) (التوبة) فإنهم من مصارف الزكاة ، وهم كل موظفى الدولة ، من سعاة ، وجباة وقضاة ، وكتبة ، والولاة والجنود إلخ ، ولذا لزم التنويه به.

* * *

١١١٩

٢٢٤٨ ـ الخراج

الخراج من ألفاظ القرآن ، كقوله تعالى : (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) (٧٢) (المؤمنون) ، والخرج هو الجعل ، وما تبرعت به ، ويؤدّى عن الأموال ؛ والخراج هو العطاء ، ويؤدّى عن الأرض ، وهو من المصطلحات المهجورة بإبطال النظام الذى يدلّ عليه ، وكان المعمول به فى الدولة الإسلامية القديمة أن البلاد إذا فتحت صلحا وصولح أهلها كانت الأرض لهم ، يؤدون عنها خراجا معلوما ، وحكمه حكم الجزية ، ومتى أسلموا سقط عنهم ، وتظل الأرض فى كل الأحوال ملكا لهم يتصرفون فيها بالبيع والرهن والهبة. وإذا فتحت البلاد عنوة صارت أرضها وقفا على المسلمين ، ويضرب عليها الخراج كأجرة لها تؤخذ كل عام ، سواء كان أهلها مسلمين أو ذميين ، ولا يسقط خراجها بإسلام أهلها ولا ببيعها إلى مسلم. ولم تقسم أرض فتحت عنوة إلا خيبر ، والمعوّل عليه فى ذلك المصلحة العامة ، فإن رؤى أن تقسيمها بين المسلمين خير ، كان ذلك ، وإن رؤى وقفها على الصالح العام كان. والزكاة واجبة على غلّة الأرض المفتوحة عنوة التى يملكها مسلم ، بعد دفع الخراج ، متى بلغ المتبقى النصاب ، فإن لم يبلغ النصاب ، أو كانت الأرض لغير مسلم فلا زكاة عليها. وزكاة الأرض العشر ، فإن كان فيها ثمر أو خضروات مما لا زكاة فيه ، كان يجعل خراجها من التمر والخضروات ، بينما تجعل الزكاة على الزروع متى استوفت غلّتها النصاب. وكان يكره بيع أرض المسلم من ذمّى وإجارتها منه ، لأن ذلك كان يؤدى إلى إسقاط زكاتها ، إلا أن البيع والإجارة يصحّان.

* * *

٢ ـ البيع والربا

* * *

٢٢٤٩ ـ تحليل البيع وتحريم الربا

البيع : نقل ملك إلى الغير بثمن ، والشراء قبوله. والإجماع على جواز البيع ، وتقتضيه الحكمة. والربا : هو الزيادة ، إما فى نفس الشيء ، كقوله تعالى : (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) (٥) (الحج) ، وإما فى مقابله كجينية بجنيهين. والربا فى الأشياء حقيقة ، وفى المال مجاز وحقيقة شرعية. وكان الربا فى الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل حقّ إلى أجل مسمّى ، فإذا حلّ قضاه أخذه وإلا زاده فى حقّه ، وزاده الآخر فى الأجل. والربا من ربا يربو. وفى التنزيل : (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (٢٧٥) (البقرة) ، والربا الذى حرّمه هو ما قصد إليه يوم عرفه لمّا قال : «ألا إن كل ربا موضوع ، وإن أول ربا أضعه ربانا ، ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله» أخرجه مسلم ، فبدأ بعمه وأخصّ الناس به. وهذا من سنن العدل أن يفيض

١١٢٠

الحاكم العدل على نفسه وخاصته أولا ، ثم يستفيض حينئذ فى الناس ، والآية من عموم القرآن ، وإذا ثبت أن البيع عام ، فهو مخصص بما نهى عنه ومنع العقد عليه ، كالخمر وغيرها مما هو ثابت فى السنّة وبالإجماع. وهى أيضا من مجمل القرآن ويفسّرها المحلّل والمحرّم من البيع ، وهذا فرق ما بين العموم والمجمل ، فالعموم يدل على إباحة البيوع فى الجملة والتفصيل ما لم يخصّ بدليل ، والمجمل لا يدل على إباحتها فى التفصيل حتى يقترن بها بيان. وأركان البيع أربعة : البائع ، والمبتاع ، والثمن ، والمثمّن. والبيع : قبول وإيجاب ، ويقع بالصريح والكتابة. وبيع الربا جائز بأصله من حيث هو بيع ، ممنوع بوصفه من حيث هو ربا ، فيسقط الربا ويصحّ البيع.

* * *

٢٢٥٠ ـ مشروعية البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل

يؤخذ ذلك من الآية : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) (١٩٨) (البقرة) ، ويشمل الفضل التجارة وأنواع التكسّب فى مواسم الحج وغيرها. وكانت أسواق العرب : عكاظ ، ومجنّة ، وذا المجاز ، فلما جاء الإسلام ، فكأنهم تأثمّوا التجارة ، فجاءت الآية : (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ) (١٠) (الجمعة) تبيح التجارة ، ونزلت الآية : (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) (النساء ٢٩) فقيّدت التجارة المباحة بالتراضى ، وفى الحديث عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنما البيع عن تراض» ، وقال : «التجارة رزق من رزق الله لمن طلبها بصدقها». وقد تنبأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بزمان لا يراعى فيه الحلال والحرام فقال : «يأتى على الناس زمان لا يبالى المرء ما أخذ منه : أمن الحلال أم من الحرام».

* * *

٢٢٥١ ـ من يترك الصلاة من أجل تجارة أو لهو

قد تذم التجارة ـ وإن كانت ممدوحة ـ إذا قدّمت على ما يجب تقديمه ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم انفضّ الناس من حوله فى خطبة الجمعة لمّا سمعوا بالتجارة القادمة من الشام ، حتى أنه لم يبق معه إلا أربعة عشر من أصحابه ، فنزلت الآية : (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (١١) (الجمعة) ، وخروجهم إلى التجارة اعتبر لهوا ، لأنه ألهاهم عن الصلاة ، فغلظ وكبر ، ونزل فيه القرآن تهجينا حتى أطلق عليه اسم اللهو ، وكانوا إذا سمعوا طبلا ومزامير ، تركوا المسجد وخرجوا يستطلعون الأمر ، واللهو مذموم لهذا السبب ، ولأنه باطل ويصرف عن الحق ، والمؤمنون حقا هم الذين لا تلهيهم التجارة ولا اللهو عن ذكر الله ، كقوله تعالى : (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ

١١٢١

تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ) (٣٧) (النور) ، فكانوا إذا أذّن المؤذن للصلاة أغلقوا حوانيتهم ودخلوا المساجد ، وفى هؤلاء نزلت الآية ، وفى التنزيل : (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) (١٨) (التوبة) ، وهذا عام فى كل مسجد. والمساجد تصان عن البيع والشراء ، وفى الحديث : «إنما بنيت المساجد لما بنيت له» أخرجه مسلم ، فلا بيع ولا شراء فى المسجد. وفى اللهو قال عمر : ألهانى الصفق فى الأسواق». والصفق أى التجارة ، فكانوا إذا تبايعوا وتراضوا يتصافحون صفقا ، وأطلق عمر على التجارة لهوا ، لأنها ألهته عن طول ملازمة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حتى سمع غيره منه ما لم يسمعه ، ولم يقصد عمر ترك الملازمة ، ولكنه كان محتاجا إلى الخروج للسوق من أجل الكسب لعياله والتعفف عن الناس.

* * *

٢٢٥٢ ـ الربا أضعافا مضاعفة

خصّ الله تعالى الربا من بين سائر المعاصى فى الآية : (لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ) (١٣٠) (آل عمران) ، وهو الذى كانوا يضعّفون فيه الدين عاما بعد عام ، فأمرهم بتقوى الله ، تأكيدا على شنعة فعلهم وقبحه ، فإن استحلال الربا يخرج عن الدين وينزع عن الفاعل الإيمان.

* * *

٢٢٥٣ ـ آكل الربا طعمته من الربا

لم يقل الله تعالى : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا) (٢٧٥) (البقرة) إلا لأن «آكل الربا» كانت طعمته من الربا. وفى الآية الأخرى : (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) (١٦١) (النساء) فإن «الأخذ» يراد للأكل ، و «الأكل» هو أقوى مقاصد الإنسان فى المال ، وفيه الجشع والحرص والشّح ، وجميعها تدخل ضمن الآية : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا) (٢٧٥)!

* * *

٢٢٥٤ ـ قولهم (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) البقرة ٢٧٥

قال المرابون ذلك لأنهم كانوا يكتبون الدّين فى أول العقد ، فإذا كانت نهاية العقد انتظروا ليدفع الدين ولا زيادة فيه ، فإذا لم يدفع ، يقولون : إما أن تقضى وإما أن تربى ـ أى تزيد فى الدين ، فإن كان عاجزا عن القضاء فإنهم يستكتبونه عقدا جديدا ، لا بالمبلغ الأول وإنما بأضعافه ، فلأنهم كانوا يقولون له أولا اقض دون زيادة ، قالوا : «إنّما البيع مثل الرّبا» ، وكانوا يقولون : لا فرق إن زدنا الثمن فى أول البيع أو عند محله.

* * *

١١٢٢

٢٢٥٥ ـ لا كتابه ولا إشهاد فى الربا

فى الدّين والبيوع أمر الله تعالى بالكتابة والإشهاد ، فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ) (البقرة) ، ذلك بأنه أحلّ البيع ، ولكن الربا حرّمه فمنع فيه الكتابة والإشهاد ، وورد فى الكاتب والشاهد صريحا عند مسلم والترمذى وأصحاب السنن من حديث جابر وعبد الله بن مسعود : «لعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال : هم فى الإثم سواء».

* * *

٢٢٥٦ ـ (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ) البقرة ٢٧٦

هو حكم من الله تعالى فى الربا والمرابين ؛ والمحق هو الإبطال والمحو والنقص والذهاب ، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه. و «محق الربا» إما فى الدنيا ، بذهاب بركته وإن كان كثيرا ، وفى الحديث «إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قلّ» ، وإما فى الآخرة فلا تقبل من المرابى الصدقة ولا الحجة ولا الصلاة. و «ربا الكافر» هو هذا الربا الباطل ، و «ربا المسلم» هو الصدقات ، وصدقات المسلم تربو ، أى ينمّيها الله فى الدنيا بالبركة ، ويكثر ثوابها فى الآخرة ، وفى صحيح مسلم : «إن صدقة أحدكم لتقع فى يد الله فيربّيها له كما يربّى أحدكم فلوّه ، أو فصيله ، حتى يجيء يوم القيامة ، حتى إن اللّقمة لتصير مثل أحد» ، والفلو هو المهر فطيما ، والفصيل ولد الناقة أو البقرة إذا فصل عن أمه.

* * *

٢٢٥٧ ـ آية الربا من آيات الإسلام الاشتراكى

هى الآية : (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (٢٧٩) (البقرة) وهذا مبدأ من المبادئ الاشتراكية لم يؤسّس له إلا حديثا فى القرآن التاسع عشر الميلادى ، أى منذ نحو ١٢٥ سنة ، وبينما هو فى الإسلام أصل من أصول الاقتصاد الإسلامى ، وفيه قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى حجّة الوداع : «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع ، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون» ، فردّهم الله تعالى ورسوله إلى رءوس أموالهم ، وبعد

١١٢٣

ذلك حاولت نفس المحاولة الاشتراكيات الإصلاحية ، ودالت جميعها إلا الاشتراكية الإسلامية ، لأنها لم تظلم صاحب رأس المال ، وأنصفت المقترض العادى ، فردّت للأول رأسماله ، وأعفت الثانى من الأرباح الربوية. والربا حلال فى اليهودية طالما أنه بين اليهود وبين الأغيار ، ولا يجوز بين اليهود بعضهم البعض ، ونصّ ذلك : «لا تقرض أخاك بربا فى فضة أو طعام أو شىء آخر مما يقرض بالربا ، بل الأجنبى إياه تقرض بالربا ، وأخاك لا تقرضه بالربا» (تثنية الاشتراع ٢٣ / ١٩ ـ ٢٠) ، وجاء عن ذلك فى التنزيل : (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) (١٦١) (النساء) ، أى اليهود ، وكان قوم شعيب يرابون ، ولمّا منعهم قالوا : (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (٦٢) (هود) أى نفعل الربا.

* * *

٢٢٥٨ ـ الحكم فى أهل الربا كالحكم فى المرتدين

أوغد الله أهل الربا فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (٢٧٩) (البقرة) ، فهم حرب لله ولرسوله ، أى أعداء ، وإذا اصطلح أهل بلد على الربا استحلالا كانوا مرتدين ، والحكم فيهم كالحكم فى أهل الردّة ، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالا جاز للمسلمين محاربتهم ، وقوله : «فأذنوا بحرب من الله ورسوله» على معنى فأعلموا غيركم أنكم على حربهم.

* * *

٢٢٥٩ ـ الربا موبقة

فى الحديث : «يأتى على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ، ومن لم يأكل الربا أصابه غباره» أخرجه النسائى ، وبرواية الدارقطنى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية فى الخطيئة» ، وقال : «الربا تسعة وتسعون بابا أدناها كإتيان الرجل بأمّه» ، يعنى كالزنا بأمه ، وقال : «اجتنبوا السبع الموبقات ...» ، ومنها «وآكل الربا» ، والموبقات هى المهلكات ، من وبق يبق أى هلك. والآية تدل على أن أكل الربا من الكبائر ، والعمل به من الكبائر.

* * *

٢٢٦٠ ـ الحلال بيّن والحرام بيّن

فى البيوع شبهة فى المعاملات يقع فيها الناس كثيرا ، وفى الحديث : «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهة ، فمن ترك ما شبّه عليه من الإثم كان لما استبان أترك ، ومن اجترأ

١١٢٤

على ما يشك فيه من الإثم أو شكّ أن يواقع ما استبان ، والمعاصى حمى الله : ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» ، تنقسم الأحكام إلى ثلاثة أقسام : الأول : الحلال البيّن : وهو الشيء ينصّ على طلبه مع الوعيد على تركه ؛ والثانى : الحرام البيّن : وهو الشيء ينصّ على تركه مع الوعيد على فعله ، أو لا ينصّ على واحد منهما فذلك هو المشتبه ، وهو القسم الثالث. ومعنى قوله «الحلال بيّن» أنه لا يحتاج إلى بيان ، والناس تعرفه وتشترك فى معرفته ، وكذلك قوله «الحرام بيّن» : يعنى أن كل الناس تعرف أنه حرام ولا يختلف أحد فى حرمانيته ، وأما الثالث فهذا هو المشكل ، لأنه مشتبه بسبب خفاء أمره على الناس ، فلا يدرون هل هو حلال أم حرام. وفى الحديث أن ما كان هذا سبيله ينبغى اجتنابه ، لأنه إن كان حراما فقد برئ من تبعته ، وإن كان حلالا فقد أجر على تركه. وتشتبه المعاملات على بعض الناس أو الكثير من الناس ، ويؤثر بعضهم لذلك منع إطلاق الحلال والحرام على ما لا نصّ فيه ، لأنه من جملة ما لم يستبن. وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «أوشك» أى قرب ، لأن متعاطى الشبهات قد يصادف الحرام وإن لم يتعمده ، أو يقع فيه لاعتياده التساهل ، وما أسهل أن يعمى أمر المشبّهات على الناس ، فهى من وجه تشبه الحلال ، ومن وجه تشبه الحرام ، فيلتبس أمرها على قليل الخبرة ؛ ويرتع حول الحمى : أى المعاصى يدور حولها ، يوشك أن يرتكبها ، فالأولى إذن أن ننأى عنها.

* * *

٢٢٦١ ـ فى المعاملات دع ما يريبك إلى ما لا يريبك

هذا الحديث أخرجه الترمذى والنسائى وأحمد وابن حبان والحاكم. ويقال رابه يريبه ، وأرابه يريبه ريبة ، والريبة هى الشك والتردد ، وموضعهما القلب ، كقوله تعالى : (وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) (٤٥) (التوبة) ، والتردد من أهم صفات الإسراف فى الريبة ، والحديث دعوة إلى حسم هذا التردد ، ومعناه : إذا شككت فى شىء فدعه ، والترك لما يشك فيه أصل فى الورع ، وفى الحديث الآخر : «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس» ، يعنى أن كل ما يشك فيه فمن الواجب اجتنابه. والمعاملات ثلاثة أقسام : واجب ، ومستحب ، ومكروه ؛ فالواجب : اجتناب ما يستلزمه ارتكاب المحرّم ؛ والمندوب : اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام ؛ والمكروه : اجتناب الرخص المشروعة على سبيل التنطّع.

* * *

٢٢٦٢ ـ القرض الحسن

فى قوله تعالى : (وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً) (٣٠) (المزمل) أن القروض يمكن أن تكون

١١٢٥

حسنة ، ويمكن أن تكون قبيحة ؛ والقرض الحسن اصطلاح من الاقتصاد الإسلامى ، ويأتى فى القرآن ست مرات ، وهو النفقة فى سبيل الله ، أو النفقة فى أفعال الخير أيا كانت ، وسميت قرضا لأن القرض يخرج لاسترداد بدل ، والذى ينفق فى سبيل الله يبدّله الله بالأضعاف الكثيرة. والقرض هو الصدقة ، وصفها بالحسن لأن منفقها يحتسبها من قلبه بلا منّ ولا أذى ، فيضاعفها له الله ، كقوله : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ) (١١) (الحديد) ، والمضاعفة بين السبع إلى السبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف. وهو قرض حسن لأنه عنى تطوّع. والعرب تقول : لى عند فلان «قرض صدق» أو «قرض سوء» لأنه عنى تطوّع. والعرب تقول : لى عند فلان «قرض صدق» أو «قرض سوء». ـ ومن القرض الحسن : صدق النيّة ، وطيب النفس ، وأن يكون من الحلال ، ويبتغى وجه الله دون رياء ولا سمعة ، وليس من خبيث المال. وفى الحديث عن أفضل الصدقة قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أن تعطيها وأنت صحيح شحيح ، تأمل العيش ...» ، وفى الآية كنّى الله عن الفقير بنفسه العلية المنزّهة ترغيبا فى الصدقة ، وإلا فالله تعالى لا يقترض فهو الغنى سبحانه. ولما نزلت آية القرض الحسن انقسم الناس إزاءها ثلاث فرق : الأولى الرّذلى ، قالوا : إن ربّ محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء! وهؤلاء هم اليهود أصحاب الجهالة ، وردّ الله عليهم قال : (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) (١٨١) (آل عمران) ؛ والثانية آثرت الشّح والبخل ولم تنفق فى سبيل الله ، ولا تصدّقت ولا أعانت ؛ والثالثة لمّا سمعت بادرت وامتثلت ، وهؤلاء هم المسلمون حقا وصدقا. والقرض فى اللغة البلاء ، وكل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئا ومدينا أو دائنا ، والقروض تجازى بأمثالها ، فبالخير خيرا وبالشرّ شرّا.

* * *

٢٢٦٣ ـ الرشوة وأكل الأموال بالباطل

فى الآية : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٨) (البقرة) أن الباطل هو نقيض الحق ، ويدخل فيه المال المغصوب بالقمار والنصب وجحد الحقوق ، ومن أخذ مالا لا على وجه الشرع فقد أخذه بالباطل ، ومنه أن تكون على الباطل ولكنك تقف أمام القاضى وتجعل الحرام حلالا فيحكم لك ، لأنه يقضى بما هو ظاهر. والذى نكر الوديعة والقرض ، ويتقاضى الرشوة ، إنما يأكل بالباطل. والرشوة من الرشاء ، وقوله : (وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ) تشبيها بالذى

١١٢٦

يرسل الدلو فى البئر ، والإدلاء بالتصريحات المغلوطة والحجج الفاسدة من ذلك ، كقوله : (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٤٢) (البقرة) ، وسمّى ذلك إثما ، لأنهم يأكلون عن علم أموال فريق من الناس لمصلحة فريق آخر ، والمسلمون على اعتبار من يأخذ بالباطل ما وقع عليه اسم مال ، قلّ أو كثر ، قد فسق.

* * *

٢٢٦٤ ـ من أين لك هذا؟

القانون المشهور : «من أين لك هذا» أصله إسلامى ، ففي الرواية أن عمّال الصدقة جاءوا بالمال فقالوا : هذا لكم ، وسكتوا عن الباقى. قيل ، فسأل خازن بيت المال أحدهم : وهذا؟ من أين لك هذا؟ قال المسئول : أهدى لى! وسمع بذلك الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له : «ألا جلست فى بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا» ، وقال : «هدايا العمال غلول» ، أى رشوة ، وسطو وسرقة ، وفى التنزيل : (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) (١٦١) (آل عمران) ، وفى الحديث : «لا إغلال ولا إسلال» ، فقرن الإغلال ، أى الرشوة ، بالإسلال ، أى السرقة! وقدّم الإغلال على السرقة! لأنها أخطر من السرقة ، وأدعى للفتنة وفساد الضمائر. وهذا هو الإسلام! ولمّا وجد النبىّ زكريا الرزق يتوالى على مريم فى المحراب ، ولم يعرف مصدرا له سألها : (أَنَّى لَكِ هذا) (٣٧) (آل عمران) ، أى : من أين لك هذا؟ قيل إن «أين» سؤال عن المواضع ، ولكن «أنّى» سؤال عن الجهات والمذاهب ، وكأنه يسألها من أى الجهات جاءك هذا تحديدا ، ولما ذا بعثوه إليك؟ والسؤال فيه تشديد ، وهو أصل من أصول الإدارة والحكم فى الإسلام ، ولو أن كل حاكم ، وكل مسئول ، سأله شعبه متمثلا فى مجالسه النيابية وصحفه ، والأجهزة الرقابية المختصة ، وسأله المعنيون بالأمر ، وسألته الرعية وعامة الناس ، وسألت كل زوجة زوجها ، وسأل كل زوج زوجته : «أنّى لك هذا؟» لما كانت الرشوة والاختلاسات والسرقات وغيرها ، ولما كان أكل السّحت واستحلال الحرام!

* * *

٣ ـ المواريث

* * *

٢٢٦٥ ـ الفرائض نصف العلم فتعلموها

الفرائض جمع فريضة ، وهى ما ألزم الله به عباده ، وخصّت المواريث بهذا الاسم من قوله تعالى : (فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) (١١) (النساء) ، وقوله : (نَصِيباً مَفْرُوضاً) (٧) (النساء). والآية :

١١٢٧

(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (١٢) (النساء) : تسمى «آية المواريث» ، وتتضمن الفرائض ، وتؤخذ بالعلم ، وعلم الفرائض أساسه هذه الآية ، وفى الحديث : «تعلّموا الفرائض فإنها نصف العلم» ، وفى رواية : «تعلّموا القرآن والفرائض وعلّموهما الناس» ، وفى رواية : «تعلّموا الفرائض كما تتعلمون القرآن» ، وفى رواية : «تعلموا الفرائض فإنها من دينكم» ، والناس إما فى حالة حياة وإما فى حالة موت ، والفرائض تتعلق بالحالتين.

* * *

٢٢٦٦ ـ الفرض والفريضة

الفرض : هو القطع ، كقوله تعالى : (سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها) (١) (النور) ، قطّعها الله تعالى نجما نجما ، أى أحكاما أحكاما ، ومن ذلك فرائض الميراث ، وفرائض النفقة ، ووصفه تعالى لسورة النور بأنها «سورة الفرائض» ، لكثرة ما فيها من الأحكام. والمفروض هو المقدّر الواجب ، كقوله تعالى : (نَصِيباً مَفْرُوضاً) (٧) (النساء) أى حقا لازما. تقول فرض الله الأحكام على العباد ، أى سنّها وأوجبها ، كقوله تعالى : (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) (٢) (التحريم) والفرض هو ما أوجبه الله ، والجمع فروض ، نقول : «فروض الصلاة» ، و «فروض الحج» ، أى سننه. والفريضة ، وجمعها فرائض ، فى الصدقات هى ما فرض منها ، كقوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) (٦٠) (التوبة) ؛ وما فرض من المواريث يسمى فرائض ؛ وقيل : علم الفرائض هو ثلث العلم الإسلامى ، وفى الحديث هو نصف هذا العلم ، ومن أقواله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة ، أو سنّة قائمة ، أو فريضة عادلة». والفريضة فى قوله تعالى : (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) (٢٣٧) (البقرة) هى المهر أو الصداق. والفرض عموما ينقسم قسمين : «فرض كفاية» ، و «فرض عين» : والأول إن لم يقم به من يكفى ، أثم الناس كلهم ، كالجهاد فإنه يسقط بفعل بعض الناس

١١٢٨

له ؛ بينما الثانى لا يسقط عن أحد بفعل غيره ، كالصلاة فإنها واجبة عينا على كل مسلمة ومسلم بالغ عاقل.

* * *

٢٢٦٧ ـ ألحقوا الفرائض بأهلها

هذا الحديث لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بحسب آية المواريث ، والفرائض هى الأنصباء المقدّرة فى آية المواريث ، وهى : النصف ، ونصفه ، ونصف نصفه ، والثلثان ، ونصفهما ، ونصف نصفهما. والمراد بأهلها من يستحقها بنصّ القرآن ، وفى الحديث : «اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله» أى وفق ما أنزله فى كتابه.

* * *

٢٢٦٨ ـ التركة

التّركة : هى ما يتركه الميت من ميراث ، كقوله تعالى : (إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ) (١٨٠) (البقرة) ، وتقسّم على الورثة على مصحّ المسألة ، فما خرج فهو حصة السهم منها ، فيضرب فى سهام كل وارث لمعرفة حصته. وإذا كان الميت قد أوصى بأجزاء من المال ، أخذت من مخرجها وقسّم الباقى على الورثة ، فإذا اقتسموه ثم ظهر عليه دين لا وفاء له إلا مما اقتسموه لم تبطل القسمة بشرط أن يوفّوا الدين من نصيب كلّ بقدر حصته ، وإن شاءوا نقضت القسمة وبيعت التركة فى الدين ، فإن أجاب أحدهم لوفاء نصيبه من الدين وامتنع آخر ، بيع نصيب الممتنع وحده ، وبقى نصيب المجيب ، وإذا أقرّ الوارث لرجل بدين على الميت يستغرق ميراثه ، فقد أقرّ بتعلق دينه بجميع التركة واستحقاقه لها. وإذا أقرّ أحد الورثة بدين على التركة لزمه من الدين بقدر ميراثه ، ويشهد بالباقى على بقية الورثة. ومئونة تجهيز الميت مقدّمة على الدّين والوصية. وليس للولد مطالبة أبيه فى حياته بدين عليه ؛ وإن مات الابن لم يجز لورثته أن يطالبوا الأب بما كان يمكن أن يرثه الابن عن أبيه لو مات الأب قبله ، وإن مات الأب وهو مدين للابن ، رجع الابن على تركته بدينه. والدين المؤجّل يحلّ بموت المدين ، وينتقل الحق إلى ذمم الورثة بموت مورثهم.

* * *

٢٢٦٩ ـ الميراث والورثة

الوراثة والورث والتراث ، هو ما يخلفه الميت لورثته ، والفعل ورث أى انتقل إليه المال بعد وفاة المورّث ، ويقال ورث عنه يعنى صار إليه الميراث ، وفى التنزيل : (وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ) (١٦) (النمل) حيث داود هو أبو سليمان ، وفى دعاء زكريا : (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا

١١٢٩

(٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (٦) (مريم) ، والولى هو الابن ، وقوله : (وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا) (١٩) (الفجر) يعنى الميراث. وفى الحديث : «من ترك مالا فلورثته» وفى رواية : «فليرثه عصبته من كانوا» ، وفى رواية «فإلى العصبة من كان» ، والعصبة هم الورثة من قرابته ممن يلتقون مع الميت فى أب ولو علا ، سمّوا بذلك لأنهم يحيطون به كالعصابة ، والمراد العصبة بعد أصحاب الفروض.

* * *

٢٢٧٠ ـ كانوا لا يورثون البنات فى الجاهلية

قيل نزلت آية : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) (١١) (النساء) لأنهم كانوا فى الجاهلية لا يورثون البنات ، وقيل : كان بعض عقلائهم كعامر بن جشيم ، يساوى بين البنات والبنين ، فجاء الإسلام فجعل نصيب الولد كنصيب البنتين ، يعنى له ثلثا التركة وللبنت الثلث. فإذا كان الورثة من البنات فقط ، فوق اثنتين ، فلهن الثلثان ، كقوله : (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) (١١) (النساء) ، ولم يفرض للثنتين ، فقال العلماء الثنتان لهما الثلثان أيضا ، لأن البنت مع الولد لها الثلث ، فمن باب أولى أنهما لو كانتا بنتين اثنتين فلهما الثلثان أيضا ، يعنى كل واحدة الثلث كميراث البنت لو كان معها ولد ، وإن كانتا بنتا واحدة بدون ولد ، قال : (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) (النساء ١١).

* * *

٢٢٧١ ـ ميراث الزوجين

يتوارث الزوجان إذا كان هناك عقد ، سواء كان الموت قبل الدخول بالزوجة أو بعده ، ولا فرق بين ما إذا كان الزواج قد تم فى الصحة أو فى المرض ، ولا يثبت التوارث بين الزوجين فى النكاح الفاسد. وللزوجة أو للزوجات الربع إن لم يكن للزوج ولد ولا ولد ابن ، ولهن الثمن إن كان له ولد أو ولد ابن ، وفرض الزوجة الواحدة والزوجات المتعددات واحد يقتسمنه بالتساوى. وترث المطلقة الرجعية زوجها ، ويرث كل منهما صاحبه.

* * *

٢٢٧٢ ـ ميراث الأولاد

إذا انفرد الولد أخذ المال كله ، ذكرا كان أو أنثى ، سوى أن الذكر يأخذ المال بالقرابة ، والأنثى تأخذ نصفه بالفرض ، ونصفه بالردّ ، وإذا تعددت الذكور من الأولاد ولا إناث معهم ، اقتسموا بالسوية ، وكذا إذا تعددت الإناث ولا ذكور معهن ، وإذا تعددوا ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين. وإذا كان مع الأولاد أبوان أو أحدهما فلكل منهما السدس ولهما السدسان ، والباقى للأولاد. وإذا كان مع الأولاد زوج أو زوجة ، أخذ الزوج الربع ،

١١٣٠

والزوجة الثمن ، والباقى للأولاد. وإذا كان مع البنت الواحدة أبوان فلها ثلاثة أخماس ، ولهما خمسان مع عدم الحاجب للأم ، وإذا وجد الحاجب كان لها السدس ، وما بقى من الخمسين فللأب. وإذا كان مع البنتين فأكثر أبوان ، فللبنات الثلثان ، ولكل من الأبوين السدس. وإذا كان معهن أحد الأبوين فلهن أربعة أخماس.

* * *

٢٢٧٣ ـ ميراث الأب

للأب الميراث كله إذا لم يوجد وارث آخر سواه ؛ وإذا كان معه أحد الزوجين أخذ الأعلى نصيبه ، والباقى للأب بالقرابة حيث لم يفرض له شىء فى القرآن إن لم يكن له ولد ؛ وذا كان معه بنت واحدة فله السدس بالفرض ولها النصف ، ويبقى الثلث يرد عليهما معا وتكون الفريضة من أربعة ؛ وإذا كان معه بنتان فأكثر فله الخمس ، وللبنات أربعة أخماس ، لأن السدس الباقى عن فرضه وفرضهن يردّ على الجميع ؛ وإذا كان معه أم أخذت فرضها وهو الثلث مع عدم الحجب ، وله السدس والباقى أيضا ؛ وإذا كان معه بنت ابن فحكمها حكم أبيها وله السدس والباقى لها ، وإذا كان معه ابن بنت كان حكمه حكم وجود الأم.

* * *

٢٢٧٤ ـ ميراث الإخوة

هؤلاء يسمون «الكلالة» ، من الإكليل ، لإحاطتهم بالرجل كما يحيط الإكليل بالرأس ؛ فإذا كان للميت أخ واحد فله المال كله بالقرابة ؛ وإذا كان له إخوة ذكور فالمال بينهم بالسوية ؛ وإذا كانت معهم أنثى أو إناث فللذكر مثل حظ الأنثيين ؛ وإذا كان للميت أخت واحدة شقيقة أخذت الكل ـ النصف بالفرض ، والنصف بالردّ ؛ وإذا كانت له أختان فأكثر أخذن الكل : الثلثين بالفرض والثلث بالردّ ؛ وإذا لم يكن له إلا إخوة لأبيه قاموا مقام إخوته لأمه وأبيه ، والحكم فى ميراثهم واحد ؛ وإذا كان له إخوة من الأب والأم ، ومن الأب فقط ، ومن الأم فقط ، أخذ الإخوة من الأب والأم المال كله ؛ وإذا كان له أخ أو أخت واحدة من أمه أخذ أو أخذت المال كله : السدس بالفرض ، والباقى بالردّ ؛ وإذا كانوا إخوة وأخوات من الأم أخذوا الثلث بالفرض والباقى بالردّ ، واقتسموا بالسوية ، للذكر مثل حظ الانثيين.

* * *

٢٢٧٥ ـ الكلالة من مات وليس له ولد ولا والد

تأتى الكلالة فى آيتين من آيات المواريث : (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ

١١٣١

آية الصيف : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١٧٦) (النساء) ؛ ولم تذكر الكلالة فى موضع آخر فى القرآن سوى هذين الموضعين. والكلالة فى اللغة : مصدر تكلّله أى أحاط به ، وبه سمى الإكليل ، وهى منزلة من منازل القمر لإحاطتها به ؛ والإكليل التاج والعصابة المحيطة بالرأس ، فإذا مات الرجل وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة ، يعنى يتكلله النسب وترثه قرابته ، فالكلالة إذن هو هذا الرجل سواء فى حياته أو بعد مماته ؛ أو أن الكلالة هم قرابة الرجل من أنسبائه ، أو إخوته يحيطون به ، أو أن الكلالة من الكلال وهو الإعياء ، لأن الميراث يصير إلى ورثة عن بعد وإعياء.

ويختلف فى إعراب الكلالة بحسب المعنى المراد بها ، فإن قرئ قبلها «يورّث» بكسر الراء وتشديدها ، أو «يورث» بكسر الراء وتخفيفها ، تكون الكلالة الورثة ، أو المال ؛ وإن قرئ «يورث» بفتح الراء ، تكون الكلالة المال ، أو الورثة ، أو الميت. وفى كل الأحوال فالكلالة هم الذين يرثون الميت عدا ولده ووالده. ويقال للرجل كلالة ، وللمرأة كلالة ، ولا يثنّى ولا يجمع.

* * *

٢٢٧٦ ـ العول فى المواريث

العول من عال ، تقول : عال فى حكمه : أى جار ومال ؛ وعالت الفريضة : ارتفع حسابها وزادت سهامها فنقصت أنصباء الورثة ؛ والعول إذن هو : أن تزدحم الفروض ولا يتسع المال لها ، فيدخل النقص عليهم كلهم ، ويقسّم المال بينهم بنسبة فروضهم. وطريقة العمل فى العول أن نأخذ الفرض من أصل المسألة ونجمعها ، فما بلغت السهام فإليه ينتهى ، ففي زوج وأختين لأبوين : أصل المسألة ستة ، للزوج النصف : ثلاثة ، وللأختين الثلثان : أربعة ، فيجمع الثلاثة والأربعة فتكون سبعة ، وبذلك يكون ما يأخذه الزوج ثلاثة من سبعة ، والأختان أربعة من سبعة. والمسائل فى الأساس ثلاث : عادلة وهى التى يستوى مالها وفروضها ؛ وعائلة : وهى التى تزيد فروضها على مالها ؛ ورديّة : وهى التى يفضل مالها عن فروضها ولا عصبة فيها. وأصل المسائل التى تعول : ٣ و ٦ و ١٢ و ٢٤ ، وأما ٢ و ٤ و ٨ فلا تعول أبدا. فالستة تعول إلى سبعة ، كما فى مسألة زوج وشقيقتين ، وإلى ثمانية كما فى مسألة المباهلة ؛ وإلى تسعة كما فى المسألة الغرّاء ، وإلى عشرة كما فى مسألة أم الفروخ ؛ والاثنا عشر تعول إلى ١٣ و ١٥ و ١٧ ، ومن أمثلة عولها إلى ١٧ مسألة أم الأرامل ؛ والأربعة والعشرون تعول إلى ٢٧ كما فى المسألة المنبرية أو البخيلة.

١١٣٢

ومسألة أم الفروخ : سميت كذلك لكثرة عولها ، لأن نصف الزوج ، ونصف الأخت الشقيقة يكمل بهما المال ، وتبقى سهام الباقين كلّها عولا ، وأصلها من ستة فتعول إلى عشرة. والفروخ بضم الفاء جمع فرخ وهو ولد الطائر ، وهى أم الفروخ لأنها تجمع فيها كثيرين. والمسألة الأكدرية : هى زوج ، وأم ، وأخت ، وجدّ ؛ وللزوج النصف ، وللأم الثلث ، وللأخت النصف ، وللجدّ السدس ، ثم يقسّم سدس الجد ونصف الأخت بينهما على ثلاثة أسهم ، للجدّ سهمان ، وللأخت سهم ، فتصبح الفريضة من ٢٧ سهما ، للزوج منها ٩ ، وللأم ٦ ، وللجدّ ٨ ، وللأخت ٤ ، ولا يفرض للجدّ مع الأخوات فى غير هذه المسألة. والمسألة المشرّكة أو الحمارية : زوج ، وأم ، وإخوة لأم ، وإخوة لأب وأم : فللزوج النصف ، وللأم السدس ، وللإخوة لأم الثلث ، والإخوة لأب وأم عصبة فلا يبقى لهم شىء ، لأن الفروض قد استغرقت المال كله. وهكذا كل مسألة اجتمع فيها : زوج ، وأم أو جدة ، واثنان فصاعدا من ولد الأم ، وعصبة من ولد الأبوين. وتسمى هذه المسألة المشرّكة ، لأنهم شرّكوا فيها بين ولد الأبوين وولد الأم فى فرض ولد الأم ، فقسمه بينهم بالسوية. وتسمى أيضا المسألة الحمارية ، لأنه يروى أن عمر بن الخطاب أسقط ولد الأبوين ، فقالوا له : هب أن أبانا كان حمارا ، أليست أمنّا واحدة؟ فشرّك بينهم.

* * *

٢٢٧٧ ـ الوارثات من النساء

هن : البنت ، وبنت الابن ، والأم ، والجدّة ، والأخت ، والزوجة. ومن هؤلاء من يرث بفرض ، منهن من يرثن بتعصيب. والعصبات منهن كلهن إذا انفردن عن إخوتهن يرثن بالفرض ، إلا الأخوات مع البنات. وكلهن قد يحرمن الميراث ما عدا الأم ، والبنت ، والزوجة.

* * *

٢٢٧٨ ـ الوارثون من الرجال

يرث من الرجال : الابن ، ثم ابن الابن وإن سفل ؛ والأب ، ثم الجدّ وإن علا ؛ والأخ ، ثم ابن الأخ ؛ والعمّ ، ثم ابن العم ؛ والزوج ، وهؤلاء كلهم عصبات ، إلا الزوج ، والأخ من الأم ، وإلا الأب والجدّ إذا كانا مع الابن.

* * *

٢٢٧٩ ـ ميراث الأم

للأم الثلث : عند عدم الولد ، وولد الابن ، وعند عدم الإخوة والأخوات من أى جهة كانوا ذكورا أو إناثا ، وفى هذه الحالة يشترط أن يكون الإخوة أو الأخوات أكثر من واحد. ولها السدس : إن كان للميت ولد ، أو ولد ابن ، أو اثنان فأكثر من الإخوة أو الأخوات.

١١٣٣

وإن كان زوج وأم وأب ، أو زوجة وأم وأب ، فللأم ثلث الباقى بعد فرض الزوجين. وهاتان المسألتان تسميان المسألتين العمريتين. فإذا كان مكان الأب جدّ ، أخذت الأم ثلث جميع المال.

* * *

٢٢٨٠ ـ العصبات

الجمع عصبة ، والواحدة العصب : وهم قوم الرجل الذين يتعصبون له ، وهم عاقلته ، أى الذين يحملون عنه الدّية ، وسميت الدّية عقلا لأنها تعقل أو تمنع لسان ولى المقتول ، وسميت العصبة عاقلة ، لأنهم يمنعون عن القاتل. وغير العصبة ليسوا من العاقلة ، كالإخوة لأم ، والزوج ، وذوى الأرحام. والعصبة فى المواريث : هم الذكور من ولد الميت وآبائه وأولادهم ، وليس لهم إرث مقدّر ، وإذا كان معهم ذو فرض أخذوا ما فضل عنه ، وإن انفردوا أخذوا الكل ، وإن استغرقت الفروض سقطوا ولم يأخذوا شيئا ، وأولادهم بالميراث أقربهم ، ويسقط الأبعد بالأقرب. وهناك أربعة من الذكور يعصّبون أخواتهم فيمنعوهن الفرض ، ويقتسمون ما ورثوا ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، وهم : الابن ؛ وابن الابن وإن نزل ؛ والأخ من الأبوين ؛ والأخ من الأب. أما بقية العصبات فينفرد الذكور منهم بالميراث دون الإناث ، وهم : بنو الأخ ، والأعمام ، وبنو الأعمام. والأخوات لأبوين أو لأب عصبات إذا كن مع البنات. والعصبات من النساء هن من يرث بتعصيب ، وإذا انفردن عن إخوتهن يرثن بالفرض ، إلا الأخوات مع البنات.

وللرجال من العصبات مدخل فى الحضانة ، وأولاهم الأب ، ثم الجدّ أبو الأب وإن علا ، ثم الأخ من الأبوين ، ثم الأخ من الأب ، ثم بنوهم وإن سفلوا على ترتيب الميراث ، ثم العمومة ، ثم بنوهم ، ثم عمومة الأب ، ثم بنوهم ، ولا تسلّم البنت إلى ابن العم إذا بلغت لأنه ليس بمحرم.

* * *

٢٢٨١ ـ ذوو الأرحام

هم الأقارب الذين لا فروض لهم ولا تعصيب ، وهم أحد عشر حيزا : أولاد البنات ، وأولاد الأخوات ، وبنات الإخوة ، وأولاد الإخوة من الأم ، والعمّات من جميع الجهات ، والعمّ من الأم ، والأخوال ، والخالات ، وبنات الأعمام ، والجدّ أبو الأم ، والجدّة.

وذوو الأرحام يرثون إذا لم يكن هناك ذو فرض ، ولا عصبة ، ولا أحد من الورثة إلا الزوج والزوجة ؛ فإذا كان هناك عصبة أو ذو فرض من الأقارب ، أخذ المال كله ولا شىء لذوى الأرحام. ويرث ذوو الأرحام مع الزوجين ما فضل عن فرضهما.

* * *

١١٣٤

٤ ـ البيوع والأمانات والقروض والدعاوى

* * *

٢٢٨٢ ـ الآية المخصوصة بأمة الإسلام

هى الآية : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٧٨) (الحج) ، والحرج هو الضيق. والآية تدخل فى كثير من الأحكام ، وهى مما خصّ الله بها أمة الإسلام ، وقد خصّها بثلاثة أشياء لم يعطها أى نبىّ إلا محمدا : الأول ـ كان يقال للنبىّ ـ أى نبىّ ـ اذهب فلا حرج عليك ، وقيل لهذه الأمة : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٧٨) (الحج) ، أى كان الخطاب للأمة لا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وكان الأنبياء شهداء على أممهم ، وقيل لهذه الأمة : (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) (١٤٣) (البقرة) ؛ وكان يقال للأنبياء : سلوا تعطوا ، وقيل لهذه الأمة : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (٦٠) (غافر) ، فالمعنىّ دائما أمة الإسلام ، وهذا هو تميّزها عن سائر الأمم.

* * *

٢٢٨٣ ـ العقود ملزمة

العقود هى الرّبوط ، واحدها عقد ، يقال عقدت العهد ، وعقدت الحبل ، وعقدت العسل ، والعقد إذن كمصطلح يستعمل فى المعانى والأجسام ، وفى القرآن : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة ١) والعقود ستة ، هى : عقد الله ، وعقد الحلف والصلح ، وعقد الشركة ، وعقد البيع ، وعقد النكاح ، وعقد اليمين. ومن الوفاء بالعقود لزوم العقد ، والعقود هى العهود ، والمقصود بها فى الآية عموم العهود ، يعنى ما يلزمه الله مما أحلّ وحرّم ، وما فرض ، وما حدّ ، وما أخذ من الميثاق على المقرّ بالإيمان : أن يوفى ولا يغدر ولا ينكث ، وشدّد على ذلك فقال : (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) (٢٧) (البقرة). ونقض العهد يقابل الوفاء به ، كقوله تعالى : (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ) (١١١) (التوبة) ، وفى كتاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذى كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران ، وفى صدره : «هذا بيان للناس من الله ورسوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة ١)» ، فجعل الوفاء بالعقود إعلانا عالميا إلهيا نبويا ـ يعنى إعلانا عالميا مقدّسا ، والعقود منها ما هو مع الله ، ومنها ما هو مع الناس بعضهم على بعض ، والقول بالعموم إذن هو القول الصحيح ، وفى الحديث : «المؤمنون عند شروطهم» أخرجه البخارى ، و «كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» أخرجه الطبرانى ، فبيّن أن الشرط أو العقد الذى يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله ودينه ، وأن : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» أخرجه مسلم. وفى الآية : (وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (٣٧) (النجم) أى الذى قام بشرط ادّعى. (انظر العهود فى المصطلحات).

* * *

١١٣٥

٢٢٨٤ ـ العهود والوفاء بها

كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد ، وقوله : (إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً) (٣٤) (الإسراء) ، أن سؤال العهد تبكيت لمن ينقضه ، كتبكيت الموءودة لوائدها. والعهد فى الآية : (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) (٢٧) (البقرة) هو وصية الله إلى خلقه ، وأمره إياهم بطاعته فيما أمرهم به ، ونهيه إياهم عمّا نهاهم عنه فى معصيته ، ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به ، والنقض للعهد هو جحد للحق بعد معرفتهم بحقيقته ، وكتمان له عن الناس استئثارا به ، واليهود هم المقصودون بذلك ، لأنهم أنكروا ما جاء فى التوراة على لسان نبيّهم. والأحرى أن تكون الآية عامة على اليهود وغيرهم ممن ينكرون التوحيد ، ويلحدون فى الله ، ويمارون فى الحق ، ويصرون على الباطل ، ويأتون الظلم ، فنقضوا عهد الله وتركوا الإقرار به. فما المراد بعهد الله؟ قيل هو ما ركز فى العقول من الحجّة على التوحيد ، كأنه الأمر وصّى الله به بنى البشر ، ووثّقه عليهم ، وهو العهد الذى أخذه عليهم ، وأشهدهم به على أنفسهم أنه ربّهم لمّا أخرجهم من صلب آدم ، يقول : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا) (١٧٢) (الأعراف) ، فذلك هو العهد. وكل عهد كان قبل الإسلام ولا ظلم فيه أقرّه ، ومن ذلك حلف الفضول عند ما اجتمعت قريش فى دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه ، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غير أهلها إلا قاموا معه حتى تردّ عليه مظلمته ، فسمّت قريش هذا الحلف لذلك حلف الفضول ، والفضول هى الفضائل ، وقال فيه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جوعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النّعم ، ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت» ، وقال فيه : «وأيّما حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّة» ، طالما أنه موافق للشرع ، وينصف المظلوم من الظالم ، بينما يهدم كل عهد وعقد وحلف فاسد.

* * *

٢٢٨٥ ـ الأمر بتأدية الأمانات

هذه الآية : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (٥٨) (النساء) من أمهات الأحكام فى القرآن ، وتضمنت جميع الدين والشرع ، والخطاب فيها لحكّام المسلمين خاصة ولكافة الناس عامة فيما يئول إليهم من الأمانات ، وفى ردّ الظلامات ، والعدل فى الحكومات ، وحفظ الودائع ، والتحرّز فى الشهادات ، وفى الصلاة والزكاة وسائر العبادات ـ وهى أمانة الله تعالى عند عباده ، وفى الحديث عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخوّف من خيانة الأمانة قال : «كل شىء إلا الأمانة : والأمانة فى الصلاة ، والأمانة فى

١١٣٦

الصوم ، والأمانة فى الحديث ، وأشد ذلك الودائع». وقيل علاوة على ما سبق : الأمانة فى كل شىء : فى الوضوء ، والزكاة ، والغسل ، والكيل ، والوزن ، والودائع ، وفى الأقوال والأفعال. والأمانات تردّ لأربابها ، سواء كانوا أبرارا أو فجّارا ، ولا يجوز لمعسر أن يحتفظ بأمانة. وأمهات الأمانة فى التشريع الإسلامى أربع : الوديعة واللقطة ، والرهن ، والعارية. وفى الحديث قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» ، وقال : «العارية مؤدّاة ، والمنحة مردودة ، والدين مقضى ، وعهد الله أحقّ ما أدّى». والحكم بين الناس أمانة ، والبيّنة أمانة على من ادّعى ، واليمين أمانة على من أنكر. والمقسطون عند الله هم الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا ، وفى الحديث : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» ، ومن الرعاة : الإمام ، وربّ البيت ، والمرأة مع زوجها وأولادها ، والخادم على مال سيده إلخ ، فهؤلاء رعاة كلّ على قدره ، وهم أمناء فى اختصاصاتهم ، وكل الناس أمناء ، وجميع من أفتى وقضى وحكم من الأمناء.

* * *

٢٢٨٦ ـ الإقرار

الإقرار لغة وعرفا وشرعا واحد ، وهو الاعتراف بحقّ ثابت ، سواء كان لله ، كالإقرار بما يوجب الحدّ والتعزير ، أو للناس ، عينا كان ، أو منفعة ، أو قصاصا ، ومنه الإقرار المعلّق على شىء ، كأن يقول : علىّ لفلان كذا إذا حصل الشيء الفلانى ، فيثبت الحق وإن كانت المطالبة به لا تكون إلا مستقبلا. والإقرار ثابت بالقرآن والسنّة ، فى قوله تعالى : (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا) (٨١) (آل عمران) ، وقوله : (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (٨٤) (البقرة) ، وقوله : (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) (١٠٢) (التوبة) ، وفى الحديث فى قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».

ويقوم الإقرار بأربعة أركان : الصيغة ، والمقرّ ، والمقرّ له ، والمقرّ به. ومن الإقرار باللفظ أن يقول المقرّ : لك عندى ، أو : علىّ كذا لك. والقول مثله مثل الكتابة ، غير أن الكتابة أفيد للعلم بالمراد. وإن قال المقر : هذا لك إن شاء الله ، أو إن شاء زيد ، لا يكون قوله إقرارا ، لأنه معلّق. ويلزم إقرار العاقل البالغ ، ولا يصح إقرار الطفل والمجنون والنائم ، وأما الصبى المميز إن كان محجورا عليه ، فإن أذن له وليّه أخذ بإقراره ؛ وقيل : لا يصح إقراره لأنه وإن كان مراهقا ومميزا إلا أنه مسلوب العبارة إقرارا وإنشاء. ولا عبرة بإقرار النائم ، والسكران ، والمغمى عليه ، والهازل إذا ثبت أنه يهزل ، والمكره ، فشرط صحة الإقرار أن يكون المقرّ عالما بمدلول إقراره. ويؤخذ بإقرار المريض إن كان مأمونا فى إقراره. والشك فى وجود الأهلية شك فى

١١٣٧

وجود الإقرار. وإذا أقرّ الوارث بدين على مورّثه قبل إقراره ، ويلزمه من الدين بقدر ميراثه ، ويشهد بالباقى على بقية الورثة ؛ وإذا أقر أحد الورثة بوارث جديد مشارك فى الميراث ، لا يثبت بإقراره النسب ولكنه يشارك فى الميراث. وإقرار المريض فى مرض الموت لغير الوارث جائز. ويصحّ بإقراره أنه أحبل امرأة معينة ، ويجوز إقرار الوكيل بعيب المبيع. ومن أقرّ بما يوجب الحدّ ـ كالزنا ـ ثم أنكر ، يسمع منه الإنكار ويسقط الحدّ ، لأن الحدود تدرأ بالشبهات. والإنكار لا يردّ فى جميع أنواعه وشتّى صوره ، بل يقبل الإنكار إذا لم يزاحم حق الغير ، ويقبل إذا اقترن بدعوى ممكنة ومعقولة ، كإنكار القبض بعد الاعتراف به ، ولا يقبل الإنكار بالولد بعد الإقرار ، وإذا انعكس الوضع فأقر بعد أن أنكر ، قبل منه ، لأن الإقرار بعد الإنكار لا يزاحم حقّ المدّعى بل يتفق معه ، بعكس الإنكار بعد الإقرار فإنه يزاحمه ويضاده. والإقرار بالجناية يجعل الدية على الجانى. ولا يقبل إقرار المريض بالطلاق البائن لزوجته وحرمانها من الميراث. والإقرار بالزنا يوجب الحدّ بعد تكرار الإقرار أربع مرات ، وإن كذّبت المرأة وقوع الزنا فعلى الرجل الحدّ دونها. ومن شروط إقامة الحدّ البقاء على الإقرار إلى تمام الحدّ. ولو ادّعى على رجل بدين فأنكره ، فدفع إليه شيئا ليقرّ له بالدين لم يصحّ ، فإن أقرّ لزمه ما أقرّ به ويردّ ما أخذه.

* * *

٢٢٨٧ ـ الإقرار بالنسب

إن أقرت المرأة بولد ولم تكن ذات زوج ولا نسب ، قبل إقرارها ؛ وإن كانت ذات زوج ففي قبول إقرارها قولان. وإذا أقرّ رجل بنسب ميت أو مجنون ثبت نسبه وورثه. وقيل يثبت نسبه دون ميراثه. وإن أقرّ جميع الورثة بوارث ، أو أقرّ به الميت ليثبت نسبه منه ، ثبت نسبه ويجب دفع ميراثه إليه. ومن أقر من الورثة بوارث صحّ إقراره على نفسه. وإذا ثبت النسب بالإقرار ثم أنكر المفسّر ، لم يقبل إنكاره. وإذا أقرّ الزوج أن زوجته أخته من الرضاعة انفسخ نكاحه ويفرّق بينهما. والإقرار بالنسب إما عن الشخص نفسه ، أو عنه وعن غيره ، فإن أقرّ على نفسه ـ كأن يفر بولد ـ لزم فى ثبوت نسبه أربع شرائط : أن يكون المقرّ له مجهول النسب ؛ وأن لا ينازعه فيه منازع ، ويمكن تصديقه باحتمال أن يولد لمثله ، ولا يكون للمقرّ له قول كالصغير والمجنون ، فإن كبر المقرّ له أو عقل فأنكر النسب ، لم يسمع إنكاره ؛ وإن اعترف إنسان بأن هذا أبوه فهو كاعترافه بأنه ابنه. وأما إذا كان إقرار المقر عليه وعلى غيره ، كإقراره بأخ ، فتعتبر فيه الشرائط الأربع ، وشرطية خامسة : هى أن المقر هو جميع الورثة ، فإن أقرّ به جميع الورثة شاركهم فى الميراث وثبت نسبه ، سواء كانوا واحدا أو جماعة. وإن كان أحد الوارثين غير مكلّف ، كالصبى أو المجنون ، لم يثبت نسبه

١١٣٨

إلا بعد بلوغ الصبى أو إفاقة المجنون وإقرارهما به أيضا ، وإن أنكرا لم يثبت النسب ، وإن ماتا قبل أن يصيرا مكلفين ، ثبت نسب المقرّ به ، لأنه قد صار له الآن الإقرار من جميع الورثة. وإذا خلف ابنا فأقر الابن بابن آخر ، ثبت نسبه ؛ وإذا خلف امرأة وأخا ، فأقرّت المرأة بابن للميت ، وأنكر الأخ ، لم يثبت نسبه. وإن خلف ولدين ، فأقر أحدهما بامرأة أبيه وأنكر الآخر ، وأعوزتها البيّنة لم تثبت الزوجية. ولو قدمت امرأة من دار الحرب ومعها طفل فأقرّ به رجل ، لحقه ، لوجود الإمكان وعدم المنازع ، وإقراره بنسب الصغير ليس إقرارا بزوجية أمه ، وإذا أقرّ بنسب أحد التوأمين ، ثبت نسب الآخر. وإن أقر بأن الولد له من الزنا ، يلحق به ويحكم بأنه ولده الشرعى ، رغم أن قوله من الزنا يستلزم نفيه عنه. ولا تلازم بين النسب والزوجية ، فإذا قال هذا ابن زوجتى فلانه ، فلا يكون الإقرار بزوجية الأم إقرارا ببنوة الولد ، إذ من الجائز أن يكون ابنها من غيره. وإذا مات إنسان مجهول النسب فقال شخص : هذا ابني ، ولم ينازعه فى ذلك أحد ، وكانت ولادته منه ممكنة ، يثبت نسبه ويرثه ، لأن الإقرار به وإن كان بعد الموت ، يثبت به النسب. ومتى توافرت الشروط بثبوت النسب تترتب عليه جميع آثاره من التوارث ، وتحريم الزواج ، ووجوب الإنفاق ، والمشاركة فى الوقف والوصية ، وما إلى ذلك ، وتتعدى هذه الآثار إلى جميع الأقارب والأرحام. والإقرار بالبنوة يثبت به النسب فلا يرتفع ، وأما الإقرار بغير البنوة ـ كالإقرار بالأخوّة ـ فلا يثبت به النسب ، وإنما يؤخذ المقرّ بإقراره ، ولا يتعدّى أثر الإقرار إلى غير المقرّ ، كالأقارب والأرحام ، فلا يرثهم ولا يرثونه ، ولا يحرم الزواج منهم والزواج به وللمقر بغير الولد أن يرجع فى إقراره إذا لم يثبت النسب ، وأما فى الولد فالإقرار به يعنى النسب ، ومتى ثبت دام.

* * *

٢٢٨٨ ـ الشهادة

الشهادة فى اللغة هى الخبر القاطع ، واليمين ؛ والفعل شهد أى أخبر به خبرا قاطعا ، فهو شاهد ، والجمع شهود ، وشهّد : وهو الذى يخبر بما شهده ، أى بما رآه أو سمعه ، أو علمه ، والمؤنث الشاهدة ، والجمع شاهدات ، وشواهد ، وأشهد فلانا : جعله شاهدا عليه ، كقوله تعالى : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة ١٨٥) ، أى فمن حضره ، وقوله : (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (٩) (البروج ٩). والشهادة واجبة الأداء ، وأداؤها فرض على الكفاية ، ومن دعى إليها لزمته ، فإن قام بها اثنان سقطت عن الجميع ، وإن امتنع الكل أثموا ، وإنما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر وكانت شهادته نافعة ، فإن كان عليه ضرر ، أو كان ممن لا تقبل شهادته ، أو يحتاج إلى التبذّل فى التزكية لم يلزمه. والدليل على ذلك

١١٣٩

فى القرآن قوله تعالى : (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا) (البقرة ٢٨٢) ، وقوله : (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة ٢٨٣) ، فأمر الشاهد ألّا يأبى إذا دعى إلى تحصيل الشهادة ، ولا إذا دعى لأدائها ، ولا يقصّر عن أدائها إلى أن تطلب منه ، فيضيع الحق ، ونهى الشاهد عن أن يضر بكتمان الشهادة ، وهو نهىّ على الوجوب لأنه توعد كاتمها ، فعلى الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ، ويخبر حيثما استخبر. وخصّ إثم الكتمان بالقلب لأنه من أفعاله ، والقلب هو الآمر للسان وسيلة أداء الشهادة ، والله تعالى يقول فى وجوب أداء الشهادة : (وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق ٢) ، وقال : (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٨٦) (الزخرف ٨٦) ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «خير الشهداء الذى يأتى بشهادته قبل أن يسألها» ، إلا أن تكون شهادة زور ، وفيها يقول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن خيركم قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم .. ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون» ، وفى رواية أخرى قال : «... ثم يفشو الكذب وشهادة الزور» أخرجه الشيخان.

والشهادة بخلاف الرواية ، كاختلاف الحكم عن الفتوى ؛ والرواية هى ما تثبت بها الأحكام الشرعية العامة ، وأما الشهادة فهى ما يفصل بين المتخاصمين فى حوادث بعينها ، ويشترط لها العدد فى الشهود ، كما تشترط فيهم الذكورية ، وليست كذلك الرواية.

وشروط الشهادة : الوضوح والصراحة ، وتكون بلفظ مثل : أشهد ، وأعرف ، وأعلم ، وأنا على يقين ـ وما إلى ذلك. وتردّ شهادة الشهود باختلافهم وعدم تواردهم على الشيء الواحد. ولا تجوز شهادة الشاهد إلا بما علمه ، ويدرك العلم بالرؤية ، أو السماع ، أو بهما معا ، وبغير ذلك من وسائل الإدراك. وما يقع فى الرؤية : كالغصب والإتلاف ، والزنا ، وشرب الخمر ، والعيوب فى المبيع ؛ وما يقع فى السماع : كالقذف ؛ وما يعلم بالاستفاضة وتصح الشهادة به : كالنسب ، والولادة ، والنكاح ، والملك المطلق ، والموت ، والولاية ، والعزل ، ولا يشهد بالاستفاضة حتى تكثر به الأخبار ويسمعه الشاهد من عدد كبير فيحصل له العلم به. ومن شهد بالنكاح فلا بد من ذكر شرائطه ، ومن شهد بالقتل فلا بد من وصفه ، ومن شهد بالزنا فلا بد من توصيف الزانى والزانية ، والمكان ، وكذلك فى كل فعل. ولا تكون الشهادة على النفى المحض ، لأن الشاهد يجب أن يكون عالما بما يشهد به ، فمن شهد بأن فلانا لا يمكن أن يستدين من فلان ، بطلت شهادته ، لأنه يجوز أن يستدين منه دون أن يعلم أحد بذلك ، ويستثنى من ذلك الشهادة بالإعسار ، بشرط معرفة الشاهد بأحوال المعسر. ولا بد أن تقوم الشهادة على العلم واليقين وليس على الظن ، كقوله تعالى : (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء ٣٦) ، وفى الآية نهى عن أن تقول رأيت وأنت لم تر ، وسمعت وأنت لم تسمع ، وعلمت وأنت لم تعلم ، وأن تشهد زورا ، وأن تتبع الحدس والظنون ، وأصل

١١٤٠

القفو البهت والقذف بالباطل ، وفى الحديث أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع».

ويشترط فى الشاهد : أن يكون عاقلا ، فيميز المشهود به ، والمشهود عليه ، والمشهود له ؛ فلا تجوز شهادة المجنون ؛ ولا تجوز شهادة الفاسق ؛ والفسوق نوعان : الأول : فسوق من حيث الأفعال ، ولا خلاف فى ردّ شهادته ؛ والثانى : فسوق من جهة الاعتقاد ، فيوجب ردّ الشهادة. وقد قال تعالى : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (الطلاق ٢) ، وقال : (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) (البقرة ٢٨٢) ، فلا تجوز شهادة الظالم ؛ والشهود نوعان : فنوع لا يرضى لأنهم غير محمولين على العدالة ، ونوع يرضى وهم العدول ؛ و «منكم» فى الآية الخطاب فيها للمسلمين ، وشهادة العدول تقتضى أن معنى العدالة زائد على الإسلام ضرورة ، لأن الصفة زائدة على الموصوف ، فينبغى أن لا يكتفى فى الشاهد بأن يكون على ظاهر الإسلام ، وإنما يختبر حاله ليكون مما يرضاه الناس للشهادة. والعدالة فى الدين هى الاعتدال ، بأن يكون المسلم مجتنبا للكبائر ، ومحافظا على مروءته على ترك الصغائر ، وظاهر الأمانة وغير مغفّل. ولما كانت الشهادة ولاية عظيمة ، ومرتبة منيفة ، وهى قبول قول الغير على الغير ، شرط تعالى فيها الرضا والعدالة ، فمن حكم الشاهد أن تكون له الصفات النفسية والعقلية التى ينفرد بها ، والفضائل التى يتحلّى بها ، حتى تكون له المزية على غيره ، فتتوجب له رتبة الاختصاص بقبول شهادته. وقد أمرنا تعالى بأن لا نغتر بقول القائل أنه مسلم ، ففي الشهادة لا يقتصر على كون الشاهد مسلما ، فربما انطوت شخصيته على ما يوجب ردّ شهادته ، مثل قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ) (البقرة ٢٠٤) إلى قوله : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) (٢٠٥) (البقرة ٢٠٥) ، وقال : (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ) (المنافقون ٤).

ولا تجوز شهادة أهل الذمة إلا على أهل ملّتهم ، وللمسلم إذا كان فى سفر ، ولم يكن عنده أحد من المسلمين ، فله أن يشهد اثنين من أهل الكتاب ، ويستحلفان بعد الصلاة بحضور جمع من الناس ، أنهما ما خانا ، ولا كتما ، كقوله تعالى : (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) (المائدة ١٠٦) وقيد السفر فى الآية على الغالب ، وتجوز شهادة غير المسلمين فى الوصية فى غير السفر ، طالما لم يجد الموصى شاهدين مسلمين يشهدان على وصيته.

ولا تقبل شهادة ذى شحناء ، وتردّ شهادة الظنين ، والمتهم ، والخصم ، والخائن والخائنة ، والعدو ، ومن يكثر غلطه وسهوه ، والمغفل الذى يغلب عليه البله ، والطفيلى ، والمتسوّل الذى يسأل فى كفه ، فإذا أعطى رضى ، وإذا منع سخط ، والوكيل فيما هو وكيل فيه ، والشريك

١١٤١

فيما هو شريك فيه ، وشهادة الوالدة أو الوالد لولده ، والولد لوالدته أو والده وإن سفل ، سواء فى ذلك أولاد البنين وأولاد البنات ، والأخ لأخيه وعليه ، وأحد الزوجين للآخر وعليه ، وتجوز شهادة الولد لوالده ، والوالد لولده ، والأخ لأخيه إذا كان مرضيا ، وتجوز شهادة الرجل لامرأته ، والمرأة لزوجها إذا كان معها غيرها ، والصديق لصديقه. وقيل : لا تجوز شهادة الولد على والده لأنها عقوق للوالد ، والصحيح أنها تقبل ، لقوله تعالى : (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء ١٣٤). وتجوز شهادة العم وابنه ، والخال وابنه ، وسائر الأقارب ، وبعض الورثة على بعض ، والوصى على من هو موصى عليهم.

ولا تقبل شهادة تجرّ نفعا للشاهد ، وشهادة الدافع عن نفسه ضررا. وإذا تاب القاذف قبلت شهادته ، وتقبل شهادة ولد الزنا فى الزنا وغيره ، وشهادة الأعمى والأخرس فيما يمكنهما العلم به ، ويشهد الأخرس بالإشارة مع وجود مترجم ، كالترجمة من لغة إلى أخرى. وتجوز شهادة المرأة فى إثبات هلال رمضان ، والطيب الواحد تجزئ شهادته ، وتقبل شهادة رجل وامرأتين فى المال ، كقوله تعالى : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) (البقرة ٢٨٢). والاستشهاد هو طلب الشهادة ، والشهادة بشاهدين فى الحقوق المالية ، والبدنية ، وفى الحدود ، وفى كل فن إلا فى الزنا ؛ وأدخلت شهادة النساء مع الرجال فى الأموال خاصة ، وتجوز شهادتهن منفردات فيما لا يطّلع عليه غيرهن للضرورة ، وشهادة المرأة الواحدة فى عيوب المرأة التى يثبت بها فسخ النكاح ، وإثبات الحمل ، والرضاع ، إذا كانت مرضية ؛ ولا تقبل شهادة المرأة لبنتها أو أمها برضاع مع زوج ؛ وقد تقبل شهادة أم الزوج أو ابنته ، ولا يثبت القتل بالشهادة إلا إذا كان تعبير الشاهدين لا شبهة فى دلالته ، نحو : نشهد أنه ضربه فقتله ، أو فأوضحه. وإن شهد أحد الشاهدين أنه أمّر بقتله عمدا ، وشهد الآخر أنه أمر بقتله ولم يقل عمدا ولا خطأ ، ثبت القتل ولم تثبت صفته ، وإن تعارضا فى الشهادة لا تثبت. ولا تقبل شهادة رجل وامرأتين فيما أوجب القصاص فى النفس ، كالقتل العمد ونحوه ، إلا شهادة رجلين عدلين ، وأما ما كان موجبه المال من الجنابات ، كقتل الخطأ ، والجائفة ، ونحو ذلك ، فيقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ، وقيل لا يثبت إلا بشهادة عدلين ، ولا تسمع فيه شهادة النساء. وجعل الله تعالى الشهادة على السحاق ـ وهو اللواط الأنثوى ـ بأربعة شهود عدول ، فقال : (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) (النساء ١٥) ، وعلى القذف كذلك ، فقال : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) (النور ٤) ، وقد لا يتوفر الشهود كما فى اللعان ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ

١١٤٢

فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٩) (النور). ولا يقبل فى الزنا أقل من أربعة شهود ، وقيل اثنين ، ويشترط كونهم رجالا مسلمين ، عدولا ، ظاهرا وباطنا ، وسواء كان المشهود عليه مسلما أو ذميا ، ولا تقبل شهادة النساء ، وإن لم يكمل عددهم فعليهم حدّ القذف ، وعليهم أن يصفوا ما شاهدوه ، والزانى والزانية ، ومكان الواقعة ، وإن رجعوا فى شهادتهم ، أو رجع واحد منهم ، أو اختلفوا فى الشهادة ، حدّوا جميعا ، وإن شهدوا على امرأة بالزنا ، فشهدت ثقات من النساء أنها عذراء ، فلا حدّ عليها ولا على الشهود. والشهادة فى الحرابة لا تجوز إلا بشاهدين. وتثبت الردّة بشهادة عدلين. والسنّة على اليمين مع الشاهد الواحد. ويثبت المال لمدّعيه بشاهد ويمين ، ويثبت الحق بيمين المدعى أو المرأة مع شاهد واحد. وإذا مات الشاهد بعد أن أدى شهادته حكم القاضى بها. وإذا تاب شاهد الزور ، ومضت على توبته مدة ، وتبين صدقه وعدالته ، قبلت شهادته. والخطأ فى الشهادة يجوز فيه الرجوع على الشاهد بالضمان. وإذا رجع فى شهادته أو أقرّ بالخطإ وكان ذلك فى مال عزّر وغرّم. ومن تردّ شهادته لفسق لا تقبل مرة ثانية. ويغرّم شاهد الزور ويحبس. ولا يقبل الجرح والتعديل للشهود إلا من اثنين ، وإن عدل الشاهد اثنان وجرحه اثنان ، فالجرح أولى. ويكفى فى التعديل أن يقال : أشهد أنه عدل ؛ وقيل الأفضل أن يقول : هو عدل علىّ ولى ، أى أن الشاهد مقبول علىّ ولى ، ولا يقبل التعديل إلا من أهل الخبرة بالشاهد والمعرفة المتقادمة به. وأما الجرح للشاهد فلا يسمع إلا مفسّرا ، فيقول مثلا : إنه يتعاطى الخمر وشاهدته بنفسى يفعل ذلك ، أو سمعته يقذف الناس ، ولا بد أن يذكر الواقعة ويعيّنها. وربما يقبل القاضى الجرح المطلق وهو أن يشهد أنه فاسق وليس بعدل. ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء ، ولا من الخصم.

* * *

٢٢٨٩ ـ الاحتكار

الاحتكار من أبواب الاقتصاد ويتبع البيع والشراء ، وشأنه شأن الربا فهو حرام بالقواعد الشرعية : لا ضرر ولا ضرار ، ودفع المفسدة أولى من جلب المصلحة ، والأهم مقدّم على المهم. والاحتكار تقوم عليه الرأسمالية العالمية ، وهو أساس الإمبريالية ، ومحور نظام العولمة ، وأصله احتكار كبار التجار ، وكبريات الشركات ، والاتحادات التجارية ، والشركات الكبرى عابرة القارات ، للتجارة المحلية والدولية ، وللسلع الغذائية ، والصناعات الاستراتيجية. وكان الاحتكار سببا رئيسيا لتفشّى الاستعمار ، واندلاع حروب التجارة

١١٤٣

والأسواق ، واستعباد الشعوب ، وقتل الملايين ، وإيقاظ الفتن ، وانتشار البدع فى الدين والفتاوى الظالمة ، وحبس الناس عن الاكتساب ، والجور فى اقتسام الأرزاق ، وإنفاق ميزانيات الشعوب على شراء آلات الحرب والدمار. وفى القرآن قوله تعالى : (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) (٧) (الحشر) ، والدّولة هو ما يتداول من الأموال وما شابهها ، وهو الاسم القرآنى للاحتكار ، وحذر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من مغبة احتكار الطعام ، ونهى عنه ، وأنذر من يحتكر بالموت بالأمراض العضال ، والإفلاس ، وروى أن فى جهنم واد خاص بالمحتكرين ، وقال : «إن جالب الطعام مرزوق ، والمحتكر ملعون» ، وقال : «أيّما رجل اشترط طعاما ، فحبسه أربعين صباحا ، يريد الغلاء ، ثم باعه ، وتصدّق بثمنه ، لم يكن كفّارة لما صنع». ولا يختص الاحتكار بسلعة دون أخرى ، فكل ما يحتاجه الناس مهما كان نوعه دون استثناء ، يحرم احتكاره. وإذا تجاوز المحتكرون الحدّ فى الثمن كان التسعير الجبرى ضرورة ، ولا تثريب على الحكومات أن تلجأ إليه منعا للغلاء. وعلّة تحريم الاحتكار حاجة الناس ، ولا يجوز أن يقال إن الدين منع الاحتكار فى الطعام دون غيره ، فمن غير المعقول أن يكون الكلام عن الاحتكار للشعير والنبيذ ويترك أمر الكهرباء مثلا ، أو الغاز ، بلا تسعير ، بدعوى أن الأحاديث لم تشملهما ولم يتحدث القرآن فيهما!؟ وكذلك احتكار السلاح ، والتعليم الجامعى ، والعلاج وأهل العلم على الاتفاق بإجبار المحتكر على عرض سلعته ، وقد أجبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تاجرا أن يخرج الطعام ليبيعه للناس لما تهددتهم المجاعة ، وللحاكم أن يسعّر على المحتكر إن أجحف فى الثمن لرفع الضرر عن الناس ، وفى الحديث : «مجارى الأمور والأحكام بأيدى العلماء» ، فإن رأى أهل العلم والذكر التسعير وجب على الحاكم الانصياع.

* * *

٢٢٩٠ ـ الهبة

الهبة من مصطلحات القرآن ، وتتكرر مشتقاتها فيه ٢٥ مرة ، واسمه تعالى الوهّاب من الهبة ، لأنه الذى يهب فى الأول والآخر ، وفى الدعاء : (وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (٨) (آل عمران) ، (وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (٣٥) (ص). والهبة فى المصطلح الاقتصادى القرآنى : تمليك فى الحياة بغير عوض ، وشرطها : الإيجاب والقبول ؛ والقبض من لوازمها ، وهى فيما ينقل بالنقل ، وفيما لا ينقل بالتخلية ، ولا يصحّ تعليقها على شرط ، وإلا كان وعدا ، وتصحّ هبة المشاع ، ويجوز للزوجة أن تهب

١١٤٤

نفقتها لزوجها ، ولا يصحّ أن يهب الصبى ؛ وإن مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض بطلت الهبة ، ويجب التسوية بين الأولاد فى الهبة إن كانوا متساويين فى المواهب وتقوي الله ، ولا يجوز الهبة للسفيه أو المجرم أو الكافر ، أو العاصى لأبيه. والرقبى : نوع من الهبة ، وهى أن يقول الواهب : هذا لك عمرك ، فإن متّ قبلى رجع إلىّ ، وإن متّ قبلك فهو لك ، أى أنها لآخرهما موتا ، وسميت «رقبى» ، لأن كل واحد منهما يرقب صاحبه. وهبة الثواب : هى الهبة المشروطة بعوض معلوم ، وحكمها حكم البيع. وإن وهب الموهوب هبة فاسدة ، ثم وهب هو بدوره تلك العين أو باعها بعقد مستوف شروط الصحة مع علمه بفساد العقد الأول ، صحّ العقد الثانى. ولا يحل لواهب أن يرجع فى هبته ، ولا لمهد أن يرجع فى هديته ، ما عدا الوالد أو الوالدة فيما يعطى ولده ، وأما ما أعطى على وجه الصدقة فلا رجوع فيه بحال. وللرجوع فى هبة أن يقول الأب أو الأم : قد رجعت فيها ، أو ارتجعتها أو نحو ذلك.

* * *

٢٢٩١ ـ العطية

العطية تمليك فى الحياة بغير عوض ، وتشمل الهبة ، والصدقة ، والهدية ، فإن أعطى المسلم شيئا يتقرّب به إلى الله فهو صدقة ، وإن أعطى شيئا لإنسان يتقرّب به إليه فهو هدية ، وجميع ذلك مندوب إليه ، ولا تجوز هدية المقترض إلى المقرض قبل الوفاء. والعطية فى اللغة : ما يعطى ، والجمع عطايا وعطيات ، والفعل عطا أى تناول الشيء ، وأعطى ، وتعطّى ، وتعاطى ، واستعطى أى سأل العطاء ، والمعطاء كثير العطاء. والعطاء من البرّ ، كقوله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) (٧) (الليل). ومن عطاء أبى بكر ، أنه كان يشترى العجائز ليعتقهم ، وأعطى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كثرة أمّته بديلا عن وفاة ابنه وعوضا عن قول القائل : صاحبكم صار أبتر ، أى لا ولد له ، فكان قوله تعالى : (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (٣) (الكوثر) فجعل أمة الإسلام منذ أن كان الإسلام وحتى تحين الساعة ، أولادا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو معنى «الكوثر» أى الكثرة العددية والنوعية للمسلمين. وفى قوله : (كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) (٢٠) (الإسراء) ، وقوله : (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (١٠٨) (هود) ، فإن «عطاء ربّك» هو الرزق يرزق من يشاء بغير حساب ، ويرزق الكافر والمؤمن رزقا لا ينقطع ، ولا يحبسه على أيهما وإن فضّل بعض الناس على بعض (انظر أيضا الهبة والهدية ، والصدقة). ولا تجوز العطية إلا بإيجاب وقبول ، والقبض شريطة اللزوم فى

١١٤٥

جميع أنواعها ، ويجب على العاطى السوية بين أولاده فى العطية ، ما لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل ، والأم كالأب فى المنع من المفاضلة بين الأولاد ، والتسوية المستحبة أن يقسم بينهم بحسب قسمة الله فى الميراث ، ويجوز للأب أن يعطى ماله قبل موته لأولاده ، وتثبت العطية بموت الوالد وإن فاضل بين ولده فى العطايا ، أو خصّ بعضهم بعطية وليس لبقية الورثة الرجوع عليه ، وأما سائر الأقارب كالإخوة والأخوات فلا يشترط مساواتهم فى العطية ، وهى فى مرض الموت وما فى حكمه بمنزلة الوصية ، أى من الثلث إذا كانت لأجنبى ، ولا تنفّذ فى حق الوارث.

* * *

٢٢٩٢ ـ البيع

البيع فى اللغة مصدر باع ، أى دفع عوضا وأخذ معوضا ، ويقتضى بائعا وهو المالك ، ومبتاعا وهو الذى يبذل الثمن ، ومبيعا وهو المثمون ، وهو الذى يبذل فى مقابله الثمن ؛ وأركان البيع إذن أربعة : البائع ، والمبتاع ، والثمن ، والمثمّن. والمعوّض إذا كان لسلعة سميت المعاوضة بيعا ، وإن كانت مهرا سميت نكاحا ، وإن كانت لمنفعة سميت إجارة ، وإن كانت عينا بعين فهى بيع النقد ، وإن كانت بدين مؤجل سميت سلما.

والبيع قبول وإيجاب ، ويقع باللفظ المستقبل والماضى ، وبالصريح والكناية. وفى الآية : (قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (٢٧٥) (البقرة) بيان بأن البيع بخلاف الربا ، وكانوا يقولون إن الربا هو بيع ، وعقد الربا مفسوخ ولا يجوز بحال ، والبيع جائز بالكتاب والسنّة والإجماع ، والحكمة تقتضيه دفعا للحاجة ، وله شروط ، منها ما هو من مقتضى العقد كاشتراط التسليم ، ومنها ما تتعلق به مصلحة العاقدين ، كالأجل ، والخيار ، والرهن ، والكفيل ، والشهادة ، أو اشتراط صفة مقصودة فى المبيع ، كالصناعة ، ومنها ما ليس من مقتضاه ولا من مصلحته. ويستحب الإشهاد فى البيع فيما له أهمية ، وأما الأشياء القليلة الأهمية ، كحوائج البقالة والعطارة وما شابهها ، فلا يستحب ذلك فيها ، وفى التنزيل : (وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) (٢٨٢) (البقرة) ، قيل : لا يحل لمسلم إذا باع أو اشترى إلا أن يشهد ، فإن كان البيع الى أجل فعليه أن يكتب ويشهد إن وجد كاتبا ، وقيل :

الكتابة والشهادة على الندب والإرشاد وليس على الحتم ، وقد اشترى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ورهن ولم يكتب ولم يشهد ، وإنما عدم الكتابة وعدم الإشهاد للمسائل الصغيرة والدقائق ، لصعوبة كتابتها والإشهاد عليها ، وقد يستحى التاجر أن يشهد على أحد المشترين لمعرفة بينهما ، أو لمكانته. والبيع قد يكون بكتاب ، أو بالرهن ، وقد يكون بالإشهاد ، وقد يكون بكتاب وإشهاد. والبيع بشرط الرهن أو الكفيل صحيح ، ويصح عقد بيع المريض مرض الموت

١١٤٦

من غير محاباة. ولا يجوز بيع ما تجهل صفته ، ولا أن يبيع شخص ما لا يملك ، ولا أن يبيع السمك فى الماء ، ولا ما تجهل ذاته ، ولا ما يحرم أو يقصد به حرام ، ولا ما يعرف المشترى أنه من مال حرام أو غصب ، فإن علم أنه من الحرام فشراؤه حرام ، ويكره بيع أرض المسلم لغير المسلمين. والبيع الصورى ـ بيع التلجئة ـ باطل ، وبيع التولية جائز ، وهو بيع السلعة بمثل ثمنها المشتراة به من غير نقص ولا زيادة ، يوالى البائع المشترى ، أى يتودد إليه أو يؤثره ، وعكسه بيع المرابحة : كما سيأتى من بعده.

ومن البيوع : بيع السّلم : وهو البيع بالسلف ؛ وبيع الصبرة : والصبرة هى الكومة من الأشياء كأن يكون حبّا ، فيجوز بيعها جزافا مع جهل البائع والمشترى بقدرها ؛ وبيع الصرف : وهو بيع النقد بالنقد ، وتقوم به مكاتب الصرف ؛ وبيع النجش : وهو أن يزيد فى السلعة من لا يريد شراءها ليغرر بالمساوم فيقتدى به ، وهذا حرام وخداع ، وإن اشترى المغرر به فالشراء صحيح ، ولكن إن كان فى البيع غبن لم تجر العادة بمثله ، فله الخيار بين الفسخ والإمضاء. وروى أن البيع من أصله باطل ، وبيع الرجل على بيع آخر والشراء على شراء آخر : غير جائز. ومن البيوع بيع المرابحة ـ الذى سبق التنويه به : وهو أن يبيع البائع الشيء برأس ماله مع هامش ربح مقداره مثلا عشرة فى المائة ، ويخبر المشترى ، فإذا قامت عليه البينة أو الإقرار أن رأس ماله كان تسعين وليس مائة ، فالبيع صحيح ، وللمشترى الرجوع على البائع بما زاد فى رأس المال وهو العشرة ، بالإضافة الى حظها من الربح وهو ١ خ ، فيبقى المبيع على المشترى بتسعة وتسعين وليس بمائة وعشرة ، وللمشترى حينئذ أن يأخذ المبيع برأس ماله من الربح ، أو يتركه ، ولا خيار للبائع. وفى بيع المرابحة يشترط علم المتعاقدين برأس المال والربح ، وعلى العكس فى بيع التولية وهو أن تباع السلعة بمثل ثمنها من غير نقص ولا زيادة ، ويخبر المشترى بذلك ويعلن عنه.

* * *

٢٢٩٣ ـ توابع البيع : المساومة ، والتولية ، والوضيعة ، والمرابحة

البيع من حيث إخبار البائع للمشترى بثمن السلعة ـ أربعة أنواع : بيع المساومة ، وبيع التولية ، وبيع الوضيعة ، وبيع المرابحة. والمساومة من قولهم سام السلعة أى عرضها بثمن حدّده لها ؛ وساوم بالسلعة أى عرضها بثمن غال فنزل به المشترى الى أن يتفقا على الثمن ، ويقال تساوما السلعة أى جرت بينهما مقاولة فى بيعها ، ومثل ذلك فى القرآن : (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) (٢٠) (يوسف) ، وقوله : (وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً) (٤١) (البقرة) ، فالمشترى يعرض الثمن القليل ، ويبخس السلعة ثمنها ، والبائع يعرض الثمن المرتفع ويغالى فيه ، ويكون الأمر بينهما شدّا وجذبا حتى يتفقا. ويفضل بيع المساومة سائر البيوع ، لأن

١١٤٧

البائع لا يحتاج فيه إلى أن يذكر للمشترين ثمن شرائه للسلعة وغالبا ما يكذب فيه. ومن شأن بيع المساومة أن يخفض الثمن ، والربح القليل هو البيع الحلال ، والكثير أقرب إلى الربا ، كقوله : (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (٢٧٥) (البقرة) ، وربح المؤمن على المؤمن ربا إلا أن يبيع ويرفق بالناس ، وأسوأ البيع ما كان الربح فيه الجنية جنيها. ويدخل بيع المزايدة ضمن بيع المساومة ، وهو أن ينادى البائع على سلعته طلبا للزيادة فيها.

والتولية هى أن يصدق البائع مع المشترى ويطلعه على الثمن الذى اشترى به السلعة ، وما يرجوه من ربح عند بيعها يعوّضه عن نفقاته من غير زيادة ولا نقصان ، فكأنه جعل المشترى وليه ، يلى أمره ويقوم بكفايته ، كقوله تعالى : (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى) (١١٥) (النساء) ، فإذا ظهر كذب البائع لا يبطل البيع ، لأنه عقد على شىء معلوم ، بثمن معلوم ، مع التراضى. وأما الكذب بالثمن فيستدرك بالخيار ، كشراء المعيب مع الجهل بالبيع ، والخيار هنا بين فسخ العقد وإلغاء البيع ، أو الإمضاء بالثمن المسمى. وليس للمشترى أن يمسك المبيع ويخفض من الثمن الزيادة ، لأن البيع وقع على الثمن الذى أخبره به البائع ، فإما أن يرضى بالثمن المسمى ، وإما أن يردّ السلعة ، ولا شىء على البائع سوى الإثم.

والوضيعة : هى أن يخبر البائع المشترى عن الثمن الذى اشترى به السلعة ، ثم يتفقان على البيع على أن يخفض له قدرا من الثمن الذى اشترى به البائع ، وذلك معنى الوضيعة : أنه يضع له الثمن ، أى يخفضه ويبيع له بأقل من رأس المال ، فإذا تبين للمشترى من بعد أن البائع كذب عليه ، وأنه اشترى بأقل من ذلك ، وباع له بأكثر منه ، فله أن يرجع فى البيع ويردّ له السلعة ويأخذ ماله ، أو يرضى بالأمر الواقع ، وفى هذه الحالة يأثم البائع الكذّاب.

وأما بيع المرابحة فهو عكس الوضيعة ، فيحدد البائع لنفسه ربحا معينا يضيفه الى رأس المال ويخبر به المشترى ، فإذا تبين للمشترى أن البائع كذب عليه ، وإن ربحه أكثر مما حدّده ، وأن الثمن الذى اشترى به أقل مما ذكر ، وذلك مؤثم كقوله تعالى : (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) (١٦) (البقرة) ، فللمشترى الخيار ، فإما أن يعيد السلعة إليه ويتقاضى ما دفع ، وإما أن يرضى ، وإما أن يتفقا على أن يخفض البائع له الثمن ويكون ربحه على الحقيقة وليس كذبا.

وفى بيوع التولية والوضيعة والمرابحة لا بد أن يعلم المشترى الثمن الحقيقى الذى اشترى به البائع السلعة قبل أن يعرضها للبيع ، وما تكلّفه فيها ، ومقدار ربحه بعد إضافة التكاليف.

* * *

١١٤٨

٢٢٩٤ ـ السّلم هو الدين المؤجل

السّلم : قيل هو البيع المعلوم فى الذمة ، المحصور بالصفة ، بعين حاضرة أو ما هو فى حكمها ، الى أجل معلوم. وقيل : هو أن يسلّم عوضا حاضرا فى عوض موصوف فى الذمة الى أجل ، ويسمى سلما ، وسلفا ، وهو نوع من البيع ينعقد بما ينعقد به البيع ، وبلفظ السلّم أو السلف ، وشروطه هى شروط البيع. ومن شروطه أن يكون مؤجلا ، والأجل معلوما ، وأن يكون فيما ينضبط بالصفات التى يختلف الثمن باختلافها كالثمار مثلا ، وأما الجواهر فلا يصحّ فيها السّلم لأن صفاتها لا تنضبط ، وأن يكون الاختلاف فى الصفات ظاهرا ولا تستقصى كل الصفات ، وأن يكون المسلّم فيه مكيلا ، أو موزونا ، أو معدودا ، وأن يكون عام الوجود فى زمن حلوله ، وإذا لم يتواجد جاز فسخ عقد السّلم ، وإذا أفلس المسلّم إليه يحق للمسلّم أن يحصل على بضاعته المسلّمة.

* * *

٢٢٩٥ ـ الحوالة من العقود

الحوالة : مشتقة من التحويل ، كقوله تعالى : (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً) (٤٣) (فاطر) ، و «التبديل» هو التغيير والتعويض فى الشيء ، و «التحويل» هو النقل من حال الى حال ، ومنه الحوال وهو التغير والانقلاب ؛ والحوالة : وهى نقل الدين وتحويله من ذمّة الغريم الى ذمّة المحال عليه ، ومنها حاليا «الحوالة المسطّرة» التى لا يقبضها إلا صاحب مصرف ؛ و «الحوالة المعتمدة» التى تحمل إمضاء صاحبها وتؤكد أن مئونتها المالية موجودة وتجمدها أيضا ؛ و «الحوالة لأمر» هى التى يمكن لحاملها أن يحوّلها لغيره ؛ و «الحوالة لمسمّى» هى التى لا يمكن تحويلها إلا بالتخلى عنها للمديون. وقيل : الحوالة فى الإسلام من البيوع ، فإن المحيل يشترى ما فى ذمته بماله فى ذمة المحال عليه ، والصحيح أنها عقد للإرفاق بالناس ، وتلزم بمجرد العقد ، ويعتبر فى صحتها رضا المحيل ، والثلاثة : الحوالة والمحيل والمحال عليه هم أطراف الحوالة ، وتصحّ بمال معلوم ، ودين مستقر ، ومن أحال رجلا فى دين على زيد ، فأحاله زيد به على عمرو ، فالحوالة صحيحة. وإذا كان لرجل على آخر دين ، فأذن لآخر فى قبضه ، ثم اختلف هو والمأذون له ، فقال : وكلتك فى قبض دينى ـ بلفظ التوكيل ، فقال : بل أحلتنى بدينى عليك بلفظ الحوالة ، أو كان الأمر بالعكس فقال : بل وكلتنى ، فإن كان لأحدهما بيّنة حكم بها. وتبرأ ذمة المحيل بصحة الحوالة متى رضى بها المحال عليه ولم يشترط اليسار.

* * *

٢٢٩٦ ـ الخيار فى العقود وحكم الأرش

الخيار فى اللغة : هو المفاضلة بين أمرين وانتقاء أحدهما ، ويقال : أنت بالخيار ، وأنت بالمختار : أى اختر ما شئت. والخيار ملك إمضاء العقد ، وأصله إفساح المجال

١١٤٩

للمتعاقد ليتروى ويتدبّر مدة الخيار ، ويفعل ما يراه خيرا له ، ويثبت باشتراط المتعاقدين وهو خيار الشرط ، وبحكم الشرع والقانون كخيار البيع. والخيارات فى مجال العقود كثيرة ومتنوعة ، ومنها : عقد الزواج ، ولا يقبل الخيار والإقالة ؛ والعارية : والعقد فيها جائز من غير خيار ولو اشترط اللزوم ؛ وعقد البيع : والأصل فيه اللزوم. وقيل فى عدد الخيارات أربعة عشر خيارا ، منها : خيار المجلس : فلكل واحد من المتبايعين فسخ البيع ما داما مجتمعين لم يتفرقا ، فإذا تفرّقا من غير فسخ ، لم يكن لأحدهما ردّ البيع إلا لعيب أو خيار ، والحديث المشهور : «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» ، والحديث الآخر : «المؤمنون عند شروطهم» ، فلو اشترى رجل بيعا من رجل ، فهما بالخيار ما لم يفترقا ، فإن افترقا وجب البيع. وإن اشترطا ضمن العقد وفى المجلس أنه لا خيار لأحدهما فى ردّ البيع سقط الخيار. وفى «خيار الشرط» : يشترط أحد المتعاقدين أو كلاهما الخيار فى فسخ العقد أو إمضائه أمدا محددا يرفع الغرر ، ويبعد الاشتباه المفضى الى التنازع ، وإذا انقضت المدة ، ولم يردّ البائع الثمن يبطل الخيار ، ويصير المبيع ملكا للمشترى. وهناك «خيار الاشتراط» : والفرق بين الخيارين أن الشرط هو الخيار نفسه فى خيار الشرط ، وأما فى خيار الاشتراط فهو أن يشترط المشترى أو البائع أمرا معينا غير الخيار. و «خيار الغبن» : هو أن يشترى المشترى بأكثر من قيمة السوق ولا يعرف ، أو يبيع البائع بقيمة أقل عن جهل بالقيمة الحقيقية ، وعندئذ يكون لأى منهما أن يرجع فى البيع ، وأما إذا كانا عالمين بالزيادة أو النقص وأقدما على التعاقد فلا خيار لهما ، والدليل على ذلك قوله تعالى : (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) (٢٩) (النساء) ، وبديهى أن المغبون ـ أى المخدوع ، والغبن ـ هو الخداع ـ لو علم بالتفاوت الفاحش لم يرض بالتعامل ، وأكل ماله يكون حينئذ أكلا للمال بالباطل ، من قوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) (١٨٨) (البقرة) ، وغبن المؤمن حرام ، والمسترسل ـ أى الذى يثق بك ـ لا ينبغى أن يغبنه مؤمن ، وغبنه سحت. و «خيار التأخير» : هو أن يكون للمشترى والبائع الخيار فى فسخ البيع ، إذا لم يسلم المشترى ما باعه ، أو لم يقبض البائع الثمن كاملا ولم يشترط التأجيل. ويقوم «خيار الرؤية» على مشاهدة المبيع ، ومطابقة أوصافه فى العقد مع أوصافه فى الواقع ، فإن لم يتطابقا فللمشترى الخيار ، فإن شاء أمضى البيع ، وإن شاء طلب فسخ العقد. وفى «خيار العيب» : فإن العيب المقصود به هو العيب الموجب للفسخ ، وإطلاق العقد يقتضى سلامة المبيع ، لأن الأصل فيه أن يكون سالما من العيوب ، وإن اشترط السلامة فى متن العقد فإن ذلك يكون توضيحا للمعنى الذى اقتضاه العقد لا تأسيسا بمعنى جديد ، وفى الحديث : «من غشّنا فليس منا» ، فلا يحلّ لمسلم أن يبيع مسلما سلعة وهو يعلم أن فيها عيبا قلّ أو كثر ،

١١٥٠

حتى يبيّن ذلك لمبتاعها ويقفه عليها ، وإذا علم المشترى بالعيب من بعد الخيار إليه ، إن شاء ردّ ، وإن شاء أخذ ، ويوجب ظهور العيب فى المبيع تسلّط المشترى وأخذ الأرش بلا خلاف ، وهو فى اللغة الدّية ، والمال المأخوذ عوضا عن نقص مضمون ماديا ، وتجوز المطالبة به لكل من تملّك عينا يعوض وثبت أنها كانت معيبة قبل القبض ، سواء كانت مهرا فى عقد زواج أو عوضا فى عقد الصلح أو عقد الإجارة ، ويسقط خيار العيب لمن علم بالعيب قبل التعاقد ، وإذا حدث عيب بعد استلام العين ثم تبين العيب فيها ، وأنه سابق على التسلّم ، ثبت الأرش دون الردّ ، ويسقط خيار العيب بكلا شقيه : الردّ والأرش ، بإسقاطه بعد العقد ، وباشتراط سقوطه فى متن العقد ، ومنه أن ينصّ فى العقد أن المشترى قد اشترى العين على الزيادة والنقصان. وكل مبيع يتلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.

* * *

٢٢٩٧ ـ الصّرف

الصّرف بيع بنقد ، والصرافة حرفة الصرّاف ، والجمع صيارفة ، من صرف ردّ ودفع ، ومن ذلك تصريف الكلمات وهو تغيير صيغتها بإلحاق الجر والتنوين ، وتصريف الرياح تحويلها ، وكل ذلك بمعنى واحد ؛ وفى القرآن : (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) (التوبة ١٢٧) بدّلها وغيرها ، والصّرف فى المصطلح : هو تغيير العملة بعملة مثلها وفى قيمتها ، وهو جائز شرعا ، ومن شرط المصارفة أن يكون العوضان معلومين ؛ ولا يجوز البيع الربوى فى الصرف ، ولا يصحّ بيع دين بدين ، وتصحّ المصارفة بالوديعة ، ولا بد من اعتبار سعر السوق عند قضاء الدين بنقد مغاير ، ويصحّ قضاء الدين المؤجّل بنقد آخر مع الالتزام بسعر السوق.

* * *

٢٢٩٨ ـ القرض

القرض ، بالفتح ، وبالكسر أيضا ، وهو ما تعطيه غيرك من المال بشرط أن يعيده لك بعد أجل معلوم ، وهو نوع من السلف ، ويجوز بالكتاب والسنّة والإجماع ، كقوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً) (٢٤٥) (البقرة) ، كما فعل عثمان فى جيش العسرة الذى أعدّه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لغزوة تبوك ، وسمى بذلك لأن الناس كانوا فى عسرة من العيش والجدب والقيظ ، فجاء عثمان إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بثلاثمائة بعير ، وبألف دينار ، فنثرها فى حجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يضر عثمان ما فعل بعدها»! والحديث كأنه مفصّل على ما لحق من أحداث في حياة عثمان

١١٥١

وتمييزه لأقاربه ، وكأنه يعفيه من ذنوب ذلك! ولما نزلت الآية تصدّق أبو الدحداح بماله ابتغاء ثواب ربّه.

والقرض فى الشرع : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء ، من أقرض : أى أعطى المقترض ما يتجازاه ؛ ونقول : استقرضت من فلان ـ أى طلبت منه القرض فأقرضنى ، واقترضت منه أى أخذت منه قرضا. والقرض فى اللغة : البلاء الحسن. وأصل الكلمة : القطع ، ومنه المقراض ؛ وأقرضته : أى قطعت له من مالى قطعة ، والمراد بالآية : الحثّ على الصدقة ، وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم. وفى الخبر : «النفقة فى سبيل الله تضاعف الى سبعمائة ضعف وأكثر» ، كقوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) (٢٦١) (البقرة) ، وفى هذه الآية يجيء الثواب : (فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً) ، يعنى أنه لا نهاية له ، وسمّته القرض الحسن ، لأن المحسن يقرض محتسبا ، طيّبة به نفسه ، لا يمنّ ، ولا يؤذى ، ولا يطلب فى قرضه عوضا. والمضاعفة للقرض من لدن الله ، أما قرض الآدمى للواحد فواحد ، أى يردّ عليه مثل ما أقرضه ، واشتراط الزيادة فى السلف ربا ، ولكن يجوز أن يردّ أفضل مما يستلف من باب المعروف ، كما فى الحديث : «إن خياركم أحسنكم قضاء» أخرجه البخارى ومسلم وغيرهما. ولا يجوز أن يهدى من استقرض هدية للمقرض ، ولا يحل للمؤمن قبولها ، فبهذا جاءت السنة ، وفى الحديث : «إذا أقرض أحدكم أخاه ، فأهدى له ، أو حمله على دابته ، فلا يقبلها ، ولا يركبها ، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» ، يعنى كان قد سبق له أن جامله ، كأن يكون قد ركب معه ، أو سبق له أن أهداه قبل القرض.

والقرض مندوب إليه فى حقّ المقرض ، ومباح للمقترض ، ولا إثم على من يسأل القرض فلم يقرض. ولا يصحّ القرض إلا من حائز التصرف ، وحكمه فى الإيجاب والقبول حكم البيع ، ويصحّ بلفظ السلف ، وبلفظ القرض ، أو بغير ذلك من الألفاظ مما يؤدى المعنى. ويجوز إقراض كل ما يثبت فى الذمة سلما (يعنى بالأجل) ، ويمكن تحديد مقداره. ويثبت ملك المقترض بمجرد قبض القرض ، وهو عقد لازم فى حق المقرض ، وجائز فى حق المقترض.

* * *

٢٢٩٩ ـ النسيئة والنقد

النسيئة والنسيء فى قوله تعالى : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ

١١٥٢

وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (٣٧) (التوبة) وكانوا فى الجاهلية يحرّمون القتال فى المحرّم ، فإذا احتاجوا الى ذلك حرّموا صفرا بدله وقاتلوا فى المحرّم ، فكانوا كذلك شهرا شهرا حتى استدار التحريم عن السنة كلها ، فالنسيئة والنسيء إذن هو التأخير ، مشتق من نسأه وأنسأه إذا أخّره ، فهو منسوء ، ثم يحول المنسوء إلى نسيء ونسيئة ، كما يحول مقتول الى قتيل وقتيلة ، ومنه أنسأ الله فى أجلك أى أخّره. والنسيئة عن البيع والشراء : هو أن تشترى الشيء بثمن مسمى وتؤجل الدفع ، وينص عليه صراحة فى العقد ، ويضبط الأجل بما لا يقبل الزيادة والنقصان ، ولا تحديد لطوله أو قصره ؛ ويجوز له التصرف فى المبيع قبل تسلمه. وقيل تأجيل الثمن لا يزيد على ثلاث سنوات ، لأن المال يذهب ويضيع بالتأجيل الطويل ، وأن من باع بثمن حالا ، وبأكثر مؤجلا بطل البيع ، وأن الدّين لا يباع نسيئا ولا يصحّ إلا نقدا ، ويسمون ذلك بيع الكالى بالكالى ومعناه ، لغة المراقبة ، لأن كلّا من الغريمين فى هذه الحالة يرتقب صاحبه من أجل دينه.

* * *

٢٣٠٠ ـ الدّين

آية الدّين فى القرآن هى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٢٨٢) (البقرة) ، ومدارها على الأمر بالإشهاد فى الدين المؤجل وهو السّلم. وحقيقة الدين : عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا ، والآخر فى الذمة نسيئة. و «الدين» عند العرب ما كان غائبا ، ونقيضه «العين» وهو ما كان حاضرا ، وبيّن ذلك قوله تعالى : (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) ، فلا يجوز الدين إلى الأجل المجهول ، وفى السنّة قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من أسلف في تمر فليسلف فى كيل معلوم ، ووزن معلوم ، وإلى أجل معلوم» ، وفى حديث آخر قال : «بدنانير أو دراهم معلومة» ، فاشترط المعلومية فى كل شىء. والسلف يقال على القرض. وأمر الله تعالى بكتابة الدّين : (فَاكْتُبُوهُ) يعنى الدين والأجل ، وأمر بالإشهاد عليه ، لأن الكتابة بدون شهود لا تكون حجة ، إلا أن يأمن الدائن

١١٥٣

المدين ، كقوله تعالى : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) (البقرة ٢٨٣) ، والأمر بالكتابة ندب إلى حفظ الأموال ، وإزالة الريب ، فإذا كان الغريم تقيّا فما تضرّه الكتابة ، وإذا كان غير ذلك فالكتابة ثقاف فى دينه ، أى إثبات ، فيطمئن صاحب الحق ، وفى الأثر : إن أشهدت فحزم ، وإن ائتمنت ففي حلّ وسعة». ويشترط فى كاتب الدين أن يكون عدلا فلا يكتب ما فيه مصلحة لأحد الغريمين ، ولا يكون فى قلبه مودّة ، ولا فى قلمه موادّة لأحدهما على الآخر ، وأوجب الله تعالى الكتابة على من يعرف الكتابة إذا طلب منه الغريمان ذلك ، كما أوجب الشهادة على الشاهد. والناس يتعاملون ومنهم من يكتب ومن لا يكتب ، فأمر الله تعالى أن يكتب بينهم كاتب بالعدل حتى لا يشذ أحدهم عن المعاملة ، ولا يأبى الكاتب أن يكتب إذا طلب منه ذلك ، ولا يضار بكتابته ، وليفضل الكاتب كما أفضل الله عليه ، وليملل المديون مقرا بما عليه بلسانه ، فإن كان سفيها لا يدرى ، أو كبيرا أو ضعيفا لا يدرك ، أو لا يستطيع أن يمل لعجز بلسانه ، أو عدم دراية بالصيغة القانونية ، فليملل وليّه ـ وهو الذى يوكّله عنه وله خبرة أكثر بهذه المسائل ، ويشهد على صك الدّين شاهدان من الرجال ، أو رجل وامرأتان من عدول المسلمين ، ممن يرضى بهما الدائن والمدين. ولا يأبى الشاهد إذا دعى لتحصيل الشهادة ، ولا إذا دعى إلى أدائها. ولا يأبى الدائن أن يكتب الدين قليلا كان أو كثيرا ، فلا يمل كتابته ، فالكتابة أعدل عند الله ، وأصحّ وأحفظ ، وأدعى أنه لا يرتاب الدائن ولا المدين. ومن أحكام الإسلام فى الدّين أن قضاء دين الميت لا يجب على الولى ، وإنما يتعلق بالتركة ، كقوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) (النساء ١١) ، فإذا مات المدين أخرجت من تركته الحقوق المعينات ، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره ، ثم الديون على مراتبها ، ويكون الباقى ميراثا للورثة. ويصير الدين المؤجل حالا بموت المدين ، لأن الميت لا ذمّة له ، والوارث غير مسئول ، ولا يؤاخذ الإنسان بموت غيره ، ولذلك يتعلق الدين بأعيان التركة بوفاة المدين ، وإذا مات الدائن ينتقل المال الذى اشتغلت به ذمة المدين إلى الورثة. ويجوز تقسيط الدين على أقساط ، تستوفى فى أوقات معينة ، وهو ما يسمى «التنجيم». ولا يسقط الدين بترك المطالبة به مهما طال الزمن ، لأنه متى ثبت بسبب شرعى لا يسقط إلا بمسقط شرعى ، ومرور الزمن ليس من الأسباب المسقطة فى الشريعة ، وإذا كان لأحدهم دين على آخر فيجحده ، ثم يظفر من ماله بقدر الذى جحد ، فإن الفقهاء يسمون هذا «مقاصة». وتحرم المماطلة بالوفاء مع القدرة ، كما تحرم مضايقة المدين مع الإعسار بقوله تعالى : (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) (البقرة : ٢٨). وفى الحديث : «لىّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته» ، واللىّ المماطلة. وإذا لم تجز المماطلة مع العسر فبالأولى عدم جواز الحبس مع العسر ، ومن المشهور : المفلسون لا يحبسون». وعلى المدين أن يسعى فى قضاء ديونه

١١٥٤

كما عليه أن يسعى من أجل قوته. وفى الحديث : «من أقرض مؤمنا ينتظر به ميسرة كان ماله زكاة ، وكان هو فى صلاة الملائكة حتى يؤدى إليه» ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مكتوب على باب الجنة الصدقة بعشرة ، والقرض بثمانية عشر» ، وإنما صار القرض أفضل من الصدقة ، لأن المستقرض لا يستقرض إلا من حاجة ، بينما الصدقة قد تطلب من غير حاجة إليها.

* * *

٢٣٠١ ـ العارية من الأمانات

فى الحديث : «العارية مؤدّاة» ، والعارية أمانة ، والأمانات مؤدّاه بمقتضى الآية : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) (٥٨) (النساء.) والعارية لغة : من عار الشيء إذا ذهب وجاء ، واصطلاحا : هى إباحة الانتفاع بعين من الأعيان. ولأن العارية أمانة ، والأمانة إذا تلفت يلزم المؤتمن غرمها ، فكذلك العارية إذا تلفت من غير تعدّ ، لأنه لم يأخذها على الضمان ، فإذا تلفت بتعديه عليها لزمته قيمتها لجنايته عليها. وقيل العارية نوعان : مضمونة ، ومؤدّاه ، لسؤال صفوان للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا السؤال لمّا استعار منه الأدراع ، فقال له : «بل عارية مؤدّاة». والعارية مندوب إليها وليست بواجبة ، وتنعقد بكل لفظ وفعل يدل عليها. وكل عين يمكن أن ينتفع بها يباح إعارتها ، فإن استعار المستعير مالا لينفقه فهو قرض وليس عارية ، ولا تكون العارية فى المال ، ولا إعارة للزوجة ، ولا للبنت ، ولا تصحّ العارية إلا من جائز التصرّف. والمستعير لا يؤخّر ما استعار ، ولا ينتفع به فى غير الغرض الذى استعاره بسببه. وتجوز العارية مطلقة ومؤقتة ، وللمعير أن يرجع فى العارية فى أى وقت ، ويجب ردّها إن كانت باقية ، ويجب ضمان العارية إن تلفت سواء تعدّى فيها المستعير أو لم يتعدّ ، إلا لو شرط المستعير إسقاط الضمان ، أو أذن له المعير بالإتلاف ، وإن تلفت منها أجزاء مع الضمان وجب تكملة النقص. وفى الحدود لا تقطع يد جاحد العارية.

* * *

٢٣٠٢ ـ الوديعة من الأمانات

الوديعة : من ودع الشيء إذا تركه ، والوديعة هى المتروكة عند الوديع ، ويد الوديعة يد أمانة ، والوديع أمين ، والوديعة «أمانة» مردودة إلى أهلها بنصّ الآية : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) (٥٨) (النساء). وقبول الوديعة : مستحب لمن يعلم من نفسه الأمانة ، فإن أراد الوديع ردّها على صاحبها لزمه قبولها ؛ ولا يصحّ الإيداع إلا من جائز التصرّف ، فإن أودع طفل أو معتوه إنسانا وديعة ضمنها الوديع بقبضها. والوديع : هو المودع لديه الذى استودع المال. ولا يزول الضمان عن الوديع بردّ الوديعة إلى المودع الطفل ، ويزول بدفعها إلى وليّه الناظر فى ماله ، فإن كان الصبى مميزا صحّ إيداعه لما أذن له فى التصرف فيه. وإذا

١١٥٥

تلفت الوديعة بغير تفريط من الوديع فليس عليه ضمان ، سواء ذهب معها شىء من مال المستودع أو لم يذهب ، وفى رواية : إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها. وإن تعدّى المستودع عليها ، أو فرّط فى حفظها فتلفت ، فإنه يضمنها. وإذا شرط ربّ الوديعة على المستودع ضمان الوديعة فقبله ، أو قال أنا ضامن لها ، فلا شىء عليه إن سرقت ، ما لم يكن متهاونا فى حفظها. وإذا ضمن الوديعة بالاستعمال ، ثم ردّها إلى صاحبها ، زال عنه الضمان ، فإن ردّها إليه صاحبها كانت بداية استئمان ، وإن لم يردّها إليه الوديع ولكن جدّد له صاحبها الاستئمان ، أو أبرأه من الضمان ، بري. وإذا أودعت وديعة عند وديع ، فأودعها عند غيره لغير عذر فعليه الضمان ، وإن أودعها لعذر كما لو كان مسافرا ، أو خاف من حريق أو سرقة ، وجب عليه ردّها إلى صاحبها ، فإن لم يكن متواجدا دفعها إلى وكيله ، أو أودعها خزينة المحكمة أمانة ، أو أحد البنوك ، وودائع البنوك مضمونة من البنك ، والبنك مضمون من البنك المركزى. وإذا كانت الوديعة بهيمة مثلا ، واضطر إلى الإنفاق عليها ، فله الحق أن يطالبه بنفقاتها ، وإن اختلفا فالقول فى مقدار النفقة للوديع بالمعروف ، وإن ادّعى أكثر لم يثبت له. وإذا أودع وديعة بنكا من البنوك وجعله وكيله أثناء سفره ، فنقلها من البنك إلى غيره ، فإنه يضمنها. وتردّ الوديعة فى كل الأحوال عند طلبها وبدون ضرر. وجحد الوديعة خيانة للأمانة وإنكار للحق ، فإن لم تكن هناك كتابة ولا شهود يلزم المنكر الحلف ، ولا تثبت الوديعة إلا بإقرار الوديع أو ورثته ، أو ببيّنة تشهد بها. وإذا مات الوديع وعنده وديعة لا تتميز عن ماله ، فهى دين عليه يغرم من تركته ، وإن كان عليه دين سواها فهى والدين سواء ، والوصية واجبة على من عنده وديعة ، وعلى الورثة إعلام صاحبها بموت الوديع ، وليس عليهم إمساكها عنه.

* * *

٢٣٠٣ ـ اللقطة واللقيط

يقال لقط الشيء : بمعنى أخذه من الأرض بلا تعب ؛ والتقط الشيء : عثر عليه من غير قصد ولا طلب ؛ واللاقط : هو الذى يلقط أو يلتقط ، والمؤنثة اللاقطة ، وفى الأمثال : لكل ساقطة لاقطة : أى لكل كلمة سقطت من فم الناطق نفس تسمعها فتلتقطها فتذيعها ؛ واللّقطة واللّقطة (بسكون القاف أو فتحها) ما تجده ملقى فتلتقطه ، أو هو الشيء المتروك لا يعرف له مالك. وفى القرآن : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) (٨) (القصص) ، إشارة إلى عثور آل فرعون على موسى طفلا لقطة ، وكان يوسف كذلك لقطة كما فى قوله تعالى : (وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) (١٠) (يوسف). والملقوط إما آدمى ـ كموسى ويوسف ، وإما حيوان ، وإما مال. والآدمى يسمى لقيطا : وهو الذى نبذه أهله

١١٥٦

ورموه وأعرضوا عنه لسبب من الأسباب ، ولذا سمّى منبوذا. وأما الطفل «الضائع» الذى فقده أهله ولم ينبذوه ، فليس لقيطا ، ويسلّم إليهم فى حال العثور عليه. واللقيط هو من اجتمع فيه النبذ وعدم الكافل ، وأن يكون غير مميّز ، لأن الصبى المميّز لا يسمى لقيطا فى نظر العرف ، لأنه غنىّ عن الحضانة والتعهّد ، ولأن الالتقاط يقتضى الولاية الشرعية للملتقط على اللقيط فى الحفظ والتربية ، والأصل عدم ولاية إنسان على إنسان ، فإن كان الطفل مميزا وغير مجنون لم تجب لأحد الولاية عليه ، وإنما تنبغى الولاية فى حالة الطفل الضائع ، ويقتضى الأمر ، من باب الحسبة ، أن يبلغه مأمنه من يجده ، وذلك شىء آخر عن الالتقاط ؛ وإجمالا تتبع أحكام اللقيط صدق هذا الاسم ، لأن الأحكام تتبع الأسماء ، وليس كل ضائع ، ولا كل من احتاج أن يدله آخرون ، يقال له لقيط ، ولا يصدق ذلك إلا على الطفل غير المميّز الذى نبذه أهله ولا يعلم لهم مكان.

والتقاط الطفل المنبوذ واجب على الكفاية ، وإن تركه الجماعة أثموا ، وإذا كان الملتقط أمينا أقرّ اللقيط فى يده ، وفى كل الأحوال يجب إبلاغ الشرطة وتحرير محضر بذلك ، ويصحّ للشرطة أن تدفعه إلى آخر ، أو إلى جمعية خيرية أولى منه ، وليس لكافر التقاط مسلم ، وإن وجد مع اللقيط مال فهو له ، وينفق عليه منه ، وتلزم الدولة بالإنفاق عليه إن تعذّر ذلك على الملتقط ، أو تجب نفقته فرض كفاية على المسلمين. ولقيط دار الإسلام مسلم ، ولا توارث بينه وبين الملتقط ، وإن ترك ميراثا فهو لبيت المال. وإن ادّعى نسب اللقيط واحد ينفرد بدعواه ، فإن كان مسلما لحق نسبه به إذا أمكن أن يكون منه ، وفى هذه الحالة يتوارثان ، وإن كان المقرّ به هو نفسه ملتقطة ، أقرّ فى يديه ، ولا حقّ للذمّى فى حضانته ، وتقبل دعوى المرأة بنسبه بإقرار زوجها أو إخوتها ، وإن ادّعته امرأتان فهو لمن كانت لها البيّنة ، وإن ادّعاه رجل وامرأة فهو لهما ويلحق بهما ويكون ابنهما بمجرد دعواهما ، وإذا جنى اللقيط جناية فحكمه حكم غير اللقيط ، فإن كانت توجب القصاص وهو بالغ عاقل ، اقتصّ منه ، وإن كانت موجبة للمال ، وله مال ، استوفى منه ، وإلا كانت فى ذمته حتى يوسر. وإن جنى أحد على اللقيط فى النفس جناية توجب الدية فهى للدولة ، وإن كانت الجناية عمدا فللقاضى أن يستوفى القصاص أو يعفو على المال أيهما أحسن للقيط. وإن كانت الجناية عليه دون النفس وبما يوجب الأرش ، قبل بلوغه ، فلوليه أخذ الأرش.

وأما لقطة الحيوان فجائزة على كراهية ، والحيوان الضائع يسمى ضالة ، وفى الحديث : «لا يأوى الضالة إلا الضال» ، وترتفع الكراهة إذا كانت الضالة فى معرض الهلاك ، فيكون التقاطها أفضل من تركها ، فإن كانت مما لا يخشى هلاكه لم يحلّ أخذها ، وإن أخذها فليسلمها للشرطة ، وقد تبقيها الشرطة فى يده أمانة ، والشرطة نائب الغائب

١١٥٧

صاحبها ، وهى المنصوبة لحفظ مصالح الناس ، فإن حفظها للمالك ثم تلفت دون تعدّ أو تفريط فلا ضمان عليه ، لأنه أمين محسن. وقد روى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا سئل عن الرجل أصاب شاة فى الصحراء ، هل تحلّ له؟ فقال : «هى لك ، أو لأخيك ، أو للذئب ، فخذها وعرّفها حيث أصبتها ، فإن عرفت فردّها إلى صاحبها ، وإن لم تعرف فكلها وأنت ضامن لها إن جاء صاحبها يطلب ثمنها أن تردّها عليه» ، يعنى أن الملتقط عليه قبل أن يتصرّف فيها أن يعى أوصافها جيدا ويعرّضها ، حتى إذا جاء صاحبها وأقام البيّنة على ملكيته وفقا للأوصاف دفع إليه قيمتها. ولا يشترط فى ملتقط الضالة شروط كملتقط اللقيط ، لأن الالتقاط فى اللقيط يوجب نوعا من الولاية على اللقيط ، وبديهى أن فاقد الأهلية يحتاج إلى من يتولى أمره ، وأما من يلتقط الحيوان فلا يشترط فيه شىء من ذلك ، فالتقاطه اكتساب للمال ، ويصحّ من العاقل والمجنون ، والكبير والصغير ، والرشيد والسفيه ، والمسلم وغير المسلم ، ولذا قيل فى لقطة الحيوان : لا يشترط فى الآخذ إلا الأخذ ـ أى لا يشترط فيه إلا أن يلتقط. وفى كل الأحوال لا يجوز التقاط الحيوان فى العمران ، وليس من اللقطة الطيور والدواجن كالدجاج والحمام ، وعلى الملتقط أن يبحث عن المالك المجهول ، فإن لم يجده تصدّق بها أو بثمنها عن المالك. وقيل يجوز التقاط الحيوان من العمران ، وعلى الملتقط احتباسه ثلاثة أيام ، ويسأل عن صاحبه ، فإن لم يجده باعه وتصدّق بثمنه.

ولقطة المال : هى كل مال ضائع ولا يد لأحد عليه ، والفرق بين المال اللقطة ، والمال مجهول المالك ، أن اسم الضياع ينطبق على المال الأول ، وأمّا المال المجهول المالك كأن يجلس أمامك إنسان وينسى حافظته ، فأنت تعرف صاحبها ، وهذا إذن ليس مالا ضائعا. والمال فى مكة لا يحل للقطة ، ويباح أن تأخذه لتسلمه للشرطة أو لتبحث عن صاحبه ، أو قد تبقيه فى يدك أمانة فى حرز أمثالها ، كالوديعة ، أو قد يتصدّق به عن المالك ، فإن حضر المالك كان عليه أن يدفع عوضه من المثل أو القيمة. وقيل يعرّفه حولا وإلا تصدّق به. وإذا التقط الملتقط ما يسرع إليه الفساد كاللحم والفاكهة ، فله أن يتملكه بقيمته ويأكله ، أو يبيعه ويحفظ ثمنه أمانة شرعية لصاحبه. ولا يشترط فى ملتقط المال العقل ، ولا البلوغ ، ولا الرشد ، ولا الإسلام ، لأن التقاط المال مجرد اكتساب. وأما الكنز بلا صاحب من أهل هذا الزمان ، وفى المكان الخرب ، أو الأرض تملكها الدولة ، فهو للدولة يجرى عليه حكم اللقطة. ومن اشترى سمكة فوجد فى جوفها لؤلؤة فهى له بالحيازة. وفى الحديث أن اللقطة من المال : «إن جاء ناعتها فعرف عقاصها ـ أى الخيط الذى ربطت به ـ وعددها ، فادفعها إليه» ، وإذا مات الملتقط قام ورثته مقامه ، وعرّفوا باللقطة ، ويجوز لهم أن يتملكوها بشرط ضمان المالك إن وجد.

* * *

١١٥٨

٢٣٠٤ ـ القسمة

القسمة اسم من الاقتسام وهو النصيب ؛ وفى الشرع هى تمييز الأنصبة ، وليست بيعا ولا صلحا ، ويجب فيها أن يكون كل نصيب بقدر الآخر دون زيادة أو نقصان. والقسمة فى القرآن كقوله تعالى : (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ) (٨) (القمر) وكانت بين قوم ثمود والناقة ، فكان لهم يوم وللناقة يوم ، وعن ذلك قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أيها الناس لا تسألوا فى هذه الآيات ، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيّهم أن يبعث الله لهم ناقة فبعث الله عزوجل إليهم الناقة ، فكانت ترد من ذلك الفجّ فتشرب ماءهم يوم وردها ، ويحلبون منها مثل الذى كانوا يشربون يوم غبّها. (والغبّ هو أن تأتيهم يوما وتغيب عنهم يوما). والقسمة فى الميراث ، كقوله تعالى : (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (٨) (النساء). والقسمة الضّيزى فى قوله تعالى : (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) (٢٢) (النجم) هى الجائرة عن العدل ، ويقال ضاز فى الحكم أى جار. والقسمة فى الرحمة والرزق ، كقوله تعالى : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) (٣٢) (الزخرف) يعنى أنه مايز بين الناس ليكون بعضهم سببا لمعاش بعض. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قسم خيبر. والمسلمون أجمعوا على جواز القسمة ، وهى على ضربين : قسمة إجبار وقسمة تراض. فأمّا قسمة الإجبار : كأن يطلب أحد الشركاء التخارج عن الشركة ، فيرفض الثانى ، فإن كانت القسمة سهلة ميسرة بينهما ويمكن فيها تعديل السهام من غير ضمّ شىء آخر مع بعضها ، يجبر الممتنع عن القسمة ، وتقسّم الشركة ليعطى كل ذى حقّ حقّه متى طلبه ، ولا يجوز منعه عنه. وأمّا قسمة التراضى : فهى التى لا يمكن تعديل السهام فيها إلا بأن يجعل مع بعضها عوض مالى ، فهذه لا إجبار فيها ، وكذلك سائر ما لا تجب قسمته ، وما يدخل الضرر على الشركاء بقسمته ، وأشباه ذلك. فإذا تمت القرعة فى قسمة التراضى فإنها تلزم كقسمة الإجبار ، وقيل : لا تلزم لأنها بيع طالما فيها عوض مالى ، وليست القرعة فى هذه الحالة إلا لتعريف البائع من المشترى. ولو تراضى الشركاء أن يأخذ كل واحد منهم من السهام بغير قرعة ، جاز ؛ ولو خيّر أحدهم أصحابه فاختاروا ، جاز أيضا ، فإذا كان بينهم أرض ، واتفقوا على أن يكون بعضها فى يد أحدهم ، والبعض الباقى فى يد الآخر ، أو أن يستثمر كل منهما العين كاملة لمدة سنة بالتناوب ، فتسمى هذه «قسمة بالمهاياة» ، أى بالموافقة ، وإذا طلبها أحد الشريكين وامتنع الآخر فلا يجبر الممتنع ، لأنها بمنزلة المعاوضة التى يعتبر فيها التراضى. وتلزم القسمة ولا يجوز العدول فيها إذا اقتسم الشركاء فيما بينهم من غير قاسم ولا قرعة ، فيرضى كل منهم بقسم معين يلزم به ، ولا يجوز له العدول بعد الرضا. وكذلك إذا اختار الشركاء قاسما يميز الحصص ، وأجروا

١١٥٩

القرعة برضا الجميع ، فإذا رفعوا الأمر إلى القضاء فعيّن لهم قاسما ، فيجب العمل بقوله بمجرد خروج القرعة ولا يشترط رضا الشركاء بالقسمة ، لا قبل القرعة ولا بعدها.

والقسمة على قدر الملك ، فإذا بيع الملك المشترك قسّم الثمن على قدر ملكهم فيه. والحكم فى المياه المشتركة كالحكم فى الحائط المشترك ، وتكون الأولوية فى الرى لمن هو فى أول الترعة ثم الذى يليه وهكذا ، وإن كان مصدر الماء لجماعة ، فالماء بينهم بحسب النفقة والعمل ، ولا يتصرف أحدهم فى نصيبه إلا بإذن الشركاء. وفى الشركة الفاسدة يقسّم الشركاء الربح على قدر أموالهم ، أو يقتسمون الربح على ما اشترطوا. وللأب والوصى قسمة مال الصغير مع شركائه ، ويجوز لهم قسمة التراضى. ويجوز للمشتركين أن يقتسموا بأنفسهم ، ولكل منهم كافة الحقوق الارتفاقية فيما آل إليه من القسمة. وإذا ادّعى أحد المتقاسمين أنه أعطى دون حقه فلا تقبل دعواه إلا ببيّنة ، إلا أن تكون القسمة بالتراضى فلا تسمع دعواه. وإن ظهر فى نصيب أحد المقتسمين عيب فى نصيبه لم يعلمه قبل القسمة ، فله فسخ القسمة أو الرجوع بأرش (تعويض) العيب. وإن ظهر حق للغير فى نصيب أحد المقتسمين بطلت القسمة. وإن قسّم مال المفلس بين غرمائه ، ثم ظهر غريم آخر رجع على الغرماء بقسطه. وتقسّم التركات على مصحّ المسألة ، فما خرج فهو حصة السهم من التركة ، فيضرب فى سهام كل وارث. وإذا بان للغير حق على التركة بعد اقتسامها ، يقسّم الدين عليهم بحسب أسهمهم ، فإن أجاب أحدهم لوفاء نصيبه من الدين وامتنع الآخرون ، بيعت أنصبة الممتنعين وحدهم ، وبقى نصيب المجيب بحاله ، وإذا كانت هناك وصية لم يعلم بها ثم ظهرت بعد القسمة ، فحكمها حكم الدين.

* * *

٢٣٠٥ ـ القسم

القسم هو اليمين ، كقوله تعالى : (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) (٧٦) (الواقعة) ، وقوله : (هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) (٥) (الفجر) والقسامة هى الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادّعوا الدم ، ويقال : حكم القاضى بالقسامة ـ أى بالأيمان ، وهو اسم من أقسم ، وضع موضع المصدر ، كقوله تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) (١٠٩) (الأنعام) ، أى حلفوا به ، ومثل ذلك التقاسم بالله ، كقوله : (قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ) (٤٩) (النمل) ، أى التحالف به. والاستقسام به هو طلب الحلف به ، كقوله تعالى : (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ) (٣) (المائدة) وهى أقداح الميسر يستقسمونها ، أى يسألونها النصيب والرزق ، كحال المنجّمين الذين يقرءون الطالع والكف والفنجان ويضربون الرمل والودع ، وكل ذلك ضرب من التكهن والتعرّض لدعوى علم الغيب. (انظر اليمين).

* * *

١١٦٠

٢٣٠٦ ـ القرعة

القرعة : هى السهم والنصيب ؛ وإلقاء القرعة : حيلة يتعين بها سهم الإنسان ونصيبه. ودليل القرعة فى القرآن الآية : (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (٤٤) (آل عمران). والاقتراع أصل لكل من أراد العدل فى القسمة ، وبه ترتفع الظنّة عمن يتولى القسمة فلا يفضل أحد على أحد ، ورأى البعض ردّ القرعة وأنها تشبه الأزلام التى نهى الله عنها ، ولا تستقيم القرعة فى القياس ، وعمل بها ثلاثة من الأنبياء : يونس ، وزكريا ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واستعمال القرعة فيما يقسم بين الشركاء فلا معنى لمن ردّها ، وفى الحديث : «مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها ، مثل قوم استهموا على سفينة ...» ، الحديث ، وعن عائشة قالت : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لو يعلم الناس ما فى النداء والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». وفائدة القرعة : استخراج الحكم الخفى عند التشاحّ ـ أى التنازع ، ولا تكون مع التراضى وإنما تكون فيما يتشاحّ الناس فيه ويضنّ به.

* * *

٢٣٠٧ ـ الرهان المقبوضة

الرهان فى الآية : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ) (٢٨٣) (البقرة) ، قيل : الرهن فى السفر بنصّ التنزيل السابق ، وفى الحضر الرهان ثابت بالسنّة. وليس كون الرهن فى الآية فى السفر أنه محظور فى غيره. والرهان جمع رهن ، ورهن جمع للجمع. ومعنى الرهن : احتباس العين وثيقة بالحق ، ليستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها ، عند تعذّر أخذه من الغريم. وفى اللغة ، الرهن : بمعنى الدوام والاستمرار ، ورهنه أدامه ، وتقول : أرهنت ، فى المغالاة ؛ وفى القرض والبيع تقول : رهنت. والمرتهن (بكسر الهاء) الذى يأخذ الرهن ، ويقال للشيء أنه مرهون ، ورهين ، والأنثى رهينة ؛ وراهنت فلانا على كذا : يعنى خاطرته ؛ والرهينة واحدة الرهائن. ولما كان الرهن بمعنى الثبوت فقد قيل : إن الرهن يبطل إذا خرج من يد المرتهن إلى يد الراهن ، لأن شرطه أن يكون مقبوضا. والراهن إذا رهن الشيء قولا ولم يقبضه المرتهن فعلا ، لم يوجب ذلك حكما ، فالله تعالى لم يجعل الحكم إلا برهن موصوف بالقبض ، فإذا عدمت الصفة وجب أن يعدم الحكم. غير أن الرهن يلزم بالعقد ، ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن ، لقوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (١) (المائدة) والرهن عقد ، وفى قوله : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) (٣٤) (الإسراء) ، أن الرهن عهد

١١٦١

أيضا. وفى الحديث : «المؤمنون عند شروطهم» وهذا شرط. ورهن المشاع جائز ، كالأرض أو البيت ، إذا قبضه المرتهن. وكذلك يجوز رهن ما فى الذمة ، لأنه مقبوض ، ولأنه يجوز بيعه ، ولأنه مال تقع الوثيقة به ، قياسا على سلعة موجودة ، بخلاف من منع ذلك لأنه لا يتحقق إقباضه ، والقبض شرط فى لزوم الرهن ، لأنه لا بدّ أن يستوفى الحق منه عند المحل. والرهن لا يجوز غلقه ، وهو أن يشترط المرتهن أن المرهون بحقه إن لم يأت الراهن بحقه عند أجله يجوز له غلقه ، وكان هذا من شائع الجاهلية ، فأبطله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «لا يغلق الرهن» : ويقدّم المرتهن على سائر غرماء المفلس.

* * *

٢٣٠٨ ـ الغارمون والإفلاس

الغارمون مصطلح قرآنى يرد فى آية منصرفات الزكاة ، فى قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) (٦٠) (التوبة) ، من غرم الدين أى أدّاه ؛ وغرم فى التجارة يعنى خسر ؛ والغرم والغرامة ما يلزم أداؤه من المال ؛ وتغرّم تحمّل وتكلّف الغرامة ؛ والغريم ـ والجمع غرماء ـ هو المديون ؛ والغارمون : هم إذن الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم. فأفلسوا ، وقد يكون عندهم المال إلا أن ديونهم أكثر من أموالهم ، وخرجهم أكثر من دخولهم. وسمّوا مفلسين لأنهم صاروا من ذوى الفلوس بعد أن كانوا من ذوى الجنيهات والدنانير ، إشارة إلى أنهم صاروا لا يملكون إلا أدنى الأموال ـ وهى الفلوس ؛ أو أنهم مفلسون لأنهم منعوا التصرف إلا فى الشيء التافه وهى الفلوس ، أو لأنهم صاروا إلى حالة لا يملكون فيها فلسا ـ أى مليما أو قرشا. والغارمون والمفلسون لهم نصيب من بيت المال ، وهو شىء ينفرد به الإسلام دون سائر القوانين الوضعية أو الشرعية للملل الأخرى بشرط أن لا تكون ديونهم من سفاهات ، وأن تكون محيطة بهم تستغرق أموالهم. والغارم أو المفلس : إن لم يكن له مال ، أو كان دينه أكبر من ماله ، فهو فقير وغارم معا فيعطى من بيت مال المسلمين بالوصفين. وفى الرواية أن أحدهم أصيب فى ثمار ابتاعها فكثر دينه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تصدّقوا عليه» ، من باب أن المسلمين متكافلون ، فتصدّق الناس عليه ، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه ، فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لغرمائه : «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» ، وهو مبدأ قانونى فى أحكام التفليس. ويجوز أن يعطى المتحمل فى الصلاح والبرّ من بيت المال ما يؤدّى ما تحمّل به وإن كان غنيا ، بشرط أن يكون ما تحمّله يجحف بماله كالغريم. وكان قبيصة بن مخارق قد تحمّل حمّالة ـ وهى أن يضمن إنسانا فى دين ، أو يدفع عنه دية ـ فأتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسأله فيها ، فقال له : «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك

١١٦٢

بها» ، ثم قال : «يا قبيضة ، إن المسألة لا تحلّ إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمّل حمّالة ، فحلّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله ، فحلّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ؛ ورجل أصابته فاقة ، حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه (أى أصحاب الرأى والسداد) : لقد أصابت فلانا فاقة فحلّت له المسألة ، حتى يصيب قواما من عيش. فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا» يأكلها صاحبها سحتا» أخرجه مسلم ، والسّحت هو الحرام. وروى عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : ذى فقر مدقع ، أو لذى غرم مفظع ، أو لذى دم موجع» ، والفقر المدقع هو الشديد ، والمفظع يعنى الشنيع ، وذو الدم الموجع الذى عليه دية. والغارم من هؤلاء هو الذى عليه دين ، سواء من تجارة ، أو من غرامة ، والدولة تدفع عن الغارم ، للنصّ الشرعى القرآنى فى الآية ، وحتى الغارم الميّت تتولى الدولة الدفع عنه ، للنصّ الشرعى فى الحديث : «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه : من ترك مالا فلأهله ، ومن ترك دينا أو ضياعا (يعنى العيال يتهددهم الضياع والهلاك) فإلىّ وعلىّ». ولعمرى إنه لأعظم نصّ إنسانى فى التاريخ! ومن أعظم ما سنّته الشريعة الإسلامية أنه فى أحكام الإفلاس ، بالحجر على المفلس والتصرف بالبيع فى ماله ، يترك له مسكنه الذى يقطن فيه وأولاده ، ولا يخرج منه ، فإن كان السكن فيلا مثلا أو قصرا ، تصرّف السنديك المشرف على بيع مال المفلس ، فاشترى سكنا بسيطا له ولأولاده يناسب أحواله الجديدة ، ولا يخرجه من سكنه القديم إلا بعد إعداد السكن الجديد وانتقاله إليه. وأكثر من ذلك يترك له السنديك ما يفى بحاجاته إن كان شيخا أو من ذوى الهيئات ، إلا أن يكون قادرا على الكسب بما يفى بنفقته وأولاده ، فإن كان كسبه دون ذلك كمّله له ، وتقدّم نفقة الزوجة والأولاد والأبوين والأخوات على حقوق الغرماء عند توزيع أموال التفليسة. وإذا كان المفلس متوفى ترك السنديك للعيال ما يكفيهم ويقوم به معاشهم. ويقسّم حاصل بيع مال المفلس «قسمة الغرماء» ، فيحصل كل غريم منهم بقدر دينه ، وعندئذ ينفك الحجر عنه بحكم القاضى ، وإن ثبت إعساره لم يكن لأحد مطالبته وينفك الحجر عنه فى كل الأحوال.

وللمفلس فى مجال الأخلاق تعريف لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «أتدرون من المفلس؟» قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال : «إن المفلس من أمّتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتى قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ، ثم طرح فى النار». أخرجه مسلم.

* * *

١١٦٣

٢٣٠٩ ـ المساقاة والمزارعة من العقود

المساقاة : أن يدفع صاحب الأرض أرضه إلى آخر ليقوم بسقى شجرها ، وعمل سائر ما يحتاج إليه نظير جزء معلوم له من نتاجه ، والأصل فى جوازها السنّة والإجماع ، ويستثنى الشجر الذى لا ثمر له كالصفصاف فلا تجوز المساقاة عليه. والمساقاة من العقود الجائزة أو اللازمة ، ومدة العقد يتّفق عليها ، وأقلها ما تكمل به الثمرة ، ولا تصحّ المساقاة إلا على جزء معلوم من الثمر مشاع ، كالنصف ، والثلث ، ويد العامل فيها يد أمانة ، والقول قوله فيما يدّعيه من هلاك وما يدّعى عليه من خيانة ، وإن اتّهم أحلف. ويلزم العامل صلاح الثمر وزيادته ، ويلزم ربّ المال ما فيه حفظ الأصل ، وضريبة المال. وأما المزارعة : فهى أن يدفع المالك الأرض لمن يزرعها أو يعمل عليها والزرع بينهما ، وحكم المزارعة هو حكم المساقاة فى جوازها ولزومها ، وما يلزم العامل والمالك ، ويجوز أن يكون جزء من الأرض مساقاة شجر ، وجزء مزارعة فى المسافات بين الشجر ، وإن قال المالك زارعتك الأرض بالنصف ، وساقيتك على الشجر بالربع جاز ؛ وتصحّ المزارعة إذا كان البذر على المالك والعمل على العامل ، ويجوز أن يكون البذر من العامل ، والمهم أن لا يجهل نصيب أيهما من المحصول. وزكاة الزرع فى المزارعة ، أو الثمر فى المساقاة على المستأجر والمالك بقدر حصة كلّ لو بلغت النصاب ، وهى العشر فى النبات الذى يسقى بغير مئونة ، كأن يسقى من النهر أو المطر ، ونصف العشر فيما يسقى بالمئونة كالسواقى والمواتير.

* * *

٢٣١٠ ـ القضاء

للقضاء معان فى اللغة ، منها الإتمام ، كقوله تعالى : (إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها) (٦٨) (يوسف) أى أتمها ، ومنها القتل ، كقوله : (فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (١٥) (القصص) ؛ ومنها الحكم كقوله : (وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِ) (٢٠) (غافر) ، وهذا المعنى الأخير هو الذى أفرد له أهل الفقه بابا خاصا هو باب القضاء ، يريدون به حكم الشرع بالعدل والحق بين المتخاصمين ، قطعا للخصومة ، ورفعا للنزاع ، ومنعا للظلم ، وتكلموا فى هذا الباب عن الأحكام وشروطها ، وما يتعلق بها وتقوم به ، كالإقرار ، والشهادة ، واليمين أو النكول عنها ، والاستفاضة أو القرائن.

والقاضى : هو المنوط به الفصل فى القضايا ، تقول : قضى بين الخصمين ، وقضى له أو عليه ، أى حكم له أو عليه ؛ وقاضى القضاة هو رئيسهم ، والقضية اسم من قضى ، والجمع قضايا ، والمفتى بخلاف القاضى ، وهو الفقيه الذى يعطى الفتوى ، وقد تأخذ بها أو لا

١١٦٤

تأخذ بها ، وأما الحكم الذى يصدره القاضى فهو نافذ المفعول. ولا تعنى الفتوى وجود خصومة ، ولكنها استيضاح لرأى الدين ، من أفتى إفتاء فى المسألة ، أى أبان الحكم فيها وأخرج له فيها فتوى.

والمجتهد : هو من يستدل على الحكم ؛ فى حين أن المفتى يبيّن الحكم ؛ والقاضى يلزم بالحكم ؛ وأما الفقيه : فهو العالم بالحكم عن دليله ، والجمع فقهاء ، من فقه أى علم وفهم. وصفات الجميع : القاضى ، والمفتى ، والمجتهد ، والفقيه ، واحدة ، والتغاير بينهم بالحيثية ، فالشخص الجامع لهذه الصفات باعتبار حكمه على الأفراد بالأحكام يسمى قاضيا ، وباعتبار إخباره عن الحكم يسمى مفتيا ، وباعتبار استدلاله عليه يسمى مجتهدا ، وباعتبار علمه به يسمى فقيها.

ومن أقواله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «القضاة ثلاثة : قاضيان فى النار ، وقاض فى الجنة : قاض قضى بالحق فهو فى الجنة ، وقاض قضى بالهوى فهو فى النار ، وقاض قضى بغير علم فهو فى النار» ؛ وقال : «القاضى على شفير جهنم» ، وقال : «من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين». والقضاء من فروض الكفايات ، كالجهاد ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ونصره المظلوم ، فإذا قام به البعض سقط عن الكل ، وإن تركه الكل أثموا ، وقد يصير واجبا عينيا إذا رفضه الكل ودعت إليه الحاجة ، ولذلك تولاه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم معلّما ، وتولاه قبله الأنبياء ، فكانوا يحكمون لأممهم ، وكان يقال : أعلم الناس بالقضاء أشدّهم له كراهة. ومن شروط القاضى : العقل والبلوغ ، وأما الإسلام فاستدلوا على شرطيته بقوله تعالى : (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (١٤١) (النساء) ، ومن ثم لا ينبغى التحاكم إلى أهل الجور.

والعدل من أهم الشروط فى القاضى ، ولا يجدى العلم بدون العدل ، ومن العدل أن تجتمع للقاضى صفات الكمال الخلقى (بالكسر) والخلقى (بالضم). والقاضى الكامل : من تمّت صفاته ؛ وكماله فى خلقته : أن يكون متكلما ، سميعا ، بصيرا ؛ وكماله فى خلقه : أن يكون عادلا ، فلا يجوز تولية من له سوابق فى الظلم ، أو من كانت له سيرة حياة يتسم فيها بالعنف ، أو الحيد عن الحق. ولا يجوز أن يتولى القضاء الفاسق ، ولا أولاد السفلة ، ولا من فيه نقص يمنع الشهادة. ومن الكمال أن يكون القاضى من أهل الاجتهاد ، ويقتضى ذلك منه أن يعلم القانون والشريعة ومصادرهما ، وأن يكون عارفا بالدين وملما بالعرف ، ومحيطا بالسوابق القضائية ، ومجيدا للاستنباط والقياس ، ومبينا فى لغته ، وقويا من غير عنف ، ولينا من غير ضعف ، لا يطمع القوى فى باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، وأن تكون العفة ، والورع والنزاهة ، والحلم ، والتأنّى ، والفطنة ، واليقظة من

١١٦٥

سجاياه ، فلا يؤتى فى غفلة ، ولا يخدع لغرة ، ويكون ذا هيبة إذا أوعد ، ووفاء إذا وعد ، وصدوقا إذا نصح ، وصادقا إذا أشار ، ولا يعيّن بالواسطة ، ولا يختار إذا زكّى نفسه وسعى للمنصب ، ويسبق تعيينه اختبار لياقة ، فإذا اختير فعلى المسئولين أن يستقسموه أن يتولى عمله بنزاهة واقتدار ، وأن ينأى بنفسه أن يكون جبّارا أو عسوفا يقطع ذا الحجة عن حجته ، ولا يستنكف عن سؤال أهل العلم ، وتحرّى شهادة الشهود ، فإذا عرف عنه الفسق ، أو زوال العقل ، أو أصيب بمرض يمنعه من القضاء ، أو اختلفت فيه بعض شرائط القضاء ، فإنه ينعزل. ويجوز له عيادة المرضى ، وشهود الجنائز ، وزيارة الإخوان والصالحين من الناس ، بشرط أن لا يخل ذلك بواجبات وظيفته ، أو ينقص من هيبته ، ولا يشتغل بالتجارة ، ولا يلبى الولائم إذا كثرت ، ولا أن يشارك فى انتخاب إلا ما يخص عمله ، ولا أن يقبل الهدية ، وتحرم عليه الرشوة ، وراشيه ملعون. ويكره من القاضى أن يفتى ، ويستحب له حضور أهل العلم مجلسه ، وأن يشاور الموافقين والمخالفين ، ويسألهما عن حجّتهما ، ولا يحكم إلا عن بيّنة وإقرار ، وقد يحتاج الأمر إلى أن يقضى باليمين مع الشاهد ، فإذا قضى فيلزم أن يكتب صيغة الحكم مبيّنة.

* * *

٢٣١١ ـ الدعوى

الدعوى : هى مطالبة شخص شخصا آخر بحقّ يدعيه عليه ، وقد يكون هذا الحق عينا ، أو دينا ، أو خيارا ، أو شفعة ، أو بنوة ، أو زوجية ، أو جناية ، إلخ ، وأركانه ثلاثة : المدّعى ، والمدّعى عليه ، والمدّعى به. والدعوى فى القرآن هى المطالبة ، كقوله تعالى : (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (٧٣) (الحج) ، والطالب : هو المدّعى ، وهو من يلتمس بقوله أخذ شىء من غيره ، أو إثبات حقّ فى ذمته ؛ والمطلوب : هو المدّعى به ، يطلبه المدّعى من المدّعى عليه ، ملكا ، أو استحقاقا ، أو صفقة أو نحو ذلك ، ولا تصحّ الدعوى إلا من حائز التصرف ، ويشترط فيه : العقل ، والبلوغ ، والرشد ، وأن تكون الدعوى لنفسه أو لمن له الدعوى عنه ، بالولاية ، أو الوكالة ، أو الوصاية ، أو القيمومة ، أو الأمانة ، أو الحسبة ، بمعنى أن يكون المدّعى «صاحب مصلحة» على نحو من الأنحاء ، فإن لم تكن له علاقة من أى وجه فلا تسمع دعواه ، وتسمى هذه الدعوى تبرعية. والقول المشهور فى الدعاوى : البيّنة على من ادّعى ، واليمين على من أنكر ، وقد تكون البينة بالعكس ، بأن يظهر المدّعى عليه بالبينة عكس الادعاء ، كأن تدّعى امرأة أنها زوجة رجل ، فينكر ويقيم البينة على أنها زوجة آخر. وكذلك يشترط فى المدّعى عليه : العقل ، والبلوغ ، والرشد. ويشترط فى المدّعى به

١١٦٦

أن يكون معلوما ، ومعقولا ، ويصحّ تملكه ، فلا تسمع دعوى دين القمار ، ودين الربا ، أو أى شىء محرّم ، وعموما لا تجوز الدعوى العقيمة غير المنتجة ، كالادعاء بدين على ميت لا ميراث له ولا ورثة. وللمفلس حق إقامة الدعوى كغيره ، وله أن يدّعى حقا له به شاهد عدل. ولا يسمع القاضى الدعوى إلا محرّرة ، فإن كان المدّعى به أثمانا فينبغى أن يذكر المدّعى فى صحيفة الدعوى نوعها وقدرها ، وإن كان يمينا ضبطها بالصفات وبقيمتها ، وإن كان عقارا يبيّن موضعه وحدوده ، وإن كان زوجة يذكر شروط زواجه منها ؛ وإن ادعت امرأة الزواج برجل ذكرت حقوقها كالصداق والنفقة ونحوها ، ويثبت لها ما تدعيه بالبيّنة ، فإن ادّعت ملكية الأثاث ونازعها الرجل أو ورثته فى دعواها ، ولم تكن لها بينة ، حكم له أو لهم بما يصلح للرجال ، ولها بما يصلح للنساء ولأولادها منه ؛ ومن ادّعى زوجية امرأة فأنكرته ، ولم تكن له بيّنة فرّق بينهما.

* * *

٢٣١٢ ـ دعوى الزواج

إذا ادّعى رجل زوجية امرأة فأنكرت ، أو إذا ادّعت هى ذلك فأنكر ، فعلى المدّعى البيّنة وعلى المنكر اليمين ، ويفرّق بينهما إن لم يقدّم أيهما بيّنة. وإذا حلف المنكر وحكم القاضى بنفى الزوجية ، أو أهملت الدعوى ولم يحصل فيها البتّ سلبا ولا إيجابا ، فعلى المدّعى أن يلتزم بأحكام الزوجية وآثارها التى استدعاها الإقرار والاعتراف ، لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ، غير أن النفقة لا تجب عليه لعدم التمكين الذى هو شرط فى وجوبها. وإن كانت المرأة هى المدّعية ، فلا يجوز لها أن تتزوج بغيره ، ولا أن تفعل ما يتوقف على إذن الزوج. وإن رجع مدّعى الزواج عن دعواه وأنكر الزواج فإنكاره جائز لأنه جاء وفق ما يقوله الغير ولم يزاحمه حقه. وإذا أقرّ منكر الزوجية بها صحّ إقراره وقبل منه ، لأن الإقرار بعد الإنكار لا يزاحم حق المدّعى. ويثبت الزواج بالمعاشرة مع البيّنة ، فإن عجز المدّعى عن إقامة البيّنة يحلف المنكر وتردّ الدعوى ، وإن كان ذلك لا يتضمن الحكم بفساد المعاشرة. وحمل المعاشرة على الصحة لا يثبت وجود العقد ، ولكنه يستلزم الحكم بأن الأولاد شرعيون ، لأن المعاشرة إما عن زواج وإما عن شبهة ، ولكنه يستلزم الحكم الزواج فى كل الآثار الشرعية ، ولذلك إذا ادّعت امرأة على رجل بأنه زوجها ووالد أولادها ، فأنكر الزوج واعترف بالولد ، يقبل منه ، إذ من الممكن أن يكون عن شبهة. والأصل فى مدعى الزواج الإشهار. وإذا ادّعى رجل على امرأة متزوجة بأنه عقد عليها قبل الثانى فلا تسمع دعواه إلا مع البيّنة.

* * *

١١٦٧

٢٣١٣ ـ موانع عقد الزواج

الشروط فى المرأة التى يراد العقد عليها : أن تكون محلا صالحا للعقد ، وأن تتحلّى بالعقل ، والبلوغ ، والرشد ، وأن تخلو من الموانع ، ومنها ما هو بالنسب وما هو بالسبب ، ومن السبب ما يوجب التحريم المؤبد ، كزوجة الأب والابن ، ومنه ما يوجب التحريم المؤقت ، كأخت الزوجة. ومن حرّم القرآن والسنّة العقد عليهن : المرأة يزنى بها ؛ وامرأة الأب ؛ والأم ؛ والبنت ؛ والأخت ؛ والعمّة ؛ والخالة ؛ وبنت الأخ ؛ وبنت الأخت ؛ والأم بالرضاع ؛ والأخت بالرضاع ؛ وأم الزوجة ؛ والربيبة فى رعاية أمها المدخول بها ، فإن لم يدخل بأمها لم تحرّم البنت ؛ وزوجة الابن ؛ وأخت الزوجة ؛ والملاعنة بعد اللعان ؛ والمعتدّة ؛ والمحرمة ؛ والمطلقة طلاقا بائنا ؛ والمشركة حتى تؤمن ؛ والمرأة يتزوجها على عمّتها.

والمصاهرة علاقة تحدث بعد الزواج ويحرم بها بعض أقارب الزوجة أو الزوج ، فتحرم زوجة الأب على الابن مؤبدا وإن نزل بمجرد العقد ، بقوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) (٢٢) (النساء) ؛ وزوجة الابن على الأب مؤبدا وإن علا بمجرد العقد ، بقوله تعالى : (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) (٢٣) (النساء) ؛ وأم الزوجة وإن علت بقوله تعالى : (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) (٢٣) (النساء) ؛ وبنت الزوجة المدخول بها ، بقوله تعالى : (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ) (٢٣) (النساء) ؛ والجمع بين الأختين ، بقوله تعالى : (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) (٢٣) (النساء) ؛ والجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها ؛ ولا يحرم الجمع بين ابنتى العم وابنتى الخال. وليس للرجل أن يجمع أكثر من أربع زوجات بقوله تعالى : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) (٣) (النساء) ، ولا أن يتزوج ابنته ، ولا أخته ، ولا بنت أخته ولا أخته من الزنا ، فالوطء الحرام المحض هو الزنا ، وتثبت به حرمة المصاهرة ؛ والتلوط بالمرأة ، أى إتيانها فى الدبر ؛ والتلوط بغلام ؛ ووطء الميتة ، ووطء الصغيرة ـ لا تحرم بأىّ من ذلك المصاهرة. ولا يحرّم النظر واللمس المصاهرة ؛ وكل امرأة محرّمة فى النكاح تحرم ابنتها ؛ ومن طلق زوجته طلاقا رجعيا يبقى بحاله تحريم أختها ونحوها ، وكذا أن ينكح خامسة ، وكذلك إن كان طلاقه بائنا أو فسخا ، حتى تنقضى عدّة مطلقته. ولا يحرّم النكاح نقص الكفاءة بين الزوجين ، وكفى بكفاءة الإسلام جامعا من غير فرق. ، ولا نحسب أن ذلك صحيح فالقدرة على النكاح شرط أساسى فى الزواج ، ولا زواج بدون ذلك. ومن شروط الكفاءة وصحة الزواج القدرة على الإنفاق ، وفى قوله تعالى : (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) (٣٢) (النور) أن الفقر لا يعنى دائما عجزا عن الإنفاق. ويحرم فى الإسلام نكاح الشغار : وهو أن يقول أحد الوليين : زوّجتك ابنتى

١١٦٨

أو أختى ، على أن تزوّجنى ابنتك أو أختك وإن سمّيا صداقا. وفساد النكاح يتأتى بالشرط الفاسد. ولا يجب الحدّ بالوطء فى نكاح الشغار ، وفى كل نكاح مختلف فيه ، كنكاح المتعة ، ونكاح التحليل ؛ وكل نكاح يجتمع على بطلانه ، كنكاح الزوجة الخامسة ، إذا وطئ فيه عالما بالتحريم ، فهو زنا موجب للحدّ. ونكاح التحليل فاسد يثبت فيه سائر أحكام العقود الفاسدة.

* * *

٢٣١٤ ـ الشركة وأنواع الشركات

الشركة فى اللغة هى اجتماع حقوق الملّاك فى الشيء الواحد على سبيل الشياع فيه ، وقد يكون سبب ذلك اضطراريا ، كالإرث ، كقوله تعالى : (فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ) (١٢) (النساء) ، أو اختلاط الأموال من غير قصد ، اختلاطا لا يمكن الفصل معه بينهما. وقد يكون السبب اختياريا ، كما إذا اشترك اثنان فى شراء أرض ، أو قبلاها من الغير بالهبة أو الوصية ، وتسمى هذه الشركة شركة الملك ، وشركة الشيوع أيضا ، لأن المال المشترك يكون للجميع ، ولا يتصرف أحد الشريكين إلا بإذن الآخر ، وله أن يطالب بالقسمة.

والنوع الآخر من الشركات هو شركات العقود ، ومنها شركة العنان ، وتكون فى الأموال ، ولكل شريك من الأرباح والخسارة على قدر حصته من رأس المال ، وسميت بشركة العنان لأن الشريكين يتساويان فى التصرف لتساويهما فى رأس المال ، كالفارسين إذا استويا فى السير ، فإن العنانين يكونان سواء. والعنان : هو سير اللجام للفارس ، سمّى بذلك لأنه يعترض الفم فلا يلجه ، من عنّ أى ظهر واعترض. وشركة العنان إذن أساسها الوكالة والأمانة ، ومن شروط صحتها أن كل شريك يأذن لصاحبه فى التصرف ، فإن أذن له مطلقا فى جميع التجارات تصرّف فيها ، وقد يفوّض شريكه فى جميع أنواع التصرف ، بأجرة أو بدون أجرة ، وليس لأحدهما خلط مال الشركة بماله ولا مال غيره ، ولا أن يستدين على مال الشركة ، أو يقرض ، أو يجابى منه ، أو يسقط دينا عن غريم ، ولا أن يبيع أن يشترى نسيئة ، ولا أن يرهن أو يرتهن بلا إذن ، ولا أن يقر على مال الشركة ، ولا أن يضارب به.

ومن الشركات شركة الأبدان : وهى أن يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبونه بأبدانهم أى بمجهودهم ، وقد تكون لهم حرفة أو مهنة واحدة ، كالمحامين ، أو تكون لهم حرف أو مهن مختلفة متكاملة كالمحامين والمحاسبين. وتنعقد الشركة على ما يتقبلان من عمل ، والأجرة

١١٦٩

بينهما على ما يشترطان. وما يتقبّل الشركاء من الأعمال فهو من ضمانهم ، ويطالب به كل واحد منهم ، ويلزمه عمله ، وما يتلفه أيهم أو يقصّر فيه مما هو من اختصاصه وتحت يده ، فعليه وحده ، وجواز هذه الشركة مرهون بما يتفق عليه الشركاء ، وتقسّم الأرباح بحسب تعاقدهم سواء بالمساواة بينهم أو متفاضلين.

ومن الشركات : شركة المفاوضة : يعنى أن تكون الشركة بين شركاء قد فوّضوا بعضهم البعض فى كل الاختصاصات ، وبذلك يجمع هذا النوع من الشركات بين كل أنواع الشركات : العنان ، والأبدان ، والوجوه ، فيلتزم كل منهم بالغنم والغرم معا ، ويلزم كل واحد منهم فى ماله الخاص ما يلزم الآخر أرشا أو ضمانا. وهذه الشركة باطلة بالإجماع ، لأن لكل نفس ما كسبت ، وعليها ما اكتسبت.

ومن الشركات : شركة الوجوه : وهى أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يشتريان ، بجاههما وثقة التجار بهما ، باعتبارهما من وجوه القوم أو الأعيان ، من غير أن يكون لهما رأس مال ، على أن يقتسما ما يشتريان ويبيعان ، ويكون الربح بينهما ، وذلك كله يحسب ما يشترطان من شروط ، وكل منهما وكيل عن الآخر وبمنزلة شريكى العنان.

ومن شروط الشركات : أن تنصّ عليها صيغة قيام الشركة ، بما يدل على أن الشركاء قد قبلوا المشاركة ؛ وأن يكونوا أهلا للتوكيل ، لأن كل شريك سيكون وكيلا عن صاحبه وموكلا له ؛ وأن يكون محل الشركة مالا من الشركاء ، وموجودا بالفعل ، وأهلا للالتزام به شرعا ، فلا يصح أن يحدثا شركة على مال فى الذمة ، ولا فى الخمر أو الخنزير ؛ وأن تمتزج الأموال فلا يمكن الفصل بينها ، والمزج شرط فى الصحة ، فإن لم يخلطوه لم تصحّ الشركة ، والمزج وحده لا يكفى ما لم يكن بقصد إقامة الشركة وإرادتها ، وإن قالوا فى العقد «اشتركنا» ، كانت الشركة بالعقد ، وإلا فهى شركة بالمعاطاة. ومتى توافرت للشركة جميع ما يعتبر فيها صحّت وترتبت عليها أحكام الشركات ، ومنها أن للشريك أن يرجع عن الشراكة ويطالب بالقسمة متى شاء ، لأن الناس مسلّطون على أموالهم ؛ ومنها إفراز أملاكهم عن أملاك الغير ؛ ولا يجوز لأحد الشركاء التصرف فى مال الشركة إلا بإذن شركائه ، لحرمة التصرف فى مال الغير ، ومجرد الاشتراك لا يدل على إباحة التصرف فى مال الشريك. وإذا أطلق الشركاء العقد ولم يبينوا مقدار الأسهم ، يقسّم الربح على أصحاب الأموال بنسبة أموالهم. ولا تنتهى الشركة إلا بالقسمة ، أو تلف المال ، وينتهى الإذن بالتصرف بانتهاء الشركة ، وإذا مات أحد الشركاء تنتقل حصته إلى ورثته.

* * *

١١٧٠

٢٣١٥ ـ المضاربة والقراض

المضاربة فى الشرع : هى أن يتفق اثنان على أن يكون المال من أحدهما ، والعمل بهذا المال فى التجارة من الآخر ، على أن يكون الربح بينهما ، من قوله تعالى : (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ) (٢٠) (المزمل) ؛ وفى الاقتصاد : هى عملية البيع أو الشراء يقوم بها الخبراء فى السوق للانتفاع من فروق الأسعار. وتسمى المضاربة أحيانا قراضا ، ومقارضة ، تقول : قارضه أعطاه مالا ليتّجر فيه ويكون الربح بينهما على ما يشترطان. والقرض الحسن فى قوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ) (٢٤٥) (البقرة) ، هو الدّين بلا ربح ، وتقول : ضرب لفلان ماله ، أى اتّجر له فيه نظير حصة من الربح ، أو اشترى فى الرّخص وتربّص حتى يرتفع السعر ليبيع ، فلو هبط السعر حدثت الخسارة ، وهذه هى المضاربة. ووجه التسمية بالقراض أن معنى القرض : القطع ، تقول قرضت الشيء أى قطعته ، وصاحب المال فى القراض أو المضاربة أو المقارضة ، يقتطع قدرا من ماله ، يسلمه إلى العامل ، والفرق فى المعنى بين المصطلحات الثلاثة : أن الربح فى المضاربة بين الشريكيين ، فإن اتفقا على أن يكون الربح للعامل والخسارة عليه ، ولا شىء للمالك إلا رأس المال فهو قرض ويعرف أيضا باسم الدّين ، وإن اتفقا على أن الربح للمالك والخسارة عليه ، ولا شىء للعامل إلا أجرة المثل أو الأجر المسماة فهو بضاعة.

ودليل المضاربة من القرآن قوله تعالى : (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ) (٢٨٢) (البقرة) ، وفى الرواية أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أجازها ، والمضاربة على ذلك غير لازمة ، ويجوز لصاحب المال والعامل عليه العدول عنها ، سواء تحوّل المال إلى سلعة أو لم يتحوّل ، وحصل الربح أو لم يحصل ، واشترط فيها وقت معين أو كانت مطلقة. ويشترط فى المضاربة الإيجاب من المالك ، والقبول من العامل ، بشرط أن يكونا بالغين ، عاقلين ، مخيّرين ، ولا يكون مال المضاربة دينا ، ويكون معلوما ، لأن الجهل به يستدعى الجهل بالربح ، وهو بينهما ، والوضيعة على المال ، وليس بشرط أن يوزّع الربح بمقدار رأس المال ، فقد يتفق الشريكان على غير ذلك. وفى المضاربة المحصنة يكون العمل كله من المضارب ، والمال كله من الشريك الآخر ، فإن اشترك العامل بمجهوده وماله صحّ وتكون مضاربة وشركة. وحكم المضاربة كحكم شركة العنان فى أن كل ما جاز للشريك فى شركة العنان أن يفعله ، فللعامل فى المضاربة أن يفعله ، وما منع منه شريك العنان يمنع منه المضارب ، وإن اشترط الشريكان أن لا يضارب بالمال فى الخارج ، أو فى بلد معين ، أو أن لا يتاجر إلا بنوع خاص من السلع ، أو أن لا يبيع إلا نقدا ، لم تجز مخالفته ، وليس له أن يبيع بأقل من

١١٧١

ثمن المثل ، ولا يشترى بأكثر منه ، وله أن يشترى المعيب إذا كان فيه مصلحة ، وليس له أن يشترى بأكثر من رأس المال ، ولا أن يخلط ماله الخاص به ، ولا يشترى محرّمات كالخمر والخنزير. والخسارة فى مال المضاربة على المال خاصة وليس على العامل منها شىء ، إلا لو اتفقا على غير ذلك ، كالحديث : «المؤمنون عند شروطهم» ، والآية : (تِجارَةً عَنْ تَراضٍ) (النساء). وتنقضى المضاربة بتلف رأس المال ، وتنفسخ بالموت ، ويقوم الورثة أو الوصى مقام الميت ، وتقدّم حصة العامل على الغرماء. والعامل أمين فى المال ، ولا يضمن شيئا مما يطرأ عليه إلا مع التعدّى أو التفريط. وإذا انتهت المضاربة أثناء العمل ، وقبل حصول الربح ، يعود المال إلى صاحبه ، ولا شىء على العامل أو عليه ، وإذا انتهت بعد العمل وكان فيها ربح ، يأخذ العامل حصته حسب الشرط ، والباقى للمالك.

* * *

٢٣١٦ ـ الشفعة

الشّفعة بخلاف الشفاعة ، والأولى فى الشركة وهى استحقاق أحد الشريكين حصة شريكه بسبب انتقالها بالبيع ، على أن يتملكها من المشترى ، رضى أو لم يرض ، ومثال ذلك أن يشترك اثنان فى عقار ، فيبيع أحدهما حصته المشاعة لثالث ، فللشريك الثانى أن يتملك الحصة المبيعة من المشترى جبرا عنه بما لزمه من الثمن. والشفعة من شفع أى زاد ، لأن الشفيع يضم المبيع ملكه فيشفعه به ، كأنه كان واحدا وترا ، فصار زوجا شفعا. كذلك الشفاعة ، فأن تشفع لفلان أو فيه هو أن تزيده وتعينه وتسعى له ، فكأنه قد صار اثنين يؤيدان مطلبه ، ويسمى من يتشفّع شفيعا ، والجمع شفعاء ، والآخر مشفوعا له ، والذى يقبل الشفاعة المشفّع ، والمقبول الشفاعة المشفّع. وأما فى الشفعة فالشريك الذى يطالب بها هو الشفيع ، والمشترى الذى اشترى من الشريك الآخر المشفوع منه ، والعقار المبيع المشفوع به. وفى القرآن قوله تعالى : (شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ) (٩٤) (الأنعام) ، وقوله : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ) (١٣) (الروم). وفى الرواية أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قضى بالشفعة بين الشركاء فى الدّور والمساكن والأراضى ، وهى إذن تثبت فيما يقبل القسمة ، وتنفى عمّا لا يقبل القسمة ، وفى الخبر أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا شفعة فى سفينة ، ولا نهر ، ولا طريق ، ولا رحى ، ولا حمّام» ، وفى رواية أخرى قال : «ليس فى الحيوان شفعة» ، وفى رواية ثالثة قال : «لا تكون الشفعة إلا فى الأرضين والدور».

ولا شفعة للجار ، لأنها مخصصة بالشريك ، إلا إذا كان شريكا فى المرافق فيسمى خليطا للآخر ، فإذا باع أحدهما عقاره منضما مع الطريق المشترك بينهما ، فلجاره الأخذ بالشفعة ، على أن لا يكون الشريك وقفا ، لأن الوقف لا مالك له ، وإنما أربابه أشبه

١١٧٢

بالشفعة ، على أن لا يكون الشريك وقفا ، لأن الوقف لا مالك له ، وإنما أربابه أشبه بالمستأجر ، ويملكون المنفعة فقط ، فلا شفعة لهم. ويشترط فى الشفيع أن يكون شريكا فى العين ، فلا شفاعة لمستأجر ، ولا لجار ، ولا تجوز إلا بين شريكين لم يقتسما ، فأما لو اقتسما فلا شفعة بينهما ، وقد قضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالشفعة ما لم تورف ـ أى ما لم يقتسم العقار ويوضع الحد ؛ وأن يكون قادرا على دفع الثمن ، ووفيا غير مماطل. ولا تثبت الشفعة إذا تعدد الشركاء وزادوا عن الواحد. ولا يحل للشريك أن يبيع حتى يستأذن شريكه ، فإن باع ولم يأذن فلا حق له. ولا يملك الشفيع إلا بدفع الثمن ، ولا يتحمل أكثر من الثمن الذى دفعه المشترى للبائع ، وإن كان فى عقد البيع تأجيل الثمن أو الدفع بالأقساط فإن الشفيع يستفيد من ذلك ، وتثبت الشفعة على الفور لا على التراخى ، فإذا لم يبادر الشفيع بطلب الأخذ بالشفعة من غير عذر ، بطل حقه فيها.

* * *

٢٣١٧ ـ الغصب

الغصب : هو الاستيلاء على مال الغير قهرا بغير حق ، كقوله تعالى : (وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) (٧٩) (الكهف) ، ومن غصب شيئا لزمه ردّه إن كان باقيا ، فإن تلف لزمه بدله أو قيمته. ولا يزول ملك صاحب الشيء له لو غصب منه وتمّ التصرّف فيه ، ولا يصحّ أخذ الرهن به ، وإذا وجد المرتهن أن المرهون مستحق ، لزمه ردّه على مالكه ، والرهن باطل من أصله ، فإن أمسكه رغم علمه بأنه مغصوب ، ثم تلف فى يده ، استقر عليه الضمان ، ويجوز بيع المغصوب للغاصب. ويغصب العقار والدار بالاستيلاء عليه ، ويضمن بالإتلاف ؛ وزوائد المغصوب مضمونة فى يد الغاصب ، كثمار الشجر ، وتصرفات الغاصب فيما غصب كتصرفات الفضولى. ولا تقطع يد الغاصب. وغاصب الأرض عليه زكاة العشر.

* * *

٢٣١٨ ـ الإقالة

من «قلّ» بمعنى حمل ، وعلا ، و «أقلّ» الشيء رفعه ، ومن ذلك قوله تعالى : (حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) (٥٧) (الأعراف) والإقالة فى الشريعة : اتفاق المتعاقدين على نقد العقد وفسخه بعد إبرامه ، وردّ كل شىء إلى ما كان عليه قبل العقد ، وتصحّ قبل القبض وبعده ، وفى جميع المعقود عليه ، وفى بعضه دون بعض. ولم يأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لحكيم بن حزام فى تجارته حتى ضمن له إقالة النادم ، وإنظار المعسر ، وأخذ الحق وافيا وغير واف ، ويشترط فيها أن يكون بنفس الثمن المسمى دون زيادة أو نقصان.

* * *

١١٧٣

٢٣١٩ ـ التحكيم

التحاكم : هو التخاصم إلى حكم ، والحكم غير الحاكم ، فالحاكم قاض يحكم ويفصّل وحكمه نافذ ؛ والحكم صاحب رأى ، ومن أهل العدالة وحسن النظر ، وله الدراية والبصر ، واسم الحكم لذلك أبلغ من اسم الحاكم ، ولا يستحقه إلا من يفصل فى الأمور بالحق من غير تحيّز لأحد المتحاكمين ، والله تعالى وصف نفسه بأنه (خَيْرُ الْحاكِمِينَ) (٨٧) (الأعراف) ، وقال تعالى عن نفسه كحاكم : (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) (٨) (التين) ، وقال عن نفسه تعالى كحكم : (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً) (الأنعام) ، فجعل تسمية الحكم صفة تعظيم فى مدح ، بينما كانت تسميته تعالى بالحاكم صفة جارية على الفعل تحتاج إلى صفة أخرى لبيانها. وفى الشريعة يلجأ إلى الحكم من البشر فى المنازعات الدولية ، والمعاملات التجارية ، وفى الأحوال الشخصية ، ومن ذلك قول تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً) (٣٥) (النساء) ، وكأن كل واحد من الزوجين قد أخذ شقا غير شق صاحبه ، أى ناحية ، وهو المقصود بالشقاق ، أى الخلاف وتباعد العشرة والصحبة ، والحكم ينتدبه القاضى ، والحكمان عن كل واحد من الزوجين من أهلهما ، ولا يبعثان إلا مأمونين برضا الزوجين ، وعند ما تستنفد كل وسائل الصلح الأخرى ، وحكمهما قد يخالف حكم الزوجين ، ويجب أن يكون غيره ، فتتحقق به الغيرية. والآية دليل على إثبات التحكيم ، وليس كما يقول البعض أنه ليس لأحد التحكيم سوى الله تعالى ، فهذه كلمة حق يراد بها باطل. وتقسم الآية الأزواج ، ذكورا ، وإناثا ، تقسيما عقليا ، لأنهم إما على وفاق وإما على خلاف ، وأحدهما ناشز بالقطع. ولا يكون الحكمان إلا عاقلين ، بالغين ، عدلين ، مسلمين ، وهما ليسا وكيلين للزوجين ، لأن الله تعالى فى الآية يخاطب غير الزوجين إذا خافوا الشقاق بين الزوجين ، بإرسال الحكمين للتحقيق فى شقاقهما ، فإذا كان المخاطب غير الزوجين فكيف يكون ذلك بتوكيلهما؟ وإذن فهما ليسا وكيلين عن الزوجين ، ولكنهما محققان ، وما يتوصل إليه الحكمان يبلغان به القاضى ، إما ليحكم به ، أو ليسترشد به فى حكمه.

* * *

٢٣٢٠ ـ الصلح

الصّلح : هو المعاقدة للإصلاح بين المختلفين ، وعكسه الخصومة ، ومنه الصلح بين دولتين متحاربتين ، والصلح بين أهل العدل وأهل البغى ، والصلح بين الزوجين إذا خيف

١١٧٤

الشقاق بينهما. والصلح فى اللغة هو السلم ضد الحرب ، وهو اسم من المصالحة. وفى الاصطلاح الصلح : رفع الحرب على شروط تعرف بشروط الصلح. وفى التنزيل : (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) (١) (الأنفال) ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة»؟ قالوا : بلى ، قال : «إصلاح ذات البين. وفساد ذات البين الحالقة» ، ومعنى الحالقة القاضية التى تلغى كل الحسنات. والقائم بأمر الصلح بين الناس قد يلجأ إلى الكذب الأبيض ، وفى الحديث : «ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا» أو نمى خيرا» ، وعن أم كلثوم بنت عقبة قالت : ما سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يرخّص فى شىء من الكذب إلا فى ثلاث : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لا أعدّه كاذبا الرجل يصلح بين الناس ، يقول القول ولا يريد إلا الإصلاح ..» الحديث. وقد تعرض الدولة التدخل للصلح بين دولتين إسلاميتين ، أو بين فئات محلية متنازعة داخل نطاق سلطاتها ، وربما تكون هذه الفئات قد لجأت إلى القتال ، ولا يخلو الأمر معها فى اقتتالها : إمّا أن تقتل على سبيل البغى منها جميعا ، وإما أن تكون إحداها باغية ، كقوله تعالى : (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٩) (الحجرات) ، وفى الآية وجوب التدخل لفض النزاع بين فئات المسلمين ، فلا يتركون لشأنهم ليصل الأمر بينهم إلى القتال ، وإن استوجب الأمر التدخل المسلّح لردع الفئة الباغية المعلوم بغيها. وقد يقال لا ينبغى مدافعة البغى بقتال الدولة أو الفئة المسلمة ، لأن المسلم لا يرفع السلاح فى وجه أخيه المسلم ، كما فى الحديث : «قتال المؤمن كفر» ، والردّ على ذلك : أن المؤمن إذا ظلم بغى ، فإن قتاله ألزم ، وقد قاتل الصدّيق المسلمين الذين امتنعوا من الزكاة ، وميّز بين أن يقاتلهم وبين أن يقاتل الكفّار ، فأمر ألّا يتبع من يولى الأدبار ، ولا أن يجهز على جريح ، ولم يحلّ أموالهم ، وكذلك أمر علىّ ألا تسبى نساءهم ، وهو دليل على أن حرب المسلمين للمسلمين بخلاف حربهم مع الكافرين ، ولو كان الواجب فى كل اختلاف بين فئتين من المسلمين أن يترك الأمر لهم ، ونلزم منازلنا ، ونهرب بأنفسنا طلبا للسلامة ، لما أقيم حدّ ، ولا أبطل باطل ، ولاستعلى أهل النفاق والفجور واستحلّوا كل ما حرّم الله من أموال المسلمين وأعراضهم ودمائهم ، ولتحزّبوا عليهم ، وذلك مخالف لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «خذوا على أيدى سفهائكم». وهذه الآية ـ آية التدخل للصلح بين فئات المسلمين المتناحرة ـ أصل فى وحدة المسلمين ، وأنهم يد واحدة فى الحق. وليس على كل المسلمين أن ينهضوا بواجب التدخل ، لأنه فرض على الكفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. وقيل فى رأى أنه

١١٧٥

لا ينبغى أن يدفع المعتدى عوضا عمّا أتلف وقتل ودمّر ، حتى لا ينفر عن الصلح ويستشرى فى البغى ، وفى رأى أنه ينبغى أن يدفع العوض حتى لا يقتدى به آخرون ، والرأى الغالب أنهم يضمنون ، أى يدفعون العوض ، ويردّ ما كان قائما بعينه ، وهذا هو معنى الصلح بالعدل فى الآية ، بحسن الطباق المأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط ، وهذا هو أساس فكرة محكمة العدل الإسلامية ، والفكرة تدعو إليها الآية : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (١٠) (الحجرات) ، وأخوة المسلمين فى الدين والحرمة ، وهما أقوى من النسب والجنس ، وفى الحديث : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ...» الحديث ، وهذا هو معنى الأخوة ، ويترتب عليها واجب التدخل للصلح بين أى مسلمين يتخاصمان. ومثل ذلك الصلح بين الزوجين ، وأحرى بهما أن يتصالحا دون تدخل من آخرين ، كقوله تعالى : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (١٢٨) (النساء) ، والصلح الذى هو خير هو الصلح الحقيقى الذى تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف ، بينما التمادى فى الخصومة مدعاة للشحناء والمباغضة ، ومجلبة للشرّ ، وينبه القرآن إلى أن دافع الخصومات بين الأزواج هو فى الأصل الشّحّ يكون فى الزوج ، فينتقل من مجال الأموال والنفقة إلى المعتقدات والإرادة والهمم ، وإلى ذمّة الله تعالى ، كقوله تعالى : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٩) (الحشر) ، فإذا صار الشح إلى حيز منع الحقوق الشرعية ، أو التى تقتضيها المروءة ، صار بخلا ، والبخل مرذول ، وبه يصير الزوج على الأخلاق المذمومة والشيم اللئيمة ، فلا يبقى معه خير ترجوه زوجته ، ولا صلاح تأمله فيه. وتخاطب الآيات الأزواج ، من حيث أن بوسعهم أن يشحّوا وأن يحسنوا ، وتدعوهم أن يتّقوا الله فى عشرة النساء ، وذلك معنى قوله تعالى : «الصلح خير» ، وهو قول عام مطلق فى كل شىء ، ومن ذلك الصلح بين المتعاملين فى الأموال ، فقد يتصالحان على المعاوضة ، أو على الإبراء ، أو على الهبة ، بأن يعوض أحد المتخاصمين الآخر عما خسره ، أو أن يبرئه من بعض دينه على أن يعطيه الباقى ، فيتراضيان على ذلك ، أو أن يكون نزاعهما على عين ، فيتراضيان على أن يهبه نصفها ويعطيه بقيتها ؛ وقد تتصالح الزوجة مع زوجها فتتنازل له عن بعض حقوقها.

* * *

٢٣٢١ ـ الحجر

الحجر فى اللغة المنع والتضييق ، ومنه قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً) (٢٢) (الفرقان) ، والحجر المحجور هو الحرام المحرّم ، أى دخول الجنة على المشركين والكافرين ،

١١٧٦

وهى صيغة استعاذة كانت فى الجاهلية ، كقولنا بعد الشرّ ، بمعنى نعوذ بالله منكم أو من الشر ، فكان إذا لقى الرجل من يخافه يقول : حجرا محجورا. وفى قوله تعالى : (وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ) (١٣٨) (الأنعام) ، قيل : الحاء ثلاثية وفيها الكسر والفتح والضم ؛ وقيل : إن الحجر لغة فى الحرج وهو الضيق والإثم ، فيكون معناه الحرام ، ومنه فلان يتحرّج أى يضيّق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه من الحرام. ويسمى العقل حجرا لمنعه من القبائح كقوله تعالى : (هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) (٥) (الفجر) ، ويقال : فلان فى حجر القاضى ، أى فى حماه ، وحجرت على الصبى حجرا ، أى منعته التصرف. وقوله : «وحرث حجر» هو الحرث المحرّم على الناس ، لا يطعمونه إلا من يشاءون. والحجر اسم السورة الخامسة عشرة من القرآن ، وأصحاب الحجر فيها هم قوم صالح ، وكانوا بين الحجاز والشام ، وقيل أرضها أرض سخط لا تجوز الصلاة فيها ، غير أن الصلاة للمسلمين جائزة فى كل أرض ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا» ، ولما بنى مسجده صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذى أسّس على التقوى بناه فى مقبرة للمشركين.

والحجر بالمعنى الاصطلاحى بالفتح غالبا ، وهو منع الإنسان من التصرف فى ماله لسبب شرعى ، كقوله تعالى : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) (٦) (النساء) ، فبيّنت الآية أن السفيه ، وغير البالغ ، لا يجوز دفع مالهما إليهما ، ودلّت على ثبوت الوصىّ والولىّ والكفيل. والسفهاء : هم كل من يستحق الحجر ، ولهم أحوال ، فحال يحجر على السفيه لصغر سنّه وقلّة إدراكه وخبرته ؛ وحال لعدم عقله بجنون أو غيره ، وحال لسوء نظره لنفسه فى ماله. ويكون الحجر مرة فى حق الإنسان ، ومرة فى حق غيره ، فأما الذى فى حق نفسه كالصغير والمجنون فلا خلاف فى الحجر عليهما ؛ والكبير الذى لا يحسن النظر لنفسه فى ماله ، ولا يؤمن منه إتلاف ماله فى غير وجه ، وهو فى ذلك أشبه بالصبى ، ولا فرق بين أن يتلف ماله فى المعاصى أو فى القرب والمباحات. والمديان ينزع ما بيده لغرمائه ، وقد فعل عمر ذلك بأسيفع جهينة. والجاهل بالأحكام لا يدفع إليه المال لجهله بفاسد البيانات وصحيحها ، وما يحل وما يحرم منها. وقيل : إن المرأة ذات الزوج محجور عليها لحق الزوج ، وللحديث بشأنها : «لا يجوز لامرأة ملك زوجها عصمتها قضاء فى مالها إلا فى ثلثه» ، والكلام فى الحديث عن المرأة غير المتعلمة والتى ليست لديها خبرة بالحياة. وقيل : إن البكر ما دامت فى الخدر محجور عليها لقلة خبرتها ، وعدم درايتها ، ولأنها لا تحسن النظر لنفسها. وأثبتت الآية : (فَإِنْ كانَ الَّذِي

١١٧٧

عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً) (٢٨٢) (البقرة) الولاية على السفيه كما أثبتتها على الضعيف ، وهو الصغير ، بينما السفيه تنصرف إلى الكبير البالغ ، لأن السفه اسم ذمّ ، ولا يذم الإنسان على مال لم يكتسبه ، والقلم مرفوع عن غير البالغ ، والذمّ والحرج مرفوعان عنه. وقيل : أفعال السفيه قبل الحجر عليه ، لا تجاز ؛ وقيل : إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة ، وإن كان غير ظاهر السفه فلا تردّ حتى يحجر عليه. ولا يحجر على الراشد إلا أن يكون مفسدا لما له ، وقد طلب علىّ الحجر على عبد الله بن جعفر ، كما طلب عبد الله بن الزبير الحجر على عائشة. والآية دليل على أن المال هو مال الله ونحن مستخلفون فيه ، وللمجتمع فيه حق ، وذلك فى قوله تعالى : (الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً) (٥) (النساء) ، أى لمعاشكم وصلاح دينكم كمجتمع. ورزق المحجور عليه وكسوته فيهما وجوب نفقة المحجور عليه من ماله. وتستحب الشهادة على المحجور عليه وإعلان الحجر عليه ليتجنب الناس الشراء منه والبيع له ، ويتولى الأب أو وصيّه مال الصبى والمجنون فى الحجر. ومتى حجر على المفلس لم ينفذ تصرفه فى شىء ، وينفك الحجر عنه بقسمة ماله على الغرماء ويشبه المسنّ المختل ـ الصبى والسفيه ، وبيعه وشراؤه فاسدان. وإن أحرم المحجور عليه صحّ إحرامه ، وإن نذر عبادة بدنية لزمه فعلها ، وإن نذر صدقة مال لم يصحّ منه وكفّر بالصيام. ولا يقبل إقرار السفيه المحجور عليه بدين ، أو جناية خطأ أو شبه عمد ، أو إتلاف مال ، أو غصبه ، أو سرقته ، ويقبل منه إقراره بما يوجب حدّا أو قصاصا ، وإن أقرّ بنسب ولد قبل منه. وهذا رأى قديم غير مقبول حاليا ، فالسفيه غير مؤتمن على شىء. وقيل : إذا كانت له حاجة للزواج زوّج ، وللولى أن يأذن له فى التزويج فى حالة الحاجة فقط! ولا يجوز للولى تزويج المجنونة إلا إذا قال أهل الطب أن علّتها تزول بالتزويج ، أو إذا ظهرت منها شهوة للرجال ، والقول فى ذلك للمختصين. وقد يشمل الحجر المريض مرض الموت : وقد يتصرف فى ماله تصرفا معيبا ، أو يجبره الآخرون على ذلك ، أو يحصلون على توقيعه وهو لا يدرى ، ولذلك لا يجازى بيعه إلا فى حدود الثلث ، للحديث : «للرجل عند موته الثلث ، والثلث كثير» ، فإن كان التصرف مضرا بالورثة ومزاحما لحقوقهم ـ كأن يهب ، أو يحابى ، أو يبيع بأقل من ثمن المثل ، أو يتنازل ، أو يشترى بأكثر من ثمن المثل ، فللورثة الطعن فى التصرف. وإن كان التصرف لا يضر الورثة ، ولا يزاحمهم فى حقوقهم ، كأن يبيع بثمن المثل ، صحّ تصرفه ولزم ، حتى لو عارض الورثة ذلك.

* * *

٢٣٢٢ ـ الهبة

الهبة : فى اللغة التبرّع والتفضّل ، ومنه قوله تعالى : (وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ

١١٧٨

بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (٣٥) (ص) ، وهو تعالى «الوهاب» ، كقوله : (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) (٤٩) (الشورى). والهبة فى الاصطلاح تمليك مال فى الحال بلا عوض ، فخرج «بالتمليك» الوقف لأنه ليس تمليكا. وخرجت «بالمال» العارية ، لأنها تمليك منفعة ، وخرجت الوصية بقوله «فى الحال» ، لأنها تمليك بعد الموت ، وخرج البيع بقوله «بلا عوض» ، لأن الهبة تمليك بعوض.

والهبة يجوز أن تكون معوضة وغير معوضة ، فيهب شخص شيئا لآخر بشرط أن يقوم له بالتزام معين مشروع. وتشترك الهبة مع الصدقة فى أن كلا منهما تمليك بلا عوض ، وتختلف عنها فى أن الصدقة بنية التقرّب إلى الله ، وليس هذا الشرط فى الهبة ؛ وتلزم الصدقة بالقبض ، ولا يجوز الرجوع فيها ، وتجوز الصدقة على الجميع ، وتقبل من الصبى ؛ وأما الهبة فشرطها : الإيجاب من الواهب ، والقبول من الموهوب له ، وأن يكونا عاقلين بالغين مختارين ، فلا تصحّ من قاصر ، ولا مكره ، ولا المحجور عليه لسفه أو فلس ؛ وتصحّ للوصى والولى لمصلحة القاصر ، ولا تصحّ هبة ما سيوجد ، ولا تنعقد إلا بقبض الشيء الموهوب ، ويجوز أن يكون عينا ، أو جزءا مشاعا من عين ، وتصح هبة الدين فى ذمة الموهوب له وتفيد الإبراء منه ، ولا تصحّ هبته لغير من هو عليه ، لأن القبض شرط فى الهبة. وتلزم هبة الأقارب ، وارثا كان أو غير وإرث ، بمجرد القبض ، ولا يجوز الرجوع فيها ، ما عدا الوالد والوالدة فيما يعطيان ولديهما ، وروى لا يجوز لهما الرجوع ، والرجوع فيها أن يقول قد رجعت فيها أو ارتجعتها ؛ ولا يلزم القبض فى هبة أحد الزوجين للآخر ، ويجوز لكل منهما الرجوع فيها ، وإذا مات الواهب أو الموهوب قبل القبض بطلت الهبة ، لأنها لا تنعقد إلا به. والقبض فيما ينقل بالنقل ، وفيما لا ينقل بالتخلية بينه وبين الموهوب له ؛ ولا تصحّ الهبة ، فيما لا يمكن تسليمه ، كالسمك فى الماء ؛ ولا تصحّ إن شرط فيها بشرط ينافى مقتضاها ، كأن يقال : وهبتك هذا الشيء على أن لا تبيعه ، وكذلك إن علّقت على شرط ، فحينئذ تصبح وعدا وليست هبة ؛ وللزوجة أن تهب نفقتها الواجبة على زوجها.

* * *

٢٣٢٣ ـ الهدية

الهدية كالبيوع ، وهى تمليك فى الحياة ولكن بغير عوض ، للتقرّب إلى المهدى إليه وإظهار المحبة له ، كقوله تعالى عن ملكة سبأ : (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) (٣٦) (النمل) ، وفى الآية دليل على إمكان ردّ الهدية ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها ولا يقبل الصدقة. وتجتمع فى العطيّة معانى الهبة ، والصدقة ، والهدية ،

١١٧٩

والفرق بينها : أن الهدية عطية للتقرّب إلى إنسان ؛ والصدقة عطية للتقرّب إلى الله ؛ والهبة عطية بلا عوض. وقد ردّ سليمان الهدية لأنه قال لملكة سبأ : (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (٣١) (النمل) ، وهذا كلام لا تقبل فيه فدية ولا هدية ، وإنما هى رشوة وبيع للحق بالباطل ، ولا تحلّ ، وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد وعلى كل حال ، إن لم تكن من مشرك ، وتجوز من الكتابى. وفى الحديث : «تصافحوا يذهب الغلّ ، وتهادوا تحابّوا وتذهب الشحناء» ، وفى رواية : «تهادوا ، فإنه يضعّف الود ، ويذهب بغوائل الصدر» ، وفى رواية : «تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السخيمة».

* * *

٢٣٢٤ ـ الرشوة

الرشوة من رشا ، أى أعطى الرشوة ، بضم الراء أو فتحها أو كسرها ، والجمع رشى ، بضم الراء أو كسرها ، وهى ما يبذل لإبطال الباطل أو إحقاقه ، وأصلها الرشاء وهو حبل الدلو ، وفى الأمثال يقال «أتبع الدلو رشاءها» ، أى أتبع أحد المتصاحبين الآخر ، وفى القرآن : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٨) (البقرة) ، والآية نصّ صريح فى تحريم مصانعة أصحاب النفوذ والسلطان ، ورشوتهم بالأموال لتسيير المظالم ، وهؤلاء مظنة الرشاء ، إلا من عصم ، وهم الأقل ، وقوله تعالى : «تدلوا» من إرسال الدلو ، والرشوة كما سبق ، من الرشاء وهو حبل الدلو ، يمدّونه لهم ليتقضوا حاجاتهم. وحكامنا اليوم لم يعودوا مظنة الرشا وإنما هم عين الرشا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وقيل إن طلب الحكام رشا للإذن لطلاب الحج بأداء هذه الفريضة ، فلا داعى للحج حينئذ ، وإن كان المبلغ المطلوب كرشوة زهيدا فلطالب الحج الخيار ، وإن كان مما لا يجحف بماله لزمه الحج ودفع الرشوة.

* * *

٢٣٢٥ ـ الإجارة

الأجر والأجرة : بمعنى واحد : وهو الثواب والمكافأة ، والجمع أجر ؛ والأجير من خدم بأجرة. وفى الاصطلاح الأجرة عوض عن قول أو فعل ، أو منفعة بيت ، أو حانوت ، أو سيارة ، أو ثوب ، وما إلى ذلك. والإجارة هى الكراء : وما شرع لتمليك منفعة معلومة بعوض معلوم. وبقيد المنفعة يخرج البيع لأنه تمليك للعين ؛ وبقيد العوض تخرج الهبة والوصية لأنهما بغير عوض. ويفرّقون بين ملك المنفعة وبين حق الانتفاع ، ويختص ملك المنفعة بالمستأجر ولا يشاركه فيه أحد ، بينما حق الانتفاع مجرد ترخيص بالتصرف لجهة معينة ، كالسباحة فى البحار والأنهار.

١١٨٠

والإجارة : مشروعة كمشروعية البيع ، كقوله تعالى : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (٢٤) (النساء) ، والأجر فى الآية هو المهر ، سمّى كذلك لأنه فى مقابل منفعة الزوجية ، وهو إما مهر مسمّى أو مهر المثل. وفى الآية : (عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ) (٢٧) (القصص) أن الأجرة تكون على العمل محدد المدة ، والعمل الموكول بموسى فى الآية كان معلوما عندهم : وهو السقيا والحرث والرعى ، وما شاكل من أعمال البادية ، وأجرته عليها كما اتفق وشعيب ، والإجارة بالعوض المجهول لا تجوز. وتثبت الآية : (يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (٢٦) (القصص) أن الإجارة كانت من قديم الزمان معلومة ومشروعة قبل موسى ، وكانت فى كل ملّة ، وهى من ضروريات التمدّن ومقتضيات الاجتماع ، وظاهر من قصة موسى أن الزواج بالإجارة جائز ، أو أجازه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن لم يكن عنده من المال شيء ليمهر به امرأته ، إلا ما يحفظ من القرآن ، فقال له : «فعلّمها عشرين آية وهى امرأتك». وقيل : يجوز عقد الزواج بلفظ الإجارة لقوله تعالى : (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ). وقيل : إنه لا يصحّ لأن الإجارة عقد مؤقت بينما عقد الزواج عقد مؤبد ، فهما متنافيان ، ومع ذلك إن ترك مضى على كل حال ، بدليل قصة موسى مع بنت شعيب ، غير أنه يكره أن تكون الإجارة مهرا ، لأنه ينبغى أن يكون المهر مالا ، كقوله تعالى : (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ) (٢٤) (النساء). وفى الآية اجتماع الإجارة والزواج ، وقيل : إن ذلك يكره ابتداء ، فإن وقع مضى. وقيل : لا يجوز ويفسخ قبل الدخول وبعده ، لاختلاف مقاصد الإجارة ومقاصد الزواج ، وتباين عقديهما. وقيل : الزواج أشبه شىء بالبيوع ، ولا فرق بين إجارة وبيع ، أو بين بيع وزواج.

والأجر قد يكون الثواب الأخروى ، كما هو فى الدنيا الثواب الدنيوى ، كقوله تعالى : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) (١٧٢) (آل عمران) ، وفى المقارنة بينهما قال تعالى : (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) (٥٧) (يوسف) ، وقال : (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) (النحل) ، وهو : (أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (٨) (فصلت) ، (وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) (١١) (يس).

والأجور كما تكون فى الزواج فهى للرضاعة كقوله : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) (٦) (الطلاق) ، وفى الآية : (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا) (٣٢) (الزخرف) فإن «سخريا» تعنى أن يستسخر بعض الناس البعض الآخر لقاء أجر معين. وتقوم الصراعات على الأجور وساعات العمل بين طبقات العمال ، وهم المشتغلون بالأجور ، وطبقات الرأسمالية والملّاك. والإسلام يحضّ كما فى الآية السابقة ، على ممارسة الأعمال الحرة ، كالتجارة والصناعة ، ولا يميل المسلم أن يؤجّر نفسه ، لميل الأجور إلى التدنّى ، واتجاه

١١٨١

الرأسمالى والمالك إلى استغلال العمال والتسويف فى إعطاء الأجر ، لذلك كان حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اعط الأجير حقّه قبل أن يجفّ عرقه». والإجارة فيها تحديد للرزق ، ومن أجّر نفسه فقد ظلمها ، لأن فائدة عمله يحصل عليها غيره ، وأولى بالمسلم أن لا يؤاجر نفسه ولكن يسترزق ويتّجر ، وإن أجّر نفسه فقد حظر أى منع الرزق عن نفسه ، ولا يؤاجر نفسه إلا مضطرا ، وزعموا أن علىّ بن أبى طالب اضطر أن يؤاجر نفسه ليهودى فى أول قدومه إلى المدينة ، لأنه أبى أن يكون عالة على أحد ، وهذه كذبة كبرى من كذبات اليهود ليبدو أنهم يهيمنون على الإسلام!

وللإجارة شروط ، أولها العقد ، وهو ما دلّ على الرضا بين الطرفين ، قولا وفعلا ، وإيجابا وقبولا ، ولا تكون إلا بين بالغين عاقلين رشيدين ، غير محجور عليهما لسفه أو فلس كما فى البيع. والإجارة عقد لازم ، والعين المستأجرة بمقتضاها يشترط أن تكون معلومة ، وكذلك الجهة التى يستوفيها المستأجر ، وأن تكون المنفعة منها حلالا ، وتكون عينا يملكها المؤجّر ، وداخلة تحت قدرته وتصرفه ، وقابلة للمنفعة ، وتصحّ إن كانت مشاعة. والإجارة عقد زمنى لا بد فيها من قياس المنفعة وتقديرها بالزمن ، مثل سكنى الدار وزراعة الأرض ، فتصحّ لمدة سنة ، ولأية مدة وإن كثرت ، فإن تركت المدة فهى للإطلاق ، وللمتعارف بين الناس ، وعلى ذلك يحق للمستأجر مواصلة السكن بنفس الأجر ، ولا سبيل إلى إخراجه من الدار ولا من الأرض ، والعرف فى مصر مثلا للإطلاق وليس للتحديد. وإن ذكر فى الإجارة أن إيجار الدار بكذا كل شهر ، أو كل يوم ، فيجوز ذلك ويفهم منه أن نهاية الإجارة مطلقة ، طالما يدفع المستأجر الأجرة بحسب الاتفاق ، والقاعدة فى الإسلام قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (١) (المائدة) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «المؤمنون عند شروطهم» ، فطالما أن الأجرة معلومة ، وجهة المنفعة معلومة ، فمجرد الجهل بنهاية الإجارة لا يستلزم بطلانها ، وليس كل جهل موجب للبطلان ، أو مؤد للضرر ، ومثل ذلك أن يقول المالك للعامل : انقل صناديق هذه البضاعة ولك كذا عن كل صندوق ، مثل ذلك شائع ومعروف مع جهل المالك والعامل بعدد الصناديق ومجموع الأجرة عليها ، وعلى ذلك فعقود السكن والزراعة عقود صحيحة ولازمة وتجوز مدتها بلا نهاية وإن كانت الأجرة المنصوصة بها فى كل سنة ، ولا يجوز فسخها لعدم تحديد المدة النهائية ، وإنما يفسخ العقد بدخول الشهر أو السنة الجديدين وانقضائهما فحينئذ يجوز الفسخ وإنهاء المدة. وفى أيامنا هذه يحكم العلاقة بين المالك والمستأجر قانون الإيجار وطبقا لهذا القانون فإن المالك لا يحق له أن يخرج المستأجر حتى لو انتهت المدة المضروبة بينه وبين المستأجر ، ومن الممكن أن ينصّ فى العقد على أن

١١٨٢

المالك يؤجر الدار بكذا مدة حياة الساكن من باب السكنى بالعمرى ، أو يؤجرها له على أن يكون انتهاء عقد الإيجاز بيد الساكن ، فإذا أجّرها لمدة معينة نصّ عليها فى العقد على أن يسلّم له العين بانتهائها ، وجب على المستأجر التقيد بالاتفاق. ولا يجوز أن يؤجر المستأجر العين لآخر طالما ذلك منهى عنه فى العقد ، وما لم يوافق المالك على الإيجار من الباطن ، فأى اتفاق بين المستأجر وآخر باطل. وفى بطلان الإجارة أن تكون الأجرة مجهولة ، والمنفعة مجهولة أو محرّمة ، وإذا هلكت العين المستأجرة وتعذر استيفاء المنفعة المطلوبة منها. ولا تبطل الإجارة بموت المؤجر أو المستأجر ، لعموم الآية : «اوفوا بالعقود» ، وكونها من «العقود اللازمة» ، والموت ينقل آثار العقد إلى الورثة. ولا تبطل الإجارة ببيع العين المؤجرة. وإذا وجد المستأجر عيبا فى العين تتفاوت به الأجرة ، ولم يكن على علم به حين الإيجار ، فهو بالخيار بين فسخ الإجارة وبين إمضائها والرضا من غير نقصان فى الأجرة ، ولا يسقط الخيار الناشئ عن الضرر مع الجهل به. ومثل خيار العيب خيار الشرط ، إذا اشترط المؤجر على المستأجر شرطا مثل أن لا يسكن معه عائلة أخرى ، أو لا يستعمله للتجارة. ومن أحكام الإجارة : أنه طالما أن المنفعة ملك للمستأجر فله أن يتصرف بها بالتنازل لمن يشاء بغير عوض أو بعوض مساو ، أو أقل ، أو أكثر من العوض الذى دفعه للمؤجر ، إلا أن يشترط هذا على المستأجر استيفاء المنفعة بنفسه ، فإن وردت الإجارة على العمل لم يشترط المالك على المستأجر المباشرة بنفسه. ولا يحق للمستأجر أن يؤاجر العين ـ كالدار مثلا ـ بأكثر مما يستأجرها به ، إلا إذا أحدث فيها شيئا ، وأما الأرض فيجوز له تأجيرها من الباطن دون إصلاح فيها إلا إذا اشترط فى العقد على غير ذلك ، وإذا اشترط فيه أن تكون المنفعة لوجه معين دون غيره. ويسأل المستأجر من الباطن نحو المستأجر الأول ، ويسأل الأول نحو المالك.

وينقسم الأجير بالنظر إلى التقييد والإطلاق إلى مقيد ومطلق ، ويسمون ذلك الخاص والمشترك ؛ والأجير الخاص : هو الذى يؤجر جميع منافعه لمدة معينة لشخص آخر ، ولا يجوز له من ثم أن يعمل أى شىء لغير المستأجر ؛ والأجير المشترك : هو الذى يعمل لنفسه ولغيره ، ولا يملك المستأجر منفعته إلا لوقت معين يخصصه له ، وبعد ذلك هو يؤجر نفسه لمن يشاء.

وتكون العين المستأجرة أمانة فى يد المستأجر لا يضمن هلاكها أو نقصها ، إلا أن يتعدّى حقه فى الانتفاع بها ، أو يقصّر فى حفظها. وإذا تضررت أو هلكت بعد انتهاء الإجارة وطلبها منه فعليه الضمان مطلقا. ومن ادّعى الطب وهو ليس بطبيب يعتبر ضامنا

١١٨٣

بالاتفاق ، ويستأهل العقوبة ، وإن كان من أهل الاختصاص فلا ضمان عليه إذا اجتهد واحتاط ، بشرط أن يأخذ الإذن من أهل المريض قبل إجراء العملية الجراحية مثلا ، وإذا وصف دواء ومات المريض بسببه فلا ضمان على الواصف إن كان توصيفه للمرض سليما. وكذلك الأجير. ويجوز أن يشترط صاحب العمل على الأجير أن ينقصه الأجرة بمقدار كذا لو قصّر فى عمله ، ويبطل أن يسقطه كل الأجرة ، لأنه شرط مناف لمقتضى عقد الإجارة ، لأن معناه حينئذ أن الإجارة بلا أجرة. ولا يجب تسليم الأجرة إلا بعد انتهاء العمل ، وعلى المستأجر عند نهاية الإجارة أن يسلم العين خالية. وتجب الضريبة العقارية ، وأية أنواع أخرى من الضرائب ، على المالك إلا إذا اشترط غير ذلك فى العقد ، ويدفعها المستأجر حتى لو كان جاهلا بمقدارها ، وزكاة العشر على مستأجر الأرض. وللزوجة أن تؤجر نفسها للرضاع وغيره من الأعمال السائغة بإذن زوجها ، أو بغير إذنه ، طالما أن عملها لا يتنافى مع الحقوق الزوجية ، لأن المرأة لها أن تملك منافعها وتتصرف فيها ، وتصرفها إلى من تشاء بعوض أو بغير عوض ، ما دام ذلك لا يتعارض مع حق ، والأم أحق برضاع ولدها بأجر المثل ويجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته ، وأن يأخذ الأجير أجره عينا مما يحصد من زروع مثلا ، وأن يكون أجر وكيل البيع ما زاد من ثمن البيع عن حد معلوم ، وأن يكون الأجير كافرا ، أو أن يكون مسلما يستأجره ذمّى ؛ ويجوز استئجار الجنود المرتزقة للحرب ، وتكره إجارة أرض المسلم من ذمّى. والأجير ضامن لما يتكلفه لو كان عن تقصير أو تعدّ. ولا يجوز للمفلس إسقاط أجرة المأجور.

* * *

٢٣٢٦ ـ الجعالة

الجعالة بتثليث الجيم ، والجعيلة والجعل ، بمعنى واحد فى اللغة ، من جعل أى أعطى ، كقوله تعالى : (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) (٨٤) (الشعراء) بمعنى اعطنى. والجعالة هى ما يعطى لأى إنسان على شىء يفعله ، وفيها التزام بمال معين لقاء العمل ، لأى عامل كان ، مجهولا أو معلوما ، كقوله تعالى : (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) (٧٢) (يوسف) ، والآية فيها جواز الجعالة للضرورة ، وأن تكون فيها من الجهالة ما لا يجوز فى غيرها ، فإذا قال الرجل : من فعل كذا فله كذا ، صحّ. والشأن فى الجعالة أن يكون الجاعل معلوما ، والمجعول له مجهولا للضرورة إليه. وقد تبدو الجعالة شبيهة بالإجارة ، إلا أنها تختلف عنها ، فالجعالة من العقود الجائزة ، فللمجعول له أن يفسخها قبل الشروع وبعده إذا رضى بإسقاط حقّه ، وليس للجاعل أن يفسخها إذا شرع فالمجعول له فى العمل. ولا يشترط فى

١١٨٤

هذا العقد حضور المتعاقدين كسائر العقود ، لقوله : (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) (٧٢) ، فمتى قال الإنسان : من جاء بفرسى الضائع فله مائة جنيه ، لزمه ما جعله فيه إذا جاء به أحدهم ، ولو كان ذلك من غير ضمان ، طالما أن الآخر جاء به على طلب الأجرة ، وفى الحديث : «من جاء بآبق فله أربعون درهما» ، والآبق هو الهارب ، ولا يفصل الحديث بين من جاء به من عقد ضمان أو غير عقد. وعلى ذلك يجوز أن يأمر أحدهم إنسانا أن يشترى له أرضا أو دارا ، ويجعل له جعلا. والفرق بين الجعالة والإجارة ، أنه فى الإجارة يملك الأجير الأجرة بنفس العقد ، سواء استعمله المالك أو تركه بغير عمل ، وأما فى الجعالة فإن المجعول له لا يستحق شيئا إلا بعد العمل. ويجوز أن يكون الملتزم فى الجعالة غير مالك هذا العقد حضور المتعاقدين كسائر العقود ، لقوله : (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) (٧٢) ، فمتى قال الإنسان : من جاء بفرسى الضائع فله مائة جنيه ، لزمه ما جعله فيه إذا جاء به أحدهم ، ولو كان ذلك من غير ضمان ، طالما أن الآخر جاء به على طلب الأجرة ، وفى الحديث : «من جاء بآبق فله أربعون درهما» ، والآبق هو الهارب ، ولا يفصل الحديث بين من جاء به من عقد ضمان أو غير عقد. وعلى ذلك يجوز أن يأمر أحدهم إنسانا أن يشترى له أرضا أو دارا ، ويجعل له جعلا. والفرق بين الجعالة والإجارة ، أنه فى الإجارة يملك الأجير الأجرة بنفس العقد ، سواء استعمله المالك أو تركه بغير عمل ، وأما فى الجعالة فإن المجعول له لا يستحق شيئا إلا بعد العمل. ويجوز أن يكون الملتزم فى الجعالة غير مالك فالأجنبى يمكن أن يقول : من عثر على ابن هذا الرجل فله عندى كذا ، وأما فى الإجارة فلا يجوز لأجنبى أن يقول : من أجّر داره لفلان بكذا فعلىّ الأجرة. والعامل المجعول له يمكن أن يكون صبيا أو سفيها ، وأما المستأجر فيشترط فيه البلوغ والرشد. والشيء الذى جعل المال من أجله يمكن أن يكون فى الجعالة مجهولا ، ولا يمكن ذلك فى الإجارة ، فمن قال : من وجد سيارتى فله كذا ، يصحّ ، بدون أن يبين نوع السيارة ، وأما فى الإجارة فلا يجوز أن يقول المؤجر للمستأجر قد أجرتك سيارتى دون أن يميّزها بالوصف ، ولا يحق لمن يجد محفظة مثلا فيلتقطها ويسلمها للشرطة أو لصاحبها قبل أن يعلن صاحبها جعالة لمن يجدها ، أن يطالب بجعالة ، لأنها أمانة فى يده ، وعليه أن يردّها لصاحبها. ومن ردّ الضالة بقصد التبرع وعمل الخير فلا شىء له ، سواء كان ذلك قبل فرض الجعالة أو بعدها. ويشترط فى الجاعل أن يكون بالغا وراشدا وغير محجور عليه ، وأما المجعول له فلا يشترط فيه إلا إمكان القيام بالعمل ، فيصحّ أن يكون صبيا ، أو سفيها ، أو حتى مجنونا ، ولا تصحّ الجعالة لمحرم. ويشترط فى الجعل أن يكون معلوما كالأجرة فى عقد الإجارة ، فإذا كان مجهولا بطلت الجعالة ، وللجاعل أن يقول : من وجد محفظتى فله نصف أو ربع ما فيها ؛ وإذا وجدها جماعة فلهم الجعالة بالسوية!

* * *

١١٨٥

٢٣٢٧ ـ الضمان

الضمان كفالة ، وهو معنى الآية : (إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ) (٧٨) (يوسف) وأخذه لأحدهم نوع من الحمالة ، أى أن يحمل أحدهم الحبس عن أخيه المطلوب ، ويكفل أن يحضر هذا الأخ من بعد ، فهو ضامن له ، والكفالة هى ضمان بالنفس ، بينما الضمان هو كفالة بالذمة ، وهو قسمان : ضمان معاوضة ، وضمان يد ، والأول : هو أن يضمن البائع المبيع فإذا تلف قبل أن يسلمه للمشترى ، فإنه يضمن تعويضه ؛ والثانى : هو أن يضمن البائع فى حالة تلف المبيع قبل أن يقبضه المشترى ، أن يدفع له قيمة ما قبضه من ثمن أو مثله ، لقاعدة : أن اليد عليها ما أخذت حتى تؤدى ، والتلف دائما على القابض ، أى من بيده المبيع. وفى الضمان فإنك طالما ضمنت مدينا ، فإن تعهدك بالسداد عنه هو ضمان منك للدين ، ويقال أنت ضامن ، والدائن مضمون له ، والمدين مضمون عنه. وفى القرآن عن الضمان : (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) (٧٢) (يوسف) ، والزعيم هو الضامن ، وفى الحديث : «من ضمن لأخيه حاجة ، لم ينظر الله عزوجل فى حاجته حتى يقضيها».

وأركان الضمان : العقد ، والضامن ، والمضمون ، والمضمون له ، والمضمون عنه ، والحق المضمون. والعقد لازم بين الموجب والقابل. ويشترط فى الضامن : أن يكون أهلا للتصرف المالى فلا يكون صبيا ، ولا مجنونا ، ولا مكرها ، ولا سكرانا. ويجوز ضمان السفينة بإجازة الولى. ولا يجوز أن تكون ذمة الضامن مشغولة بدين للمضمون عنه وإلّا يكون التعهد حوالة لا ضمانا. وينبغى أن يكون الضامن مليئا قادرا على الوفاء ، فإذا كان أكثر من واحد يوزّع الدين عليهم على السواء بحسب عددهم. ويجوز ضمان ما ثبت فى الذمة ثبوتا جائزا كالمهر قبل الدخول ، ولازما بعد الدخول ، والنفقة المحكوم بها للزوجة. ولا يلزم الضامن بالوفاء إلا بما يثبت من دين بالبينة ، وفى الحديث : «الزعيم غارم» ، أى أن ضمانه شامل لكل شىء تعهّد به ، سواء كان دينا أو عينا. ويرجع الضامن على المضمون عنه بما أدّاه للمضمون له. ويصحّ أن يضمن ثان عن الضامن الأول ، ويضمن عن الثانى ثالث وهكذا ، ويرجع الثالث على الثانى ، والثانى يرجع على الأول ، والأول على المضمون له الأصلى. ويجوز للضامن أن يضمن الدين بأقل منه برضا المضمون له ، ولا يرجع على المضمون عنه إلا بما أدّاه. وفى رواية القرآن عن داود وسليمان مسألة ضمان ما تتلفه البهيمة من الزرع ، فى قوله تعالى : (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ) (٧٩) (الأنبياء) فصاحب الغنم كان عليه ضمانها ، والبهائم عموما إن لم تكن يد أحد عليها فإن على مالكها ضمان ما تفسده من الزرع طالما أن

١١٨٦

أصحاب الأرض ليسوا فيها ، فإن كانوا فيها كان عليهم حفظها. ولا ضمان على صاحب الحمام إذا أطلقه فلقط حبّا من حقل ؛ والطبيب والجراح مسئولان عمّا يهلكان بالجراحة أو التشخيص الخاطئ ، وكذلك الخاتن ؛ وفى حوادث المرور على محدث الضرر التعويض عنه ، وفى حالة القتل الخطأ عليه الدية ؛ وكذلك فى تصادم السفن والسيارات والطائرات ؛ ويسقط الضمان فى حالات القتل دفاعا عن النفس أو العرض أو المال ، ومن جنى على امرأة أو بهيمة فألقت جنينها فعليه التعويض أو الدية. وتضمن الحكومة ما يتلف أو يقتل فى التعدّى الجائر لقوات الشرطة ، وفى حالات الحوادث المفضية للعاهة أو الموت أثناء تأدية العمل. ويضمن المبيع فى مدة الخيار طالما لم يقبضه المشترى ، وإن تلف فى مدة الخيار بعد القبض ، يكون تلفه من ضمان المشترى ؛ والعين المستأجرة أمانة فى يد المستأجر ، فإن تلفت بغير تفريط منه ولا تعدّ لم يضمنها ، فإن شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين فالشرط فاسد ، ويضمن الأجير ما يتلف بفعله أو تحت يده ، فإن كان التلف بغير تفريط منه ولا تعدّ فلا ضمان.

* * *

٢٣٢٨ ـ الكفالة

الكفالة فى القرآن فى قوله تعالى : (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (٤٤) (آل عمران) ، وقوله : (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ) (٤٠) (طه) هى الضمان ، تقول كفله : أى ضمنه وأعاله وأنفق عليه وقام بأمره ، وكفل زيد عمرا : ضمن المال له ، وتكافل القوم : ضمن بعضهم بعضا ، والكفيل هو الضامن. وفى الكفالة تضمّ ذمة المكفول عنه إلى ذمة الكفيل فى التزام الحق ، فيثبت فى ذمتهما جميعا ، ولصاحب الحق أن يطالب من يشاء منهما. وتصحّ الكفالة ببدن كل من يلزم حضوره بدين لازم ، فإن قال الكفيل أنا كفيل بفلان ، أو بنفسه ، أو ببدنه ، كان كفيلا به. والكفالة تعهد من الكفيل للمكفول له بإحضار غريمه متى طلبه ، ولا تصح فى الحدود ، سواء كان حقا لله كحدّ الزنا أو السرقة ، أو حدا لآدمى كحدّ القذف ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا كفالة فى حدّ». وأركان الكفالة : ثلاثة أشخاص : كفيل ، ومكفول له ، ومكفول ، ومن مقوماتها : العقد : ويتحقق بالإيجاب من الكفيل والقبول من المكفول له ؛ وأن يكون الكفيل عاقلا رشيدا قادرا على الوفاء ، فلا تجوز كفالة الضعيف ، والصبى ، والمجنون ؛ وأن يكون المكفول معيّنا. ويبرأ الكفيل من حق الكفالة إذا أوفى بعهده ، وللقاضى أن يحبسه إن امتنع عن الأداء ، لأن الكفالة وثيقة على الحق ، كالرهن ـ فإن تعذّر الاستيفاء ممن عليه الحق استوفى من الوثيقة ، وإن عجز الكفيل

١١٨٧

عن الوفاء لا يجوز حبسه ، ووجب الصبر والانتظار إلى حين القدرة. ويجوز ترامى الكفالات كما هو الشأن فى الضمان والحوالة ، لأن المعيار ثبوت الحق على المكفول ، كأن يكفل أحدهم المدين ، ثم يكفل الكفيل ثان ، والثانى يكفله ثالث ، وهكذا. وإذا مات المكفول برئ الكفيل من الكفالة ، لارتفاع موضوعها ، وتبطل كذلك بموت الكفيل ، وإذا مات المكفول له انتقل الحق إلى ورثته ، ولهم مطالبة الكفيل به. ولا يجوز بيع عقد الكفالة ، لأنه بين الكفيل والمكفول له وحدهما ، ويبطل العقد لارتفاع موضوعه. وتصحّ الكفالة بكل ما يجوز أخذ الرهن به ، وتجوز فى الأعيان المضمونة ، والشركة ، والمضاربة ، وفى الحقوق المالية الواجبة أو التى تؤول إلى الوجوب ، كثمن المبيع فى مدة الخيار وبعده ، والأجرة ، والمهر قبل الدخول أو بعده. ويصحّ فى الحق المجهول ، كأن يقول : أنا أكفله فى مالك عليه ، أو ما يقضى به لك عليه ، أو ما تقوم به البيّنة لك عليه ، أو ما يقرّ به لك. وتصحّ الكفالة فى نفقة الزوجة. وإن قال المكفول له للكفيل : أبرأتك من الكفالة ، برىء ، ولا يكون ذلك إقرارا بقبض الحق. وتصحّ الكفالة الحالّة والمؤجلة ، وأما إذا أطلقت فتكون حالّة ، وإذا تكفل الكفيل حالا كان للمكفول له مطالبته بإحضار المكفول ، وإذا كانت مؤجلة لم يلزم إحضاره قبل الأجل ، وإن كانت الكفالة إلى أجل مجهول لم تصحّ.

* * *

٢٣٢٩ ـ الوكالة

يأتى عن الوكالة فى القرآن تسعون مرة ، والتوكيل فى اللغة التفويض والاستنابة ، كقوله تعالى : (فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) (٨٩) (الأنعام) ، وقوله : (يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) (١١) (السجدة) ، وقوله : (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (٦) (الشورى) ، وقوله : (وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٢٣) (المائدة) ، وقوله : (حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (٣٨) (٣٨) (الزمر). فالمستناب هو الوكيل ، والمستنيب هو الموكّل ، ومحل الوكالة هو الشيء الموكل فيه ؛ وفى الإسلام فإن تصرف الوكيل فيما وكل به يصبح بعد تمام الوكالة نافذا على الموكل ، تماما كما لو باشره بنفسه. والوكالة مشروعة بالكتاب والسنّة والإجماع ، وقد وكل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى قضاء الديون ، وفى أداء الصدقة ، وفى التضحية ، ووكل ابن عمر من يزكّى عنه ، ووكلت المرأة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يزوّجها. والوكالة من العقود الجائزة والملزمة ، ومن وكل رجلا على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبدا حتى يعلمه بالخروج منها ، ويعتبر فيها الإيجاب والقبول ، بشرط أن يكون الوكيل والموكل كلاهما عاقلا بالغا مختارا ، وأن تكون الوكالة منجزة غير معلقة ، ومبينة للشيء الموكل فيه ، ويجوز التوكيل فى كل شىء إلا ما خرج بالدليل ، وتنقسم الوكالة باعتبار محلها إلى عامة وخاصة. ووظيفة الوكيل

١١٨٨

الحرص على مصلحة الموكل ، وأن لا يتعدّى فى تصرّفه محل الوكالة. والوكيل أمين ، وتنتهى وكالته بإتمام العمل الموكل به ، أو موت الموكل ، أو أن يعزل نفسه أو يعزله الموكل. ويجوز التوكيل : فى البيع والشراء ، والحوالة والرهن ، والضمان والكفالة ، والشركة والوديعة ، والمضاربة والجعالة ، والإجارة ، والقرض ، والصلح ، والوصية ، والهبة ، والصدقة ، والفسخ ، والإبراء ، وعقد النكاح ، فى الإيجاب والقبول ، والطلاق والخلع ، والرجعة وتحصيل المباحات ، وإثبات القصاص ، والمطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها. ولا يصح التوكيل فى الشهادة ، ولا الإيمان والنذور ، ولا الإيلاء والقسامة واللعان ، ولا القسم بين الزوجات ، ولا الرضاع ، ولا الظهار ، ولا الغصب ، ولا الجنايات. وأما حقوق الله فما كان منها حدا جاز التوكيل فى استيفائه ، وفى العبادات يجوز التوكيل فى الزكاة والكفّارات والحج ، ولا يجوز فى العبادات البدنية كالصلاة.

* * *

٢٣٤٠ ـ الوصية

الوصية والجمع وصايا ، تقول وصّى توصية فلانا بكذا ، أى عهد إليه فيه. ووصايا الله ألزم بها عباده وأوجبها عليهم ، ووصية المتوفى تسمى كذلك لاتصالها بأمر الميت ، وتقول : يصي الشيء بآخر ، يعنى يصله به ؛ وتقول أوصيت إلى فلان بكذا ، أى فوّضت ، فهو موص ، وذلك وصىّ ، ويقال له الموصى إليه ، والموصى له ، والموصى به ، ويقال للفعل الوصية ؛ وهى بعد الموت إيجاب ، أى إلزام بشيء من مال أو منفعة لأحد بعد الموت. والإيصاء طلب شىء من الغير ليفعله فى غيبته حال حياته وبعد وفاته. فإذا قلت : أوصى فلان لفلان بكذا ، معناه : أملكه له بعد موته. وإذا قلت : أوصى فلان إلى فلان ، معناه : جعله وصيا له يتصرف فى ماله وأطفاله بعد موته ، فما كان «باللام» معناه جعل الغير مالكا لماله بعد موته ، وما كان «بإلى» معناه تفويض التصرف فى ماله ومصالح أطفاله إلى غيره بعد موته. والفرق بين الوصى والقيّم ، أن الوصى : من فوّض إليه الحفظ والتصرف ؛ والقيّم : من فوّض إليه الحفظ دون التصرف. وهذا ما فهمناه من معانى الوصية فى القرآن.

والآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (١٨٠) (البقرة) تشتهر بأنها آية الوصية ، وليس فى القرآن ذكر للوصية إلا فى سور البقرة والنساء ، وآية سورة البقرة فى الوصية هى أتمّها وأكملها ، ونزلت عامة قبل نزول الفرائض والمواريث. فلما كانت الآية التى قبلها تتحدث عن الموت فقد ناسب ذلك الكلام فى الوصية ، والآية لذلك مرتبطة بما قبلها ، وسببها حضور الموت ، وحضور السبب يكنّى به عن المسبّب ، وقوله «كتب» يعنى أن الوصية واجبة وفرض ؛

١١٨٩

و «الخير» هو الكلمة الطيبة يقولها لأولاده كما فعل يعقوب مع بنيه عند الموت ؛ والخير أيضا هو المال بأى قدر كان ، وليس كما حدد الفقهاء مقداره. ثم إن الوصية واجبة كذلك على من له أو عليه ديون ، ولذلك نبّه الله تعالى أنه لا ميراث إلا بعد الوصية ، والدين خلاف الوصية ، كقوله : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) (النساء ١١) ، والوصية هى التى تنبّه إلى الدين ، وتنبه إلى الميراث جميعه ، ومن ثم كان إيجابها فى الحديث : «ما حق امرئ مسلم له شىء يريد أن يوصى فيه ، يبيت ليلتين أو ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده». وليس صحيحا إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يوص ، فقد أوصى قبل أن يموت ، ولم تكن الوصية فى مال أو ديون ولكنها فيما يخص المسلمين ، وعلى نهجه سار أبو بكر وعمر. والفقهاء مهتمون بالوصية فى المال ، أى فى الشق المادى من الخير ، دون الشق المعنوى ، وليس الخير كما فسّروه هو المال فقط. ولكل ما سبق تسبق الوصية الفرائض والمواريث ، وحكاية أنه لا يجوز لأحد أن يوصى بأكثر من الثلث ، كانت من أجل أن يترك الموصى ورثته «لا يتكففون الناس» كما فى الحديث ، مخافة أن يظلمهم بوصيته ويجور عليهم. وليس صحيحا أن الآية : (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (٧) (النساء) نسخت الآية : (الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (١٨٠) (البقرة) وإنما تفسّرها ، والأقربون أعم ممن يرث ومن لا يرث ، فرفع حكم من يرث بما عين له ، وبقى الآخر على ما دلت عليه آية الأقربين. وفى الوصية يمكن للموصى أن ينبّه إلى أوضاع معينة من أحوال ورثته تستوجب أن يزيد بعضهم على ما يرثه وجوبا ، فهذا من حقه ، وهو معنى الإنصاف ، وهو أن لا يترك بعض الورثة يتكففون بينما آخرون يزدادون غنى بالميراث ، والعدل فى الإسلام استوجب الوصية ، والموصى أعرف الناس باستحقاق ورثته أو عدم استحقاقهم ، فهل نصدق محدّث واحد هو عمرو بن خارجة فيما نقل من الحديث : «إن الله قد أعطى كل ذى حقّ حقّه فلا وصية لوارث» ، ونكذّب القرآن ، والقرآن لا تنسخه السنة ولكنها تشرحه وتبيّنه ، وقد يرى الموصى أن يخصّ والديه أو أيا من أقربائه بشيء استثناء لظروف خاصة ، كأن تكون الوالدة على غير الإسلام ولن ترثه ، فيوصى لها ، فلما ذا يمنع من ذلك؟ ولما ذا ينصرف الذهن إلى أن الوصية لا تكون إلا فى المال؟ ولما ذا لا تكون شروطا يفرضها على ابنه مثلا أن يأوي أمه إليه ولا يعهد بها إلى بيت مسنين ، فإن فعل فيسقط حقه فى أن يرثه؟ ولما ذا لا يشترط على ورثته أن لا يبيعوا بيت العائلة ، وأن يتركوه مشاعا بينهم ، يتعهدونه وتأوى إليه أيما ابنة تطلّق ، أو قريب أخنى عليه الزمن؟ وما المانع أن يرث الورثة عن المورث بالوصية ، فإن لم يوص فبالميراث؟ وما ذا يمنع أن يرثوا بالوصية ما بقى من الميراث؟ وقد أكدت الآية على الوصية

١١٩٠

للأقربين ، وقوله «بالمعروف» هو شرط فى كتابه الوصية ، وهو أن يكون فيها عادلا ورفيقا فى نفس الوقت ، ومنصفا ومحسنا فى الآن نفسه ، وذلك معنى «حقا على المتقين» ، فإذا أوصى لأحد فلا يجحف بالباقين ، وفى الحديث أن الوصية فى : «الثلث ، والثلث كثير» مخافة الحيف وكذلك الآية : (فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً) (١٨٢) (البقرة) ، والجنف هو الحيف ، وفى الحديث : «الجنف فى الوصية من الكبائر» ، والحديث : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة (أى عمره كله) ، فإذا أوصى حاف فى وصيته ، فيختم له بشرّ عمله فيدخله النار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين سنة ، فيعدل فى وصيته ، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة». ولا مجال الآن للآية : (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١٨١) (البقرة) لأن الوصية الآن لا تبدّل ولا تحرّف ولا تغيّر أحكامها ، لإشهارها كوثيقة رسمية وليس كورقة عرفية. والآية عن نوع من الوصايا من الماضى وتكون بالسماع وليس عن الوصية المكتوبة التى يشهد عليها الشهود. وتبديل الوصية أو تحريفها الآن يجعلها محل طعن بالتزوير ، والطعن فى الوصية تحكمه قوانين الدولة ولا يترك للأفراد. وللمسلم أن يغيّر فى وصيته فى حياته ويرجع فيما شاء منها بشرط تسجيل ذلك ، وله أن يلغيها بالكلية. ودليلنا على أن الوصية ليست فى الأموال فقط ، وأن «الخير» فى الآية ليس المال ، وإنما هو الخير مطلقا ، أن المسلمين الأوائل كانوا يكتبون فى وصاياهم : هذا ما أوصى به فلان ابن فلان ، أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من فى القبور» وهذا ما كانوا يبدءون به وصاياهم وهو الأهم ، وكانوا يوصون أهلهم بتقوى الله حقّ تقاته ، وأن يصلحوا ذات بينهم ، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين ، ويوصونهم بما وصىّ به إبراهيم بنيه ويعقوب : (يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٣٢) (البقرة) وتلك هى وصية المسلم الحقيقية ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٢٣٤١ ـ الإضرار فى الوصية

فى الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الإضرار فى الوصية من الكبائر» ، فإن خاف الأهل والأصحاب ممن يعلمون بأمر وصية من موص ، ميلا وعدولا عن الحق ، ووقوعا فى إثم ، وأنه لم يخرجها بالمعروف ، فتحايل وأوصى مثلا لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته ، وأوصى لابن ابنه بغرض أن ينصرف المال إلى ابنه ، أو لابن زوجته كى ينصرف المال من بعده لها ، فعليهم السعى فى الإصلاح بين الموصى وبين الورثة ، لقوله تعالى : (فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (١٨٢) (البقرة) ، بهدف تعديل الوصية

١١٩١

فى حياته ، أو السعى بين الموصى لهم لتعديلها وفق شرع الله بعد وفاة الموصى ، ومن يفعل ذلك فلا إثم عليه ، لأن الإصلاح فرض على الكفاية ، فإذا قام الأهل والأصحاب به سقط عن كل من يعرف بأمر الوصية ولم يسع فى تعديلها ، وإن لم يقم أحد بذلك أثم الكل.

* * *

٢٣٤٢ ـ عشر وصايا كالعشر التى أنزلت على موسى

الآيات : (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١٥٣) (الأنعام) أمر من الله تعالى لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن يدعو كل الخلق إلى سماع تلاوة ما حرّم الله ، ومن ثم كان على كل المسلمين القادرين أن يبلّغوا الناس ويبيّنوا لهم ما حرّم الله عليهم مما حلل ، كقوله تعالى : (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران ١٨٧) ، وهو مما أجمعت عليه كل الشرائع ، ولم تنسخه ملّة ، وتشمله هذه الآيات الثلاث ، وتشكّل عشر وصايا إسلامية كالوصايا العشر المنزّلة على موسى ، الأولى : تحريم الشرك بالله ، والثانية : تحريم الإساءة إلى الوالدين ؛ والثالثة : تحريم وأد الأولاد خشية العيلة ، ومنه الوأد الخفى وهو العزل ؛ والرابعة : تحريم الفواحش وظاهر الإثم وباطنه ؛ والخامسة : تحريم قتل النفس مؤمنة كانت أو غير مؤمنة ، إلا دفاعا عن النفس ؛ والسادسة : تحريم استقراض مال اليتيم إلا بما فيه صلاحه وتثميره ، فإذا بلغ الرشد يدفع إليه ماله ؛ والسابعة : تحريم التطفيف فى الكيل والميزان ، يعنى تحرّى العدل فى كل شىء ؛ والثامنة : تحريم الشهادة الزور وقول غير الحق ؛ والتاسعة : تحريم نقض العهد ؛ والعاشرة : تحريم كل طريق غير الصراط المستقيم ، والصراط هو الطريق الذى هو دين الإسلام ، واتباع شرعه ، شبّهه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بخط على الأرض إلى جواره خطوط عن يمين وعن يسار ، فالخط الأوسط هو الطريق المستقيم ـ طريق الإسلام ، والخطوط عن يمين وعن يسار فهذه هى السّبل التى تفرّق بين الناس كما فى النصرانية واليهودية والهندوسية والبوذية وغير ذلك مما يروّج له أهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ ، كالعلمانية والعولمة ، والليبيرالية ، والإباحية ، والإلحاد. فهذه عشر وصايا لا يصح الإقرار ببعضها والكفر ببعضها. وروى أن كعب الأحبار اليهودى صاحب الإسرائيليات المشهور ، قال فى هذه الآية الجامعة : هذه الآية مفتتح التوراة ـ يعنى قد سبق إلى معانيها التوراة ، ولم نجد من ذلك شيئا فى التوراة على الإطلاق ، لا من قريب ولا من بعيد!

* * *

١١٩٢

٢٣٤٣ ـ شرعية الوصية

الوصية مشروعة بالكتاب والسنّة والإجماع ، وبضرورة الدين ، والجمع وصايا ، وتستعمل بمعنى التقدّم إلى الغير بما يطلب منه ، كقوله تعالى : (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ) (٣١) (مريم) ؛ وبمعنى التفويض بتصرف خاص بعد الموت ؛ وبمعنى تمليك عين أو منفعة بعد الموت ، تمييزا عن التصرفات المنجزة فى الحياة اليومية والتى لا تتناولها الوصايا.

والوصية واجبة مطلقا بقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) (١٨٠) (البقرة) ، ووجوبها على من عليه حقوق الله أو للناس ، ويظن الموت ، ويخاف ضياعها من بعده ، وعلى هذا المعنى يحمل الحديث : «من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية». ولا تحتاج الوصية فى بعض الأحوال إلى قبول من الموصى إليه ، كأن يوصيه الموصى بأولاده وأن يفى ديونه ، وتسمى هذه وصية عهدية ، ولو كانت الوصية للنفع العام فلا يشترط فيها القبول ، وإذا كانت لمنفعة شخص احتاجت إلى القبول ، وتسمى وصية تمليكية ، فتكون عقدا مرة ، وإيقاعا مرة بحسب موضوعها ، ولا يترتب عليها أى أثر حال حياة الموصى ، فهى ليست ملزمة عقدا كانت أو إيقاعا ، لأن المفروض أنها تمليك بعد الموت ، وعلى ذلك يصحّ للموصى أن يرجع فيها ويغيّر ويحدث ، ولا يجوز ذلك لغيره ، بقوله تعالى : (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) (١٨١) (البقرة) ، غير أن الموصى له يمكنه أن يردّ الوصية فى حياة صاحبها ، فإذا قبلها فى حياته فليس عليه أن يجدّد قبوله بعد موت الموصى ، وإذا ردّها فى حياته فله أن يقبلها بعد وفاته لأنها تمليك بعد الوفاة ، وإذا ردّها بعد الموت ثم قبلها بطلت الوصية ، وإذا قبلها بعد الموت وقبضها ثم أعلن ردّها فليس بشيء لثبوت الملك واستقراره ، وله أن يقبل بعض الموصى به ويردّ بعضه ، لأن الوصية تبرع محض. والشرط فى الموصى : أن يكون أهلا للتصرفات المالية ، فلا تصحّ الوصية من الصغير غير المميز ، ولا المجنون ، ولا المكره ، ولا السفيه ، وتصحّ وصية المحجور عليه لفلس إذا تعلقت وصيته بغير المال المحجور عليه. ولا تصحّ وصية المنتحر إذا أوصى بعد انتحاره وقبل أن يموت ، وتصحّ إذا كانت وصيته قبل الانتحار. وتجوز وصية الغلام إذا أتمّ العشرة. ويشترط فى الموصى له : أن يكون موجودا حين الوصية فلا تصح الوصية لمعدوم ، لأنها تمليك ، ولا يتصور التمليك فيما لا وجود له ، وتصحّ الوصية للفقراء ، وللعلماء ، لأن نوعهم موجود بوجود أفرادهم ، وتصحّ للحمل بشرط أن يكون موجودا حين الوصية ، ولا يهم فى الوصية إن كان الحمل ذكرا أو أنثى لأن الوصية عطية وليست إرثا ؛ وتصحّ الوصية للأجنبى ، وللذمّى ، بقوله تعالى : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (٨)

١١٩٣

(الممتحنة) ، وكما تصح الهبة للحربى تصحّ الوصية له ، والفرق بين الاثنين أن الهبة فى الحياة والوصية تمليك بعد الموت. وإذا توفى الموصى له قبل الموصى ، وأصرّ الموصى على وصيته ، فإنه بعد موته تئول الملكية لورثة الموصى له وتقسم بينهم كميراث ، ولهم حق قبول الوصية أو رفضها. والموصى به : هو محل الوصية ، ويشترط فيه أن يصحّ قصده عرفا ، فلا تصح الوصية بشيء لا قيمة له ، ولا يباع ، ولا يوهب ، ولا يوصى به ، ولا يجوز شرعا ـ كأن يكون مصنع خمر ، أو مربى خنازير. ولا يشترط أن يكون موجودا حال الوصية ، كالوصية بما تحمله الدابة ، أو بالثمرة المقبلة ، أو بعمارة المسجد ، أو بالبراءة من دين. وتخرج الوصية من أصل المال الذى تركه الموصى إن كانت واجبا ماليا ، كالوصية بديون الله كالزكاة ، وردّ المظالم ، والكفّارات ؛ وإن كانت واجبا ماليا وبدنيا معا كالحجّ فإنه واجب مالى يحتاج إلى النفقة ، وواجب بدنى يحتاج إلى الطواف والسعى والسفر ، فمن مات وأوصى بحجة الإسلام ولم يكن قد حجّ ، فيحج عنه الأقرب من أقاربه ، فإن كان قد حجّ وأوصى بحجة ثانية ، فتكون تكاليفها من الثلث. وتخرج كل واجبات الميت المالية من الأصل حتى ولو لم يوص. وقد تكون الوصية واجبا بدنيا فقط كالصوم والصلاة ، يوصى ابنه أن يقضيهما عنه مما فاته. والوصية الواجبة لا تجب إلا على من عليه دين ، أو عنده وديعة ، أو عليه واجب يوصى بالخروج منه. وأما الوصية بجزء من ماله فليست بواجبة ؛ وتجب الوصية للأقربين غير الوارثين ، وتستحب لمن ترك خيرا ، كقوله تعالى : (إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) (١٨٠) (البقرة) ، ومتى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة فلا تستحب له الوصية. ويختلف الحال باختلاف الورثة فى قلّتهم وكثرتهم ، وغناهم وحاجتهم. وتصحّ الوصية مطلقة ومقيدة ، فالمطلقة : أن تقول : إن مت ، فثلث ما أملك للمساكين ، فلو كان مريضا فشفى ثم مات ، فالوصية ماضية ، والمقيدة أن يقول : إن مت من مرضى هذا فثلث ما أملك للمساكين ، فإن شفى من مرضه بطلت الوصية. وقيل المستحب فى الوصية أن لا يزيد الموصى به عن الخمس ، ولا يستوعب الثلث. وإن اقتسم الورثة تركة الميت ثم ظهرت وصية بجزء من المقسوم ، فالحكم فى التركة كما لو ظهر مستحق. وقيل : يقف نفوذ الوصية فى مرض الموت على خروجها من الثلث. وما يخرج فى الوصية عن الواجب المالى ينفّذ بمقدار الثلث مع وجود الوارث ، وإن زادت عنه احتاج ذلك إلى موافقة الورثة ، وفى حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن جاءه يقول إنه ذو مال وليس له إلا ابنة واحدة ، فهل يتصدّق بثلثى المال؟ قال : «لا» ، فقال الرجل : فالشطر؟ أى النصف ، قال : «لا» ، فقال الرجل : فالثلث؟ قال : «الثلث ، والثلث كثير ، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» ويشعر ذلك بأنه إن لم يوجد ورثة جازت الوصية بأكثر من الثلث. ولا

١١٩٤

ميراث ولا وصية مع الدين ، لقوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ) (١٢) (النساء) وإذا كانت الوصية بأكثر من الثلث ، وتعددت الوصايا وتزاحمت ، فإن الثلث يقسّم بين الموصى لهم على قدر سهامهم ، ويقسّم الثلثان على الورثة.

وتبطل الوصية لقاتل الموصى ، وإن أوصى له بعد أن أصابه صحّت وصيته كما لو عفا عنه. ويقدّم من أوصى له الميت بالصلاة عليه. وبعد الموت يشرع فى تنفيذ الوصية والمسارعة فى قضاء دين الميت. وتصحّ الوصية بالمنفعة المؤبدة ، كإيجار الدار ، وثمرة الأرض. ويستحب أن يكتب الوصى وصيته ويشهد عليها شاهدان عدلان لعموم ما دلّت عليه حجيّة البيّنة ووجوب العمل بها ، وتثبت عند الضرورة بشهادة أهل الذمة بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) (١٠٦) (المائدة) وتثبت الوصية بشهادة عدل ويمين ، وبشهادة عدل وامرأتين ثقتين. وتأخذ بعض المذاهب بثبوت الوصية بالمال كله بشهادة أربع نسوة ، وبثلاثة أرباع المال بشهادة ثلاث نسوة ، وبنصف المال بشهادة اثنتين ، وبربع المال بشهادة امرأة واحدة. ويعمل بدلالة ألفاظ الموصى فى الموصى به. ولا تصحّ وصاية أهل الذمة بما هو محرّم فى الإسلام. ومن أوصى لقرابته أو آله أو قومه أو عترته ونحو ذلك ، كانت الوصية للأقرب ثم الأقرب ، وهم : الأب والأم ، والأبناء والبنات ، وبعد الأولاد أولاد البنين وإن سفلوا ، الذكور والإناث ، وأولاد البنات ، ثم من بعد الأولاد الأجداد للأب والأم ، الأقرب فالأقرب ، ثم الإخوة والأخوات ، ثم أولادهم وإن سفلوا ، ثم الأعمام ، ثم بنوهم وإن سفلوا. وإن كانت الوصية لأهل بيته ، تعطى أمه وأقاربها : الأخوال والخالات ، وآباء أمه وأولادهم. وإن أوصى لآله فهم مثل قرابته. وإن أوصى لعترته فهم عشيرته الأدنون وولده الذكور والإناث وإن سفلوا. وإن وصّى لقومه ، أو لنسبائه ، فهم بمثابة أهل بيته. وإن قال لرحمى أو أرحامى ، أو أبنائى ، أو أنسبائى أو مناسبى ، صرفت الوصية إلى قرابته من قبل أبيه وأمه. وإن أوصى لأصناف أهل الزكاة كما فى القرآن ، فهم الذين يستحقون الزكاة ، فيجعل لكل صنف ثمن الوصية ، ويقتصر الصرف على المستحق من أهل بلده ، وإن أوصى للفقراء وحدهم دخل فيهم المساكين. وإن أوصى للمساكين وحدهم دخل فيهم الفقراء لأنهم صنف واحد ، إلّا أن الصنفين كلّ على حدة. وإن أوصى لوارث ، فإنها تجوز لو أجازها الورثة ، وإن أجازها بعضهم نفذت الوصية فيهم بقدر نصيبهم. وإن أوصى بمثل نصيب وارث ، فله مثل نصيبه إضافة على الفريضة ، فإن كان له ابنان وأوصى لأحدهما ، فتكون القسمة بين ثلاثة وليس بين اثنين.

* * *

١١٩٥

٢٣٤٤ ـ الوصاية والوصى

الوصاية : هى أن يعهد إنسان لآخر بالإشراف على تنفيذ وصية له بعد موته ، كأن يفى بديونه ، أو يرعى أطفاله وينفق عليهم ويحافظ على أموالهم ؛ ويعبّر عن الوصاية أحيانا بالولاية ، وبالوصية العهدية ، ويسمى الشخص المعهود إليه بالوصى.

والوصاية ولاية على إخراج حق ، أو على طفل أو مجنون يملك الموصى الولاية عليه بالأصالة من الأب ، أو بالواسطة ، كالوصى المأذون. وتصحّ الوصية إلى العاقل ، المسلم ، العدل ، والمرأة ، ولا تصح إلى مجنون ، ولا إلى الطفل ، وتجوز إلى الصبى المميز ، وتسقط عن الفاسق لأنه غير أهل للوصاية. ويصحّ للوصى قبول الوصاية أو ردّها فى حياة الموصى ، وتأخير القبول إلى ما بعد الموت ، ومتى قبلها صارت لازمة لا يجوز له ردّها ، وله أن يعزل نفسه ، ويجوز أن يكون له جعل معلوم على وصايته ؛ وإذا لم يكن الميت قد عيّن وصيا ، تولى المجلس الحسبى تعيين أحد الأمناء الصالحين من المؤمنين ، مثل : الأب أو الجد ، أو الأم ، ليكونوا أوصياء على أطفالهم ، بالنظر إلى ولايتهم الجبرية ، وللوصى أن يوصى بما أوصاه به الوصى ولا يتعدى ذلك. ولا تؤخذ بشهادة الوصى للأطفال أو للميت ، ولا ينفذ إقراره بدين على الميت فى حق الصغير أو الورثة ، وله أن ينيب غيره فى أعمال الوصاية ، ويجوز أن يكون الأوصياء اثنين فلا ينفرد أحدهما بالتصرف ، وتزول الوصاية على الصغير بسن الرشد ، وعليه أن يلحقه بالتعليم ، وأن يتّجر بماله بعد استئذان المجلس الحسبى.

* * *

٢٣٤٥ ـ الولاية

الولاية هى الوصاية ، وفى الآية : (الْوَلايَةُ لِلَّهِ) (٤٤) (الكهف) يعنى الأمر له ، يجوز كسر الواو وفتحها ، من الموالاة أى المحالفة ، كقوله : (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) (٢٥٧) (البقرة) أى نصيرهم وقوله : (اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا) (١١) (محمد) أى الحفيظ عليهم. وولى اليتيم والمجنون والسفيه : هو الذى يلى أمره ويقوم بكفايته ، ولا بد لكل من يحجر عليه من ولى أو قيّم. وتثبت الولاية للأب ، والجد ، فإن لم يكن جد ، ولا أب ، ولا وصى ، فالولاية للدولة. ولا ولاية للأب رضاعا ، ولا لمن أولده سفاحا. وإن احتلم السفيه ولم يؤنس منه رشد لم يدفع إليه ماله. ويشترط فى الولى : البلوغ ، والرشد ، والإسلام ، والعدالة. وبديهى أن العدالة وسيلة للحفظ ، ولكن تكون تصرفات الولى لمنفعة المولى عليه ، وفى الحديث : «أنت ومالك لأبيك» ، وفيه : «لا يجب أن يأخذ الأب من مال ابنه إلا ما يحتاج إليه مما لا بدّ منه». وفى أى الأحوال لا ينفذ تصرّف الولى إلا فيما فيه المصلحة ، كقوله تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١٥٢) (الأنعام). وللولى أو القيّم أن يتّجر بمال القاصر ،

١١٩٦

أو يعطيه لمن يتّجر به ، أو أن يشترى له عقارا ، أو يبيع من ماله ، أو يرهنه ، بشرط المصلحة ، وأن لا مفسدة ، ولا يجوز له الإقراض من ماله مخافة الضياع ، ولا يبيع من ماله نسبة بأقل من قيمته ، وليس له القصاص ، ولا العفو والصلح إلا ببعض المال مع المصلحة. وللأب والجد أن يزوّجاه ، وليس للوصى ذلك ، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها ولا توكيل غير وليّها فى تزويجها ، وأحق الناس بذلك أبوها ، ولا ولاية لأحد معه ، ولا يجوز للأب أن يطلّق ، لعموم : «الطلاق بيد من أخذ بالساق». وللولى أن يأخذ للقاصر بالشفعة أو يدع ، وله أن يرشى الظالم من مال القاصر لتخليصه وإطلاقه ، وأن يخرج من ماله الحقوق الواجبة كالديون والعوض ، وعليه أن ينفق عليه بالمعروف ، وله أن يأكل من ماله بالمعروف إن كان فقيرا ، لقوله تعالى : (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) (٦) (النساء) ، ويجوز له أن يشترى من مال المولى عليه لنفسه وأن يبيعه ماله ، بشرط المصلحة وعدم المفسدة ، ويجوز للأب أن يشترى من مال ولده الصغير. وإذا بلغ الصغير الرشد ودفع الولى إليه ماله أشهد على ذلك لقوله تعالى : (فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) (النساء ٦) ، ولا تصحّ ولاية كافر على مسلم ، ولا ولاية الفاسق ، وإذا طرأ الفسق فإنه يزيل الولاية ، وإذا تغيّر حال الولى بجنون ، أو كفر ، أو سفه ، زالت ولايته. ويصحّ قبول الولى للولاية ، ويصح له ردّها ، وله عزل نفسه ، وأن يتخذ وكيلا ، ويجوز أن يكون الولاة أكثر من واحد ، وله أن يشترى لليتيم أضحية من ماله ، وعليه أن يلحقه بالتعليم ، وتقبل شهادته على وليّه.

* * *

٢٣٤٦ ـ النّذر

النّذر من العبادات ، وهو ما أوجبه المكلّف عن نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه ، نقول : نذر الرجل كذا ، إذا التزم فعله ، وفى قوله تعالى : (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً) (٣٥) (آل عمران) ، أن أم مريم نذرت نذر الأحرار من الأبرار ، فقد أوجبت على نفسها أن توقف ما تلده على خدمة الله ، وأرادته محرّرا من كل شواغل الدنيا ، من الحرية التى هى ضد العبودية ، وفى قوله تعالى : (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) (٢٦) (مريم) ، أنها نذرت الصوم عن الكلام ، إلا بالإشارة ، ولا يجوز ذلك فى الإسلام وإن كان فى شريعة اليهود ، والذى فى شريعتنا الإمساك عن الكلام القبيح ، بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل ، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إنى صائم». ، وقوله : «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» ، والحديثان أخرجهما البخارى. وصيغة النذر أن يقول : «لله علىّ أن أفعل

١١٩٧

كذا» ، وإن قال : «علىّ نذر كذا» لزمه ، ومثل ذلك إن قال : «إن شفانى الله فعلىّ صوم شهر». والمنذور قد يعيّن بالنيّة ، وإن نذر فعلين أحدهما طاعة والآخر ليس بطاعة ، لزمه فعل الطاعة وكفّر عمّا ترك ، وإن كان المتروك خصالا كثيرة أجزأته كفّارة واحدة. ومن نذر أن يعصى الله لم يجز له ذلك ويكفّر كفّارة يمين. و «نذر اليمين» يخرجه صاحبه مخرج اليمين غير قاصد به النذر ولا القربة ؛ و «نذر المستحيل» لا يوجب شيئا ؛ و «نذر المعصية» لا يحل الوفاء به ؛ و «نذر الطاعة» ـ سواء كانت طاعة مشروطة ـ أو غير مشروطة واجب ، إلا أن تكون الطاعة لا أصل لها فى الوجوب كعيادة المريض ؛ و «نذر ما لا يطاق» كأن يعجز عنه فعليه كفارة يمين ، وإن كان بعذر انتظر زواله ولا تلزمه كفارة ؛ و «نذر الواجب» كالصلاة المكتوبة لا ينعقد ؛ ومن نذر أن يتصدّق بماله كله أجزأه الثلث ؛ وإذا نذر هديا مطلقا لم يجزئه إلا ما يجزئ فى الأضحية ، وإن عيّن الهدى أجزأه ما عيّنه ؛ ومن نذر صوم الدهر لزمه ؛ ومن نذر الاعتكاف فى مسجد بعينه لم يجز إلا فى أحد المساجد الثلاثة : المسجد الحرام بمكة ، ومسجد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة ، والمسجد الأقصى بالقدس ، وأفضلها المسجد الحرام ؛ ولا تنذر المرأة الاعتكاف إلا بإذن زوجها ؛ ومن ينذر اعتكاف يوم أو شهر لزمه ، ومن نذر الطلاق يكفّر كفارة يمين ؛ ومن نذر حجا ، أو صلاة ، أو صياما ، أو صدقة أو غيرها من الطاعات ، ومات قبل فعله ، فعله الولىّ عنه ؛ وإن كان المنذر مالا وللميت تركة وجب الوفاء منها ؛ ومن نذر الصدقة بإبراء مدين من الدين لا يجزئه ؛ ويجوز الأكل من الأضحية المنذورة ؛ وأخذ ذوى القربى من النذر.

* * *

٢٣٤٧ ـ المسئولية فى إنفاق المال فردية واجتماعية

كل من لم يحسن إنفاق ما فى يده من مال فهو مسرف ، وقد حرّم الله أن يوضع المال تحت تصرّف المسرفين فقال : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) (٥) (النساء) ، والآية عامة فى حق كل سفيه ، صغيرا كان أو كبيرا ، ذكرا كان أو أنثى. والسفيه : هو الذى يضيع المال ، ويفسده بسوء تدبيره ، كقوله تعالى : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) (٢٠٥) (البقرة) ، وقوله : (إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (٨١) (يونس) ، ومن ثم كان الحجر على السفيه واجبا ؛ والحجر هو المنع من التصرف فى المال ، يقع تارة لمصلحة المحجور عليه ؛ وتارة لحق غير المحجور عليه ، ويصحّ الحجر على اليتيم طالما يعجز عن إدارة ماله ، وعن ابن عباس لمّا سألوه : متى ينقضى يتم اليتيم؟ قال : فلعمرى إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ، ضعيف العطاء ، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما أخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم. وفى الحديث : «إن الله حرّم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ، ومنع وهات ، وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة

١١٩٨

المال» ، أراد بإضاعة المال السرف فى إنفاقه ، وكلنا مسئولون عمّا فى أيدينا من أموال ، وفى الحديث : «كلكم راع ومسئول عن رعيته ، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته ، والرجل فى أهله راع وهو مسئول عن رعيته ، والمرأة فى بيت زوجها راعية وهى مسئولة عن رعيتها ، والخادم فى مال سيده راع وهو مسئول عن رعية ، والرجل راع فى مال أبيه وهو مسئول عن رعيته». تأكيد على مسئولية الجميع إزاء إنفاق المال ، كلّ فيما عهد إليه به ، فالمسئولية فردية بقدر ما هى جماعية أو اجتماعية.

* * *

٢٣٤٨ ـ الأيمان

الأيمان جمع يمين ، من اليمن وهو البركة ، سمّيت كذلك لأنها تحفظ الحقوق ؛ واليمين هى الحلف ، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تقاعدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ، ثم كثر ذلك حتى سمى الحلف والعهد نفسه يمينا. وفى الآية : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ) (٨٩) (المائدة) ، واللغو مصدر لغا يلغو ويلغى ، إذا أتى ما لا يحتاج إليه فى الكلام ، أو بما لا خير فيه ، و «يمين اللغو» : هى قول الرجل فى الدارج من كلامه : لا والله ، وبلى والله ، دون قصد لليمين. ومن أقوال عائشة : أيمان اللغو : ما كانت فى المراء ، والهزل ، والمزاحة ، والحديث الذى لا ينعقد عليه القلب». وقيل : إن أيمان اللغو : ما يحلف به على الظن ، وهو أن يحلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه ، فإذا هو ليس هو ، وليس فى هذا الحلف كفّارة. وقيل : «لغو اليمين» : أن تحلف وأنت غضبان ، وفى الحديث : «لا يمين فى غضب» أخرجه مالك. وقيل : هو اليمين تحلف بها تحرّم الحلال ، كأن تقول : مالى علىّ حرام إن فعلت كذا ؛ وقيل هو «يمين المعصية» : كالذى يحلف ليشربنّ الخمر ، أو ليقطعنّ الرحم ، فبرّه ترك ذلك ، ولا كفّارة عليه ، وفى الحديث : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها ، فإنّ تركها كفّارتها» أخرجه ابن ماجة. وقيل : لغو اليمين : هى اليمين المكفّرة ، أى إذا كفّرت اليمين سقطت وصارت لغوا ، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها مع الرجوع إلى الذى هو خير. وقيل : اللغو أيمان المكره ، ويمين المكره بمثابتها. وأصل الأيمان أربعة أقسام : قسمان فيهما الكفّارة ، وقسمان لا كفّارة فيهما ، واللذان يكفّران : مثل الرجل يحلف والله لا أفعل كذا ويفعل ، والرجل يحلف والله لأفعلن كذا ولا يفعل ؛ واللذان لا يكفّران : كقول الرجل والله ما فعلت وقد فعل ، أو يقول والله لقد فعلت وما فعل. و «اليمين المنعقدة» : من العقد وهو عقد القلب فى المستقبل ألا يفعل ففعل ، أو

١١٩٩

ليفعلن فلا يفعل ، فهذه التى تحلّها الكفّارة ، أو أن يستثنى فيقول إلا لو كذا. وفى اليمين المنعقدة يحدث أن يكرر الحالف ، فإذا كرر زادت الكفارة ، كأن يحنث الرجل فى يمينه ، فيطعم عشرة مساكين ، فإذا وكّد اليمين كفّر بأكثر من ذلك ، وتأكيد اليمين أن يحلف على الشيء مرارا. و «اليمين الغموس» : يمين مكر وخديعة وكذب ، فلا تنعقد ولا كفّارة لها ، لأن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله ، أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله ، وعلى ذلك فاليمين الغموس لا كفارة فيها. وقوله تعالى : (وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) (٢٢٤) (البقرة) : هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته ، فجعل الله له مخرجا فى التكفير. والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أدرج اليمين الغموس ضمن الكبائر ، وفسّرها فقال : «التى تقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب» ، وقال : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة» ، فسأله رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال : «وإن كان قضيبا من أراك» أخرجه مسلم. و «اليمين الغموس المصبورة» : هى التى ألزم بها الحالف وحبس عليها وكانت لازمة له ، وهى مصبورة لأنه صبر من أجلها ، أى حبس ، فوصفت بالصبر وأضيف إليها مجازا ، وتسمى أيضا «يمين صبر» ، وفى هذه اليمين نزلت الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً) (٧٧) (آل عمران). وقيل سميت اليمين الغموس غموسا لأنها تغمس صاحبها فى النار. والكفّارة فى اليمين لرفع الإثم ، وتجزئ بالإطعام والكسوة ، أو بصدقات تساوى تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

واليمين من أهم الطرق التى يبتنى عليها الحكم فى باب القضاء ، وشرّعت للفصل فى الخصومات ، لا لإثبات الواقع ولا للكشف عنه ؛ والمدّعى : هو من لو ترك ترك ؛ والمدّعى عليه : هو من لو ترك لم يترك. ووظيفة المدّعى : الإدلاء بالبيّنة ؛ ووظيفة المنكر : حلف اليمين ؛ وقد تتجه اليمين إلى المدعى كأن يكون أمينا فيدّعى تلف العين بلا تعدّ ولا تفريط. وقد لا يقبل اليمين من المنكر كأن يكون وكيلا أو وليا أو وصيا. والغالب فى الحالف أن يكون منكرا ، وفى صاحب البيّنة أن يكون مدعيا ويشترط فى الحالف العقل ، والبلوغ ، والاختيار ، والمسئولية. وإن كانت الدعوى متعلقة بفعل الحالف حلف عليها واقعا ، وإن كانت متعلقة بفعل الغير حلف على نفى العلم. وموضوع اليمين : هو الحقّ المحلوف من أجله ، ويشترط صحة الحكم به إثباتا أو نفيا ، بحيث لو حلف المنكر حكم ببراءته ، أو حلف المدعى حكم بثبوت حقّه. ويشمل هذا الحق : العين ، والدين ، والعقود ، والموجبات ، والجنايات ، والأحوال الشخصية وما إليها ، ما عدا حقوق الله وهى الحدود. و «اليمين العقيمة» : هى التى لا يصحّ بناء الحكم عليها ، فلا تتجه على أحد مدعيا أو مدّعى عليه ، كأن ينكر الشاهد

١٢٠٠

علمه بواقعة فلا تتجه اليمين على المنكر. وصيغة اليمين بالحلف بالله تعالى وبأسمائه الحسنى ، كالرحمن والسميع ، والعليم ، والحليم ، ونحو ذلك من أسمائه وصفاته ، كعزّته ، وقدرته ، وعلمه ، وإرادته ، وكبريائه ، وعظمته ، لأنه يمين بقديم غير مخلوق ، فكأن الحالف بها كالحالف بالذات. ومن يحلف بالله ، أو قال : والله ، أو تالله ، فحنث عليه كفّارة. وفى الحديث : «لا تحلفوا إلا بالله ، ومن حلف بالله فليصدق ، ومن حلف له بالله فليرض ، فإن لم يرض فليس من الله» ، وقال : «من حلف فليحلف بالله أو ليصمت». ولا يحلف بالقرآن ، ولا بالرسل ، والكعبة ، ولا بالمصحف ، ولا كفّارة على الحلف بذلك. والحلف بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قيل فيه يجوز ، لأنه حلف بما لا يتم الإيمان إلا به فتلزمه الكفّارة. والصواب أن الحلف لا يكون إلا بالله ؛ ولا يجوز الحلف بالآباء وبالأمهات ، وفى الحديث : «لا تحلفوا بآبائكم وأمهاتكم ولا بالأنداد ، ولا تحلفوا إلا بالله ، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون». ومن قال إنى برىء من الإسلام ، أو النبىّ ، أو القرآن ، تلزمه الكفارة. وقيل إن الحلف بعزة الله ، أو بحق الله ليست بيمين ولا كفّارة فيها. واليمين فى مسائل القضاء إما قضائية أو غير قضائية ، والأولى منها «اليمين الحاسمة» التى يوجهها الخصم إلى خصمه عند عجزه عن إثبات حقّه ، حسما للنزاع ؛ ومنها «اليمين المتممة» التى يوجهها القاضى من تلقائه لأحد الخصمين تتميما لما بين يديه من الأدلة. و «اليمين الحاسمة» قسمان : «يمين الإنكار» ، و «يمين الإثبات» ، فالمدّعى عليه يمكن أن يسكت ، أو يقرّ ، أو ينكر ، فإذا أنكر فللمدّعى الحقّ أن يطلب من القاضى أن يحلّفه اليمين ، فإذا حلف سقطت الدعوى ، للحديث : «ذهبت اليمين بحقّ المدّعى» ، وإن لم يحلف فإمّا أن يردّ اليمين على المدعى وهذه هى «اليمين المردودة» ، وإما أن ينكل ويمتنع عن الحلف والردّ معا ، ومن امتنع عن الاختيار فقد اختار ، ويكون الناكل هو الذى حكم بنفسه على نفسه. و «اليمين المنضمة» هى أيضا المتممة : وهى التى تضم إلى شهادة شاهد واحد ، أو إلى شهادة امرأتين ، لإثبات الحقوق المالية. و «يمين الاستظهار» : هى التى تسمع فى الدعاوى على الورثة فى دين على مورّثهم ، ولا يثبت الدين إلا بالبيّنة ويمين المدّعى معا. و «الحلف الكاذب» إثم كبير ، وقيل إنه من الكبائر.

* * *

٢٣٤٩ ـ المسلم عند شروطه

الشروط جمع شرط ، وهو ما يستلزم نفيه نفى أمر آخر غير السبب. والشرط فى البيوع إذا نافى مقتضى العقد يبطل البيع ؛ والشرط فى المهور عند عقدة النّكاح ؛ وفى الحديث : «أحق الشروط أن توافوا بها ما استحللتم به الفروج» ، وكل شرط وقع فى رفع حدّ من حدود الله فهو باطل ، وكل صلح فيه فهو مردود ؛ ولا يصحّ أن تشترط المرأة طلاق أختها ، وتصح الشروط بالقول.

* * *

١٢٠١

٢٣٥٠ ـ الباطل فى المعاملات لا يجوز

الباطل فى اللغة هو الذاهب الزائل ، وجمعه بواطل ، وتبطّل أى اتّبع اللهو ، وأبطل إذا جاء بالباطل ، كقوله تعالى : (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ) (فصلت ٤٢) ، قيل الباطل هو إبليس ، وقوله : و «يمح الله الباطل» (الشورى ٢٤) ، يعنى الشرك. والبطلة والمبطلون هم أهل الباطل ، ومنهم أهل الكتاب ، سمّوا كذلك لأنهم يعلون الباطل على الحق كقوله تعالى : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَ) (٧١) (آل عمران). والآية : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) (البقرة ١٨٨) هى مستمسك كل مخالف للباطل فى المعاملات وفى غيرها ، وهى دليلهم على عدم جواز الباطل فى الحقوق وفى غيرها. ولا تعيين للباطل فى الآية ، ولكنه مطلق الباطل ، فكل باطل لا يجوز.

* * *

٢٣٥١ ـ الاضطرار والمضطر

الاضطرار من ضرّ ضد نفع ؛ والضرورة الحاجة ، والمشهور أن «الضرورات تبيح المحظورات» ، أى أن الحاجة قد تضطر صاحبها إلى أن يفعل ما هو ممنوع عمله ، كقوله تعالى : (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (١١٩) (الأنعام) ، وقوله : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (١٧٣) (البقرة) أى من اضطر إلى شىء من المحرّمات وأحوج إليها ؛ وقد لا يخلو الاضطرار أن يكون بإكراه من ظالم ، أو بجوع فى مخمصة ، كالمسلم يؤسر فيكرهه العدو أن يأكل لحم الخنزير ، أو أن يزنى ؛ والسرقة يرخّص بها للجائع المضطر الذى لا شىء معه يشترى به ، بشرط أن يأكل ما يزيل عنه الجوع ولا يأخذ شيئا فى وعاء ، فلا يحمل إلا ما كان فى بطنه ، ويباح ذلك فقط فى أوقات المجاعة والضرورة ، لأن الأصل تحريم مال الغير إلا بطيب نفس من الغير. وأباح الرسول صلى الله عليه وسلم أكل الميتة بقدر ما يسدّ الرمق ، وبشرب الخمر إن ردّت فى الشارب الجوع أو العطش ، وحتى البول قد يكره عليه أو يضطر إليه ، ولا يجوز له قتل إنسان والأكل منه. ويجوز شرب الخمر للعطش لا للتداوى. وفى قوله «غير باغ ولا عاد» أنه لا يأكل فوق حاجته ، ولا يعتدى على أحد إلا مدافعة لأذاه ؛ والعادى هو الذى يغير على الناس ، أو يقطع الطريق ، بدعوى أنه مضطر ، فيتمادى فى المعصية. وليس فعل المحرمات عند الضرورة رخصة ، بل هو عزيمة واجبة ، ولو امتنع المشرف على الموت من شدّة الجوع ، من أكل الميتة مثلا كان عاصيا ، فإن إتلاف المرء لنفسه أشد معصية من الاضطرار إلى المحرّمات. والخلاصة : أن المضطر غير باغ ولا عاد ولا إثم عليه. وإذا اشتدت المخمصة فى سنة المجاعة وأصابت الضرورة الناس ، وكان عند البعض قدر كفايته وعياله ، لم يلزمه بذله للمضطرين ، وليس لهم أخذه منه ؛ غير أن من كان عنده

١٢٠٢

مال أو طعام زائد عن حاجته ولن يضطر إليه ، يلزمه بذله للمضطر ، فإن لم يفعل فللمضطر أخذه منه ولو بالقتال ، فإن قتل المضطر فهو شهيد ، وعلى قاتله ضمانه. وهذا المبدأ هو قاعدة فى ثورات الخبز والطعام ، وحيثما كانت الفوارق الطبقية شديدة ، وتوزيع الثروة القومية مختلا اختلالا بشعا كما هو الآن فى بلادنا حيث متوسط دخل الفرد أقل من دولار ونصف بينما آخرون يزيد دخلهم فى اليوم الواحد عن الآلاف المؤلّفة. وفى مثل هذه الثورات إن قتل صاحب الطعام أو الثروة فدمه هدر. غير أنه فى الإسلام فإن أخذ المال للضرورة يلزم الآخذ عوضه عند اليسر ، ويبقى فى ذمته. والمحرم المعدم قد يضطر إلى ذبح الصيد وأكله ، ولأنه مضطر فذبحه يكون ذكيا ، والصيد يكون طاهرا.

* * *

ثالثا : الإسلام الجنائى

* * *

٢٣٥٢ ـ الثواب والعقاب من فلسفة الإسلام

يقول تعالى : (تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ) (٣٥) (الرعد) ، أى عاقبة أمر المتقين الجنة ، وعاقبة أمر المكذّبين النار ، جزاء وفاقا. والثواب هو الجزاء على الأعمال خيرها وشرّها ، من أثاب أى جازى ، كقوله فى الثواب على الشر : (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) (المطففين ٣٦) ، وقوله فى الثواب على الخير : (فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ) (آل عمران ١٤٨). والعقاب هو الجزاء بالشرّ ، والعرب يقولون : أعقبه أى جازاه بخير ، وعاقبه أى جازاه بشرّ ، فالعاقبة الجزاء بالخير ، والعقاب الجزاء بالشر. وفى القرآن : (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) (النحل ١٢٦) ، ومن أسمائه تعالى أنه قوى شديد العقاب (غافر ٢٢) ، وسريع العقاب (الأنعام ١٦٥) ، وذو عقاب أليم (فصلت ٤٣). والجزاء من جزى يعنى المكافأة على الشيء ، وتستعمل بمعنى الثواب ، كقوله : (وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) (٨٥) (المائدة ٨٥) ، وبمعنى العقاب كقوله : (كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ) (البقرة ١٩١) ، والثواب العقاب والجزاء فى القرآن قد يكون جسديا ، أو إلهيا ، أو شرعيا ، أو معنويا ، أو ذاتيا ، أو اجتماعيا ، وفى كل الأحوال فإن الثواب والعقاب والجزاء يكون بما يلائم الطبع كقوله تعالى : (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (النساء ٧٩). وفى نظرية القانون أن كل فعل محرّم لا بد له من عقوبة ، وفى نظرية التعلّم أن الثواب يعزّز السلوك الصائب ، والعقاب ينفّر من السلوك المشين ، وأن كل كائن حىّ بما فى ذلك الإنسان ينشد الثواب ويطلبه حثيثا ، ويتعلم من خلال توقّع الثواب واجتناب العقاب.

* * *

١٢٠٣

٢٣٥٣ ـ نظرية الحدود فى القرآن

الحدود جمع حدّ ، وهو فى اللغة ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما ، وحدّ الدار ما يميّزها ، وحدّ الشيء وصفه المحيط به المميز له. وحدود الله : هى أحكامه الواجب مراعاتها ، وهى أوامره ونواهيه ، وسميت «حدود الله» لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها ، وأن يخرج منها ما هو منها ، كقوله تعالى : (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) (١٤) (النساء) ، فالحدود أحكام قد بيّنها ليعرفها الناس ويعملوا بها ، فلا يتعدّوها ، وفى آية أخرى قال فلا يقربوها : (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها) (١٨٧) (البقرة) ، فقسّم الحدود قسمين ، منها حدود الأمر بالامتثال ، وحدود النهى بالاجتناب ، والأولى ، مثل الأمر بجميل العشرة وحسن الصحبة للزوجين ؛ والثانية : مثل القتل والزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ؛ وفى الحالتين فإن الحدود هى التى تفصل بين الحلال والحرام ، ومنها ما زجر عن فعله ، ومنها ما زجر من الزيادة عليه أو النقصان منه.

* * *

٢٣٥٤ ـ الحدود والدية والتعزير من مصطلحات القرآن دون التوراة

هذه المصطلحات القانونية الجنائية من مصطلحات القرآن ، ولا توجد مبانيها فى التوراة والأناجيل وإن كانت بعض معانيها تأتى فى التوراة عرضا ، والإسلام وحده هو الذى انفرد بهذه المصطلحات بشكل واضح وصريح ، ويحفل بها القرآن والسنّة ، ومنها مصطلحات كالحرمان ، والعزل ، والنفى ، ويوجد منها ما يشبهها فى اليهودية ، وهى من وضع الأحبار فيما يسمى عهود ما بعد التوراةPost ـ biblical ـ times ، ويسمون ذلك شريعة الأحبارrabbinic law ، فعندهم مثلا أن من لا يقدر على الدية ولا الكفّارة فله أن يصوم. والجلد كذلك عندهم ، وأقصى عقوبة جلد لا تزيد عن ٣٩ جلدة ، ويعاقب به نحو ١٦٨ ذنبا.

* * *

٢٣٥٥ ـ آية السرقة

من سرق يسرق سرقا ، وأصل اللفظ هو أخذ الشيء فى خفية من الأعين ، ومن ذلك أن تقول استرق السمع ، وسارقه النظر. وقيل : السارق هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له ، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ، ومستلب ، من الاستلاب ، ومنتهب من الانتهاب. ومحترس ـ والحريسة هى ما يسرق ظاهرا ، فإن تمنّع بما فى يده ـ أى تقوّى ـ فهو غاصب ، وليس على أىّ من هؤلاء قطع. وتعقب الآية : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ

١٢٠٤

عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٩) (المائدة) آية الحرابة التى تقول : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) (٣٣) (المائدة) ، فبعد أخذ الأموال بطريق السعى فى الأرض بالفساد ، كانت : آية السرقة ، وحدّ السرقة فيها هو قطع يد السارق ، وكان هذا الحدّ معروفا فى الجاهلية ومعمولا به ، فلم يكن جديدا فى الإسلام ، وقيل إن أول من حكم بقطع يده فى الجاهلية كان : الوليد بن المغيرة ؛ أما فى الإسلام فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الرجال : الخيار بن عدىّ بن نوفل بن عبد مناف ، ومن النساء : مرّة بنت سفيان بن عبد الأسد من بنى مخزوم ، وقطع أبو بكر اليمنيّ (من اليمن) الذى سرق عقد أسماء بنت عميس زوجة أبى بكر ، وقطع عمر ابن سمرة.

وظاهر الآية العموم فى كل سارق ، ولكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يطبق ذلك على كل سارق ، فهناك نصاب لا يقطع من تقل سرقته عنه ، يختلف مقداره وقيمته باختلاف البلدان والأزمان. والسرقة نوعان : سرقة صغرى : كالذى يسرق ما مقداره المال القليل استغفالا ، وسرقة كبرى : وهى أخذ المال الكثير مغالبة أو احتيالا كالذين يسرقون الآن المليارات من البنوك في شكل قروض ، ثم إن من السرقة ما يوجب التعزير ، وهى التى لم تتوفر فيها شروط إقامة الحد ، ومنها ما يوجب الحدّ وهى على ظاهر الآية كل ما له قيمة وفيه إضرار شديد بالناس وبالاقتصاد الوطنى.

* * *

٢٣٥٦ ـ متى يسمى السارق سارقا؟

يسمى سارقا إذا سرق فاستوجب الحدّ ، وذلك بأن يكون بالغا ، عاقلا ، وأن لا يكون مكرها على السرقة مسلوب الاختبار ، ولا يكون فيما سرقه شبهة فلا يقطع أحد الزوجين إذا سرق أحدهما الآخر ، لشبهة اختلاط ماليهما ، وأن يكون المال المسروق غير محرّز تماما ، فذلك ما يجعل الشبهة فى المسروق فيسقط القطع. ولا يقطع الخادم الذى يعيش مع المالك فى بيته ويخدمه بنفسه ، وليس صحيحا أن من سرق من المال العام ، لا يجرّم بدعوى أن له حقّا فيه ، فالضرر فى المال العام لا يلحق بفرد وإنما بالمجتمع والأمة كلها والدولة برمتها. ويجرّم من يسرق من مال له شركة فيه ، والذى يسرق المدين المماطل فى السداد أو الجاحد للدّين ، بدعوى أنه استرداد للدين ، فربما كان الدين باطلا ولا حقّ له عند المسروق منه. ولا يجرّم من سرق طعاما يحتاجه ، وتسقط تهمة السرقة فى عام المجاعة. والشركة العامة فى الأشياء لا توجب سرقتها التجريم ، كالكلإ والماء والنار ، وهى ليست أموالا تملّك ويحل بيعها وتموّل.

* * *

١٢٠٥

٢٣٥٧ ـ لما ذا يقطع الذى يسرق ما قيمته ربع دينار ، ولا يقطع المختلس للملايين؟

قيل الجواب : أن الاختلاس قليل بالنسبة إلى السرقة ، وفى الاختلاس تسهل إقامة البيّنة ، واستعادة المال المختلس ، بخلاف السرقة ، فبمجرد أن يخرج السارق بالمال من حيازة المالك يصعب جدا إقامة البيّنة عليه ، ولا يمكن الاحتراز منه ، لأنه يسطو على المنازل ، ويكسر الأقفال ، ويهتك الأحراز ، وينشر الخزائن ، ولا يستعصى عليه شىء رغم كل احتياطات المالك ، وأما فى الاختلاس فالمختلس يفعل ذلك جهارا نهارا وإنما استغفالا للمالك ؛ فيمكن الاحتراز منه مع التنبّه واليقظة ، ولكثرة السرقات شدّدت عقوبتها عن أى من جرائم المال الأخرى ، وجعلت فى القليل كالكثير ، والسارق يضرّ بسرقة القليل ، فلو عوقب العقاب الرادع يمتنع عن سرقة الكثير. ومع ذلك فهذا التمييز بين السارق والمختلس من أقوال الفقهاء ، وأما فى القرآن فالسرقة يقصد بها مطلق السرقة وكل عدوان على المال ، وسرقة الأفكار من ذلك.

* * *

٢٣٥٨ ـ جاحد العارية ليس بسارق لغة ولكنه سارق شرعا

جاحد العارية هو الذى يستعير الشيء ثم يجحده ، وواقعة المخزومية مشهورة فإنها كانت تفعل ذلك مع الناس فشكوها للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقضى فيها بالقطع ، وأراد أسامة بن زيد أن يشفع فيها ، لأنه لم يعتبرها سارقة. وقيل : إن إدخال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاحد العارية تحت اسم السارق ، كإدخال سائر أنواع المغيّبات للوعى تحت اسم الخمر ، فالجاحد للعارية إن لم يكن سارقا لغة ، فهو سارق شرعا ، والشرع مقدّم على اللغة. والمهم فى هذه الواقعة ليس ما سرقته المخزومية ، وإنما أنها كانت من أسرة كبيرة فأرادوا تمييزها ، فقضى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن الكل سواء أمام القانون.

* * *

٢٣٥٩ ـ ما حكمة بداية آية السرقة بالسارق قبل

السارقة ، وآية الزنا بالزانية قبل الزانى؟

الحكمة فى ذلك أن حب المال يغلب على الرجال فيميل بهم إلى السرقة أكثر من النساء ، فبدأت آية السرقة لذلك بالسارق قبل السارقة تنبيها إلى هذه الحقيقة ، بينما تغلب على النساء شهوة الاستمتاع ، وقد تميل بهن إلى الزنا ، ولذلك تفشّى الزنا فيهن أكثر من الرجال. وهذه حقيقة علمية. ثم جعل الله حدّ السرقة قطع اليد لتناول المال ، ولم يجعل حدّ الزنا قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به ، لأن السارق لديه يدان فإذا قطعت إحداهما اعتاض عنها بالثانية ، وليس للزانى مثل ذكره فإذا قطع لم يعتض بغيره. والقطع غايته

١٢٠٦

الزجر فلا يعود للجرم ، فلو قطعت يد ، انزجر السارق وحرص على يده الثانية ، ولكن الزانى إذا قطع ذكره فما ذا يفيد ذلك من الزجر؟! وأيضا فإن القطع ظاهر فى السرقة فيذكّر السارق باستمرار ، ويرى أثره على وجوه الناس ، ولكن الذكر لو قطع ، فقطعه غير ظاهر ولن يراه أحد ، وسينساه صاحبه. وأيضا فإن قطع اليد ليس فيه إبطال للعمل ، فهناك اليد الأخرى ، ولكن قطع الذكر فيه إبطال النسل وهو حياة الرجل كلها.

* * *

٢٣٦٠ ـ الحرمات قصاص

الآية : (وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (١٩٤) (البقرة) أصل فى العقاب بالمثل ، وخصوص الآية أن المشركين استحلوا قتال المسلمين فى الشهر الحرام اعتمادا على أنهم ممنوعون من القتال فيه ، فنزلت الآية تقول : إن استحلّوا ذلك فقاتلوهم ، فأباح الله بالآية مدافعتهم. وعموم الآية : أن من تعدّى عليه فى مال أو جرح ، له أن يتعدّى بمثل ما تعدّى به عليه إذا ظهر له ذلك ، وليس بينه وبين الله تعالى فى ذلك شىء. والحرمات فى الآية جمع حرمة وهى ما نمنع من انتهاكه. والحرمات قصاص قال به أحبار اليهود وحكموا بمقتضاه. والقصاص هو العقاب ، والآية موجهة لعموم المسلمين ، أى للحكومات والحكام ، فإذا انتهكت الحرمة يعاقب منتهكها بقدرها أو بمثلها. وأمور القصاص فى الدولة الإسلامية وقف على الحكومات والحكام ، غير أنه فيما يتعذر إثباته بالبينة يجوز لصاحب الحق أن يتوصل إلى أخذ حقه بطريقته ما لم يعدّ سارقا ، وقيل لا يعد ذلك جرما وإنما هو وصول إلى الحقّ ، غير أن صاحب الحق قد لا يكون على حقّ فعلا ، ولكنه يظن أنه على حق. وفى الحديث أن زوجة أبى سفيان لمّا اشتكت من شحّه فسألت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هل يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها الشحيح دون علمه؟ قال لها : «خذى ما يكفيك ويكفى ولدك بالمعروف» ، يعنى لا تجور ولا تزيد ، وقوله تعالى : «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» قاطع فى موضع الخلاف ، إلا أن العقاب موكول للجماعة فى الآية ـ أى للدولة ـ وليس للأفراد كلّ على حدة. ومقابلة العدوان بالعدوان عدوان لا شك فيه ، ولكنه فى حالة الجماعة أو الأمة عدوان مباح.

* * *

٢٣٦١ ـ المماثلة فى القصاص

آية المماثلة فى القصاص هى الآية : (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) (١٢٦) (النحل) ، والآية : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (١٩٤) (البقرة) ، وكلتاهما بمعنى واحد ، وهما أصل للمماثلة فى القصاص ، والأمر فيه وقف على الحكومات

١٢٠٧

كما ذكرنا. والقصاص البسيط قد يقوم به صاحبه ، فمن ظلمك يجوز لك أن تأخذ حقّك منه بقدر مظلمتك ، ومن شتمك يجوز لك أن تردّ عليه مثل قوله ، بشرط أن لا تتعدى إلى الأبوين أو الأسرة والأقارب ، وليس للمسلم أن يكذب على الناس وإن كذبوا عليه ، والمعصية لا تقابل بالمعصية ، فلو قال لك أحدهم : يا كافر ، جاز لك أن تقول له أنت الكافر ؛ وإن قال لك : يا زان ، فقصاصك أن تقول له : يا كذّاب. ولو قلت له يا زان ، كنت كاذبا وأثمت فى الكذب. وإن ماطلك دون عذر فى دفع ما عليه وهو غنىّ ، فيجوز أن تقول له : يا ظالم! يا آكل أموال الناس ؛ وفى الحديث : «لىّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته» واللىّ هو المطل ، والواجد الغنيّ ، والعرض ما تعلق بشرفه وليس بشرف أبويه ولا أهل بيته ، والمعنى أن الغنى المدين الذى يتهرّب من الدفع تحلّ إهانته ، وإنزال العقاب به ، وعقوبة هذا الغنى المماطل فى الدفع هى السجن ، وعلى صاحب الدين أن يشكوه إلى الجهات المختصة فتأتيه بحقه ، فعند ما توجد حكومة وقانون لا يحل لأحد أن يقتص من أحد ، والخطاب فى الآيتين لجماعة المسلمين كما ذكرنا ، أى للحكومة أو النظام الحاكم.

* * *

٢٣٦٢ ـ جزاء العقوبة عقوبة مثلها

فى قوله تعالى : (وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ) (٦٠) (الحج) أن الظالم يجازى بمثل ما ظلم ، فسمى جزاء العقوبة عقوبة ، لاستواء الفعلين فى الصورة ، كقوله تعالى : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (٤٠) (الشورى) ، وقوله : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (١٩٤) (البقرة).

* * *

٢٣٦٣ ـ من يعمل سوءا يجز به

هو مبدأ إسلامى عام ، فالكل سواء أمام المساءلة والجزاء : البرّ والفاجر ، والعدو والولى ، والمؤمن والكافر. وفى الآية : (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) (١٢٣) (النساء) ، والسوء هو الجرم أيا كان ، والجزاء عليه قد يكون لمرة واحدة وقد يتعدد ، وقد يقتصر جزاء التّقى فى الدنيا ، وأما العصىّ فقد يتعدّد جزاؤه فى الدنيا والآخرة ويجتمع عليه الجزاء فى الموطنين. ولما نزلت هذه الآية أثار هذا النصّ جدلا عنيفا وانتاب الناس الخوف ، فقال أبو بكر : كل شىء عملناه جزينا به؟ وردّ عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يفسّر الآية : «ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء (يعنى الشدّة) ، فذلك مما تجزون به. أما انت يا أبا بكر والمؤمنون ، فتجزون بذلك فى الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب ، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة» ، وقال : «قاربوا وسدّدوا ، ففي كل ما يصاب به المسلم كفّارة ، حتى النكبة ينكبها ، والشوكة يشاكها».

* * *

١٢٠٨

٢٣٦٤ ـ الجزاء بالكسب

يقول تعالى : (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ) (١٧) (غافر) واليوم المقصود هو يوم الحساب ، والكسب إما خير أو شرّ ، والله لا يظلم أحدا. والمعنى العام أن الجزاء بالكسب ، أو بما اكتسب كلّ من الأعمال.

* * *

٢٣٦٥ ـ فى الدماء لا فرق بين مسلم وكافر

نسبوا إلى علىّ بن أبى طالب قوله عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يقتل مسلم بكافر» ، والصحيح ما رواه ربيعة قال : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر ، ثم إن الحديث عن علىّ ينسخ القرآن وهذا لا يجوز ، وفى القرآن : (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (٤٥) (المائدة) ، أى أن النفس مكافئة للنفس ، ويكافئ الطفل فيها الكبير ، والإجماع على قتل الرجل بالمرأة ، والمرأة بالرجل ، والمسلم بالكافر ، والكافر بالمسلم ، ويقتل الحر بالعبد ، وفى الحديث : «من قتل عبده قتلناه» ، وحتى الأب يقتل بابنه ، كما يقتل الابن بأبيه ، وجملة الآية فى ذلك : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) (١٧٨) (البقرة) ، والمراد بالقصاص قتل من قتل كائنا من كان ، وحتى الجماعة تقتل بالواحد ، وفى الحديث : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» ، بل إن الناس جميعا تتكافأ دماؤهم ، وفى الحديث : «القتل سواء» ، يعنى أنه : فى القتل فإن القصاص على من قتل مهما كان.

* * *

٢٣٦٦ ـ معنى التكافؤ فى القصاص

قالوا إن الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى) (١٧٨) (البقرة) أصل فى اشتراط التكافؤ فى القصاص ، وذهب البعض إلى أن الحر لا يقتل بالعبد ، والرجل لا يقتل بالمرأة ، وإنما العبد يقتل بالعبد والمرأة تقتل بالمرأة. ومن قال بالتكافؤ فى القصاص احتج بالآية : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (٤٥) (المائدة) ، فالحرّ إذن يقتل بالعبد ، كما يقتل المسلم بالكافر والذمىّ ، ويقتل الذكر بالأنثى. وقيل إن عليا ذهب إلى عدم المساواة بين الحر والعبد ، وبين الذكر والأنثى ، ولم يثبت ذلك عن علىّ.

* * *

٢٣٦٧ ـ القصاص قتل من قتل كائنا من كان

الكثيرون وخاصة فى صعيد مصر يقتلون بمن قتل من لم يقتل ، ويقتلون فى مقابلة الواحد مائة ، افتخارا واستظهارا بالجاه والمقدرة ، وكان هذا هو شأن العرب أيضا قبل

١٢٠٩

الإسلام ، وقبل نزول الآية : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) (٤٥) (المائدة) ، يعنى من قتل يقتل ، ولا يؤخذ آخر بجريمته ، وقد أمر الله فى الآية بالعدل والمساواة ، بأن يقتل من قتل لا غير.

* * *

٢٣٦٨ ـ النهى عن قتل النفس المحرّمة

القتل منهى عنه ، سواء للنفس المؤمنة ، أو لأى نفس ، إلا بالحق الذى يوجب قتلها : (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِ) (١٥١) (الأنعام) ، والكثير من الأحاديث توجب القتل فى الردّة ، وعند منع الزكاة ، وعدم إقامة الصلاة ، وفى اللواط ، وليس فى القرآن من ذلك شىء ، كالحديث الذى يقول : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزانى ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة» ، فليس فى القرآن أن الثيب الزانى يقتل! وليس فيه أن التارك لدينه يقتل! والحديث الذى يقول : «لا يقتل مسلم بكافر» ، يخالف القرآن مخالفة صريحة ، وهو غير مبيّن للقرآن وإنما يناقضه ، فالنفس هى النفس سواء كانت لكافر أو مؤمن ، ويحرم قتلها.

* * *

٢٣٦٩ ـ فى القصاص حياة

الآية : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ) (١٧٩) (البقرة) من الوجيز البليغ ، فلما شرع الله القصاص قنع الكل به وتركوا الاقتتال ، فلهم فى ذلك حياة. والقصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه ، ازدجر من يريد قتل آخر مخافة أن يقتص منه ، فحييا بذلك معا.

* * *

٢٣٧٠ ـ تحريم قتل الأولاد من إملاق

كان قتل الأولاد مخافة الفقر قبل زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقبل أن تنزل الآية : (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) (١٥١) (الأنعام) ، والآية : (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) (٣١) (الإسراء) ، والإملاق : هو الفقر ، والمعنى لا تئدوا ـ من الموءودة ـ بناتكم خشية العيلة ، فالله هو الرزّاق ، وجاء فى الآية الأولى أنه «يرزقكم وإياهم» ، وفى الثانية «يرزقهم وإياكم» بحسب السياق ، وفى الحالتين يرزق الجميع ، فالآباء يرزقون من أجل أولادهم ، والأولاد يرزقون فيرزق الآباء بهم ، فقد كان من العرب فى ذلك الوقت من يئد الإناث والذكور خشية الفقر ، ومنهم من كان يئد الإناث دون الذكور. ولا شك أن العزل نوع من الوأد ، والذين يعزلون يقللون من عدد الأمة الإسلامية ويشتركون فى جريمة جعل المسلمين أقلية ، وأيّما زوجين من المسلمين فإن عليهما واجب

١٢١٠

إنجاب أكثر من اثنين ، لأن إنجاب الاثنين لا يعدو إحلالا ، يحل فيه الاثنان محل الأبوين بموتهما ، فكأن عدد المسلمين يظل كما هو ، فإن قلّ الإنجاب عن اثنين قلّ عدد المسلمين بالتبعية ، وإن زاد عن اثنين زاد كذلك ، وواجب المسلمين أولا إعمار الكون بالنسل ، ومع الإعمار بالنسل الإعمار بنشر العلم وإتاحة فرص العمل وتنمية الفرد المسلم ، والأسرة المسلمة ، والجماعة المسلمة ، والأمة الإسلامية ، وبذلك تزيد أمة لا إله إلا الله زيادة كمية وكيفية ، والعزل باسم تنظيم الأسرة وأد للكم والكيف معا ، والجدير بالذكر أن حلف الأطلنطى والولايات المتحدة قد وصّفا الكثرة العددية للمسلمين بأنها خطر استراتيجى ، ولذلك تنفق دول أوروبا وأمريكا على مراكز تنظيم الأسرة فى مصر لتقليل عدد المسلمين. وقد حذرنا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الوأد الخفى ولو كان تحت اسم جديد هو تنظيم الأسرة ، فقال : «ذلك الوأد الخفى» ، وقال : «لا عليكم ألا تفعلوا» ـ أى ليس عليكم جناح ألا تعزلوا وتنظّموا : «فإنما هو القدر» ، وقال : «وإذا أراد الله خلق شىء لم يمنعه شىء».

* * *

٢٣٧١ ـ من قتل له قتيل فله أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية

هذا حديث لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويعنى أن ولى المقتول بالخيار إن شاء اقتصّ ، وإن شاء أخذ الدّية ـ وهى من مصطلحات القانون الجنائى الإسلامى ، من ودى ، يدى ، وديا ، ودية القاتل القتيل ، وأصلها ودىّ ، والتاء عوض الواو المحذوفة كما فى عدّة. والدية لم تعرفها الأمم الأخرى إلا أمة الإسلام. وقوله تعالى : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) (١٧٨) (البقرة) ، أى من العفو أن يترك المسلم لأخيه دمه ويرضى بالدية ، وعلى القاتل أداءها بإحسان من غير مماطلة ، وفى الحديث : «من قتل له قتيل فهو بخير النّظرين ، إن أحب أخذ العقل (أى الدية) ، وإن أحبّ فله القود (أي القصاص)» أخرجه أبو داود ، فكأنه قال : من بذل له شىء من الدّية فليقبل وليتّبع بالمعروف : (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) (٤٥) (المائدة) فندب إلى رحمة العفو والصدقة.

* * *

٢٣٧٢ ـ القتل الخطأ والدية

من أمهات الأحكام فى القرآن الآية : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ) (٩٢) (النساء) ، فلم يجز الله تعالى أن يقتل المؤمن إلا خطأ ، تحريما للقتل ونهيا عنه ، وإعظاما للقتل العمد ، وإبرازا لبشاعة

١٢١١

شأنه ، فإن كان لا يجوز لمؤمن أن يقتل مؤمنا ، فأحرى أنه لا يجوز البتة لكافر أن يقتل مؤمنا ، وإنما خصّ المؤمن بالذكر تأكيدا لحنان المؤمن على المؤمن وإكبارا لأخوّتهما. والخطأ : اسم من أخطأ خطا إذا لم يصنع من عمد ، وحكم المؤمن يقتل خطأ هو الدية ، ولم يفرق الله تعالى بين مؤمن ومؤمن فالجميع سواء ، وفى الحديث : «المسلمون تتكافأ دماؤهم» ، والكفّارة واجبة ، وكانت تحرير رقبة مؤمنة ، ولا رقيق اليوم ـ وبدلا من ذلك تكون الكفّارة مالا يوزع على المسلمين المحتاجين ، والدّية المسلّمة إلى أهل المقتول هى ما يعطى عوضا عن دمه إلى وليّه أو ورثته ، صلحا وتسديدا ، ويعجّل بها تأليفا ، إلا أن يبرئ ورثة المقتول ، القاتل مما أوجب الله ؛ وأما الكفّارة فهى لله فلا تسقط ، وإنما تسقط الدية التى هى حق للورثة إذا أسقطوها. والدية والكفّارة كلاهما يدفعان من مال الجانى ، فإن كان القتيل مؤمنا ولكنه من قوم من الأعداء ، استحق الكفّارة فقط من غير دية ؛ وإن كان من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق ـ وهذا فى الذمى والمعاهد يقتل خطأ ، فتجب الدية والكفّارة. وليس بصحيح أن المرأة ديتها نصف دية الرجل لأن لها نصف ميراث الرجل ، فذلك ما لم تتضمنه الآية ، فالمرأة والرجل على السواء فى القتل الخطأ ، وكذلك فى القصاص ، كقوله تعالى : (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (٤٥). وكذلك فإن دية أهل العهد كدية المسلم ، لا تبالى مؤمنا كان أو كافرا. وإن لم يكن للقاتل مال تستقطع منه كفارة ، فعليه صيام شهرين متتابعين ، إلا من اضطر أن يفطر من عذر أو مرض أو حيض فيقضى ما أفطره. وإذا اشترك جماعة فى قتل إنسان خطأ ، فعليهم كلهم الدية والكفّارة ، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين.

* * *

٢٣٧٣ ـ وجوب الدية وقيمتها

العقوبات إما أدبية أو مادية ، والأدبية : تشمل عقوبة الزنا ، والقذف بالزنا والسرقة والسّكر ، وقطع الطريق ، واللواط ، والسحاق ، والقيادة ، والارتداد ، ونصّ الشارع على عقوبة هذه الجرائم عقوبات مقدرة ومنصوصة ، وتسمى حدودا. والعقوبات على الكبائر غير المقدّرة من العقوبات الأدبية ، وهى عقوبات مفوضة وغير منصوصة ، كالعقوبة على التزوير ، أى لم ينصّ عليها ، وعهد أمر تقدير عقوباتها إلى القاضى ، وتسمى تعزيرا. والقصاص من العقوبات الأدبية ، ومعناه : معاقبة الجانى على جريمته فى حالات القتل ، أو القطع ، أو الجرح ، عمدا ، مثلا بمثل ، ولا تشمل الضرب والشتم. والديات من العقوبات المادية ، ومعنى الدية : المال الواجب بسبب الجناية على النفس أو غيرها ، ومنه ما قدّره الشرع ، كدية النفس وأكثر الأعضاء ، ومنه ما فوّض تقديره إلى القاضى.

١٢١٢

والأصل فى الدية قوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) (٩٢) (النساء). وحكم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بذلك ، فإن شاء أولياء المقتول أن يعفوا عن القاتل فعلوا ، وإن شاءوا قبلوا الدية. والجناية ثلاثة أنواع : عمد محض ، وخطأ محض ، وشبه عمد ، وتسمى كذلك عمد الخطأ. والأصل فى جناية العمد : القصاص ، ولا يثبت المال إلا بالتراضى ، ويجوز أن يكون بقدر الدية أو أقل منها. وأما القتل الخطأ المحض ، وشبه العمد ، فالأصل فيهما الدية ، ونصّ الشارع على الدية فيهما وفى قتل العمد. ودية المسلم ألف دينار ـ يعنى ثلاث كيلوات ونصف و ٢٩ جراما من الذهب ، مقوّمة بسعر اليوم أى نحو ٠٠٠ ، ٣٠٠ جنيه مصرى ، تدفع لأهل المقتول ، كبيرا كان أو صغيرا ، عاقلا أو مجنونا ، سليم الأعضاء أو مفقودها ، عملا بإطلاق النص. والفرق بين الدية فى جناية العمد وجناية شبه العمد ، أن الجانى فى الأولى يمهل سنة للوفاء ، وفى الثانية يمهل سنتين ، ويمكن تقسيط الدية ، ومن لا يستطيع الدية يتحملها عنه المجتمع ممثلا فى الدولة. ودية ابن الزنا كدية غيره من المسلمين. ويتساوى الرجل والمرأة قصاصا ودية. وتجب الكفّارة فى القتل العمد ، والقتل الخطأ ، وشبه العمد. وكل ما لا تقدير فيه فى الدية ، ففيه الأرش المسمى بالحكومة ، لأنه تعويض يختلف عليه ، ويتحاكم فيه للحكومة ولأهل الخبرة ، لتقدير مبلغ الضرر ، والأرش هو الدية ، والتقدير فى الآية : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) (المائدة ٤٥) ، فكأن الدية تكون لخمسة أعضاء ، وأهل الشرع جعلوها قياسا ثمانية عشر عضوا من أعضاء الإنسان ، هى : الشعر لمن يتسبب فى إزالته بحيث لا ينبت أبدا وفيه الدية الكاملة ؛ والعين : وكل ما يكون فى الإنسان اثنان ففي التسبيب فى تلفهما الدية ، وفى واحد منهما نصف الدية ؛ كالأنف ومنخريها ، ؛ والأذنين ، وفى كل واحدة منهما النصف ، ولا فرق بين الأذن الصحيحة والصماء ؛ والشفتين ؛ وفى اللسان : الدية كاملة ؛ وفى الأسنان جميعها : الدية كاملة ، وفى بعضها دون بعض كالثنيتين ، والرباعيتين ، والنابين ، والأضراس ؛ والعنق إذا كسر فمال ، أو تعذر عليه البلع ، فعليه تمام الدية ؛ واللحيان : فيهما الدية كاملة ، وفى الواحد نصف الدية ؛ وكذلك اليدان ؛ والأصابع العشر : سواء فى اليدين أو القدمين ؛ والظهر : فيه الدية كاملة إذا كسر ؛ والنخاع ؛ والثديان : فيهما الدية كاملة ، وفى أحدهما نصف الدية ؛ وفى الخصيتين والقضيب وشفرتى فرج المرأة : فيهما الدية كاملة ، وفى الواحدة النصف ؛

١٢١٣

وكذلك فى الأليتين ؛ والقدمين ؛ وإذا دخل رجل على امرأة أجنبية عليه ، وتسبب لها فيما يسمى الإفضاء ، وهو أن يصبح مسلك البول والغائط واحدا من فرجها ، فتجب عليه الدية ؛ ولكل ضلع من الأضلاع فى الصدرية إذا كسر ، وكذلك كل عظم من عضو له دية مقدرة خمس دية ذلك العضو ؛ وهناك دية فى الظفر ؛ وفى الترقوة إذا كسرت ؛ وفى المخ إذا أصيب بأذى دية كاملة ؛ وكذلك السمع ، والبصر ، والشم ، والتذوق ، والنطق ، وجميعها يطلق عليها اسم المنافع ؛ وتجب الدية الكاملة فى الجناية على رجل بحيث يتعذر عليه إنزال المنى حين الجماع ، أو يتسبب له فى الإصابة بسلس البول ، وهو رشحه لعدم القوة الماسكة له. والقصاص فى الشجاج ـ جمع شجّة ـ وهى الجرح بالرأس ، أو الوجه ، إذا كان القصاص ممكنا ، وإلا فالدية ، وشجاج الرجل والمرأة سواء ، ومن أنواع ذلك : الخارصة : التى تقشر الجلد وتخدشه ؛ والدامية : التى تقطع الجلد ؛ والباضعة : التى تنفذ فى اللحم ولا تصل إلى العظم ؛ والسمحاق : هى الجلدة الرقيقة على العظم ، وقد يبلغها الجرح ؛ والموضحة : وهى الجرح الذى يكشف عن العظم ويوضّحه ؛ والهاشمة : وهى التى تهشم العظم وتكسره ؛ والمنقّلة : وهى التى تنقل العظم ؛ والمأمومة وهى التى تبلغ أم الرأس. وإذا جنى رجل أو امرأة على امرأة حامل فأسقطت فلها دية كاملة إذا كان الجنين قد نفخت فيه الروح ، ونقل الدية إذا كان تام الخلقة ولم تلجه الروح ، أو كان عظما ، أو مضغة ، أو علقة ، أو نطفة. والاعتداء على الميت له دية. وفى الضرب على الوجه فيكون للضربة أثر أسود ، أو أزرق ، أو أحمر ، تكون الدية مختلفة فى كل حالة ؛ وللضرب فى البدن نصف دية الضرب على الوجه ، وتختلف إذا كان أثر الضرب أسود ، أو أزرق ، أو أحمر.

* * *

٢٣٧٤ ـ الدية فى الأعضاء والجروح

نزلت الآية : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) (٤٥) (المائدة) فى اليهود وأوجبت عليهم العقاب بالمثل ، وأخطأ من جعل نفس العقاب على المسلمين ، لأن الآية توجب أن تؤخذ العين بالعين ، والسن بالسن ، والأذن بالأذن والجروح قصاص ، وهذا ما لا يتيسر إطلاقا ، فالاستيفاء من الجانى بما يماثل الضرر الواقع على المجنى عليه مستحيل ، لأنه فى إنزال العقاب لا يجوز له أن يتعدّى إلى غيره ، وهو نفس ما ذهب إليه قاضى تاجر البندقية لشكسبير ، عند ما طلب منه اليهودى تنفيذ العقد بينه وبين غريمه ، وكان يقضى باستقطاع رطل من اللحم من جسمه ، فاشترط القاضى عليه أن يكون استقطاع الرطل مرة واحدة بلا زيادة ولا نقصان وإلا انقلب الأمر عليه ، وكان اليهودى يطمع أن يطبق شريعته

١٢١٤

على غريمه ، وبالمثل فى هذه الآية يستحيل المماثلة فى العقاب ، ولذلك استنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الدية فى العينين ، وفى الأنف ، والأذن ، والسن ، والشفتين ، والأصابع ، واليدين وسائر عظام الجسد ، وفى الجروح ، أخذا بعموم القرآن وهذا أولى ، وحتى اللطمة لها الدية ، والمرأة فى ذلك كالرجل ، فمن تصدّق بالقصاص فعفا فهو كفّارة له ،. وقيل إن ذلك مقصود به اليهود ، وقيل إن الآية عن اليهود تنتهى عند «والجروح قصاص» ، والباقى مقصود به أمة الإسلام ، غير أنه فى التلمود يوجد نفس الشيء ، حيث يمكن دفع الدية ، وأيضا العفو فيكون كفّارة.

* * *

٢٣٧٥ ـ القسامة والدية

القسامة لم ترد فى القرآن ، والمقصود بها الأيمان ، من أقسم يقسم إقساما ، وقسامة ، وهى أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله ، فتجرى القسامة على المشتبه فيهم أنهم قتلوه ، بشرط أن يتوافر دليل أو أثر يدل على القاتل ، أو يبرر أن يشتبه فيه ، كأن تكون بين القتيل وبين المشتبه فيهم عداوة ، أو أن يقتل بين ظهرانيهم وفى حيّهم أو بلدهم ، أو بالقرب من بيوتهم ، ووجه القسامة : أن يختار ولى المقتول خمسين رجلا من أهل هذه القرية أو الناحية ليحلفوا أنهم ما يعرفون من قتله ، وأنه من معرفتهم ببلدهم متأكدون أن أحدا منها لم يقتله ، وحينئذ تسقط عنهم الدية ، فإن رفضوا أن يقسموا وجبت ديته عليهم ، ونظام القسامة هذا لم يقل به الإسلام وإنما كان من الجاهلية. وكان رجل من الأنصار فى زمن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد جاء إليه يشكو أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر وتفرّقوا فيها ، فوجدوا واحدا منهم قد قتل ، ولم يعرف قاتله ، وأنكر اليهود قتله أو العلم به ، فعندئذ سأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صاحب الشكوى : «تأتون بالبيّنة على من قتله؟ قالوا : ما لنا بيّنه؟ فقال : «فيحلفون»؟ يقصد اليهود ، فلم يرضوا بأيمان اليهود ، فكره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك ، فودّاه مائة من إبل الصدقة. وهذا الحلف الذى سألهم أن يحلفه اليهود هو القسامة. وقيل إن القسامة فى الجاهلية أخذ بها أبو طالب ، وفرض أن يقسم خمسون من أهل المتهم بالقتل ، أنه ما قتلوه. وهؤلاء الخمسون هم الشرط فى القسامة ، وعمر بن عبد العزيز لم يجد أن القسامة شىء ، فما لم يقدم أصحاب القتل بيّنة على اتهامهم ، فإنه لا يستطيع أن يظلم الناس بأن يجعلهم يقسمون ، وهم لم يروا شيئا أصلا ليقسموا عليه ، وقال فى هذا النوع من القتل غير المعروف فيه القاتل : أنه قتل لا يقضى فيه إلى يوم القيامة. والرأى فى القسامة رأيان : فجماعة قالوا إن للناس فى القسامة حياة ، وأنها تجعلهم يخشون أن يقتل عندهم قتيل فيكون اتهامهم به ؛ وجماعة رأت أن القود بالقسامة جور ، وأنه يخالف أصول الشرع ، حيث الأصل أن لا يحلف على شىء إلا

١٢١٥

ما علم قطعا ، والمقسمون لم يروا القتيل يقتل ، وربما كانوا فى بلد آخر وقت أن قتل ، ولو كان الرسول قد قبل القسامة لفرضها على الناس ، ولكنه لم يرض بها ، وأعطى دية القتيل من مال الصدقة منعا للفتنة ، والخلاصة : أن القسامة لم يقل بها القرآن ، ولا الرسول ، وهى ليست من الإسلام فى شىء.

* * *

٢٣٧٦ ـ الدية فى الإسلام وليست فى اليهودية ولا النصرانية

القصاص فى التوراة ، وليست فيها الدية ، وإنما الدية عند الأحبار ، وأما فى القرآن فقد اختص بها الله تعالى أمة الإسلام فقال : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) (١٧٨) (البقرة) ، والعفو هو أن يقبل الدية فى القتل العمد ، وإذا قبلت الدية حرم الدم وارتفع القصاص ، وعلى الولىّ أن يتّبع بالمعروف ، وعلى الجانى الأداء بالإحسان ، وذلك تخفيف منه تعالى ورحمة كما قال : (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) (٤٥) (المائدة) ، فندب إلى رحمة العفو والصدقة ، كما ندب إلى قبول الدية إذا بذلها الجانى. والتخفيف والرحمة فى الآية لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم تكن لهم الدية ، ولا العفو ، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية ، فجعل الله ذلك تخفيفا لأمة الإسلام ، فمن شاء ترك الحكومة تأخذ له حقه بالقتل ، ومن شاء قبل الدية ، ومن شاء عفا.

* * *

٢٣٧٧ ـ الحمالة

من حمل يحمل وهو أن يرفع الشيء ، ومنه استحمل أى قوى على الحمل ، والحمالة : هى أن يقع بين بعض الناس عداوة وضغائن ، تتلف فيها الأنفس والأموال ، ويتوقف صلحهم على من يتحمل ذلك ، ويسعى فى الإصلاح بينهم ، ويتحمل ما خسروا ، فيسمى ذلك حمالة ، ومن ذلك قوله تعالى : (وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) (١٣) (العنكبوت). وكانت العرب تعرف الحمالة ، وكان بعضهم يرى أنها تجب عليهم فيخرجون إلى القبائل يؤدونها عنهم ، فورد الشرع بإباحتها وجعل لها نصيبا من الزكاة ، واعتبر من يحملها من الغارمين ، فى قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) (٦٠) (التوبة) ، والغارمون : هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم ، ويعطى المتحمّل فى الصلاح والبرّ من الصدقة ما يؤدى به ما تحمّل به وإن كان غنيا ، إذا كان ذلك فوق طاقة ماله ويجحف به فيصبح كالغريم ، ومن هؤلاء كان قبيصة بن مخارق ، قال : تحملت حمالة فأتيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسأله فيها ،

١٢١٦

فقال : «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» ، ثم قال : «يا قبيصة : إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة ، رجل تحمل حمالة فحلّت به المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ؛ ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله ، فحلّت له المسألة حتى يصيب قواما من العيش ، ورجل أصابته فاقة حتى ليقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلّت له المسألة ، حتى يصيب قواما من عيش ، فما سواهن من المسألة يا قبيصة : سحتا يأكلها صاحبها سحتا» ، فجعل المتحمّل للحمالة الذى تحل له المسألة بسببها من الغارمين الذين يحل لهم مال الصدقة تعويضا لهم.

* * *

٢٣٧٨ ـ العاقلة

العاقلة : هم الذين يتحملون العقل ـ أى الدّية ، وسميت الدية التى يتحملون دفعها عقلا لأنها تعقل لسان ولى المقتول ؛ والعاقلة هم عصبة الرجل ، سموا عاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل ، وغير العصبة ليسوا من العاقلة ، كالإخوة لأم ، والزوج ، وذوى الأرحام. وتحمّل العاقلة دية الجناية كان فى الماضى ، وكانوا لا يضمنون القاتل إذا كانت جنايته متعمدة ، والعاقلة إذن مصطلح مهجور.

* * *

٢٣٧٩ ـ القتل وأنواعه وعقابه

القتل : مصدر قتل ، ويقال «قتله الله» ، و «قاتلة الله» فى مقام الدعاء عليه ، أى لعنة الله ، أو فى مقام المدح والثناء والاستحسان. وقاتل : يعنى حارب ، والقتل : هو الإماتة ، ومجازا الضرب الشديد ؛ والمقتل : موضع القتل. والقتل يجيء فى القرآن على أقسام ، ومنه : القتل العمد ، والقتل شبه العمد ؛ والقتل الخطأ ؛ والقتل القضاء : نحو أن ينقلب النائم على شخص فيقتله أو يقع عليه من علو ؛ والقتل بالسبب : كحفر بئر يتسبب فى قتل إنسان ؛ والقتل من غير المكلّف. والقتل بغير حق محرّم ، لقوله تعالى : (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِ) (١٥١) (الأنعام) ؛ وكذلك القتل العمد ، كقوله تعالى : (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً) (٩٥) (المائدة) ، كأن يضرب الجانى القتيل ضربا مبرحا فيه موته ، فيجب فيه القصاص ، أو أن يضربه ضربا خفيفا ولكنه يموت به لضعفه ، ففيه القود ؛ وإن كانت الوفاة لغير ذلك فهو عمد الخطأ وفيه الدية ؛ إلا أن يصغر الضرب جدا ، كأن يكون مجرد صفعة على الوجه ، أو وكزة يموت بها كما جرى مع موسى والأشورى فى مصر ، كقوله تعالى : (فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (١٥) (القصص) ، فذلك اعتداء لا يتوهم القتل فيه ، ويسمى قتلا شبه عمد ، أو قتلا عمدا خطأ ، وقتلا خطأ عمدا ، وفيه الدية ولا قود فيه. ويجب الضمان فى القتل بالسبب. ولا قصاص على من يقتل من وجده يزنى بامرأته ، ولا دية عليه ،

١٢١٧

وإن كانت المرأة مطاوعة فلا ضمان عليه فيها ، وإن كانت مكرهة فعليه القصاص. ولا يثبت القتل بالشهادة ، إلا إذا كان تعبير الشاهدين لا شبهة فى دلالته. وفى قتل العمد لا تقبل إلا شهادة رجلين عدلين ، وفى القتل الخطأ والجائفة ونحوهما ، تقبل شهادة رجل وامرأتين. ولا تقبل شهادة ورثة المجنى عليه. ومن قدر على إحياء نفس ففرّط فى ذلك ، كأن يمنعه الطعام والشراب مع غناه ، فعليه الضمان ، وكذلك من رأى إنسانا فى مهلكة فلم ينجه منها مع قدرته. وإذا أرسل وكيل النيابة إلى امرأة يطلبها للتحقيق أو فى تهمة ، وكانت حاملا فأسقطت خوفا وفزعا ، وجبت ديتها على الدولة. ومن يروّع إنسانا فيتسبب فى موته فعليه الضمان. ولو زنى رجل بامرأة مكرهة ، فحملت فماتت من الولادة ، ضمنها ، وعاد أهلها بالتعويض على ماله. وإن شهد رجلان على رجل بما يوجب قصاصا ، أو حدّا ، فأقيم عليه ، فأفضى إلى موته ، ثم رجعا عن الشهادة ، لزمهما ضمانه. وإن ضرب معلم تلميذه فمات ، فعليه ضمانه ، وفيه القود ، إلا إن كان الضرب بسيطا ولكن الولد لم يحتمله لأسباب أخرى ففيه الدية. وإن جنى اثنان على شخص ، فالقاتل منهما هو من ضربه بحيث أخرجه من حكم الحياة. ولا يقبل القول بالدفاع المشروع فى القتل إلا إذا أثبت القاتل ذلك بالبيّنة ، فإن ثبت مثلا أن من دخل بيته لم يدخله بسلاح ، وأنما يقصد السرقة ، ولكنه مع ذلك قتله ، فعليه القصاص ، وإن كان معه سلاح فقتله به ، فدمه هدر ، ولا قصاص ولا دية عليه. والدفاع عن النفس ، أو العرض ، أو المال ، لا يكون إلا بأسهل ما يعلم أنه يمكن أن يدفع به ، فإن استخدم أداة لا تناسب ذلك فعليه ثلث الدية ، وإن لم يتيسر له مدافعة إلا بالقتل ، أو خاف أن يبدره بالقتل إن لم يقتله ، فله قتله ودمه هدر. وإن أراد رجل امرأة على نفسها ، فقتلته ، فلا شىء عليها ، ويجب أن تدفع عن نفسها ولو تأدّت إلى قتله. وأما من أريدت نفسه أو أريد ماله ، فلا يجب عليه قتال المعتدى ، فإن أمكنه الهرب وجب عليه ، وإن لم يمكنه واضطر إلى قتله فله ذلك. ولا قصاص على قاتل المحارب ، ولا دية ، ولا كفّارة ويجب القصاص على السكران إذا قتل حال سكره. ولا قصاص على المجنون ، ولا على كل زائل العقل بسبب يعذر فيه ، كالنائم ، والمغمى عليه. والدماء أحق ما احتيط له فى الإسلام ، والأصل صيانتها فلا تستباح إلا لأمر بيّن لا إشكال فيه. والقتل فى القرآن يقصد به القتل الخطأ والقتل العمد ، وقال الفقهاء بقتل شبه عمد ، مثل الضرب المفضى إلى الموت الذى لا يقصد به الضارب القتل إلا أن الموت يتحقق به. وقيل فى القتل شبه العمد ، أنه ضرب يتردد بين العمد والخطأ ، فحكم له بشبه العمد فالضرب مقصود والقتل غير مقصود وإنما وقع بغير القصد ، فيسقط القود وتغلّظ الدّية. ومثله القتل فى مشاجرة يتحارج فيها قوم مع آخرين ، فيقتل بعضهم بعضا ، ولا يعرف القاتل تحديدا ، فذلك هو «القتل فى عمية» كما

١٢١٨

فى الحديث ، أى القتل الذى يعمى أمره ويلتبس فلا يعرف القاتل ، وفيه الدّية المغلّظة. والدية تلزم الجانى فى ماله فى القتل العمد ، وشبه العمد ، وفى قتل العمية تلزم الجماعة التى تسبب أفرادها فى قتل القتيل. والقاتل عمدا عليه الكفّارة إذا عفا أهل القتيل عنه فلم يقتل بمن قتل ، كقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) (١٧٨) (البقرة) ، فأما إذا اقتصّ منه بالقتل فلا كفارة عليه ، لأن الكفّارات لا تجب إلا حيث أوجبها الله ، وفى القتل العمد وشبه العمد لم يوجب الكفارة. وفى توبة قاتل العمد ـ قال البعض ـ إنه لا توبة له ، والصحيح أن له التوبة لأنه تعالى يقول : (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) (٤٨) (النساء) ، ويقول : (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) (١١٤) (هود) ، ويقول : (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ) (٢٥) (الشورى) ، وحلّ هذا الإشكال يكون بالجمع بين المعنيين : فجزاء القتل العمد كذا ، إلا من تاب فهو فى المشيئة ، إن شاء عاقبة الله تعالى ، وإن شاء عفا عنه.

* * *

٢٣٨٠ ـ الجنون والمسئولية

الجنون : زوال العقل ؛ والمجنون هو فاسد العقل ، والجمع مجانين ؛ والجنون المطبق هو التام ، ومعنى ذلك أن هناك جنونا غير تام ، كأن يكون فساد العقل فى مجال دون بقية المجالات ، كما فى البارانويا وهى جنون الاضطهاد أو العظمة. والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم اتهموه بالجنون ، فقد اعتبروا الإغماءة التى كانت تأتيه عند ما يوحى إليه نوعا من الصرع ، وقالوا فى الوحى إنه من الهلاوس ، وما يزال اليهود والنصارى يزعمون ذلك حتى اليوم ، كقوله تعالى : (وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٦) (الحجر) ، والحق أن هذا الزعم لم يقتصر على نبيّنا بل تعدّاه إلى كل الرسل ، كقوله تعالى : (كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (٥٢) (الذاريات). وما كانوا مجانين ، ولا كهنة ، ولا سحرة ، وإنما كانوا أنبياء من لدن عليم حكيم ، قال تعالى : (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) (٢٢) (التكوير) ، وكيف يكونون مجانين وهم مشرّعون ، وحكماء ، وأطباء نفوس وأبدان ، ومبشّرون ، ومنذرون؟! والمجنون إن أسلم أو تنصّر أو تهوّد لا يصحّ منه أىّ من ذلك ، وفى القرآن من حالات المجنون : (يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ) (٢٧٥) (البقرة) ، والمسّ أو الخباط حالة من حالات الجواز ، ولم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم به شىء من أعراضه. والمجنون لا يؤاخذ بالردّة ، ولا يجب عليه الصيام ، ولا الصلاة ، ولا الزكاة ، لأنها جميعا لا تجب إلا على العاقل ، وليس له أن يتزوج ولا أن يزوّجه الناس ، ولا يصحّ منه طلاق ، ولا حق لمجنونة فى طلب الخلع ، ولا فى حضانة طفلها ، ويحجر على المجنون ، ولا تصح وصيته ، وعمده خطأ ، ويكفّر من ماله إذا جنى بقتل إنسان ، ولا تقبل شهادته.

* * *

١٢١٩

٢٣٨١ ـ القصاص والقود

القصاص : هو الجزاء على الذنب ، تقول قاص قصاصا يعنى أوقع به القصاص ، وجازاه وفعل به مثلما فعل ، والقود : القصاص ، وقتل القاتل فى مقابل القتيل. ونصّ الشارع على القصاص فى الكتاب والسنّة ، فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) (البقرة ١٧٨) ، وقال : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ) (البقرة ١٧٨) ، وقال : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ) (المائدة ٤٥) ، وقال : (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) (٣٣) (الإسراء ٣٣) ، وقال : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) (الشورى ٤٠) ، وقال : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (البقرة ١٩٥) ، وفى الحديث : «لو اجتمعت ربيعة ومضر على قتل امرئ مسلم قيدوا به» ويجب القصاص فى حالتين : قتل النفس ، وما دون القتل كقطع عضو كالأنف أو الأذن أو الجروح. ويجب القصاص فى القتل العمد ، وأما قتل الخطأ وشبه العمد فيوجبان الدية. واشتراك أكثر من واحد فى القتل يوجب الحكم عليهم بالقتل ؛ وقيل لا يقتل أب ولا أم بولدهما. ولا قصاص على المجنون ، والصبى وإن كان مميزا. ويسقط القصاص فى حالات الدفاع المشروع ، وعند العفو ، وإن عفا بعض الورثة صحّ عفوهم وسقط القصاص ، ويبقى لبقية الورثة الدية. ويصحّ عفو المقتول قبل موته عن الجانى ، وعفو المريض مرض الموت ، وعفو المفلس ، والمحجور عليه لسفه ، والعفو عن بعض المشركين فى القتل دون البعض ، وعفو ولى الصغير والمجنون ، ويقبل الصلح عن القصاص بالمال ، وبأكثر من الدية. ولا قصاص على شريك القاتل خطأ ، ولا على حامل قبل وضعها ، ولا على من قتل أحدا من أهل البغى ، ولا يقتص الشخص من نفسه.

* * *

٢٣٨٢ ـ القصاص فى العين والأنف والأذن والسن

فى قوله تعالى : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِ) (٤٥) (المائدة) دلالة على جريان القصاص فيما ذكر ، فإذا كانت الإصابة عن خطأ ففي ذلك الدية ، ولا خلاف بين أهل الطب على أن المماثلة فى القود مستحيلة ومن ثم تكون عن الجانى الدية ، ويختلف فيها ، والأولى أن تتوسط فيها الحكومة ـ أى أن يؤخذ فيها التحكيم. وفى الآية النصّ على أمهات الأعضاء وتركت بقية الأعضاء للقياس عليها ، فكل عضو فيه قصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت ، فإذا خشى فيه الموت ، أو اضطراب العقل ، أو أن يصاب عضو آخر من أعضائه ؛ وما إلى ذلك ، ففيه الدية.

* * *

١٢٢٠

٢٣٨٣ ـ الجروح والقصاص

الجرائم التى توجب القصاص على نوعين : قتل النفس ، وما دون القتل ، كالجروح ، كقوله تعالى : (وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ) (٤٥) (المائدة) أى متقاصة مثلا بمثل ، وكلما كانت المماثلة ممكنة ، وسواء كانت الجروح معها قطع عضو أو لم يكن. وشروط قصاص الجروح مثل شروط قصاص القتل ، ومن يقتص منه فى قتل النفس ، يقتص منه فيما دون النفس ، ومن لا يقتص منه فى قتل النفس ، لا يقتص منه فيما هو دونها ؛ ومن هذه الشروط أن يكون المعتدى بالغا عاقلا ، والمعتدى عليه محقون الدم ، والمعتدى ليس أبا. ويتحقق العمد : بالمباشرة والتسبيب ، وبترتب الجرح مع قصده وإن لم تكن الآلة جارحة ، أو بقصد الضرب المؤدى إلى الجرح وإن لم يكن الجرح مقصودا. ويقتصّ للرجل من الرجل مثلا بمثل ، وللرجل من المرأة إذا جنت عليه مثلا بمثل ، وللمرأة من الرجل إذا جنى عليها مثلا بمثل ، وإن شاءا أن يصطلحا على مبلغ من المال فلهما ذلك ، وليس صحيحا أن المرأة لها نصف دية الرجل ، وأنه إذا قطع لها أربع أصابع لا يقطع له نظيرها إلا إصبعان فقط ، والصحيح أن المرأة تقتل بالرجل ، ويقتل بها ، لأن النفس بالنفس إطلاقا ، وهما يتساويان قصاصا ودية. ويقاد فى جراح العمد إذا كان ممن يمكن القود منه ، وأما الخطأ فالدية ، وإذا كانت الدية فى قتل الخطأ فكذلك فى الجراح.

* * *

٢٣٨٤ ـ الضرب كقصاص

الضرب من باب القصاص ، ولا قصاص فى الضرب الذى لا يجرح ، كاللطم والوكز ، وقد ضرب موسى الأشورى بأن وكزه فقتله ، ولم يكن عليه قصاص ولا دية ، والملائكة تلجأ أحيانا إلى الضرب كما فى قوله تعالى : (فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ) (٢٧) (محمد) ؛ وفى الحروب يباح الضرب المقصود به القتل ، كقوله : (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) (١٢) (الأنفال) ، ويسمح بضرب المرأة إذا نشزت كقوله : (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَ) (٣٤) (النساء) ، وضرب المرأة هو الضرب للتذكير وليس على سبيل الإيلام ، وهو ضرب غير مبرّح ، لا يكسر عظما ، ولا يشين جارحة ، كاللكزة ونحوها ، والمقصود به الصلاح وليس العقاب ، كضرب المؤدّب للصبيان فى المدرسة ، وقد أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتّقوى فى النساء ، وقال فى الناشزات : «فأضربوهن ضربا غير مبرّح» أخرجه مسلم ، واشترط لهذا الضرب شروطا فقال : «إلا أن يأتين بفاحشة مبينة» ، وقال : «فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذنّ فى بيوتكم من تكرهون» ، وقال : «اضربوا النساء إذا عصينكم فى معروف ضربا غير مبرح» ، فاشترط المعروف. وعرّف ابن عباس هذا النوع من الضرب

١٢٢١

للنساء فقال : بالسواك ونحوه ـ يعنى أن تسميته بالضرب تجاوزا ، والصحيح أنه أمر بلفت نظر المرأة إلى الخطأ بتنبيهها حسّيا. والخطاب فى الآية للمؤمنين المتقين وليس لعامة المسلمين ، ويختلف حال كل امرأة مع زوجها بحسب رفعتها أو دناءتها ، فأدب الرفيعة الوعظ ، وأدب الدنيئة أن يلفت نظرها بأكثر من الوعظ والهجر. والضرب الذى يترك علامة فى الجسم فيه حكومة ـ أى تحكيم ، وغرامة تتناسب مع ما فى الجلد من علامات ، فإن تسبب الضرب فى جروح للزوجة من زوجها ، أو للابن من أحد أبويه ، أو للتلميذ من معلمه ، استوجب حكومة وغرامة تتناسب مع ما يتركه الضرب من علامات بالجسم ، لأن الضرب عدوان وقد نهى الله عن العدوان ، وأما الضرب الذى يؤدى إلى إصابات ، كقطع عضو أو مجرد جروح كبيرة أو صغيرة ، فذلك يستوجب القصاص.

* * *

٢٣٨٥ ـ الحبس كقصاص

الحبس مشروع فى الإسلام ، كقوله تعالى : (تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) (المائدة ١٠٦) ، ويمكن أن يكون كتعذير على الجنايات التى لا حدّ لها ، ويحبس السارق للمرة الثانية حبسا مؤبدا ، ويقضى بالسجن المؤبد حدا لا تعزيرا على من يمسك شخصا ليقتله آخر. ومن الجائز حبس الفسّاق من العلماء ، والجهّال من الأطباء ، والمفاليس الذين لا يعملون لتغيير أحوالهم ، ويحبس الغاصب ، وآكل مال اليتيم ظلما ، وخائن الأمانة. ويفرج عن المحبوسين فى الدّين كل جمعة ، وأيام الأعياد ، ويرسل معهم حرّاس ، فإذا قضوا الصلاة والعيد ردّوهم إلى السجن ؛ وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحبس فى تهمة الدم ستة أيام على ذمة التحقيق ، إلى أن تظهر براءة المتهم بالبيّنة. ومن كان له مال ظاهر وعليه ديون ، يجوز للحاكم أن يحبسه حتى يؤدى ما عليه ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «الواجد تحل عقوبته وعرضه». ويحبس من يخلّص قاتلا حتى يعاد ؛ والكفيل الذى يكفل إحضار مطلوب للعدالة ؛ والآمر بالقتل المحرّض عليه يحبس حبسا مؤبدا ، ويقتل المباشر للقتل. ويسجن العراف والكاهن إلى أن يقرّا برجوعهما عن غيّهما ؛ والغريم إلى أن تثبت عدالة الشهود بالحق.

* * *

٢٣٨٦ ـ لا مساس هو الحكم فى صاحب البدعة

لمّا عاد موسى من الجبل ومعه ألواح التوراة ، وجد اليهود يعبدون عجلا من الذهب ويحتفلون حوله ، وكان السامرى قد صنعه لهم لمّا طالت عليهم غيبة موسى ، وكان قد طلب من اليهود أن يعطوه حلىّ المصريين الذى سرقوه ، فقذفه فى النار ، وسبك عجلا وكان قد قبض قبضة من أثر الملك جبريل فى لقائه بموسى دون أن ينتبه إليه أحد ، وألقى

١٢٢٢

بتراب القبضة على ما سبكه ، فصار للعجل خوار أو صفير ، ولكنه ليس عجلا على الحقيقة وإنما صنم فى هيئة عجل على طريقة المصريين وغيرهم من الشعوب فى التعبّد للعجول ، فكانت تهمة السامرى أنه صاحب بدعة وليس مرتدا ، وقضى فيه موسى فقال : (فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً) (٩٧) (طه). وفى الآية ثلاثة أحكام : الأول : فكما أخذ السامرىّ من أثر الرسول ومسّ ما لم يكن له أن يمسّه ، فعقوبته فى الدنيا أن يقول «لا مساس» me not Touch ، وبالعبريةherem أى محرم ، ومعنى «لا مساس» أن عليه أن لا يمس الناس ولا يمسونه ، يعنى يعزل ، والعزل عند الأحبار وليس فى التوراة. والحكم الثانى : يتضمن عقوبته يوم القيامة ، وموعده معها لن يخلفه. والحكم الثالث : يشمل العمل البدعى ـ وهو السبب فى الحكم. وقيل فى «لا مساس» : أن لا يخالطه الناس ولا يكلموه ، ولا يعاملوه ، ولا يبايع ، ولا يشارى ، وفى ذلك إجبار له على أن ينفى نفسه اختيارا. ولعمرى إنه لحكم رادع أقوى من القتل أو السجن ، وفيه ما يسميه الفلاسفة «الغربة فى الوطن» ، يعنى أن يكون فى وطنه ومع ذلك فهو كالغريب أو أنكى!

* * *

٢٣٨٧ ـ آية المحاربين

هى الآية : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٤) (المائدة) ، فإن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا سرق العرنيون ـ من عرينة ـ لقاحه فسمل أعينهم بالنار ، كما قال المتقوّلون ، والصحيح أن الاتجاه بين المسلمين كان إلى الاقتصاص منهم بهذه الطريقة ، فنزلت الآية تنهى عن ذلك ، ولم يحدث أن سمل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعين أحد كقصاص ؛ وحكاية السمل هذه من الإسرائيليات التى روّج لها ضعاف الرواة وأعجبت المستشرقين. قيل : فلما عاتبه الله أنزل فى ذلك الآية ، فلما وعظ ونهى عن المثلة لم يعد. وقيل كان سمله لأعينهم لأنهم سملوا أعين رعاته ، فكان هذا قصاصا كقوله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (البقرة ١٩٤) ، فلما مثّلوا مثّل بهم. وحكم الآية مترتب فى المحاربين من المسلمين.

واسم المحارب يصدق على من يعتدى على المسلمين فى أنفسهم وأموالهم دون سبب من عداوة أو ثأر. والمغتال كالمحارب ، وهو الذى يحتال فى قتل إنسان ليأخذ ماله ، كأن يطعمه السّم. ويقام الحدّ على المحارب بقدر فعله ، فإن أخاف السبيل ، وأخذ المال ، قطعت يده

١٢٢٣

ورجله من خلاف ؛ وإن أخذ المال وقتل ، قطعت يده ورجله ثم صلب ؛ فإذا قتل ولم يأخذ المال ـ قتل ؛ وإن هو لم يأخذ المال ولم يقتل ـ نفى. وما كان فى القرآن «أو» فللمشرّع فيه الخيار. وفى الحديث : «من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ، ورجله للإخافة ؛ ومن قتل فاقتله ؛ ومن جمع ذلك فاصلبه» وبقى النفى للمخيف فقط. والنفى هو الخروج من دار الإسلام هربا ممن يطلبه. والمحارب الذى يقطع الطريق تجب مقاتلته. ويستثنى من ذلك من تاب قبل أن يقدر عليه ، فيسقط حقّ الله فيه ، ويبقى القصاص وحقوق الآدمين فلا تسقط. وهذه المواد من قانون العقوبات الإسلامى لم يعمل بها لا فى عهد النبىّ ، ولا فى عهد الخلفاء الأربعة ، وكان فرضها فى القرآن للتخويف ، ولم يطبقها إلا ولاة الدولة من بعد ذلك فى عهود الانحطاط وفى بلاد العجم. وتغليظ العقوبة كان أنسب فى بداية الدولة الإسلامية ، وينجى منها إعلان المحاربين للتوبة.

* * *

٢٣٨٨ ـ التعزير والحدود

التعزير بمعنى المنع ، كقوله تعالى : (لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (٩) (الفتح) ، أى : تنصروه وتمنعوه وتزودوا عنه ؛ ومنه التعزير فى الشرع ، لأنه مانع ، وهو التأديب على الذنب إذا لم يكن فيه حدّ ولا كفّارة. والتعزير غير موجود فى التوراة ، ولكن الأحبار قالوا به وحكموا بمقتضاه. والمعاصى أنواع : منها ما له حدّ ولا كفّارة فيه ، ومنها ما فيه كفّارة ولا حدّ فيه ، ومنها ما لا حدّ فيه ولا كفّارة ، وهذه هى المقصودة بالتعزير ؛ وقيل : الأصل فيه أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حبس متهما حبسا احتياطيا إلى أن تظهر الحقيقة. وعزّر عمر وأدّب ، ولجأ إلى حلق الرأس ، والضرب ، والنفى ، وحرق حوانيت الخمّارين. ويختلف التعزير عن الحدّ ، فالناس فى الحدود سواء ، ولكنهم فى التعزير يختلفون بحسب منزلة كلّ ومكانته الاجتماعية ، ونوع الزّلة التى ارتكبها ، وما إذا كانت أول زلّة أم أنها تكررت معه ، وهل هى متعمدة أم أنها كانت عن حسن نية ، وفى الحديث : «أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا الحدود». والتعزير مخصوص بالعثرات ، ومنه التوبيخ ، والوعظ ، والحبس ، والنفى ، والعزل ، فهو عقوبة خفيفة مقارنة بالحدود ، وفى الجلد مثلا لا يجوز أن يزيد على عشر جلدات ، ويجوز التعزير بالغرامة المالية ، وللقاضى أن يعزّر ، وكذلك الأب ، والزوج ، وصاحب العمل ، والمعلّم فى الفصل ، بشرط عدم الزيادة فيه وإلا اعتبر متعديا.

* * *

٢٣٨٩ ـ عمر أول من حبس فى السجن فى الإسلام

اشترى عمر دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنا ، فكان عمر أول من حبس

١٢٢٤

فى السجن فى الإسلام. والمحارب الذى يحكم عليه بالنفى يغرّب إلى بلد آخر ويحبس فيه ، ولذا كانت الحاجة للسجن. والسجن من العقوبات بالتعزير.

* * *

٢٣٩٠ ـ الزنا فى اليهودية والنصرانية والإسلام

الزنا فى اليهودية : هو الاتصال الجنسى غير الشرعى ، وعقوبته القتل : «فأيّما رجل يزنى بامرأة قريبة فليقتل الزانى والزانية ، وإن ضاجع زوجة أبيه ، أو زوجة عمه ، أو زوجة أخيه ، فليقتلا كلاهما ، وإن زنا بحماته فليحرق الاثنان (الأحبار ٢٠ / ١٠ ـ ٢١) ، وإن زنا بامرأة متزوجة يقتل معها ، وإذا زنا بفتاة بكر مخطوبة يرجمان بالحجارة حتى الموت ، فإذا ضاجعها غصبا يقتل وحده ، وإذا لم تكن الفتاة بكرا ولم تخطب ، فعلى الذى زنا بها أن يتزوجها ويمهر أباها تعويضا ، وليس له أن يطلقها أبدا». (تثنية الاشتراع ٢٢ / ٢٣ ـ ٢٩) : وفى المسيحية أمر المسيح أن لا تطلّق المرأة إلا لعلّة الزنا ، وإذا طلّقها لغير ذلك فقد جعلها زانية ، ومن تزوّج مطلقة فقد زنا ، وصرف المسيح الزانية لما أحضروها إليه ليدينها ، ورفض أن يأمر برجمها كما فى ناموس موسى ، وقال لمن قبضوا عليها وأحضروها إليه ، أنهم لا يحق لهم رجمها لأنهم خطّاءون مثلها ، وإدانتهم لها إدانة بحسب الجسد (يوحنا ٨ / ٣ ـ ١٦) ، ومذهب المسيح فى الزنا أكبر من ذلك : فالذى ينظر إلى امرأة لكى يشتهيها فقد زنى بها فى قلبه (متّى ٥ / ٢٧ ـ ٢٨). والزنا عند إرميا يوجب طلاق المرأة ، وشبّه بها شعب إسرائيل وشعب يهوذا لمّا تركا عبادة الله واستسهلا عبادة الأحجار ، فكان كامرأة قد زنت ، فاستحقا التبرؤ منهما كالتبرؤ من الزانية. (إرميا ٣٠ / ٨ ـ ٩) ، فأضاف إرميا إلى معنى الزنا معنى «مجازيا» ، هو الانحراف عن عبادة الله إلى التعبّد للأوثان. وهذا الاتجاه المجازى أخذ به حزقيال فقال عن السامرة وأورشليم أنهما زنتا ، والمقصود أنهما تعبّدتا لأصنام آشور ، والغريب فى كلام حزقيال أنه ينسب ما تعلّموه من الزنا ـ أى عبادة الأوثان ـ إلى مصر ، مع أن اليهود لم يدخلوا سوى أرض جاسان (محافظة الشرقية) ، وكانت أصلا مستعمرة آشورية! (حزقيال ٢٣ / ٣٧ ـ ٤٣) : ونفس الاتجاه المجازى قال به هوشع ، فنسب الزنا إلى يهوذا وإسرائيل على زعم أنهما عبدا أصنام آشور (هوشع ٢ / ٢ ـ ١٣). والخلاصة : أن الزنا مرفوض عند اليهود ، ولكنه مكروه عند النصارى ولا عقاب عليه. وأما فى الإسلام فالزنا محرّم ، ومن الكبائر ، ويعاقب عليه فى القرآن بالجلد فى الدنيا ، وقيل فى السنّة بالرجم للمحصن والمحصنة ، والجلد مائة جلدة لغير المحصن وغير المحصنة ، والتغريب عاما ، وهو للرجل دون المرأة. وعقوبة القرآن وهى الجلد لا شبيه لها فى اليهودية ولا فى النصرانية ، وهى عقوبة تتوسط الإفراط فى القتل والرجم فى اليهودية ، والتفريط واللاعقوبة فى النصرانية.

* * *

١٢٢٥

٢٣٩١ ـ آيات الجلد ، والحبس ، والأذى

آية الجلد للزنا هى الآية : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢) (النور) ، وكما ترى فإنها فى حدّ الزانى البالغ ؛ والزنى : هو الوطء فى الفرج من غير نكاح ، ولا شبهة نكاح ، وبمطاوعة المرأة.

وآية الحبس فى اللواط الأنثوى هى الآية : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) (١٥) (النساء) ، واللواط الأنثوى ، أى المساحقة ، يكون بين المرأة والمرأة ، وأطلقت عليه الآية اسم الفاحشة ، وفى الطب النفسى هو أيضا السحاق يكون بين النساء ، فتساحق المرأة المرأة فى فرجها. وآية الأذى فى اللواط بين الذكور هى الآية : (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً) (١٦) (النساء) ، واللواط : هو أن يأتى الذكر الذكر فى الشّرج كما كان يفعل قوم لوط. والآيات الثلاث كما ترى ، مختلفات فى العقوبة وفى موضوعها.

* * *

٢٣٩٢ ـ اللواط عند الذكور والإناث ليس بزنى ولكنه فاحشة

اللواط : هو إتيان الذكر للذكر من الدّبر ، وهو شذوذ جنسى يدفع إليه اضطراب فى الشخصية ، له أسبابه الفسيولوجية والتربوية ، وله أصوله فى الميول والاستعدادات. واللواط فى الذكور يقال له «السحاق» فى الإناث ، وهو أن تساحق الأنثى الأنثى فى الفرج ، ويسمى أيضا «اللواط الأنثوى» female sodomy ، و «اللزبيانية» Lesbianism ، نسبة إلى امرأة من لزبوس Lesbos ـ إحدى جزر اليونان ، وكانت كما قيل شاعرة تشبّب بالنساء وتأتيهن ، وتشجّع على ذلك ، فسمى الاضطراب باسمها ، فيقال Saphism ، نسبة إلى اسمها سافوSapho. ويجيء الحديث فى هذا النوع الأنثوى من اللواط فى الآية : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) (١٥) (النساء) ، وقوله «اللاتى» للمؤنث ، دليل على أنه فاحشة يمارسها النساء مع النساء ، لأن «اللاتى» للجمع ، فالممارسات يكن جمعا من النساء عادة. والشهادة بأربعة تغليظا على المدّعى ، وسترا على العباد. وحكم اللواط ، الأنثوى والذكرى ، فى التوراة هو القتل (الأحبار ٢٠ / ١٤). ولا خلاف أن الشهود ينبغى أن يكونوا عدولا. وأما آية اللواط عند الذكور فى القرآن فهى : (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً) (١٦) (النساء) وقوله «واللذان» هو

١٢٢٦

دليلنا على أنهما اثنان من الذكور. والعقاب فى حالة الإناث بالحبس فى البيوت ، وفى حالة الذكور بالإيذاء وهو التوبيخ وغيره.

* * *

٢٣٩٣ ـ الجلد عقوبة الزانى والزانية

كان الزنا معروفا فى اللغة قبل الشرع ، مثله مثل السرقة والقتل. ويقال الزنى والزنا : وهو اسم لوطء الرجل المرأة فى الفرج من غير نكاح ولا شبهة نكاح ، وبمطاوعتها ، وعندئذ يجب الحدّ ، وهو مائة جلدة ، بشرط أن يكون الزانى حرا بالغا ، والزانية حرة بالغة ، فإن كانت أمة فالحد خمسون جلدة ، لأن الأمة إن أتت بفاحشة فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب ، وكذلك العبد. ولا يصح الجلد والرجم معا ، ولا الرجم وحده ، ولم يرد بذلك نصّ ، وإن كان البعض يقول إنه ثابت بالسنّة ، فلما كان القرآن يقضى بالجلد ، فإن من يقول بالرجم فقط يخالف القرآن ، وكذلك من يقول بالجلد والرجم. والدولة هى السلطة المخاطبة بتوقيع العقوبة وليس الأفراد ، وكذلك خوطب بها عامة المسلمين ، لأن إقامة الدين واجبة عليهم ، ثم الدولة تنوب عنهم ، والقاضى والشرطة ينوبان عن الدولة. ويشترط فى الجلد أن يكون مبرحا ، ينفر الزانى من إتيان الجرم مرة أخرى ، ولكنه لا يجرح ، ويكون فى الظهر. والجلد ليس من عقوبات الزنا فى اليهودية وعقوبته عندهم الرجم.

* * *

٢٣٩٤ ـ ثبوت الحد بالإقرار أو الشهود

الإقرار بالزنا سيد الأدلة ، ويكفى فيه اعتراف الزانى أو الزانية مرة واحدة ، والبعض يشترط لصحة الإقرار أن يتكرر من المعترف أربع مرات ، سواء كان فى مجلس واحد أو مجالس متفرقة ، فإن أقرّ الزانى أنه زنى بامرأة فكذّبته فعليه الحدّ دونها ، ولا يصحّ الإقرار إلا من بالغ عاقل ، وأن يكون من الممكن أن يقع الوطء منه فى وقته ، ولو أقرّ بالزنا فى وقت معين لا يتصور وقوعه منه فيه لم يصحّ إقراره ، ولو قامت بيّنة عليه فهى كاذبة ، وإن أقرّ ثم رجع فى إقراره أو هرب ترك.

ويشترط لشهادة الشهود أن يكونوا أربعة ذكور عدول مسلمين ، يصفون الزنا ويعيّنون الزانى والمزنيّ بها ، ومكان الزنا ، وإن لم يكمل عددهم أربعة فعليهم حدّ القذف ، وإن رجعوا عن الشهادة ، أو رجع واحد منهم ، أو اختلفوا فى الشهادة ، فعليهم جميعا حدّ القذف. وإذا حملت امرأة ولم يعلم لها زوج ، ولا أنها أكرهت ، فإنها تحدّ. والزنا زنيان : زنا السّر : وهو الذى يشهد به الشهود ، وزنا العلانية : وهو أن يظهر الحمل وتقر به المرأة.

١٢٢٧

٢٣٩٥ ـ الحدّ فى رمى المحصنات

نزلت الآية : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) (النور) فى القاذفين ، بسبب ما قيل فى عائشة أم المؤمنين. وقيل : بل نزلت فى القذفة عموما لا فى تلك النازلة. والرّمى هو السبّ واستعير له اسم الرمى لأنه إذاية. والرمى للمحصنة وكذلك للمحصن ، ولكن الآية اقتصرت على النساء من حيث أنهن أهمّ ، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى ، وقذف الرجال داخل فى حكم الآية بالمعنى ، والإجماع على ذلك. والمحصنات هن العفائف. ويشترط فى القاذف العقل ، والبلوغ والإسلام ، والحرية والعفة ؛ ودون العقل والبلوغ يسقط التكليف ، لأنهما الأصل فيه. والتعريض كالتصريح إذا فهم منه القذف ، والشهادة عليه بأربعة رحمة بالعباد وسترا لهم ، وتقبل شهادتهم مجتمعين ومفترقين ، ولا عبرة بالشهادة إلا إذا كانت معاينة ، وعقوبة القاذف الجلد ثمانين جلدة ، ويحكم عليه بالفسق والخروج عن طاعة الله ، ومن ثم لا تقبل له شهادة مدة عمره ، إلا من تاب وأصلح. وعلى ذلك فالأحكام فى القاذف ثلاثة : جلده ، وردّ شهادته أبدا ، وفسقه ؛ والتوبة تكون بتكذيبه لنفسه فى القذف ، وبعد التوبة تجوز شهادته. وقيل فيمن يشهد عذاب المجلودين : أقل العدد أربعة قياسا على شهادة الزنا. وقيل فى قوله «طائفة من المؤمنين» أن الطائفة حتى الألف. والمراد من حضور الجماعة هو الإغلاظ على الزناة بحضرة الناس ، وأن ذلك يردع المحدود ، ومن شهده وحضره يتّعظ به ويزدجر ، أو يدعو لهما بالتوبة والرحمة.

* * *

٢٣٩٦ ـ اللعان يمين الذين يرمون أزواجهم

لمّا ذكر الله تعالى حدّ القذف للمحصنات ، تلا ذلك باللعان بين الأزواج إذا شهد أحدهم على الآخر بالزنا ولم يكن لهما شهداء إلا أنفسهم ، قال : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٩) (النور). وقوله «لعنة الله عليه» كان منه اسم اللعان ، وهو أن يقسم بالله ويستنزل عليه لعناته إن كان كاذبا. ويكفى لإيجاب اللعان مجرد القذف من غير رؤية ، وللعان أيمان وليس شهادات كالزنا ، وفى التلاعن يقول الزوج : «أشهد بالله أنى رأيتها تزنى ، وأنى ما وطأتها بعد رؤيتى».

١٢٢٨

فإذا كانت حاملا يشهد بالله أن هذا الحمل عندها ليس منه ، ويشير إليه ، ويحلف بذلك أربع مرات ، وفى كل مرة يقول : «وإنى لمن الصادقين فى قولى هذا عليها». ثم يقول فى الخامسة : و «علىّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين». ثم تحلف المرأة بعده أربعة أيمان ، تقول فيها : «أشهد بالله إنه لكاذب فيما ادّعاه وذكره عنى». وإن كانت حاملا قالت : «وإن حملى هذا منه». ثم تقول فى الخامسة : «وعلىّ غضب الله إن كان صادقا أو من الصادقين». ولا حدّ على من يرمى زوجته. وبتمام اللعان تقع الفرقة بين المتلاعنين ، فلا يجتمعان ، ولا يتوارثان ، ولا يحلّ له مراجعتها أبدا ، لا قبل زوج ولا بعده. ووقت اللعان يكون عصرا بالمسجد ، ويتوفر له جمع من الناس.

واللعان فى اليهودية كما هو فى الإسلام ، وطقوسه مختلفة تماما (العدد ٥ / ١٢ ـ ٢٩) وتشبه السحر ، وترده التوراة لغيرة الرجل ، ولذا تسمية شريعة الغيرة. واللعان للمرأة وليس للرجل ، واسم اللعان اسم إسلامى محض ، والكاهن اليهودى يحلّف المرأة يمين اللعنة ويقول لها : يجعلك الربّ لعنة وعبرة بين الناس ، ويصيبك بالمرض فى أحشائك لو كنت قد زنيت ، وتؤمّن المرأة على كلامه تقول : آمين آمين.

* * *

٢٣٩٧ ـ من زنى فى دار الحرب أو فى دار الإسلام يحدّ

الزواج من البغايا محرّم على المؤمنين بقوله تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (٣) (النور) ، إلا إذا تبن. والزنا حرّمه الله ، وحيثما زنى الرجل فعليه الحدّ ، سواء كان فى دار حرب أو فى دار إسلام ، وهذا هو ظاهر الآية : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) (٢) (النور).

* * *

٢٣٩٨ ـ إقرار الممتحنات أن لا يزنين

كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يمتحنّ بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَ) (١٢) (الممتحنة) ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يبايعهن فى «بيعة النساء» بعد «بيعة الرجال» ، ومن ذلك اشتراطه عليهن أن «لا يزنين» ، وكان من نساء الجاهلية كثيرات يرتكبن الفحشاء وخاصة الزنا ولا يحجزهن عنه شرف النسب ، فخصّه وغيره من المناهى بالذكر لهذا السبب.

* * *

١٢٢٩

٢٣٩٩ ـ الزنا وما يكفّره

نهى الله تعالى عن الزنا فقال : (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً) (٣٢) (الإسراء) ، وقوله «ولا تقربوا الزنى» أبلغ من أن يقول : «ولا تزنوا» ، فإن معناه «لا تدنوا من الزنى» ، لا من قريب ، ولا من بعيد ، فيشمل النهى حتى مقدماته. والزنا فى اللغة الفجر ، تقول زنى أى فجر ، فهو زان والجمع زناة ، وهى زانية والجمع زوان ، والزنّاءة الكثيرة الزنا ، ويقال الزنى والزنا ، بالمدّ والقصر. وخطورة الزنا أنه ينسب به ابن الغير إلى الزوج ويرثه بلا حق ، وتفسد به الأنساب. ومن صفات عباد الرحمن ضمن صفات أخرى ، أنهم : (لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً) (٦٩) (الفرقان) ، فجعل الزنا مساو للكفر وللقتل ، وجعلت عقوبة الزنى فى الآخرة كعقوبتهما : العذاب المضاعف والخلود فيه. وفى الآية كانت الصفات الأولى لعباد الرحمن صفات التحلّى ، ثم أعقبتها صفات التخلّى ، فهم عباد الرحمن لأن من صفاتهم أنهم تخلوا عن الزنى. والزنا كالقتل ، لأن القتل إزهاق نفس ، والزنا وأد كوأد البنات ، لأن الزانى يضع ماءه فى غير ما حلله الله ولم يقصد به الإنجاب ، فقتل نفسا لم تخلق بعد ، ولو كان قد تزوج لكان هذا الماء الضائع بشرا سويا. وفى الحديث : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا سئل : أى الذنب أكبر عند الله؟ قال : «أن تدعو لله ندا وهو خلقك» ، قيل : ثم أى؟ قال : «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم» ، فقيل : ثم أى؟ قال : «أن تزانى حليلة جارك» أخرجه مسلم. ودلت الآية والحديث على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق ، ثم الزنا ، ولهذا ثبت فى حدّ الزنا الجلد فى الدنيا ، ويضاعف له العذاب فى الآخرة ويخلد فيه : (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٧٠) (الفرقان) ، والتوبة تكون بالتبديل فى الدنيا ، من الشرك إلى الإيمان ، ومن الشك إلى الإخلاص ، ومن الفجور إلى الإحصان ، وإذا صحّت التوبة صحّ تبديل السيئات حسنات ، وفى الحديث : «اتبع السيئة الحسنة تمحها» ، وسأل أحدهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئا ، ولم يترك حاجّة ولا داجّة إلا فعلها (والحاجّة هى التى تعن فى الذهاب ، والداجّة التى تعن فى الإياب) فهل له من توبة؟ قال : «هل أسلمت»؟ قال : «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنك عبد الله ورسوله. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نعم ، تفعل الخيرات وتترك السيئات ، يجعلهن الله كلهن خيرات». ولا توجد سيئة أسوأ من الكفر وقتل النفس ثم الزنا كما سبق فى الحديث.

* * *

١٢٣٠

٢٤٠٠ ـ الدليل على أن الرجم ليس مما أنزله الله

رجم الزانية والزانى لم يوجد فى القرآن وإنما فى التوراة ، فالمحصنة وغير المحصنة ترجمان بالزنا (تثنية الاشتراع ٢٢ / ٢١ ـ ٢٣). وفى القرآن لا رجم للزنا ، وإنما الجلد ، يقول تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) (النور ٢). والمحصنة فى القرآن يقابلها الأمة ، والأولى تجلد مائة جلدة ، بينما الإماء كان الحكم فى الزوانى منهن مختلفا ، يقول تعالى : (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) (٢٥) (النساء) : أراد إن زنت الأمة ، فعليها نصف ما على المحصنة إذا زنت ، فنبّه إلى أن المحصنات ، هن الحرائر العفيفات ، وسميت كذلك لأن أخلاقها تحصنها ، فهى محصنة ، فإن قلنا إن على المحصنة الرجم إذا زنت ، فكيف يكون على الأمة «نصف رجم»؟! فالرجم لا يتبعّض!! ومن قال إن المحصنة هى البكر ، والبكر إذا زنت عليها مائة جلدة ، فيكون على الأمة إذن خمسون جلدة ، أخطأ وبنى حكمه على مقدمات غير سليمة ، لأن الإحصان يكون للرجل والمرأة على السواء ، فيقال رجل محصن أى عفيف وامرأة محصنة أى عفيفة ، فالقول بأن المحصنة هى البكر قول غير سليم ، فالعفاف لا يقتصر على الأبكار وحدهن ، والمرأة المحصنة إذن هى الحرة العفيفة وتجلد فى الزنا مائة جلدة ، بينما الأمة إذا زنت تجلد نصف ذلك. والمهم أنه لا رجم للزانية فى القرآن. سواء كانت عفيفة حرة أو أمة.

* * *

٢٤٠١ ـ قوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ، و (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)

قيل لما ذا تقديم الأنثى على الذكر فى آية الزنى بقوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) (٢) (النور) ، وتقديم الذكر على الأنثى فى آية السرقة بقوله تعالى : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) (٣٨) (المائدة)؟ والجواب : أن الزنا متفش بين النساء ، والزانيات يجاهرن به ، وهو فى النساء مجلبة للعار ، والمرأة تحمل به ولا يحمل الرجل ، فالزنا يضر بالمرأة صحيا وفسيولوجيا واجتماعيا ونفسيا ، وتبعاته عليها جسيمة ، ونتائجه منها على المجتمع وخيمة ، ولذلك توجه الخطاب إلى المرأة أولا. وأما فى السرقة فإنها أكثر تفشيا فى الرجال ، والإحصاءات على أن السرقات يقوم بها الذكور أكثر من الإناث ، وقد تتسم بالعنف ، وتصحبها الكثير من الاعتداءات والمخالفات. وإقدام الرجال على السرقة أكثر من إقدام النساء ، ولذلك بدأت الآية بذكر السارق قبل ذكرها للسارقة.

* * *

٢٤٠٢ ـ من يتزوج الزانية فهو زان

قوله تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ

١٢٣١

ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (٣) (النور) ، من الآيات التى يمكن أن نخلص إليها بكثير من الدراسات الاجتماعية : فالزنا لا يكون إلا بزانية وزان ، والزنا يوافقهما ويناسبهما ، ووطء الزانية لا يقع إلا من زان أو مشرك ، لأن أيهما لا يهمه إن كان ينكح زانية أو مشركة ، فهذه مسائل لا تهمه لاعتياده الزنا حتى صار طبعا فيه ، وبديهى أنه لن ترضى به إلا من كانت زانية مثله أو مشركة ، والمشرك والمشركة لا يحفلان بالعفاف ، لأنه قيمة ، وجماعة المشركين يحيون بلا قيم ، ودعاة الليبرالية أو الإباحية لا يجدون غضاضة فى أن يتزوجوا أو يطئوا الزوانى ، أو أن تتزوج النساء من مجتمعاتهم من مشركين زناة. ثم إن من يتزوج الزانية لا بد أن يكون قد واقع الزنا مثلها ، وإلا ما قبل الزواج منها ، وهو لا ينكحها إلا وهو راض بزناها وغالبا يساعدها عليه ، والناس من طبائع واحدة يألفون بعضهم البعض ، والطيور على أشكالها تقع ، والزنا تنفر منه طبيعة المسلم والمسلمة ويضاد مبادئهما وما نشّئا عليه من أخلاق وقيم ، والغيرة من الفطرة ، والزنا دليل فساد الفطرة ، لأن الزانى والزانية لا غيرة عندهما ، وعلماء النفس والطب النفسى يصفون من لا غيرة عنده بأنه كالذى لا ضمير عنده ، ولا أخلاق ، ويسمونه مجنونا خلقياmorally insane ، وافتقاده للغيرة كافتقاد المجنون للعقل. والمنطقى إذن أن المسلم والمسلمة لا يجدا نفسيهما مع الزانية أو الزانى خلقيا وخلقيا ، وعمليا ونظريا ، فالزنا ضد الإسلام.

* * *

٢٤٠٣ ـ القوادة

القوادة فاحشة : وهى التوسط فى الزنا ؛ والقوّاد هو سمسار الفاحشة. وكان العرب يكرهون إماءهم على الفاحشة ، وكان بعضهم يمتهن القوادة ، وفى الآية : (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٣) (النور) تحريم للقوادة ، والآية خطاب للرجال ، لأن الإكراه يتصور فيهم ولا يتصور فى النساء إن أردن الزنا ، والتحصّن يكون رغبة عند المرأة وتأتيه إرادة ، فإذا كانت راغبة فى الزنا فهى تفعله دون إكراه. وقد تعمل المرأة قوّادة تستغل النساء نظير ما تتقاضاه ، وهو المقصود بعرض الحياة الدنيا. والبغاء : هو الفحشاء ، من بغى يعنى اعتدى وتجاوز ، والبغىّ : هى التى تتجاوز الآداب وتفجر ، والقوّاد سمّى كذلك لأنه يقود المرأة إلى طريق الفجور والبغاء ويتقدمها فيه لاستجلاب العملاء. والمرأة إذا أكرهت على الزنا لا حدّ عليها ، ويحدّ القوّاد أو القوّادة خمسا وسبعين جلدة ، أى يضرب ثلاثة أرباع حدّ الزنا ، وينفى من البلدة ، وقيل : يحلق للقواد رأسه ، ويشهّر به ، وينفى من بلده ، وأما القوّادة : فتضرب

١٢٣٢

دون الحلق والنفى والتشهير لما يجب من ستر المرأة. وهذا العقاب مكافئ للفعل ، وهو علاج بالتنفير من أنواع العلاج فى الطب النفسى ، وتثبت القوادة بالإقرار ، مع كمال المقرّ بالعقل والبلوغ والاختيار والمسئولية وبشهادة شاهدين عدلين ، أو بإقرار البغايا تحت إمرة وإدارة القوّاد أو القوّادة ، وبالضبط من واقع الحال ، وبطرق الإثبات الأخرى كالتسجيل والتصوير ، وشهادة النساء كشهادة الرجال فى ذلك ، ومثلها إقرار القوّادة على نفسها.

* * *

٢٤٠٤ ـ القذف

القذف : هو الرّمى بالزنا ، واصطلاح القرآن «الرمى» ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (٤) (النور) والآية نزلت فى القاذفين ، وكان سببها ما قذفت به عائشة أم المؤمنين ، فنزلت فى القذفة عموما ، وظاهرها يدل على القذف الذى يوجب الحدّ كما سبق أن قلنا فى رمى المحصنات. واستعير اسم الرّمى للقذف ، لأنه إذاية بالقول ، كقول الشاعر : وجرح اللسان كجرح اليد ، ومن أمثلته : قذف ابن أمية لامرأته بشريك بن السحماء. وقذف الرجال داخل فى قذف النساء فى الآية ، حيث المحصنات تعمّ النساء والرجال ، ويدل على ذلك قوله عن النساء : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ) (٢٤) (النساء) فكأن «المحصنات» فقط يقصد بها الجنسين. والحدّ فى القذف لإزالة المعرّة التى أوقعها القاذف بالمقذوف ، والتعريض كالتصريح ، والتعريض كما فى الآية : (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (٨٧) (هود) ، والآية : (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (٢٨) (مريم) ، فعرّض فى الآية الأولى بشعيب ، بالسّب ، بكلام ظاهره المدح ، وفى الآية الثانية عرّض بمريم فمدح أبوها ونفى عن أمها البغاء. ويستوى فى القذف أن تقذف زوجة من زوجات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو امرأة من العامة ، لعموم قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ) ، ولا يقتضى شرف زوجات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو زوجة الوزير إلخ ، الزيادة فى حدّ من قذفهن ، فشرف المنزلة لا يؤثر فى الحدود ، ولا يؤثر نقصها فى الحد بتنقيص ، ولا صحة لقول القائل إن قاذف زوجة النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم حدّ حدّين ، فهو حدّ واحد ، ويفتقر فى الشهادة إلى أربعة شهداء ، مخافة أن يظلم المتهم بالقذف ، وتقبل شهادتهم مجتمعين ومفترقين ، والخلاف حول ما إذا كان حدّ القذف من حقوق الله أو من حقوق الآدميين ، لأنه لو كان من حقوق الله لكان على القائمين على الأمن والعدالة إقامته ، ولو لم يطلب ذلك المقذوف ، وإن كان من حقوق الآدميين فلا يقام إلا بمطالبة المقذوف ويسقط بعفوه. وفى الآية ثلاثة أحكام فى القاذف : جلده ، وردّ

١٢٣٣

شهادته أبدا ، وفسقه ؛ وإن تاب من بعد ذلك تقبل شهادته ، وتوبته أن يكذّب نفسه ، ويندم ، ويستغفر ، ويترك العودة إلى مثله ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

* * *

٢٤٠٥ ـ رمى البرىء بهت له

ترد الخطيئة والإثم معا فى الآية : (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (١١٢) (النساء) ، قيل : الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد ، والإثم لا يكون إلا عن عمد ، فالقتل بالخطإ خطيئة ، والسرقة إثم. وفى الآية رمى البرىء بخطيئة أو إثم ارتكبهما غيره بهت له. يقال بهته بهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله. وفى الحديث : «أتدرون ما الغيبة؟» قال : «ذكرك أخاك بما يكره. إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه» أخرجه مسلم.

* * *

٢٤٠٦ ـ الخمر والميسر فيهما إثم كبير

سأل المؤمنون عن الخمر كقوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) (٢١٩) (البقرة) ، والخمر من خمر أى ستر ، ومنه خمار المرأة ، والجمع أخمرة ؛ وكل شىء غطى شيئا فقد خمره ، فالخمر تخمّر العقل ، أى تغطيه وتستره ، وقيل سميت خمرا لأنها تركت حتى أدركت ، كما يقال اختمر العجين يعنى بلغ إدراكه ؛ وقيل بل سمّيت خمرا لأنها تخالط العقل ، من المخامرة أى المخالطة ، فالمعانى الثلاثة متقاربة ، فالخمر تركت وخمّرت حتى أدركت ، ثم خالطت العقل ، ثم خمرته أى غطّته وسترته. وما أسكر كثيره ، فمحرم قليله وكثيره. ومن كرم الله مع أمة الإسلام أنه لم يوجب عليها الشرائع دفعة واحدة ، ولكنها مرة بعد مرة ، وكذلك فعل فى تحريم الخمر. وهذه الآية أول ما نزل فى أمر الخمر ، ثم نزلت بعدها : (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) (٤٣) (النساء) ، ثم نزلت : (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (٩١) (المائدة) ، ثم نزلت : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ) (٩٠) (المائدة).

والميسر هو القمار ، من قولهم : الرجل قمر الرجل ، يعنى راهنه على ماله وعياله ، وقيل : كانوا يلعبون فى الليالى القمرية فسمى قمارا ، ولأنه لعب يسير وأداؤه سهل فسمى ميسرا. والميسر ميسران : ميسر اللهو وميسر القمار ، والشطرنج والنرد كلاهما من ميسر اللهو ،

١٢٣٤

وميسر القمار ، يتراهن الناس فيه. وفى الميسر والخمر إثم كما فيهما منافع. وإثم الخمر : ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والفحش والزّور ، وزوال العقل ، وتعطيل الصلوات ، وتأخير ذكر الله ، وإبطال العمل النافع ، ويصير ضحكة الناس. والخمر أم الخبائث. ومنافعها : ربح التجارة ؛ وقيل إنها تهضم الطعام ، وتقوى الضعف ، وتعين على الجماع ، وتشجّع الجبان. ومنفعة الميسر : الربح من غير كدّ ولا تعب. وإثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما ، وأعود بالضرر فى الآخرة ؛ والإثم بعد التحريم ، والمنافع قبل التحريم. وجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام ، وقد لعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الخمر ، ولعن معها عشرة : بائعها ، ومبتاعها ، والمشتراة له ، وعاصرها ، والمعصورة له ، وساقيها ، وشاربها ، وحاملها ، والمحمولة له ، وآكل ثمنها. والذنب فى القمار والخمر من الكبائر. وطالما وصفهما الله تعالى بالإثم فقال : «فيهما إثم كبير» فهما محرّمان ، فقد حرّم الله الإثم فقال : (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ) (٣٣) (الأعراف) ، والخمر والقمار ليس فيهما مجرد إثم ولكنه إثم كبير.

* * *

٢٤٠٧ ـ خمس من المحرّمات

هى : الفواحش ، والإثم ، والبغى ، والشرك ، والتقوّل على الله ، وتجمعها الآية : (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٣٣) (الأعراف) ، و «الفواحش» : هى المقبّحات ؛ و «ما ظهر منها» كنكاح المشركة ؛ و «ما بطن» كالزنا ؛ و «الإثم» : قيل هو ما دون الحدّ ، وكل المعاصى إثم ؛ «والبغى» الظلم والفساد وما تجاوز الحدّ فيهما ؛ و «الشرك بالله» : أن تجعل له شريكا ، و «التقوّل عليه تعالى» كما يفعل النصارى ، فقد جعلوا له زوجة وولدا.

* * *

٢٤٠٨ ـ الحرية تمنع الحرة مما يتعاطاه العبيد

الناس الآن فرضا كلهم أحرار ، والواقع أن العبودية ما زالت موجودة ، حسيّا ومعنويا ، والإماء ما زلن فى كل مكان من العالم بدءا من أمريكا وانتهاء بالصين ، وكان إماء الأمس يشترين بالمال ، وإماء اليوم يشترين بالمال وبالهدايا وبالحظوة ، ونساء اليوم عبدة ما يسمونه الحرية ، وهى فى جوهرها الانحلال ، فالأخلاق والمحرّمات والمباحات لازمة كإشارات المرور ولزومها لحركة الناس والسيارات فى الحياة ، شأنها شأن القوانين التى تحدد للناس قواعد التعامل. وإذا كان للإماء عذرهن قديما ، فإنه لا عذر لبغايا اليوم ؛ وكذلك الحرة فإنها

١٢٣٥

تتحرر من كل ما يمكن أن يقسرها على السلوك بالإباحية أو الانزلاق إلى المشاعية الجنسية. والحرية إن كانت حقيقية تمنع الحرّة وتحول بينها وبين ما تقسر عليه البغى وما كانت تغصب عليه ، والقرآن يميز بين نوعين من الرجال والنساء ، قال : (مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ) (٢٤) (النساء) ، وقال كذلك : (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) (٢٤) (النساء) ، والإحصان هو العفة ، وهو ضد الحرية بمعنى الانحلال ، وكانوا يسمون النساء غير المنحلّات «الحرائر» ، وهو من المصطلحات الإسلامية الرائعة ، وكان عرف الإماء فى الجاهلية الأولى الزنا ، كما أن الانحلال هو عرف النساء فى هذه الجاهلية الثانية التى فرضتها علينا أوروبا وأمريكا. والانحلال العلمانى هو تحلّل من كل الشرائع ؛ ولما جاءت هند بنت عتبة تبايع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم واستقسمها أن لا تزنى قالت : وهل تزنى الحرة؟ فالحرة بالمعنى الإسلامى هى المحصنة : أى العفيفة المحفوظة الممنوعة ، فهى عفيفة ـ من عفّ أى لا تأتى إلا ما يجمل ـ ومحفوظة ، أى من الدنس وأن تأثم وتأتى الخطيئة ، وممنوعة أى من أن تقرب الحرام أو يقربها.

* * *

٢٤٠٩ ـ الاغتصاب

يقال غصبه على الشيء أى قهره ، وغصب الشيء أى أخذه قهرا ، كقوله تعالى : (وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) (٧٩) (الكهف ٧٩) ، ومن ذلك أن تقول : اغتصبت المرأة : أى زنى بها كرها ، ومن استكره امرأة على الزنا فعليه الحدّ دونها ، وإن أكره الرجل على الزنا فزنى فعليه الحدّ.

* * *

٢٤١٠ ـ وطء الأموات

الوطء من وطأ يعنى داس كقوله تعالى : (وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً) (التوبة ١٢٠) ، وقوله : (هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً) (المزمل ٦) أى لها ضغطة. والوطء الجماع ومنه وطء الأموات ، وقيل : من وطأ زوجته بعد موتها فقد فعل محرّما ، ولا يحدّ حدّ الزانى ، ويسقط عنه الحدّ للعلاقة الزوجية ، ويعزّر لانتهاك حرمة الموتى ، وهذا الوطء محرم إجماعا وإن لم يكن زنا لغة. وفى وطء الميتة يجب الحدّ فى وجه ، وفى آخر لا يجب.

* * *

٢٤١١ ـ الوطء فى الدّبر

الوطء هو إتيان النساء ، ومنه الوطء فى القبل ، والوطء فى الدّبر. والوطء الحلال : هو ما كان للزوجة فى القبل ، والحرام ما كان دون ذلك. ولا يحل وطء الزوجة فى الدبر ، لقوله

١٢٣٦

تعالى : (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) (٢٢٢) (البقرة) أى أن مباشرة النساء لا تكون إلا فى القبل دون الدبر ، ومن يفعل عكس ذلك ففعله من الشذوذ الجنسى ، ودليل اضطراب نفسى يعانى منه الرجل ، والنساء لا يرضين به ، وإذا فعلنه فعن رضوخ وكراهية شديدة ، ومن حق المرأة أن تطلب الطلاق إذا تكرر ذلك من زوجها ، ومن حقّها أن ترفض شذوذه بإباء. وحكم وطء الأجنبية فى الدبر هو حكم اللواط ، بقوله تعالى : (فَآذُوهُما) (١٦) (النساء) ، وفى حالة وطء النساء فى الدبر فالذى يؤذى هو الرجل ، وقيل يؤذى بالتوبيخ والتعيير ، وبالسّب والجفاء ، وليس هذا الوطء من الزنا ، والإحصان المعاقب عليه بحدّ الزنا لا يكون إلا فى الوطء الكامل ، أى الوطء فى القبل.

* * *

٢٤١٢ ـ وطء الصغيرة والصغير

الوطء للصغيرة التى يمكن وطؤها يوجب الحدّ لأنه زنا ، فإن كانت ممن لا يصلح وطؤها ففي وجه يجب عليه الحدّ ، وفى آخر لا يجب ، ووطؤها جرم لا شك فيه يعاقب عليه ، وللأب أن يدّعى فيه بالحق المدنى ، ولو امرأة استدخلت ذكر صبى لم يبلغ عشرا فإنها تجرّم وتعاقب. والوطء للصغير فى الدّبر لواط ويعاقب المكلّف عقاب اللواط. وكذلك إن ساحقت المرأة طفلة فتعاقب عقاب السحاق.

* * *

٢٤١٣ ـ وطء البهيمة

من وطئ بهيمة عزّر ولا حدّ عليه ، وقيل حكمه حكم اللائط ، أى يؤذى بالتوبيخ والسبّ والضرب والتعيير ، ويجب قتل البهيمة ، سواء كانت له أو لغيره ، وهذا سليم علميا ، لأن الوطء قد يكون منه نقل الأمراض والعدوى ، فإن كانت البهيمة لغيره فعليه ضمانها ـ أى ثمنها. وفى إباحة أكل البهيمة وجهان.

* * *

انتهى بحمد الله باب المعاملات ، وبانتهائه بمنّة الله ينتهى كتاب موسوعة القرآن ، وما انتهت موضوعاته ، وإلى المزيد منها فى طبعات تالية إن شاء الله تعالى.

عبد المنعم الحفنى

الجيزة ت : ٧٦١٣٣٥٥

١١٨ ش محيى الدين أبو العز الدقى

جميع حقوق النشر محفوظة للمؤلف

١٢٣٧
١٢٣٨

فهرس موضوعات القرآن

الباب الأول ص ٧ : القرآن والتعريف به ، وأسماؤه ، ورسمه ، وقراءاته ، وسوره ، وأقسامه ، وفواتح السور ، وخواتيمها ، وأشهر الآيات ، والدعوة إلى الحوار ، ومقارنة الفاتحة بالإنجيل ، وأسماء السور ، وعلوم القرآن ، والقول بأن «فرقانا» عبرية ، ولغة القرآن وألفاظه الأعجمية ، وترجمة القرآن وتفسيره ، وأشهر التفاسير ، ومقارنته بالأحاديث القدسية ، ومعجزة القرآن ، وأسلوبه ، ومنهجه ، وطريقة تعلّمه ، والصوت فى القراءة إلخ.

الباب الثانى ص ١٤٣ النبوة والنبىّ فى القرآن : النبوة ضرورة معنى المصطفى ، عدد الأنبياء ، وصفاتهم كبشر ، ودعوتهم ، واستهزاؤهم به ؛ خاتم النبيين ، خلقه ، وأسماؤه ، الردّ عليهم فيما نسبوه إليه من السحر والكذب والكهانة والجنون إلخ ؛ معنى أنه أمى ، ولما ذا تعددت زيجاته ؛ أهل بيته ، وما قيل عن زواجه من خديجة ، ومن عائشة ، ومن زينب ؛ عدله بين أزواجه ، وحجابهن ، وتحريم الزواج منهن ؛ الزعم بأنه مريض بالصرع ، وقولهم بأنه أفاك وساحر ؛ المباهلة ، والكوثر ، وهل رأى ربه ، وفرية الشيعة بأنه كتم بعض القرآن ؛ هل يغنى القرآن عن السنة ، أحاديثه الصحيحة ، والدفاع عن السنة ؛ غزواته إلخ ..

الباب الثالث : الإيمان والإسلام : أولا الإيمان ص ٢٦٧ : ماهية الإيمان فى القرآن ؛ الإيمان والإسلام ؛ الله ودلائل وجوده ؛ البرهان على البعث ؛ معنى الله ؛ التوحيد ، الكفر ؛ الشرك ؛ صفاته تعالى ؛ وأسماؤه الحسنى ؛ رؤيته تعالى ؛ مشيئة الله ومشيئة البشر ؛ الله فى الإسلام ، وفى اليهودية ؛ الملائكة ؛ وصايا الله تعالى ، وإبراهيم ، ويعقوب ، والمسيح ؛ القدر ؛ الدعوة باللين ؛ الفتن والساعة ؛ أحاديث آخر الزمان.

ثانيا : الإسلام ص ٣٥٠ : ماهيته ؛ الدين واحد ؛ الحنيفية ؛ المسلمون ؛ عولمة الدين ؛ أركان الإسلام ؛ من هو المسلم والمسلمة ، والمرتد إلخ ...

الباب الرابع : الإسرائيليات والشبهات والإشكالات ص ٣٩١ : ماهية الإسرائيليات ؛ اليهود والنصارى ؛ الإسرائيليات فى أشهر التفاسير ؛ أشهر الصحابة

١٢٣٩

ألّفوا إسرائيليات : ابن عباس ، وعبد الله بن سلام ، وابن منبّه إلخ. الشبهات : لما ذا المتشابه ؛ تناقض القرآن والتوراة ؛ أكاذيب اليهود فى القرآن ؛ آية الفتنة ؛ آية الاستفزاز ؛ أيام الله ؛ أحاديث عن بولس ؛ الحاجة للملائكة للنصر ؛ حقيقة سورة الأحزاب ؛ إشكالات.

الباب الخامس : اليهود والنصارى فى القرآن ص ٤٧٣ : لما ذا ينتقد اليهود القرآن؟ محاجاتهم فى الله ؛ اليهودية ديانة عنصرية ؛ عزيز أو عزرا ؛ سبينوزا ؛ حرب الإشاعات ؛ أبناء الله ؛ لا موالاة للمستهزئين بالإسلام ؛ صفات اليهود وجرائمهم ؛ بيت المقدس ؛ السبت والأحد والجمعة ؛ جبريل وميكال ؛ قالوا ثلاثة ؛ الأحبار والرهبان ؛ الحواريون ؛ ميثاق النصارى.

الباب السادس : موجز سور القرآن ص ٥٢١ ...

الباب السابع : القصص فى القرآن ص ٨٣١ : فن القصة فى القرآن ؛ قصة الخلق ؛ آدم وحواء فى القرآن والتوراة ؛ الخروج من الجنة ؛ شجرة المحنة ؛ أول نبىّ وأبو البشر ؛ إبليس والشيطان ؛ قابيل وهابيل ؛ نوح وامرأته وابنه ؛ عاد وثمود ؛ صالح ؛ أصحاب الأيكة ؛ شعيب ؛ أصحاب مدين ؛ القرية الظالمة ؛ تبّع ؛ أصحاب الجنة ؛ أصحاب الرس ؛ البئر المعطلة ؛ والقصر المشيد ؛ إبراهيم وضيوفه ؛ إسماعيل وهاجر ؛ لوط وامرأته ؛ المؤتفكات ؛ يعقوب ؛ يوسف ؛ امرأة العزيز ؛ أيوب ؛ إلياس ؛ موسى والفرعون ؛ هارون ؛ شجرة موسى وعصاه وتسبيحته ؛ امرأة فرعون ؛ عبدة العجل ؛ قارون ؛ مؤمن آل فرعون الذى جاء من أقصى المدينة ؛ أصحاب الكهف ؛ موسى والخضر ؛ السبعون أتباع موسى ؛ طالوت ؛ جالوت ؛ داود والزبور ؛ سليمان وملكة سبأ والنمل والهدهد ؛ حكم سليمان ؛ أصحاب السبت ؛ يونس ذو النون صاحب الحوت ؛ لقمان ؛ البقرة ؛ زكريا ؛ يحيى ؛ امرأة عمران ؛ مريم ؛ الغلام والراهب ؛ الأحزاب ؛ بنو قريظة ؛ الإفك ؛ ساعة العسرة ؛ استماع الجن. إلخ ..

الباب الثامن : أمثال وحكم القرآن ص ١١٧٧ .. ..

١٢٤٠

فهرس موضوعات القرآن

الجزء الثانى

الباب التاسع : فى أسباب نزول آيات القرآن ص ١٢٤٥ ..

الباب العاشر : النسخ فى القرآن ص ١٤٧٥ ...

الباب الحادى عشر : مصطلحات القرآن ص ١٥٣٧٧ ...

الباب الثانى عشر : الموت والساعة والقيامة والجنة والنار ص ١٦٢٩ ..

الباب الثالث عشر : القرآن والعلم : أولا العلم والقرآن ص ١٦٧٩ ثانيا : علم النفس فى القرآن ص ١٧٥٥ ..

الباب الرابع عشر : القرآن والفنون والصنائع والآداب والأخلاق ص ١٨٠٧ : نظرية الجمال فى القرآن ؛ القلم والكتابة ؛ الوصايا ، الموسيقى والشعر والقصة ؛ والحوار إلخ ..

الباب الخامس عشر : الإسلام الحربى ص ١٨٦٥ : السلم والحرب ؛ والجهاد والشهادة فى القرآن.

الباب السادس عشر : الإسلام الاجتماعى : أولا : المرأة فى الإسلام ص ١٩١٩ ؛ ثانيا : النكاح والزواج ص ١٩٥٥ ؛ ثالثا : الحمل ؛ والولادة ؛ والرضاع ؛ والفطام ؛ والحضانة ص ٢٠٤٢

الباب السابع عشر : العبادات : الوضوء والاغتسال ص ٢٠٩٩ ؛ الصلاة ص ٢١٠٠ الطهارة ص ٢١٠٢ ؛ النجاسات ص ٢١٠٥ ؛ الجنابة ص ٢١٠٧ ؛ الحيض والاستحاضة ص ٢١٠٩ ؛ التيمم ص ٢١١٤ ؛ الآذان ص ٢١١٥ ؛ الصلاة ص ٢١١٩ ؛ صلاة الجمعة ص ٢١٥٩ ؛ السجود ؛ المساجد والقبلة ص ٢١٦٤ ؛ الذكر والتسبيح والدعاء ص ٢١٨٥ ؛ الصيام والفطر ص ٢٢٠٢ ؛ الطعام والشراب ص ٢٢٣٣ ؛ الحج والعمرة ص ٢٢٥٨

الباب الثامن عشر : المعاملات : أولا : الإسلام السياسى ص ٢٢٩٧ : الأساس الموضوعى للدولة الإسلامية ؛ الترف والبذخ ؛ التعاون الطبقى وليس الصراع الطبقى ؛ مساواة الخادم والسيد ؛ ما ملكت أيمانكم ؛ السخرة ؛ حق الفقراء ؛ الأمم والشعوب ؛ الحكومات ؛ الظلم ؛ الشعوبية ؛ نظرية الخلافة ؛ الشورى ؛ البيعة ؛ الردّة ؛ آجال

١٢٤١

المجتمعات ؛ تغييرها ؛ نظم الحكم ؛ الهدية للحاكم ؛ الحكم لله ؛ طاعة ولى الأمر ؛ طلّاب الحكم ؛ حكومة الجاهلية ؛ بطانة الحاكم ؛ الطبقات والدرجات ؛ رجال السلطة ، الصلح ؛ الناس سواء ؛ اللجوء السياسى ؛ الذمة ، الجزية.

ثانيا : الإسلام الاقتصادى ص ٢٣٣٢ : اشتراكية الإسلام ، الإنفاق الاشتراكى ؛ الصدقة ؛ الزكاة الصدقة الواجبة ؛ صدقة التطوع ؛ وجوب الزكاة ؛ أعيان الزكاة ؛ زكاة الفطر ؛ مصارف الزكاة الخمس ؛ غير المسلمين العاملون عليها ؛ والمؤلفة قلوبهم ؛ حدّ الفقر ؛ المستضعفون ؛ الدّين والدولة ؛ بيت المال ؛ الخراج ؛ البيع والربا ص ٢٣٥٨ ؛ القرض الحسن ؛ الرشوة ؛ من أين لك هذا ؛ المواريث ص ٢٣٦٥ ؛ الفرائض ؛ التركة ؛ الورثة ؛ الكلالة ؛ العول ؛ الورثة من الرجال والنساء ؛ العصبات ؛ ذوو الأرحام ـ العقود والبيوع ص ٢٣٢٧ ـ الأمانات ؛ الإقرار ؛ الشهادة ؛ الاحتكار ؛ الهبة ؛ العطية ؛ الحوالة ؛ الخيار ؛ القرض ؛ النسيئة ؛ الدّين ؛ العارية ؛ الوديعة ؛ اللقطة ؛ القسمة ؛ القسم ؛ الرهان المقبوضة ؛ الغامرون ؛ الإفلاس ؛ المساقاة والمزارعة ؛ القضاء ؛ الدعوى ؛ دعوى الزواج ؛ عقد الزواج الشركة ؛ المضاربة ؛ والقراض ؛ الشفعة ، الغضب ؛ الإقالة ؛ التحكيم ؛ الصلح ؛ الحجز ؛ الهبة ؛ الهدية ؛ الإجارة ؛ الجعالة ؛ الضمان ؛ الكفالة ؛ الوكالة ؛ الوصية ؛ الولاية ؛ النذر ؛ الأيمان ؛ المسلم عند شروطه ؛ الاضطرار.

الإسلام الجنائى ص ٢٤٤١ : الثواب والعقاب ؛ نظرية الحدود ؛ الدية ؛ التعزير ؛ السرقة ؛ الحرمات قصاص ؛ فى القصاص حياة ؛ القتل ؛ الوأد ؛ الحمالة ؛ القتل وأنواعه ؛ الجنون والمسئولية القود والقصاص ؛ الضرب ؛ الجروح ؛ الحبس ؛ لا مساس ؛ آية المحاربين ؛ الزنا والجلد والرجم ؛ اللواط والزنا ؛ رمى المحصنات ؛ اللعان ؛ القوادة ؛ القذف ؛ رمى البريء ؛ الخمر والميسر ؛ الاغتصاب ؛ اللواط فى الدبر ؛ وطء الموتى ؛ والبهيمة ؛ والصغير والصغيرة.

انتهى الفهرس بحمد الله

وحقوق المؤلف محفوظة

١٢٤٢

من مؤلفات الدكتور الحفنى

أولا : فى الإسلام والتصوّف

ـ رابعة العدوية : إمامة المحزونين والعاشقين.

ـ الإمام الفيلسوف حجّة الحق الشاعر عمر الخيام والرباعيات.

ـ الموسوعة الصوفية.

ـ المعجم الصوفى.

ـ موسوعة الفرق والمذاهب والجماعات والأحزاب الإسلامية حتى العصر الحالى.

ـ فرق الشيعة للنوبختى والقمى. تحقيق.

ـ قوت القلوب للمكى. تحقيق.

ـ تجلّيات فى أسماء الله الحسنى.

ـ الدعاء لله.

ـ موسوعة أم المؤمنين عائشة بنت أبى بكر.

ثانيا : فى الفلسفة

ـ موسوعة الفلسفة والفلاسفة (مجلدان).

ـ معجم الفلسفة : عربى ـ إنجليزى ـ فرنسى ـ ألمانى ـ لاتينى ـ روسى ـ يونانى ـ عبرى

ـ أسبانى ـ إيطالى.

ـ موسوعة فلاسفة ومتصوفة اليهودية.

ـ ما هى الوجودية.

ـ الوجودية والماركسية.

ـ البيركامى : الفلسفة والأدب والحياة.

ـ ثلاث مسرحيات لكامى : العادلون ـ الحصار ـ سوء تفاهم.

ـ التمرد لكامى.

ـ أسطورة سيسيف لكامى.

١٢٤٣

ـ چان بول سارتر. الفلسفة والأدب والحياة.

ـ ثلاث مسرحيات لسارتر : الشيطان والرحمن ـ سجناء ألطونا ـ الممثل كين.

ـ سيناريو فيلم الدوّامة لسارتر.

ـ سارتر : الوجودية مذهب إنسانى.

سيمون دى بفوار : الأفواه اللامجدية.

ثالثا : فى علم النفس والطب النفسى موسوعة علم النفس والتحليل النفسى.

ـ المعجم الموسوعى للتحليل النفسى : عربى ـ إنجليزى ـ فرنسى ـ ألمانى.

ـ موسوعة الطب النفسى : مجلدان.

ـ الموسوعة النفسية الجنسية.

ـ موسوعة أعلام علم النفس.

ـ موسوعة مدارس علم النفس.

ـ تفسير الأحلام : الترجمة عن الألمانية لتحفة فرويد.

ـ التحليل النفسى للأحلام : نظرياته وطريقة جديدة فى التفسير.

ـ تعبير المنام لعمر الخيام.

ـ تعبير الرؤيا لأرطيميدورس الإفسى : ترجمة حنين بن إسحاق. تحقيق ودراسة.

ـ ما فوق مبدأ اللذة لفرويد.

ـ ليوناردو دافنشى لفرويد.

ـ موسى والتوحيد لفرويد.

١٢٤٤